البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : كتابة الموسوعات عند المستشرقين (بالتركيز على موسوعة القرآن)

الباحث : د. محمد جواد اسكندرلو / د. حسن رضائي هفتادر

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 11

السنة : السنة الرابعة - ربيع 2017م / 1438هـ

تاريخ إضافة البحث : July / 16 / 2017

عدد زيارات البحث : 51

حجم ملف البحث : 317.304 KB

 تحميل

(الخلاصة)

الموسوعة هی مرجع یحوی خلاصة المعارف في فرع أو فروع عدّة نُظّمت بشكل موضوعی أو بواسطة حروف الالفباء مما يمهّد الطريق لوصول عموم الناس بسهولة إلی العلوم المختلفة. وقد تصدّی المستشرقون- إضافة لمجالات المعلومات العامة- لتدوين الموسوعات في مجالي علوم القرآن ومعارف القرآن.

تتناول المقالة- بعد بيان الاستشراق والتحقيق القرآني- أهمية كتابة موسوعات القرآن في الغرب والاسلام، مجالات موسوعة قرآن لا یدن وأهدافها، ومعرفة رئيس لجنة التنقيح فيها: جيمي دمن مك اوليف. وفي المجموع يمكن القول ان موسوعة قرآن لا یدن- بالمقارنة مع الأفكار المنحرفة للقرون الوسطی للغربیین بالنسبة إلی الاسلام- تعدّ خطوة متقدمة في معرفة حقائق الإسلام علی‌الرغم من نقصها وعدم نضجها.

المصطلحات الاساسیة: القرآن، الموسوعة، الاستشراق، المستشرقون.

مقـدّمـة

الاستشراق والتحقيق القرآني:

نظراً لزيادة آثار التحقيق القرآني للمستشرقين وانتشارها وتنوّعها، وحدوث المسائل والشبهات في هذا المجال فإنّ معرفة آرائهم ومواقفهم وكذلك معرفة سوابقهم في التحقيق القرآني ووضعهم الحالي فيه تُعدّ ضرورة لابدّ منها.

تصدى المستشرقون إلى التحقيق في مجالي العلوم القرآنية والمعارف القرآنية. ففي مجال العلوم القرآنية اهتموا بتاريخ القرآن وتأليفه وتدوينه. واهتموا بشأن كیفیة النزول، ومصاحف الصحابة، وكتّاب الوحی، واختلاف القراءات، والحروف المقطعة، وأسماء السور، وترجمة القرآن، وإعداد الفهارس والمعاجم، وبلاغة القرآن ومعرفة لغة القرآن، والتحقیق في الآثار القدیمة القرآنیة وسائر الموارد الاخری.

كما تناولوا في مجال معارف القرآن الاصول والعقائد في القرآن، الوحی، القصص، الأدیان، الأنبیاء وتفسیر بعض الآیات([1]).

بدأت أول نشاطات المستشرقین في الآثار والمصادر القرآنیة- الاسلامیة وأول الترجمات للقرآن بهدف الحیلولة دون نفوذ الاسلام في اوربا المسیحیة. وعلیه فإنّ آثار ومؤلفات هذه المرحلة تعرض صورة ناقصة ومُغرضة عن النصوص الإسلامیة. وقد صار اتجاه المستشرقین في عصر النهضة أكثر موافقة وملاءمة. وبالتدریج فمنذ النصف الثانی للقرن التاسع عشر صاروا بصدد أن تكون تحقیقاتهم بشكل أوسع وصورة ممنهجة ومنظمة وبدأوا یحصلون علی معلوماتهم من النصوص الأصلیة.

ونشیر فیما یأتی إلى أهم التألیفات القرآنیة للمستشرقین منذ أوائل القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرین:

 نجوم الفرقان في أطراف القرآن، وهو أول معجم لألفاظ القرآن لغوستاف فلوغل([2]) من ألمانیا.

 تفصیل آیات القرآن الكریم، وهو أول معجم موضوعی للقرآن لجولس لابوم([3]) من فرنسا.

 تاریخ القرآن لثیودور نولدك([4]) من ألمانیا.

 روش‌های تفسیری قرآن (المناهج التفسیریة للقرآن) لغولدزیهر([5]) من المجر.

 ترجمة القرآن لآرتور ربری([6]) من بریطانیا.

 در استانه قرآن ودرآمدی بر قرآن (علی اعتاب القرآن ومدخل للقرآن) لریجس بلاشر([7]) من فرنسا.

 واژه‌های دخیل در قرآن (الكلمات الدخیلة في القرآن) لارتور جفری([8]) من امیركا.

 مقدمة القرآن لریتشارد بل([9]) من بریطانیا.

 مقدمة القرآن لمونتغمری وات([10]) من بریطانیا.

 جمع وتدوین القرآن لجان برتون([11]) من بریطانیا.

 خدا وانسان في القرآن (الله والانسان في القرآن) لایزوتسو([12]) من الیابان. وذكر ماركو شولر([13]) في مدخل «پژوهش‌های اكادمیك قرآن پس از دوره روشنگری» (التحقیقات الاكادیمیة للقرآن بعد عصر النهضة) في موسوعة القرآن أكثر الآثار القرآنیة تأثیراً في القرنین التاسع عشر والعشرین فقال: ان كتاب «مقدمة‌ ای تاریخی- انتقادی بر قرآن» (مقدمة تاریخیة- نقدیة علی القرآن) لغوستاف ویل([14]) و«تاریخ القرآن» لنولدیك([15]) في أواسط القرن التاسع عشر منحا رونقاً أكبر للتحقیقات القرآنیة الأكادیمیة ووضَعا اُسساً جدیدة للتحقیقات بعدهما، كما كتب بلاشر([16]) وریتشارد بل([17]) علی تلك الاسس ترجمات القرآن مصحوبة مع اعادة تنظیم السور بنظرة انتقادیة. ان «تاریخ القرآن لنولدكه مع إضافات شوالی، برگشترُ اسر، وپرتسل تبدّل إلى متن قیاسی ومطمئن في أربعة مجلدات والذي یُعدّ إلى زماننا هذا من أهم المراجع في تاریخ القران. وقد ذكر شولر في النصف الثانی من القرن التاسع عشر آثار مویر([18])، ورادول([19])، غریمه([20])، وهرشفلد([21])، وقال بأنهم- من خلال أخذ الاسس التحقیقیة للمستشرقین الألمان- كتبوا تاریخاً جدیداً للسور بجزئیات أكثر وتنظیم جدید لمتن القرآن بترتیبهم الافتراضي والذی یبدو انه غیر مقنع، وذلك لعدم وجود شاهد قاطع علی اعتبار هذه الترتیبات الفرضیة.([22])

وقد ذكر المؤلف ان الخصوصیة الأساسیة للتحقیقات القرآنیة في القرن التاسع عشر هی التوجه نحو التعامل بمعرفة اللغات مع متن القرآن، وعناصرها الخاصة، والتوجه نحو المعنی، ومنشأ المفاهیم القرآنیة.

