البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : المغرب في استيهام الرحلات الاستشراقية الفرنسية "رحلة جوليان فيو إنموذجاً"

الباحث : د. أنس الصنهاجي

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 9

السنة : السنة الثالثة - خريف 2016م / 1438هـ

تاريخ إضافة البحث : January / 11 / 2017

عدد زيارات البحث : 565

حجم ملف البحث : 276.138 KB

 تحميل

اتسمت الإنتاجات المعرفية الاستشراقية بتعدد مشاربها وحقل انتمائها خلال القرن التاسع عشر الميلادي عموماً، وارتبطت بالبعد الاستعماري، والموجه السياسي المحكوم بضوابط الإمبريالية الناجمة عن تطور الرأسمالية، وبذلك لم تخرج الكتابات الأدبية والسوسيولوجية والتاريخية عن هذا الإطار، بل حاولت بكل جهدها خدمة استراتيجية الهيمنة التي يهدف إليها السياسي المدفوع بشهوة السيطرة الاقتصادية على خيرات وثروات شعوب ما وراء البحار، وأصبحت بذلك أوروبا متطلعة لبناء مستقبلها عن طريق الفعل الإمبريالي، وعلى حساب شعوب المستعمرات المستضعفة.

 وجرت العادة أن تسبق عملية الهيمنة المباشرة، القيام باستكشاف المناطق المجهولة والتعرف على مجالها وأهلها وسبر أسرارها، لتذليل احتلالها ومحو أو تهجين هويتها، وفي خضم ذلك برز الاهتمام بالمغرب إبان القرن 19، والذي ازداد بشكل كبير مباشرة بعد احتلال الجزائر سنة 1830م، وتطلع الفرنسيين إلى احتلال المغرب والوصول إلى المحيط الأطلسي، فتحمس بذلك الرحالة والمؤسسات المعرفية بفضولٍ كبير للتعرف على المغرب وكشف أسراره للمؤسسة السياسية والعسكرية، سواء في إطار اتفاق مسبق ودعم واضح أم غيره، فانتبهت السلطات الفرنسية بالجزائر وإدارة باريس إلى ضرورة الاهتمام بهؤلاء، وتجنيدهم لتجميع المعلومات الكافية لبناء سيناريوهات ومشروعات التدخل. وارتباطا بهذه المداخل الإيضاحية، حاولنا إبراز جنس من الكتابة اهتم أصحابه بتقديم صورة المغرب في شموليتها، ضمن السياق المشار إليه، ونعني بذلك "جوليان فيو" الملقب "ببيير لوتي" الذي  زار المغرب سنة 1889م رفقة بعثة دبلوماسية فرنسية، فأنتج كتابا أثار الكثير من النقاشات عن جدلية الموضوعية والذاتية في رسمه لصورة المغرب والمغاربة، حيث وصف مجريات الرحلة، في قالب أدبي غرائبي، تغلب عليه التعبيرات المجازية والصور البلاغية، الأمر الذي يفرض على الباحث ضرورة الغوص في معنى الدلالات وحقولها، لفهم الأهداف المتوخاة من الكتابة وغاياتها.

1 ـ صورة المغرب المتداعي في مخيال"جوليان فيو":

     حاول الكاتب من خلال هذه الرحلة التي ابتدأها من طنجة وأنهاها في مكناس مرورا بالقصر الكبير والعرائش وفاس، إصباغ الفضاء المغربي بصبغة الجمود والبؤس والاحتضار، بسبب وفائها للطابع الأصولي (الإسلامي- اليهودي) الموشوم على أسوارها المخيفة والمتهالكة والمهدمة، وأبوابها القديمة، وأسقفها المحدبة([1])، وأزقتها الضيقة([2]) المدلهمة([3]) الموؤدة في لون البياض أو لون التراب الأسمر، ومناراتها المطهمة بالرخام التراثي الرتيب([4])، وهوائها الكريه المنبعث من المستنقعات وجثث الحيوانات النافقة التي تملأ المكان وتكثر قرب قصر السلطان([5]) ،  هذا الواقع التعيس كان ينيف عند "فيو" كلما توغل الزائر في داخل المغرب، أو ابتعد قليلا عن حدود المدن، فالأمن فيه دانق، بل ينعدم في المسالك القريبة من المتمردين على سلطان فاس مثل قبيلة زمور التي يتفادى السلطان نفسه المرور من محاذاتها([6])، والطرق في كل فجّ عائق، منافذها من فرط أوحالها تجعل خطى الخيول التي تقل البعثة تتدأدأ على عَضَل([7])،  فـ"فيو" من خلال هذا الوصف يشي عن حالة التمزق الذي يعيشها المغرب (بلاد المخزن/ بلاد السيبة)، وعن وجود مناطق خارجة عن سيطرة  السلطة المركزية، وهذا ما دفع السلطان المولى الحسن إلى العيش في خيمة خارج إيوانه مدة نصف سنة  لمنافحة المتمردين، لأنه في حرب دائمة ضد القبائل التي لا تعترف به سلطانا، بل فقط خليفة للمسلمين، ومن بين أبرز هؤلاء الخصوم قبائل زمور والريف([8]).

