البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الدراسة الاستشراقيّة بين الأمس واليوم

الباحث : د. محمد بسناسي

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 9

السنة : السنة الثالثة - خريف 2016م / 1438هـ

تاريخ إضافة البحث : January / 11 / 2017

عدد زيارات البحث : 554

حجم ملف البحث : 400.498 KB

 تحميل


الملخص:

سنروم من خلال طرق جملة مباحث متكاملة تدارس ظاهرة الاستشراق، من دون إدّعاء إيفاء وإيتاء الموضوع حقّه من التّحليل والتّوصيف؛ فالحديث في مبحث مضارع ذو شجون، وفنون، وما دفعنا إلى تسليط الضوء عليه هو ملاحظتنا أنّ النتّاجات الاستشراقيّة لم تعرف فتورا ولا قسوراً؛ بل نلفاها تتزايد وتتوالد، ثمّ ألسنا علاوة على ذلك نرى رأي العين أنّ الإسلام أضحى مادة دسمة لوسائل الإعلام الغربيّة؟ بحكم مستجدّات العالم الإسلاميّ السياسيّة اليوم، وتواجد الأقليّات المسلمة في الدول الغربيّة، وعلاقات الغرب المتوتّرة بالإسلام، لاسيّما بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتفشّي أطروحات نهاية التّاريخ وصراع الحضارات. فما يُلاحظ في المبحث الاستشراقيّ – الذي تعاطاه عدد غير قليل من النّاظرين الغربيين في الشّأن الشّرقيّ – هو الطفرة في ما يُنشر ويُكتب، ولكأنّنا بالغرب يعاود اكتشاف الإسلام، هذا، ولئن تغيّرت مسميّات الاستشراق الآن ونزعت أكثر إلى التخصّص من ذي قبل. سنعرض في عجالة، إذن، مفهوم الاستشراق، ومناهجه وتيّاراته، وموقف الدارسين المسلمين المتلقّفين لنواتج النشّاط الاستشراقيّ، ويدفعنا في ذلك فضول، حول ما إذا كان المبحث يختلف على ما عهدناه في الأدبيّات الاستشراقيّة، أم أنّ المضامين، وأساليب البّحث تبقى هي نفسها مكرورة. سنروم، إذا، تبيان طبيعة الاستشراق بين الأمس واليوم.

كلمات مفاتيحية:

الاستشراق، المدوّنة التراثيّة، الخطاب المناوئ، مناهج البّحث، التاريخ.    

تمهيد:

لا تزال الدراسات التي قدّمَها المستشرقون حول التراث الإسلاميّ - في شتّى تجلّيّاته- تطرح  الكثير من التساؤلات والنقاشات، لدى الباحثين العرب والمسلمين. وإنّ نتائج البحوث التي توصل إليها المستشرقون، لم تَصُبَّ غالبا في اتّجاه الاعتقادات والمُسلّمات السّائدة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة؛ فلقد نظر العلماء العرب والمسلمون إلى تُراثهم نظرة المنتمي إليه، تبعا للارتباط العقديّ بمادّة البحث، وأسسّ العلماء المسلمون مناهجهم البحثيّة الخاصّة، التي اتّكئوا عليها في دراسة وتحليل المدوّنة التراثية، والتّاريخ والحضارة. وغير خافٍ أنّ الباحثين المسلمين حاوروا التراث وهُمْ تحت مظلته، أيْ إنّه جزء منهم في شعورهم وفي لا شعورهم. ومع ذلك، فقد حفلت الثّقافة العربيّة بتجارب، عوّلت على توخّي المنهج النقديّ والموضوعيّ في التّحليل والوصف والاستنباط، ومن ذلك تجربة ابن خلدون (ت 1406م)، وما أحدثته من طفرة متميّزة.

وانقسم الدارسون المسلمون حديثا، بين مُعرض عن استعمال أدوات العلوم الاجتماعيّة، والمعرفيّة الحديثة؛ بحجة أنّها دخيلة على المجتمعات العربيّة، ووافدة من سيّاق غربيّ ذي خلفيّة يهوديّة/مسيحيّة/علمانيّة، وبين منادٍ بتطبيق أحدث المقاربات الّتي أفرزتها العلوم الاجتماعيّة واللسانيّة في الدّراسات النقديّة، والتّاريخيّة، والنصوص الدينيّة.

وقد عكف المستشرقون، من جهتهم، على تباحث النتاج التّاريخيّ الإسلاميّ، باستخدام المناهج الّتي شاعت في عصرهم، محاولين الوقوف على المادة التّاريخيّة والدّينيّة، لاجئين إلى أصول التّحليل العلميّ، معلنين تقمّص التجرّد والموضوعيّة؛ فهذا ما كان في ظاهر المشروع الاستشراقيّ. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل كانت مناهج المستشرقين بريئة ورصينة ؟

في الواقع، نجد أنّ المستشرقين اشتغلوا على المدوّنة التراثيّة من وجهة نظر خارجية، إنْ صحّ التعبير؛ أيْ من زاوية الناظر، والمتأمّل لمادّةٍ غير متّصلٍ بها، من حيث الانتماء الإثنّي، واللغويّ، والعقائديّ. والحال، إزاء تباين النظرتين للتراث الإسلاميّ بين المستشرقين الغربيين والبحّاثة المسلمين، سنجتهد من خلال هذه الوريقات في رصد، وتتبّع ماهيّة وخصائص الظاهرة الاستشراقيّة، وموقف المسلمين منها، ونتطلّع إلى تبيان ميزة النظرة الاستشراقيّة، من حيث المنهج، والأفكار البارزة. وهذه وقفة لتدارس الاستشراق، وتطواف يرصد طبيعته بين الأمس واليوم.

- 1 -

طبيعة الاستشراق

إنّ الاستشراق من حيث المفهوم ضارب في القدم، إذْ يعود لفترة امتداد الفتح الإسلاميّ، وتوسُّعِ الرّقعة الإسلاميّة شرقا وغربا. "يرجعه كثيرون إلى أيّام الدّولة الأمويّة في القرن الثّاني الهجريّ، وأنّه نشط في الشّام على أيدي الرّاهب يوحنا الدمشقيّ في كتابين له الأول: (حياة محمّد)، والثّاني: (حوار بين مسيحي ومسلم). وكان هدفه إرشاد النصّارى إلى جدال المسلمين"([1]). ونلفي من تعريفات الاستشراق أنّه "طلب علوم الشّرق واتّجاه للتّخصص في معرفتها والمستشرِق هو المتخصّص في علوم الشّرق وحضارته وآثاره وفنونه وأُطلقت كلمة مستشرق لأوّل مرّة سنة 1630 على أحد أعضاء الكنيسة الشّرقيّة"([2])، وشمل المصطلح معنى أعمّ وهو معرفة لغات الشّرق. ولقد حللّ إدوارد سعيد (ت2003م) في كتابه المرجعيّ (الاستشراق) الظاهرة تحليلا عميقا،، وربط مفهومه بنوازع الإمبريالية المتأصّلة في الغرب؛ فبالنسبة له الاستشراق هو "أسلوب للخطاب، أي للتفكيرر والكلام تدعمه مؤسسات [...] وبحوث علميّة، وصور، ومذاهب فكريّة، بل وبيروقراطيّات استعماريّة وأساليب استعماريّة"([3]). يُطلق أيضا مصطلح مُستعرِب على القائم بالبّحث الاستشراقيّ، لكن يبقى الأكثر شيّوعا مصطلح مستشرق، والذي يُعْرَفُ به "كلّ من يعمل بالتّدريس والكتابة أو إجراء البحوث في موضوعات خاصّة بالشّرق، سواء كان ذلك في مجال الأنثروبولوجيا؛ أي علم الإنسان، أو علم الاجتماع، أو التّاريخ، أو فقه اللغة، وسواء كان ذلك يتّصل بجوانب الشّرق عامة أو الخاصّة، والاستشراق إذن وصف لهذا العمل"([4]). وتنزع الدوائر الخاصّة بالشّرق إلى تبنّي تسميّات أخرى مثل الدّراسات الإسلاميّة، الإسلاميّات التّطبيقيّة، إلخ. لا غرو أنّ الغرب اتّسم بتقاليد عريقة، وبتراكم معرفيّ وتراث استشراقيّ، حاول من خلاله تقديم نظرته للشّرق، إذ يمثّل هذا الأخير "صورة من أعمق صور الآخر وأكثرها تواترا لدى الأوربيين"([5]). وقد ظهرت كلمة مستشرق في الفرنسيّة([6]) سنة 1799 ، أمّا مصطلح الاستشراق فظهر سنة([7]) 1830، وأثبت له قاموس روبار الصغير:  (Le Petit Robert)معنيين: "العلوم الخّاصة بالشّرق"، إضافة إلى "الميل إلى الشّرق"([8]).

أمام انطلاق الإسلام في الآفاق لتحرير العقول، وصرف العبوديّة للخالق وحده من دون أحد سواه، ما كان للعالم المسيحيّ، إلّا أنْ تصدّى عسكريّا، للمسلمين الحاملين لآخر الرسّالات السماويّة. ثمّ همَّ رجال الكنيسة بمحاربة المدّ الإسلاميّ ثقافيّا، بغية تقويض دعواه فكرويّا. وجدير بالذكر أنّه "مع البدايات الأولى للاستشراق كانت الكتابات الاستشراقيّة المهتمّة بالإسلام تصدر باللغة اللّاتينيّة"([9]).

