البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نقد رؤية إجناتس جولدتسيهر حول تعدّد قراءات القرآن

الباحث :  حسن علي مطر الهاشمي
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  45
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 2 / 2026
عدد زيارات البحث :  50
تحميل  ( 570.816 KB )

حسن علي مطر الهاشمي[*]

الملخّص

لقد اتّسمت كتابات المستشرقين في تناول الموضوعات الإسلاميّة في الأعمّ الأغلب -إلّا من رحم ربّي- بالتحامل والانحياز وعدم الحياد العلميّ، وذلك لانطلاقهم إمّا من خلفيّات دينيّة أو حضاريّة أو سياسيّة، أو بسبب الجهل بحقيقة الإسلام وقراءته من خلال تكوين الأحكام المسبقة، وبذلك كان أغلبهم في دراسة الإسلام والقرآن كمن يضع الحصان خلف العربة، فلم يسلَموا من التعسّف والشطط.

يسعى هذا البحث إلى مناقشة ونقد جانب من ما طرحه المستشرق إجناتس جولدتسيهر[1]، من خلال ذلك إلى توظيف هذه الظاهرة في الطعن على القرآن والإسلام، وذلك في كتابه المعروف (مذاهب التفسير الإسلامي)[2].

وهناك الكثير من الأفكار في هذا الكتاب تحتاج إلى النّقد، وقد علّق مترجمُ هذا الكتاب أحيانًا تعليقات نقديّة في أسفل الكتاب بشكلٍ طفيف، لكنّنا لا نجد الكثير من الدراسات المستقلّة فيما كتبه هذا الرجل الذي أثَّر كثيرًا في المستشرقين فيما بعد، وهم بدورهم أثّروا في كثيرٍ من المفكّرين المسلمين، لا سيّما العلمانيّين وأمثالهم. وسوف يقتصر نقدنا له في هذا الشأن على ما ورد من كلامه في قضيّة تعدّد القراءات من هذا الكتاب، وما رتّب عليها المسترقون وغيرهم من أحكام في القرآن والنبيّ والوحي والإسلام.

 كلمات مفتاحية: إجناتس جولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، تعدّد قراءات القرآن، الأحرف السبعة.

المقدّمة

 تزخر الكتب والدّراسات الإسلاميّة والغربيّة بالحديث عن النتاج العلميّ الكبير والمتنوّع للمستشرق اليهوديّ الأصل جولدتسيهر (غولدزيهر)، الذي اشتُهر بغزارة إنتاجه عن الإسلام، وأنّه أحد المستشرقين الكبار الذين قرأوا تجربة المسلمين بشموليّة، وممّن عمّقوا البحث في مدارس تفسير القرآن الكريم ومناهجه، والحديث النبوي الشريف، وما يرتبط بها من علوم ومعارف، وقد عدّه المستشرقون من أعمق العارفين بالحديث النبوي، ويمكن القول: إنّ «جولدتسيهر» خاض في الإسلام من كل النواحي، ولا سيما من النواحي المنهجية والمبنائية، وهو ما تظهِره شهادات العديد من المستشرقين، منها ما قاله المستشرق كارل هنريش بكر في حقّه: «مهما تكن التّطوّرات والتعديلات التي تطرأ على بحث الإسلام في المستقبل، فممّا لا شكّ فيه أنّ هذا البحث سيقوم دائمًا على الأسس والمناهج التي وضعها جولدتسيهر»[3]. وقال ثيودور نولدكه في رسالة أرسلها إلى «جولدتسيهر» بمناسبة صدور كتابه «دراسات محمديّة»: «مَن على الأرض أفهم للحديث منك؟ ولا حتى سنوك هرخونه ينافسك في ذلك»[4].

ويؤكّد إدوارد سعيد على ضرورة دراسة أمثال (جولدتسيهر) كمدخل لفهم الاستشراق، حيث قال: «أي عمـل يهـدف إلى تقـديم فهـم للاستـشراق الجـامعي، ثـم لا يـولي إلّا اهتمامًا ضئيلًا لباحثين مثل... (جولدتسيهر)... يجب أن يُقابل بالتأنيب»[5].