هذا الصراع المتواصل بين السلطة والقبائل أسهم بقوة في غياب الأمن وانعدام أبسط مقومات الحياة العصرية، فالأوحال الكثيفة التي تسود الطرقات جعلت التنقل على الأقدام من الصعوبة بما كان،  كما أن حالة انعدام الأمن جعلت أبواب المدن  والمحلات التجارية توصد باكرا، فالمرء لا يستطيع التجوال في المدينة إلا بعصا في اليد صحبة حيوان أو حيوانين، يسبقانك لتأمين الطريق([9])، وتعتبر الجياد والجمال والحمير والبغال  وسيلة النقل الوحيدة داخل المدينة، إذ على متونها يحمل الأعيان البضائع من مكان لآخر، فلا تسمع على إيقاع هذه الحركة سوى كلمة "بالاك" "بالاك"، (أي انزاحوا عن الطريق)، ولا يمكن  للمرء أن يخرج من هذا الازدحام إلا وهو ملفّع بالأوساخ والغبار([10]).

وفي غمرة وصفه للمنازل الفاسية والمكناسية الفارهة، شد انتباهه افتقادها للسقوف الواقية من الحر والقر، لكنه في المقابل أعجب بالحدائق التي تؤثثها أشجار الزهر وسط المنازل، وبمستوى الترصيع والزخرفة والنحت على الجبص والخشب والزليج والفسيفساء والأثاث والأعمدة والأقواس التي صنعت من هذه المنازل([11]) لوحة فنية تراثية تنتمي إلى زمن الأندلس الغابر، نمّت من جهة عن مهارة الحرفيين وحذقهم، وعن وفائهم في محاكاة هذا الفن من جهة أخرى([12]).

وفي هذا الصدد يقول"فيو:" كنا منتصبين وسط ساحة داخل المنزل الذي يكشف للسماء تحفه، فتبدت أعمدة وأقواس منقوشة، وفسيفساء لامعة تغطي البلاط والحيطان بما يناهز قامة الإنسان، وعلى السقوف تتشكل نقوش النحت على الخشب (الأرابيسك) بأنواعها وألوانها المختلفة، هذا الإبداع  لا يباهيه روعة سوى نقوش الأرضية الساحرة المدرجة في تناسق بالأزرق والأخضر والأحمر والمذهّب، والأكيد أن هؤلاء الحرفيين الذي عكفوا على زخرفة هذه المنازل، صناع خريتون يتمتعون بدربة معتبرة، وهم أسباط أولئك الذين أبدعوا منحوتات قصور غرناطة، بيد أن عيبهم هو اقتصارهم على الإبداعات الفنية التي ورثوها عن آبائهم، إذ لم يدخلوا عنها منذ قرون أي تعديلات تذكر"([13]).

أما منازل السواد من الناس، فقد راعه ضآلة حجمها وانتصابها دون سقوف، كأنها مكعبات حجرية، وفي معرض حديثه عن مدينة مكناس ذكر أنها تعيش في عشوائية فظيعة فوق الأطلال، جراء تراكم البنايات والدور والقلاع داخلها منذ قرون؛ بيد أن حدائق مكناس التي سمع بها وتاق لزيارتها، فقد صدم منذ وهلة الوقوف على أعتابها، بأبوابها الخربة وأشجارها القليلة وعشبها المحلوق، ورفات الحيوانات النافقة ( أحصنة، ثيران، نعام)  المبثوثة عظامها في مختلف جنبات الحديقة، حيث يقول في هذا الشأن: "هي ليست إلا حديقة حزينة ومحاطة بأسوار"([14]).

2 ـ صورة المغاربة في استيهامات"فيو" :

     تعمد "فيو"  في معرض وصفه لحالة المغاربة، توظيف أسلوب احتقاري تهكمي يحط من قيمة المغربي ومن تصرفاته، ومن أسلوب ذلك، وصفه لمخيمات أنصاف الرحل  بالمخيمات التي تنبعث منها رائحة البداوة العطنة و نشاز الغناء الحزين([15])، وقوله: "لونهم أبيض، كلون أسوارهم، يجرون أنعالهم في الغبار دون ضجيج، كما أن تقاسيم آلاتهم الموسيقية تعزف على أوتار الأزمة المهلكة والماضي الميت، وحين سمعت صوتهم يتناقشون شبهت نبرتهم بضحك القردة، وحسبت بعضهم يتقيأ ... ولو أني لم أكن متعودا على ضجيج الأفارقة،  لحسبتهم همجاً يتصارعون تحت نافذتي، وأن بعضهم يذبح الآخر" ([16]) فنظرته العنجهية هذه، جعلته يختزل المغاربة في أربع صور بمشاهد مختلفة في ظاهرها، لكنها متشابهة في عمقها، فالصورة الأولى هي صورة المغربي البائس المهمش الذي يعيش على التسول أو جمع فضائل الطعام من مكبات ومزابل الأسياد والحكام، وهذا نابع من سيادة طغمة مستبدة غير آبهة بالوضع، ترفل في النعم على حساب حقوق السواد الأعظم من الشعب المستسلم لواقعه، بحجة أن ذلك هو من قدره، وفي هذا السياق يقول "فيو": "المتسولون يجمعون بقايا الدجاج والجزور من حول خيامنا... وحين أقفلنا عائدين إلى مخيمنا وجدنا سحرة ومتسوّلين بلا أرجل جالسين على الأرض الموحلة، يتكففون الناس، وأخريات شبه عاريات يحفرن تحت بغال البعثة بأظفارهن في الأرض، وهن قعود على أيديهن وركبهن، علهم يعثرون على قليل من الشعير أو ما يسد به رمقهم"([17]).

