البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القرآن الكريم في الدّراسات الاستشراقيّة المعاصرة (موسوعة ليدن القرآنيّة في ضوء تحليل المضمون)

الباحث :  جميل حمداوي
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  45
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 2 / 2026
عدد زيارات البحث :  57
تحميل  ( 687.846 KB )
جميل حمداوي[1][*]

الملخّص

لقد آثرنا البحث في موضوع (القرآن الكريم في الدّراسات الاستشراقيّة المعاصرة/ موسوعة ليدن القرآنيّة في ضوء تحليل المضمون). ومن ثمّ، تهدف دراستي إلى التعريف بموسوعة ليدن أو دائرة ليدن القرآنية، ثمّ تبيان المواضيع التي تناولتها هذه الموسوعة الاستشراقيّة، بجرد مختَلَف موضوعات الموسوعة، بتوصيفها، وتصنيفها، وتحليلها، وتقويمها.

كما اهتمّ هذا الموضوع بنقد تفاسير المستشرقين للقرآن الكريم، كما ورد ذلك في موسوعة القرآن بليدن، وذلك باستكشاف مجمل الآليّات التحليليّة والتأويليّة، واستكشاف مختلف المقاربات المنهجيّة الاستشراقيّة التي استند إليها الدّارسون الغربيّون في تفسيرهم للقرآن الكريم ودراسته، مبيّنًا الدّراسات المنصفة والدّراسات المغرضة منها، بالتّوقّف عند مجموعةٍ من المحاور القرآنيّة التي تثير الجدل والنّقاش والنّظر. وقد ارتأينا أن نوظّف تحليل المضمون لتقويض ما ذهب إليه كتّاب الموسوعة القرآنيّة من آراء وافتراضاتٍ واحتمالاتٍ، بمحاججتهم ومقارعتهم بالأدلّة والبراهين المقنعة.

كلمات مفتاحية: القرآن الكريم، موسوعة ليدن، تحليل المضمون، المنهجيّة الاستشراقيّة، ترجمة القرآن، تفسير القرآن.

الفرضيّة والمنهج

تنطلق دراستي البحثيّة والنّقديّة من فرضيّةٍ رئيسةٍ ألا وهي أنّ موسوعة ليدن للقرآن قد تضمّنت دراساتٍ وأبحاثًا علميّةً وأكاديميّةً موضوعيّةً ومنصفةً، حرّرها مستشرقون وعلماء ودارسون غربيّون من جامعاتٍ متنوّعةٍ من جهة، وأساتذة وباحثون مسلمون من جهةٍ أخرى. بيد أنّ هذه الموسوعة القرآنيّة قد توفّرت، في الوقت نفسه، على مجموعةٍ من الأبحاث غير الموضوعيّة التي تثير الجدال والخلاف، وتُسهم في تشكيك القرّاء والباحثين والمنقّبين في مواضيع الموسوعة؛ بسبب ما تحتوي عليها من شبهاتٍ مغرضةٍ ومضلِّلةٍ.

ومن هنا، يتمثّل هدفي في نقد موسوعة ليدن للقرآن، بالتّوقّف عند ما هو علميٌّ في هذه الموسوعة، وما هو مشكّكٌ ومضلّلٌ ومغرضٌ فيها، على أساس أنّ موسوعة ليدن للقرآن قد جمعت العديد من الحقائق والبيانات والمعطيات والمعلومات البحثيّة حول القرآن وعلومه ومباحثه، تحتاج إلى توصيفٍ علميٍّ، وتحليلٍ نصيٍّ، وجرد الموضوعات، وتصنيف موادّها، وتقويمها وفق منهجٍ نقديٍّ أكاديميٍّ وموضوعيٍّ.

ومن ناحيةٍ أخرى، فقد استعنّا بمنهجيّة تحليل المضمون (Content analysis) باعتبارها تقنيةً وصفيّةً في دراسة الوثائق والإرساليّات الدّينيّة والإعلاميّة والخطابات المختلفة بغية فهمها وتفسيرها في ضوء المعالجة الإحصائيّة.

بمعنى أنّ تحليل المضمون أسلوبٌ كيفيٌّ وكميٌّ، يُستخدم في تحليل مضامين المواد الشّفويّة والمكتوبة والمصوّرة؛ باستكشاف محتوياتها ومعطياتها وبياناتها، وجردها في مؤشّرات دلاليّةٍ وسيميائيّةٍ، وتجميعها في تيماتٍ معيّنةٍ، بتصنيفها في فئاتٍ جامعةٍ وموحّدةٍ ومشتركةٍ. ثمّ، معالجة المضامين الدّلاليّة نوعًا وقياسًا لتعْقُبها مرحلة الفهم والتفسير، فاستخلاص النتائج التي تثبت الفرضيّة أو تفنّدها، ثمّ تحديد مختلف الاقتراحات والتوصيات للعمل بها آنيًّا ومستقبليًّا، تنظيرًا، تطبيقًا.

وإذا كان تحليل المضمون قد استخدم منهجيّةً أو تقنيّةً أو أسلوبًا في تحليل المواد والأخبار والإرساليات في علوم الإعلام والدّعاية والإشهار، وكذلك في العلوم القانونيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والنّفسيّة؛ فقد استُعمل هذا المنهج، بشكلٍ أو بآخر، في مجال اللّاهوت والدّين وتأويل الخطابات الدّينيّة والعقديّة واللّاهوتّية تفكيكًا وتركيبًا من أجل معرفة التيمات والمضامين، والمواضيع والخطابات، والقيم والمواقف، والرّغبات والميول، والسّلوكيات والتّصرّفات، والتّوجّهات التي تتضمّنها الكتب السّماويّة، وتأويل خطاباتها الظّاهرة والمضمرة، وتبيان مواقف هذه الكتب من مجموعة من المواقف والقضايا الإنسانيّة والمجتمعيّة.

لذا، سنشتغل في بحثنا هذا على موسوعة ليدن (Leiden) للقرآن، أو دائرة معارف ليدن القرآنيّة، بالتّوقّف أوّلًا عند مفهوم الموسوعة، وتعريف موسوعة ليدن للقرآن، وذكر المواضيع التي تناولتها تلك الموسوعة، بجردها، وتصنيفها، وتحليلها، وتقويمها. ثمّ، تبيان ما هو علميٌّ موضوعيٌّ في تلك الموسوعة، وما هو مشكّكٌ ومضلِّلٌ ومغرِضٌ فيها. دون أن ننسى التّوقّف عند موضوع تفسير القرآن من خلال مقدّمة الموسوعة، وما يتضمّن ذلك التفسير التّحليليّ من شبهاتٍ جليّةٍ وواضحةٍ.

أوّلًا: التّعريف بموسوعة ليدن القرآنيّة

لقد ظهرت موسوعة ليدن، أو دائرة معارف ليدن القرآنية، عام 1993م. وتتضمّن الموسوعة مقدّمة، ثمّ قائمة بالموضوعات الرئيسة التي حرّرها مجموعة من الكتّاب والباحثين والدّارسين من مختلف أنحاء العالم، وأغلبهم أكاديميون وأساتذة في الجامعات الغربيّة. وقد تكلّف بمقدّمة الموسوعة جان دامين أولايف (Jane Dammen McAuliffe)، وتتضمّن المقدّمة نظرةً عامّةً عن تفسير القرآن، وظهور العلوم الإسلاميّة...، وهذا يعني أنّ موسوعة ليدن موسوعةٌ قرآنيّةٌ وإسلاميّةٌ شاملةٌ، تجمع دراساتٍ متنوّعةً ومختلفةً لمستشرقين وباحثين مسلمين من جامعاتٍ غربيّةٍ متنوّعةٍ ومتباينةٍ، تتأرجح بين ما هو نظريٌّ وتطبيقيٌّ، وقد تناولت مختلف المواضيع القرآنيّة وفق منهجيّةٍ علميّةٍ موضوعيّةٍ توفّرت فيها صفتان رئيستان، هما: الأكاديميّة من جهة، والرّصانة العلميّة من جهةٍ أخرى. كما تضمّنت الموسوعة معلوماتٍ وافرةً ومستفيضةً حول المفسّرين والعلماء المسلمين في متن الدّراسة وهوامشها الإحاليّة على حدٍّ سواء.

ثانيًا: منهجيّة تحليل المضمون

يُقصد بتحليل المضمون (L’analyse de contenu)، أو التحليل الكيفيّ (Recherches qualitatives -Qualitative research)، القيام بدراسةٍ موضوعاتيّةٍ كيفيّةٍ وكمّيّةٍ للمحتويات أو المضامين، بتصنيف الدّلالات الموضوعاتيّة ضمن فئاتٍ رئيسةٍ أو فرعيّةٍ، أو ضمن مقولاتٍ تصنيفيّةٍ، وتجميعها تحت تيمةٍ أو فكرةٍ معيّنةٍ.

وهناك من يعرّف تحليل المضمون بأنّه منهجٌ يُتيح «بصفةٍ عامّةٍ تحليل سلوك الأفراد والشّخصيات، ومواقفهم من خلال المواد التي يكتبونها أو يقولونها. كما يتيح دراسة موقف الهيئات والمؤسّسات وسلوكها، كتحليل توجّهات ومواقف حزبٍ سياسيٍّ -مثلًا- من خلال افتتاحيّة الجريدة التّابعة له»[2].

وهكذا، يعدّ تحليل المضمون أداةً وصفيّةً لدراسة محتويات الإرساليّات والخطابات والنّصوص والملفوظات الشّفويّة والمكتوبة، إمّا بطريقةٍ كيفيّةٍ، وإمّا بطريقةٍ كمّيّةٍ رمزيّةٍ. بمعنى أنّ تحليل المضمون يهدف إلى اختيار عيّناته من المحتويات الدّلاليّة الإعلاميّة أو الدّينيّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة أو القانونيّة أو الأدبيّة أو التربويّة، بغية توصيفها وتصنيفها إلى تيماتٍ رئيسةٍ، وتفريعها إلى فئاتٍ أساسيّةٍ وثانويّةٍ. ومن ثمّ، يأتي دور المعالجة الإحصائيّة، باستخدام القياس والترميز الرياضيّ، وتحليل المعطيات المضمونيّة دلالةً، وشكلًا، ومقصديّةً. ثمّ استخلاص النّتائج وتأويلها، ثمّ تقديم التّوصيات والاقتراحات.

ومن جهةٍ أخرى، هناك من يُعرّف تحليل المضمون بأنّه دراسةٌ إحصائيّةٌ وكميّةٌ ورمزيّةٌ للمعاني والمضامين التي تتضمّنها المادّة الأساسيّة. ويمكن القول: إنّ تحليل المضمون هو تصنيف المحتويات والمواد الدّلاليّة ضمن فئاتٍ وتيماتٍ مقولاتيّةٍ، بل إنّه بمثابة تحليلٍ علميٍّ دقيقٍ وممنهجٍ للمادّة المضمونيّة في مختلف الحقول، والمعارف، والعلوم. وقد ارتبط تحليل المضمون في البداية بعلوم الدّين، والإعلام، والسّياسة، والإشهار.

ويمكن القول أيضًا: إنّ تحليل المضمون هو الذي يهتمّ بدراسة الرّسائل الإعلاميّة والخطابات الاجتماعيّة، وتحويلها إلى فئاتٍ وعيّناتٍ قابلة للتلخيص، والمقارنة، والتحليل، والمعالجة، والاستنتاج، والتأويل. علاوة على استخلاص العلاقات الارتباطيّة بين الخصائص المعبّر عنها في أيّ مادةٍ اتّصاليّةٍ.

