البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : صورة الرسول محمد (ص) في عيون الاستشراق الإيطالي (دراسة في النشأة والتطور والامتداد)

الباحث : د.محمد العمارتي

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 11

السنة : السنة الرابعة - ربيع 2017م / 1438هـ

تاريخ إضافة البحث : July / 16 / 2017

عدد زيارات البحث : 110

حجم ملف البحث : 412.854 KB

 تحميل

ـ 1 ـ

تمهيد

تعترض طريق الباحث في الاستشراق الإيطالي المهتم بالسيرة النبوية عبر مسيرته التاريخية عقبات كثيرة ومتنوعة نشير إلى بعضها:

ندرة البحوث والدراسات المتخصصة التي تخصّ الموضوع بالدرس والتحليل والمتابعة العلمية، في تجلياته وصوره المعرفية والتاريخية، إذ لم يحظ بأهمية كبرى لدى الباحثين العرب على وجه الخصوص مثلما هو الحال بالنسبة إلى بقية المدارس الاستشراقية الأخرى (الإنجليزية ـ الألمانية ـ الفرنسية ـ الأمريكية ...).

قلة الترجمات العربية التي لا تستطيع في وضعها الحالي أن تبلور وعيا ودراية عربيين كافيين بما يكتبه الآخر الإيطالي عن سيرة المصطفى 9 وعن حياته، من شأنها أن تخلق موقفا أو تصورا عربيا خاصا وواضحا إزاء هذه الأعمال الاستشراقية الإيطالية التي تأخذ مجال السيرة النبوية ضمن انشغالها واشتغالها العلميين.

ثم إن الباحث العربي في تعامله مع هذا المبحث العلمي الحيوي سيجد نفسه دائما ـ للأسباب التي ذكرناها ـ في حالة من السعي الدائب والمستمر نحو المصادر الأجنبية، الإيطالية منها بالخصوص التي تناولت الموضوع، ومن ثمّ فهو يحتاج إلى الترجمات وإنجازاتها وثرائها وتعدد محاورها في الموضوع، لخلق حوار تواصلي علمي مع هذه الدراسات والمصادر الإيطالية.

إذا ما وضعنا طبيعة الاهتمامات الإيطالية بالسيرة وقارناها بمثيلاتها في الخطابات الاستشراقية العالمية الأخرى(الإنجليزية ـ الألمانية ـ الفرنسية ـ الهولندية...) أي ما تحقق عندها من إنجازات علمية تخص موضوع السيرة، فإن الأمر المؤكد هو أن الاستشراق الإيطالي لم يتم له ذلك القدر الكبير والمهم من التراكم العلمي في الموضوع، ما يجعله في مستوى أفقي، ومتساوياً مع الخطابات الاستشراقية الأخرى كافّة.

ولكن هناك حقيقة أساسية ثابتة وإيجابية تحسب لصالح الاستشراق الإيطالي في إطار عنايته بالسيرة النبوية، وهي أنه كان من بين السباقين إلى هذا الاهتمام بحكم عوامل كثيرة، أهمها أن إيطاليا كانت ولاتزال مركزا استراتيجيا للديانة المسيحية وحاضنة لها إلى جانب إسبانيا الإسلامية في العصر الوسيط (الأندلس) بطبيعة الحال، ثم بحكم الصلات الوثيقة التي كانت تجمع بين إيطاليا والدول الإسلامية، وهي صلات قديمة قدم التاريخ والحضارة الإسلاميين، ومتنوعة تأخذ تجليات متعددة، منها ما هو اقتصادي وسياسي، ومنها ما هو علمي وثقافي، إذ « كانت إيطاليا أعرق أمم الغرب التي اتصلت بالشرق الأدنى اتصالا وثيقا منوعا، ونالت الثقافة العربية واللغات الشرقية من الترجمة والحفظ والتعليم والنشر، بفضل الفاتيكان حظا موفورا موصولا ....فعنيت جامعة بولونيا (1076) Bologna   بعلوم العرب، وجامعة نابولي (1224) Napoli  بثقافتهم، وجامعة سيينا (1246)  Sienna  بآدابهم، وجامعة رومة (1248 ثم 1303) Roma   بدراسة الآثار واللغة والآداب العربية والألسنية السامية، وجامعة فلورنسا (1321) Firenze باللغات الشرقية، وجامعة بادوى Padova  باللغات  السامية، والجامعة الغريغورية (1553) Gregoriana باللاهوت والحق القانوني الشرقي والدراسات الإسلامية »([1]).

     كما تجسدت هذه الصلات على مستوى تأسيس المطابع للغرض ذاته، فكانت « أول مطبعة أنشأها الراهبان : سفا ينايم، وبامرتز في دير سوبياكو (1464)، ثم نقلاها إلى رومة (1467)، وبدأت الطباعة في البندقية، وفي ميلانو (سنة 1469)، وفي فلورنسا (سنة 1471)، وفي ماينس حيث طبع الأب روث الدومينيكي دليل الحج، وفيه الأبجدية العربية (سنة 1486)، وقبل أن يختتم القرن الخامس عشر صدر عن إيطاليا 4987 كتابا، منها 300 في فلورنسا، و629 في ميلانو، و925 في رومة، و2835 في البندقية »([2]).

فبدأ الاهتمام أكثر فأكثر بالإسلام دينا وعبادة وثقافة وسلوكا وعلما وحضارة، واتخذ شكلا أبعد تنظيما وأعمق انتشارا واستمرارا في مدن إيطاليا وكنائسها بفعل الدور الخطير للفاتيكان، فكان رجال الدين ومرجعهم الفاتيكان يومئذ يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا، ولا سبيل لهم إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثله الثقافة العربية، فتعلموا العربية، ثم اليونانية، ثم اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه، ولتخريج أهل جدل يقارعون فقهاء المسلمين واليهود، ويردون عليهم ببراهين من كتبهم أنفسهم([3]). 

      إذن من خلال هذه العتبات الأساسية الأولى يمكن إدراك طبيعة هذا الموضوع وأهميته. ومن ثم سنحاول في ضوء ما ذكرناه سابقا أن نصوغ منطلقات هذه الدراسة لبناء التصورات والمواقف عن الموضوع، ذلك من خلال تناول البدايات الأولى المبكرة لنشأة الاستشراق الإيطالي في إطار اهتمامه بسيرة الرسول 9، مع الإشارة بشكل خاص إلى أن تاريخ الاستشراق الديني الإيطالي قد عرف مرحلتين أساسيتين مختلفتين إلى حدٍّ ما، هما:

     مرحلة العصور الوسطى حيث اتخذ الاستشراق مواقف عدائية حاقدة وماكرة من السيرة النبوية،  فاتسمت أبحاثه وكتاباته بملامح الصراع الديني والكذب والتلفيق وإخفاء الحقيقة العلمية.

مرحلة العصر الحديث، حيث اتخذ طابعا معتدلا، وخفف مستشرقوه من غلواء خطاباتهم، ومواقفهم وتصوراتهم إزاء النصوص الدينية الإسلامية كالقرآن الكريم والسيرة النبوية وغيرهما، بفعل تطور مناهج البحث وطرائق المعالجة والدرس، وانفتاحهم على التحولات الكبرى التي عرفتها العلوم الإنسانية، وذلك في إطار خلق حوار الأديان والثقافات والحضارات .

إن ما يهمنا نحن في هذه الدراسة بالدرجة الأولى هو معرفة الطريقة والكيفية التي بواسطتها صاغ المستشرق الإيطالي معرفته بشخصية الرسول الكريم 9 في مراحل متقدمة من تاريخ نشأة الاستشراق الديني بإيطاليا، ثم تتبع تجليات هذه المعرفة وتلك التصورات في أعمال كتاب ومستشرقين لاحقين . وسنسعى في ضوء ذلك إلى تناول هذا الموضوع ومحاوره انطلاقا من آراء بعض رجال الدين المسيحيين والمستشرقين الإيطاليين الأوائل، نظرا لما مارسوه من تأثير كبير على تطور مسار الاستشراق الديني بإيطاليا، وفي توجهاته العامة، ونظرا لحضور أفكارهم وآرائهم في الدراسات الاستشراقية الأوربية الأخرى المصاحبة لهم واللاحقة عليهم، وهؤلاء هم:

فيدينزو دي بافيا، وأندريا أرفابيني، وأندريا داندولو، ودانكونا Dancone، ودانتي أليجيري (1265-1321)Dante Alighieri  ،والأب دومينيك جرمانوس (1588-1670) Germanus, P.D.، ولودفيكو ماراتشي (1612-1700)، Marracci, P.L ....   وكذا انطلاقا من بعض آراء مستشرقين إيطاليين معاصرين  اهتموا بالظاهرة المحمدية، فكتبوا عن الإسلام عامة وعن الرسول 9 خاصة، واتخذوا حياته أو سيرته 9 مادة لدراساتهم وأبحاثهم العلمية، أمثال :  دافيد سانتيلانا (1855-1931)، والأمير ليوني كيتاني   Caetani, Leone(1859-1926) ،وكارلو ألفونصو نللينو Nallino ,Carlo Alfonso (1872-1938)،وميكلانجلو جويدي  Guidi, Michelangelo (1886-1940) , وفرانسيسكو غابريللي (1904- 1997)   ثم لورافيشيا  فاغليري .

كما سيتخذ عملنا هذا منحى توثيقيا تاريخيا يعمد إلى التتبع التقصي والرصد ولا يجنح إلى التحليل والمقارنة والاستنتاج، لطبيعته المنهجية.

ـ 2 ـ

الاستشراق الإيطالي وبداية الاهتمام بالإسلام

لا يستطيع أحد مهما أوتي من معرفة وعلم واسعين بحركة الاستشراق الإيطالي في تناوله للظاهرة النبوية وتجلياتها الدينية والسلوكية... أن يجزم أو يحدد بدقة ووثوقية كبيرة تاريخ إنجاز أول بحث أو دراسة أو احتكاك بنصوصها من قبل الكتاب والمستشرقين واللاهوتيين الإيطاليين، ولكنه يستطيع أن يقول بنوع من الاطمئنان بأن هذه الاهتمامات بالسيرة  النبوية نشأت بإيطاليا مع نشوء الصراع الديني العقائدي بين المسيحية والإسلام، كما ترعرعت وازدهرت واشتد عودها مع الاحتكاك والاطلاع المباشر على النصوص الدينية الإسلامية (القرآن الكريم ـ السيرة النبوية ـ وكتب الصحاح ...). إذ كان لهذا الاطلاع أثره الفعال في ظهور البدايات الأولى للاستشراق الديني بإيطاليا.

وللغرض نفسه تمت أول طبعة لنص القرآن الكريم(*) باللغة العربية بأوربا، وذلك بالبندقية([4]) سنة 1537 أو 1538 على يد أليساندرو باغانيني([5]) Paganini، وهي المطبعة العربية التي أنشأها فرديناند دي ميديتشي دوق توسكانيا، مدعوما من البابا غريغوار الثالث، أي إنّه جرى طبع القرآن الكريم في إيطاليا / أوربا، قبل أن يطبع في أي بلد إسلامي بفترة طويلة ربما تزيد عن ثلاثة قرون، وفي فترة مبكرة جدا من اختراع فن الطباعة(**).

وكان يمكن أن تمثل هذه الجهود إجراء أوليا في محاولة تكوين معرفة صحيحة   وموضوعية بنصوص هذا الدين وبكتبه المقدسة، والاطلاع عن قرب على تعاليمه وتشريعاته لإدراك مواطن التوافق والنبوغ والوحي والعبقرية فيه، لكنه للأسف تمت هذه الطبعة في ظل أجواء الصراع، والاستنفار، والترقب، والخوف، والعدائية التي تطفئ كل نور. ولهذا كرست هذه الجهود ثقافة الصراع وليست ثقافة الحوار والتسامح الديني والفكري.