 كما تعتبر دراسة جولدتسيهر حولَ التفسير والمذاهب التفسيريّة عند المسلمين واحدة من أهمّ الدّراسات التي قدّمت خلال القرنين الماضيين في الوسط الاستشراقي. حيث خصّص كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي» لبيان كيفيّة دراسة المسلمين وقراءاتهم التفسيريّة للقرآن الكريم، يستهلّ جولدتسيهر هذا الكتاب بالحديث عن الخطوة الأولى من خطوات تفسير القرآن، وهي الخطوة التي تكوِّن تاريخ النص نفسه، وعمّا فيه من اختلاف في القراءات، وعن الأسباب التي ترجع إليها هذه الاختلافات. وبعد هذا يبدأ الكلام في الاتجاهات المختلفة في تفسير القرآن، فيتناول بالحديث أولًا الاتجاه القديم الذي تمثله مدرسة ابن عباس، ويمتاز بنفور أصحابه من «التفسير»، واقتصارهم على الشرح الحرفي الذي لا يكاد يتجاوز النحو ومعاني الألفاظ؛ لأنّهم كانوا يشعرون بأن من الخطأ أن يريد الإنسان أن يعرف أكثر مما أراد الله لنا أن نعرف...، وهكذا يناقش جولدتسيهر حركة التفسير والمفسّرين عند المسلمين بطريقة استدلاليّة مليئة بالأحكام والنتائج العلميّة، بغضّ النّظر عن واقعيّة هذه النتائج وصحّتها.

ومن بين الدّراسات التي قدّمها المستشرقون حول القراءات القرآنيّة، هو ما قام به جولدتسيهر، وقد ضمّنه في الفصل الأوّل من كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»، وقد أثار مجموعةً من الشّبهات تتداولها الكتب الاستشراقيّة، بل وبعض الكتّاب المعاصرين، وتعتبر دراسته من أشهر الدّراسات الاستشراقيّة التي قُدّمت حول القراءات القرآنيّة بعد دراسة شيخ المستشرقين نولدكه[6].

رؤية إجناتس جولدتسيهر بشأن تعدّد قراءات القرآن

فيما يتعلّق بظاهرة تعدّد القراءات يذهب إجناتس جولدتسيهر إلى القول: «لا يوجد كتاب تشريعي ـ اعترفت به طائفة دينية اعترافًا عقديًا على أنه نصّ منزل أو موحى به ـ يقدّم نصّه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات، كما نجد في نص القرآن»[7]. نلاحظ هنا أن جولدتسيهر يتّهم القرآن بالاضطراب وعدم الثبات استنادًا إلى مفهوم تعدد القراءات في بعض ألفاظ القرآن الكريم، وهو بذلك يغفل عن أن القرآن الكريم شيء والقراءات شيء آخر، فالقرآن الكريم كان منذ الرعيل الأول ولا يزال إلى هذا اليوم وسيبقى محفوظًا في صدور الأجيال وذاكرتهم، وليس للقراءات فيه من موضع سوى اجتهادات تُنقل من بعض الرواة والقرّاء، وتكون موضعًا للأخذ والردّ بينهم، دون أن يلزِموا بها أحدًا من المسلمين، ودون أن تمسّ جوهر القرآن الكريم وحقيقته.

الحرص على حفظ القرآن

وعلى الرغم من وجود الحرص الكبير من قبل الرعيل الأول من المسلمين على حفظ القرآن من التحريف، يذهب إجناتس جولدتسيهر إلى التمادي في ذلك ويقول: «إن الميل إلى توحيد النص الأصلي غريب على الإسلام في بادئ الأمر، أو هو على الأقل أمر غير ذي بال»[8]. مع أن المسلمين الأوائل من حملة القرآن كانوا إذا اختلفوا وتنازعوا في شيء من القرآن، ذهبوا إلى رسول الله ليفصل بينهم ويثْبِتهم على القراءة الصحيحة. وممّا يؤكّد ذلك -على سبيل المثال دون الحصر- ما ورد عن عبد الله ابن مسعود، قال: تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون، أو ست وثلاثون آية. قال: فانطلقنا إلى رسول الله فوجدنا عليًّا يناجيه. قال: فقلنا إنّما اختلفنا في القراءة. قال: فاحمرّ وجه رسول الله، وقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم». قال: ثم أسرّ إلى علي شيئًا. فقال لنا علي: «إن رسول الله يأمركم أن تقرأوا كما عُلّمتم»[9].