لم تنزع البحوث الاستشراقيّة في مجملها إلى انتهاج المسار العقلانيّ، بقدر ما استهدفت تشويه صورة الإسلام، والتّكتم على عطاءات الحضارة العربيّة الإسلاميّة. ولم تكن الموضوعيّة تخالج رجال الكنيسة، من جملة أولئك الذين اضطلعوا بالحديث عن القرآن، والسّيرة، ونتاجات حضارة أسهمت بقدر عظيم في رقيّ الإنسانيّة جمعاء، وقد كانت دوافعهم في ذلك تتراوح بين سوء فهم تارة، وتعمُّد في عدم الإقرار بالحقّ تارة، وجهل باللّغة العربيّة وبالدّين الإسلاميّ تارة أخرى. كما نشير إلى أنّ ما ذهبوا إليه من فرضيات، وما توصّلوا إليه من استنتاجات، يعود إلى وقع درجة التعصّب الدّينيّ في نفوسهم، وإلى نظرتهم السلبيّة إلى شخص الرّسول الكريم، وإلى تشبّثهم برسم الإسلام على أنّه وافد وغازٍ جديد. ولقد فعلت الدعايّة المغرضة فعلتها، لِمَا رُوّج من أكاذيب وشائعات عن حقيقة الإسلام ورسالته، إذْ "ظلّت حياة الأحقاد والخرافات قوّيّة متشبّثة بالحياة، فقد وُصف محمد بأنّه دجّال والإسلام بأنّه مجموعة الهرطقات كلّها، وأنّه من عمل الشّيطان، ووصفوا المسلمين بأنّهم وحوش، والقرآن بأنّه نسيج من الخرافات"([10]). وتزامنت الدراسات الاستشراقيّة، انطلاقا من القرن التاسع عشر، مع تفوّق غربيّ آخذٍ في التطوّر (اقتصاديا وعسكريّا)، ومتطّلعٍ إلى الهيمنة وبسط النفوذ على أرجاء العالم الإسلاميّ، بينما أصبح هذا الأخير ينفك من عصمة الدولة العثمانيّة، بعد أنْ أصابها مرض عضال، وعقمٌ حضاريّ. ومن ههنا نتساءل حول إذا ما حاولت نتائج الدراسات الاستشراقيّة إعطاء مسوّغات اجتماعيّة وحضاريّة للتواجد الاستعماريّ ؟

ما يفسّر تعطش الغرب للهيمنة وإرساء الغلبة هو أنّه كان موطن الثّورة الصناعيّة، الشيء الذي جعل عُوده يقوى من الجانب العسكريّ، وصاحبتْ أطماعه الاقتصادية أغراضٌ ثقافيّة، ولغويّة، وحتّى دينيّة لليّ ذراع الشرقيّ واستعباده؛ فلا ننسى أنّ الفترة الاحتلالية نشطت فيها الحملات التّنصيريّة، والإرساليّات التبشيريّة، وبذلك ارتبط الاستشراق والاستعمار والتنصير، حتّى إنّ أحد الدارسين المسلمين، عنون بهذا الثالوث مؤلَفَهُ (أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير، والاستشراق، والاستعمار)([11]). ومعلوم أنّ الغرب انبرى لدراسة المجتمعات - التي احتّلها - لسانيّا، اجتماعيّا، دينيّا وأنثروبولوجيا، حتّى لا يُعتاص عليه تسيّدُها. لم يكتف المستشرقون بمدارسة اللّغة العربيّة الفصيحة فحسب، وإنّما اشتغلوا كذلك على المحكيّات العربية السائدة في أرجاء القطر العربيّ([12])؛ لذلك نلفي تقريبا أغلبية القواميس الثنائيّة اللّغة بين العربيّة والفرنسيّة جاءت ثمرة جهد المستشرقين الفرنسيين.

ومقابل اهتمام غربيّ بالشّرق غير خافٍ للعيان، كان العالم العربيّ يسير سيرا مضادّا للتيّار؛ فالانعزال عمّا كان يجري في العالم الغربيّ، والانطواء على الذّات، أتيا بآثار وخيمة، ولنا أنْ نتخيّل حجم مخلّفات الانكفاء على الذّات منذ سقوط الأندلس (1492م) إلى غاية بدايات النّهضة العربيّة الحديثة، التي تعود إرهاصاتها تأريخيا إلى جملة ما باشره محمد علي (ت1849م)، من إصلاحات بعيد غزوة نابليون لمصر (1798م-1801م). كان العالم العربيّ بحقّّ نائيا عن مستجدّات العالم، وما تسارع من تغيّرات، وخَلْقٍ وابتكار، وإبداع شاع وذاع في بلاد الغرب، ومعلوم أنّّ نهضة أوربا شملت جميع مجالات الحياة، من فلسفة، وثقافة، وضروب العلم والفنون، من طبّ، وتقنيّة عسكريّة، إلخ. قلنا إنّ النّهضة تزامنت وإصلاحات محمد علي، بيْد أنّها ترادفت، في الآن ذاته، والمدّ الاستعماريّ الغربيّ، الذي طال وسرى في الجسم العربيّ، بعد أنْ تداعت المناعة العثمانيّة، وتلاشت شيئا فشيئا؛ حتّى غدا الرجل العثماني مزمنا في مرضه، غير قادر الوقوف والذّود عن ولاياته في الشّرق والغرب.

- 2 -

الاستشراق تيّارات واختلاف

تباينت، والحقّ، وجهات المستشرقين من مبتغٍ للعلم من أجل العلم، ومن راكب لمطيّة البّحث لحاجة في نفسه يُرجّي قضاءها، ومن منصف باحث ناطق بفضل مساهمة العرب في بناء حضارة بني الإنسان. أمّا التيّار الطّاغي في الدّراسة الاستشراقيّة المُتناولة للقضايا الإسلاميّة، منذ بدايات انتشار الإسلام، هو التيّار الذي ساق حزمة تصوّرات غربيّة غريبة عن المسلمين والعرب؛ امتزجت فيها الأساطير الملفقة، والأكاذيب المحضّة، والشّعر الملحميّ، والقصص الشعبيّة، والحكايات الشفويّة المنقولة بكثير من الخيال الجامح والجارح. لقد صنع العالم المسيحيّ وأوربا القروسطيّة لنفسيهما أفكارا، وتخيّلات عمّن خالفهم الجغرافيّة والدّين. وعندما يفحص المرء إدّعاءات تلك الفترة، يجدها تنبني على جهل، وتزوير وتخريف؛ وما يفسّر مثل هذه المواقف هو انتشار المسيحيّة في مناطق نفوذ كثيرات، وعدم رغبتها في أن تصير الثغور بيد الفاتحين الجدد. ولعب اللّاهوتيون المسيحيّون دورا خطيرا في شحذ الأباطيل حول الإسلام، وافتراء الأقاويل المغلوطة، بغية إطفاء رسالة الإسلام عسكريّا وفكرويّا، لاسيّما خلال الحروب الصليبيّة. ولقد ساق عبد الرّحمن بدوي (ت2002م) في كتابه (دفاع عن محمد)([13]) عددا لا بأس به من الأساطير المختلَقَة في الغرب عن الإسلام والرّسول. وحسْبَ بدوي، أوّلُ مستشرق حاول أنْ يتحلّى بشيء من النزّاهة في دراسة الإسلام، وأنْ يمارس شيئا من القطيعة النسبيّة، مقارنة بما كان يروّج له آنذاك حول الإسلام هو أدريان رولاند (Adrian Reland) (1676م-1718م)([14]). وحتّى وإن دافع رولاند عن ضرورةة معرفة أكبر بالإسلام، وباللّغة العربية، وبالقرآن، ونادى بنبذ التّلفيق حول الإسلام؛ فقد كانت نيّته تتّسق مع نيّاتت من سبقه مع فارق في الدرجة، إذْ عداوته نابعة عن "عالم ذكيّ"([15]). وإنْ كان من فضل يُحسب لرولاند، فكونه "قد ساهم في تنوير الأوربيين في موضوع الإسلام. ولذلك لن يكون بمقدور أحد أن يجرؤ على ترديد الأساطير المتراكمة والأكاذيب الّتي نسجت في أوربا منذ عشرة قرون حول محمد دون أنْ يخاطر بأن يصبح أضحوكة المثّقفين الأمناء"([16]).

حتّى وإنْ تطوّر الدّرس الاستشراقيّ بفعل تعاقب روّاده، وتوالي مناهجه وتيّاراته، إلاّ أنّه صاغ فكرة ما عن الشّرق، "من خلال ما أرساه من مذاهب وقضايا فكريّة بشأن الشّرق والشّرقيّ"([17]). لقد انعكس أحيانا التصوّر الغربيّ للشّرق وفق الأفكار التي نسجها المستشرقون، حتّى طفت عيانا في النتّاج الأدبيّ الغربيّ، الروائيّ منه والشّعريّ، والفنّيّ المسرحيّ، والسينمائيّ والزيتيّ، بل وحتّى في الفكر الفلسفيّ. وبهذا المفهوم، أسس الغرب طائفة من الإسقاطات، والأفكار، والأحكام حول عالم الشّرق.

سعى الدرّس الاستشراقيّ في مراحله الجنينيّة إلى الاستفادة المعرفيّة من المدوّنة التراثيّة العربيّة، وبخاصّة العلميّة منها. وبلغ أثر وتأثير الشّرق على الغربيين من خلال الدور الجوهريّ للتّرجمة من العربيّة إلى اللاتينيّة، ثمّ إلى مختلف اللّغات الأوربيّة بعد ذلك، وساهم نقلُ العلوم العربيّة في انتشال أوربا من سباتها القروسطيّ؛ إذْ نشطت فيها حركات الإصلاح، وانبعث الرجل الأوربيّ وهو يشقّ سبل العلم، والحضارة والفلسفية والفنون شقّا. وبهذا نستشّف أنّ الاستشراق كان نافعا للغرب؛ فاحتكاك الأوربيين بالعرب خلال الحروب الصليبيّة، وفي صقليّة والأندلس، بثّ فيهم روح نقل المعارف، التي كانوا جاهلين بها، وغافلين عنها.

لا غرو أنّ نبي الإسلام، ودين الإسلام، والمجتمعات الإسلامية، والمواضيع المتّصلة بالحضارة العربيّة الإسلاميّة أسالت، وتُسيل غزير الحبر في أوراق المستشرقين ومصنّفاتهم، بل وفي مجلداتهم وموسوعاتهم، حتّى ليُخيَّل إلى المرء أنّ هذا الحبر لن يجفّ يوما، وأنّ هذا الهاجس لن ينفد له مداد؛ فمنذ التّرجمات الأولى للقرآن الكريم إلى اللاتينية، تَشكّلت في المخيال الغربيّ ملامح شرقيّ بوصفه غريما عنيدا، سرعان ما ارتسم في الأفق حوار معه، لغته صراع طويل، ومغالبة بالسّلاح، رادفتها مُهاجمة بالقلم، قوامها التقويض الفكريّ الممنهَج. لقد كانت بواكير الظاهرة الاستشراقيّة غير بريئة، ونزعت إلى المثالبة، وإلغاء، ورفض الآخر- هذا الآخر الشرقيّ بكلّ انتماءاته الإثنيّة العربيّة، والتركيّة والفارسيّة، إلخ -، والاعتداد في الوقت ذاته بمركزيّة وهميّة، مداها القطر الجغرافي الأوربيّ، وبُعْدُها الفكري الدين المسيحيّ. ومن ثمّة، فقد ارتبطت معالم الفكر الاستشراقي ارتباطا صلدا بألوان التهجّم، والنُّكران والمثالبة إزاء الحضارة العربيّة، ونفيّ عطاءاتها وإسهاماتها، في ميادين العلم والمعرفة، ناهيك عن جملة المطاعن، في روحانيات الإسلام، وقدسيّة نصوصه المُؤسِّسة له.   