ويعمل تحليل المضمون على استكشاف المميّزات التي تتميّز بها الخطابات الدّينيّة واللّاهوتيّة، بتبيان خصائصها الموضوعيّة، والشّكليّة، والسّياقيّة. ويضاف إلى هذا أنّ تحليل المضمون يدرس الإرساليّات الدّينيّة والإعلاميّة في سياقها الزّماني والمكاني. ومن ثمّ، فتحليل المضمون هو وصفٌ علميٌّ لما يُقال في موضوعٍ معيّنٍ، وفي زمان ومكان معيّنين. أي: تسعى هذه الأداة والتقنيّة إلى وصف المحتوى الظّاهري للإرساليّة، باستكشاف مضمرها النّصّي والسّياقي. كما أنّها أداةٌ ناجعةٌ وصالحةٌ للملاحظة غير المباشرة، والوصف، والتحليل، والفهم، والتفسير، والترميز، والتأويل. علاوة على ذلك، يعمل تحليل المضمون على تحويل المادّة الدّينيّة أو غيرها من المواد إلى مفهومٍ كميٍّ بغية فهمها، وتفسيرها، وتأويلها.

يرتكز تحليل المضمون، باعتباره أداةً عمليّةً، ومنهجًا تحليليًّا، وتقنيةً وصفيّةً، على مجموعةٍ من المقوّمات والمرتكزات الإجرائيّة التي تتمثّل في ما يلي:

يعتمد تحليل المضمون على دراسة المحتويات الدّلاليّة للخطابات الشّفويّة أو المكتوبة.

جرد الملفوظات المراد دراستها، بتبيان تيماتها الموضوعاتيّة، وتصنيفها في فئاتٍ مقولاتيّةٍ جامعةٍ.

التركيز على تكرار الكلمات أو الجمل أو المعاني أو الرموز التي يتضمّنها النّصّ أو الرّسالة الاتّصاليّة.

رصد الجوانب الموضوعاتيّة والشّكليّة والوظيفيّة.

يرتبط تحليل المضمون بشكلٍ من الأشكال بالرّسالة الإعلاميّة أو الاتّصاليّة.

يجمع تحليل المضمون في دراسته للرّسائل الاتّصاليّة والإعلاميّة والخطابيّة بين التحليلين: الكيفيّ والكميّ.

ينكبّ تحليل المضمون على استقراء المحتوى ظاهرًا في بعده الاتّصالي، ثمّ يحلّل باطنه ومضمره لاكتشاف المعاني الثّانويّة؛ برصد المقاصد المباشرة وغير المباشرة.

ربط مضمون الرّسالة بآثارها السّياقيّة، وبكاتبها، وبظروفها الخاصّة والعامّة.

وعليه، إذا كان المنهج التجريبيّ يعتمد على الملاحظة المباشرة في التعامل مع المعطى الميداني، فإنّ تحليل المضمون يستند إلى الملاحظة غير المباشرة؛ لأنّه يعتمد على الوثائق والإرساليّات. كما أنّه يُعنى بالتحليل الكمّيّ (ترميز الفئات والمحتويات، وترقيم التيمات)، والتحليل الكيفيّ (رصد الصفات الحاضرة والغائبة). ويهتمّ أيضًا باستكشاف المحتوى الظاهريّ والضّمنيّ للإرساليّة.

ومن ثمّ، يسعف تحليل المضمون، سواء أكان كميًّا أم كيفيًّا، في دراسة خطابات الأفراد أو الجماعات، رسميّة أكانت أم غير رسميّة. ويسمح هذا المنهج كذلك بدراسة التّطوّرات والتّغيّرات للفرد نفسه أو للمجموعة نفسها. وهكذا، يقوم تحليل المضمون على وضع الفرضيات، واختيار العيّنة الملائمة للبحث، وتفريع المحتويات إلى فئاتٍ وتيماتٍ أساسيّةٍ وفرعيّةٍ، وإبراز المؤشّرات المضمونيّة، وتجريد وحدات القياس، واستثمار الإحصاء، وتمثّل اختبار الصدق والثّبات.

وقد ارتبط تحليل المضمون -تاريخيًّا وزمنيًّا- بظهور الإنسان بصفةٍ عامّةٍ[3]، واقترن أيضًا بالتّواصل البشريّ بصفةٍ خاصّةٍ. بيد أنّ تحليل المضمون لم يتبلور إجرائيًّا إلا مع علم التفسير والشّرح، ولا سيما تفسير الكتب السّماوية وتأويلها، وتحليل النّصوص والخطابات فهمًا وتفسيرًا، وتوثيقها في ضوء معايير ومحكماتٍ ومؤشّراتٍ نقديّةٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ. ونعلم جيّدًا أنّ علماء الحديث في الثّقافة العربية كانوا يدرسون الحديث في ضوء منهج الجرح والتعديل، بنقد السّند والمتن معًا، استعدادًا لتفسيره وشرحه وتأويله، واستخراج منطوقه ومفهومه، بغية العمل بالحديث الشّريف، وتمثّل دلالاته وتوجيهاته ونصائحه.

كما اهتمّ علماء القرآن بدراسة مضامين القرآن، واستكشاف مواضيعه وقضاياه ومباحثه على حدّ سواء. ومن ثمّ، يمكن القول: لقد اهتمّت الثّقافة العربيّة كثيرًا بتحليل المضمون، كما يتجلّى ذلك واضحًا في تفاسير النّصوص والدّواوين الشّعريّة، وتفسير القرآن الكريم، واستنطاق الخطابات الفلسفيّة والعرفانيّة والكلاميّة. وقد اهتمّ العرب كثيرًا بعلوم الآلة من أجل توظيفها في تحليل المضامين، وتسخيرها في تأويل المحتويات، واستنطاق بيانات الوثائق ومعطياتها ظاهرًا وباطنًا.

 وقد عملت الثّقافة الغربيّة، بدورها، على استكشاف مضامين الكتب السماويّة، ولاسيّما التوراة والإنجيل، بتحليل دلالات النّصوص والخطابات المختلفة والمتنوّعة، سواء أكان ذلك التّعامل مع المضامين ذاتيًّا أم موضوعيًّا. وفي القرن التّاسع عشر، «وبالضّبط سنة 1888م بفرنسا، قام أحد الأساتذة الجامعيين بجامعة رين (Rennes) بفرنسا، وهو بنيامين بودون (Benyamin Boudon) باتّباع تحليل مضمون محتوى الإنجيل، وفي سبيل ذلك، اختار سورةً تمثّلت في سورة (الهجرة)، وشكّلت بذلك عيّنةً لتحليل المضمون. وبعد ذلك، حاول إعادة إنتاج النّصّ وفق أسلوبٍ تليغرافيٍّ، ولم يحافظ سوى على الكلمات الأساسيّة، والحاملة لمغزى. ثمّ بعد تصنيفٍ وفق تيماتٍ؛ نلاحظ بشكلٍ واضحٍ بروز طريقةٍ لتحليل المضمون، التي رغب فيها الباحث أن تكون علميّةً وموضوعيّةً»[4].

وبعد ذلك، ارتبط تحليل المضمون بالإعلام الاتّصالي، وكان ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945م، ثم انتقل إلى مجال الدّراسات الاجتماعيّة والنّفسيّة، بدراسة الآراء والمواقف والسلوكات. وقد تبلور تحليل المضمون فعليًّا مع لاسويل (Lasswell) وهارولد دويت (Harold Dwight) في أثناء دراستهما للإعلام الصّحفي في بدايات القرن العشرين. ويعني هذا كلّه أنّ تحليل المضمون قد اقترن بتطوّر منظومة الاتّصال الإعلاميّ، فقد «كان للتطوّر الذي عرفته وسائل الإعلام والاتّصال منذ منتصف القرن الماضي، الدّور الأبرز في ظهور تحليل المضمون لإجراء البحوث الاجتماعيّة، بالاعتماد على المضامين المختلفة، لما ينقل عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمرئيّة والمسموعة، من موادّ مختلفةٍ ومتنوّعة المجالات»[5].

وعلى أيّ حالٍ، فقد طبّقت منهجيّة تحليل المضمون في دراسة النّصوص الدّينيّة والكتب السّماويّة، باستجلاء مضامينها ظاهرًا وباطنًا، في معظم الجامعات الغربية، فقد كان التركيز على الإنجيل، والتوراة، والقرآن الكريم. وقد طبّقت مناهج نصيّة ونقديّة متنوّعة كالأنثروبولوجيا، والبنيويّة، والسيميوطيقا، والهيرمينوطيقا، وتحليل المضمون... بغية تقديم دراساتٍ وأبحاث علميّة أكاديميّة دقيقة حول الظّاهرة الدّينيّة في مختلف الميادين والمجالات.

وعلى العموم، فقد اهتمّ تحليل المضمون بترجمة القرآن دلالةً ومعنًى من جهة، كما اعتنى بدراسة قضايا القرآن ومعارفه من جهةٍ أخرى.

الفرع الأوّل: ترجمة القرآن الكريم

  لقد انكبّ المستشرقون الغربيون كثيرًا على تقويم القرآن الكريم، من حيث تاريخه، وترجمته، وبنيته، ومضامينه، وأسلوبه، ولغته، واتّساقه، وانسجامه، وترتيب سوره، وتبيان مختلف تقنيات قراءة القرآن وتفسيره وتأويله، واختلفوا في ذلك بين باحثٍ مدافعٍ موضوعيّ، وباحثٍ جاحدٍ منكرٍ يخدم الأغراض الدّينيّة، والتّبشيريّة، والاستعماريّة. ومن هنا، فما خلّفه المستشرقون من ترجماتٍ قرآنيّةٍ هي، في الحقيقة، عبارة عن تفسيراتٍ وتأويلاتٍ وشروحٍ لمعاني القرآن الكريم، وليست ترجماتٍ حقيقيّةً لهذا الكتاب؛ لأنّه من الصّعب الحديث عن ترجمةٍ مثاليّةٍ أمينةٍ وصادقةٍ للقرآن الكريم.

 أضف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم كتابٌ معجزٌ بلفظه ومعناه ومقاصده التشريعيّة؛ لذا يستحيل ترجمة القرآن الكريم وفق المعنى دون اللّفظ؛ لأنّ الإعجاز البيانيّ القرآنيّ يكمن في حرفه وصوته، ومقطعه وكلمته، ونظمه وتركيبه، وإيقاعه وتنغيمه، ومقاصده ومعانيه؛ لذا تبقى ترجمات المستشرقين نسبيّةً وناقصةً وعاجزةً عن المماثلة الكليّة للنّصّ الأصلي؛ لذا من الصّعب بمكان الحديث عن ترجماتٍ وفيّةٍ وأمينةٍ ومماثلةٍ للنّصّ المقدّس، بقدر ما يمكن الحديث عن تفسيراتٍ وتأويلاتٍ وشروحٍ مبتسرةٍ، خضعت لمقصّ التّصرّف، والحذف، والنّقص، والزّيادة، والتّغيير، والتّلخيص، والتّحشية، والتّقديم، والتّعليق.

 ومن ثمّ، يمكن الحديث عن تفسيراتٍ معنويّةٍ شائبةٍ ومغرِضةٍ ومضلِّلةٍ. بيد أنّ هناك تفسيراتٍ معنويّةً موضوعيّةً لبعض المستشرقين الذين ترجموا القرآن الكريم إلى لغاتٍ أجنبيّةٍ معيّنةٍ، ولكن تبقى تلك الترجمات غير كافيةٍ للإحاطة ببلاغة القرآن الكريم ونظمه، والتعبير عن جماليّاته الفنّيّة والبيانيّة من خلال التأثير في المتلقّي بغية إثارته، وإبهاره، وإدهاشه.