يضاف إلى ذلك أنه لم تكد تظهر الترجمة اللاتينية للقرآن الكريم للقسيس السويسري بيبلياندر([6]) التي صدرت سنة 1543 في ثلاثة مجلدات حتى ظهرت أول ترجمة إيطالية له عام 1547 على يد أندريا أريفابيني في البندقية، وإن كان أريفابيني يدعي أنه أنجز هذه الترجمة من الأصل العربي للقرآن الكريم، غير أن ترجمته ما هي إلا نسخة عن اللاتينية التي نشرها بيبلياندر. ثم إن ترجمة إريفابيني كانت مصدرا لأول ترجمة بالألمانية قام بها سلمون شفايجر S. Schweigger، وهو قسيس واعظ في كنيسة فراون كيرشه في نورمبرج عام 1616. وكان قد اطلع «في القسطنطينية عن طريق المصادفة على الترجمة الإيطالية التي قام بها أندريا أريفابينيAndrea Arrivabene   عام 1547  وعلى أساس من هذه الترجمة الإيطالية التي لم تكن ترجمة دقيقة بحال من الأحوال، لأنها لم تكن معتمدة على النص العربي، بل كانت معتمدة على الترجمة اللاتينية الأولى التي تمت في القرن الثاني عشر، وهي ترجمة كان قاصرة قصورا بليغا، وعلى أساس من هذه الترجمة الإيطالية المشار إليها قام شفايجر عام 1616 بإنجاز ترجمته الألمانية للقرآن، وهي ترجمة ثقيلة على الفهم، وقد قدم لها بفصل جدلي للغاية يتسم بالنزعة الهجومية تناول فيه بصفة خاصة حياة محمد وتعاليمه»([7]).

كما أن هناك محاولات جادة من قبل رهبان إيطاليا الكاثوليكيين لترجمة القرآن الكريم، يقول عبد الله عباس الندوي: « إن هناك رواية أخرى حول هذه الترجمة التي قام بها الرهبان باللاتينية تقول: إن بعض الرهبان من إيطاليا وألمانيا أحرقوها خائفين من تأثير القرآن في عقول الناشئة وضعاف الإيمان من الرهبان. أما الترجمة التي طبعت 1553 في مدينة بازل فهي الترجمة الأخرى التي قام بها الآخرون من رهبان إيطاليا الكاثولكيين»([8]).

وتأسيساً عليه فقد كانت هذه الترجمات انعكاسا مباشرا للجو العام الديني والسياسي، والاجتماعي، والعلمي، والحضاري الذي كان يسود إيطاليا خاصة وأوربا عامة آنذاك، والذي كانت تذكيه الحروب الصليبية المعلنة ضد المسلمين ونبيهم الكريم. ولهذا جاءت استجابة لهذه السياقات، وتلك الظروف العدائية لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة. فباتت كل مواقفهم محكومة بروح العداوة، والحقد، ومنطق التدليس، والكذب على التاريخ والإنسانية .

لقد احتفظت إيطاليا كباقي دول أوربا في وعيها الجماعي بتلك الصور القاتمة التي صاغها الكتاب البيزنطيون عن الرسول 9 من قبل، فأصبحت لدى كتابها وكأنها حقيقة متوارثة، ومسلمات بديهية وثابتة، وقناعات لا تقبل الشك أو المراجعة أو التناول العلمي الصحيح .وبذلك لم يكونوا أمناء نزيهين للأسف في نقل حقيقة الدين الإسلامي ونبيه سيدنا محمد 9 إلى الحضارات، والأجيال المتعاقبة .

ومع ظهور ترجمة المستشرق اللاهوتي الإيطالي لودفيكو ماراتشي([9]) للقرآن الكريم، إلى اللغة اللاتينية ـ وهي الترجمة الثانية باللاتينية للقرآن ـ  سنة 1698([10]) قام دافيد نريتر بترجمة إلى الألمانية عام 1703م نقلا عن ماراتشي.

وكانت أوسع ترجمة انتشارا نقلت عن ماراتشي هي الترجمة الإنجليزية التي أنجزها جورج سال George Sale (1697-1736) « ففي عام 1734م، انتهى" جورج سيل"  من ترجمته التي اعتمد فيها على نسخة عربية للقرآن الكريم طبعت في هامبورج عام 1694م، وهي لا تخلو من أخطاء. ولقلة بضاعته في العربية اتكأ على ترجمة" مراتشي" اللاتينية آنفة الذكر. يقول سير إدوارد دنسون   Sir Edward Denson Ross في مقدمته لترجمة معاني القرآن لجورج سيل : إنه لا توجد ترجمة لمعاني القرآن في اللغة الأوربية إلا وهي مدينة لفضل ميراتشي، وإن مقدمة ميراتشي لترجمة معاني القرآن تجمع جميع ما عرفه أهل أوربا عن الإسلام ومحمد والقرآن آنذاك»([11]).

لقد ظلت هذه الترجمة طوال قرنين عمدةً لدى الباحثين الغربيين، بل ترجمت إلى الهولندية والألمانية والفرنسية والروسية والسويدية والبلغارية، بل أعيدت طباعتها أكثر من مائة وعشرين مرة. يقول "جورج سيل"  مبرراً الحاجة إلى ترجمته: من الضرورة بمكان أن نُخلِّص المخدوعين ممن تبنَّوا آراء إيجابية تجاه النص الأصلي ]للقرآن [بسبب الترجمات الجاهلة أو المنحازة التي ظهرت، وأن نمكِّن أنفسنا من كشف الدجل بشكل أكثر فاعلية، وكأن تحريف المترجمين قبله لم يكن كافياً، فاستدعى الأمر مزيداً من الافتراء على كتاب الله، عز وجل. هذه الروح التي دوَّن بها ترجمته»([12]).

ولهذا فإن ترجمة ماراتشي قد حظيت بالشهرة والذيوع في أغلب دول أوربا آنذاك. لأنه أضاف إليها بعض الاقتباسات من التفاسير المختلفة، والكتب الإسلامية الدينية التي اختيرت بعناية كبيرة من قبله، لتعطي أسوأ انطباع وأسوأ صورة عن الإسلام ونبيه محمد 9 للمسيحيين الإيطاليين أولا ثم للأوربيين ثانيا، إذ قدم لترجمته بجزء كامل عنونه بـ(تفنيد مزاعم القرآن)، بمعنى تفنيد مزاعم الرسول محمد9،  وسوف يأتي الحديث عن ماراتشي بتفصيل في هذه الدراسة.

ويمكن القول إن الترجمات الأوربية للقرآن الكريم إلى ما قبل ظهور ترجمة ماراتشي كانت واقعة تحت تأثير الترجمة اللاتينية الأولى لدير كلوني، لكن ترجمته استطاعت أن تأخذ الحظوة الأولى بعدها لقوة مكرها، وعمق خبثها، وحقدها على الإسلام، ولأنها وجدت هوى في نفوسهم المسيحيين فأشبعت فضولهم الديني العقائدي المريض المعادي للمسلمين ولنبيهم الكريم. وقد كان مبعث هذه الترجمات أنها وردت في إطار الحرب العدائية التي كانت جارية بين المسيحيين والمسلمين آنذاك في إيطاليا، لاسيّما وأن الإسلام كان يمثل في ذلك الوقت خطرا على المسيحيين، وكانت إسبانيا وجنوب إيطاليا أبلغ دليل على ذلك. فكانت مدونة أو مشروع كلوني الحلقة الأولى في إطار سلسلة المشاريع السجالية والعدائية بين العقيدتين على المستوى الفكري، وأصبحت تمثل أرضية مناسبة لبلورة تصور مسيحي غربي حول الرسول محمد 9 لدى الغربيين لتأسيس نشاط استشراقي مبكر في العصور الوسطى بإيطاليا خاصة وباقي دول أوربا عامة.

ومن المؤكد حقا أن أغلب الترجمات الأوربية، والإيطالية منها، التي تمت في هذه الفترات المبكرة من تاريخ الفكر الديني بأوربا كانت بتوجيهات من الكنيسة، إذ أشرف على هذه العملية رجال الدين والرهبان والأساقفة من ذوي المناصب ومن ثقات المؤسسة الكنسية.

وكان الهدف واضحا ومرسوما سلفا هو مجابهة هذا الدين وصاحب هذا الدين اللذين يعدان خطرا على الديانة المسيحية. لنستمع إلى ما قاله العقل المدبر الأول صاحب مشروع كلوني في إذكاء نار العداوة بين المسلمين والمسيحيين في وقت مبكر من هذا الصراع: « إن الجرم الذي ارتكبه محمد لا يطلق عليه سوى تسمية الهرطقة أو الوثنية، وعليه ينبغي العمل ضد ذلك الأمر. ولكن اللاتين لا يعرفون سوى لغاتهم، ولهذا لا يستطيعون التعرف على حجم الخطأ ولا يستطيعون إغلاق الطريق أمام هذه الهرطقة. لهذا كله اشتغل قلبي وفكري وأسخطني رؤية اللاتين وهم غير مدركين دوافع هذا الخطر وتجاهلهم  إياه يضعف مقاومتهم أمامه، ولا أحد يستطيع الرد، لذلك ذهبت أبحث عن متخصصين في اللغة العربية، وعن طريق التوسل والنقود جعلت أولئك المتخصصين يقومون بترجمة تاريخ وأسس ديانة هذا المسكين وكتابه الذي يسمى القرآن»([13]).

والحقيقة التي يمكن أن نسجلها هنا حول هذه الادعاءات الواهية والمجانبة للصواب، وللتاريخ التي كونها الإنسان الإيطالي عن الرسول 9 وأفرزتها مواقفه في مرحلة العصور الوسطى هي أنه من غير المنطقي والمعقول ومن وجهة نظر علمية  اعتبار هذه الكتابات والمواقف إزاء الرسول 9 ضمن المباحث أو الدراسات الاستشراقية المحضة والمتخصصة، لأنها ببساطة لا ترتكز على منهج علمي موضوعي يحترم حدوده، وطرق اشتغاله، وتوجهاته العلمية والمنهجية التي تعلن عن ملامحه ومسؤوليته، وأمانته العلمية في البحث عن الحقيقة، وليس شيئا غير الحقيقة إزاء الموضوع الذي يُدْرَس، لكنها مع ذلك تمثل البدايات أو البواكير الأولى والمؤسسة للاهتمام بحياة الرسول 9 خاصة والإسلام عامة، وخلق معرفة أولية بالموضوع، رغم السياقات الظلامية والحاقدة التي نبتت فيها وترعرعت في تربتها، لأنها «على الرغم من افتقارها إلى الموضوعية والعلمية كانت الأسس التي ارتكزت عليها العديد من التفسيرات والآراء الاستشراقية المتأخرة، وظل تأثيرها يحتل نصيبا مهما، على الرغم من صغر حجمه، في كتابات بعض المستشرقين في الفترات الحديثة والمعاصرة»([14])، لأن الأوائل الذين عرضوا موضوع حياة الرسول الكريم من الإيطاليين كانوا من رجال الدين والرهبان والقساوسة.

معنى ذلك أن الاهتمام بترجمة القرآن الكريم كان اهتماما بمعرفة الرسول محمد9، صاحب هذا الدين الجديد ـ كما ذكرنا آنفا ـ . كما اعتقدوا بأن هذه الترجمات  للقرآن الكريم إنما هي طريق موصل إلى القبض على معطيات ترتبط بحياة الرسول الكريم وبسيرته، وأنها بمثابة منطلقات أو بدايات لتشكيل صورة عنه 9 أيضا، ولهذا كانوا يعتقدون بأن القرآن الكريم من تأليف الرسول 9 فيقولون : «كتاب محمد». « قرآن محمد ».

ولذلك واعتمادا على ما أشرنا إليه من معطيات وحقائق ترتبط بالموضوع فإنه « من الممكن القول بأنّ كتابات وإسهامات هذه المرحلة اتسمت بسمات عدّة منها:

التطرف الشديد في عرض الآراء والأفكار والتفسيرات المعادية للرسول الكريم والقرآن الكريم والدعوة الإسلامية .

الجهل البين بكثير من المظان العربية الإسلامية عن هذا الموضوع، ولاسيما الجهل بكتب السيرة والحديث الشريف ...

غلبة الطابع الأسطوري والقصص الخيالي(غير الواقعي) على معظم تلك الإسهامات، لعله من الصحيح القول بأن بعض هؤلاء الكتاب قد اعتمد في معلوماته على عدد ضئيل من المراجع العربية، غير أن هذا النفر القليل لم يكن ثقة في طرحه الروايات الإسلامية، فحرف هذه المعلومات وحورها وكتبها بصيغ وأشكال بعيدة كل البعد عن الحقيقة»([15]).