وبالجملة نقول: يتنوّع الاستشراق بتنوع لغات بحثه (لاتينيّة قديما، واللغات الأوربيّة الحديثة من فرنسيّة وانجليزيّة، وألمانيّة، وإسبانيّة وإيطاليّة، إلخ ). ولا ريب أنّ للمبحث الاستشراقيّ الكثير من المدارس، التي ميّزت أطيافه، ومن أهمّ أقطابه الأوربيّة نذكر المدارس الفرنسية، والإنجليزيّة، والألمانيّة، وكلّ مدرسة حلّلت، وعالجت المدوّنة التراثيّة الإسلاميّة، بما أتيح لها من أدوات ومقاربات. وينبغي أنْ نأخذ عاملا في غاية الأهميّة، ألا وهو تنوّع الدّرس الاستشراقيّ عبر مراحل زمنيّة، نظرا لتغاير المعارف، وتبدّل النظريات، ومع ذلك "نجد أنّ المنهجيّة التي طبقوها على التّاريخ الإسلاميّ تتميّز بنوع معيّن من الاتّساق من ناحية، كما تتميّز بالتنوّع الشديد من ناحية أخرى"([18]). ولئن اتّسم البّحث الاستشراقيّ بتعدّد الأقطاب حاليّا (روسيا، أوربا الشّرقيّة، أوربا الغربية وأمريكا)، إلّا أنّه تميّز بشيء من الاتّساق المعرفيّ؛ ذلك راجع "لاتصال المستشرقين بعضهم ببعض وتعاونهم في العمل على الرّغم من اختلاف جنسياتهم"([19]). 

تميّزت الدراسات الاستشراقيّة، قبل الحركة العقلانيّة في أوربا، بغلوّ لا نظير له، من شدّة الأراجيف التي كان وراءها غالبا رجال الكنيسة. وعقب تحرّر أوربا من سطوة اللاهوت، طفقت تَقِّلُ درجة الشطط. كما نلاحظ أيضا أنّ الاستشراق قديما سبق وصَاحَبَ الحروب الصليبيّة، وأنّه في العصور المتأخرّة تزامن والحروب الاستعماريّة. ولقد أخذ الاستشراق لنفسه أساليب متنوّعة لإيصال رؤاه، لأنّه يتكيّف مع الزمن والظروف، "وها هو [الاستشراق] يهاجم ليحتّل عالم الأفلام، والتلفزيون والأقراص المدمجة"([20])، كما نلفي ملامح الاستشراق في الفنّ الزيتيّ، وأجناس الأدب والمسرح وفي الدّراسات التّاريخيّة والدينيّة والفلسفيّة، وهو بهذا متنوّع الحقول والفصول.

- 3 -

أهداف الاستشراق

إنّ جذور الاستشراق وإرهاصاته الأولى ضاربة في القدم؛ إذْ ترجع إلى انعكاسات المدّ العربيّ الإسلاميّ الآخذ في الاستيساع والتّمكن في أقاصي الأرض وأدناها، وموقف الجانب المسيحيّ منه، الذي لم ينظر بعين الرضى، إلى تقلص نفوذه التّاريخي والجغرافيّ؛ فحصلتْ الحروب الصليبيّة، وحروب الاسترداد، لتتلوها الحروب الاستعماريّة للعالم العربيّ الإسلاميّ، وكان من بين ما أسفرتْ عنه الصراعات العربيّة الغربيّة عسكريّا وفكريّا أنْ "الْتَفَتَ الغرب إلى العلوم والمعارف، وأدرك أهميّة ذلك في صراعه مع العالم الإسلاميّ"([21]).

يتجلّى بوضوح سافر، انتفاع الغرب ممّا كان بين يدي العرب، من علوم ومعارف وتقنيّات وطب وفلسفة (وبخاصّة الرشدية منها). وغير خافٍ أنّه في العصور الوسطى، كانت أوربا رازحة تحت سطوة الاستبداد المفروض منن السّاسة، والجهالة التي كانت صنيعة الكنيسة ورجالاتها. في حين إنّ العالم العربيّ والإسلاميّ، كان يعيش أقوىى عصوره الذهبيّة؛ لأنّ الإسلام شجّع على طلب العلم، والأخذ بأسباب القوّة؛ ففتح القلوب، وخاطب العقول، ليرقى الإنسان مدارجا سامقة. وهذا ما يفسّر نهل الغرب من معين معارف العرب نهلا ثرّا، وتنوّعت حقول العلم الواسعة، لتشمل مناحي الحياة العلميّة، والتّقنيّة، والفنيّة، والفلسفيّة، والأدبيّة.

ولقد كان السبب الدّينيّ مدعاة لكي تفتتح الدّراسات الاستشراقيّة فصولها؛ فانكبّ الغربيون على التّقليب والتّنقيب في المدوّنة التراثيّة، وتعلّم اللّغة العربيّة، وهناك من يُرجع أصول نشأة الاستشراق الفعليّة "إلى النّاحيّة الدّينيّة والسياسيّة في القرن الثالث عشر الميلادي، عندما قصد بعض الرّهبان بلاد الأندلس، وقاموا بترجمة القرآن والأحاديث النبويّة الشريفة ونقلوا عددا من الكتب العربيّة والإسلاميّة العلميّة والفلسفيّة إلى لغتهم"([22]).

وفي الحقيقة، إنّ الكثير من الباحثين المسلمين، يُركّزون على أنّ منطلق الاستشراق الرئيس هو عامل التعصّب الدّيني الغربيّ؛ أيْ حميّته للخلفيّة المرجعيّة اليهوديّة/المسيحيّة، وأنّ الحضارة الغربيّة منبنيّة على الإرث اليوناني/الروماني، وأنّه لا دخل للعرب والمسلمين في رقيّ الإنسانية، وتوثّبها من رقدة ظلماء، سبحت فيها ردحا من الزمن.

ومن تلك البواعث التي فتحت صفحات بحثيّة في دراسة الشرق هي غرور الغرب بالتفوّق العسكريّ، ومحاولة إخضاعه البلاد الإسلاميّة لهيمنته وسلطته وسلطانه، إحياءً لعهد جديد من الحروب الصليبيّة؛ ولذا لم يتوان الغرب في "استكشاف العالم الإسلامي ومعرفة أوجه ثقافته وأسباب قوّته ومواطن ضعفه"([23]). وتوجهّت الأبحاث الاستشراقيّة إلى القارئ الغربيّ بالخصوص، لتأكيد القوّة الغربيّة، من خلال تشويه صورة الشّرقيّ، بالانتقاص من المدوّنة التراثيّة، وتقزيم دور الحضارة الإسلامية في تأسيس الحضارة الإنسانية.

وقد لاحت تجلّيّات الاستشراق صراحة حينا، ومتخفّيّة حينا آخر، في تقزيم الشّرقيّ وإرساء صور نمطيّة عنه؛ فزمرةٌ من المستشرقين، لم تتقيّد بأصول البحث العلميّ، ولم تحتكم إلى النزاهة المطلوبة في تقصّي الحقائق، واستجلاء اليقين من التّخمين، وتحاملت على كلّ ما له علاقة بالإسلام، والمجتمع العربي من حيث انتماؤه، وعاداته، وتاريخه؛ لذلك فقد التجأت إلى تغيير الحقيقة، والعبث بها، وتزييفها وفقا لنيّة مريبة، ويدفعها في ذلك حبّ التعالي العرقيّ، والاستخفاف بالحضارة العربيّة/الاسلاميّة، وهناك من يرى أنّه "على صعيد التّأليف والنشر يُعتقد أنّ أخطر ما أتى به المستشرقون هو إصدار دائرة المعارف الإسلاميّة، التي ظهرت تباعا من عام 1913م إلى عام 1934م"([24]).

ونذكّر أنّ الفكر الاستشراقيّ الحديث، انطلق من فرنسا وانجلترا، بحكم امتداد نفوذيهما، بل واقتسامهما جغرافيّة العالم، حتّى وقت غير بعيد عن الحرب العالميّة الثانيّة. وتمخضّت عن البّحث الاستشراقيّ الثّنائيّة الضّديّة (شرق/غرب)، واختلط البّحث الأكاديميّ بالمتخيَّل، والحقيقيّ بالمختلَق؛ لأنّ ارتدادات الحروب الصّليبيّة كانت في الأذهان، وطرائق ليّ الذراع والانقضاض على غريم، وُصف بالتّقليديّ، كانت دائما في الحسبان. وعليه يُنظر إلى طبيعة "العلاقة بين الغرب والشّرق [على أنّها] علاقة قوّة وسيطرة ودرجات متفاوتة من الهيمنة المركّبة "([25]).

ولا ينبغي أن نتغافل عن كلّ تلك المحاولات الفرديّة المعزولة من أشخاص ينتمون إلى الغرب، وانكبابهم على قراءة المدوّنة الشّرقيّة فضولا، وكذا تأثّرا بخصوصيات الثّقافة، والحضارة العربيّة/الإسلاميّة.

وقد نشط مستشرقون فعلا في مجالات التّحقيق، والتّرجمة، والدّرس اللغوي والمعجميّ. وهنا يطول ذكر أمثلة استشهاديّة، ولعلّنا نكتفي ههنا، بما قامت به في الأوقات المتأخرة إيفا دو فيتري ميروفيتش (ت1999م) (Eva de Vitray-Meyerovitch)، من ترجمة (المثنوي) لجلال الدّين الرومي (ت1273م) (نقل خمسين ألف بيت إلى الفرنسيّة)، ولم يكن قد تُرجِم من قبل([26]). والاهتمام أصلا بالفكر العربيّ والتّاريخ الإسلامي، يُحسب أنّه تعريفٌ له، بغضّ النظر عن محتوى المتن الاستشراقيّ. من الحكمة، إذًا، أن لا نختزل نشاط الاستشراق برمتّه في خانة سلبيّة، أو في خانة إيجابيّة؛ فكأيّ جهد فكريّ مبذول، للاستشراق فضائله، وعليه مآخذ كثيرة.