إذًا، يشكّل القرآن الكريم، بالنّسبة للمسلمين، عماد الدين، ومنبع القيم والأخلاق، وأساس التّشريع، والمصدر الأوّل الذي نرجع إليه من أجل استنباط الأحكام الأصليّة والفرعيّة، وهو دستور المسلمين في الدنيا والآخرة. وقد وصل إلينا محفوظًا متواترًا بقراءاته السّبع أو العشر مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)[6].

وتتمثّل وظيفة القرآن الكريم في هداية النّاس كافّة، وتبيان شريعة الله، وإخراج الناس من الوثنيّة والضّلال إلى الإيمان والتّوحيد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89).

ويتميّز القرآن الكريم بأنّه كتابٌ متّسقٌ ومنسجمٌ لا تجد فيه اختلافًا أو تناقضًا أو كلامًا باطلًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى أيضًا: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42).

يعدّ القرآن الكريم كتابًا مقدّسًا طاهرًا معصومًا من الشّوائب، وخاليًا من الأخطاء مهما كان نوعها، وينعدم فيه التناقض والاختلاف والاضطراب المنطقيّ، وهو كتابٌ محكَمٌ وفق منهجٍ ربّانيٍّ أصيل. فضلًا عن كونه كتابًا معجزًا بنظمه، وبلاغته، وسياقه، وتشريعه، وعالميّته، وأخلاقيّاته الرفيعة...

ويمثّل القرآن الكريم حداثةً حقيقيّةً بقيمه النبيلة، ومثله العليا، وفضائله السامية. وقد جاء هذا الكتاب ليُخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، ويخلّصهم من الوثنيّة والجهل والعصبيّة نحو الهداية، والنّور، والتّسامح. ومن ثمّ، يتضمّن الوحي الإسلاميّ، في طيّاته، مبادئ كونيّة وعلميّة ومعرفيّة وأخلاقيّة، ويحوي أسس الحداثة الدّينيّة والأخلاقيّة والعلميّة والمعرفيّة، ويحثّ على استخدام العقل لاستكشاف الطبيعة فهمًا وتفسيرًا وتنبّؤًا، ويسمو بالإنسان ويكرمه، ويدعو إلى المساواة والعدالة والحريّة، ويحثّ على العمل والكسب الشريف، ويحرّم الرّبا والموبقات والمفاسد. كما يحثّ على التّعاون والتّضامن والتّآزر بين أفراد المجتمع الإنساني. ويدعو كذلك إلى التّفاهم والتّسامح والتّعايش، وينبذ الفرقة والحروب والعداوة.

وعليه، وبما أنّ القرآن الكريم هو كتابُ إيمانٍ وهدايةٍ وعلمٍ وثقافةٍ وتشريعٍ، فقد اعتنى العلماء المسلمون بشرحه وتفسيره وتأويله وفق أسباب النّزول من جهة، ووفق مقاصد الشّريعة الإسلاميّة من جهةٍ أخرى. كما انكبّ العلماء المسلمون على دراسة هذه اللغة نحوًا، وصرفًا، وفقهًا، ولسانًا، وإعرابًا، ومعجمًا، وتصويتًا، وبلاغةً، وتداولًا. وقد ارتأوا أنّ فهم اللغة العربيّة هو الذي سيساعدهم على فهم القرآن وتفسيره وتأويله وترجمته إلى الآخرين، بتوضيح معاني الكتاب، وتبيان محتوياته، واستجلاء مقاصده القريبة والبعيدة، واستكشاف بناه التشريعيّة والدّينيّة والعلميّة والثّقافيّة؛ لذا كانت علوم الآلة وعلوم العربيّة في خدمة تفسير القرآن وتأويله.

ومن جهةٍ أخرى، فقد سارع المستشرقون الغربيون إلى ترجمة معاني القرآن الكريم للتعرّف إلى هذا الكتاب، وفهم شرائعه وقوانينه، واستكشاف عظمة الدّين الإسلاميّ بعد انتشاره في الأندلس بصفةٍ خاصةٍ، وقد تأرجحت ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم بين أعمالٍ مشوّهةٍ وضيعةٍ ومغرضةٍ بنوايا دينيّة صليبيّة من جهة، وأعمالٍ تفسيريّةٍ وتأويليّةٍ تبحث عن الحقيقة العلميّة من جهةٍ أخرى.

ومن هنا، فقد كانت ترجمة القرآن عند المستشرقين الغربيين بصفةٍ عامّةٍ، ومحرّري موسوعة ليدن القرآنيّة بصفةٍ خاصّةٍ، بغرض التّشكيك والمسّ بالإسلام والمسلمين، والطّعن في القرآن الكريم. ومن ثمّ، فهي ترجمةٌ مضلّلةٌ ومنحرفةٌ ومبتدعةٌ تخرج عن ضوابط المنهج العلميّ الصّحيح. وبالتالي، فقد كان المستشرق خاضعًا لتعاليم الكنيسة واللّاهوت والاستعمار والتّبشير على حدّ سواء.

وينطبق هذا الحكم على التّرجمات اللّاتينيّة الأولى للقرآن الكريم التي كانت بطلب الفاتيكان، وكانت ترجماتٍ مدسوسةً ومبيّتةً ومسمومةً بالنّوايا السّيّئة؛ حيث تنسب القرآن إلى محمد، وتعتبر القرآن مجرّد كتابٍ بشريٍّ ينسخ ما يوجد في التّوراة والإنجيل لوجود مضامين ومحتويات متشابهةٍ. وبالتّالي، فالقرآن يعوق التّقدّم والازدهار، وأنّه لا يعرف شيئًا عن المسيحيّة، وما كُتب في القرآن عن المسيح هو منقولٌ عن الرّاهب النّصراني المرتد بحيرا الذي لقي الرسول بالشام.

أمّا القصص التي تضمّنها القرآن، فهي منقولةٌ عن الأحبار اليهود بالمدينة؛ لذا تتّسم هذه الترجمات الاستشراقيّة اللّاتينيّة للقرآن الكريم بكونها ترجمات مضلِّلة ومغرضة تصدر عن نفوسٍ حاقدةٍ عدوانيّةٍ وكارهةٍ للقرآن والنّبيّ محمد؛ بسبب ما حقّقه الإسلام من منجزاتٍ وتقدّمٍ وازدهارٍ شرقًا وغربًا، وأيضًا بسبب انتشاره بسرعة، ومنافسته الشديدة للمسيحيّة التي بدأت تتراجع بشكلٍ تدريجيٍّ.

وتمتاز هذه التّرجمة الاستشراقيّة الحقودة لمعاني القرآن الكريم بتكريس النّزعة الاستعماريّة، ومعاداة العقليّة السّاميَّة، والغضّ من قيمتها على المستوى المعرفيّ والعلميّ، وترجيح كفّة العقليّة الآريّة. ويتجلّى هذا واضحًا في عدم اعتراف بعض المستشرقين بالفلسفة الإسلاميّة، والانتقاص من علم الكلام والتّصوّف الإسلاميّ، على أساس أنّ العقليّة الساميّة غير قادرةٍ على التجريد والتركيب، وبناء الأنساق الفلسفيّة الكبرى وجودًا، ومعرفةً، وأخلاقًا، كما يذهب إلى ذلك المستشرق الألماني رينان.

 ومن جهةٍ أخرى، فقد تمسّك المستشرقون الغربيون، منذ القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بالدّفاع عن المركزيّة الأوروبيّة، باعتبارها نموذجًا للمعرفة، والعلم، والحقيقة. وقد انطلق هؤلاء الدّارسون من مناهج فيلولوجيّة، أو تاريخيّة، أو ذاتيّة. ويعني هذا أنّ المستشرق، صاحب المنهج التاريخي، حسب محمد عابد الجابري، «يفكّر شموليًّا في الفلسفة الإسلاميّة، لا بوصفها جزءًا من كيانٍ ثقافيٍّ عام، هو الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، بل بوصفها امتدادًا منحرفًا أو مشوّهًا للفلسفة اليونانيّة. وبالمثل، يفكّر في النحو العربي ومدارسه، يوجّهه هاجس ربطها بمدارس النحو اليونانيّة في الإسكندريّة أو برغام وبيان تأثّرها بالمنطق الأرسطي، كما لا يتردّد في ربط الفقه الإسلامي، بنوعًا من الرّبط، بالقانون الرّوماني وما خلّفه في المنطقة العربيّة من آثارٍ وأعراف»[7].

كما تعكس دراسات الباحثين العرب ذات الطابع الاستشراقي مدى التّبعيّة الثّقافيّة والفكريّة للغرب أيضًا. ومن ثمّ، تعتمد هذه الصّورة على الفهم الخارجي لمفهوم التّراث بصفةٍ عامّةٍ. وفي هذا الصدد، يقول محمّد عابد الجابري: «فالصورة العصريّة الاستشراقويّة الرّائجة في السّاحة الفكريّة العربيّة الرّاهنة عن التّراث العربي الإسلامي، سواء منها ما كُتب بأقلام المستشرقين أو ما صنّف بأقلام من سار على نهجهم من الباحثين والكتّاب العرب، صورة تابعة. إنّها تعكس مظهرًا من مظاهر التّبعيّة الثّقافيّة، على الأقل على صعيد المنهج والرؤية»[8].

أمّا المستشرق الفيلولوجي الغربي، فيبحث عن جذور جينيالوجيّة (البحث عن الأصول) للثّقافة العربيّة الإسلاميّة، فيعيدها إلى مصادر يونانيّة أو هندوأوروبيّة. ويعني هذا أنّ «المستشرق المغرم بالتحليل الفيلولوجي، فهو عندما يتّجه إلى الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، بنظرته التجزيئيّة، لا يعمل على ردّ فروعها وعناصرها إلى جذورٍ وأصولٍ تقع داخلها، أو على الأقل مقروءة بتوجيهٍ من همومها الخاصّة، بل هو يجتهد كلّ الاجتهاد في ردّ تلك الفروع والعناصر إلى أصولٍ يونانيّةٍ، أو عندما تعوزه الحجّة إلى أصولٍ هندوأوروبيّة، الشيء الذي يعني المساهمة، ولو بطريقةٍ غير مباشرة، في العمليّة نفسها، عمليّة خدمة «النهر الخالد»، نهر الفكر الأوروبي الذي نبع أوّل مرّة من بلاد اليونان»[9].

أمّا المستشرق الذي يستخدم المنهج الذاتوي في دراساته وأبحاثه، فيميل إلى شخصيّاتٍ معيّنةٍ، فيتعاطف معها دفاعًا ومناصرةً ومؤازرةً، من دون أن يُدلي في ذلك بحججٍ موضوعيّةٍ ترجّح وجهة نظره الصائبة، وتقنعنا بأطروحته الفكريّة، أو تصوّراته الحجاجيّة. وفي هذا السّياق، يقول محمد عابد الجابري: «أمّا المستشرق صاحب المنهج الذاتوي فإنّه، على الرّغم من تعاطفه مع بعض الشّخصيات الإسلاميّة، كتعاطف ماسينيون مع الحلّاج، أو هنري كوربان مع السّهروردي، فإنّه يبقى مع ذلك موجّهًا من داخل إطاره المرجعي الأصلي، إطار المركزيّة الأوروبيّة، مشدودًا إليه، غير قادر ولا راغب في الخروج عنه، أو القطيعة معه. إنّه يتمرّد على حاضره الأوروبي، يتمسّك بماضيه، فيعيشه رومانسيًّا عبر تجربة هذه الشّخصيّة أو تلك من الشّخصيات الرّوحانيّة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. وقد يذهب إلى أبعد من هذا فيطالب، من خلال تلك التجربة، استعادة روحانيّة الغرب مما لدى الشّرق»[10].