فأضحت هذه السمات للأسف الشديد قاسما مشتركاً بين الكتّاب والمفكرين ورجال الدين الإيطاليين آنذاك الذين جعلوا من موضوع حياة الرسول وسيرته حقلا لأبحاثهم ودراساتهم، وكأنهم وحدوا خططهم ومواقفهم ورؤاهم العدوانية والحاقدة في الحرب وفي الفكر وفي المعتقد .

ـ 3 ـ

بواكير البحث في السيرة

وكوامن الرغبة في إخفاء الحقيقة المحمدية وطمسها أو تزييفها

لكن تاريخ البحث والكتابة في السيرة النبوية عند الكتاب الإيطاليين لم يأخذ ملامحه أو شكله الرسمي إلا بظهور كبار رجال الدين من قساوسة الكنسية ورهبانها الذين عملوا جادين على اختراق المنظومة الإسلامية من الداخل، في محاولتهم لصياغة أخبار ومعطيات كاذبة ملفقة عن الرسول 9 كخلفية معرفية ولاهوتية، وذلك على هامش ترجمتهم للقرآن الكريم إلى اللغة الإيطالية.

وربما كانت أهم شخصية دينية يبرز اسمها منذ البداية في مرحلة العصور الوسطى هي ظهور شخصية راهب إيطالي يدعى فيدينرو دي بافيا. هذه الشخصية المسيحية لا يمكن إغفال دورها الخطير في مسيرة الاستشراق الإيطالي في مراحله المبكرة، بوصفها لساناً معبراً عن الرؤى والتصورات والمواقف العدوانية التي كانت سائدة في عصرها، وبوصفها أيضا ناقلة لنبض الواقع الديني الذي بات رائجا ومنتشرا بإيطاليا تجاه شخصية النبي المصطفى الكريم 9، فقد « جاء إلى بلاد الشام في النصف الثاني من القرن السابع الهجري/ النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي، فقد كتب وصفا مختصرا مختلقا لتشويه صورة النبي 9 عند القراء الغربيين، ومما قاله:" إن محمدا جمع حوله عبيدا آبقين ورجالا مؤذين مرتشين ومضطهدين للآخرين، من أصناف مختلفة، وعندما أطاعوه وأصبح أميرهم، أرسلهم إلى غابة ذات طرق فرعية وإلى قمم الجبال، وأخذوا يغيرون على الطرق التي يتردد عليها المسافرون فيسلبون الناس، وينهبون بضائعهم ويقتلون كل من يُبدي مقاومة، وحل الخوف من محمد وأصحابه بجميع الناس الذين يقطنون بتلك البلاد»([16]).

وهذا الراهب الإيطالي فيدينزو دي بافيا أحد الكتاب الغربيين الذين تلقفوا القصة المختلقة على النبي 9 وزينب بنت جحش رضي الله عنها أيضا، التي اخترعها يوحنا الدمشقي وصاغوها بشكل داعر، ومما قاله فيدينزو في هذا السياق:

«كان هناك رجل معروف يدعى سايدوس أي زيد، وكان له زوجة تدعى سيبيب أي زينب، كانت من أجمل النساء اللواتي عشن على الأرض في أيامها، فسمع محمد بشهرة جمالها، واشتعل بالرغبة فيها، وأراد أن يراها، فجاء إلى منزل المرأة في غياب زوجها، وسأل عن زوجها، فقال له: يا رسول الله ماذا تريد، لماذا أنت هنا؟ زوجي ذهب إلى الخارج للعمل. فلما عاد الزوج إلى بيته، وكان عارفا بقدوم الرسول. فقال لزوجته: هل كان رسول الله هنا؟ فأجابته: نعم كان هنا. فقال لها: رأى وجهك؟ فأجابته: نعم رآه وقد سهرني أيضاً وقتاً طويلاً، فقال لها: أنا لا أستطيع أن أعيش معك وقتا أطول من هذا»([17]).

أي إسفاف أخلاقي يصدر عن هذا الراهب في حق النبي المصطفى محمد 9 الذي وصفه الله تعالى بأنه "على خلق عظيم" وأنه قد أدبه ربه سبحانه وتعالى فأحسن تأديبه، فنزهه عن هذه الموبقات والفجور المادية الحيوانية . يقول ريتشارد سويثرن في تاريخه الموجز: «إن الذي انصقل كثيرا وازداد تعقيدا هو الجهل الغربي، وليس المعرفة الصحيحة بالإسلام، أدى هذا الجهل بالإسلام إلى التفكير بضرورة القيام بعمل ما بشأن الإسلام، والواقع أن عدم الإنصاف يتمثل في التصور المسيحي للمسلمين بوصفهم كفاراً ووثنيين يعبدون دينا زائفا، ولمحمد 9 بوصفه ساحراً، بل نظر إلى النبي 9 على أنه كاردينال في كنيسة روما. فلما أحبطت آماله في أن يصير بابا ثار وفر إلى الجزيرة العربية حيث أنشأ كنيسة خاصة به»([18]).

التوجه العدواني يطبع موقف مستشرق إيطالي آخر هو أندريا داندلو « الذي زعم بأنّ محمداً عدّ نفسه كالمسيح ليفوز بمساعدة اليهود والمسيحيين، وقد زاد على غيره بزعمه بأن الذي ساعد محمدا هو الراهب النسطوري سوجيوس الذي أراد بمساعدته أن يحارب الكنيسة، وهكذا كان محمد 9 في عرف أولئك ساحرا هدم الكنيسة في إفريقيا، وفي الشرق، عن طريق السحر والخديعة، وضمن نجاحه (حسب زعمهم) بأنه أباح الاتصالات الجنسية، ولقد قدر لهذه الصور أن تزداد زخرفا في الكثير من الأعمال الأدبية، وكان في عرف تلك الكتابات أن محمدا 9 هو صنم المسلمين الرئيسي»([19]).

 وكان معظم الشعراء الجوالين يعدّونه كبير آلهة المسلمين، وكانت تماثيله (حسب أقوالهم) تصنع من مواد نفيسة ذات أحجام هائلة، وقد ظل هذا الاتجاه الخرافي في وصف سيرة المصطفى 9 حيا في إيطاليا وسائر بلدان أوروبا حتى القرن السابع عشر وما بعده ولايزال هذا الاتجاه للأسف حيا في العصر الحاضر في كتابات بعض المستشرقين عن الإسلام ونبيه، في إيطاليا العصر الحديث، وهو قليل لحسن الحظ،  ففي المؤتمر الإسلامي المسيحي الثاني المنعقد في طليطلة بإسبانيا سنة 1977، وفي البحث الذي قدمه إلى المؤتمر الأب جي هارتي حول مواقف معاصرة من نبوة محمد وسيرته سجل تفسيرا غريبا لعدم الاعتراف بنبوة محمد منسوبا إلى راهب آخر هو الأب جاك جونييه يقول فيه: إنه لا يمكن عدّ محمدٍ نبياً لأن ذلك يعني بالنسبة إلى المسيحيين الاعتراف بإنجيل جديد يحل محل إنجيل المسيح، وإن الاعتراف بمحمد نبيا ودراسة سيرته، يعني الاعتراف بكل ما يتضمنه القرآن، ومن ثمّ فإنّ عدّ محمّد خاتم المرسلين وخاتم الأديان لا يعدّ سوى إلغاء لإنجيل المسيح([20]).

وقد اعتمد داندلو في بناء هذا الموقف العدائي ضد الرسول 9 وسيرته على الأساطير البيزنطية. يقول المستشرق الألماني غوستاف بفانموللر بهذا الصدد في كتابه (سيرة الرسول في تصورات الغربيين) : «... وفي العرض الذي قدمه لنا أندريا داندلو الفينيسي تتجمع عناصر الأساطير البيزنطية عن محمد مع الاختراعات التي يجب أن توضع على حساب خيال المحاربين الصليبيين وعلى حساب قادتهم الروحيين»([21]).

ولاشك في أن هذه الخلفيات العقائدية المسيحية قد انعكست سلبا على قراءاتهم لنصوص السيرة النبوية، حيث اتخذت منحى الصراع والعداء، فلم تسمح بصياغة معرفة صحيحة إيجابية عن الإسلام عموما وعن السيرة على وجه الخصوص. ومن ثمّ فتحت المجال لمجموعة من الخرافات والأفكار الخيالية الظلامية والعدوانية إزاء الرسول 9 بالتسرب إلى الخطاب الاستشراقي الديني الإيطالي، فأثرت في أحكامه ومواقفه ونتائج أبحاثه. كما أثرت في المخيال والذاكرة الجماعية للإيطاليين، فترتب عن ذلك أن ضاعت الحقيقة الإسلامية الناصعة، وضاعت معها كل معرفة جادة يمكن أن يكونها مسيحي يطمح إلى الاطلاع على هذا الدين ومعرفة أخبار رسوله 9، لاتخاذ مواقف وتصورات إيجابية موضوعية عن الرسول الكريم 9 .

واللافت للانتباه أن هذه الكتابات التي أنتجها الكتاب الإيطاليون في هذه المرحلة كانت عاملاً أساساً ومحركاً مباشراً في تغذية الصراع الصليبي ضد الرسول9 والإسلام، فركزوا بشكل مرضي مبالغ فيه على بعض القصص التاريخية العابرة، وشددوا عليها وألحوا على ترديدها في كل مناسبة ذكر  فيها موضوع سيرة رسول المصطفى9 أمثال قصة الناسك بحيرى، وعلاقة ورقة بن نوفل بالرسول9، لأنها من القصص التي يراد من وراء إذاعتها في الناس إظهار التأثير المسيحي في الرسالة المحمدية ودعوتها، ومن ثمّ انطلاقا من هذه العلاقات المؤثرة فإن نبي الإسلام ـ في تصوراتهم ـ لم يأت بشيء جديد سوى أنه أعاد تكرار الأفكار المسيحية وإنتاجها بشكل مبتسر ومشوه ومغلوط ومحرف، وهذا كله مجانب للحقيقة وكذب وبهتان.

يرى المستشرق الإيطالي المعاصر فرانسيسكو غابريللي في كتابه (محمد والفتوحات الإسلامية) بأن السبب الرئيسي الذي دعا أولئك الكتاب في العصور الوسطى أن يأخذوا مثل هذا الموقف السيّئ والمعادي للإسلام هو أن المسيحية رأت في نجاح دعوة الرسول محمد 9 وانتشارها بوصفها عقيدة منافسة وعدوة بسبب سرعة نموها وانتشارها، وهذا النمو والانتشار يحاصر حدودها ويسلب أراضيها وأملاكها، ومن ضمنها مكان ولادة المسيح نفسه. فهذا السبب ظل موروثا في شعور الغرب إزاء الإسلام ونبيه([22]).

فتم في ظل هذا الوضع إعادة إنتاج التصورات والأفكار المستبطنة سلفا في ذهنية الإيطالي التي كونها البيزنطيون ضد الإسلام ورسوله (ص)، وكلها عارية من الصحة والحقيقة، فأضحت شبكة من البديهيات والمسلمات الثابتة المُطْمَأَنّ إلى مكوناتها عند المسيحي الإيطالي الذي يريد أن يبحث عن حقيقة محمد 9 ودينه من خلال أخباره وسيرته العاطرة.

والجدير بالذكر أن ظاهرة التعصب والعداء الدينيين ضد سيدنا محمد 9 قد لازمت الاستشراق الإيطالي عبر عصوره الوسطى والنهضة، وإن كانت هذه الظاهرة تختلف قوة وضعفا، شدة ولينا عند هذا المستشرق أو ذاك حسب ما يحمله من مواقف قد تبتعد أن تقترب من الصورة النمطية المستوحاة من الأساطير البيزنطية.

فمنذ أن كتب تيوفانس البيزنطي عن السيرة النبوية ظهر اتجاه بين عدد من الإيطاليين يأخذ بهذه الأفكار من دون تمحيص أو نقد أو إعمال النظر والمنطق. وغالبا ما كانت تخالط هذه الصورة العوامل السلبية الجديدة التي يكونها المستشرق الإيطالي من خلال عصره.  فهناك أفكار مستبطنة سلفا عن الرسول 9 وهناك الواقع الديني الكنسي الذي يذكيها ويزيدها تأججا واشتعالا واستمرارا ورسوخا في ذهنية المسيحيين بإيطاليا على حد سواء.