وبذلك لا يكون الميل إلى توحيد النص الأصلي غريبًا على الإسلام -كما يزعم جولدتسيهر- بل هو قائم في صلب اهتمامه؛ كيف لا؟! وهو ليس مجرّد آخر الكتب النازلة من السماء فحسب، بل وهو معجزة خاتم الأنبياء بلفظه ومعناه. وقد بلغت شدّة الاهتمام من الله سبحانه وتعالى في حفظ القرآن من التبديل والتحريف أن كان ينزل جبرائيل ليعرض القرآن على النبي الأكرم مرّة في كل عام، وفي السنة الأخيرة من حياة رسول الله تمّ عرض القرآن عليه مرتين. وقال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9).

وقد اتخذ جولدتسيهر من دعواه القائلة بتسامح المسلمين في التعاطي مع تلك القراءات وعدم استبعادهم لها «لصالح نصّ اعتُمدت صحّته وحده» دليلًا على عدم كونه نصًّا إلهيًّا؛ إذ النصّ الإلهيّ -على حدّ تعبيره- «إنّما يمكن أن ينسب إلى نفسه حقّ الصدور عن الله إذا جاء في قالب موحّد متلقّى من الجميع بالقبول»[10]. وكان على جولدتسيهر في ذلك أن يثبت العرش ثم ينقش عليه، وقد ثبت أن المسلمين لم يكونوا يتسامحون في التعاطي مع القراءات المختلفة، وكانوا يتنازعون في ذلك وينكر بعضهم على بعض، ويتحاكمون إلى رسول الله وإلى الراسخين في العلم من أهل البيت، فيرشدونهم إلى الصواب ويأمرونهم بالقراءة كما تمّ تعليمهم على ما أسلفنا في المأثور أعلاه.

هناك الكثير من الأسباب التي كانت تدعو إلى اختلاف قراءة النص القرآني، وقد ذكر إجناتس جولدتسيهر أن قسمًا كبيرًا من هذه الاختلافات يرجع إلى خصوصية الخط العربي، حيث كان يخلو من التنقيط والتحريك والشكل، وكان ذلك عنده -كما جاء في نصّ كلامه- هو (السبب الأوّل في نشأة حركة اختلاف القراءات في نصّ لم يكن منقوطًا أصلًا، أو لم تتحرّ الدقّة في نقطه أو تحريكه)[11]. ثم ساق بعض الأمثلة على ذلك.

ولكن هذا إنما يكون -كما لا يخفى- إذا تمّ الاقتصار من قبل المسلمين على تداول خصوص القرآن المكتوب. ولم يكن الأمر كذلك، بل كان القرآن يُقرأ بلفظه، ويُتلى بين جميع المسلمين آناء الليل وأطراف النهار، طبقة تأخذه عن طبقة، وكان بذلك يتمّ تدارك الخلل إن وقع خطأ في قراءة المكتوب بغير لفظه، وعلى هذا الأساس لم يكن الأمر بهذه الخطورة من هذه الناحية، وبقيت بقيّة من تلك الأخطاء مجرّد قراءات يتمّ تداولها في كتب القراءات دون أن تمس جوهر القرآن نفسه.

وفي سياق الأمثلة التي يذكرها جولدتسيهر لهذا النوع من أسباب اختلاف القراءات؛ حيث يختلط على القارئ أمر الياء والتاء والباء والنون والثاء بسبب عدم وجود النقط، يذكر إجناتس جولدتسيهر مثلًا يثبت به أن الأمر في اختلاف القراءات من هذه الناحية يفوق مجرّد الخلط بين الحروف، وإنما يعزوه إلى الاستمزاج؛ إذ يقول بالنسبة إلى الآية الرابعة والخمسين من سورة البقرة: (يدور الحديث حول غضب [النبي] موسى حين علم بصنع بني إسرائيل عجلًا من ذهب وعبادتهم إياه؛ فهو يقول: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 54). أي: فليقتل بعضكم بعضًا ... وربما كان مفسّرون قدماء معتدّ بهم ... قد وجدوا هذا الأمر بقتل أنفسهم أو بقتل الآثمين منهم أمرًا شديد القسوة، وغير متناسب مع الخطيئة؛ فآثروا تحلية الحرف الرابع من هيكل الحروف الصامتة: «فأقيلوا» بنقطتين من أسفل، بدل التاء المثنّاة من أعلى؛ فقرأوا: «فأقيلوا أنفسكم»؛ بمعنى: حققوا الرجوع إلى ما فعلتم؛ أي: بالندم على الخطيئة المقترفة)[12]. ثمّ قال: «وهذا المثال يدلّ فعلًا على أن ملاحظات موضوعية قد شاركت في سبب اختلاف القراءة، خلافًا للأمثلة السابقة التي نشأ الاختلاف فيها من مجرّد ملابسات فنّية ترجع إلى الرسم»[13].