ويعني هذا أنّ المستشرق الغربي عندما يطبّق المنهج الذّاتوي في ترجمته لمعاني القرآن الكريم، أو في أثناء تعامله مع التّراث العربي الإسلامي، فإنّه ينطلق من رؤيةٍ لاهوتيّةٍ مسيحيّةٍ محرّفةٍ، أو من رؤيةٍ رومانسيّةٍ ساذجةٍ ومثاليّةٍ قائمة على الانبهار بسحر الشّرق، والاندهاش بعجائبه الخارقة، كما تتعشعش في مخيّلته الإثنوغرافيّة أو الفانتاستيكيّة سواء تعجيبًا أو تغريبًا.

وهكذا، نجد المستشرق الإنجليزي جورج سيل (George Sale) الذي ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية يقول: «أما محمد، فقد كان في الحقيقة مؤلِّف القرآن والمخترع الرئيس له أمر لا يقبل الجدل»[11].

إذًا، ينطلق هذا المستشرق من نزعةٍ دينيّةٍ عرقيّةٍ وصليبيّةٍ ولاهوتيّةٍ لتشويه الإسلام والمسلمين، بالطّعن في القرآن الكريم، ونسبة القرآن إلى محمّد، على أساس أنّه كتابٌ بشريّ، وليس كتابًا مُنزلًا.

ويرى ريجيس بلاشير (R.Blachère)، في مقدّمة كتابه عن القرآن، أنّ الترجمة كانت بدافع الحقد الصليبيّ: «من المرجّح أنّ بطرس الموقر -الذي رحل إلى إسبانيا بين 1141 و1143م- هو الذي فكّر بتأثيرٍ من روما ومن البابا في ترجمة القرآن إلى اللّاتينيّة، فأوعز بذلك إلى روبيرد ريتين (R. de Tetines) الذي تولّى عمل الترجمة بمساعدة بعض الرّهبان، وقد جاءت هذه البادرة بدافع من روحٍ صليبيّةٍ تدلّ على ذلك رسالة بطرس الموقّر الموجّهة إلى (القديس برنار) مع نسخة من الترجمة المنجزة كما كان الدّاعي إلى هذا العمل الحاجة إلى محو أثر الإيمان من نفوس معتنقي الإيمان»[12].

ويعني هذا أنّ الترجمة اللّاتينيّة لمعاني القرآن الكريم كانت بدافعٍ لاهوتيٍّ كنسيٍّ من أجل تفريق المسلمين، والطّعن في دينهم وعقيدتهم وكتابهم المقدّس، باسم البابويّة الحقودة التي غرضها طمس الحقيقة عن الإنسان الأوروبي، وتقييده بترّهات الرّهبان الذين حرّفوا الإنجيل من أجل خدمة أهوائهم ومصالحهم الشّخصيّة.

وعليه، تتّسم الترجمة الاستشراقيّة المغرضة بالتشكيك، والتشويه، والتبشير، والأدلجة، والتفكيك الهدام، والتطرّف، وإثارة ما يسمّى بالصّراع الدّيني والحضاري.

الفرع الثاني: الدّراسات القرآنيّة: لقد ظهرت في الغرب مجموعة من الكلّيات والجامعات والمؤسّسات والمعاهد والمراكز التي تُعنى بدراسة اللّاهوت الدّيني بصفةٍ عامّةٍ، ودراسة الكتب السّماويّة بصفةٍ خاصّةٍ، بما فيها القرآن الكريم، وكانت تطبّق مناهج نصيّة ونقديّة في دراسة هذه الكتب الدّينيّة؛ حيث استعان الباحثون الغربيّون بعلم التحقيق والتوثيق، ودراسة الكتابة والطباعة، والبحث عن مصادر هذه الكتب السّماويّة، وما تتضمّنها من حقائق وأساطير وخرافات، ودراسة اللغة والأسلوب، والبحث عن علاقتها بالسّياسة، والإعلام، والأدب، والفنّ، والمجتمع، والاقتصاد، والتاريخ، والفلسفة، والبيولوجيا، وغيرها من العلوم والمعارف.

ولم يقتصر البحث القرآني على المستشرقين والموسوعيين الغربيين فحسب، بل ساهم في ذلك مجموعةٌ من الباحثين المسلمين الذين طبّقوا المناهج العلميّة على الكتب السّماويّة بما فيها القرآن الكريم، كما هو حال محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وطلال أسد، وخالد أبو الفضل، وإبراهيم أبو ربيع، ونادية أبو زهرة، وأحمد سليم دلال، وسلوى العوا، وأميرة الزين، وتوفيق فهد، وغيرهم...وكان هؤلاء يطبّقون منهجيّة تحليل المضمون، كما يدلّ على ذلك فهرس موسوعة ليدن للقرآن؛ حيث نجد بعض الدّراسات التي تندرج ضمن هذا الاتّجاه المنهجيّ كموضوع (التطبيقات النّقديّة المعاصرة والقرآن) لمحمد أركون، بالتركيز على علاقة الإسلام بالعنف. وهناك موضوع (النقد النصّي) لجيمس بيلامي (James. A. Bellamy) أستاذ بجامعة ميشيغان الأمريكيّة، و(البنى الأدبيّة في القرآن) لعيسى بلاطة ...

وقد انتشرت مؤسّساتٌ كثيرةٌ بالغرب تعتني بالدّراسات القرآنيّة والدّينيّة واللّاهوتيّة في ضوء تحليل المضمون منذ القرن الخامس عشر الميلادي إلى يومنا هذا، فقد «أُسِّستْ كُلّيّاتٍ مكرَّسة لهذه الدّراسات في أماكن؛ مثل: ليدن 1593، وروما 1627، وأوكسفورد 1638. وبعد ذلك، افتُتحتْ كلّيّاتٌ في جامعاتٍ أوروبيّةٍ رئيسةٍ أخرى، وفي بعض جامعات أمريكا الشماليّة أيضًا. واتّخذتْ لغات؛ من قبيل العربيّة وغيرها من اللغات الإسلاميّة -كالفارسيّة، والتركية -أهمّيّةً مركزيّةً في التعليم؛ لأنّ التمكُّن من هذه اللغات كان مُقدّمةً ضروريّة لدراسة النّصوص وغيرها من المصادر التّاريخيّة، وعليه؛ فقد تشكّل الحقل المعرفيّ للدّراسات الإسلاميّة الحديثة؛ وفقًا لنموذج الدّراسات الكلاسيكيّة على النّحو الذي تطوّرتْ في عصر النّهضة وبعده، وأصبح (فقه اللّغة) الذي يُعتبر دراسةً للثّقافة عبر عدسة النّصوص التي تُنتجها هذه الثّقافة - هو المنهجيّة السائدة. وانطلاقًا من الإدراك بأنّ القرآن هو محور هويّة الإسلام وتطوُّره التاريخيّ، مُنح القرآن اهتمامًا دقيقًا، وانبثقت الدّراسات القرآنيّة؛ بوصفها فرعًا معرفيًّا رئيسًا ضمن دراسة الإسلام.

هذا، وقد تأثَّرت الدّراسة غير الإسلاميّة للقرآن (أو «الغربيّة»)  بشكلٍ كبير بنظيرها: حقل الدّراسات الإنجيليّة، حيث إنّ النّقد الإنجيليّ في القرنين الثامن عشر والتّاسع عشر -على الأقلّ ذاك النّقد الذي انتقل من المحيط الحاخاميّ أو الرُّهبانيّ إلى المحيط الجامعيّ- قد وضعَ الاعتقادَ بالطابع الإلهيّ للكتابين المقدّسين اليهوديّ والمسيحيّ بين قوسين، كما اتّسع الاستعداد الذي برز في عصر النهضة لتطبيق مبادئ النقد الأدبيّ والتاريخيّ على النصوص اليونانيّة واللاتينيّة القديمة، ليشمل أحد النصوص القديمة الأخرى؛ أي الإنجيل. وقد تبنّى بعضُ الباحثين نظرةً عقليّة؛ فسعى إلى التوفيق بين التعليمات الإنجيليّة والأوامر العقليّة، بينما ركّز آخرون على التناقضات بين الإنجيل وقوانين الاستقامة العلميّة. كما تضاعفت التحقيقات السّياقيّة مع قيام العلماء بالتنقيب في الخلفيّة الثقافيّة والتاريخيّة للنصوص الإنجيليّة، ومع تتبُّعهم للتراث الأدبيّ الذي نمتْ منه هذه النصوص، مضافًا إلى عمليّة الصياغة التي أخرجت النصوص في شكلها النهائيّ.

ومع توجُّه العلماء المختصّين بفقه اللغة الساميّة والمتعمّقين بالدراسة التاريخيّة-النقديّة للكتاب المقدّس العبريّ والعهد الجديد إلى كتابٍ قديمٍ آخر -القرآن- فقد أهملوا -كما السابق- الافتراضات العقديّة، مُعتبرين أنّها غير مُرتبطةٍ بمهام البحث العلميّ، وعليه؛ تعرّض الباحثون في القرآن -كما الإنجيل- للتحليل النصي واللغويّ. وأُلِّفتْ في القرن التاسع عشر بعض الكتب المهمّة التي ما زالت تؤثّر في ميدان البحث القرآنيّ المعاصِر، فبرزت أسماء؛ من قبيل: كوستاف ويل (Gustav Weil)، وتيودور نولدكه (Theodor Noldke)، وأبراهام جايجر (Abraham Geiger)، وهارتويغ هارشفيلد (Hartwig Hirschfeld).

 وسُرعان ما انضمَّت إليها أسماء أقرانهم في القرن العشرين؛ من أمثال: أجناتس جولدتسيهر (Ignaz Goldziher)، وغوستاف برجستراسر (Gotthelf Bergstrasser)، وأوتو بريتزل (Otto Pretzl)، وريشتارد بيل (Richard Bel)، وأرثر جيفري (Arthur Jeffery)، ورودي بارت (Rudi Paret). وتجدرُ الإشارة إلى أنّ بعضَ هؤلاء الباحثين قد تعامل مع القرآن؛ بوصفه أوثق مصدر لإعادة بيان حياة محمد وتاريخ المجتمع الإسلاميّ الأوّل»[13].

ويعني هذا أنّ الدّارسين والمستشرقين الغربيين قد تعاملوا مع الكتب السّماويّة، بما فيها التوراة، والإنجيل، والقرآن الكريم، مستعينين باللّغة العربيّة وغيرها من اللّغات الإسلاميّة كالتركيّة والفارسيّة، بالاطّلاع على فقه اللّغة، وعلوم التّاريخ، وعلوم الثّقافة، وعلوم الآلة، وعلم الآثار، والأنثروبولوجيا.

وكان الهدف من ذلك هو البحث عن مقاصد هذه الكتب السّماوية وتحليلها وفق المناهج النّقديّة المعاصرة، كتحليل المضمون الذي يبدو جليًّا في مقالات موسوعة ليدن القرآنيّة، والنّقد النّصّي في كثير من الدّراسات الإنجيليّة في الجامعات الفرنسيّة، والنّقد السيميائي كما عند جماعة أنتروفيرن[14]، والنّقد التأويلي الهيرمنيوطيقي عند بول ريكور[15]، والنّقد التّاريخي كما عند طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي)[16]، والنّقد النّصّي التّطبيقيّ كما عند محمد أركون... ومن ثم، فقد كان التركيز على التحليل اللّغويّ، والتّحليل النّصيّ، والبحث في خلفيّات النّصّ الدّينيّ واللّاهوتيّ، وعقد المقارنات النّصيّة بين الكُتب السّماويّة، والتنقيب عن التناقضات والمختلف فيه، أو استكشاف وحدة النّصّ الدّينيّ...

