العدد 13

العدد 13

محتويات العدد

■   تاريخ طباعة القرآن الكرِيمِ لدى المستشرقين

د. أنور محمود زناتي                                       

■   فهرسة كتابات الغربيّين حول السيّدة فاطمة الزهراء 3

رضا ياري نيا

السيد مصطفى المطهري

■   الأنثروبولوجيا الاسلاميّة مقاربة في الاستشراق الجديد

أ. د. عامر عبد زيد الوائلي

■    موقف بدوي من المستشرقين "الذات في الآخر"

أ.د. أحمد عبدالحليم عطية 

■   من دراسات المستشرقين للصوت اللغوي العربي 

أ.د. حامد ناصر الظالمي

■    أثر الإسلام والمتنبي في شعر المستشرق الألماني غوتة

د. عبد الرؤوف خريوش

ملخصات البحوث باللغة الانجليزية

 

The History of the Holy Quran Printing with the Orientalists

Dr.. Anwar Mahmoud Zanati  Ain-Shams University  The Egyptian Arabic Republic

(Indexing the Westerners Writings about Al Sayedah Al Zahra' (a.s.)

Reza Yari Niya

Sayed Mustafa Al Mutahari

Islamic Anthropology Approach in the new orientalism

Ernst Gillens is a model

Dr. Amer Abd  Zaid Al Waeli

Badawi's Attitude towards Orientalists "The Ego in the Other"

Pro. Dr. Ahmad A'bdelhaleem A'tiyeh Faculty of Arts – Cairo – Egypt

Some of the Orientalists' Studies of the Arabic Phonemes

Prof. Dr. Hamid Naser Al-Zalimi

The Impact of Islam and Al-Mutanabi

upon the Poetry by the German Orientalist Goethe

Prepared by Dr. A'bdel Rau'f Kharyoush Palestine, The West Bank, Nablus

Open University of Al-Quds

افتتاحية العدد

منظور جديد لمراحل الإستشراق

بدون انبهار أو دونية، وبعيدا عن الإمتثال والاختزال والتعميم، يجب أن نتفحص نتاج المستشرقين لفصل الغث عن السمين. فالموقف مما يكتبه المستشرق قديما أو حديثاً هو موقف مركب ومتفاوت بحسب الخلفيات والدوافع ومقدار الالتزام الصارم بالمنهج العلمي الرصين والبعد عن الأدلجة والتحامل. ولكن أيضا من باب المقاربة العلمية، لو راقبنا تطور ما يصدره الغرب عن الشرق فإننا سنجد الأدبيات الغربية قد أصبحت أكثر عدائية وعلاقة بالمصالح الاستراتيجية للدول، وهكذا فإن الحديث أصبح ممكنا عن خمسة مراحل أحدث فيها الإستشراق تحولات بنيوية في صناعة المعرفة الغربية عن الشرق.

الأولى: كانت مرحلة التاريخ القديم التي كان فيها الأدباء والفلاسفة اليونان قد نقلوا فيها عن الشرق علوما وأدبا واساطير ويعتبر الفيلسوف طاليس الذي تعلم الرياضيات من الفراعنة والأدباء هيردوتس وهوميروس من رواد هذه المرحلة، الطبيعة التكاملية كانت تلك الفترة أغلب من الطبيعة الصراعية.

والثانية: كانت بعد ظهور السيد المسيح عليه السلام وفيها كان الحواريون أساتذة العالم في الروحانية وكان الشرق هو الأرض المقدسة التي تشع روحانية على غرب يعيش في ظلمات الوثنية ، إلى أن

تبنى الإمبراطور الروماني جوستينيان المسيحية على طريقته وشرع في نشر نسخته من المسيحية بطريقة عدوانية حتى ضد المسيحيين المشرقيين الذين كانت الإسكندرية المصرية أبرز صروحهم آنذاك، هنا مع روما وفي بدايات القرن الرابع للميلاد أسست جذور للعدوانية الغربية ضد الشرق حتى قبل ظهور الإسلام، وتم تشويه صورة المسيحية المشرقية التي قالت بالطبيعة البشرية للسيد المسيح لفرض الإيمان المسيحي الغربي كما كتب في مجمع نيقية سنة 325 للميلاد. ولأسباب تبين من سيرة الإمبراطور أنها محض سياسية.