أما الصورة الثانية فهي صورة الأصوليين المتشددين الذين يرفضون الآخر بحقد وصفاقة، ويعبرون عن ذلك بكل وقاحة وامتعاض، ومن الأمثلة التي بسطها في ذلك المأدبة التي رفض أحد الوزراء حضورها بحجة أن المسلم لا يجوز له الأكل مع النصراني، ([18]) والدرقاويين الذين كانوا يبصقون على المسيحيين وهم مرور من أمامهم"([19])، والمرأة التي كانت تستعطيهم وهي تقول "الله ينعل دينكوم"([20]) (نعل الله دينكم). وعن حادثة ضريح سيدي "قْوِيدَر" ذكر أن عسكر القائد أمروهم بلباقة ألا يمسوا الضريح لأنهم دَنَس([21])، وهذا ماجعله يصب جام حقده على الدين الإسلامي الذي اعتبره سببا في إنتاج هذا الفعل الاجتنابي والكره العميق للمسيحي([22])، إلى درجة اضطر معه أن يلبس البرنس أثناء رحيله إلى مدينة مكناس، خوفا من تنكيل القبائل المتعصبة([23]). وفيما يخص الصورة الثالثة فهي صورة الميسورين ذوي السلطة والمال والنفوذ، حيث اعتبرهم من طينة أخرى لا يشبهون باقي المغاربة في كثير من الأمور، فالدعة  والغنى وكثرة النعم جعلتهم مرضى بذهان العظمة، ([24]) إلى درجة طفقوا فيها يتكلفون المشي في أناة وجلال، حيث يقول في هذا الشأن" هذه الشخصيات من الأعيان الذين كانوا يستقبلوننا، نحس أنهم لا يشبهون باقي أبناء الشعب، فالمال والسياسة زادتهم دلالا وترفعا([25])"  فنمط العيش وأسلوبه عند المغاربة  يختلف من فئة لأخرى، حيث يرتقي بكثرة المال والقرب من السلطان، وهذا ما فرض حسب "فيو" بروز فئتين متنافرتين على المستوى الاجتماعي، فئة ترزح تحت وطأة الفاقة والعوز، وأُخرى تنعم بحياة الترف والرفاهية وبحبوحة الحال. أما الصورة الأخيرة فهي صورة المتمرد الخارج عن القانون، فضعف السلطة المركزية بعلة قلة الموارد المالية، وكثرة التمردات هنا وهنالك، أدى إلى انفلات أمني  خطير، جعل المغاربة  يعيشون في حالة فوضى عارمة، خاصة في المناطق التي لم يتمكن المخزن من بسط سلطته عليها، وهذا ما حذا بالسلطان المولى الحسن إلى  العيش نصف سنة بعيدا عن عرشه في محاربة القبائل المتمردة التي تأبى الخضوع لسلطته([26])، وهذا ما دفع الرحالة إلى القول:"الآن وصلنا إلى قبيلة زمور الناهبين المتمرّدين على حكم فاس، حتى السلطان نفسه لما يسافر مع أتباعه يتفادى هذه المنطقة، أما نحن فكلنا جد محترسين من هذه القبيلة، وضاعفنا عدد حراس الخيام المجهزين بالأسلحة، وأعطينا أوامرنا بأن لا يتركوا أحدا يقترب من مضاربنا، وأن يغنّوا ويدقوا الطبول حتى الصباح لكي لا يناموا، والقائد يظهر أنه غير مرتاح ولم ينم"([27])، كما وصف مدينة فاس بالمدينة التي لا أمن فيها، فالأجنبي عنها لا يمكنه أن يجوب طرقاتها حتى ولو اختفى في لباسها التقليدي المعتاد([28]). بينما فسر الأبواب الضخمة لأحياء اليهود التي تغلق باكرا ، والحراسة المشددة  التي تمنع كل دخيل الولوج إلى الحي، بالتوجس الذي يعيشه اليهود خوفا من العرب والبرابرة([29]).

3 ـ صورة المرأة المغربية بملتقطات "فيو":