- 4 -

بعض الأفكار الرائجة في الفكر الاستشراقيّ

حول تاريخ الإسلام

إنّ المطالع لمؤلَفات المستشرقين، وبخاصّة تلك التي اضطلعتْ بتقديم قراءات نظريّة عن الدين الإسلاميّ، وعن السّيرة وتاريخ الإسلام، يكاد  يقِفُ على مواضيع مكرورة، وفرضيات ونواتج تمّ تداولها عند أكثر من باحث مستشرق قديما وحديثا. وعلى كلٍّ، "لا ننكر تغيّر المنهج الاستشراقي [...] لكنّه فرْقٌ في الدرجة فقط وليس في النّوع"([27]). ونلفي من جانب الأفكار المطروقة، والتي عهد البّحث الاستشراقيّ التّسليم بها، ومعاودة عرضها واستعراضها، ما سيلي ذكره:

* عدم الإيمان بنبوّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام، وتكذيب رسالته، والطّعن في شخصه.

* التّشكيك في المصّادر الإسلاميّة من قرآن، وسنّة، وسيرة، وعدم التّعويل على ما كتبه المؤرخون المسلمون.

* إرجاع نشر وانتشار الإسلام شرقا وغربا، واتّساع رقعة الإسلام، إلى وقع السّيف.

* سرعة وسهولة الفتّوحات الإسلاميّة عائدة للجوّ الجيو-استراتيجي السّائد عقب ظهور الإسلام، بتداعي الإمبراطوريتين البيزنطيّة والفارسيّة.  

* التّأكيد على تأثّر الإسلام بالدّيانات السّابقة (اليهوديّة والمسيحيّة)، والثّقافات المجاورة له.

* التّنقيص من العطاء الفلسفيّ العربيّ، واختزاله في عبارة "حكمة يونانيّة بأحرف عربيّة".

* التّقسيم العرقيّ للإنسانيّة الصّانعة للحضارة بين غرب وشرق، ومحاولة إعلاء دور الغرب، وترسيخ المركزيّة الأوربيّة.

* نفي دور الحضارة العربيّة وإضافاتها للفكر الإنسانيّ (وآية هذا المؤلَّفات العديدة الّتي تُرجمت دون أن تُنسب إلى من وضعها من كتّاب عرب، أو تحريف فاضح لأسماء بعض العلماء العرب والمسلمين، حين نقل مدوّناتهم إلى اللغات اللاتينيّة والجرمانيّة، (مثل ترجمة ابن رشد (ت1198م) ب:  Averroès، وابن سينا (ت1037م) ب: Avicenne).

1.4 – تعقيب على جملة الأفكار الاستشراقيّة الواسعة الانتشار:

في عُجالة سنردّ على المزاعم التي تسوقها الدراسة الاستشراقيّة بالاحتكام إلى العقل والمنطق. إنّ إنكار النبوّة تعرّض له الكثير من الأنبياء والمرسلين على الرّغم من الآيات البيّنات الداعمة لدعواتهم. ودارس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم يتبيّن له أنّه كان ذا نسب شريف؛ فقد كانت أصوله معروفه وغير مطعون فيها، وهذا باب يخلع عليه مصداقيّة اختياره كمبلِّغ للرسالة السماويّة، وقبل بعثته كان يُلقَّب بالصادق الأمين؛ فلم يعهد النّاس عنه قطّ الكذب، بل كان فاضلا وموثوقا فيه. فكيف يُعقل بعد الأربعين أن يفتري أشياء، وفي علم النّفس ثبت أنّ سن الأربعين هي مرحلة النّضج، والاتزان، والحكمة والرّشد بالنسبة للرّجل. ولعلّنا نكتفي بدليل آخر من دلائل نبوّة محمد، إذ لمّا مات ابنه إبراهيم، حدث وأن كسفت الشّمس؛ فربط الناس على سذاجة تفكيرهم بين الظّاهرة الفلكيّة ومناسبة الوفاة، إلّا أنّ الرسول وضع الأمور في نصابها، وذكّر بأنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد. فلو كان محمد مدّعيّاً للنبوّة، لاغتنم الفرصة وأكّد ما جاء على ألسنة الناس من حزن الطبيعة على موت ولده، ولمّا كان مُرْسَلاً حقّا وحقيقا، صَحَّحَ تفكير النّاس الخاطئ، وأرشدهم بأن لا تأويل يُسقَط على الظّاهرة الفلكيّة وما يحدث للناس من مصائب.

ومن مهام الأنبياء والرسل تبليغ الرسالات؛ فقد كان يُبَلِّغ ما يوحَى إليه من قرآن، وكان الناس يفرّقون بينه وبين أقوال الرسول؛ فكما زعم المستشرقون لو كان القرآن من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. بيد أنّ القرآن كتاب محكم، تحدّى الفصحاء والبلغاء، وأعياهم، وأعجز الكهّان والشعراء، وغلبهم. هذا دون الحديث على الإشارات والأمارات العلميّة الحديثة التي لمّح إليها القرآن والتي توافق العلم الحديث، ولا تتعارض معه. ومن ذلك ما أشار إليه القرآن من حفظ لبدن فرعون حتّى يكون آية لمن بعده: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِـمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾([28]).

أمّا فيما يخص مسألة استعمال القوّة في انتشار الاسلام، فنلفت النظر إلى أنّ أكبر الدول الإسلاميّة هي دول غير عربيّة، وبخاصّة في أقصى آسيا، وهي دول وصلها الإسلام عن طريق التجارة؛ فأسلمت لما وجدته من معاملة راقيّة للتجّار المسلمين. والمناطق التي يُزعَم أنّها دانت للمسلمين بالقوّة؛ فيجب أن نعرف أنّ شعوبها كانت خاضعة لبطش المستعمرين؛ أي إنّها شعوب كانت واقعة تحت سيادة الأجانب، ولما تخلّصت من البيزنطيين بفضل المسلمين، ورأت عدلا في ظلال الإسلام، وإنسانيّة لم تعهدها؛ فقام أهل المغرب الكبير، مثلا، بفتح الأندلس، كما أصبح أبناء المغرب ساسة أنفسهم، وأنشأوا الكثير من الممالك والدول، وأصبحوا أسياداً على شعوبهم، ومن هذه الزاوية فالإسلام جاء محرِّراً للناس. كما أنّ الفتح الإسلامي حمل آخر الرسائل السماوية للناس أجمعين، واختلط الفاتحون بغيرهم، وقاسموهم اللغة والدين والعادات، وأثّروا وتأثرّوا بهم، بعكس كل الحضارات السابقة، التي مارست الميز العرقي، واستعبدت النّاس لخدمة مصالحها، كما صنعته روما في كلّ المناطق التي سادتها من استغلالٍ للثروات وسلبٍ للحريات. ولو أَكْرَهَ الفاتحون الناس على الإسلام، لانقلبت النّاس عليه فيما بعد، ولكانوا قد عادوا إلى معتقداتهم السابقة، مهما طال الأمد، بيد أننا نلاحظ تأريخيّا أنّ كـل الشعوب التي احتضنت الإسلام واعتنقته لم تبدّله بديانة أخرى، على الرّغم من الاحتلال الغربي الذي طال لحقب طويلة الكثير من البلدان، وعلى الرّغم من آلة التّبشير المسيحي التي كانت عجلاتها شغّالة؛ إلّا أنّها فشلت فشلا ذريعا في إلغاء الإسلام من القلوب والعقول.

وفيما يتّصل بما يّروَّج له من تأثر الإسلام باليهوديّة والمسيحيّة؛ فلا يخفى على نابه أنّ القرآن انتقد الكثير من المعتقدات الخاطئة لدى اليهود والنصارى، وردّ عليها ردّا منطقيّا دامغا، إذْ لو تأثّر القرآن بما سبقه من كُتُبٍ لنسج على منوالها، بيد أنّ القرآن شَرَّعَ أحكاما جديدة، وَيَسَّرَ أشياء كثيرة، وجاءت قصصه القرآنيّة بمعطيات غير معروفة، وَيَعْلَمُ أيّ باحث نزيه أنّ الكتب السماوية لم تكن مدوَّنَةً بالعربيّة؛ فكيف يتّم النّهل منها، وكيف يمكنها أن تكون مصدرا يُعَوَّلُ عليه والقرآن نزل بلسان عربيّ؟ ولو تأثّرت دعوة الإسلام بثقافة مخصوصة من الثقافات، لما حظي دين الإسلام بذلك الانتشار الهائل والسريع، ولما أحرز كل ذلك الإجماع العظيم من لدن ثقافات متعدّدة وشعوب مختلفة: من قبائل عربيّة، وفرس، وبربر، وتركمان، وأقباط، وسودان، وآسيويين على تباين أعراقهم، ومن غربيين في العصور المتأخرّة. فعالميّة الرسالة الاسلاميّة هي التي جمعت الشعوب وآلفت بين الأمم، لأنّ المصدر إلهي غير بشري. كما أنّ الإسلام جاء من المشكاة التي استنار بها الرسل الأوائل؛ فهو متمّم، مهيمن، وناسخ وخاتم للرسالات، وآخر لبنة سماويّة تغيأت هداية الإنسانيّة من أجل سعادتها الدنيويّة والأخرويّة.

أمّا فيما يتّصل بعطاء الحضارة العربيّة الإسلاميّة واسهاماتها في مختلف المجالات، فلا ينكر ذلك إلا جاحد، ولم يكتف علماء العرب بالتّرجمة، بل وقد صحّحوا الكثير من الأخطاء التي وقع فيها اليونانيون، وأضافوا لبنات في الحقول المعرفيّة: في الهندسة، وعلم الفلك، والطب، والكيمياء، وعلم الجبر، والمباحث اللغويّة، ومن اجتهادات تشريعيّة، وعلم الكلام، وعلم الحيل، والجغرافيا، والتّاريخ، والبصريات، والفلسفة... وبالجملة، لقد أثرّت الحضارة العربيّة الإسلاميّة كثيرا في كلّ مناطق العالم، وفي كل الحضارات، بما فيها الغربيّة التي تناولت المصنفّات العربية بالتّرجمة، والدراسة، واعتنت بالفكر العربيّ، ونشرت المخطوطات، لما وجدته فيها من فكر نيّر، وإلّا لَمَا حصل وأنِ اعتنت بها تلك العناية الفائقة، وغنيّ عن البيان تأثير ابن سينا وابن رشد في علماء وفلاسفة أوربا، وقد كانت مصنفاتهما مصادرَ مرجعيّة، مستعملَة في أرقى وأعرق الجامعات الأوربية. وبلغ تأثير الحضارة العربيّة الإسلاميّة في الغرب، أنْ احتفظت اللغات الأوربيّة بثروة معجميّة هائلة ذات أصول عربيّة؛ فاللغات الإسبانيّة والفرنسيّة والمالطيّة والإنجليزيّة على سبيل المثال عامرة بالمفردات العربيّة؛ مما يشير إلى مدى إفادتها من علوم وفنون وفلسفة المسلمين.  