ومن جهةٍ أخرى، فقد اعتنت دائرة المعارف بليدن، بدورها، بدراسة القرآن الكريم وفق تحليل المضمون توصيفًا، وتحليلًا، وتقويمًا. وفي هذا، تقول مقدّمة موسوعة ليدن للقرآن: «من المفيد أن نُقدِّم وصفًا موجزًا للقرآن لمن لا يملكون معرفةً مُسبقةً به. يبرزُ القرآن في مكتبة الكتب المقدَّسة ككتابٍ أقصر من غيره؛ فحينما نُقارنُ طول القرآن مع كتاب الشريعة البوذية «بالي» أو مع المخطوطات السنسكريتيّة أو الصينيّة، نُلاحظ أنّ الاختلافات من حيث الطول كبيرة. كذلك، يضمّ الكتاب المقدَّس العبريّ والعهدان القديم والجديد في المسيحيّة أسفارًا أطول بكثير من القرآن. ويُشكِّلُ القرآن نصًّا موحَّدًا بحقٍّ، حيث يتألّف من 114 قسمًا، وهذه الأقسام أو الفصول تبدأ جميعها تقريبًا بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وتُسمّى «سُورًا». تتألّفُ السور- بدورها- من الآيات، وقد تضمُّ سورةٌ ما بضع آياتٍ أو مئات منها. هذا الاختلاف في طول السّور جديرٌ بالملاحظة؛ لأنّ القرآن يعتمدُ على الطول معيارًا تنظيميًّا، حيث تُرتَّب سوره -تقريبًا- وفقًا للترتيب التنازليّ في حجم السور. بعبارةٍ أخرى: تأتي السّور الأطول في مقدّمة القرآن، بينما تأتي السور الأقصر في نهايته.

مواضيعُ القرآن متنوِّعة، ولا يُمكن تبويبها بسهولة، وهي ليست مُنظَّمة بالطريقة التي تُفضِّلها العقول المنهجيّة المعاصِرة. على سبيل المثال: لا تجد سورًا منفصلة تتناولُ كلُّ واحدةٍ منها على حدة البيانات اللّاهوتيّة، أو ضوابط السلوك الشخصيّ والاجتماعيّ، أو الأحكام المخصّصة للصلاة والطقوس الدينيّة، أو قصص الأنبياء، أو التحذير من يوم الحساب ووصْف الجنّة والنار، أو التحدِّيات الجدليّة الموجَّهة إلى أصحاب العقائد الأخرى؛ ولكنّك تجدُ جميعَ هذه المواضيع -مضافًا إلى غيرها- منسوجةً في السور المختلفة للنصِّ القرآنيّ. في الواقع، فقد ساهم التعقيد الموضوعيّ للقرآن في حثِّ المؤلّفين على إنتاج قسمٍ من الكتب الإسلاميّة؛ بهدف استخلاص هذه المواضيع وتبويبها، ترومُ بعض هذه المؤلّفات تقديمَ تصنيفٍ شامل للمادّة القرآنيّة تحت عناوين رئيسة وفرعيّة متعدِّدة، بينما يهدفُ بعضُها الآخر إلى التركيز على موضوعٍ مُحدَّد. وبناءً عليه، يُمكننا أنْ نعثر في المكتبات الإسلاميّة على كُتب بعنوان «المرأة في القرآن»، أو «المجتمع العادل في القرآن».

وكما يوجد تنوُّعٌ موضوعيٌ في القرآن، وثمّة تنوّعٌ في الأسلوب أيضًا؛ فعلى الرّغم من أنّ القرآن يُوظِّفُ مقدارًا قليلًا نسبيًّا من الأسلوب السرديّ الذي يألفه قُرّاءُ الكتاب المقدّس العبريّ والعهد الجديد المسيحيّ، إذ تشكّل السّورة الثانية عشرة الحالة الوحيدة لذلك؛ فإنّ لغة القرآن قويّة ودراماتيكيّة في أغلب الأحيان، وهي تزخرُ بالصور المفعمة بالحيويّة والتشبيهات المثيرة للعواطف، حيث يجتمعُ القَسَم والحوارات مع الخطاب الإلهيّ المباشَر؛ سواء أكان مُوجَّهًا إلى النبي محمّد، أم إلى المؤمنين برسالته، أم إلى أولئك الذين يرفضونها. تتعاقبُ الفقرات المقتَضَبة والموجَزة مع النصوص الاعتياديّة الأطول، وتمتزجُ الدّعوات والتنبُّؤات مع أحكام التحريم والإرشادات الهادية لكلِّ الأفعال البشريّة.

 قد لا تكونُ القوّة العارمة الكامنة في هذا التنوُّع البلاغيّ مُتاحة لأولئك الذين يقرؤون القرآن مُترجمًا، فالقرآنُ في الإسلام هو القرآن باللغة العربيّة فقط، وحينما يُترجَم فإنّه لا يبقى «كلامَ الله الفعليّ»؛ وإنّما يُصبحُ مجرّد تفسيرٍ للنصّ العربيّ الأصليّ. ولهذا السّبب، يقرأُ المسلمون القرآن خلال الصلاة أو الشعائر الأخرى باللغة العربيّة دائمًا، على الرّغم من وجود ترجماتٍ قرآنيّةٍ عدّة إلى أغلب اللّغات الرئيسة في العالم؛ ومن ضمنها اللغة الإنكليزيّة»[17].

ومن هنا، يتبيّن لنا أنّ موسوعة ليدن القرآنيّة قد التجأت إلى تحليل المضمون في دراسة القرآن الكريم، كما يتبيّن في ما تتضمّنه من دراسات وأبحاث ومقالات لباحثين مسلمين وغربيين على حدّ سواء. فقد توقّفت الموسوعة عند مجموعةٍ من المفردات المرتّبة، وعند مجموعةٍ من المواضيع القرآنيّة، والشّخصيات المقدّسة كالأنبياء والرّسل والأولياء الصّالحين والقديسين وصحابة الرّسل والأنبياء. فضلًا عن الأمكنة المقدّسة، ومواضيع الفقه والعقيدة والتاريخ الإسلامي، والدّراسات النّصيّة والتّطبيقيّة.

ومن هنا، فقد انكبّت موسوعة ليدن القرآنيّة على كثير من قضايا القرآن الكريم ومباحثه وعلومه في ضوء المقاربة الموضوعاتيّة، أو تحليل المضمون، مثل: الحياة اليوميّة في القرآن، والحواسيب والقرآن، وتعدّد المعاني في القرآن، والتّقيّة والتّشيّع والقرآن، والنّسويّة والقرآن، وقرّاء القرآن، وطباعة القرآن، وترجمات القرآن، ومواضيع الدّراسات القرآنيّة قبل القرن الثامن عشر، وتقليد القرآن، والتّسلسل الزّمني والقرآن، وجمع القرآن ونسخه، والعلم والقرآن...[18]

ولقد تناولت موسوعة ليدن مباحث لم يتناولها المسلمون في مباحث علوم القرآن ومعارفه، مثل مواضيع الكتابة والتوثيق والمخطوطات القرآنيّة، ومواضيع الجندر، والمواضيع السوسيولوجيّة، وقضايا التّعدّد الدّيني، وموضوع الأساطير والسّحر والشعوذة والدواء...

ومن هنا، تسهم موسوعة ليدن في توسيع موضوعات ومباحث علوم القرآن المعاصرة، بالانفتاح على قضايا الرّاهن؛ بتجريب مناهج ومقاربات نصيّة ووصفيّة جديدة. ومن ثمّ، يتبيّن لنا أنّ موسوعة ليدن قد احتوت على دراساتٍ وأبحاث علميّة أكاديميّة دقيقة خاضعة لعلم التّوثيق، تستعين بالإحالات النّصيّة والهوامش المفيدة والمثمرة.

 وفي الوقت نفسه، هناك دراساتٌ استشراقيّةٌ مشبوهةٌ من خلال الموضوعات التي عالجتها؛ حيث تثير الشّكّ والتّضليل في مصدريّة القرآن الكريم كتنزيل القرآن، وترتيب سوره، والبحث عن مخطوطاته، واستكشاف طرائق جمعه وحفظه، ودراسة القرآن الكريم وفق ثنائيّة الشّفهي والتدوين، والتّوقّف عند موضوع الحرب والجهاد.

ناهيك عن قضيّة العبوديّة والرقيق، ووضعيّة المرأة في الإسلام كما طرحها المصحف، والبحث عن الثّقافة المادّيّة في القرآن، والإشارة إلى التّقيّة والتّشيّع والقرآن، والتركيز على مخطوطات القرآن، وتناول موضوع الوهابيّة والقرآن، وتبيان الاستخدامات الشّعبيّة والسّحريّة للقرآن، والبحث في موضوع التّعدّديّة الدّينيّة والقرآن، والوحي والإلهام، والصّوفيّة والقرآن، والكتب المقدّسة والقرآن...

ومن هنا، تُظهر لنا هذه الموضوعات وغيرها من القضايا الأخرى المتعلّقة بالقرآن الكريم أنّ موسوعة ليدن لم تكن موضوعيّة وعلميّة إلى حدّ كبير. فقد تناول محرّروها مواضيع خطيرة ولافتة للانتباه، على الرّغم من ادّعائهم للعلميّة والحياد والإنصاف، كالتوقّف عند موضوع تنزيل القرآن وترتيب السّور الذي فيه اختلاف وجدال حول عمليّة الترتيب. وما يترتّب عن ذلك من طعن في مصداقيّة صحّة الكتاب. ناهيك عن عمليّة نقل الكتاب هل تحقّق ذلك عن طريق الرّواية الشّفهيّة أم التدوين، علمًا أنّ تدوين الكتاب لم يتحقّق تاريخيًّا إلّا في المرحلة المتأخّرة؟

ويعني هذا أنّ القرآن مشكوكٌ في صحّته وروايته ونقله، ما دام لم يدوّن في لحظات نزول الوحي. بيد أنّ الواقع يكذّب ترّهات المستشرقين؛ إذ كان هناك رواة ثقات، وحفظة أكفّاء. وفي الوقت نفسه، كان هناك مدوّنون وكتبة القرآن؛ والدليل على ذلك النّسخ العديدة التي رجع إليها عثمان بن عفّان لتوحيد القراءة القرآنيّة من جهة، وتوحيد المصحف في جميع الأمصار والأقطار العربية والإسلامية من جهة أخرى.

أضف إلى ذلك، يرى المستشرقون أنّ القرآن الكريم يحوي أساطير وخرافات وترّهات، ويُستخدم من قبل المسلمين في السّحر والشعوذة والطب الشّعبي، وهذا يسيء -فعلًا- إلى الإسلام.

وهنا، يجب التمييز بين القرآن باعتباره نصًا ربّانيًّا سليمًا من الترّهات والتناقضات المخلّة، وواقع المسلمين المعاصر الذي يندى له الجبين؛ بسبب تصرّفاتهم المشينة. فلا ينبغي أن نقيس واقع هؤلاء على القرآن، وما يتضمّنه الدّين الإسلامي من تعاليم شرعيّة نصّيّة وعقلانيّة، ووصايا سمحة ومثالية، وما يحويه من أخلاقياتٍ دمثةٍ كونيّة.

ويرى هؤلاء المستشرقون أيضًا أنّ الإسلام يشجّع العبوديّة؛ والدليل على ذلك أنّه لم يحارب العبوديّة بشكلٍ جذريٍّ، بل تدرّج في ذلك بشكلٍ متوانٍ. وهناك إشارات مضمرة إلى وضعيّة المرأة السّيّئة في الإسلام؛ إذ لم تبلغ درجة التحرّر كما في المجتمعات الغربيّة.

 ويمكن الرّدّ على ذلك أنّ الإسلام قد سوّى بين العبيد والأحرار، فقد كان بلال المؤذّن صحابيًا مقرّبًا من الرسول. وبالتالي، فقد نفّر الإسلام من العبودية بمختلف أشكالها وأنواعها، كما يتبيّن ذلك جليًّا في القرآن الكريم وأحاديث الرسول.