ثم ذكر ان التحقیقات القرآنیة في القرن العشرین تشكلت ضمن إطارالخطوط التالیة: جوانب معرفة اللغات للبیان القرآنی، القراءات المختلفة، المفردات الدخیلة، ترتیب وتاریخ اجزاء المتن([23]). وقد كتب في هذا العصر هرویتس([24]) ومنغانا([25]) وآرنز([26]) وجفری([27]) بعض الكتب. بدأ النصف الثانی للقرن العشرین بكتب عدّة مؤثرة لبلاشر([28])، جفری([29])، بل([30])، وواط([31]) حیث جمعوا فیها نتائج مختلفة في التحقیق القرآنی منذ العقود الاولی للقرن العشرین والی ذلك الزمان.

و ذكر شولر أنّ من الخصائص البدیعة لهذا العصر هی: الحب المتجدد للمحتوی الحقیقی لمتن القرآن، وتغییر النظرة بشأن معانی المصطلحات والمفاهیم القرآنیة وكشف النسیج العمومی للبیان القرآنی، وانّ أول نتیجة فعلیة لهذه التغییرات هی الرغبة نحو التفاسیر. ویمكن لنا ان نذكر في هذا المجال آثار بعض المستشرقین من قبیل: اشاونس([32])، ایزوتسو([33])، جیلیو([34])، راشل([35])، تالمن([36]) وغیرهم([37]).

ویذكر ماركو شولر أیضاً في مدخل التحقیقات القرآنیة مابعد عصر النهضة آثار المستشرقین منذ أواخر القرن العشرین والتی كتبت حول منشأ القرآن ومصدره. وعدّ شولر ثلاثة آثار مهمة لجان برتن([38])، مایكل كوك وپاتریشیا كرونه([39])، وونزبرو([40]) بعدّها نقطة عطف في التحقیق القرآنی الجدید، ویعتقد ان فرضیة ونزبرو بشأن منشأ القرآن- مع انها محل تردد أو انها رُدّت مطلقاً- الا أنها صارت موضع اهتمام المجتمع العلمی، وقد دافع بعض الأفراد مثل اندرو ریپین([41]) عن الامتیازات التی حصل علیها ونزبرو.

یقول البروفسور انجلیكا نویورت([42]) حول كتاب «مطالعات قرآنی» «التحقیقات القرآنیة» لنزبرو:

«لقد كان هذا الكتاب موجِّهاً لجمیع التحقیقات المتطرفة اللاحقة حول القرآن. والشخص المذكور أشاع ونشر هذا الرأی وهو أنّ القرآن لا أساس له، وانّ متنه مورد شك وتردد. وربما انّه یعود إلى الأزمنة المتأخرة (قرون عدّة بعدظهور الآسلام). وعلیه فإن دراسة مثل هذا المتن لاتخلو من فائدة... ولقد كان هذا الكتاب كالبركان أثّر في المتابعين. والیوم ففی الأجواء الجامعیة في امیركا یؤمن الجمیع بأن كلام ونزبرو صحیح»([43]).

و ذكر شولر بشأن كتابی جان برتن ونزبرو حول التحقیق القرآنی انّ لهذین الكتابین أهمیة خاصة في التحقیقات القرآنیة، ولا سیما ان النتائج الحاصلة من التحقیقات التی قام بها هذان العالمان اللذان یتكلمان باللغة الا نجلیزیة متضادة بشكل كامل، فبحسب رأی ونزبرو فإن القرآن الرسمی- یعنی المتن بشكله الحالی- لم یكن قد اتخذ هذه الصورة إلى اواخر القرن الثانی الهجری ولا یرجع بتمامه إلى زمان النبی9. ومن ناحیة اخری فإنه یظهر من تحقیق برتن أنّ تاریخ تدوین المتن الرسمی للقرآن یعود إلى ما قبل وفاة النبی 9، ومنذ ذلك الوقت فما بعد انتشر بتلك الصورة وبذلك الشكل.

وتعدّ موسوعة القرآن- لایدن أحدث تألیف للمستشرقین وقد قامت بتنقیحه جین دمن مك اولیف حیث جعلتها في ألف مدخل. وبالطبع كان هناك 250 مدخلاً اُرجعت إلى المداخل السابقة.

1-2- كتابة الموسوعات (بالتركیز علی موسوعة القرآن- لایدن):

1-2-1- أهمیة تألیف موسوعة القرآن في العالم الغربی والعالم الاسلامی:

ان الموسوعة تعدّ كتاباً مرجعاً یحوی خلاصة المعارف البشریة في فرع أو فروع عدّة یتمّ تنظیمها علی اساس الموضوعات أو حروف الالفباء مما یمهّد لعموم الناس الوصول إلى العلوم المختلفة بسهولة.

و قد أورد اصطلاح الموسوعة بطریق البستانی بحدود سنة 1876 میلادی في المعجم الاسلامی. وفی بدایة النهضة العلمیة للمسلمین عندما كان العلم والفكر ینتشر بسرعة علی محوریة القرآن في الأراضی الاسلامیة، وكانت تُكتب الآثار القیّمة في الفروع العلمیة المختلفة، حیث ذُكر حول ذلك بأن المسلمین قد جمعوا في مكتبة الاندلس في أسبانیا أربعة ملایین كتاب نفیس، فإنّه صار العلماء المسلمون بصدد هذه العلوم والمعارف وتلخیصها واختصارها وجمعها في كتب عامة، ومهّدوا السبیل للأجیال السابقة والمحققین حیث قاموا بتنظیم هذه العلوم وتقسیمها وبتویبها وتصنیفها وفهرستها. وفی إطار تحقیق هذا الهدف ظهرت آثار علمیة جامعة في هذا المجال من جملتها: عیون الأخبار لابن قتیبة، والحیوان للجاحظ في القرن الثالث القمری/ التاسع المیلادی.

ومن بین أوائل الموسوعات: إحصاء العلوم للفارابی، مفاتیح العلوم للخوارزمی، جامع العلوم للفخر الرازی، مفاتیح العلوم للسكاكی، نفائس الفنون للآملی([44]).