- 5 -

بعض المناهج المستخدمة في البحث الاستشراقيّ

في خضمّ ردودهم على نظرائهم المستشرقين، كثيرات هي مؤلفات الباحثين المسلمين، التي تناولت جوانبَ من المناهج، والمقاربات التي درج توخيها المستعربون والمضطلعون بالأبحاث الاستشراقيّة. وإننا سوف لا نستوفي ذكر تفاصيل، ودقائق ما تنطوي عليه جلّ المناهج والأساليب البحثيّة، ولعلّنا نكتفي في هذا المقام، بالإشارة إلى طائفة منها، من دون تطويل في التّفصيل. لاغرو أنّ مقاربة المستشرقين للمدوّنة العربيّة الإسلامية، كانت بعيون غير إسلاميّة، ومسألة الانتماء بالغة الأهميّة خلال محاورة النصوص، والمراجع التراثيّة، والوقائع التّاريخيّة، وقضايا أخرى تحتكم إلى الاعتقاد، من شاكلة مسائل النبوّة، والوحي، وقدسيّة القرآن، وسيرة الرّسول، وعطاءات الحضارة العربيّة للإنسانيّة، ومن طبيعة الإنسان الميل إلى خلفياته المرجعيّة، والثقافيّة، والإيمانيّة، والعقائديّة والفكرويّة. نريد القول إنّ المستشرق قد يلفي له أسبابا، في توظيف ما شاء له من مناهج، بغية بلوغ ما رام الوصول إليه؛ فقد يتحرّر من أيّ قيد علميّ أو منهجيّ، ويروح طالقا العنان لذاتيته في إصدار الأحكام التّقييميّة، وإيراد صور نمطيّة، واستنتاجات متسرّعة ومتعسّفة. ونوجز ههنا الأساليب والمناهج البارزة التي ينطلق منها، وينبني عليها البّحث لدى جمهور المستشرقين.

يكاد يتفق المستشرقون جميعا في الاتّكاء على نزعة التّشكيك، ويتجلّى هذا من خلال عدم الاستسلام لصدقيّة الأخبار والروايات الواردة في مختلف مصادر المدوّنة التراثيّة، وحتّى الدّينيّة.

ومن الثّابت أنّ هذا المنهج الشكّي يبالغ في عدم الاستئناس بما دوّنه المسلمون، ويسعى إلى إخضاع كلّ المعلومات، والنصوص للنظر، والفحص، والتّمحيص بالاستعاضة بالمنهج العقليّ. ومن ثمّة، لا يثق البحث الاستشراقي إلّا قليلا في صحّة المصادر الإسلاميّة، وهي بذلك تتعرض للرّفض القاطع حينا، وللنّقد والتّحليل، والقبول الجزئيّ حينا آخر. 

ويعمد المستشرقون إلى الالتجاء للمصادر غير الإسلاميّة؛ أي كلّ ما كُتب في البلاد غير الإسلاميّة أثناء البعثة وبعدها. وتكون طبيعة هذه المصادر غالبا من الكتابات اليهوديّة، والمسيحيّة، التي واكبت أو أعقبت فترة صدر الإسلام، وقد تكون كذلك مصادر المستشرق عبارة عن ذلك التراكم المعرفيّ الاستشراقيّ، الذي يمتدّ من أوّل ما دُوِّن عن الإسلام بأقلام غير مسلمة إلى أيّام النّاس هذه. ومعنى هذا اعتماد المستشرقين على فرضيات ونواتج أسلافهم المستشرقين. 

نعلم أيضا أنّ المنهج الاستشراقيّ، ينفي الجانب الروحانيّ، والميتافيزيقيّ؛ فهو ماديّ بطبعه، لا يؤمن إلا بالمحسوسات، وبالجوانب الملموسة، حين مقاربته للظاهرة الدّينيّة، والوقائع التّاريخيّة وهذا فرانسوا ديروش(و1952م) (François Déroche) يصرّح مثلا بخصوص النص القرآنيّ قائلا: "بالنسبة للمؤرخ ليس سوىى نص ظهر في تاريخ الإنسانيّة خلال القرن السابع"([29])، لكنّ المشكلة تكمن في أنّ المبحث الاستشراقي، يحاول مقاربَة مسائل دينيّة كالوحي، والنبوّة، بمناهج لا تصلح لها.  

من الشّائع في الأبحاث الاستشراقيّة انتهاج أسلوب المقارنة بين ما جاء به الإسلام، وبين ما سبقه من الديانات السماويّة. ويتّم التركيز بطريقة بافلوفيّة على وصف واقع البيئة الدّينيّة قبل مجيء الإسلام، للتحجّج بتأثّر الإسلام بهذا الواقع. كما يستغرب المستشرقون سرد القرآن مثلا لقصص الأنبياء الواردة في العهد القديم، ويسعون إلى بثّ اللبس بين ما جاء في بعض الأناجيل غير المعترف بها من قبل الفاتيكان، وبين بعض ملامح ما ورد عن خبر المسيح عليه السّلام في القرآن، للقول بأنّ القرآن أتى واستقى مضامينه منها. والحال، إنّ منهج المقارنة يهدف إلى إدّعاء نهل الرّسول تعاليم ونصوص الإسلام، ممّا جاء في الكتب اليهوديّة، والنّصرانيّة. ونسوا فقط أنّ الإسلام يُقدِّم نفسه على أنّه خاتم وناسخ ومهيمِن، لما سلفه من الرسّالات السماويّة، ولما سبقه من التّعاليم التّشريعيّة والدّينيّة.

ينفرد البحث الاستشراقيّ باقتفاء منهج الانتقائية في التعامل مع المصادر والمراجع؛ فالمستشرق لا يتردد في استثمار أدنى معلومة قد تعضّد، أو قد تصبّ في ما أراد الانتهاء إليه من نواتج، حتّى ولو كان الأمر يتعلق برواية لا يُعتدّ بها في الدّراسات الإسلاميّة، "كما أنّهم [المستشرقون] قد يعتمدون على بعض الروايات المنقطعة التي ترمي إلى نقض ما هو مشهور ومعروف لدى المسلمين"([30]). ونجد المستشرقين يؤوبون إلى المدوّنة التراثيّة، كلما عثروا فيها على ما يخدم نظرتهم، وما يسير في اتّجاه فرضياتهم.

قد يستند المستشرق في بحثه إلى قراءات تأويليّة للنصوص، تأتي مجانبة للصواب، وقد يلهث أيضا وراء اصطناع افتراضات واهيّة، تنأى عن الحقيقة. ويزعم المنهج الاستشراقيّ الاعتصام بالنّزعة الموضوعيّة، لكنّ الباحث الغربيّ سرعان ما يستسلم لذاتيته، ويتحامل في إصدار الأحكام، ويتحوّل البحث إلى مجرد تصفية حسابات مع معتَقَد مختلف. وقد يذهب في هذا مذهبا غريبا؛ فيؤلف قصصا كاملة من بعض المعطيات الهامشيّة الواردة في السّيرة، مثل كلّ ما كُتِبَ عن أدوار افتراضية، يزعمون أنّ الرّاهب بحيرة، وورقة بن نوفل لعباها، في بدايات مسار رسالة الإسلام، أو كالطّعن في القرآن، والقول بأنّه ناقص، تحججا بقصّة جمعه المشهورة في عهد الخليفة عثمان (ت35هـ). ونسوا أنّ العرب كانت أمّة حافظة، ومع ذلك فالرّسول الأكرم، اتّخذ له الكثير من كتبة الوحي. فالقرآن كان يُدوَّن في عهد الرسول، ثمّ إنّه جُمِعَ فيما بعد في مصحف واحد، لما دعت الحاجة إلى ذلك.

يُلاحَظُ أحيانا في الدّراسات الاستشراقيّة عدم التوّرع في تحريف، وفي تزييف بعض الأخبار، وعدم تحرّي الأمانة في نقل الروايات بالتّنقيص والتزيّد([31]). وقد يعود التعمّد في انتهاج مسالك المراوغة والتلاعب بالنصوص التراثيّة - بغية تقويلها ما لم تقل- إلى تأثّر المستشرقين بنظرية التفوّق الآري، ومزاعم تميّزه عن البشر الآخرين. واستُمِدَّت هذه الرؤية من "نظرية رينان العرقيّة [التي] أصبحت جزءً من التفكير العلميّ الأوربي في معالجة أيّةة مسألة تتّصل بالدين أو الفكر أو ما أنتج من ضروب المعرفة"([32]).

- 6 -

موقف الدارسين العرب والمسلمين من الاستشراق

لقد نظر العديد من الدّارسين العرب والمسلمين إلى ما آتى به المستشرقون، على أنّه في عمومه ضرب من القدح والتّنقيص، في حقّ الحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ فَهُمْ يرون في أثر المستشرقين إجحافا سافرا، بما جادتْ به قريحة العرب، وبما حفل به تاريخهم العلميّ والمعرفيّ، وعطاؤهم الإنسانيّ. ولقد انتابت الباحثين المسلمين هَبّةٌ، لدفع ما حبّره المستشرقون من مصنّفات، تخوض في مسألة من مسائل الإسلام، أو فصل من فصول الحضارة العربيّة، تحت تأثير انفعاليّ عاطفيّ في كثير من الأحايين؛ فأحد الدارسين المسلمين، يفصح عن بواعث كتاباته وتعقيبه على النتاجات الاستشراقيّة قائلا: "لقد حاولتُ [...] أن أركّز على بعض القضايا التي تدخل في دائرة الدفاع المحدود الذي حرّكته العواطف أحيانا أو الواجب الدّينيّ أحيانا أخرى"([33]).