وفيما يخصّ المرأة، فقد كرّمها الإسلام باعتبارها أنثى، وأُمًّا، وأختًا، وبنتًا، وزوجةً، وعمّةً، وخالةً، وجدّةً. وقد أعطى لها جميع الحقوق، وفرض عليها مجموعة من الواجبات، وقد شرّفها بحجابها السّاتر، ودينها الحامي، ولم يجعلها عرضة الاستغلال المادي البشع، ولم يتركها في واجهات المتاجر عاريةً عرضةً لأعين النّاس، يتلذّذون بها اشتهاءً واستهواءً وغريزةً حتى أصبحت المرأة الغربيّة كائنًا لا قيمة له، يباع في الأسواق مثل السّلع المادّيّة الرّخيصة.

ويعني هذا كلّه أن ثمّة دراساتٍ وأبحاثًا كثيرةً في موسوعة ليدن القرآنيّة تتّصف بالموضوعيّة والعلميّة من جهة، وهناك دراساتٌ مغرِضةٌ ومضلِّلةٌ ومشوِّهةٌ للقرآن والإسلام على حدٍّ سواء.

ثالثًا: تفسير القرآن حسب مقدّمة موسوعة ليدن

استهلّت موسوعة ليدن للقرآن بمقدّمة تمهيديّة تناولت تفسير القرآن الكريم، فيها بعض الشّبهات التي تتعلّق بمصدريّة القرآن الكريم، وما أثار ذلك من جدالٍ وخلافٍ بين العلماء المسلمين، ولا سيما فيما يتعلّق بقضيّة ترتيب سور القرآن الكريم وآياته الشريفة.  ومن هنا، فقد عرف تفسير القرآن الكريم -حسب موسوعة ليدن للقرآن الكريم- مجموعة من المراحل التي يمكن حصرها فيما يلي:

الفرع الأوّل: مرحلة شرح الكلمات والمفردات

لقد استوجب القرآن الكريم الذي أنزل على النّبيّ محمد أن تُشرح مضامينه، وتُفسّر آياته، فكان من الواجب على المفسّرين والشّرّاح وعلماء الدّين والحديث التّوقّف عند سور القرآن الكريم وآياته بالشّرح اللّغويّ. ومن هنا، فقد شكّل شرح المفردات، وتفسير الكلمات الصعبة، المهمّة الأولى التي ينبغي أن يقوم بها المفسّرون، بالرّجوع إلى الشّعر الجاهلي الذي كان يتضمّن معاني لغة العرب الأصيلة. فضلًا عن جمع القواميس والمعاجم لتسهيل عمليّة الشّرح والتفسير. وفي هذا الصّدد، تقول دائرة المعارف القرآنيّة بليدن: «أنتج القرآن تُراثًا طويلًا من المعرفة، وهذا بحدّ ذاته إشارةٌ أخرى إلى التبجيل الذي يُحيطُ بهذا النصّ. وعلى الرّغم من أنّ تاريخ الإعلان عن النصّ ونقله -مضافًا إلى علاقة هذا التّاريخ بأولى محاولات التفسير- ما زال محلَّ جدالٍ علميّ؛ فلا شكَّ في أنّ الأسئلة عن النصّ نفسه والتدبُّر في معناه كانا حاضرَيْن في البيئة القرآنيّة منذ ولادته. وكذلك من غير المفاجئ أنْ نُلاحظ أنّ القضايا اللغويّة قد تصدّرت الأولويّة، وتمثّلتْ أولى الجهود الرّامية إلى التحليل أو التفسير بتقديم معاني الكلمات الغامضة وشرحها؛ كما هو الحال مع النّصوص المقروءة؛ حيث برزتْ قراءاتٌ عدّة، وأدّى عددها المتنامي وتنوّعها في النّهاية إلى اتّخاذ خطواتٍ نحو تنظيمها؛ إذ لم يكنْ جميعُ المستمِعين الأوائل مُجهَّزين بنحوٍ مُتساوٍ لفهم طبيعة الخطاب القرآنيّ الإضماريّة أحيانًا، والتي تطلَّبتْ في بعض الآيات تعليقاتٍ تفسيريّة؛ كما في الفقرات الأخرى ذات الطبيعة التلميحيّة»[19].

ويعني هذا أنّ القرآن الكريم يتّسم بخطابٍ تلميحيٍّ وإضماريٍّ قائمٍ على التّكثيف والإيجاز، ويتطلّب هذا معرفةً بمضامين القرآن ومعانيه؛ لذا يستوجب أن تُفكّك لغته البيانيّة، وتُشرح معانيه بدقّةٍ جليّةٍ؛ لذلك اتّجه تفسير القرآن الكريم إلى المشكل اللّغويّ أوّلًا، بكشف مفردات القرآن، واستجلاء معانيها. وهنا، ظهر ما يُسمّى بشرح لغة القرآن الكريم.

الفرع الثاني: مرحلة التعليق على الآيات القرآنيّة

لم يكتفِ المفسّرون بشرح الكلمات القرآنيّة الصّعبة في سياقها اللّغويّ والتّداوليّ عند العرب، بل كانوا يعلّقون على الآيات ويُفسّرونها ببعض الملاحظات والتعليقات المهمّة التي تُضيء على النّصّ القرآنيّ، وتشرح حيثيّاته التّاريخيّة والسّياقيّة. ويعني التعليق تقديم ملاحظات حول الآية بشكلٍ تفسيريٍّ وتنبيهيٍّ. ولم يكن «جميعُ المستمِعين الأوائل مُجهَّزين بنحوٍ مُتساوٍ لفهم طبيعة الخطاب القرآنيّ الإضماريّة أحيانًا، والتي تطلَّبتْ في بعض الآيات تعليقاتٍ تفسيريّة؛ كما في الفقرات الأخرى ذات الطبيعة التلميحيّة»[20].

ويعني هذا أنّ هناك تعليقات من طبيعة الشروح، وتعليقات تفسيريّة، وتعليقات تلميحيّة في شكل ملاحظات، وتلميحات، وتوضيحات.

الفرع الثالث: مرحلة التفسير العلمي

ظهرت مرحلة التفسير العلمي للقرآن الكريم بالإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلّقة بالقرآن الكريم، بالتّوقّف عند أسباب نزول السّور والآيات، ودراسة العلاقة التناسبيّة بين الآية والمقام التّداوليّ، ودراسة لسانيّات النّصّ القرآنيّ، وفهم المعاني الظّاهرة والمضمرة، والبحث عن مدلولات الآيات ومقاصدها المباشرة وغير المباشرة، والتّوقّف عند السّياق القرآنيّ، والاهتمام بالبلاغة الإعجازيّة للقرآن الكريم.

«وسُرعان ما برزتْ أسئلةٌ أخرى؛ منها: متى نزلت بعض الآيات وفي أيّ ظروف؟ مَنْ (أو ما هو) المقصود من إحدى الكلمات أو العبارات الغامضة؟ إلى مَنْ (أو إلى ماذا) يُشيرُ ضميرٌ محدَّد؟ مَنْ هو المخاطَب في فقرةٍ معيَّنةٍ، وعلى مَنْ تنطبق هذه الفقرة؛ هل على جميع المؤمنين في الحاضر والمستقبل، أم على مجموعةٍ محدَّدة من الأفراد؟ هل معنى الآية مجازيّ أم ينبغي فهمه حرفيًّا؟ هل جميعُ أقسام القرآن قابلة للفهم بشكلٍ متساوٍ، أم إنّ الغموض والالتباس متأصِّلان في بعضها؟ هل ثمّة صِلاتٌ بين الآيات داخل السورة أو بين الآيات المنثورة في مواضع مُختلفة من القرآن؟ هل يُمكن لفقرةٍ في مكانٍ آخر من النصِّ القرآني أنْ تُساعدنا في فهم الفقرة التي نبحثها حاليًا؟ هل ثمّة مستوياتٌ أو طبقاتٌ للمعنى في النصّ، وهل هي مُتاحة للأفراد الذين خضعوا لتدريبٍ فكريّ أو روحيّ خاصّ فقط؟ من الواضح أنّ الدافع وراء تعدُّد الأسئلة في ميدان التفسير لم يكنْ مجرَّد اهتمامٍ علميٍّ بالكتاب المقدَّس؛ ولذا، فقد وُجِّه الإلحاح إلى أصحاب المعرفة الكلّيّة أو الدقيقة بالقرآن؛ لتقديم إجاباتٍ عن الأسئلة المهمّة المتعلّقة بالسّلوك الفرديّ والاجتماعيّ. لقد فُهمت آيات القرآن على أنّها كلام الله المباشر، وعليه؛ فقد كانت الهادية إلى الممارسات الاجتماعيّة والدّينيّة داخل المجتمع الإسلاميّ الوليد؛ ما جعل الفهم الصحيح للنصّ القرآنيّ أمرًا ضروريًّا؛ من أجل تطبيقه بشكلٍ مناسب، على الرغم من أنّ معالم هذا التّاريخ المبكِّر ما زالت موضعَ جدلٍ علميّ»[21].

ويعني هذا كلّه أنّ تفسير القرآن الكريم قد ارتبط بشرح الآيات، واقترن أيضًا بمبحث الالتفات، والاستعانة بأصول الفقه، ودراسة أسباب النزول، والعناية بعلوم البلاغة، والتركيز على النّحو وفقه اللّغة، والتّوقّف عند لسانيات النّصّ القرآنيّ. علاوة على الانفتاح على علم النّفس وعلم الاجتماع الإنسانيّ والسّلوكيّ. بيد أنّ أهمّ علم يستوجبه تفسير القرآن الكريم هو وضع آليات التّشريع الإسلاميّ الفقهيّ، والعقديّ، والعمليّ.

رابعًا: شبهات موسوعة ليدن القرآنيّة

لقد كان المستشرقون الغربيون، ومحرّرو موسوعة ليدن القرآنيّة، يرون، في دراسة القرآن الكريم، وسيلةً إجرائيّةً مهمّةً للتعرّف إلى الإسلام والمسلمين، بعدما انتشر الإسلام بشكلٍ كبيرٍ في معظم أصقاع العالم، بما فيها البلدان الأوروبيّة كإسبانيا في مرحلة الدّولة الأندلسيّة، ودول البلقان في عهد الدّولة العثمانيّة.

وقد تأكّد لديهم أنّ القرآن الكريم هو مصدر نهضتهم، ورقيّهم، ومجدهم، ووحدتهم. وأنّه السّبب في توسّعهم وانتشارهم في العالم. وبذلك يهدّد المدّ الإسلامي التّوسّع المسيحي، بل يهدّد المسيحيّة حتى في عقر دارها؛ لذا قرّر المستشرقون الغربيون أن يدرسوا القرآن الكريم من مختلف جوانبه، بالنّبش في معارفه المتنوّعة، وبحوثه المتعدّدة، ومعالمه الواسعة، بالتّشكيك في القرآن الكريم، والطّعن في مصدريّة الكتاب الذي نقل شفاهيًّا من جيل لآخر، ولم يدوّن إلّا في مرحلةٍ تاريخيّةٍ متأخّرةٍ على غرار أحاديث النّبي. ثم السّعي الجادّ إلى دراسة القرآن الكريم في ضوء دراساتٍ مقارنةٍ بالمصادر اليهوديّة والمسيحيّة والبوذيّة، أو مقارنة التّشريع القرآني بالقوانين الرّومانيّة.

 لذا، يكمن هدف موسوعة ليدن القرآنيّة في إعادة النّظر في القرآن الكريم، وتفسيره تفسيرًا خاضعًا للمؤثّرات الإنجيليّة والتوراتيّة، والغرض من ذلك كلّه هو خدمة اللّاهوت والاستعمار والتبشير من أجل القضاء على وحدة العرب، وتمزيق لحمة الأمّة، واستغلال ثروات المسلمين بغية تعريضهم للهيمنة والتّكالب الاستعماري المباشر وغير المباشر.