و تم تألیف أول موسوعة باللغة الفارسیة في بدایة القرن الخامس الهجری، وكان هدفها الأساس تلخیص المتون العربیة وتبدیلها إلى آثار یستطیع الناطقون باللغة الفارسیة فهمها([45]).

وفي سنة 1294 هجری كتبت رسالة العلماء والباحیثن باسلوب جدید موسوعی، كما نُشرت مجموعات اخری مثل موسوعة المیرزا عبدالحسین خان سپهر في سنة 1315 هـ، موسوعة محمدعلی الخلیلی في سنة 1318 هـ، وموسوعة ایران والاسلام، وموسوعة التشیع، وموسوعة الاسلام الكبیرة وموسوعة العالم الاسلامی.

لقد بدأت الموسوعات القرآنیة في سیرها التكاملی من المعاجم والقوامیس ثم وصلت إلى مجموعات من المقالات في الموضوعات القرآنیة وموسوعات موضوعیة ثم ألفبائیة، ومن جملتها:

موسوعة أعلام القرآن لمحمد خزائی، موسوعة القرآن لجلال‌الدین السیوطی، موسوعة التعرف علی القرآن لعلی حاجی‌وند، موسوعة القرآن الكریم لحسن سعید، موسوعة القرآن والتحقیق القرآنی لبهاء‌الدین الخرمشاهی، موسوعة القرآن الكریم (باللغة الانجلیزیة) للمولی وحیدالدین خان (الهند)، الموسوعة القرآنیة لإبراهیم الابیاری، الموسوعة القرآنیة لجعفر شرف‌الدین، موسوعة فضائل سور وآیات القرآن لمحمد بن رزق بن طرهونی، معجم القرآن لهاشمی رفسنجانی، موسوعة القرآن- لایدن، موسوعة القرآن الكریم- التی هی في حال التألیف- في مركز الثقافة والمعارف القرآنیة التابع لمكتب الإعلام الاسلامی. موسوعة التعرف علی القرآن- التی هی في حال التحقیق والتألیف- عند مجموعة التحقیق القرآنی لمؤسسة الثقافة والفكر الاسلامی. (جدیر ذكره مع ان هذه الآثار أطلق علیها الموسوعة الا أنّ بعضها شبه موسوعة لأنها لا تتّصف بخصائص الموسوعة، وقد كتبها غالباً اثنان أو ثلاثة أشخاص)([46]).

لقد بدأت في اوربا في القرآن السادس عشر كتابة الموسوعات بآثار فرانسس بیكن وانتشرت في القرن السابع عشر لأول مرة موسوعة كان تنظیم مطالبها علی أساس حروف الألفباء ولیس علی اساس الموضوعات.

و كان القاموس التاریخی الكبیر للوئی موری في سنة 1674 میلادی أوّل أثر في هذا المجال، وقد ذكروا أنّ للموسوعة الالفبائیة لجمبرز باللغة الانجلیزیه في سنة 1728 میلادی دوراً مهماً في تكامل الموسوعات الألفبائیة([47]) .

إنّ الموسوعات العامة مهّدت الارضیة لإنشاء موسوعات تخصصیة من خلال المثابرة والابتكار والاسالیب العلمیة والتحقیقیة الجدیدة للاوربیین.

وفي بدایة القرن العشرین ومع توسع النشاطات العلمیة التحقیقیة للمستشرقین تحت عنوان التحقیقات الاسلامیة، فقدتم طبع ونشر موسوعة الاسلام([48]) من قبل دار بریل للنشر في لایدن. وهذه الموسوعة التی تُعدّ أهم مرجع للتعرف علی الاسلام قد طبعت في خلال ربع قرن إلى اللغة الفرنسیة والألمانیة والانجلیزیة في وقت واحد، كما تُرجمت كاملة إلى اللغة التركیة والاوردیة، وإلی الحرف «ع» باللغة العربیة.

ان موسوعة القرآن- لایدن تمثل أحدث عمل علمی- جماعی للمستشرقین والعلماء في جمیع أنحاء العالم، وقد طُبعت ونُشرت في سنة 2006 في ستة مجلدات وألف مدخل من قبل دار بریل للنشر في هولندا. وسنذكر معلومات اكثر حول هذا الأثر العلمی المهم في القسم الآتی.

1-2-2- مجالات وأهداف موسوعة القرآن- لایدن:

تمثل موسوعة القرآن أحدث أثر علمی- جماعی وقد كتبها عدد من المستشرقین البارزین من أنحاء العالم في ستة مجلدات بین سنتی 2001- 2006 وطُبعت من قبل دار بریل للنشر في مدینة لایدن في هولندا. وكانت رئیس لجنة التنقیح في هذه الموسوعة جین دمن مك اولیف([49]).

حیث طرحت برنامج كتابة موسوعة القرآن في سنة 1993 في مدینة لایدن بهدف عرض موسوعة شاملة في مجال التحقیقات القرآنیة، وقد بدأت العمل بمعاونة أربعة من المستشرقین البارزین.

و قد قام بكتابة مداخل هذه الموسوعة مستشرقون بارزون من جامعات مهمة في العالم لهم تخصصٌ في هذا المجال. وعلی سبیل المثال فإنّ مدخل «النساء والقرآن» كتبته السیدة روت رادد التی كانت مجالات تخصصها في التحقیقات الاسلامیة هی «النساء في الاسلام».

و كتب مدخل «جمع وتدوین القرآن» جان برتن مؤلف «تدوین القرآن» في سنة 1977 میلادی، ويعدّ هذا الكتاب في مقابل «التحقیقات القرآنیة» لونزبرو في تلك السنة نقطة عطف في التحقیق القرآنی الحدیث([50]).

تتحدث جین دمن مك اولیف في مقدمة طویلة نسبیّاً عن ضرورة هذه الموسوعة وأهدافها ودورها ومخططها حیث تقول:

«ان القرآن یُخطِر في بال ملیار مسلم في أنحاء العالم كلمات رب العالمین. وإنّ سماع آیاته المتلوّة والنظر إلى كلماته المكتوبة بخط كبیر علی جدران المساجد، ومسّ الصفحات التی كتبت فیها كلماته یخلق في أذهان المسلمین وقلوبهم شعوراً بحضوره المقدس...»([51]).

و قد ذكرت المؤلفة أیضاً عشق المسلمین للقرآن وتكريمهم له وبعض المعلومات بشأن البنیة الظاهریة للقرآن وعدد السور والآیات، وانّ القرآن بالمقارنة إلى كتاب القانون البوذی وانجیل سانسكریت والانجیل الصینی حتی بالنسبة إلى العهدین أصغر حجماً.