الثالثة: كانت مع ظهور الإسلام وهنا كان أحبار اليهود أول من اسس للطعن بنبوة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وأول من تفرغ لبث الشبهات ضد آيات القرآن الكريم وتحريض المشركين والمنافقين ولذلك قدمهم القرآن الكريم على المشركين في قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا (المائدة، 82) . فعطف سبحانه الذين اشركوا على اليهود لأنهم كانوا قادة الحملة باعتبارهم "علماء أهل الكتاب" في ذلك الزمن. وهكذا فإن المؤسس للإستشراق بالمعنى الأخص وهو "دراسة الإسلام، وشريعته وعقيدته وتياراته..."هم أحبار اليهود الذين هدفوا من وراء هذه الدراسة لتشويه الرسالة وبث دعايتهم المضادة ضدها. المسيحية المشرقية لم تكن آنذاك بهذه الحدة ولذلك كان النصارى "أقرب مودة". يمكننا القول أن المسيحية المشرقية استفزت بعد فتح الشام حين وفر لها معاوية بيئة حاضنة لتنتج ما عندها من طعن في الإسلام مع يوحنا الدمشقي واضرابه من الذين استفادوا من السياسة الأموية الهادفة إلى بسط السلطة على حساب نقاء الإسلام. وهنا أيضا كانت السياسة حاضرة على حساب الدين والعقيدة. أما الغرب المسيحي فقد شهد فتح الأندلس سنة 711م وهنا ظهرت الجهود التبشيرية والحروب الصليبية الهادفة إلى حماية المسيحية كايديولوجية للسلطة تتسلح بها البابوية وممالك الغرب وكانت الثمرة الأولى لهذه الجهود ظهور أول نسخة مترجمة إلى اللاتينية من القرآن الكريم أوائل القرن الثالث الميلادي 1248م  تحديدا وما بعدها من أدبيات تبشيرية أكملت ما بدأه اليهود من طعن بشخص الرسول صلى الله عليه وآله والقرآن الكريم استنادا إلى نسخة مشوهة ومحرفة ترجمها من لا يملك العدة الكافية من المعرفة باللغة العربية. ثم أسهم العثمانيون بفتح القسطنطينية سنة  1453م   في تغليب الطبيعة الصراعية على احتمالات التكامل مع الغرب خاصة وأن الإمبراطورية العثمانية كانت قائمة على العسكرة والإدارة وقليلة الإلتفات للفكر والثقافة ونشر الإسلام بما يسمى اليوم "بالقوة الناعمة " فالنموذج العثماني أغرى الغرب بالإختراق الناعم  ثم الخشن وهذا ما حدث بالفعل طوال القرن التاسع عشر حتى سقطت الخلافة بمطرقة العلمانية الغربية سنة 1925م.

المرحلة الرابعة: بدأت من قلب المرحلة الثالثة حين أرسيت قواعد الدولة الغربية في الاتفاق الوستفالي سنة 1648م وبدأت الدول تحت ضغط الثورة الصناعية وما سمي عصر الانوار، بالتوسع الإستعماري على حساب بقية العالم وخاصة الشرق المسلم الذي قدم نفسه كعدو أول في الحصار العثماني لفينا وأخذ التوسع الإستعماري زخمه آنذاك من الإنتصار على العثمانيين سنة 1680م .  في هذه المرحلة استفادت الدولة الاستعمارية من الجهود التبشيرية واليهودية وقدمت للغرب صورة للشرق تبرر احتلاله والتقليل من شأن حضارته وانجازاته عبر التاريخ. أما الإسلام فكان ولا يزال مستهدفا بوصفه جهاز المناعة الثقافية الذي يمكن الشرق من مقاومة الهيمنة الغربية.

أما المرحلة الخامسة: فهي التي نعيشها منذ العقود الأخيرة للقرن العشرين وهي التي حدث فيها انفجار الثورة المعلوماتية وظهرت فيها الشبكة العنكبوتية وتمت مواكبتها بنظريات العولمة والأمركة. وتشهد هذه المرحلة تحولا جذريا في ماهية ودور الإستشراق، فإذا كان الإستشراق في أوج انتاجه في القرن التاسع عشر قد قدم نفسه كمدرسة علمية تهدف إلى جعل الشرق موضوعا للبحث، فإن الشرق في دراسات الغرب اليوم يبقى موضوعا لإدامة السيطرة حتى ولو على حساب الحقيقة العلمية. إنها دراسات تبتلع فيها الغاية الإعلامية والسياسية والجيو استراتيجية  كل ما ألفناه من مناهج البحث العلمي، لذلك أصبحت الدراسات الغربية سلاح دمار شامل لإنسانية العلاقة بين الأمم عندما تحكمت مراكز التفكير المرتبطة بمراكز القرار بمعظم ما يجب أن تعرفه النخب الغربية عن الشرق. وفيما يهيمن هذا النوع من العدوان المعرفي علينا، أتاحت الثورة المعلوماتية لبعض أصحاب الضمير أن ينفذوا من شبكة الهيمنة المعلوماتية ويتعرفوا على الشرق والإسلام عن طريق الإقتراب الصادق من دولنا وشعوبنا وأمتنا ولكن هيهات أن تصل هذه الأصوات الحية إلى مستوى الإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها آلة انتاج المعلومات التي تخرج الى شبكة المعرفة العالمية كل يوم آلاف الأبحاث الداعمة لتمزيق الشرق وتفتيته وإبقائه إما دون التنمية المعاصرة أو إسقاطه في مهاوي الدول الفاشلة.