ومن هنا، فقد بدأ المستشرقون الغربيون في دراسة مواضيع القرآن الكريم تحت «شعار» العلميّة والأكاديميّة الموضوعيّة، وإن كانت أغراضهم في ذلك مسيئةً ومعيبةً ومضلِّلةً ومغرضةً، تحرّكهم الأهواء الصليبيّة الحاقدة، وكراهيتهم للإسلام والمسلمين؛ مما جعلهم يتعمدون منهجيّة استشراقيّة ذاتيّة، تدّعي الموضوعيّة العلميّة، واعتماد المناهج المعاصرة في التحليل والتفكيك. بيد أنّ نواياهم كانت عدوانيّةً مقيتةً.

ويبدو أنّ الدّراسات والمقالات والأبحاث التي نشرتها موسوعة ليدن القرآنيّة ليست كلّها بكتابات علميّةٍ منصفةٍ حقيقيّةٍ، بل هي تأويلاتٌ وتفسيراتٌ وتعليقاتٌ وانتقاداتٌ مغرِضةٌ لما يتضمّنه القرآن الكريم من محتويات ومضامين. بمعنى أنّها ليست دراسات علميّة أمينة للقرآن الكريم؛ لأنّ محرّري الموسوعة كانوا يفسّرون القرآن ويؤوّلونه حسب أهوائهم وأغراضهم.

وينطبق هذا كلّه على ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم وتفسيرها؛ حيث يصعب الحديث عن إعجاز القرآن الكريم، إذا كنّا نركّز على المعنى دون الصياغة الأسلوبيّة والبيانيّة المعجزة؛ لذلك يبدو أنّ عناوين تلك الترجمات القرآنيّة فيها مغالطات كبيرة، وبعيدة كلّ البُعد عن ترجمة القرآن الكريم. وفي هذا، يقول محمد خروبات: «فمن جهة البحث العلمي يكون ذلك العمل من قبيل التّصرّف في المعاني التي جاء بها القرآن الكريم، خاصّة وأنّ الترجمة لا تراعي شيئًا سوى المعنى، وحين يستحضر هذا المعنى بطرقٍ معيّنةٍ يتمّ البحث في لغة من اللغات عن الألفاظ التي تتحمّل ذلك المعنى، إلى هنا نستنتج استنتاجًا أوّليًّا هو أنّ هذه الأعمال هي تصرّفٌ في معاني القرآن الكريم باسم الترجمة، وأنّ الترجمة في النهاية هي ترجمة لمعاني القرآن وليست ترجمة للقرآن، إذا سلّمنا مبدئيًّا بأنّ هذه الظاهرة التي تزعّمها المستشرقون ترجمة لمعاني القرآن وليست هي القرآن، فإنّ هذا يتنافى مع البحث العلمي الدّقيق، ذلك أنّ محاولات التّصرّف في معاني قرآن المسلمين قد قيّد بضوابط وقواعد من قبل علماء المسلمين حتى يكون التّصرّف في معنى القرآن مضبوطًا، لأنّ الإخلال بهذه الوسائل من شأنه أن يُسيء إلى هذه المعاني بدلًا من خدمتها، وقد سبقت تجارب متعدّدة من قبل أهل الأهواء والمذاهب والتيّارات والفرق المشبوهة والمنحرفة، كلّها تصرّفت في المعنى، واستعملت وسائل تتماشى مع أهدافها وغاياتها في الوجود كانت كلّها محاولات للهدم، ولم تستطع أن تؤثّر في القرآن الكريم لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنّ المسلمين تعاملوا مع هذا الإنتاج بمنطق الرّفض والرّد، وصنّفوه ضمن خانةٍ جاهزةٍ في علم التّفسير، وهي خانة (التفسير العقلي غير المقبول)»[22].

ويعني هذا كلّه أنّ ترجمات المستشرقين، أو تفسيرات محرّري موسوعة ليدن للقرآن الكريم، ليست ترجمات بالمعنى الحقيقي لكلمة الترجمة؛ لأنها مجرّد تصرّف في المعاني، وليست بالأحرى ترجمةً حرفيّةً أو لفظيّةً. بمعنى أنّها مقارباتٌ أو قراءاتٌ تأويليّةٌ لمعاني القرآن الكريم، تنطلق من ذات المستشرق التي تخضع، بدورها، للأهواء والاقتناعات والاعتقادات التي تشبّع بها المستشرق الغربي جزئيًّا أو كليًّا.

لذلك، نجد بعض المستشرقين يكتفون ببعض السّور، فيقومون بقراءتها وتأويلها بمناهج مختلفة، أنثروبولوجيّة، ونقديّة، وسوسيولوجيّة، وسيميائيّة، وموضوعاتيّة، ولاهوتيّة، ويرتّبونها حسب أهوائهم ترتيبًا موضوعاتيًّا، أو ترتيبًا تاريخيًّا، أو ترتيبًا حسب النّزول، وليس كالتّرتيب الذي يوجد في القرآن الكريم، وهدفهم من ذلك هو زعزعة المسلمين. بيد أنّ تلك المقاربات التأويليّة ليست بترجماتٍ للقرآن الكريم، ما دام التّصرّف في المعنى مقيّدًا بشروطٍ محدّدةٍ عند المسلمين، كأن لا يتعارض ذلك التّصرّف والاجتهاد مع مقاصد الشرّع الرّبّاني، وألّا يخلّ بالمعنى الكلّيّ للآية أو السّورة أو الهدف الكلي للشّريعة الرّبّانيّة.

إذًا، لم تكن الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم ترجمات، بل هي تقريب لمعاني القرآن إمّا بطريقة مختصرة ومبتسرة، وإمّا بطريقة التحشية والإسهاب والتعليق عن طريق المقارنات التي ترجّح كفّة اللّاهوت على القرآن، بتزييف الحقائق المعطاة، وتشويه صورة الإسلام، والحكم على القرآن انطلاقًا من المصادر المسيحيّة واليهوديّة المحرّفة والمزوّرة والمشوّهة.

ومن جهةٍ أخرى، لا تكشف هذه الترجمات لمعاني الكتاب، في الواقع، عن حقيقة الإعجاز القرآني الذي يتمثّل في بيانه، وبلاغته، وتداوليته، وإيقاعه، وتنغيمه، وتأثيره المدهش بخطاب الترغيب والترهيب. بل تكتفي التّرجمة الاستشراقيّة، بإيراد المعنى الحقيقي للقرآن دون المعنى المجازي، بعزله عن سياقه المرجعي، وفصله عن سبب نزوله، وتجريده من مقامه التشريعي الكلّي.

ومن ثمّ، فقد كانت الترجمة الاستشراقيّة مغرِضةً ومنحرفةً ومضلّلةً، يراد بها خدمة اللّاهوت والكنيسة الرّهبانيّة التي حرّفت الإنجيل لخدمة الأغراض الشخصيّة والمآرب الخاصّة. ومن هنا، لم تخرج التّرجمة الاستشراقيّة عن التّرجمات الحرفيّة واللّفظيّة والقاموسيّة والتّفسيريّة التي تقف عند ظواهر النّصوص والآيات والسّور، دون أن تتعمّق في أبعادها الإيمانيّة والأخلاقيّة بغية تمثّل رسائلها المباشرة وغير المباشرة، أي إنّها لم تقف عند لحظة الهداية ورسالة التبشير الموجّهة إلى النّاس كافّة، بل كانت هذه التّرجمات تقف عقبةً أمام هذه الرّسالة النّيّرة الرّشيدة، لتمنع رحيقها العذب عن المسيحيين المغرّر بهم لكي لا يذوقوا ثمرتها الحلوة، على أساس أنّ الإسلام هو آخر دينٍ سماويٍّ ينبغي أن يتمثّله كلّ إنسانٍ فوق هذه البسيطة لكي ينال رضى الله وجنّته العالية.

علاوة على ذلك، ترى موسوعة ليدن لمعارف القرآن أنّ الحركة التفسيريّة قد نشطت في القرن الأوّل والقرن الثاني للهجرة، وكان التفسير شفهيًّا، يعتمد على الرّواية والسّماع. وقد أثار التفسير جدالًا إشكاليًّا في هذه الفترة الزّمنيّة يخصّ ترتيل القرآن، واختلاف القراءات، وترتيب السّور والآيات، والتشكيك في مصدريّة الكتاب؛ لوجود مادة سرديّة تشبه سرديّة التوراة والإنجيل. وبالتالي، تريد الموسوعة أن تشكّك في مصداقيّة القرآن الكريم بإثارة هذا الجدال والاختلاف حول هذه المسائل.

ناهيك عن كون القرآن سجلًّا من المقتبسات والمستنسَخات من الإنجيل، والتوراة، وسير القديسين، والأساطير. وعندما تقول الموسوعة إنّ القرآن الكريم كتابُ أساطير، فإنّها تعني أنّه كتاب فيه خرافات، وأوهام، وكلام باطل. وبالتالي، يردّد الكتاب ما قاله الإنجيل. وبالتالي، فالإنجيل أصل، والقرآن فرع. وأكثر من هذا، فالإنجيل كتاب حق، والقرآن كلام باطل. وفي هذا، تقول موسوعة ليدن لمعارف القرآن: «حينما نعرضُ بشكلٍ موجَزٍ المراحل المبكِّرة التي شهدت الإعلان عن القرآن وتفسيره، لا تسعنا إلا الإشارة إلى الجدليّات وعدم تناولها بشكلٍ مباشر. يعتقدُ عديدٌ من الباحثين أنّ المراحل الأولى للإعلان والتفسير القرآنيّ كانت شفهيّةً، وأنّها كانت مرتبطةً بعضها ببعض.

على سبيل المثال، من المحتمل أنّ القارئ كان يتوقّفُ خلال ترتيله للنصّ ويُقدِّم معاني الكلمات التي يجهلها المستمعون، وقد يربط بين قسمٍ من القرآن وغيره -أيضًا، أو ينطق بتوضيحاتٍ قصيرة من أجل تفسير الفقرات التي تبدو تلميحيّةً أو إضماريّةً. كانت عمليّةُ سرد القصص إحدى العادات الرائجة خلال القرون الأولى، ويبدو أنّ التلاوة القرآنيّة ترافقتْ بشكلٍ مكثَّف مع سرد رواياتٍ تستندُ إلى مخزونٍ مُشترك من المادّة الإنجيليّة وسِيَر القدّيسين والأساطير»[23].

وبعد ذلك، تثير الموسوعة إشكال الشفهيّة والتّدوين، على أساس أنّ القرآن لم يدوّن إلّا في مرحلةٍ متأخّرةٍ، وأنّه نقل بطريقة الرّواية الشّفهيّة، ولم يدوّن إلّا في مرحلةٍ زمنيّةٍ متأخرةٍ. وهنا، الطّعن واضحٌ وجليٌّ في مصداقيّة النّصّ القرآني، والتّشكيك في روايته. في حين، كان هناك من يدوّن القرآن. وبالتالي، فقد جُمع أوراقًا في مجموعةٍ من المصاحف في عهد أبي بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. وأكثر من هذا، فقد كانت رواية القرآن الكريم متواترةً جماعةً عن جماعةٍ. وقد تميّز القرآن بقداسة الحفظ من الله تعالى مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)[24].