    ميز "جوليان فيو" بين المرأة المغربية القروية من جهة وبين المرأة الحضرية المسلمة واليهودية من جهة أخرى،  حيث لاحظ أن المرأة البدوية تكاد تلتهم خدودها الهالات السوداء المتستطيرة على مساحة الأحداق، جراء التعب، والشمس التي تظل عرضة لها طوال اليوم،([30]) كما استرعاه في إحدى الدواوير (القرى الصغيرة)  بعض النسوة بركب عاريات وسحنات مخفيات بعفة([31])، وأخريات شبه عاريات يحفرن مقرفصات بأظافرهن تحت بغال البعثة، أملا في العثور على شروى شعير يسكتن به جوعهن([32]). كما انتبه إلى جرأة المرأة وجسارتها على التوسل للقواد (حكام القرى) والمقربين من المخزن(حكومة السلطان ومدبري مملكته) للعفو على أقرباء لها اقترفوا ذنبا فاستوجب فيهم العقوبة والتعزير([33]). أما المرأة الحضرية المسلمة، فهي امرأة تتمتع عند "فيو" بالجمال كله، فمشيتها متبخترة برأس مشرئب في شموخ، وعيناها واسعتان في سواد بهيم، وشفتاها المفتوحتان مزدانتان بثغر لؤلئي بسّام، وأردافها تتهدهد بغنج وترنم مبالغ فيهما، وعلى جبهتها ويديها يعلو وشم أزرق، غير أن هذا الجمال الجارف، ينقشع تحت إزار أبيض مثل الأشباح([34]). وفي سياق حديثه عن جاراته الحسناوات، يقول: "إحدى جاراتي تقضيِ ساعات وهي وحيدة جالسة على سور ضيق لا تتحرك ولا تهتم بأي شيء يمر من حولها، هي لاجتذبك حين ترمقها في الوهلة الأولى، لكنها تتمتع برشاقة وقدّ ممشوق، وطرف أدْجَن حالك، وذراعين ورجلين بضتين مكشوفتين حتى الركبتين، تنتعل نعلة نسائية قديمة (تسمى بالعامية المغربية الشربيل)، أما شفتاها فجوانبهما الرقيقتان جعلتاها تمتاز بجمال مسحته خاصة، ويظهر من عينيها أنها كانت تبكي بسبب ضربها من قبل بعلها، تمنيت لو كنت قريبا منها لأهون عليها مأساة ضربها وتعنيفها، وإشفاقي عليها يحركه سحر شفتيها، فالجمال له تأثير على  أي إنسان"([35]). ثم بعد ذلك رآى فتاة سمراء شعرها عار يظهر على رُواء بضفائر وارفة، فبدأ يتساءل عن هذا الجار الذي اشترى هذه الفُروهة الآسرة للألباب، بعينيها المشدودتين وقامتها الهيفاء المستقيمة، وقد جزم "فيو" أن جزءا من تقاطيعها يستحق أن يكون موضوع لوحة فنية، وحين كشفته يسترق النظر إليها، امتعضت من رؤيته فوق سطح  مخصص للنساء فقط، وكأنها أرادت أن تقول: حتى هذا الفضاء الضيق والمغلق طفقتم تزاحمونا فيه([36]).

فالنسوة سيدات وخدم كان متنفسهن اليومي أسطح المنازل، إذ كن فيه يضحكن ويلعبن، وينفسن فيه عن أنفسهن بطلاقة وحرية، فالعادة والمتعارف أن الرجال ليس لهم الحق  في الصعود إلى الأسطح باعتباره فضاءً نسائياً صرفاً([37]) . كما كانت الصلوات الخمس سببا لخروج المرأة من تلك البيوت المنغلقة،  حيث كان أغلبهن يتوجهن نحو مسجد المولى إدريس"([38]) وكان يوم الجمعة يوما استثنائيا بالنسبة للنساء، إذ كن يخرجن فيه للتجول والترفيه وهن يرتدين أجمل ما لديهن من ألبسة وحلي([39]).

وعن بواعث تفشي ظاهرة العهارة في مدينة فاس عزا "فيو" ذلك إلى التجار الميسورين الذين يتزوجون بفتيات في عمر الورد، ثم بعد حين يتم تطليقهن، وهذا ما جعله يقول: "تعج فاس بالمطلقات البعض منهن يعشن في عزلة والأخريات يعشن تحت رئاسة عجوز في منازل فوق وادي فاس، هذه النسوة كن يتقاضين مقابل بيع أجسادهن أقراص الخبز المحلى (القراشل باللغة العامية المغربية)، فكنا كلما رأينا رجلا يتسلل وراء الأسوار حاملا خبزا محلى نكشف الغاية([40]). وفي غمرة وصفه للمرأة اليهودية ميسورة الحال، نجده مَشْدوهاً ببياض بشرتها ودعج عيونها وبهاء حسنها ورق حاجبيها، ولباقة كلامها وحفاوة استقبالها، فاستحضر ذلك لديه ميثيات ألف ليلة وليلة، خاصة وهن يرتدين الحرير السندسي المطهم بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، على متكآت تحت خيوط أشعة الشمس الذهبية، تزيدهم الابتسامة التي لا تعزب عن ثغرهن إشراقا ونظارة، يحسبهن الرائي حوريات على الأرض([41])، وقد أثنى "فيو" كثيرا على الحفاوة وكرم الوفادة التي استقبلتهم بها سيدة المنزل وفي هذا يقول: "حرصت مضيفتنا حتى وهي مزينة بحلي من الجواهر واليواقيت الإشراف على جزئيات الطبخ بنفسها، كما أصرت على تقديم الأطباق بنفسها وهو ما أدته بإتقان رفيع وأصالة ركينة. وقد ترادفت على المائدة عشرون وجبة مختلفة، مشفوعة بصنفين أو ثلاثة أصناف معتقة من السلاف الأبيض المعصورة من العنب التي تعج بها حقول مدينة مكناس"([42])، وقد تأسف "فيو" على الفتيات اللواتي كن يتزوجن دون العاشرة، فالعادة عند يهود فاس ومكناس كانت تقتضي  تزويجهن في سن العاشرة والصبيان في سن الرابعة عشرة، كما أشار إلى النسوة اللائي كن مسجونات داخل بيوت الملاح بحكم تعاليم الناموس اليهودي، وقد أعرب في هذا الصدد بالقول: "حين تفقدت بناظري هذه السطوح التي تفني فيها هذه النسوة أعمارها شعرت بحزن يخالطه التوجس من مصير اليهوديات المكرهات باسم التلمود العيش داخل هذا الحي الضيق وسط هذه المدينة المحنطة والمعزولة عن العالم الخارجي"([43]).