ثم تقول: «إن محتوی ومطالب القرآن متنوعة ولم یتم تصنیفها، وكذلك فانه لیس مرتباً كما یری ذلك الذهن الحدیث الذی یتطلب النظام. وعلی سبیل المثال فانك لاتجد سورة تختص بالمعلومات المرتبطة بالإلهیات والعقائد أو بالقوانین الشخصیة والاجتماعیة، أو تری سورة تختص بخصائص الدعاء في الصلاة، أو قصص الأنبیاء، او انذارات یوم القیامة، أو خصائص الجنة والنار، او المواجهات الجدلیة مع اصحاب الأدیان الاخری. بل انك تجد جمیع هذه المطالب وكثیراً الموضوعات الاخری التی یزخر بها القرآن منتشرة في السور المختلفة»([52]).

لقد أقدمت جین دمن مك اولیف في سنة 1993 علی تدوین هذه الموسوعة ونشرها، واستطاعت بمساعدة بعض العلماء والمستشرقین من انحاء العالم الذین أسهموا في صنع هذا الأثر أن تطبع المجلد الأول من هذه الموسوعة في سنة 2001.

1-2-3- الأهداف:

تقول مك اولیف بشأن هدفها من تألیفها: «... صمّمنا أن نكتب أثراً مرجعاً یمثل أفضل نجاح في هذا القرن في مجال التحقیقات القرآنیة، وفی الوقت ذاته أردنا أن تكون هذه الموسوعة باعثة علی التحقیق الأوسع في مجال القرآن في العقود القادمة... والهدف الأهم كان هو أن نجعل بین طبقة العلماء الاكادیمیین والقراء المثقفین كمّاً كبیراً من التحقیقات القرآنیة»([53]).

1-2-4- الاتجاه:

«و حیث ان جمیع مقالات هذه الموسوعة- تقریباً- ترسم بشكل مباشر أو غیر مباشر مجموعة تفسيریة قرآنیة، فمع هذا الوصف فإنّ محدودیة المشروع تحكم بأن یبقی المركز هو القرآن نفسه؛ وعلیه فإن قرّاء موسوعة القرآن سوف لن یجدوا قطعة مستقلة حول الطبری أو فخرالدین الرازی؛ إلّا انّهم سیجدون إرجاعات متعددة إلى آثار هؤلاء المفسرین. وبالضمن فان فهرس المواضیع المتراكمة لموسوعة القرآن سیمنح القارئین هذه الفرصة، وهی انه في جمیع المجلدات یجدون هذه المراجع ویرصدونها ویتابعونها. مع رجائنا أن نؤلف أثراً لیكون مرجعاً ویكون بین یدی المفكرین المحققین والجامعیین علی اساس سلسلة اصول واسعة علمیة- اجتماعیة وبشریة. لقد كنتُ مع زملائی مشتركین في هذا الأمل وهو أن نجمع تحقیقاً علمیاً دقیقاً بشأن القرآن في موسوعة واحدة بحیث یكون هذا التحقیق مشحوناً بالآراء والمبانی الاستدلالیة المتینة».([54])

1-2-5- استعمال موسوعة القرآن:

تقول مك اولیف بشأن استعمال موسوعة القرآن: «ذُكرت المداخل في موسوعة القرآن بالتنظیم الألفبائی المتداول، وهی علی نوعین: أكثر المقالات في أحجام مختلفة، تحتوی علی مطالب تعود إلى الشخصیات المهمة، والمفاهیم، والاماكن، والقیم، والأعمال والوقائع التی هی اما موجودة في متن القرآن او انّ لها ارتباطاً مهماً بمتن القرآن. مثل: مدخل «ابراهیم» فهو یبحث في شخصیة من متن القرآن، في حین انّ مدخل «الآداب الافریقیة والقرآن» یبحث في علاقة أدبیة.([55])

و المجموعة الثانیة من المقالات في الموسوعة هی تعاملات المقالة مع الموضوعات المهمة في مجال التحقیقات القرآنیة. وكمثال من المجلد الاول نشیر إلى مدخل «هنر ومعماری در قرآن» (الفن وفن العمارة في القرآن) و«علم التواریخ والقرآن».([56]) في موسوعة القرآن تمّ تسمیة المداخل بما یعادلها في اللغة الانجلیزیة والذی یُعدّ من الأسالیب الابتكاریة لهذه الموسوعة، والغرض منه تسهیل تحقیقات المحققین والقارئین من غیر الناطقین باللغة العربیة.

و لأجل التعرف علی مقالات موسوعة القرآن نذكر بعض عناوین المقالات:

من مقالات المجلد الأول: هارون، علی بن أبی‌طالب، ابرهة، ابوبكر، أبولهب، آدم وحواء، سقط الجنین، عصر الجاهلیة، الملائكة، الغضب، آذر، عرفات، الفن وفن العمارة والقرآن، المسجد الأقصی، اللغة العربیة، البرزخ، البسملة، الجمال، الایمان والكفر، بنیامین، بایبل، بدر، بلقیس، دیة القتیل، الركوع والسجود، الاخ والاخوّة، الكتاب، الدفن، الإزراء، التحصن، الاولاد، الملابس، تدوین القرآن، معرفة العالم، الظلام، النخل، داود، الشیطان، اللیل والنهار، أیام الله، الآیات المشكلة، العصیان، الكلب، النوم والرؤیا.

و بعض المداخل الموجودة في المجلدات الأربعة الأخری: الأرض، الاقتصاد، مصر، الانتخابات، المهاجرون والانصار، التفاسیر القرآنیة- القدیمة والقرون الوسطی، العیون، الاسرة، اسرة النبی 9، فاطمة 3، حجة الوداع، الصوم، النسویة والقرآن، النار، بُنیة القرآن، صلاة الجمعة، الجنس (النوع)، یأجوج مأجوج، الذهب، الجغرافیة، حفصة، جهنم ونار جهنم، المزاح، حنین، الأصنام والصور، الاُمّیّة، المرض والسلامة، النیة، الاسلام، اسرائیل، الجهاد، خدیجة 3، القانون والقرآن، الزواج والطلاق، مكة، الإعلام والقرآن، الاسد، المعجزة، الاستهزاء، الحیاء، المسجد، نجران، التعرّی، العِرض، القَسَم، الوالدان، التقوی، الفقر والفقراء، الصلاة، الوحی، المسؤولیة، القبلة، قینقاع، العلم والقرآن، صالح، العالم، الشیعة، التشیع والقرآن، الآیات الشیطانیة، الفوز، الحریر، العلوم الاجتماعیة والقرآن، الرجم، السنّة، سوءالظن، الاستعداد، ثمود، الآداب التركیة والقرآن، الاخدود، الحجاب، الوهابیة والقرآن، النساء والقرآن، زوجات النبی 9.