وبذا، فإنّ العامل العاطفي، كان حافزا بارزا وراء جملة الخطابات، التي انبرت للتصدّي للبّحث الاستشراقيّ؛ فلا تكاد تخلو الكتابات في هذا الصدد من إنزال الاستشراق منزلة البحث المفترِس، الذي انقضّ على مدوّنة ثريّة، فأضرّ أكثر مما نفع، وما كان بِيَدِ الدّارسين المسلمين إلا استعراض ما جاء به الغربيون من ادّعاءات، وتوّلي التعقيب عليها، بحشد البراهين والقرائن - المنافحة عن الإسلام، والرّسول والحضارة العربيّة - واستيضاح أغلاط المستشرقين والمناهج الضّالة التي اقتفوها، ودحض الشبهات؛ فيصف صاحب كتاب (موقف المستشرقين من الصحابة رضي الله عنهم) منهجه بما يلي: "سعت [...] الدراسة إلى جمع أقوال المستشرقين وكتاباتهم عنن الصحابة رضي الله عنهم تجليةً للحقّ وإظهاراً للصواب ودفاعاً عن صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم"([34]).

ونلحظ أنّ عديد العناوين، التي انبرت للاعتراض على غلوّ الاستشراق، جاءت على المنوال ذاته: "دفاع عن..."، "الرّد على..."، ما ينّم عن حجم الهجمة الاستشراقيّة من جهة، والموقف الدفاعيّ الذي وَسَمَ تلقّي الباحثين المسلمين للمطارحات الاستشراقيّة من جهة أخرى. نحن نقرأ مثلا في (الاستشراق) ل: محمد فاروق النبهان (و1940م) ما نصّه: "ولكن الثقافة الإسلاميّة، وعلى الرّغم من عطائها الذي ازدهر في العصور الذهبيّة للحضارة الإسلاميّة، وانفتاحها على الثقافات الإنسانيّة الأخرى وتلاقحها معها، فإنّها تعرّضت لهجمات ظالمة شنّها عليها باحثون ومؤلفون كانوا يمسكون بالأقلام معاول للهدم والتجريح والتّشويه في عمل باطنه فيه خدمة العلم والمعرفة والبّحث التّاريخي، وظاهره من قبله الهجوم على التراث العربيّ والإسلاميّ والثّقافة الإسلاميّة"([35]).

ومن ثمّة، اتّهِم البحث الاستشراقي بالإسراف في تبديل الحقائق، وفي تزييف ما هو ثابت، وفي إعادة كتابة تاريخيّة تحتكم إلى المزاج، وهي إلى سلطان الأهواء أقرب. والدّافع الحقيقيّ للرؤيّة السلبيّة الاستشراقيّة، يتمثّل في تقزيم الفتوحات العلميّة والمعرفيّة والحضاريّة للثّقافة العربية؛ أيْ إنّ سوء النيّة كان مبيّتا، "[ف] كانت اكتشافات كبرى تُنْسَبُ لغير أصحابها، مثل دورة الدّم الصغرى للإنجليزي وليام هرفي بينما كان صاحبها، الطبيبب المسلم ابن النفيس ..."([36]).

إنّ حساسيّة المواضيع التي يطرقها الاستشراق، دفعت بالباحثين المسلمين إلى تبنّي لهجة -أقلّ ما نقول عنها- إنّها ناقمة وساخطة على ما أتت به الأقلام المُستشرقة. ولم تخلُ الردود والاعتراضات أحيانا من مبالغات، وسندلّل على هذا الكلام بنموذج مجتزأ من مصنَّف عكف على تدارس الظاهرة الاستشراقيّة.

يذهب صاحب كتاب (الاستشراق في الميزان) مذهبا بعيدا في قدح الاستشراق إلى حدّ الشطط أحيانا، فمن بين ما أتى به: "... معظم القضايا الهدّامة والأخطار التي اُبتليت بها المنطقة العربيّة والشّرقيّة - الدّينيّة والاجتماعيّةة والسّياسيّة - هي بمعظمها من صنع هؤلاء المستشرقين"([37]).

ونرى أنّ مثل هذه التعميمات، الصّادرة من لدن باحثين مسلمين، لا تسمن ولاتغني من جوع؛ فمن اليُّسر تحميل الاستشراق كلّ المصائب والنوائب، والتستّر وراءه على ما حلّ بالعرب والمسلمين من غبن ومحن، لكنّ للتخلّف أسبابه المتأتيّة من الانكماش والانعزال، وعدم الأخذ بأسباب الحضارة والتفوّق، دون نسيان هوس إنشاء الدويلات وتقلّص التعاون البيني. نسوق هذا الكلام، حتّى ولئن كنّا لاننكر بعض مآرب الاستشراق المقيتة، إلا أنّ الاستعمار وجد عرب ما بعد سقوط الأندلس في تأخّر، ووهنٍ وسُباتٍ، وإلّا كيف نفسّر سقوطا حرّا، وخلال أوقات متقاربة، شهدته البلاد العربيّة الإسلاميّة. وعليه، فقد يَسُرَتْ مهمّة الاستعمار في التّغلغل، بسبب الحال العربيّة الإسلاميّة المتدهورة، وقد استغلّ الغرب المُستعمِر الفرصة التّاريخيّة التي أتيحت إليه، وطال مكوثه وجثومه، إلى أنْ بدأ الوعي يسري في الأوطان المحتلّة تباعا، بانتشار المدّ التحرّري بُعَيْدَ الحرب العالميّة الثانية.

وحتّى لا نمرق عن موضوعنا كثيرا، نقول: إنّ أقلاما إسلاميّة انبرت لتقويض بنيان الاستشراق المتهافت على السلبيّة، وشملت نقاط بحثها المواضيع الدينيّة، والاعتقاديّة، والتّاريخيّة، والحضاريّة. وتشكّل لدى الباحثين الإسلاميين وعيٌ، قوامه تموقعهم في صفّ المنافح عن المعتقد والتراث، ولا مندوحة أنّه موقف يأتي لاحقا للإنتاج الاستشراقي؛ أيْ إنّه مرتبط به ارتباطا عضويا. فكما تكوّنت أدبيات الاستشراق، تكوّنت بالمقابل- في الجانب الإسلاميّ- تقاليد في الرّد على من خاض في اختلاق الافتراءات والزجّ بالشبهات، من أولئك الخائضين الذين اقتصر ديدنهم على تحليل ونقد المدوّنة الإسلاميّة من الغربيين.

وهذا باحث من الجانب الإسلاميّ، يصرّح بخصوص الموقف الرّاهن من الاستشراق: "ومع إيماننا الكامل بضرورة الصدّ والتصدّي لكلّ ما من شأنه أنْ يمسّ بسوء أو تشويه تعاليم ديننا الحنيف ومبادئه السّمحة، فإنّ احتفاظنا بأسلوب الدفاع دائما يجعلنا في موقع أدنى من الذي يتحتّم علينا في الوقت الحاضر اتّخاذه في ظروف المتغيّرات الرّاهنة"([38])، وهكذا يرتسم أثر النتاج الاستشراقي وطبيعة تَلَقِّيه من لدن البحّاثة المسلمين، بين هجوم وانقضاض غربيّ، ودفاع واعتراض شرقيّ.

ينبغي الإقرار بأنّ بعض الردود-  تحت وقع الميل العاطفيّ-  لم تستوف الرزانة المطلوبة، ولم تنطلق من فكر وروّية، ونلفاها بالأحرى خطابات إلى الحماسيّة أميل، وإلى الانفعالية أقرب، حتّى ولئن كنّا نجد مبرّرات لها في الدفاع عن العقيدة، والانتماء، والشّخصيّة، والحضارة. وصفوة القول، تَراوح ما تمخض عن الغارات الاستشراقيّة، بين ردود اصطبغت بالانفعاليّة، وبين طائفة من الردود الأخرى، ارتكنت إلى الرصانة، واهتدت إلى التّعقيب المفحم بالحجّة الدّامغة. وعلى كلّ، فقد اضطلع الدارسون المسلمون باستيضاح المطبّات، وباستلفات النظر إلى الأحكام المتسرّعة، التي وقع فيها المستشرقون، وتحرّوا مناقشة الآراء وتمحيصها، وعكفوا على استجلاء السيّاق كلما اقتضى الأمر؛ فلكلّ حدث إطاره التّاريخيّ وتلابيبه.

- 7 -

بؤر الاختلاف بين الخطاب الاستشراقيّ

والخطاب المناوئ له

عندما ندقق النظر في نصوص المستشرقين وفي نصوص المسلمين النّاقدة والمعترضة، لِمَا أتى به الاستشراق، تتجلّى لنا ملامح الافتراق وبؤر الاختلاف بين الطائفتين من الباحثين. وقد نجدنا نتساءل ههنا عن السّبب أو مجموعة الأسباب، الّتي أدّت إلى تعارض الخطاب الاستشراقي والخطاب الناقد/المناوئ له؟ وهذا ما سنحاول تتبّعه، وتحرّي مفاصله، وإيراد بعض من أسبابه، ممّا نخاله باعدَ بين نبرة الخطابين، وممّا نحسبه أدّى بهما إلى السيْر في خطّين متوازيين.

1.7. اختلاف المناهج البحثيّة:

من الواضح وجود تباين شاسع بين نتاجات من غامروا في الكتابات الاستشراقيّة، وأولئك الذين انتدبوا أنفسهم لمقارعة أفكارهم، والتّعقيب عليها. وتقدَّمَ وأنْ ذكرنا أهم مناهج المستشرقين التي سلكوها في مقاربة المدوّنة التراثيّة، وقلنا إنّها في مجملها لم تصلح لمدارسة قضايا خاصّة بالاعتقاد والإيمان. وقد أسسّ العلماء المسلمون علوما متخصّصة، تناولت بالدّرس والتّحليل مختلف المسائل الدينية؛ فتصدّت علوم التّفسير لشرح القرآن وتأويله، وظهرت مباحث مجاورة له كأسباب النزول، والنّاسخ والمنسوخ. أمّا علوم الحديث، فاضطلعت ببحث طبيعة المتون، وتواتر الأسانيد، فأنشئوا علم الجرح والتعديل، لمعرفة درجات الروّاة، ومنزلة الأحاديث، وإلى غير ذلك من العلوم التي كانت لصيقة بالمدوّنة التراثيّة. ومن ثمّة، فالمناهج البحثيّة للمستشرقين تختلف عن مناهج الباحثين المسلمين.