4 ـ الثقافية الشعبية المغربية من زواية "فيو":

    الثقافة الشعبية هي بمثابة محصلة معرفية لإبداعات الجماعة وتمثلاتها، والتي يعبر عنها بطريقة شفهية، وسلوكيات اجتماعية وطقوسية وكذا عقائدية، وهذا التعبير محدد في أشكال تعبيرية متعددة من قبيل القصة – الأسطورة – النكتة – الشعر – الأمثال والحكم... أو في تجمعات وتظاهرات سلوكية مثل الحفلات الشعبية – رقص – طقوس – تعبد- أشغال– ولائم- وضائم...، هذه الأرضية شكلت بالنسبة ل"فيو" و للأدبيات الكولونيالية الأخرى، المادة الخام التي اشتغلت عليها ووظفتها، وروجت على أساسها صورة المغرب التراثي القديم الموؤد في غياهب التخلف والجمود، والمحنك في مومياء القدرية والأصولية. فما العناصر التركيبية لصورة الثقافة الشعبية التي التقطها "فيو" أوساط رحلته؟

     رصد "فيو" إبان معاينته للمغرب عادات وتقاليد موروثة، بعضها أصلته الشرائع الدينية، والبعض الآخر قرّت وفية لتراث الحضارات المتعاقبة على المغرب. ومن أبرز هذه الثقافات، ثقافة رمي البياض على القافلة المسافرة لتحفّها البركة والسلامة والرزق الوفير، وهذا ما فعله الوزير للقافلة التي قلت "فيو" ومن معه([44])، ومن عادات استقبال الضيف لحظ "فيو" أن المغاربة يستهلون استقبال الضيف والاحتفاء به برش ماء الورد على وجهه بواسطة مرشات خاصة وتبخيره طوفا بالعود المحرّق في المباخر، وعند الجلوس يوزع عليه حلويات كعب الغزال (المحشوة بعجين اللوز) والشاي المنسم بالنعناع والقرفة وحبة الحلاوة([45])، وحين يستقبل السلطان ضيوفه تجد من مراسيم الاستقبال فرساناً يصطفون في انضباط على الجهتين، ببزة بيضاء وطرابيش منسابة على الرؤوس، وهم يمتشقون بنادق طويلة ورقيقة في صمت وسكون([46]).

 ولليلة الجمعة مكانة خاصة عند المسلمين حيث تدق الطبول وتعزف الموسيقى (الدينية) احتفاء بقدوم يوم الجمعة، ففي هذا اليوم يلبس المغاربة لباسهم التقليدي الخاص بالمناسبات، وتعبق المنازل والمساجد برائحة العود، وتوضع مرشات ماء الورد لتعطير الذاهبين إلى الصلاة والقادمين منها([47]). وفي عيد الفطر جرت العادة أن يرسل السلطان وجبة من مطبخه لأصحاب المقامات العالية، وهي عبارة عن قصاع من الكسكس يحملونها العبيد السود([48]).