إذًا، يثير البحث «عن الصّلة بين مرحلتي النّقل الشّفهيّ-الفعليّ وبين التّدوين، وطرح السّؤال عمّ إذا كانت العمليّة مُتزامنةً أم متتالية؛ جميعَ نقاط الاهتمام المذكورة آنفًا، حيث إنّ أغلب المعرفة التّقليديّة حول هذه الحقبة تُستخرج من مصادر متأخِّرةٍ زمنيًّا، وما يُصعِّبُ الأمر أكثر هو النُّدرة في المادّة المدوّنة التي يُمكن نسبتُها بشكلٍ قاطعٍ إلى القرن الإسلاميّ الأوّل. وينظرُ بعضُ الباحثين إلى هذه الحقبة بصفتها فترةً مُثيرةً للاهتمام، حيث شهدتْ تغييراتٍ دينيّة-سياسيّة سريعة، وقد ذكرها المؤرّخون المسلمون المتأخِّرون بشكلٍ وافٍ ومُعتمَد، بينما يعتبرُ باحثون آخرون أنّها كانتْ حقبةً طُبعت بالاقتتال الطائفيّ الشّديد، ولا يُمكن النّظر إلى تفاصيلها الزّمنيّة والجغرافيّة إلا بشكلٍ ضبابيّ، بينما هناك مجموعةٌ من الآراء البحثيّة التي تقعُ بين هذين الطرفين»[25].

وعليه، فقد احتوت مقالات موسوعة ليدن ودراساتها وتفاسيرها مجموعة من الشبهات الذّكيّة المتوارية عن الأنظار؛ حيث من الصّعب إدراكها بسهولةٍ إلّا بالتّوقّف عند الكلمات والعبارات بشكلٍ متأنٍّ، وفحصها بمنهاجٍ علميٍّ صارمٍ ودقيقٍ بغية ردّ الشّبهات، والطّعن في افتراءات المستشرقين الغربيين، ومن والاهم من الباحثين المسلمين الذين كانوا يزايدون على الإسلام، ويفترون الأكاذيب والأوهام والترّهات باسم المناهج العلميّة النّصيّة والتّطبيقيّة، كما نجد ذلك واضحًا عند محمد أركون[26] وسلمان رشدي[27] على سبيل التمثيل، لا الحصر.









الخاتمة

وخلاصة القول، لقد اتّجهت دائرة معارف ليدن إلى دراسة القرآن الكريم في ضوء تحليل المضمون الذي يُعنى باستكشاف المضامين والموضوعات والتيمات التي يتضمّنها الخطاب اللّاهوتي بصفةٍ عامّةٍ، والخطاب القرآني بصفةٍ خاصّةٍ، بالتّوقّف عند مختلف المواضيع والقضايا التي تناولها القرآن على مستوياتٍ عدّةٍ: دينيّة، وسياسيّة، واجتماعيّة، واقتصاديّة، وتاريخيّة، وعلميّة، وثقافيّة، وحضاريّة، وعمرانيّة، وبحثيّة، وقانونيّة، وتشريعيّة، وعقديّة، وأدبيّة، وفنّيّة، وجماليّة، وإنسانيّة، وجندريّة، وتوثيقيّة...

ومن هنا، فقد تمثّل محرّرو موسوعة ليدن للقرآن منهجيّةً أكاديميّةً واضحةً، تتأرجح بين النّظريّة والتّطبيق، باستعمال مقاربات نصيّة وعمليّة لتحليل الخطاب القرآني في علاقةٍ وثيقةٍ بالنّصّ في حدّ ذاته من جهة، وفي علاقته الوطيدة بالإنسان والمجتمع والدين من جهةٍ أخرى.

 وبذلك، يحضر التفكيك والتقويض والتّركيب في معظم هذه الدّراسات الاستشراقيّة الأكاديميّة الوازنة والقيّمة. كما تتضمّن الموسوعة القرآنيّة، بطريقةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة، آراء تناصيّة وإحاليّة، تعزى لميشل فوكو، وجاك ديريدا، وإدوارد سعيد، وجيل دولوز، وغيرهم من فلاسفة الاختلاف والتقويض المنهجي...

ومن هنا، فقد تبيّن لنا أنّ موسوعة ليدن القرآنيّة قد استندت إلى منهجيّةٍ علميّةٍ وأكاديميّةٍ وبحثيّةٍ دقيقةٍ، فيها نوعٌ من الموضوعيّة الرّصينة والدّقيقة، والحياد العلمي النّزيه، وفيها أيضًا نوعٌ من الإنصاف للمسلمين والقرآن الكريم على حدٍّ سواء.

وفي الوقت نفسه، هناك بعض الدّراسات الأكاديميّة المضلّلة والمغرضة التي تثير الشّبهات والتّشكيك في نفوس القرّاء الذين لم يتمكّنوا بعد من اللّغة العربية، ومن ثقافة الإسلام وحضارته، أو قد أدركوا حقيقة الإسلام، ولكنّهم لا يستطيعون فهم مقاصد المستشرقين الظّاهرة والباطنة، واستيعاب تلميحاتهم وإشاراتهم المغرضة الذّكيّة المتوارية عن عقول الكثير من الباحثين والدّارسين للإسلام بصفةٍ عامّةٍ، والقرآن الكريم بصفةٍ خاصّةٍ.

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع عن الأزرق.

المراجع باللغة العربية

عبد الخالق، أحمد عمار عبد الجليل، الاستشراق وصناعة الفكر الهدام، دار آمنة للنشر والتوزيع، طبعة 2016م.

ب. ريكور، ول، الوجود والزمان والسرد، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1999م.

حسين، طه، في الشعر الجاهلي، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر، ط1، 1962م.

غريب، عبد الكريم، منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2012م.

خروبات، محمد، الاستشراق والعلوم الإسلامية بين نقلانية التأصيل وعقلانية التأويل، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، المغرب، ط1، 2017م.

المراجع الأجنبية

Groupe D’entrevernes: Analyse sémiotique des textes. ED.Toubkal, Casablanca, 1987.

Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.

Mohammed Arkoun: Essais sur la pensée islamique (Paris, Maisonneuve et Larose, 1973; 2e éd. 1984).

Mohammed Arkoun: La Pensée arabe, (Paris, Que sais-je? PUF, 1975; 7e édition, Paris, Quadrige, PUF, 2008).

Mohammed Arkoun : Pour une critique de la raison islamique (Paris, Maisonneuve et Larose, 1984).

Mohammed Arkoun: Lectures du Coran (Paris, Maisonneuve et Larose, 1982; 2e éd. Tunis, Alif, 1991; 3e éd. Paris, Albin Michel, 2016).

Mohammed Arkoun: L’Islam: religion et société. Interviews dirigées par Mario Arosio. Traduit de l’italien par Maurice Borrmans (Paris, Éditions du Cerf, 1970).

Mucchielli, R : L’analyse de contenu des documents et des communications, E.S.F. Paris, 1977.

Sir Ahmed Salman Rushdie: The Satanic Verses Published 1997 by Picador USA (first published September 26th 1988) (1988).

المقالات

1. الجابري، محمد عابد، (التراث ومشكل المنهج)، المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986م.

المطبوعات الجامعية

1. عبد الفتاح، لؤي؛ حمزاوي، زين العابدين، أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، جامعة محمّد الأوّل، كلية العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وجدة، المغرب، السنة الجامعيّة 2010-2011م، مطبوع جامعي.

الروابط الإلكترونية

1. محمد سبيلا: (الإسلام وتحدّيات الحداثة)، موقع محمد سبيلا:

http://www.mohamed-sabila.com/maqal12.html

   2. موسوعة القرآن، دائرة معارف ليدن القرآنيّة:

Leiden Encyclopedie, PDF-Adobe Acrobat Reader DC





[1](*)- باحث ومتخصّص في الدراسات الأدبيّة والألسنيّات من المغرب.



[2]- عبد الفتاح، لؤي؛ حمزاوي، زين العابدين، أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، ص27-28.



[3]- Mucchielli, R: L’analyse de contenu des documents et des communications. E.S.F, Paris, 1977, P.11.



[4]- غريب، عبد الكريم، منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، ص227.



[5]- أساسيّات في تقنيات ومناهج البحث، م. س، ص27.



[6]- القرآن الكريم برواية ورش عن نافع عن الأزرق.



[7]- الجابري، محمد عابد، (التراث ومشكل المنهج)، المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، ص80.



[8]- التراث ومشكل المنهج، م. س، ص81.



[9]- التراث ومشكل المنهج، م. س، ص80-81.



[10]- م. ن، ص81.



[11]- عبد الخالق، أحمد عمار عبد الجليل، الاستشراق وصناعة الفكر الهدّام، ص121.



[12]- نقلًا عن: خروبات، محمد، الاستشراق والعلوم الإسلامية بين نقلانية التأصيل وعقلانية التأويل، ص353-354.



[13]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.



[14]- Groupe D’entrevernes: Analyse sémiotique des textes. ED.Toubkal, Casablanca, 1987.



[15]- ريكور، بول، الوجود والزمان والسرد.



[16]- حسين، طه، في الشعر الجاهلي.



[17]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001. 



[18]- ... ومنها الوهابية والقرآن، والجماعة والمجتمع في القرآن، والنسخ المخطوطة من القرآن، والتعليم والتبليغ في القرآن، والعلوم الاجتماعية والقرآن، والتنبّؤ في القرآن، والفلسفة والقرآن، والمؤلّفات القرآنية في جنوب شرق آسيا، وتلاوة القرآن، وتفسير القرآن في الحقبة القديمة والعصور الوسطى، ولغة القرآن وأسلوبه، والمعارف التقليديّة في الدراسات القرآنيّة، والفن والهندسة في القرآن، والكتب المقدّسة والقرآن، والقانون والقرآن، والجزيرة العربيّة زمن الجاهليّة والقرآن، والسياسة والقرآن، والإعلام والقرآن، والحديث والقرآن، والأدب والقرآن، والصوفية والقرآن، ومخطوطات القرآن، وقراءات القرآن، والأدب الفارسي والقرآن، والكتاب والفرقان، واللوح المحفوظ، والوحي والإلهام، وأسماء القرآن، ووحدة النصّ القرآني، والمصحف، واللاهوت والقرآن، وهيئة القرآن وبنيته، والأساطير في القرآن، والخطابة والقرآن، والسور والآيات، والاستخدامات الشعبية والسحرية للقرآن، والدواء والقرآن، والسيرة والقرآن، والأخلاق والقرآن، وأسباب النزول، والأدوات البحثيّة للقرآن، والنساء والقرآن، وعلم الآثار والقرآن، والدراسة الأكاديميّة حول القرآن بعد عصر التنوير، والأدب التركي والقرآن، والثقافة المادّيّة والقرآن، وتفسير القرآن في مطلع العهد الحديث والمعاصر، والتعدّديّة الدينيّة والقرآن...



[19]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.



[20]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.



[21]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.



[22]- الاستشراق والعلوم الإسلامية بين نقلانية التأصيل وعقلانية التأويل، م. س، ص356.



[23]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.



[24]- القرآن الكريم برواية روش عن نافع عن الأزرق.



[25]- Janne Dammen MC Auliffe: Encyclopedia of the Quran, Leiden, Brill, Hollande, 2001.



[26]- Mohammed Arkoun: L’Islam: religion et société. Interviews dirigées par Mario Arosio. Traduit de l’italien par Maurice Borrmans (Paris, Éditions du Cerf. 1970); Essais sur la pensée islamique (Paris, Maisonneuve et Larose, 1973; 2e éd. 1984); La Pensée arabe, (Paris, Que sais-je? PUF, 1975; 7e édition, Paris, Quadrige, PUF, 2008); Lectures du Coran (Paris, Maisonneuve et Larose, 1982; 2e éd. Tunis, Alif, 1991; 3e éd. Paris, Albin Michel, 2016); Pour une critique de la raison islamique (Paris, Maisonneuve et Larose, 1984).



[27]- استهدف سلمان رشدي، في روايته (آيات شيطانية) (1988)، الإساءة إلى رسول الله محمد.