إذن هناك سلطة الأفكار، وسلطة الصور النمطية الثابتة السائدة التي تحكم توجهات الاستشراق الإيطالي ومنطلقاته منذ البدايات الأولى لنشأته، التي استقرت في لاوعي هؤلاء المستشرقين كأنها من المسلمات الضمنية الراسخة التي لا تناقش أو تراجع أو يعاد فيها النظر لمحاولة تفكيكها، وإعادة رسم خطوطها بشكل مقبول استنادا إلى المصادر والمنابع الأساسية للسيرة.

وبالطبع لم يكن أندريا داندلو الإيطالي وحده حاملا لهذه السموم القاتلة والخرافات والأفكار الشيطانية في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الاستشراق الديني الإيطالي، بل انضافت إليه شخصية أخرى أسهمت أيضاً في تكريس هذه البدع الظلامية والعدوانية وهي شخصية ألساندرو دانكونا، إذ يقدم لنا في حديثه عن سيرة المصطفى 9: «بحثا بعنوان (أسطورة محمد في الغرب) [im Occidenta La leggenda di Maomatto] عرض فيه بحوث وكتابات كل من جيوبرت النوجيني، وهيلدبرت الصوري، ويعقوب الفيتري، وفنسنت البوفوي، وغيرهم. وهي كتابات احتوت الأضاليل، والأباطيل والهجوم الحاد على القرآن الكريم الذي ترجم ترجمة مشوهة جدا، واحتوت على هجمات حاقدة ووضيعة على الرسول الكريم 9 وعلى الإسلام. هذا العرض السريع يعد سببا في أن يكون متوافقا مع استهلال البحث بأن الإسلام والغرب إنما يؤشر إلى جدلية بين نقيضين متصارعين([23]).

       ويعد المستشرق الإيطالي دانكونا هذا من بين الأوائل الذين نادوا بهذه الأفكار البيزنطية المتطرفة والمعادية في كتابته باللغة الإيطالية الموسوعة السالفة الذكر (أسطورة محمد في الغرب) .

كما تمثل بحوثه([24]) تكملة ممتازة لعمل بروتس، وقد قادته دراساته المقارنة في الآداب الرومانية إلى طرح سؤال حول نوع المعرفة التي كانت لدى القرون المختلفة عن سيرة محمد 9. وعلى أساس من اطلاعه الشامل رسم لنا دانكونا صورة لأسطورة محمد في العصر الوسيط، تلك الصورة التي عرض المستشرق البلجيكي شوفان(*)بعض خطوطها ببراعة فائقة في مؤلفه البيبليوغرافي. إذ يتناول دانكونا على وجه الخصوص التأثيرات المسيحية على محمد (الراهب بحيرى) والأخبار المختلفة حول وفاة محمد، ويبين الوحدة المميزة لهذه الأساطير من زمن المؤرخ البيزنطي تيوفانس، وطبقا لهذه الأساطير يظهر محمد على أنه زنديق، وأنه أريوس جديد أسوأ من أريوس الأول. ويبين دانكونا بعد ذلك كيف أن جزءا من "أسطورة محمد" ذلك الذي يتصل بأصل محمد وعلاقاته بالمسيحية واليهودية يبتعد قليلا عن الحقيقة التاريخية. ولكن بمرور الزمن تبتعد الأسطورة بصفة متزايدة باستمرار عن الحقيقة التاريخية ويصبح محمد مشابها لنيكولاس وبلاجيوس([25]).

والواقع أن هذه الحملة الفكرية والدينية  ضد الإسلام والرسول محمد 9 بدأت قبل الحروب الصليبية بكثير، بدأت في زمن القديس يوحنا الدمشقي (55-131 ھ /675- 749م) الذي عدّ الإسلام مذهبا منشقا عن الديانة الصحيحة، فهو بهذا المعنى ليس إلا زندقة خارجة عن المسيحية.أما النبي محمد 9 فهو لم يكن مرسلا- حسب ادعائه- ولكن  مبتدعا جاء بكتاب موضوع مختلق، ساعده فيه بعض الرهبان المنشقين عن الكنيسة.

     ويوحنا الدمشقي هذا من النصارى الشرقيين، من بلاد الشام، ولد وعاش في العصر الأموي، وتخصص في العقيدة واللاهوت المسيحيين، فألف أعمالا كثيرة في الموضوع، من ضمنها كتاب كتبه باليونانية بعنوان " الهرطقات "، فأفرد فيه فصلا عن الإسلام أطلق عليه اسم " هرطقة الإسماعيليين "، ويقصد بالإسماعيليين العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهذا الفصل شديد الطعن  اتهم فيه يوحنا العرب بالهرطقة والضلال، وزعم أن محمداً 9 كان رسولا زائفا ادعى النبوة زمن الإمبراطور هرقل، بعد أن قرأ العهد القديم والجديد، وتعلم من راهب أريوسي، فتظاهر بالتقوى حتى استمال العرب إليه، وأخبرهم أنه تلقى كتابا من السماء، وقدم فيه تلك الشرائع المضحكة على حد قوله التي تسمى بالإسلام . ثم ألصق بنبي الإسلام جملة من الاتهامات الرخيصة الملفقة التي هو منها براء . وكان هدفه من ذلك التشويه تحصين النصارى من أهل الذمة والحيلولة بينهم وبين اعتناق الإسلام حين رأى تسامح المسلمين مع أهل الذمة، ودخول كثير من النصارى في الإسلام، فلم يجد وسيلة  لتثبيت النصارى على دينهم سوى اتهام الإسلام بالهرطقة وتشويه سيرة النبي عليه السلام، لتكون صورته في نظر النصارى صورة كريهة حتى لا يقبلوا على اعتناق الإسلام([26]).

فشكّل هذا الكتاب المادة الأساس التي استقى منها أغلب الكتاب الإيطاليين أفكارهم وادعاءاتهم وزيفهم .     

لقد كان هؤلاء المستشرقون الإيطاليون متعصبين لمسيحيتهم، يستمدون معلوماتهم من أوامر الكنيسة وتوصياتها، في طاعة عمياء ومن دون إعمال للمنطق وللعقل، ومن دون الميل إلى الحقيقة التي تكاد تلمس باليد لوضوحها وقربها ونصاعتها. مما يبرهن عن مكر خادع أو جهل خطير بمجريات السيرة وحقائقها.

هكذا استعملوا خططاً مبيّتة تهدف إلى تشويه صورة الرسول عليه السلام، والتشكيك في مصداقية رسالته وتعاليمه السمحاء، والنيل من شخصه، والطعن في سيرته ونعته بالبربرية والوحشية. فانتقدوا الروايات التي تؤرخ لحياته 9، واعتمدوا ـ عن قصد وخبث ـ الأحاديث الضعيفة، وغير الصحيحة، والحكايات التاريخية الملفقة لاستبعاد القول بنبوته وإنكار تلقيه الوحي الرباني، وإنما الذي كان يقع له من علامات نزول الوحي ما هو إلا حالات نفسية شاذة أو نوبات الصرع، وهي أفكار شيطانية سادت في كل الخطابات الاستشراقية الأوربية ولم يسلم منها للأسف أي خطاب استشراقي أوربي على حد سواء

 « وقد كان الكتاب البيزنطيون، وبوجه خاص ثيوفانس Theophanes هم أول من أذاع في الغرب أسطورة "الصرع"، فقد كانوا المصدر الوحيد الذي تلقّي منه الغرب معلوماته الأولى عن الإسلام، وإليهم ترجع أغلب الأساطير التي شاعت في الغرب حول محمد 9 في العصور الوسطى، ويعترف المستشرقون أنفسهم بأن البيزنطيين كانوا مصدرا غير موثوق به فيما يتعلق بالإسلام»([27]).

       ولابد من أن يعود هذا الجهل التام وسوء التقدير للإسلام- رغم الاختلاط الكثير المباشر- إلى حد ما، إلا أن التعرف الأول على الإسلام قد تم عن طريق وساطة لا يوثق بها إلا قليلا. أعني عن طريق البيزنطيين... وبعد ذلك قدمت الحملات الصليبية دافعا جديدا، ومن هنا اتخذت صورة محمد باستمرار لونا أشنع من ذي قبل، وعرضت باستمرار بصورة أكثر فظاعة([28]) بل امتد بهم العنت والتضليل إلى أن عدّ بعضهم القرآن انّه من تأليف سيدنا محمد 9، وأن تعاليمه وتشريعاته منقولة عن كتب العهد القديم والعهد الجديد، وأنه مزيج ملفق من تعاليم اليهودية والمسيحية، وهذه نغمة كان يرددها أغلب مستشرقي أوربا آنذاك على حد سواء، الإيطاليون وغير الإيطاليين.

والحق أن القرون الثلاثة التي تلت عصر النهضة قد شهدت حملة دينية عدائية واسعة بإيطاليا، فقد كانت التغيرات السياسية والدينية تعصف بالبقية الباقية من أفكار المناصفة الدينية العادلة بين الإسلام والمسيحية، مع احترام شخصية النبي 9، حيث أعيد تشكيل الفكر الديني المسيحي على وفق تصورات كنسية تقف موقف العداء من شخص الرسول 9، وإنجازاته الدينية والإنسانية.

       ويبدو أن ما جاء به هؤلاء الكتاب البيزنطيين ومن لف لفهم من الكتاب الإيطاليين الأوائل قد أثر كثيرا فيما بعد  في الفكر الإيطالي المرتبط بالإبداع الأدبي والفني الجمالي،  حيث تم الاعتماد عليها  بشكل خطير، ومن دون إعمال النظر والعقل، وكأنها الحقيقة المطلقة التي لا تخضع لنقد أو تمحيص أو مراجعة، حتى بعد أن تطورت المعرفة الإنسانية، واتسع الأفق الفكري والعلمي والثقافي والحضاري للإيطاليين خاصة والأوربيين عامة .إذ استمر تأثيرها السلبي يظهر في أعمال مبدعين كبار كدانتي أليجيري، وغيوتودي باندولي على سبيل المثال .

ـ 4 ـ

نموذج دانتي أو خطوة في اتجاه نقل العداء إلى دائرة الأدب والفن

لا يخفى على أحد الدور السلبي الحاسم الذي لعبه دانتي في عملية تقديم حياة الرسول إلى الثقافة الإيطالية والديانة المسيحية، ولسنا مبالغين إذا قلنا إن موقفه هذا قد أسهم بشكلٍ خطير ـ نظراً لشهرته وعلو كعبه في الآداب اللاتينية ـ في ترسيخ الأفكار والاعتقادات الخاطئة السلبية عن الرسول 9.

ويعدّ دانتي أليجيري (1265-1321) من أعظم شعراء إيطاليا، وأحد أعمدة حركة النهضة الأوربية في الآداب خلد اسمه بملحمته الشعرية العظيمة (الكوميديا الإلهية).

صور دانتي الرسول 9 في الكوميديا الإلهية تصويرا حاقدا، وقد ألقي به في الدرك الثامن والعشرين من جهنم، وقد شطر إلى نصفين من رأسه إلى منتصفه، وصوره، وهو ينهش بيديه في جسمه، عقابا له على ما اقترف من آثام، وما سببه من انشقاقات دينية وسياسية وزرع الفتن والانقسامات ولأنه في رأيه تجسيد كامل للروح الشريرة، حيث قدم أوصافا سخيفة وسخر من النبي الكريم وصوره تصويرا بذيئا حاقدا، وقد كانت أمارات الحقد والكراهية بادية في كل سطر كتبه في كوميديته عن الرسول 9. وقد كان من الشائع تصوير النبي محمد 9 على أن الشياطين تعذبه في الجحيم، وأنه وضع في المكان المخصص لمن سبب الانشقاق. وبالتحديد في مكان من يزرع الشقاق الديني، وكانت إحدى الادعاءات التي اتهم بها النبي أنه كان كاذبا منتحلا نشر تعاليم علم أنها كاذبة من أجل إرضاء شهواته . والذي يقرأ كتابه هذا يجده مملوء بمثل هذه الادعاءات الواهية والأكاذيب والافتراءات الممزوجة بكثير من القصص الخيالية التي نعت بها الرسول الكريم .