وفي غمرة حديثه عن الزواج وتقاليده، استاء من عادات تزويج اليهود للفتيات في سن العاشرة وهو سن اعتبره "فيو" إجحافاً في حق طفلة لازالت محتاجة للهو واللعب وغير  ناضجة لتحمل المسؤولية وأعباء الزواج([49]). وعند وصفه لعرس ابن الوزير الأول، فقد ذكر أن آلاته الموسيقية التي أحيت المناسبة كانت آلات تقليدية تتكون من الدف والطبل، تتخللها بين الفينة والأخرى طلقات البنادق، ومن العادات أن يقدم العريس لعروسه التي لم يرها بعد هدايا تليق بمكانتها ومقامه، فجاءت الهدية المقدمة محمولة فوق هامات ثلاثمائة فرد، ملفوفة في الحرير المشدود بالبروشات الذهبية([50]). وعن ثقافة الفرجة والترفيه التي أثارها "فيو" في رحلته اندهش من الألعاب المثيرة  التي تسود ساحات مدينة فاس، والتي تغص بالمارة والفضوليين، وفي هذا الصدد يقول: "دوائر من الناس حول الذين يلعبون بالأفاعي والذين يشربون الماء الساخن والذين يذبحون أنفسهم ويظلون أحياء"([51])،  ولم يفت "فيو" إثارة الطقوس والتقاليد التي تمر عليها مناسبة سلطان الطلبة التي تقيمها جامعة القرويين كل سنة خلال عطلة فصل الربيع، حيث ذكر أن  الطلبة كانوا يقومون بحفل كبير يدوم عشرة أيام بعد أن يختاروا سلطانا عليهم بطريقة عارية عن النزاهة، فبعد نصب الخيام على ضفاف نهر الجواهر، يأتي أهل المدينة كل ليلة بحضور الوزراء والتجار للاستمتاع بالأغاني وبأكواب الشاي المنسم، وفي اليوم الثامن يأتي السلطان بنفسه لتكريم الطلبة واستقبال سلطان الطلبة الذي يكون ممتطيا حصانه المظلّل وكأنه سلطان حقيقي، فيجلس حذو السلطان ويتعامل معه بندية، و قد جرت العادة أن هدية السلطان لسلطان الطلبة هو تحقيق  طلب له و لقبيلته، وعقب نهاية الحفل  يفر سلطان الطلبة إلى حيه أو قبيلته  خوفا من انتقام الطلبة الذي جار عليهم وهو في منصبه([52]). ولا تقتصر الاحتفالات بالطلبة في هذه المناسبة فحسب، بل يحتفل أهل القبائل والدواوير كل سنة بالناجحين أو الذين ختموا حفظ القرآن، وهذا ما أكده "فيو" وهو متجه إلى مدينة مكناس، حيث صادف هذه المناسبة والمحتفلون متحلقون حول موائد الطعام في فضاء الطبيعة([53]). هذا الفضاء الذي يستغله أنصاف الرحل في حلهم وترحالهم، فيسمرون فيه حول نار هادئة رفقة حكواتي يغني ويضرب على الطنبور([54]). ومن ثقافة التوسل بالذبائح والقرابين رعى "فيو" حالتين أساسيتين، حالة الوزير الذي جاء أحدهم يخبره بذبح أضحية قرب باب مقره، وهو الطقس الذي يرجو منه المتوسل  قضاء حاجته، فإذا وافق على تلبية الطلب أمر  بأخذ الأضحية. وإذا رفض تجاهلها وغض الطرف عنها([55])، وحالة الأضرحة التي يعلوها علم أبيض لهداية القوافل الراغبة في التوسل بالقرابين والقطع النقدية لقضاء الحاجة ونيل المراد([56]). وفي ثقافة الإجلال والاحترام والتوقير كانت من عادات المغاربة تقبيل أسفل برنس رجالات المخزن  والعلماء عند الالتقاء بهم([57])، وعن عادات القصاص والعقاب من المجرمين والمتمردين، بصّ "فيو" على حلاق السلطان وهو يشق بموس حلاقته راحتي المجرم حتى العظم، وللامعان في تعذيبه، درّ الملح على الشقوق المفرّعة، ثم نشب أنامل المُجَرّم فيها، ثم وضع عليها قفازات ضيقة ومبللة من جلد الثور، للرفع من منسوب الألم وتمديد العمر بضنك الإحساس، فكلما انقفع الجلد كلما أناف الوصب([58]). والموس نفسه الذي كان يستعمل في القصاص والعقاب كان يستخدم في عملية الحجامة التي كان المغاربة  يعتبرونها دواء من  كل داء([59]).

5 ـ الزي المغربي في معاينات "فيو" :

    ميز "فيو" في وصفه للزي المغربي سواء الرجالي أم النسائي، بين زي الأغنياء وزي الفقراء وزي العبيد من جهة، وزي المسلمين واليهود من جهة أخرى، فكل فئة اجتماعية أو دينية اتسمت بلباسها التقليدي المعتاد، فزي الأعيان الرجالي للمسلمين تشكل من قفطان زاهي الألوان، وفي الغالب يكون ورديا مع برنس أبيض وآخر أزرق، بينما الحصان يبسط عليه غطاء من حرير أخضر مطرز بالذهب([60]). ولم يرق "فيو" الزي الذي كان عليه أثرياء اليهود، حيث وصفه بالمظهر السيئ وغير اللائق، حيث علق في هذا الشأن بالقول: "كان يرتدي سمائل من قطعة واحدة ذات لون باهت"([61]) لكن في المقابل انبهر بلباس المرأة اليهودية المشكل من التنانير ذات الألوان الزرقاء والقرمزية النظرة المطرزة بخيوط الذهب، وقفاطين الحرير المنسوجة بخيوط الذهب المفتوحة والبراقة، والأقراص الثقيلة المطهمة بالأحجار الكريمة اللائي كن يحطن بها معاصمهن وأجيادهن  وكواحلهن، والجواهر الدقيقة واليواقيت الضخمة الشبيهة بحبات الفستق، المعلقة على حلمات آذانهن، والقبعات الصغيرة المنسوجة بخيوط الذهب وبألوان الحرير الزاهية  ذات الشكل المخروطي الحاد، الموضوعة بأناقة على هامتهن، والعصابات الحالكة المشدودة حول رؤوسهن على الطريقة اليهودية، والمنسابة خيوطها الحريرية على خدودهن، والخصلات الموزعة على شكل جدائل منكوشة حول آذانهن الرقيقة([62]). أما لباس عامة الناس فالرجال المسلمون أكثرهم كانوا يرتدون ملابس صوفية إما بيضاء([63]) أو رمادية طويلة، وفوق رؤوسهم طرابيش منحنية([64])، وبعضهم ينتعل نعلاً([65]) والبعض الآخر بأرجل حافية ملطخة بالوحل، بينما تميز اليهود باتشاحهم بثياب دلماء واعتمارهم لكبيات فاحمة مثبّتة فوق قننهم، من تحتها تنسدل ضفائر شعر طويل([66]).