ولا يخفى ما في هذا الكلام من شطط وخروج عن دائرة البحث في خصوص هذا المثال؛ إذ المفترض من جولدتسيهر أنه يبحث هنا في ما يعدّ معتبرًا من القراءات السبع أو العشر، في حين أن هذه القراءة بالتحديد لم يرد ذكرها في أيّ واحدة من تلك القراءات بما في ذلك القراءات الشاذة، ولم ترد في كتب الحديث، وإنما ورد نقلها في البحر المحيط عن قتادة بن دعامة، وهو ليس من القرّاء أصلًا، وفي الوقت نفسه ينقل عنه القول بقراءة «فاقتلوا أنفسكم» أيضًا؛ حيث قال ما نصّه: «قرأ قتادة -فيما نقل المهدوي وابن عطية والتبريزي وغيرهم- فأقيلوا أنفسكم. وقال الثعلبي: قرأ قتادة: فاقتلوا أنفسكم»[14]. وعليه لا يبعد أن يكون هذا القول من قتادة -لو صحّ عنه- قد ورد منه على سبيل التفسير -دون القراءة- لـ«فاقتلوا أنفسكم» بإقالتها بالتوبة، وحتى التوبة إنّما تتحقّق هنا بالقتل على ما ورد في البحر المحيط: «إن قلنا: إنّ التوبة هي نفس القتل، وأنّ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، فتكون هذه الجملة بدلًا من قوله: فتوبوا»[15]. وبذلك لا يتمّ لإجناتس جولدتسيهر ما رامه من خلال ذكره لهذا المثال، وكان حريًّا به أن لا يذكره لو كان حريصًا على الموضوعية في حدّها الأدنى، ولم تكن هناك غاية يضمرها في نفسه.

وعلى الرغم من أن ظاهرة اختلاف القراءات لم تشكّل خطرًا داهمًا على القرآن الكريم بعد إحاطة المسلمين له بالحماية والصيانة عبر الأجيال، ولكنّها بلا شك قد شكّلت أرضيّة خصبة لأعداء الإسلام والمتصيّدين في المياه العكرة واتّخاذها مادّة للطعن في القرآن الكريم؛ كما صرّح بذلك إجناتس جولدتسيهر نفسه، حيث قال: «قد رُويَت أمثال تلك الزيادات في النص عن اثنين من صحابة الرسول بوجه خاصّ... عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب، وقد انتفع فعلًا رجال الجدل المسيحيون بقراءة الأول؛ فاتخذوها حجّة للطعن في صحّة القراءات المشهورة»[16].

بيد أن الحجّيّة لكل واحدة من هذه القراءات المختلفة والمتعارضة إنّما يمكن التمسّك بها بعد إثبات صدورها وتواترها عن رسول الله، وهذا ما لم يثبت، وأقصى ما أمكن هو إثبات تواترها عن أصحابها فقط، وإن القول بأنّ اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءته، إنّما يثبت تواتر نفس القرآن، لا تواتر كيفيّة قراءته. هذا، وإن حصر القراءات في السبع إنّما حدث في القرن الثالث للهجرة، ولم يكن لها قبل ذلك عين ولا أثر. ثمّ إنّ تواتر القرآن لا يستلزم القول بتواتر القراءات؛ لأنّ الاختلاف في كيفيّة الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها. وإن الواصل إلينا بتوسّط القرّاء إنّما هو خصوص قراءاتهم، وأمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين وبنقل الخلَف عن السلَف، ولا دخل للقرّاء في ذلك أبدًا؛ ولذلك فإن القرآن ثابت بالتواتر حتى لو فرضنا عدم وجود هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة أصلًا، وإن عظمة القرآن الكريم -على حدّ تعبير السيد الخوئي (قده)- أرقى من أن تتوقّف على نقل هؤلاء القرّاء[17].

وقد اعترف بذلك الشيخ الزرقاني في مناهل العرفان، إذ قال: «يبالغ بعضهم في الإشادة بالقراءات السبع، ويقول: من زعم أنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر؛ لأنّه يؤدّي إلى عدم تواتر القرآن جملة... وقد تحمّس لرأيه كثيرًا...، ولكن دليله الذي استند إليه لا يسلَم؛ فإنّ القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن، كيف؟! وهناك فرق بين القرآن وبين القراءات السبع؛ بحيث يصحّ أن يكون القرآن متواترًا في غير القراءات السبع»[18].