2.7. اختلاف الأهداف المرجوّة:

لا شكّ أنّ غايات المستشرق، من خلال اشتغاله على المدوّنة التراثيّة، لاتتساوق وغايات الباحث المسلم؛ لذلك فعدد لا بأس به من الدراسات الاستشراقيّة، تميّزت بنزعة تقويضيّة، منتهجِة من أجل بلوغ مقاصدها غريبَ السُبل وعجيب المذاهب. أمّا البّاحث المسلم؛ فسعى إلى تقويم ما جاء به الخطاب الاستشراقي، وإلى تصحيح الأخطاء المعرفيّة، والمنهجيّة والاجتهادية التي بادر بها جمهور المشتشرقين. وإذا اهتّم الباحث المسلم بكلّ شاردة وواردة ساقها مستشرقٌ ما؛ فلأنّه منافح عن دينه، مدافع عن عرينه.

3.7. الانتماء العضويّ للتراث:

إذا كان الباحث المسلم مرتبطا ارتباطا عضويّا بالمدوّنة التراثية، والتي تُعَدّ جزءً من هوّيته وانتمائه، فإنّ الباحث المستشرق لا يلفي له صلة بهذا التراث، ماعدا كونه مادّة للبّحث. وإذا كان الباحث المسلم شاعرا وواعيّا بهذا الانتماء الدّيني، والاعتقادي، والتّاريخيّ، ومعبّرا عنه صراحة في خطابه، فإنّ المستشرق يقف وقفة ناظر في حضارة غريبة عنه؛ فيجد لنفسه مبرّرا في قول ما يحلو له، وإنّنا لنلتمس وقع تباين الانتماء الحضاري طاغيّا أو معتدلا، فيما تُسفر عنه مدارسات المستشرق، وفيما يصدر من أثرٍ عمّن ينهض متصدّيا له.

4.7. رواسب الماضي وتأثيرها اللّاشعوري:

من الأسباب التي ساهمت، بقدر أو بآخر، في تطرّف الخطاب الاستشراقيّ، تتمثّل فيما انطوت عليه مضامينه من تحامل فاضح، وتنقيص صارخ، لمختلف مكوّنات المدوّنة التراثيّة الإسلاميّة؛ وتولّدت نظرات وأحكام المستشرقين من تراكم مرجعيتهم الثقافيّة، ومن تحجّر مخزون أفكارهم المسبقة عن العرب والمسلمين والإسلام، وقد حفل المخيال الغربيّ بما رسّخته الكنيسة من أفكار وأراء عن الإسلام؛ فتصدّى المستشرق للمدوّنة الإسلاميّة، وهو مشحون برواسب ماضويّة، ومتأثر- وإنْ لاشعوريّا - بمخلّفات الحروب الصليبيّة قديما، والأساطير التي تفشّت جرّاءها في أوربا، وأدبيات الإمبرياليّة حديثا، وما صاحبها من تنظير عرقيّ للجنس البشريّ. وقليل هم أهل الاستشراق، ممّن لم يتشبّع فكرهم من سِجِّلِ الماضي المسيحيّ المتعصّب، ومن أَثَرِ الفكر الإمبريالي المتوثّب؛ فتجليّاتهما في الاستشراق لا تخفيان للعيّان، ولا تحتاجان لبيان.

5.7. عدم وجود تعاون وثيق بين الدارسين الغربيين والمسلمين (إلّا قليلا):

وآخر نقطة يمكن أنْ ندرجها، من جملة ما لم يدفع إلى تأسيس خطاب استشراقيّ رزين ورصين في السيّاق الغربيّ، هي مسألة غياب أواصر تعاون حقٍّ، ووثيق بين الدّارسين المسلمين ونظرائهم الغربيين، وإذا استثنينا التّعاون في مجالات الدراسات اللغويّة، والمعجميّة والأركيولوجيّة، لا يشمل التلاقح الفكريّ مسائلَ، تمسّ تباحث المدوّنة التراثيّة الدّينيّة منها والتّاريخيّة. ويرجع هذا إلى حساسيّة الموضوع، وتباين وجهات النظر، واختلاف المنهجيّة البحثيّة لكلّ طرف.

الخاتمة

من خلال جولتنا في بعض من مسائل الاستشراق، تبيّن أنّه قضيّة معقدّة وشائكة في الآن ذاته.

ويبدو أنّه من غير الحكمة رمي كلّ الدّرس الاستشراقيّ بجرّة قلم؛ فهذا المبحث عريق في جذوره ومتأصّل في بلاد الغرب من أوربا قديما إلى أمريكا حديثا. ولقد رأينا نواتجه متباينة حين اتّخذ من المدوّنة الإسلاميّة مادّة للرّأي والنّظر؛ فاختلف المستشرقون فيما تناولوه من قضايا تتّصل بالحضّارة العربيّة الإسلاميّة، بين تقريض وإطراء تارة، وتقويض وازدراء تارة ثانية، وموضوعيّة وإنصاف نسبيين تارة ثالثة. ويتسنّى للدارس لأدبيّات الاستشراق الوقوف على عدم تجانس اتّجاهات المستشرقين في عمومها، إذْ القوم ليسوا على قلب رجل واحد.

وهذا ما يقودنا لا محالة إلى النّظر بروّية، وبتعقلّ في نتاجات دارسي شؤون الشّرق، من أهل الغرب بغية إيتاء كلّ ذي حقّ حقّه، والتصدّي الرّزين لمن تمادى أو أسرف في غيّ مبين. ألم يجئ القرآن مناديا بالحوار الطيّب، وبالجدال الحسن؟

قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾([39])، وقال أيضا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾([40]).   

ينبغي تثمين البحث الاستشراقيّ، الذي أضاف للعلم والمعرفة فصولا منيرة، وفتوحات كانت خافيّة، وبخاصّة ما تعلق بتحقيق المخطوطات المغمورة، ونشرها، كما لا نتغاضى عن التّرجمات، التي وإنْ تراوحت درجات نوعياتها وجودتها، إلّا أنّها جهد مشكور، سلّط الضّوء على التّراث، وهو اشتغال مُضني في حدّ ذاته، لِمَا يتطلبه تعلّم اللّغة، والتفقّه فيها من وقت وصبر. إذن، لم يكن النتاج الاستشراقيّ من بعض المناحي شرّا كلّه؛ فطائفة من المستشرقين أسهمت في إثراء مجامع اللّغة العربيّة باجتهاداتها، وطائفة أخرى قدّمت المدوّنة العربيّة الإسلاميّة بأمانة للمتلقي الغربيّ، ولئن كانت فئة قليلة.

ما يلفت الانتباه هو أنّ النتاج الاستشراقي، وَلَّد خطابا مناوئا له في العالم الإسلاميّ، وتميّز هذا الخطاب أحيانا بحدّة النّبرة، ومردّ ذلك تجرّؤ الباحثين في الغرب، وتورطهم في الخوض في مقدّسات ومعتقدات المسلمين، كما أنّ أساليب مباحثة الغيبيّات، والوحيّ والنبوّة، لم تَرُقْ ذائقة الطرف الإسلاميّ؛ فسار الأدبان الاستشراقيّ والمناوئ له في خطّين متوازيين. وكنا عرضنا في دراستنا شذرات من أهمّ الأفكار الاستشراقيّة، التي كانت سائدة الأمس، ولازالت رائجة اليوم في الفكر الغربيّ، وتَوَطّدَ لنا أنّ شطرا كبيراً من الفكر الاستشراقيّ عامرٌ بالغلوّ، والشطط والغرابة، وهذا ما قاد ويقود المسلمين إلى دحض شبهات الفكر الاستشراقي، وإلى تقويم مسالك الباحثين الغربيين، وإلى الردّ على ما آلت إليه نواتج أطروحاتهم. وكلّ هذا جعل الموقف الإسلامي، يرتكن في خندق الدّفاع، تاركا مبادرة الهجوم للطرف الغربيّ.

لا ريب أنّ للمسلمين الحقّ في تقديم الرّدود المناسبة، لكلّ ما يُروّج هنا وهناك عن الإسلامّ وعن طبيعته، ونصوصه المؤسِّسة، وحضارته، وتاريخه. ونِعْمَ الرّدود المفحِمَة التي تتحاشى أسلوب التّعنيف، وتنأى عن صيغ التعميم المجحف، وتزجي الحجّة الدّامغة، فتقرع الفِريّة وتبدّد مظّانها مصداقا لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينْ﴾([41])؛ فتُبيِّن ما كان مستعصيّا فهمُه على الغربيين، وتستجلي ما غاب عن بالهم، حتّى تكتمل الصّورة لديهم، ويُحاطون بما لم يحصلوا منه خُبراً. وإنّ الرّد الحكيم هو ذلك الذي يُصوّب الخطأ، ويُرشد إلى المنهج السليم، ويؤوب بالمعطيات إلى سيّاقاتها، بحيث لا يختلط الحابل بالنّابل، وهو ذلك الجواب الذي يُقَيِّمُ الأعمال، ويمحّصها ويقوّمها، وفقا لمتطلبّات البّحث العلميّ، وأسسه المتعارف عليها. والرزانة في الرّد، نادى بها أكثر من باحث.

ولما خلُصنا من بسط بعض الأفكار الرّائجة في المبحث الاستشراقي، ثمّ رددنا عليها، تبدّى لنا أنّ قدرا منها لا يزال ينضح بالغرابة، ولا يزال عالقا في فكر المستشرقين الآن، ووصلنا إلى أنّ نظرات كثيرات متأصّلة، ومتوارثة في أدبيّاتهم، ولكأنّها غدت في منزلة المسلّمات، التي يستعصي على الغربيين زحزحتها من خطاباتهم. ورأينا أن طبيعة المناهج المتبناة في التّحليل، تتّسم بالاضطراب، من حيث الزّج بجملة فرضيات، غايتها توجيه مسار البحث، للوصول إلى نواتج بعينها دون أخرى، كما يتجلّى هذا التحيّز، من خلال طبيعة المصادر والمراجع المتّكئ عليها، وكذا من خلال الانتقائية في تصيّد المعلومة. وحاملو القلم الاستشراقي الحديث، لا تمنعهم مُقاربة المدوّنة التراثيّة - التّاريخيّة منها والدّينيّة - من الأخذ بفرضيات سابقيهم، ومن عدم التحرّج في الاعتماد على محصّلة أسلافهم. وتتبدّى الدراسات الجديدة اليوم استنساخا، واستمرار، لما دأبت عليه الأدبيات الاستشراقيّة بالأمس.  