لقد عكس دانتي إذن في " الكوميديا الإلهية" موقفا عدائيا من الإسلام والنبي محمد 9 مكرسا صورة الدين المسيحي "الحق"، عادّاً الإسلام "كفرا"وهرطقة، وهو أول من قارن صورة القديس فرانسوا الأسيزي " المؤمن " الحقيقي، وصورة السلطان المسلم " المتعجرف " والكافر ... وهذا الموقف هو نتيجة مباشرة لفشل آخر الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي التي تمت في زمن شباب دانتي . إن تأثير دانتي على نشوء الثقافة القومية الإيطالية، وعلى منظومة الفكر الأوروبي للنهضة  شمل أيضا تأثيره على مجمل فناني عصره في علاقته بالإسلام دينا وفلسفة . وتأثير دانتي والكوميديا الإلهية لم يفقد وزنه حتى القرن التاسع عشر ـ إذ تعدّ الكوميديا الإلهية أحد المصادر الأساسية التي لجأ إليها الرومانسيون بوصفها معيناً فنياً وإبداعياً ولاسيما أن ترجمتها إلى اللغة الفرنسية قد ظهرت في فرنسا عام 1813م، أي إبان فترة الحماس لدراسة تاريخ القرون الوسطى المسيحي والأوروبي مع تطور علم التاريخ في فرنسا آنذاك([29]).

 يقول الدكتور محمد إبراهيم الفيومي في السياق نفسه: «كان غيوتودي  باندوني، رائد إظهار الموتيف الشرق الإسلامي في فن التصوير الأوروبي، وهو معاصر دانتي ومؤسس النهضة في فن التصوير الإيطالي والأوروبي بشكل عام، والذي ارتبطت باسمه إنجازات إبداعية شكلت منعطفا تاريخيا في تطور الصورة التشكيلية الأوروبية وتقنيتها، فمنذ بداية حياته الفنية أدخل صورة الشرق المسلم في بنية اللوحة التاريخية في فن التصوير على الجدران ....، وفي جدارياته التي زينت كاتدرائية كابيلا باردي في سانتاكروتشية (فلورنسا) عكس غيوتو روح العصر التي ميزت الثقافة الإيطالية في القرن الرابع عشر، والقائمة على مقومات الأيديولوجية المتزمتة لخضوعها المباشر لسلطة الكنيسة وسياستها وللإقطاع، وقد صور في حينها فصولا من حياة القديس فرانسوا الأسيزي الذي شارك في الحملة الصليبية الخامسة، وزار دمياط، وكما تروي الأسطورة الشعبية المسيحية، فإنه قابل السلطان الكامل لإقناعه باعتناق الدين المسيحي، وبهذه الجداريات كرس غيوتو الصورة النقدية العدائية للإسلام التي بدأها دانتي في الفكرة»([30]).

كما اتهم دانتي النبي 9 بأنه داعية الانحلال الجنسي في كتابه  (الكوميديا الإلهية- الجحيم) فيقول: "موميتو- أي محمد- من ناشري الفضيحة والفتنة" ثم يسترسل في وصفه مجسدًا النبي 9 في تركيب سلالي متصلب من الشرور، "موميتو إلى الأبد يقطعه الشيطان في جهنم إلى نصفين من ذقنه إلى دبره، مثل برميل تمزق أضلاعه" لنشره الشهوانية المقرفة([31]). 

يقول الدكتور حسن عثمان مترجم الكوميديا إلى العربية في تعقيبه على الأنشودة الثامنة والعشرين إنه قد حذف منها أبياتا وجدها غير جديرة بالترجمة، وردت عن النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد أخطأ دانتي في ذلك خطأ جسيما، حيث تأثر بما كان سائدا في عصره، بين العامة أو في المؤلفات عن الرسول العظيم، بحيث لم يستطع أهل الغرب وقتئذ تقدير رسالة الإسلام الحقة وفهم حكمته الإلهية([32]).

واللافت للانتباه أن بعض الكتب والمؤلفات القادمة من إسبانيا الإسلامية في العصر الوسيط التي كانت تتعلق بموضوع السيرة النبوية ولاسيما حادث "إسراء الرسول 9 ومعراجه" قد ترجمت فورا إلى إيطاليا، فعلى أساس الترجمة الأولى الإسبانية للكتاب (معراج محمد) قام مترجم إيطالي كان يعمل رئيسا لسجلات ألفونسو العاشر وكاتبا له (بوينا فينتورا دي سينا) بترجمته إلى اللغتين الفرنسية واللاتينية... لكن يبدو أن السبب الحاسم في ترجمة هذه القصة المليئة بالعناصر الأسطورية كان كما ورد في المقدمة اللاتينية التي كتبها بوينا فينتورا دي سينا « كي يعرف الناس حياة محمّد وتعاليمه وما فيها من مبالغات خرافية فيثبت إيمانهم وتمسكهم بالمبادئ والحقائق المسيحية»([33]).

والحقيقة البادية للعيان أن هؤلاء الكتاب الإيطاليين لم يستمدوا مادة كتاباتهم عن السيرة من مظانها الأصلية، ولكن تلقفوها من الحكايات الشعبية ومن الثقافة الشفوية المتناقلة والمتداولة بين عامة المسيحيين وأسيادهم. فكانت الذاكرة الجماعية -كما أسلفنا ذكره- هي التي تمد المستشرقين الإيطاليين بمواد كتاباتهم وإبداعاتهم، بعيدين عن المصادر الأساسية التي توجد فيها معلومات عن سيرة الرسول 9. ويحدثنا المؤرخون عن أن الكتاب اللاتينيين قد أخذوا يوجهون اهتمامهم نحو حياة محمد من دون اعتبار للدقة، فأطلقوا العنان لجهل الخيال المنتصر.

والحق أن التعصب الديني والاعتقاد المسيء للرسول الكريم، وتبني الأفكار المتوارثة التي لا تليق برجال التغيير كدانتي مثلا هي التي تفسد الأجواء عادة، وتقصي كل فرص التوافق والتحاور الديني المنفتح على حقيقة إلهية واحدة وهي وحدانية الرب الأعظم والإخلاص لتعاليمه الموجودة في كتبه المقدسة وأهمها القرآن الكريم.

ومن أسف أن هذه التصورات الظلامية ضد النبي 9 قد لازمت الفكر الديني والثقافي بأوربا خاصة عند مفكري عصر النهضة وعصر الأنوار، وحتى أولئك الذين كانوا خارج أسوار الكنيسة وعلم اللاهوت كما هو الحال بالنسبة لفولتير وموقفه المعادي للرسول 9 في رسالته (محمد).

لقد أسهم الإيطاليون بدورهم في إعادة تشكيل الصورة النمطية عن النبي 9 وفق النموذج الذي ترسخ منذ عهد البيزنطيين، فأعادوا إنتاجه . ومن ثمّ انتاج العداء والأفكار الخرافية من جديد، وأذكوا جذوة الشقاق والكراهية والحقد ضد رسول الإسلام. فأذاعوها في باقي بلدان أوربا على أنها حقيقة ثابتة لا رجعة فيها عن الرسول الكريم وعن الإسلام .

ومن القصص الشهيرة التي راجت في أوروبا في القرون الوسطى عن النبي9 أنه كان كاردينالاً إيطاليًا للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وكان اسمه (ماهومت)، وبعد أن فشل في الجلوس على كرسي البابوية، هرب للجزيرة العربية، وأسس دينه الجديد نكاية في البابا وكنيسة روما. ولذلك فإنه في سنة 1415م في إيطاليا في مدينة (بولونيا) بكنيسة (سان بيترونيو) تم رسم صورة شخصٍ عارٍ وهو ممدد أرضاً ويُعذب في جهنم بشكل بشع، رسم فيها هذا الشخص و الشياطين تأكله في جهنم. وقد كُتب على جانبها بحروف واضحة اسم محمد 9"، أستغفرالله العظيم"([34]).

للأسف هذه هي التصورات والمواقف الظلامية التي كانت سائدة بإيطاليا آنذاك ورائجة بين علمائها ومفكريها ومثقفيها وكهنتها، وبين بسطائها وعامة شعبها على حد سواء.

ـ 4 ـ

نموذج الأب ماراتشي  قطيعة أم امتداد؟

لا يمكن الحديث عن الاستشراق الديني الإيطالي في عصوره المتقدمة من دون الحديث عن الأب لودفيكو ماراتشي (1612-1700)Marracci ,P.L.   الذي شكل بحق منعطفا خطيرا في مسيرة الاستشراق الديني الإيطالي الكلاسيكي. لكن قبل الحديث عن  لودفيكو ماراتشي هناك شخصية إيطالية هامة سبقته تاريخيا إلى هذا المجال، وهي شخصية الأب الفرنسيسكاني دومينيك جرمانوس (1588-1670)  Germanus,P.D.  الذي ولد بصقلية وتخرج بالعربية على يد الأب أوبيشيني في مدرسة القديس بطرس الرومانية، وتضلع منها، وكان على علم بالقرآن قل نظيره لدى علماء عصره . قضى في الشرق الأدنى أربع سنوات لتعلم لهجاته الشعبية . خلف أعمالا كثيرة من أهمها : الترجمان في تعلم لغة السريان لأوبيشيني (رومة سنة 1636)، ومعجم اللغة العربية، وقد كان الأول من نوعه (رومة سنة 1639)، ومعجم إيطالي عربي باللغة العامية، ونصوص عربية سريانية باللاتينية، والمدخل التطبيقي إلى اللغات العربية والفارسية والتركية، والمعجم العربي لإيليا النسطوري، وقد حققه أوبيشيني، وترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية، وهي أول ترجمة، إذ سبقت ترجمة ماراتشي بثلاثين سنة، عثر عليها المستشرق الفرنسي ديفيك سنة 1883([35]).

ويمكن عدّ الأب لودفيكو ماراتشي أخطر شخصية لاهوتية إيطالية بذلت جهودا كبيرة في سبيل ترسيخ الجدل الديني المسيحي ضد الإسلام ورسوله 9، بل أضحت مرجعا أساسيا للتصورات الكاذبة والمفترية على السيرة النبوية التي صارت فيما بعد رائجة بين المسيحيين الإيطاليين. إذ اتخذت كتاباته طابع العنف والطعن والهجوم على الإسلام في مقابل الدفاع عن المسيحية، فقد أمضى أربعين عاما في دراسة القرآن وكتب التفسير العربية لكي يحارب محمداً بسلاحه نفسه، وقد كانت حصيلة هذه الدراسة هذا العمل الضخم الذي أنجزه، والذي تضمن النص العربي الكامل للقرآن مع ترجمة لاتينية مصحوبة بهوامش توضيحية ونقض لكل فقرة قرآنية على حدة، وقد أصدر ماراتشي قبل ذلك ـ في عام 1691 ـ كتابا حول نقض القرآن، قدم فيه لمحة عن حياة محمد وعن القرآن، ثم برهن ـ كما يزعم ـ على بطلان الإسلام، وحقيقة الديانة المسيحية.

ولد في ضاحية لوكا بمقاطعة توسكاني سنة 1612، وبعد دراسته الأولية دخل سلك الدراسات اللاهوتية والسريانية، فانظم إلى رهبنة المردى ديو، وأصبح من علمائها. اشتهر بصلاحه، فتقلد مناصب عدّة، درس في أثناءها اللغات اليونانية والعبرية والسريانية والكلدانية والعربية، ودرّس هذه اللغات في كلية سابينزا بروما، ثم في كلية بروجاندا بأمر البابا كليمنت السابع، وعندما طُلب منه اختبار بعض الوثائق التي وردت من إسبانيا، وكان يظن أنها للقديس سانت جيمس بَيّن ماراتشي أنها ليست لذلك القديس، بل يمكن أن تكون من عمل بعض المسلمين الذين أرادوا خداع المسيحيين. مما حدا بالبابا أنوسنتي الحادي عشر باختياره للعمل عنده، وأسبغ ثقته الكاملة عليه.. وبتوجيهات من البابا شرع في ترجمة لاتينية جديدة للقرآن الكريم. وذلك للرد على المسلمين وللجدل الديني، والهجوم على النبي 9 والطعن في سيرته. ففي« عام 1698م  قام الأب الكاثوليكي "لودوفيتش ماراتشي"  وقد كان كاهن اعتراف البابا " إنوسنت الحادي عشر" بترجمة معاني القرآن إلى اللاتينية، وأصبحت هذه الترجمة أساساً لكثير من الترجمات الإنجليزية فيما بعد.  وقد جعل "ماراتشي" إهداء الترجمة إلى الإمبراطور الرومي " ليوبولد الأول"  وقدَّم لها بمجلد كامل أسماه "دحض القرآن". وقد أشار "عبد الله يوسف علي"  –صاحب الترجمة الإنجليزية الشهيرة ـ في مقدمة ترجمته إلى أن " ماراتشي" من ترجمته اقتباساتٍ من تفاسيرَ عربيةٍ مختلفة انتقاها بدقة ثم لفَّقها ببعضها ليُحدِث لدى أوروبا أسوأ انطباع عن الإسلام»([36]).