القراءات وحديث الأحرف السبعة

وبعد أن عجزوا عن إثبات نسبة القراءات السبع أو العشر إلى رسول الله بصيغتها، فقد حاولوا ربط هذه القراءات بحديث الأحرف السبعة؛ حتى إذا ثبت تواتر حديث الأحرف عن رسول الله، ثبت تواتر القراءات تبعًا لذلك. والحق أن لا صلة لتعدّد القراءات بحديث الأحرف السبعة من قريب أو بعيد؛ وذلك لأنّ القراءات لم تكن محصورة بالسبعة ولم يحصرها بهذا العدد إلّا أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد -وكان على رأس الثلاثمئة ببغداد- حيث جمع قراءات سبعة من مشهوري أئمّة الحرمين والعراقين والشام، وهناك من اتّهم ابن مجاهد بتعمّد حصر القراءات بهذا العدد؛ لكي يوافق عددها عدد الأحرف السبعة. في حين أنّ معنى نزول القرآن على سبعة أحرف هي الموضوعات التي يتألّف منها القرآن؛ لما صحّ عن الإمام علي أنه قال: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شافٍ كافٍ: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل»[19].

ثم إن حديث الأحرف السبعة حتى إذا صحّ صدوره عن رسول الله؛ إلّا أنّ تفسيراته قد بلغت من التعدّد والكثرة بحيث ذكر لها بعضهم ما يزيد على الأربعين تفسيرًا، وقد ذكر منها السيوطي في الإتقان عن ابن حبّان خمسة وثلاثين وجهًا. وحيث تشعّبت الآراء حول المعنى الحقيقيّ لهذا الحديث، وماج فيه العلماء في حيص بيص، حتى عدّه بعضهم من الأحاديث المتشابهة التي لا يمكن أن يُهتدى إلى المراد الحقيقيّ منها، آثر بعضهم أن لا يخوض فيه أبدًا ويترك علمها إلى علّام الغيوب. وعليه لا مناص لنا من إفراد العنوان الآتي للحديث عن هذه الأحرف السبعة بسبب قول بعضهم جهلًا بأن الأحرف السبعة تعني القراءات السبعة.

وإلى ذلك أشار إجناتس جولدتسيهر بقوله: «بيد أن رأيًا وسطًا تمّ له الانتصار... وقد لقي هذا التوسّط في الأمر اعتماد المأثور في حديث لمحمد  صار نقطة البدء وحجر الأساس لإحقاق علم القراءات الذي ازدهر فيما بعد. ومقتضى هذا الحديث أن الله [سبحانه] أنزل القرآن على سبعة أحرف ينبغي عدّ كل منها صادرًا عن المصدر الإلهيّ. وهو حديث... يبدو عديم الصلة بهذا الرأي... الذي لم يقف علماء الدين الإسلاميون أنفسهم موقفًا واضحًا منه [حتى] ذُكر في تفسيره خمسة وثلاثون وجهًا لا علاقة له في الأصل بتاتًا باختلاف القراءات؛ بيد أن «كثرة إهاجة» نصّ القرآن حملت في وقت مبكر على تفسير الحرف في هذا المقام بالقراءة، واستخدام الحديث في الدلالة على التصويب المقيّد ببعض النظم والشروط للقراءات السائدة. وذلك لما رُوي من أنّ الرسول أصدر هذا المبدأ الأساسي حينما عُرضت عليه اختلافات في قراءة نصّ القرآن»[20].

وقال في موضع آخر: «وباطراد تنظيم العادات المتّصلة اتصالًا وثيقًا بالحياة الدينيّة، برزت الحاجة إلى إقامة حاجز حسب الإمكان في وجه الحريّة السائدة في تناول نصّ الوحي الإلهيّ؛ فلم يعد ممكنًا عمليًّا بعدُ أن يُقضى على هذه الحرّية بالكلّيّة، ويوحّد نص القرآن توحيدًا كاملًا. وكما أنّه في شؤون العبادات والمعاملات الفقهية، مع الاعتراف باختلاف المذاهب ... كذلك حصل في مسألة نصّ القرآن توفيق بين الحرّية الفرديّة ومطالب التسوية بين القراءات المختلفة. فلا اعتراف بصحّة قراءة، ولا تدخّل في دائرة التعبير القرآني المعجز المتحدّي لكل محاولات التقليد، إلّا إذا أمكن أن تستند إلى حجج من الرواية موثوق بها... بيد أن تقييد الحرية بهذه النظرة الناقدة لا يزال دائمًا كثير المرونة... وهنا يبدأ التفسير الحرفي للحديث الغامض الدلالة عن الأحرف السبعة؛ فكما حصل الاعتراف في التشريع [الفقهي] بأئمة المذاهب الأربعة، حصل الاعتراف أيضًا في دائرة القراءة القرآنيّة على مضيّ الوقت بسبع مدارس تمثّل كل منها اتّجاهًا في القراءة، ويؤيّد قراءات كلّ مدرسة إمامُها بالرواية المعتمدة. وينبغي قصر حقّ التساوي في إقامة النصّ القرآني على قراءات هذه المدارس السبع»[21].