يطرح ملف الاستشراق فكرة أخرى، لطالما غابت عن أذهان الباحثين العرب والمسلمين، ألا وهي حجم الخطاب الإسلاميّ المباشر الموّجه لغير المسلمين. نعلم علم اليقين، أنّ العربيّة كانت لغة تدوين العرب قديما وحديثا، بيد أنّه يُسجَل قصور بائن في مخاطبة الدارسين العرب لغير المسلمين بألسنتهم، وهذا ما اضطلع به جمهور المستشرقين على مرّ العصور والأزمان، وخذ مثلا أوائل ترجمات القرآن، وأوائل ما صُنّف للتّعريف بالإسلام وبآخر الرُسل، وما ألّف في صناعة القواميس الثّنائيّة اللّغة التي تكون العربيّة طرفا فيها؛ فلقد كانت من صنيع غير المسلمين، وهذا ما يفسّر الموقف الدفاعي، الذي سار الدّارسون المسلمون في دائرته، إنْ لم نَقُلْ الموقف الذي ارتضوه لأنفسهم. وآنَ الأوان لقَلْبِ الآيّة، ومخاطبة الغربيّ بلسانه من دون وسيط؛ فدور الوسيط أساء المستشرق غالبا استعماله.

ونحن نذهب أبعد من ذلك ونقول، ماذا سيضير لو تكاثفت جهود البحّاثة المسلمين، ونظرائهم من العاكفين على تدارس مسائل الشرق من الغربيين، في إيجاد سبل تقارب، وأرضيات تعاون، حتّى تتحاور العقول، وتتقلّص بؤر الخلاف، وتعتدل نبرة الخطاب الاستشراقيّ، وحدّة الخطاب المناوئ له. ونحن على وعيّ، أنّ نماذجا من قبيل هذا التعاضد العلميّ ميسورة في المسائل اللّغويّة مثلا، وحسّاسة في غيرها من المسائل والحقول المعرفيّة؛ أي المتّصلة بالمعتقد والتّاريخ الدّيني، لكن لاشيء يمنع من تجريب هذا النّوع من التضّافر العلميّ والتحاور الحضاريّ.

*  هوامش البحث  *


(*) الجمهورية الفرنسية – جامعة ليون.


1 -  رفائيل إلمير كولييف، كتاب القرآن وعالمه للمستشرق الروسيّ يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، نسخة إلكترونية، (دون تاريخ)، ص 2 :

 http://islamhouse.com/ar/books/450186

[2] -  محمد فاروق النبهان، الاستشراق: تعريفه، مدارسه آثاره، الرباط، منشورات المنظمة الإسلاميّة للتّربيّة والعلوم والثقافة، ط1، 2007م، ص 11.

[3] - إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشّرق، ترجمة محمد عناني، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2006م، ص 44.

[4] - إدوارد سعيد، نفسه.

[5] - إدوارد سعيد، المرجع نفسه، ص 43.

[6]  - Alain Rey, Le Petit Robert, Paris, Robert, 2014, p. 1760.

[7] - Ibid.

[8] - Ibid. (A noter que Le Petit Larousse (2004) rapporte quasiment les mêmes significations, p. 763.)

[9] - حسن عزوزي، آليّات المنهج الاستشراقيّ في الدراسات الإسلاميّة، فاس، مطبعة آنفو-برانت، سلسلة تصحيح صورة الإسلام، ط1، 2007م، ص 55.

[10]- المقولة لإيميل درمنغهم وردت في  كتاب حسن عزوزي، المرجع نفسه، ص 60.

[11] - عبد الرّحمن حسن حبنكه الميداني، أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير،الاستشراق الاستعمار: دراسة وتحليل وتوجيه، دمشق، دار القلم، ط8، 2000م.

[12] - Voir Mohammed Besnaci, La contextualisation dans la lexicographie bilingue : le cas du dictionnaire français-arabe, Mostaganem, Dar Oum-El-Kitab, 2014, pp. 63/64/65.

[13] - عبد الرحمن بدوي، دفاع عن محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضدّ المنتقصين من قدره، ترجمة كمال جاد الله، بيروت، الدّار العالميّة للكتب والنّشر، (دون تاريخ).

[14] - عبد الرحمن بدوي، المرجع نفسه، ص39.

[15] - عبد الرحمن بدوي، المرجع نفسه، ص 48.

[16] - عبد الرحمن بدوي، نفسه.

[17]- إدوارد سعيد، المرجع نفسه، ص 45.

[18] - محمد محمود عبود، "منهجيّة الاستشراق في دراسة التّاريخ الإسلاميّ"، مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة الإسلاميّة، الكويت، المنظمّة العربيّة للتّربيّة والثقافة والعلوم، ج1، 1985م، ص 346.

[19] - محمد محمود عبود، نفسه.

[20] - ضياء الدّين ساردار، الاستشراق: صورة الشّرق في الآداب والمعارف الإنسانيّة، ترجمة فخري صالح، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2012م، ص 17.

[21] - محمد فاروق النبهان، المرجع نفسه، ص 9.

[22] - محمد فاروق النبهان، المرجع نفسه، ص 16.

[23] - محمد فاروق النبهان، المرجع نفسه، ص 9.

[24] - منذر معاليقي، الاستشراق في الميزان، بيروت، المكتب الإسلاميّ، ط1، 1997م، ص 20.

[25] - إدوارد سعيد، المرجع نفسه، ص 49.

[26] -  Eva de Vitray-Meyerovitch, Islam : l’autre visage, Paris, Editions Albin Michel, 1995, p. 69.

[27] - حسن عزوزي، المرجع نفسه، ص 9.

[28]  - سورة يونس، الآية 92.

[29] - François Déroche, Le Coran, Paris, PUF, Que sais-je ?, 3ème édition, 2009, p.3.

[30] - حسن عزوزي، المرجع نفسه، ص 22.

[31] - انظر أمثلة ساقها عبد العظيم الدّيب، في كتابه: المستشرقون والتراث، المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، 1992م.

[32] - قاسم السّامرائي، الاستشراق بين الموضوعيّة والافتعالية، الرياض، منشورات دار الرفاعي للنّسر والطباعة والتّوزيع، ط1 ،1983م، ص 15.

[33] - محمد فتح اللّه الزيّادي، الاستشراق أهدافه ووسائله، بيروت، دار قتيبة للطباعة والنّشر، ط1، 1998م، صص 7/8.

[34] - سعد بن عبد الله بن سعد الماجد، موقف المستشرقين من الصحابة رضي الله عنهم، مصر/الرّياض، دار الهدي النبوّي ودار الفضيلة، ط1، 2010 م، ص 4.

[35] - محمد فاروق النبهان، المرجع نفسه، ص 4.

[36] - مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، بيروت، دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1969م، ص 10.

[37] - منذر معاليقي، المرجع نفسه، ص 27.

[38] -  حسن عزوزي، المرجع نفسه، ص 5.

[39] - سورة طه: الآيتان 43/44.

[40] - سورة النحل: الآية 125.

[41]  - سورة البقرة: الآية 111.

*  مصادر البحث  *

القرآن الكريم

بالعربيّة:
بدوي، عبد الرحمن، دفاع عن محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضدّ المنتقضين من قدره، ترجمة كمال جاد الله، بيروت، الدّار العالميّة للكتب والنّشر، (دون تاريخ).
بن سعد الماجد، سعد بن عبد الله، موقف المستشرقين من الصحابة رضي الله عنهم، مصر/الرّياض، دار الهدي النبوّي ودار الفضيلة، ط1، 2010م.
بن نبي، مالك، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، بيروت، دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1969م
الجابري، محمد عابد، "الرؤية الاستشراقيّة في الفلسفة الإسلاميّة: طبيعتها ومكوّناتها الإيديولوجيّة والمنهجيّة"، مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة الإسلاميّة، صالح خرفي وآخرون، الكويت، مكتب التربيّة العربيّ لدول الخليج، المنظمّة العربيّة للتّربيّة والثقافة والعلوم، ج1، صص 305-338، 1985م.
الدّيب، عبد العظيم، المستشرقون والتراث، المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، 1992م.
الزيّادي، محمد فتح اللّه، الاستشراق أهدافه ووسائله: دراسة تطبيقيّة حول منهج الغربيين في دراسة ابن خلدون، بيروت، دار قتيبة للطباعة والنّشر، ط1، 1998م.
ساردار، ضياء الدّين، الاستشراق: صورة الشّرق في الآداب والمعارف الإنسانيّة، ترجمة فخري صالح، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2012م.
السّامرائي، قاسم، الاستشراق بين الموضوعيّة والافتعالية، الرياض، منشورات دار الرفاعي للنّسر والطباعة والتّوزيع، ط1، 1983م.
سعيد، إدوارد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشّرق، ترجمة محمد عناني، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2006م.
عبود، محمد محمود، "منهجيّة الاستشراق في دراسة التّاريخ الإسلاميّ"، مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة الإسلاميّة، صالح خرفي وآخرون، الكويت، المنظمّة العربيّة للتّربيّة والثقافة والعلوم، ج1، ص ص341-391، 1985م.
عزوزي، حسن، آليّات المنهج الاستشراقيّ في الدراسات الإسلاميّة، فاس، مطبعة آنفو-برانت، سلسلة تصحيح صورة الإسلام، ط1، 2007م.
كولييف رفائيل إلمير، كتاب القرآن وعالمه للمستشرق الروسيّ يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، نسخة إلكترونيّة، (دون تاريخ).
معاليقي، منذر، الاستشراق في الميزان، بيروت، المكتب الإسلاميّ، ط1، 1997م.
الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنكه، أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير،الاستشراق الاستعمار: دراسة وتحليل وتوجيه، دمشق، دار القلم، ط8، 2000م.
النبهان، محمد فاروق، الاستشراق: تعريفه، مدارسه آثاره، الرباط، منشورات المنظمة الإسلاميّة للتّربيّة والعلوم والثقافة، ط1، 2007م.

بالفرنسيّة:
BESNACI Mohammed, La contextualisation dans la lexicographie bilingue : le cas du dictionnaire français-arabe, Mostaganem, Editions Oum-El-Kitab, 2014.
DEROCHE François, Le Coran, Paris, PUF, Que sais-je, 3ème édition, 2009.
VITRAY-MEYEROVITCH de Eva, Islam : l’autre visage, Paris, Editions Albin Michel, 1995.
القواميس:

Le Petit Larousse Illustré, Larousse, Paris, 100ème édition, 2004.
Rey Alain, Le Petit Robert, Paris, Robert, 2014.

الموارد الالكترونية:
    http://islamhouse.com/ar/books/450186/ (Consultation : le 25 / 11 / 2015.