وقد كانت لماراتشي حرية الاستعانة بمكتبة الفاتيكان ومجموعات مكتبية أخرى كثيرة منها المجموعة المارونية، المجموعة الكارمالية، مكتبة الكاردينال كاميللي ماكسيميس، مكتبة إبراهيم الماروني وغيرها. وطبعت ترجمته مع آرائه في سيدنا محمد9 أول مرة في مدينة بدوا الإيطالية عام 1698، ثم لييزك عام 1712 مع مقدمة لكرسيان رنيشي. كما شارك في ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية بمبادرة من مطران حلب سنة 1624، ونشرت في روما سنة 1671م([37]).

من آثاره نذكر دراسة عن الإسلام (1691) ثم جعلها مقدمة لنشره القرآن متنا وترجمة إيطالية حرفية مع شواهد من مصادر عربية لم ينشر معظمها حتى يومنا هذا (بادوى 1698)، ولئن صدرت الطبعة العربية للقرآن بعد أربع سنوات من طبعة هنكلمن (هامبورج 1694) فقد اختلفت عنها اختلافا بينا، وكان قد عاون على ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية (رومة 1671)([38]).

ولا يحتاج الباحث المتتبع لأعمال هذا الراهب كبير عناء لأن يسجل عند تصفحه لها أنها لا تشتمل على الترجمة اللاتينية للقرآن الكريم فقط، وإنما تتضمن إلى جانب ذلك آراء ومواقف مضادة للقرآن والإسلام وللرسول 9، بحيث يمكن القول « إن ترجمة ماراكيوس [ماراتشي] كانت رفضا وتجريحا من سابقتها، فهي أشد جدلا وهجوما على القرآن الكريم، وأدق ترجمة، وأوسع مصادر، وأكثر عمقا وخبثا، فشتان بين عمل يستمر أربعين سنة من عالم زاهد، متمكن من لغات شرقية عدّة وتحت يديه مكتبات الكنائس ومجموعات أخرى غنية بالكتب، وبين عمل روبرت الكيتوني من كيتون الفلكي الرياضي الذي تجرم وسب وهاجم في سنة واحدة، وليس عنده كل تلك المراجع ولا المعرفة باللغات الشرقية. ولاشك أن تفنيدا استغرق أربعين سنة يكون أكثر شرا من سابقه»([39]).

إن مقدمة ترجمة ماراتشي تشبه إلى حد كبير مقدمة ترجمة بيتر الكلوني فقد فصل فيها وجهة نظر المسيحية في الديانات الأخرى، وجدد فيها أساليب الهجوم على الإسلام والرسول وطريقة الجدل مع المسلمين بشكل أكثر حدة وأشد عنفا من سابقه. حيث لم يغادر شيئا من القرآن والسيرة إلا ونقده.

ويُذكر هنا بأنه عندما سرد سيرة الرسول 9 رجع إلى المصادر والكتب العربية، فإن ذلك ليس لثقته ـ كما ذكر ـ بهذه المصادر والكتب، ولكن حسب اعتقاده أنه عندما نحارب أعداء الدين المسيحي فإننا نهاجمهم بسلاحهم هو ليس بسلاحنا، لذا فإننا عندما ننتصر عليهم تكون سعادتنا أكبر.

يقول الدكتور حسن معايرجي في هذا السياق وهو يبين خطورة هذه الترجمة وما استتبع ذلك وما ورد معها من هوامش وحواش يسب فيها ماراتشي ويعلن وقاحته وشروره تجاه خير الورى شرفا الرسول 9، يقول معايرجي: «... والواقع أن رأس الفتنة هي الترجمة اللاتينية الأولى عام 1143م... التي لم تكن ترجمة فقط، وإنما أضيف إليها هجوم وقدح في الإسلام والقرآن ونبي المسلمين عليه الصلاة والسلام فيما يسمونه (الجدل Polemics)، ثم لحقتها الترجمة اللاتينية الثانية 1721 لماراتشي وهي أشد قدحا وهجوما من الأولى»([40]).

وهذا الرجل هو الذي خطب يوما في حشد من المسيحيين فأشار قائلا: من الضروري إذن أن لا نحارب الإسلام من دون أن نعرفه تماما ليسهل القضاء عليه.

وإذا ما وضعنا طبيعة هذه المواقف والانتقادات الموجهة من قبل ماراتشي ضد الإسلام ورسوله الكريم وقارناها مع تلك التي كان يتبناها المشروع الكلوني فإننا قد لا نغالي إذا قلنا إن الاستشراق ملة واحدة، فكلاهما قام بترجمة القرآن ترجمة لاتينية، وكلاهما ألف عن الرسول 9 وسلك مسلك الحقد، والكراهية، والخبث، فوصف السيرة بأخبار خرافية وأسطورية كاذبة ومزيفة. وكلاهما اتسم بالنزعة الهجومية على سيدنا محمد 9 وسيرته العاطرة. وإذا كان المشروع الكلوني قد ألف ثلاثة مصنفات ترجمت هي الأخرى إلى اللاتينية وهي (نشوء محمد) و(عقيدة محمد) و(الأحاديث الإسلامية) فإن ماراتشي صنف على هامش ترجمته للقرآن أخبارا عن الرسول وسيرته انتهج فيه نهج أسلافه من الحاقدين على الإسلام والمسلمين.

لقد اهتم الاستشراق الإيطالي بالرسول 9 ولكنه اهتمام من نوع خاص، اهتمام قصده تصوير الرسول 9 في العقل الإيطالي الغربي على أنه نبي مزيف وكذاب،  فشنت الكنيسة الإيطالية حربا مقدسة ضد الإسلام والنبي الكريم في تشويه صورته وسيرته، والرسول في الإسلام هو النموذج التطبيقي والإجرائي الأسمى للقرآن الكريم وتعالميه، وما ينبغي أن يمارس على أرض الواقع والطعن فيه وفي سيرته هو بمثابة الطعن في القرآن الكريم وفي الإسلام بشكل عام.

إذن لم تنبثق المعرفة الاستشراقية الإيطالية بسيرة الرسول 9 من واقع محايد وموضوعي يصف الاشياء كما هي، وينقلها بأمانة تاريخية وعلمية وحضارية ودينية وإنسانية، بل من الأسف تشكلت هذه المعرفة في مستنقعات راكدة، يسقيها رجال الكنيسة  بمياه آسنة وتغذيها الكنيسة بسمومها القاتلة، فأفرزت في إطار ذلك حقدا وعدوانية وتصادما بين المسلمين والمسيحيين، ولم تترك فرصة الحوار الديني والحضاري الهادئ الذي يوصل إلى نتائج دينية مقبولة ومتبناة من كلا الطرفين.

ـ 5 ـ

الاستشراق الديني الأوربي ورجع الصدى لنموذج ماراتشي

       ننتقل الآن لنرى كيف تم التعامل مع أفكار ماراتشي وترجماته من قبل مستشرقين أوربيين آخرين في ضمن الاتجاه السائد والعام الذي يمكن تسميته بالتحالف الديني الكنسي الأوربي ضد المـد الإسـلامي، وضـد رسولــه 9، فمثلاً لم تكد تظهر ترجمات ماركيوس [ ماراتشي ] سالفة الذكر حتى قام دافيد نريتر بترجمتها إلى الألمانية سنة 1703. وكانت أوسع ترجمة انتشارا نقلت عن ماراتشي هي الترجمة الإنجليزية لجورج سال ـ كما ذكرنا آنفا ـ التي أضحت الأداة أو الجسر الذي نقلت عبره أفكار ماراتشي عن الإسلام ونبي الإسلام سيدنا محمد 9إلى اللغات الأوربية بشكل عام([41]).

ويمكن القول أيضا إذا كانت ترجمة دير الكلوني اللاتينية الأولى قد أحدثت أثراً كبيراً على الترجمات والكتابات الأوروبية الأخرى خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فإن ترجمة ماراتشي كان لها الأثر نفسه أو أكثر خلال القرن الثامن عشر على المصنفات الأوربية التي اتخذت من الإسلام ورسوله مادة بحثها.

فنال مشروع ماراتشي العدائي للرسول وللإسلام بذلك حظا وافرا من السعة والانتشار والذيوع في إيطاليا خاصة وفي سائر دول أوربا. وحازت أفكاره على شعبية كبيرة، وأضحت بمثابة دستور المنصرين والمستشرقين الذين جاءوا بعده بإيطاليا وسائر دول أوربا.

ـ 6 ـ

الاستشراق الديني الإيطالي الحديث

والرغبة في تخطي معوقات الماضي   وتجاوزها

لاشك في أنّه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر انبثقت تصورات جديدة ناضجة إلى حد ما إزاء الموضوع، فأسست لتعامل قريب من السيرة النبوية ومن تفاصيلها وطرأ كذلك تقدم في نظرة المستشرق الإيطالي لمؤسس هذا الدين الإسلامي ولسيرته.

وهذا التحول في الرؤى والتصورات وفي طرائق التناول كان نتيجة حتمية للتطورات التي شهدتها أوربا خلال تلك الفترة، وتجاوزها لمخلفات الإرث الماضي حيث شيدت على أنقاضه مواقف ومنطلقات أكثر تحررا من النزعة اللاهوتية وسلطة الكنسية ورهبانها. وإن ظلت مع ذلك رواسبها بادية حينا مختفية أحايين أخرى.

     ولاشك في أنّ هذه الرياح الجديدة قد أتت بأسماء إيطالية وازنة في مجال الدراسات الدينية الاستشراقية بإيطاليا أمثال دافيد سانتيلانا (1855-1931) ، والأمير ليوني كيتاني   Caetani, Leone(1859-1926) ،وكارلو ألفونصو نللينو Nallino ,Carlo Alfonso (1872-1938)، وميكلانجلو جويدي  Guidi, Michelangelo (1886-1940)، وفرانسيسكو غابريللي (1904- 1997) صاحب كتاب (محمد) الذي صدر عام 1965.

يعد الأمير ليوني كيتاني (1859-1926) من أبرز المستشرقين الإيطاليين المحدثين، زار كثيراً من البلدان الشرقية منها الهند وإيران ومصر وسوريا ولبنان. من مؤلفاته الهامة: "دراسة التاريخ الشرقي"، عدة مجلدات عدّة (ميلانو 1911 وما بعدها)، وقد خصص منها مجلدا لسيرة الرسول 9، كما يعد كتابه (حوليات الإسلام) مرجعا مهما لكثير من المستشرقين. وربما كانت كتاباته « أكثر انتفاعا بالمضان العربية الأصلية وأكثر قربا في تقديم صورة أكثر صحة نسبيا، ولكنها لا تخلو من الهفوات والشطحات. لقد ظهرت دراسة كيتاني الموسومة (حوليات الإسلام) سنة1914 مؤكدة على العوامل الاقتصادية والاجتماعية في نشوء الإسلام وتطوره، ولكنها في الوقت نفسه ترفض فرضية هيوبرت جريم، التي تعدّ الدافع الاقتصادي الدافع المحرك الوحيد في ظهور الإسلام . وبعد أن يرفض كيتاني فرضية جريم بعدّها تفسيراً متطرفاً ومبتسراً يعطي الدافع الديني مركزا قويا في الدعوة الإسلامية، ويختم كيتاني دراسته بحكم عادل موضوعي عن إخلاص الرسول 9، وتفانيه في سبيل المصلحة العامة ورغبته في تحقيق الخير والنتائج المهمة التي حققها خلال حياته»([42]).

ومما قاله في شخصية الرسول وأهميته ما يأتي: «لا أخفي عليكم أن حبي الجارف للإسلام وتاريخه المشرق نابع من شدة حبي وإعجابي برسول الإسلام الذي أوقف حياته ليهدى البشرية بتعاليمه التي كان تأثيرها في نفسي هو الدافع الحقيقي لي كي أسهم في دعم هذه الدعوة الخالصة»([43]).

كما يقول في  كتابه «تاريخ الإسلام» :

«أليس الرسول جديرا بأن تقدّم للعالم سيرته حتى لا يطمسها الحاقدون عليه وعلى دعوته التي جاء بها لينشر في العالم الحب والسلام؟! وإن الوثائق الحقيقية التي بين أيدينا عن رسول الإسلام ندر أن نجد مثلها، فتاريخ عيسى وما ورد في شأنه في الإنجيل لا يشفى الغليل»([44]).