 أما المرأة المسلمة فكان الإزار الأبيض  والنعلة النسائية (شربيل)، هو لباسها النمطي  المعتاد ([67])، بينما ارتدت الإيماء كسوة رمادية([68])أو بيضاء أو وردية، وخمار يواري وجوههن([69]).

6 ـ الأسواق والمحلات التجارية في أوصاف "فيو":

    أثار "فيو" خلال رحلته بعض مظاهر الحياة التجارية التي كانت تسود المناطق التي زارها في المغرب، فاستهل بذكر المحلات التجارية الإسبانية وبعض الملصقات الفرنسية والإنجليزية التي أضفت على الشارع الكبير بمدينة طنجة لمسحة أوروبية، رغم طغيان الطابع العربي الإسلامي عليها([70]). وعند دخوله لمدينة العرائش رنا أن سوقها الرئيس جد ضيق،([71]) وفي طريقه إلى مدينة فاس وعلى مشارف قبيلة سفيان شاهد سوقا أسبوعيا يفيض بالمتبضعين ويزدحم بالوافدين، لدرجة أن الحركة فيه كانت عسيرة، وميزته أنه مقسم على مجموعة من الجهات، وكل جهة تختص ببيع بضاعة أو منتج معين، في خيام صغيرة وقصيرة، فهناك جهة لبيع التوابل، وجهة لبيع الألوان لصباغة الصوف وأظافر النساء، وأخرى لبيع الأنعام...، وقد استاء "فيو" في هذا السوق من بياعي الماء الذين كانوا يضعونه في جلود الماعز ويسكبونه للعطشى في كأس واحد([72]). أما في مدينة فاس فقد استرعاه التقسيم التجاري التي شهدته مدينة فاس، إذ كل زقاق يشتهر بصناعة تقليدية أو بيع بضاعة معينة، فهناك زقاق خاص بصناعة الجلود، وزقاق لبيع المجوهرات والذهب، وآخر للحدادين وأمكنة للصباغين ومواضع لصناع البنادق القديمة وبطاحي معروفة بالألعاب السحرية([73]). وفي أسواق بيع المواد الغذائية لحظ "فيو" أن الكل فيه مختلط ومجتمع، والنساء على قارعة الطريق يجلسن على الأرض لبيع الخبز والزبدة والخضار، ووجوههن مختفية بثوب الموسلين الشفاف([74]). أما سوق العبيد فالبيع والشراء فيه يبدأ بعيد صلاة المغرب مباشرة([75]). وفي حديثه عن المتاجر شبهها ببيوت الكلاب التي كان بعضها على شكل علب تعمها رفوف غريبة من الفضة، وخزائن من الخشب المصقول الذي تبرق من فوقه أحجار المرجان، وبياعوها يقفون بظهور مقوسة([76]).

7- أحياء اليهود في ملاحظات "فيو":

     من أولى الملاحظات التي لحظها "فيو" عن أحياء اليهود، الروائح  العطنة التي تفوح من المكان، بسبب الأوساخ وجيف الكلاب والحمير([77]) والقاذورات والأزبال والفضلات، حيث قرف من الحالة التي يعيش عليها اليهود داخل هذا الحي، والكثافة الشديدة للساكنة، والبيوت المتلاصقة والمتراكمة بعضها فوق بعض، وكثرة التجار والباعة التي تزيد الحي أعثانا([78])، ولم يفته التأكيد على التشابه الشديد التي تتقاسمه أحياء يهود المغرب مع أحياء يهود الدول الإسلامية، خاصة على مستوى السحنة واللباس والمساكن، وفي ذلك يقول: وعندما تدخل الملاح يخيل لك أنك في تركيا أو سوريا أو مصر، ففي جميع الدول الإسلامية اليهود يتشابهون في وجوههم ولباسهم ومساكنهم"([79]). كما انتبه إلى أن ملاح مدينة العرائش هو الملاح الوحيد في المغرب الذي يكبر أحياء المسلمين، وأن منازلهم وأبوابها على العموم هي كبيرة وعالية مقارنة مع مساكن المسلمين، ([80]) غير أنها تفتقر في الظاهر للرونق والجمال، لكن بمجرد أن تتجاوز باب عتبة المنزل القصيرة  والمتواضعة، ينبهر الزائر بمظاهر البذخ والفن المعماري الأندلسي الذي تلذ به الأعين، والحديقة التي تمتد مساحتها على خمسة أو ستة أمتار مربعة، المحاطة  بشجيرات البرتقال، جمالية هذا المكان لا يفسده حسب "فيو" سوى ألواح التلمود المعلقة في كل ركن من أركان المنزل وراء غطاء من زجاج شفاف، أو الكتابات المدبجة باللغة العبرية، أو الوجه الباهت للنبي موسى، أو أشياء أخرى تشي عن هذا الظلام البعيد عن وجه الشبه بالعتمة الإسلامية([81]). وقد عزا غنى يهود فاس عن غيرهم،  إلى امتلاكهم للذهب والثروات والمجوهرات القديمة وجميع أنواع المتلاشيات القديمة والثمينة التي تخلّى عنها الوزراء والقوّاد([82]).