1-3-6- جین دمن مك اولیف رئیسة لجنة التنقیح والمؤلفین في الموسوعة:

1-3-6-1- حیاة جین دمن مك اولیف:

هی رئیسة كلیة العلوم الاجتماعیة في جامعة جورج تاون، وكانت استاذة التاریخ والآداب العربیة والتحقیقات الاسلامیة، وكذلك هی بعنوان بروفیسور ومعاون الرئیس في جامعة ایموری (Emory) ورئیسة قم التحقیقات الدینیة وبروفیسور التحقیقات الاسلامیة في قسم حضارات الشرق الاوسط في جامعة تورنتو.

و قد حصلت علی البكالوریوس في الفلسفة في كلیة التثلیت في واشنطن دی سی، والماجستیر في التحقیقات الدینیة، والدكتوراه في التحقیقات الاسلامیة من جامعة تورنتو.

كانت للذكتورة مك اولیف شهرة عالمیة، وتتركز آثارها حول محور القرآن والتفسیر، وتاریخ صدر الاسلام والعلاقات المتعددة الجوانب بین الاسلام والمسیحیة.

و قد اضطلعت بمسؤولیة رئیسة لجنة التنقیح في موسوعة القرآن- لایدن بأجزائها الستة منذ سنة 2000 والتی تعدّ من احدث خطوات مك اولیف في مجال الابحاث القرآنیة. وتُعدّ هذه الموسوعة أول مرجع من نوعها في اللغات الغربیة. والمؤلفة هی أحد الأساتذة الأمریكان الخمسة في لجنة التحقیقاتت الامریكیة- البریطانیة في مجال الدراسات العلیا في عالم العولمة، تلك المجموعة التی أسّسها غوردن براون رئیس وزراء بریطانیا الحالی (2006).

للدكتورة مك اولیف حضور فعال في المجامع والمناظرات المتعددة بین المسلمین والمسیحیین، واستخدمت في لجنة الفاتیگان للعلاقة الدینیة مع المسلمین، وقد كانت عضو الهیئة العلمیة الأكادیمیة الدینیة الامریكیة ورئیسة هذه الاكادیمیة في سنة 2004. وانتُخبت السیدة مك اولیف في تموز عام 2008 باتفاق الآراء بعنوان رئیسة كلیة براین ماور. واستطاعت هذه الكلیة خلال السنة الماضیة ضمن برنامج لجلب المساعدات النقدیة أن تجمع 232 ملیون دولار امریكی.

والسیدة مك اولیف هی زوجة الدكتور دنیس مك اولیف عالم الآداب الایطالیة في القرون الوسطی في جامعة جورج تاون، ولها أربعة أولاد.

1-3-6-2- المؤلفات:

- مؤید قدرت عباسی: (مؤید السلطة العباسیة): سنوات بدایة حكم المنصور.

- عیسویان قرآنی (المسیحیون القرآنیون): تحلیل التعلیم القدیم والجدید.

1-3-6-3- المتون التی نقّحتها مك اولیف:

- موسوعة القرآن.

- مع تكریم الكتب التفسیریة للقرون الوسطی للیهودیة والمسیحیة والاسلام.

1-3-6-4- نقد وتقییم الكتب والمقالات من قِبَل مك اولیف:

- تصویر قرآن از خودش (صورة القرآن من ذاته):

- التألیف والقوة في تلامذة الإسلام.

- الایمان والقوة والعنف: المسلمون والعیسویون في مجتمع متنوع.

- الله، ومحمد، والعالم.

- المسلمون في مسیر الأمركة.

- ذلك الطرف من الایمان: المسیرة الاسلامیة بین المسلمین الجدد.

- الأنبیاء في القرآن.

- تاریخ النظریات القانونیة الاسلامیة.

- علاقة المسلمین والمسیحیین: الماضی الحاضر والمستقبل

- المسلمون والعیسویون في مقابل بعضهما.

- نظریات القرون الوسطی والجدیدة حول علاقة المسلمین والیهود.

- سلسلة المراتب والمساواة في الفكر الاسلامی.

- خلیفة محمد: تحقیق أوّلی في الخلافة.

- تحدّیات الكتب المقدسة: الانجیل والقرآن.

- كیف نعرف الإسلام.

- مكة محمد: التاریخ في القرآن.

- الموسوعة المختصرة للإسلام.

- موسوعة الإسلام.

- فخرالدین الرازی وآیات الجزیة وآیات السیف.

- لحظات السعادة والیأس.

- هرمنوطیقا القرآن.

- فاطمه بنت محمد.

- عائشة بنت ابی‌بكر.

- أشربة الأرض والجنة.

وكتبت الدكتورة مك اولیف في مقدمة موسوعة القرآن- لایدن بشأن ضرورة كتابة هذه الموسوعة مایأتی: «انّ محتوی ومطالب القرآن متنوعة ولم یتم تصنیفها، وكذلك فإنّه لیس مرتّباً كما یری ذلك الذهن الحدیث الذی یتطلب النظام. وعلی سبیل المثال فإنك لاتجد سورة تختص بالمعلومات المرتبطة بالإلهیات والعقائد أو بالقوانین الشخصیة والاجتماعیة، أو تری سورة تختص بخصائص الدعاء في الصلاة، أو قصص الأنبیاء، أو إنذارات یوم القیامة، أو خصائص الجنة والنار، أو المواجهات الجدلیة مع أصحاب الأدیان الاُخری. بل انك تجد جمیع هذه المطالب وكثیراً من الموضوعات الاخری التی یزخر بها القرآن منتشرة في السور المختلفة»([57]).

نقد ودراسة:

وفی الجواب عن شبهة مك اولیف بشأن تشتّت الموضوعات القرآنیة نقول:

ان القرآن كتابٌ موحیً من الله تعالی ولیس كتاباً بشریاً، ولغة هذا المتن الإلهی الوحیانی تختلف عن لغة البشر، ولأجل فهمه یجب فهم خصائص لغة‌ الدین. إنّ فهم نظم القرآن وكیفیة ارتباط معانی الآیات یعتمد علی فهم بعض المبانی والظرائف واللطائف المتعلقة بالكلام الإلهی.

إنّ الاُسلوب البیانی للقرآن تكوّن بشكل یكون الاهتمام بكل موضوع في إطار أوسع، إطار یحكی عن مجموعة منسجمة ومرتبطة بذلك الموضوع، وانّ عدم الاهتمام بهذا الأمر المهم یوحی لنا بوجود الاضطراب في السور القرآنیة. والقرآن الكریم مشحون بهذا الاسلوب([58]).