ولا يبتعد ميجيلانجلو جويدي عن هذا الرأي، فقد أعطى للرسول 9 مركزا مرموقا كمؤسس للدين الإسلامي واعترف بدوره الحيوي والمهم قائلا: « لقد لعب محمد 9 دورا مهما في كسب النفوس التي كانت بعيدة جدا عن معرفة الحقيقة ومغمورة في عبادة الأوثان وجعلهم يوقنون بالقوة الإلهية المقدسة وبالثواب والعقاب العادل والطاعة إلى الإله الحق الواحد لكل البشرية»([45]).

لقد كانت له نظرة أصيلة تجاه الرسول 9، وللدور الهائل الذي قامت به شخصية النبي محمد 9 في تكوين الإسلام وتشكيله: عقيدة وسياسة وحضارة، وللطابع القومي للعرب في تشكيل الإسلام. وقد نوه كثيرا بالرسول الكريم ودوره الريادي قائلا أيضا :  « لم يأت محمد بدين من عنده وإلا ما كان هذا الدين مستمرا إلى يومنا هذا وأرى أن العالم سيعرف هذا الدين ذات يوم قريب. والذي يريد أن يتعرف على الإسلام أدعوه ليتعرف على سيرة المصطفى الذي تم اختياره وتدريبه وتأديبه من السماء ليكون أهلا للرسالة التي تم صنعه من الله لها منذ الأزل»([46]).

يقول عبدالرحمن بدوي عنه وعن موقفه من شخصية الرسول الكريم 9 : «...لكن أكبر آثاره في ميدان دراسة الإسلام هو الفصل الطويل الذي كتبه بعنوان : "تاريخ الدين الإسلامي"  في ضمن كتاب شامل عنوانه : "تاريخ الأديان"، وعلى الرغم من أن هذا الفصل عام ومقصود به عامة القراء، فإن فيه نظرات أصيلة، والفكرة الأساسية فيه هي توكيده لأصالة الإسلام، وللدور الهائل الذي قامت به شخصية النبي محمد في تكوين الإسلام وتشكيله : عقيدة وسياسة وحضارة وللطابع القومي للعرب في تشكيل الإسلام، وبهذه الفكرة عارض ما ذهب إليه  جولدتسيهر من مبالغة  في تقدير دور العوامل والمؤثرات الأجنبية (وبخاصة اليهودية)»([47]).

ومما يجدر ذكره أن المرحلة الحديثة في مسيرة الاستشراق الديني الإيطالي قد شهدت ارتفاع نبرة الإنصاف والموضوعية تجاه الإسلام ورسوله الكريم، ورؤية المعطيات والحقائق المرتبطة بهما بمنظار النزاهة والحيادية والأمانة العلمية ، فباتت تنكشف لهم الحقيقة المحمدية ناصعة جلية وبادية للعيان التي طمستها قرون الحقد والعداء والكراهية، فأضحى هؤلاء الكتاب والمفكرون يتحركون على وفق هذه التصورات الجديدة الإيجابية.

فظهرت إلى جانب المستشرقين الذين ذكرناهم آنفا أسماء استشراقية أخرى وازنة بإيطاليا لها مواقف نزيهة وأكثر إنصافا وموضوعية من تلك التي ذكرناها آنفا ونخص بالذكر المستشرقة الإيطالية المعاصرة لورافيشيا فاغليري التي نوهت بعظمة الرسول9 وبنقاء سيرته وصفائها في كتابها (دفاع عن الإسلام) قائلة : «كان محمد9 المتمسك دائما بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعا الأناة دائما اعتقادا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدا أن الله لابد من أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشرى. وحاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد أن يرموا نبي الله ببعض التهم المفتراة، لقد نسوا أن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته، موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد 9 على تهديد الكاذبين والمرائين، في بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك (وحاشاه) رجلا كاذبا؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه ـ وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة ـ حثاً موصولاً؟ كيف استطاع أن يستهل صراعا كان يبدو يائسا؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، في مكة، في نجاح قليل جدا، وفى أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمناً إيماناً عميقاً بصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا في الدين الجديد ويشدوا أنفسهم من ثمّ إلى مجتمع مؤلف في كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا في كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد 9 كان عميقا وأكيدا. لقد دعا الرسول العربي 9 بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان، وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية. وارتضى أن يخوض صراعا مكشوفا مع بعض نزعات البشر الرجعية التي تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى ...»([48]).

ثم تضيف في السياق نفسه قائلة: «.. إن محمدا 9 طوال سنين الشباب التي تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش في مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلا إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هي خديجة- رضي الله عنها ـ  التي كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج مرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زيجاته هذه سبب اجتماعي أو سياسي، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتي تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقة زوجية مع بعض العشائر والقبائل الأخرى ابتغاء طريق جديد لانتشار الإسلام باستثناء عائشة - رضي الله عنها - ليس غير، تزوج محمد 9 من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلا لا إلها. وقد تكون الرغبة في الولد هي التي دفعته أيضا إلى الزواج من جديد، لأن الأبناء الذين أنجبتهم خديجة- رضي الله عنها- له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائما سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أي منهن. لقد تصرف متأسّيا بسنة الأنبياء القدامى- عليهم السلام-، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد 9 العائلية؟»([49]).

نفس الموقف الإيجابي والنزيه اتخذته هذه المستشرقة تجاه القرآن الكريم بوصفه نصاً إلهياً معجزاً، من الصعب أن يكون من إبداع المخلوقات كيفما كان نوعها، أو جنسها . أو قدرتها بقولها:

«إن معجزة الإسلام العظمى هي (القرآن) الذي ينقل إلينا الرواية الراسخة غير المنقطعة من خلال الأنباء تتصف بيقين مطلق، إنه كتاب لا سبيل إلى محاكاته.. إن آياته على مستوى واحد من البلاغة، وهو ينتقل من موضوع إلى موضوع من غير أن يفقد قوته، إننا نقع هنا على العمق والعذوبة معا، وهما صفتان لا تجتمعان عادة، فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب المعجز من عمل محمد، وهو العربي الأمي»([50]).

كما تؤكد هذه المستشرقة على مصدر القرآن الإلهي بصفاء النص القرآني عبر القرون إلى أيامنا هذه، وإلى ما شاء الله فتقول : ولا يزال لدينا برهان آخر على مصدر القرآن الإلهي في هذه الحقيقة هو أن نصه ظل صافيا غير محرف طول القرون التي تراخت مابين تنزيله ويوم الناس هذا، وان نصه سوف يظل على حاله تلك من الصفاء وعدم التحريف بإذن الله مادام الكون»([51]).

لقد أشادت هذه المستشرقة المنصفة بالرسول الكريم، وبدوره العظيم في خدمة هذه البشرية والارتفاع بها إلى مدارج السمو والرقي في الأخلاق والمعاملات والعقائد والعبادات .  

ولهذا فمن بين السمات المركزية والبارزة التي بدأت تظهر في كتابات هؤلاء المستشرقين الإيطاليين المحدثين هي تغير النظرة والمواقف تجاه الموضوع المطروق، فقد أفرزت التحولات التي شهدها العصر الحديث على مستوى تطور العلوم الإنسانية ومناهج البحث العلمي نسقا من التصورات والرؤى الإيجابية لدى هؤلاء المستشرقين الإيطاليين تجاه موضوع  "الإسلاميات " فاحترموا حدود اشتغالهم العلمي، فغذوا ـ إلى حد ما ـ يقدمون نتائج  موضوعية وأمينة عن الرسول الكريم والإسلام .

ـ 7 ـ

خاتمة

نسجل في ضوء ما درسناه سابقا من مواقف وتصورات اتخذها المستشرقون من قضايا السيرة النبوية بعض الملاحظات الهامة التي تبدت لنا ونحن نقارب تجليات هذا الموضوع وأفكاره، وهي:

أن أغلب هذه الدراسات قد نبعت من قلوب حاقدة، خاصة عند أصحاب المرحلة الأولى من مراحل الاستشراق الإيطالي القديم، الذي كان يؤطره رجال الدين والكنيسة الكاثوليكية، فغلبت على أصحابه العاطفة الدينية المتعصبة على حساب الحقيقة العلمية الناصعة.

تحامل على شخصية الرسول 9 وقلب الحقائق وانتهاج لغة السباب والحقد والتشويه، وكل ذلك لم يأت سهوا أو عفوا بل كان بتخطيط مستهدف ومقصود.

لجوء بعض المستشرقين الإيطاليين إلى التصرف في بعض نصوص السيرة حتى تغذي آراءهم ورغبتهم في الطعن والافتراء والكذب على الرسول 9 وتزييف أخباره.

استغلال بعض الرهبان الإيطاليين المواقف العدائية والسياقات التاريخية كالحروب الصليبية مثلاً ؛ لإذكاء نيران الحقـد والهجوم في حـق شخـص الرسول9.

هناك من درس السيرة بعقلية منغلقة تشككية، وقد نما هذا الموقف المتعصب بسبب امتداد رقعة الإسلام في أوربا وفزع رجال الدين من هذا المد الصحي الجديد، ولهذا تم اللجوء إلى الوسائل المشروعة وغير المشروعة للنيل من هذا الدين ومن مؤسسه.

إرجاع معطيات السيرة ومكوناتها إلى أصول يهودية أو مسيحية لإضفاء صبغة التبعية على الرسول وبأنه لم يأتِ بجديد في مجال العبادة.

إن هـذه المواقف التي اتخـذها المستشرقـون الإيطاليون من سيرة المصطفى 9 لم تكن إلا وسيلة من وسائل العداء التاريخي الطويل الذي دار بين المسيحيين والمسلمين، منذ أن شكل الإسلام خطراً دائماً على الكنيسة وعلى مصالحها الجغرافية والسياسية والاقتصادية، ولذلك عمدت إلى رسم صورة مشوهة ملفقة عن الرسول 9 بوصفه نوعاً من التحصين للمجتمع المسيحي من إنجازات المسلمين وانتصاراتهم.

وهكذا تشكلت صورة الرسول 9 وأخباره وسيرته في البحث الاستشراقي الديني عبر ذهنية معادية ومحكومة بنمطية ثابتة جامدة لا تاريخية، خصوصا في مراحله الأولى المتقدمة حيث كانت نتيجة حتمية من نتائج الحروب الصليبية، وما رافقها من صراعات دموية زادت من درجات الحقد في النفوس والعداء في القلوب ضد مؤسس هذا الدين سيدنا محمد 9، فلم تهدأ حدة هذه المواقف نوعا ما إلا في الفترات القليلة الأخيرة، عندما ظهرت خطابات استشراقية إيطالية أكثر موضوعية ونزاهة في تعاملها سيرة المصطفى 9 .

--------------------------------

*  هوامش البحث  *

([1]) المستشرقون : نجيب العقيقي، دار المعارف بمصر، طبعة ثالثة سنة 1964 الجزء الأول، ص:347.

([2]) نفسه، ص: 120 .

([3]) نفسه، ص: 113 و114 .

(*) كان الاعتقاد السائد لدى الكتاب الإيطاليين خاصة والأوربيين عامة في مرحلة العصور الوسطى بأن القرآن الكريم من تأليف الرسول الكريم محمد( ص)، ومن إبداعه، وليس من كلام الله تعالى، ومن ثم فإن القرآن الكريم  يرصد أفكار الرسول 9 وعقيدته ومراحل حياته، وبكل ما يتعلق بمساره الديني والعقائدي . لذا فإن ترجمته إلى لغات أوربية تعد خطوة أولى وأساسية وحاسمة عندهم في طريق تكوين معرفة بصاحب هذا الدين . لكن للأسف رغم ذلك فقد اتخذت الترجمة سبلا ملتوية في غاية من الخبث والتضليل، فضاعت بذلك الحقيقة المحمدية في أعمالهم وكتاباتهم.

([4]) موسوعة المستشرقين : عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1984، ص: 302 وما بعدها.

([5]) ينحدر أليساندرو باغانيني من بريكسن Brixen وهي مدينة إيطالية صغيرة تابعة لإقليم بوزين Bozen.