وعلى العموم فقد بدا مغرب "فيو" مغربا منغمسا من أخمس قدميه إلى فروة رأسه في سبات مميت، ينتظر من ينفخ روحا بدماء جديدة في جسمه المتصلب البارد، لاستنبات الحياة، فمغرب "فيو" هو مغرب قرسطوي مدلهم، يعشش فيه الخراب وأصوات نشاز بتراتيل جنائزية، يتلفع كفن الإسلام الأبيض الذي تعط منه رائحة الموت المستطير. وعلى هذا الأساس حاول "فيو" أن يصور المغرب من خلال مدينتي طنجة وفاس والمناطق الأخرى التي زارها، مغربا تجمد الزمن في أركانه، تجمدا جعل التخلف وصدى الموت وقرا يلازبه، فوشى بذلك عن وعيه الشقي الذي يرفض كل آخر يختلف عنه.



خـــاتمة

اجتهدت كوكبة من الرحالة المستشرقين الذين زاروا المغرب خلال النصف الأخير من القرن 19 وبداية القرن العشرين، في إخراج صورة متعددة المشاهد والأبعاد لمغرب مدرج بكل أشكال التخلف والدونية والانحطاط، هذه اللقطات الممتوحة من استيهامات الخيال الغربي، المشحون بـأحكام انفعالية جاهزة، جعلت من المغرب  امتدادا للشرق المتصلب في أركان الزمكان المغتال، بمجالاته الآسنة وفضاءاته البدائية التي تحاكي أطلال الرموس، وبناء عليه، تم توظيف معجم جنائزي- قدحي في البناء السردي للرحلة، لنزع أي لمسة حضارية يمكن للمغرب أن يفخر بها، مقابل تأليق قيم الأنا الفرنسية المدنية والحضارية، لإسبال طابع الإنسانية على الرحلة الاستشراقية والمشروع الاستعماري، وعلى هذا الأساس أصرت خلاصة الدراسات على رسم منحنيات صورة نكرة، يتسمّر المغرب/الشرق فيها على درك الهامش، مدمخ بدناسة التعصب والتوحش والتشرذم، وفرنسا /الغرب على سدة المركز برسالتها الحضارية المخلّصة، وهو ما يستلزم – لتجاوز هذه الصورة القميئة- تطهّره بقيم الغرب الرائد واستقاءه من معين النموذج الحداثي الفرنسي، وهو السّمت الأمثل لانتشاله من مستنقعه المذر، والإكسير اللازم لبعث وإحياء مغرب جديد.


(*) المملكة المغربية / فاس /كلية الآداب والعلوم الانسانية.


*  هوامش البحث  *

[1]- Pierre (Loti), Au Maroc, Ancienne maison Michel Levy frères, Paris, 1890, pp.67- 141.

[2]-Ibid, p179.

[3]- Ibid, p203.

[4] -Ibid ,p2-4.

[5]-Ibid,  p 139.

[6]-Ibid, p147.

[7]- Ibid, pp18-67 .

[8]-Ibid, p263.

[9]-Ibid, p178.

[10]- Ibid, p. 242

[11]- Ibid, p179.

[12]-Ibid, pp. 311-318

[13]-Ibid, p321.

[14] Ibid, p335.

[15]- Ibid, p5-7.

[16]- Ibid, p3.

[17] - Ibid, pp64-72.

[18]- Ibid, p258.

[19]- Ibid, p242.

[20]- Ibid, p73.

[21]- Ibid, p102.

[22]- Ibid, p181.

[23]- Ibid, p277.

[24]- Ibid, p311.

[25]- Ibid, p319.

[26]-Ibid, p263.

[27]-Ibid, p104.

[28]-Ibid, p178.

[29] -Ibid, p267.

[30]- Ibid, p3.

[31]- Ibid, p286.

[32]- Ibid, p72.

[33]- Ibid, p 39.

[34]- Ibid, p229- 231.

[35] - Ibid, p330.

[36]- Ibid, p229 – 231.

[37]- Ibid, p 193 – 195.

[38]- Ibid, p196.

[39]- Ibid, p182.

[40]- Ibid, p212.

[41]- Ibid, p302.

[42]-Ibid, p334.

[43]-Ibid, p329.

[44]- Ibid, p14.

[45]-Ibid, p69.

[46]-Ibid, p44.

[47]-Ibid, p254.

[48]-Ibid, p279.

[49]-Ibid, p 326.

[50]- Ibid, p185.

[51]- Ibid, p254.

[52]- Ibid, p221 - 222.

[53]- Ibid, p288 – 289.

[54]- Ibid, p5-7.

[55]-Ibid, p35.

[56]-Ibid, p102.

[57]-Ibid, p300.

[58]-Ibid, p 108.

[59]-Ibid, p259.

[60]-Ibid, p44.

[61]- Ibid, p319.

[62]-Ibid, p320 – 333.

[63]-Ibid, p3.

[64]-Ibid, p87.

[65]-Ibid, p3.

[66]-Ibid, p67.

[67]-Ibid, pp229 – 231.

[68]-Ibid, p202.

[69]-Ibid, pp229 231.

[70] -Ibid, p3.

[71]-Ibid, p37.

[72]-Ibid, p89.

[73] -Ibid, pp. 237-240

[74]-Ibid, p254.

[75]- Ibid, p201.

[76]-Ibid, p315.

[77]-Ibid, p267.

[78]- Ibid, p331.

[79]-Ibid, p68.

[80]- Ibid, p267.

[81]-Ibid, p349.