فی حین أنّ الاُسلوب المتداول عند الناس في بیان المطالب والموضوعات هو التركیز علی موضوع خاص، وبیان جزئیاته وتفصيلها، ذلك لأن دائرة وعی الانسان محدودة ومقیده بالزمان والمكان. واذا تصدّی للمطالب المتعلقة بذلك الموضوع فإنه یكون في إطار معین خاص. وبالطبع فإن القرآن الكریم لو كان من ترشّحات الذهن البشری وإنتاجه فإنه یجب أن تُطرح فیه مباحث باُسلوب بشری متعارف. ولأجل هذا فإنّ الاُسلوب البیانی للقرآن له نظم متفاوت مع النظم البیانی للنوع الانسانی، ومن دون فهم مثل هذا الاختلاف والالتفات إلیه فإنّ هناك أحكاماً غیر صحیحة ستظهر تجاه القرآن، ومن جملتها: عدم النظم في الاسلوب البیانی القرآنی. ومثل هذه النسب انما تكون عادة لهذا السبب وهو أنّ الانسان یعدّ النظم المختلف عن نظمه یساوی عدم النظم.

إنّ البیان القرآنی یتحرك علی منصّة الماضی والحال والمستقبل، والظواهر والموضوعات المتعددة من ناحیة الزمان والمكان ولكنها علی بساط الوجود ترتبط فیما بینها ارتباطاً وثیقاً. وتمام متن القرآن یُظهر هذه الحقیقة ويبيّنها([59]).

ومن الاُصول الأساسیة للتعرف علی معانی القرآن هو أنّ القرآن شبكة مترابطة مع بعضها بحیث انّ كل مفردة من هذه الشبكة یكون لها معنی في ارتباطها بأجزاء المنظومة ومجموعتها، وربما یكون معناها في المنظومة مختلفاً مع المعنی اللغوی والعرفی لها، أو هو یحتاج إلى التأویل لیكون موافقاً لها.

وبحسب تعبیر ایزوتسو فإنّه لیس فقط مطالب القرآن بل حتی كلمات القرآن لم تستعمل لوحدها ومنعزلة عن غیرها بل هی استُعملت بالعلاقة القریبة مع غیرها، وأعطت معناها المحسوس والملموس دقیقاً من مجموع النظام الارتباطی الذی تمتلكه([60]) .

لقد عدّ المرحوم العلامة الطباطبائی مجموعة معارف القرآن مثل هرم رأسه «التوحید». فهو یری انّ مجموعة المعارف الإلهیة تفصیل للتوحید، والتوحید إجمال لهذا التفصیل، ویذكر بهذا الصدد أنّ الآیات القرآنیة بهذه المعارف الإلهیة التفصیلیة والحقائق الحقة تعتمد علی حقیقة واحدة وهی أصل، وبقیة المعارف غصونه وأوراقه، وهذا الاصل هو توحید الله تعالی، وهذا الأصل بجمیع ما فیه من إجمال یتضمن جمیع تفاصیل المعانی القرآنیة وجزئياتها، وبعبارة اُخری فإنّ التوحید أصل إذا قمنا بتشریحة فإنّه یصیر هذه التفاصیل، وإذا جمعنا هذه التفاصیل فإنها تعود إلى اصل واحدّ([61]).

إنّ وجود كثیر من الحقائق ومن جملتها مثل هذه الخصوصیات یؤدی إلى وجود اختلافات بین لغة القرآن واللغة البشریة، ومن جملة هذه الاختلافات انه من الممكن من خلال نظرة أولیة غیر عمیقة أن یبدو النظم العجیب للآیات وكأنه نوع من التشتت، وانّ الارتباط الهندسی والمعقّد، والترابط والانسجام في معانی الآیات في نظرة غیر تحقیقیة یبدو كأنه عدم نظم ظاهري.

وعلی سبیل المثال فعندما یكون التوحید والصفات والأسماء الإلهیة لبّ وروح جمیع حقائق كتاب الوجود وكذلك أصل وجذور جمیع حقائق الكتاب السماوی المنطبق علی حقائق الوجود فمن البدیهی عندما یبحث عن أصل أخلاقی (یتعلق بالأعمال الجوانحیة) أو أصل عملی (یتعلق بالأعمال الجوارحیة)، فإن أسماء الله وصفاته تُذكر إلى جانبها، أو انه إذا كان الحدیث عن المجال الاجتماعی فمن ناحیة النظر إلى العلاقة العمیقة لهذه المسائل مع مجال المباحث التوحیدیة فإنّ الكلام ینجرّ إلى الأصل الاعتقادی المتناسب معه إلى جانبه.

إنّ من لا یكون له معرفة بروح حقائق الدین وتقارب طبقاته المختلفة لعله یظن انّ تفكیك البحوث الاجتماعیة عن مجال البحوث التوحیدیة والاعتقادیة وجعلها في مجال واحدٍ مستقل ومجزّء یكون سبباً للنظم الظاهری، إلّا انّ هذا النظم الظاهری یمكن أن یكون متداولاً في اللغة البشریة، أمّا بالنسبة إلى خالق البشر الذی ینزل كلامه من العرش إلى الفرش ومن اللاهوت إلى الناسوت ینظر إلى جمیع العلاقات الباطنیة للحقائق بحسب الظاهر متفككة ومنفصمة، وانّ كلامه منطبق مع جمیع العلاقات التكوینیة والحقیقیة والباطنیة.

إنّ ارتباط الآیات والانسجام بینها- مع انها استمرت بالنزول خلال 23 سنة- یثیر الاعجاب بل هو من وجوه إعجاز القرآن. الّا أنّ الوصول إلى وجوه الإعجاز هذه یحتاج إلى تعمق ولا یكفی فیه نظرة سطحیة عابرة. ولأجل تبيين هذا الانسجام والارتباط بین الآیات یمكن الاشاره إلى قضیة الارتباط بین معانی الآیات في الجمل وداخل السور والارتباط الموضوعی بینها، وثم رجوع بعض الآیات إلى البعض الآخر وانعطافها علی بعضها وكذلك هدفیّة جمیع الآیات واتصافها جمیعاً بوحدة السیاق. فكلّ هذه الخصائص تحكی النظم في القرآن، وتُعدّ من أبعاد اعجاز القرآن الكریم([62]).