(**) التقيت بالدكتور المصري محمود سالم الشيخ، الباحث في فقه اللغات الرومانية الذي يعمل أكثر من أربعين سنة في عددٍ من الجهات العلمية والأكاديمية بإيطاليا، التقيت به أثناء مشاركتنا معا في ندوة علمية دولية نظمتها جامعة فاس بالمملكة المغربية أيام 13-14-15 أبريل 2010 في موضوع " السيرة النبوية في الكتابات الإيطالية "، فذكر لي بخصوص ملابسات موضوع طبع القرآن الكريم بالبندقية قائلا: « من خلال دراستي العميقة للنسخة التي اكتشفتها نووفو، هي أن المصحف لم يطبع بالمعنى الصحيح للكلمة، وإنما نحن أمام بروفة طبع، على صورة أوراق مفكوكة، وليست معدة  للتجليد ولا للتوزيع . والحقيقة أن باغانيني كان قد وضع كل آماله وأمواله رهنا بنجاح مشروع الحروف الطباعية باللغة العربية، بعد أن كانت المطابع قد انتشرت في أوربا، تطبع بالحروف اللاتينية، وكان لابد له من التميز بابتكار جديد يعطيه ميزة  تنافسية  في الأسواق، فكان ابتكاره للحروف العربية الطباعية وبدأ بطبع المصحف في بروفة يقوم بتسويقها في الأسواق الخارجية، وخاصة في تركيا الإسلامية، واثقا من أنها سوف تجد رواجا وتحيي صناعته، مع شريكه وابنه .

لكن الذي حدث أن مشروعه فشل فشلا تاما، لأن نسخة المصحف التي خرجت من مطبعته كانت مليئة بالأخطاء التي لم يكن بوسع أحد من العملاء المفترضين أن يقبلها . أي كتاب آخر كان يمكن قبوله بالأخطاء، ولكن المصحف على نحو خاص لا يقبل الخطأ، ونصه مقدس حرفيا، والخطأ يحمل معنى التحريف غير المقبول ...» للمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع أنظر مقاله بعنوان " حل لغز مصحف باجانيني " جريدة أخبار الأدب العدد 872 ربيع الآخر 1431 ھ / أبريل2010 م .

([6]) يتحدث جورج سال عن هذه الترجمة بأن ما نشره بييلياندر في اللاتينية زاعما بأنها ترجمة للقرآن الكريم لا تستحق اسم ترجمة، فالأخطاء اللانهائية والحذف والإضافة والتصرف بحرية شديدة في مواضع عدة يصعب حصرها  يجعل هذه الترجمة لا تشتمل على أي تشابه مع الأصل. وهذه شهادة هامة من أحد العارفين بالدراسات الإسلامية في هذا المجال.

([7]) الرسالة المحمدية في المؤلفات الغربية (الحلقة الثانية) : محمود حمدي زقزوق، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الخامس، ص: 422-423.

([8]) ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب : د. عبد الله عباس الندوي، دعوة الحق، كتاب شهري يصدر عن رابطة العالم الإسلامي، جمادى الآخرة 1417 ھ، العدد 174، السنة الخامسة عشرة، ص: 39 .

([9]) يقال له لويجي ماراتشي باللغة الإيطالية، ولودفيج بالألمانية، ولويس مراتشي بالفرنسية، وماراكيوس باللاتينية. وكلها أسماء لشخص واحد.

([10]) تاريخ حركة الاستشراق: يوهان فوك، ترجمة عن الألمانية عمر لطفي العالم، دار المدار الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ص: 97.

([11]) ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب : د. عبد الله عباس الندوي، جمادى الآخرة 1417 ھ، العدد 174، السنة الخامسة عشرة، ص: 39.

([12])Arberry , A ,The Koran Interpreted , (New York ; The MacMillan Company). 1955 .  P.26

([13]) دراسات وأخبار حول ترجمات معاني القرآن الكريم، موقع الاستشراق وترجمة القرآن الكريم، عبر شبكة الإنترنت.

([14]) تطور الاستشراق في دراسة التراث العربي . عبد الجبار ناجي " . بغداد، سنة 1981 .  ص: 84.

([15]) نفسه، ص: 85-86 .

([16]) الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى سنة 1419 . ص: 39 .

([17]) نفسه،  ص: 39 .

([18]) صورة العرب في الصحافة البريطانية " دراسة اجتماعية للثبات والتغير في مجمل الصورة " تأليف : حلمي حضر ساري، ترجمة : عطا عبد الوهاب ،مركز دراسات الوحدة العربية، سنة 1988، ص: 25-26.

([19]) صورة الرسول 9 في الغرب، خرافات وأباطيل : فيصل صالح الخيري، جريدة الأهرام العربي، عدد 501 ب 28 أكتوبر 2006.

([20]) نفسه.

([21]) سيرة الرسول في تصورات الغربيين : غوستاف  يغانموللر، ترجمة الدكتور محمود حمدي زقزوق، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الأول، 1404 ھ / 1984 م، ص: 114.

([22]) محمد والفتوحات الإسلامية : فرانسيسكو غبريللي، تحقيق وترجمة : عبد الجبار ناجي، دار المحاجة البيضاء للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، سنة 2011، ص:35.

([23]) تطور الاستشراق في دراسة التراث العربي . عبد الجبار ناجي " . بغداد سنة 1981 .  ص:87.

([24]) يرجع في ذلك إلى البحث الذي نشره دانكونا في العدد رقم 13 من المجلة التاريخية للآداب الإيطالية، بعنوان (أسطورة محمد في الغرب) من ص: 199 إلى 281، عام 1889.

(*)    فيكتور شوفان Victor Chauvin  (1844 ـ 1913)  مستشرق بلجيكي معاصر تخرج من جامعة لييج، عين سنة 1872 أستاذا لكرسي الدراسات الشرقية في جامعة لوتس . إنتاجه الرئيسي في مجال العناية بالإسلام والسيرة النبوية هو " فهرست للمؤلفات العربية، والمتعلقة بالعرب التي نشرت في أوروبا المسيحية من 1810إلى 1885 Bibliographie  des Ouvrages Arabes ou Relatifs aux arabes   

وقد أراد أن يكمل كتاب شنوررSchnurrer ، وعنوانه Biblioteca Arabica  (المكتبة العربية) ، ويقدم لنا شوفان في كتابه هذا فهرسا منفصلا للكتابات التي صدرت حول سيدنا محمد (صلعم)، وذلك في الجزء التاسع من فهرسته .

([25]) سيرة الرسول في تصورات الغربيين : غوستاف بفانموللر،  ترجمة الدكتور محمود حمدي زقزوق، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الأول 1404 ھ / 1984 م،  ص: 115 إلى 117.

([26]) الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، سنة 1419 . ص: 22.

([27]) الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، ص: 90. الهامش رقم 1.

([28]) نفسه، ص: 113.

([29]) الاستشراق في ميزان الفكر الإسلامي : الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، القاهرة 1414ھ / 1994 م، " سلسلة قضايا إسلامية "  يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ص:32 و33 .

([30]) نفسه، ص: 33 و34 .

([31]) الإسلام والمسيحية : أليكسي جوارفسكي ترجمة عن الروسية، خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، عدد 215، نوفمبر 1996، ص: 67 و68 .

([32]) الإسلام والمسيحية : أليكسي جوارفسكي ترجمة عن الروسية، خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة الكوينية، عدد 215، نوفمبر 1996، ص: 67.

([33]) تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي : د. صلاح فضل، دار الآفاق الجديدة ، بيروت، الطبعة الثانية، 1405 ھ /1985م، ص: 60 و61 .

([34]) صورة النبي محمد 9 كما تخيلها الغرب، موقع "نصرة محمد رسول الله " عبر شبكة الإنترنيت.

([35]) المستشرقون : نجيب العقيقي، ج1 ص: 361.

([36]) ترجمات المستشرقين لمعاني الكتاب المبين : فيصل بن علي الكاملي، موقع البيان AL- BAYAN  عبر شبكة الإنترنت.

([37]) القرآن الكريم وروايات المدرستين: السيد مرتضى العسكري، الكتاب الثاني، عبر شبكة الإنترنيت

([38]) المستشرقون : نجيب العقيقي ج 1 ص: 369 .

([39]) القرآن الكريم وروايات المدرستين: السيد مرتضى العسكري، الكتاب الثاني، عبر شبكة الإنترنيت .

([40]) الهيئة العالمية للقرآن الكريم، ضرورة للدعوة والتبليغ  : حسن معايرجي،  الدوحة، سنة 1991 ص :57.

([41]) الرسالة المحمدية في المؤلفات الغربية، محمود حميد زقزوق (الحلقة الثانية)، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الخامس، ص: 426).

([42]) الاستشراق والتاريخ الإسلامي (القرون الإسلامية الأولى) فاروق عمر فوزي:، منشورات الأهلية، لبنان، سنة 1998، ص: 56 و 57.

([43]) الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى سنة 1419 . ص: 126 .

([44]) الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى،  ص : 177    

([45]) نفسه، ص : 169 .

([46]) نفسه،  ص : 169 .

([47]) موسوعة المستشرقين : عبد الرحمن بدوي، ص:220 .

([48]) نقلا عن كتاب " الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، ص: 137 و138 .

([49]) الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، ص: 138 و139 .

([50]) الإسلام والثقافة العربية في مواجهة تحديات الاستعمار وشبهات التغريب : أنور الجندي، ص: 306 و307 .

([51]) نفسه، ص: 307 .

-----------------------------------

*  المصادر والمراجع  *

المراجع العربية :

الاستشراق في ميزان الفكر الإسلامي : الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، القاهرة 1414ھ / 1994 م، " سلسلة قضايا إسلامية "  يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .

الاستشراق والتاريخ الإسلامي (القرون الإسلامية الأولى) فاروق عمر فوزي:، منشورات الأهلية، لبنان، سنة 1998 .

 الإسلام والثقافة العربية في مواجهة تحديات الاستعمار وشبهات التغريب : أنور الجندي مطبعة الرسالة .

الإسلام والمسيحية : أليكسي جوارفسكي ترجمة عن الروسية، خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، عدد 215، نوفمبر 1996 .

تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي : د. صلاح فضل، دار الآفاق الجديدة ، بيروت، الطبعة الثانية، 1405 ھ /1985م .

تاريخ حركة الاستشراق: يوهان فوك، ترجمة عن الألمانية عمر لطفي العالم، دار المدار الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية .

        - ترجمات المستشرقين لمعاني الكتاب المبين : فيصل بن علي الكاملي، موقع البيان AL- BAYAN  عبر شبكة الإنترنت

ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب : د. عبد الله عباس الندوي، دعوة الحق، كتاب شهري يصدر عن رابطة العالم الإسلامي، جمادى الآخرة 1417 ھ، العدد 174، السنة الخامسة عشرة .

تطور الاستشراق في دراسة التراث العربي . عبد الجبار ناجي " . بغداد سنة 1981 .

دراسات وأخبار حول ترجمات معاني القرآن الكريم، موقع الاستشراق وترجمة القرآن الكريم، عبر شبكة الإنترنت .

الرسالة المحمدية في المؤلفات الغربية (الحلقة الثانية) : محمود حمدي زقزوق، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الخامس .

الرسول 9 في عيون غربية منصفة : حسين حسيني معدى، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى سنة 1419  .

سيرة الرسول في تصورات الغربيين : غوستاف  يغانموللر، ترجمة الدكتور محمود حمدي زقزوق، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الأول، 1404 ھ / 1984 م .

صورة الرسول 9 في الغرب، خرافات وأباطيل : فيصل صالح الخيري، جريدة الأهرام العربي، عدد 501 ب 28 أكتوبر 2006.

صورة العرب في الصحافة البريطانية "دراسة اجتماعية للثبات والتغير في مجمل الصورة" تأليف : حلمي حضر ساري، ترجمة : عطا عبد الوهاب ،مركز دراسات الوحدة العربية، سنة 1988.

المستشرقون : نجيب العقيقي، دار المعارف بمصر، طبعة ثالثة سنة 1964 الجزء الأول .

موسوعة المستشرقين : عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1984 .

الهيئة العالمية للقرآن الكريم، ضرورة للدعوة والتبليغ  : حسن معايرجي،  الدوحة، سنة 1991.

المراجع الأجنبية :

1 ـ Arberry , A ,The Koran Interpreted, (New York ; The MacMillan Company).1955.

2- شبكة الإنترنيت .