في هذا العدد يقدم الدكتور أحمد عبد الحليم عطية تجربة الدكتور عبد الرحمن بدوي في محاكمة نتاج المستشرقين، ويظهر من طيات البحث القيم أن موقف بدوي كان مركبا ومختلفا بحسب مضمون ما يقدمه المستشرق فتارة نجده يمدح ويثني على عمل معين، وتارة أخرى يلجأ إلى النقد القاسي للمستشرق نفسه وذلك كله بحسب الرسالة التي يحملها النص. وفي أواخر حياته سجل الدكتور بدوي مواقف مشرفة دفاعا عن الإسلام والقرآن والرسول الكريم. ربما لأنه كان قد تجاوز حالة الدهشة والإنبهار بل والذوبان في الفضاء الفلسفي الغربي التي ملأت نتاجه العلمي الغزير المتأثر بعمق بفلسفة هايدغر الوجودية.

أثر الإسلام والمتنبي في شعر المستشرق الالماني غوته يعالجه الدكتور عبد الرؤوف خريوش في نص جمالي رائع، ويظهر عمق الأثر عندما يعيد الشاعر الألماني الكبير صياغة الصور الشعرية في المعلقات العربية وشعر المتنبي بلغته الخاصة، ويغرف من معاني القرآن الكريم وآياته مادة للغته الأدبية...يبقى أن نشير إلى أن رمزيات غوته لم تكن دائما على ظاهرها لأنه منذ بدايات حياته كان متاثرا بالمدرسة الغنوصية، مما جعله ينجذب فيما بعد إلى لغة الترميز الموجودة أيضا في شعر حافظ الشيرازي.. ولذلك فإن معنى الحب والمرأة كان يخرج عن المألوف في أشعار الغزل العربية عندما يعيد غوته صياغتها وهذا الجانب يستحق المزيد من الغوص في دلالات الألفاظ عندما يستخدمها الشاعر في قاموسه الشعري الخاص.

حرص الغربيين على طباعة القرآن الكريم ومراحل هذه الطباعة يعرضها الدكتور أنور محمود زناتي في بحث موثق بالصور والملاحظات القيمة. وقد  بدأت محاولات طباعة القرآن الكريم في أوروبا بحسب الباحث  في اواخر القرن الثالث عشر ومرت بمراحل اختلفت فيها جودة الطبعات ونوع الخط، وكانت البندقية رائدة محاولات الطباعة بخطوط مختلفة وصولا إلى الطبعة الكاملة بالحروف العربية في هامبورغ والتي قام بها القس الألماني إبراهام هنكلمان سنة 1695م. وقد رافقت هذه الطبعات هواجس تبشيرية تمزج بين الرغبة في المعرفة والخوف من الأثر ومحاولات تشويه المعاني والدلالات بوضع حواشي تنسب إلى القرآن الكريم ما ليس فيه.

الباحثان الأستاذ رضا ياري نيا والسيد مصطفى المطهري يتتبعان الكتابات الغربية عن السيدة فاطمة الزهراء  ابتداء من سنة 1912م، في بحث توثيقي يفهرس الكتب والأبحاث، وتحسن الإشارة هنا إلى أن  بعض هذه الكتب والأبحاث لم تكن تهدف إلى معرفة عظمة السيدة الزهراء  بقدر ما كانت تريد أن تؤسس لمقاربات تنزع عن شخص سيدة نساء العالمين ما تتمتع به من قداسة وحب في قلوب المؤمنين، وخصوصا ما كتبه المبشر المسيحي هنري لامانس. نذكر ذلك للتوضيح ان الإشارة إلى الكتاب والبحث  لا تعني بالطبع نحوا من الموافقة على محتواه، ففي مطلق الأحوال أغلب المقاربات الإستشراقية حتى تلك الموضوعية منها تبقى عاجزة عن إيفاء سيدة نساء العالمين حقها فضلا عن اكتشاف حقيقة دورها في حفظ الرسالة نقية من أيدي العابثين.

وفي الختام يستعرض  الأستاذ الدكتور حامد ناصر الظالمي أربع دراسات استشراقية يجمع بينها الإعجاب بالصوت اللغوي العربي، مبينا أهمية بدايات التأسيس لعلم الصوت اللغوي عند الهنود والعرب، ثم التطوير الذي أحدثته الدراسات الإستشراقية في هذا المجال.

 مدير التحرير