یقول آیة الله الخوئی ;:

إنّ القرآن اُنزل لهدایة البشر، وسوقهم إلى سعادتهم في الاُولی والاُخری، ولیس هو بكتاب تاریخ أو فقه، أو أخلاق، أو ما یشبه ذلك لیعقد لكل من هذه الجهات باباً مستقلاً.

ولاریب في أنّ اسلوبه هذا أقرب الأسالیب إلى حصول النتیجة المقصودة فإنّ القارئ لبعض سور القرآن یمكنه أن یحیط بكثیر من أغراضه وأهدافه في أقرب وقت وأقل كلفة فیتوجه نظره إلى المبدأ والمعاد، ویطّلع علی أحوال الماضین فیعتبر بهم، ویستفید من الأخلاق الفاضلة، والمعارف العالیة، ویتعلم جانباً من أحكامه في عباداته ومعاملاته. كل ذلك مع حفظ نظام الكلام، وتوفیة حقوق البیان، ورعایة مقتضی الحال.

وهذه الفوائد لا یمكن حصولها من القرآن إذا كان مبوّباً، لأنّ القارئ لا یحیط بأغراض القرآن الّا حین یتمّ تلاوة القرآن جمیعه([63]).

وخلافاً للقرآن فإنّ الكتب البشریة من ناحیة سعة الموضوع هی محدودة بالموضوع او الموضوعات الخاصة، وكذلك من ناحیة الترتیب والتصنیف والتفصیل لها اسلوب معروف. ذلك لأنّ اقتضاء المحدودیة الحاكمة علی فكر المؤلف من ناحیة، وتمایز مفاد كل فرع من فروع العلم من ناحیة اخری لا یسمح بالتّصدّی لموضوعات اُخری([64]).

أما اسلوب القرآن فهو مزج الموضوعات وجعل محورها هدایة الانسان، مع اتصافها بكمال الارتباط والانسجام.

وخلاصة الكلام فإنّ النظم والهندسة العجیبین والانتظام والانسجام العمیق بین الحقائق القرآنیة مع بعضها ومع العلاقات التكوینیة لعوالم الوجود تؤدّی إلى منع النظرة السطحیة عن إدراك عمق تلك الحقائق.

یقول العلامة الجوادی الآملی: «إنّ جمیع آیات القرآن التی یفوق عددها ستة آلاف آیة منسجمة مع بعضها وهی بمنزلة كلام واحد، ذلك لأنّ القرآن نزل من مبدأ الحكمة وبعد الإحكام وكونه حكیماً تمّ تفصیله»([65]).

لقد وردت في كلمات أهل‌البیت- حول عدم التطابق الظاهری في مجال محتوی الآیات ومعانيها والذی سبّب نوعاً من عدم النظم في الآیات- مطالب دقیقة فیها إشارة إلى انّ الاتصال الباطنی كامن خلف الانفصال والتفكك الظاهری لفقرات الآیات، ومن جملتها ماروی عن الامام الباقر علیه السلام: «انّ الآیة یكون أوّلها في شیء وأوسطها في شیء وآخرها في شیء وهو كلام متصل».

لاریب في انّ القرآن الكریم في المجموع له لغته الخاصة ولا یمكن قیاسها باللغة الرائجة في مجموعة بشریة خاصة. إنّ مثل هذا الانسجام بین الألفاظ والمعانی، استقلال المطالب وترابطها، الوئام التام في مجموعة الكلام، الاستفادة من الأسالیب المتنوعة، والاحتواء علی المطالب والأسرار العجیبة في عین بساطة اللغة ووضوح البیان الذی هو الفصاحة والبلاغة یُعدّ إعجازاً وفوق قدرة البشر([66]).

الاستنتاج والخلاصة

منذ أوائل القرن العشرین ومع التطور التقنی والصناعی، فإنّ امكانیات وسائل الإعلام في جمیع المجالات ومن ضمنها مجال المعرفة الدینیة توسعت وتطورت. وقد تغیّرت مسیرة التحقیق والتألیف الدینی تدریجاً من الكتابة في الموضوع الواحد الخاص نحو كتابة الموسوعات.

لقد صارت الموسوعة مرجعاً أساسیاً لتحقیقات الباحثین في الفروع العلمیة المختلفة في جمیع البلدان. وقد تصدّی المستشرقون لكتابة موسوعات حول الأدیان والاسلام والقرآن لیكون لهم دور في التعریف بصورة الاسلام في العالم، ومن جملتها: الموسوعة الاسلامیة، الموسوعة الدینیة، موسوعة القرآن- لایدن، وموسوعة القرآن- اولیور لیمن.

إنّ موسوعة القرآن- لایدن هی أحدث أثر علمی- جماعی للمستشرقین من أرجاء العالم، وهی تقع في ستة مجلدات، وقامت بطبعها دار بریل للنشر في مدینة لایدن- هولندا بین سنة 2001- 2006. وكان رئیس لجنة التنقیح فیها هی جین دمن مك اولین بغرض عرض موسوعة شاملة في مجال التحقیقات القرآنیة. وقد بدأ العمل في سنة 1993 في مدینة لایدن.

تضم هذه الموسوعة 750 مدخلاً مستقلاً، ومن أهمها: جمع القرآن، تحریف القرآن، اعجاز القرآن، الكلمات الدخیلة، تفسیر القرآن في العصور المختلفة، الصراط المستقیم إلى المفاهیم القرآنیة، القرآن في الحیاة الیومیة، الآثار النقدیة الجدیدة والقرآن، الآثار القدیمة والقرآن، تاریخ القرآن، النسویة والقرآن، الحدیث والقرآن، أهل‌بیت النبی 9، فاطمه 3.

وجدیر بالذكر انّ بعض المداخل لیست قرآنیة مثل: «الذرة»، «الآداب الافریقیة»، «اَرارات» «الامریكان الأفارقة».

وبشكل عام فإنّ بعض المؤلفین من المستشرقین طرحوا مطالبهم بشكل منصف ومحاید، أمّا الطائفة الاخری منهم فلهم نظرة سلبیة وغیرمنصفة أو غیر علمیة، وفی النتیجة وقعوا في توهّمات وابهامات وشبهات عندما حكموا علی القرآن.

-------------------------

(*) استاذ مساعد في جامعة المصطفی العالمية.

(**)  أستاذ مساعد بجامعة طهران.

*  هوامش البحث *

[1]- تقی صادقی، رویكرد خاورشناسان به قرآن، ص 147.

[2]- Gustan Flagal

[3]- Jules Labum.

[4]- Theodor Noldeke.

[5]- Ignaz Gold Ziher

[6]- Avthur John Arbery.

[7]- Regis Blacheve.

[8]- Avtor Jeffri

[9]- Richard Bell.

[10]- Montogomery Watt.

[11]- John Berton.

[12]- T.Izutsu

[13]-. Scholer,Marco 2004, Post- Enlighenment Academic Study Of the Quran, Eo, Vol, 4Leiden P.187

[14]-.Gustav Weil.

[15]- Theodor Noldeke.

[16]- R.Blachere.

[17]- Richard Bill.

[18]- W. Muiv

[19]- A.Rodwell

[20]- H Grimme

[21]- H Hirchfeld

[22]- .Scholer, Ibid, 191

[23]- Scholler, Marco, Op, Citp.190.

[24]- j. Horovitz.

[25]-  A. Minganq

[26]- K.Ahrens.

[27]- A. Jeffery.

[28]- R.Blachere.

[29]- AJeffery.

[30]- R.Bell.

[31]- M.Watt

[32]- T.O Shaughaessy.

[33]- T.Izatsu.

[34]- CI.Gilli??t

[35]- W.Reuschel

[36]- R. Talmon

[37]- Scholer, Marco, Ibid?? P. 193.

[38]- J. Burton

[39]- M. Cook and P.crone

[40]- J.Wansbvough

[41]- A.Rippin

[42]- A.Neuwirth.

[43]- انجلیكا نویورث، هفت آسمان، العدد 34، صیف سنة 1386، ص 22.

[44]- مركز فرهنگ ومعارف قرآن، دایرة المعارف قرآن كریم، ص 10. راجع: دائرة المعارف بزرگ اسلامی، زیرنظر كاظم موسوی بجنوردی، ص 8 (المقدمة).

[45]- راجع: دائرة المعارف قرآن كریم، ص 14 و17، رضائی اصفهانی، مجله مستشرقان وقرآن، العدد 1، ص 45، علی خراسانی وحسین علوی مهر، دایرة المعارف‌های قرآنی، هفده گفتار قرآنی پژوهی (سعید بهمنی) ص 625.

[46]- راجع: موسوعة القرآن الكریم ص 14 و17، رضائی اصفهانی، مجلة المستشرقین والقرآن، العدد 1، ص 45، علی خراسانی وحسین علوی مهر، الموسوعة القرآنیه، 17 مقالة في التحقیق القرآنی (سعید بهمنی) ص 625.

[47]- المصدر نفسه ص 9.

[48]- Encyclo Pedia Of Islam.

[49]- Jane Dammen Mcauliffe

[50]- Scholler Marco, Pojt- EnlishTenment Acade Mic Study Of The Quran, EQ. Vol. 4. Page 187.

[51]- Mcauliffe Gane Dammen, 2001, Preface EQ Vol,I.

[52]- Mcauliffe Jane Dammen Ibid P.X.

[53]- Mcauliffe, Ibid.

[54]- Mcauliffe, Jane Dammen, EQ, Ibid, P.X.

[55]- Mcauliffe, Using The EQ Page Xi.

[56]- Mcauliffe Ibid p.xii

[57]- Mcauliffe, Jane Dammen Op. Cit P.ii.

[58]- ایرج گلجانی امیرخیز، چشم‌اندازی بر سبك بیانی قرآن، قرآن در آینة پژوهش، دفتر سوم، ص 88.

[59]- گلجانی امیرخیز، المصدر نفسه، ص 97.

[60]- توشی هیكو ایزوتسو، خدا وانسان در قرآن، ترجمه احمد آرام، ص 4. وكذلك: عباس همامی، پژوهش در تناسب آیات وسوره‌های قرآن، قرآن در آینه پژوهش ص 81.

[61]- محمدحسین الطباطبائی، المیزان ج 10، ص 139.

[62]- راجع: ثلاث رسائل في اعجاز القرآن، ص 27، الجامع لأحكام القرآن ج 1، ص 54.

[63]- ابوالقاسم الخوئی، البیان في تفسیر القرآن ص 93.

[64]- محمدباقر سعیدی روشن، تحلیل زبان قرآن وروش‌شناس فهم آن ص 374.

[65]- >كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ< هود، الآیة 1، عبدالله الجوادی الآملی، التفسیر الموضوعی، ج 1، ص 394.

[66]- مهدی هادوی تهرانی، مبانی كلامی اجتهاد در برداشت از قرآن كریم، ص 298.



*  المصادر والمراجع *

*   القرآن الكریم.

1- ایزوتسو، توشی هیكو، خدا وانسان در قرآن، ترجمه احمد آرام، دفتر نشر فرهنگ اسلامی، تهران، 1368.

2- بُستی، ابوسلیمان، ثلاث رسائل في اعجاز القرآن، دارالمعارف، قاهرة، 1968.

3- جوادی آملی، عبدالله، تفسیر تسنیم، نشر اسراء، 1385.

4- خراسانی علی وعلوی مهرحسین؛ دارالمعارف‌های قرآنی، هفده گفتار قرآن‌پژوهی، وزارت فرهنگ وارشاد اسلامی، تهران، 1388.

5- الخوئی، ابوالقاسم، البیان في تفسیر القرآن، چاپ علمیة، قم، 1394.

6- رضائی اصفهانی، مجلة مستشرقان وقرآن، شماره 1، 1427 هـ.

7- سعیدی روشن، محمدباقر، تحلیل زبان قرآن وروش‌شناسی فهم آن، انتشارات پژوهشگاه فرهنگ واندیشه اسلامی، 1383.

8- صادقی، تقی؛ رویكرد خاورشناسان به قرآن، فرهنگ‌گستر، 1379.

9- طباطبائی، سید محمدحسین، المیزان في تفسیر القرآن، دفتر انتشارات اسلامی قم، 1374.

10- قرطبی، محمدبن احمد، الجامع لأحكام القرآن، انتشارات ناصرخسرو، تهران 1364.

11- گلخانی امیرخیز، ایرج، چشم‌اندازی بر سبك بیانی قرآن، قرآن در آینه پژوهش، دفتر سوم، نشر هستی‌نما، 1380.

12- مركز فرهنگ ومعارف قرآن، دایرة المعارف قرآن كریم، بوستان كتاب، انتشارات دفتر تبلیغات اسلامی قم، 1382.

13- نویورث، انجلیكا، هفت آسمان، شماره 34، تابستان 1383.

14- هادوی تهرانی، مهدی، مبانی كلامی اجتهاد در برداشت از قرآن كریم، مؤسسه فرهنگ‌خانه خرد، قم، 1377.

15- Scholer, Marco 2004 Post Enlightment Academic Study Of Th Quran EQ Vol. 4. Leiden.