وعليه لا مندوحة لنا فيما يلي من التعرّض إلى ما ورد ذكره في المصادر الإسلاميّة بشأن حقيقة هذا الحديث ومعنى الأحرف السبعة، وبيان ما إذا كان يمكن ربطه باختلاف القراءات وتعدّدها، وذلك ضمن العنوان أدناه:

نصّ حديث الأحرف السبعة

أخرج الطبري عن يونس وأبي كريب، بإسنادهما عن ابن شهاب، بإسناده عن ابن عباس، حدّثه أن رسول الله، قال: «أقرأني جبرئيل على حرف فراجعته، فلم أزل استزيده فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف»[22].

عن أبي كريب، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جدّه، عن أُبيّ بن كعب، قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلّي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فدخلنا جميعًا على رسول الله، قال: فقلت يا رسول الله، إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله فَقَرَءَا، فحسّن رسول الله شأنهما، فوقع في نفسي من التكذيب ... فلما رأى رسول الله ما غشيني ضرب في صدري، ففضْت عَرَقًا كأنما أنظر إلى الله فرَقًا. فقال لي: «يا أُبيّ، أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هوّن على أمّتي، فردّ عليّ في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هوّن على أمّتي، فردّ عليّ في الثالثة أن اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكلّ ردّة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمّتي، اللهم اغفر لأمّتي، وأخّرت الثالثة ليوم يرغب فيه إلى الخلق كلّهم حتّى إبراهيم»[23].

عن أبي كريب، بإسناده عن سليمان بن صرد، عن أُبيّ بن كعب قال: «رحت إلى المسجد فسمعت رجلًا يقرأ. فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله فانطلقت به إلى رسول الله فقلت: استقرئ هذا، فقرأ. فقال: أحسنت. قال: فقلت إنّك أقرأتني كذا وكذا. فقال: وأنت قد أحسنت. قال: فقلت قد أحسنت قد أحسنت. قال: فضرت بيده على صدري، ثمّ قال: اللهم أذهِب عن أُبيّ الشكّ. قال: ففضْتُ عرَقًا وامتلأ جوفي فرَقًا، ثمّ قال: إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده. قال: فقلت زدني. قال: اقرأه على حرفين حتى بلغ سبعة أحرف. فقال: اقرأ على سبعة أحرف»[24].

عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، قال: ما حاك في صدري شيءٌ منذ أسلمتُ، إلّا أنّي قرأتُ آيةً، فقرأها رجل غيرَ قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله. وقال الرجل: أقرأنيها رسول الله. فأتيت رسولَ الله؛ فقلت: أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: بلى. قال الرجل: ألم تُقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى، إن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد. وقال ميكائيل: استزدْه، قال جبريل: اقرأ القرآن على حرفين. فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ ستة أو سبعة ـ والشكّ من أبي كريب ـ وقال ابن بشار في حديثه: حتى بلغ سبعة أحرف -ولم يَشكّ فيه- وكلٌّ شاف كاف». ولفظ الحديث لأبي كريب[25].

عن أحمد بن منصور، بإسناده عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدّه، قال: «قرأ رجل عند عمر بن الخطاب فغيّر عليه. فقال: لقد قرأت على رسول الله فلم يغيّر عليّ. قال: فاختصما عند النبي، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى. فوقع في صدر عمر شيء؛ فعرف النبي ذلك في وجهه. قال: فضرب صدره. وقال: أبعد شيطانًا -قالها ثلاثًا- ثم قال: يا عمر إن القرآن كلّه سواء، ما لم تجعل رحمة عذابًا وعذابًا رحمة»[26].

عن محمد بن المثنّى، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أُبيّ بن كعب أنّ النبي كان عند إضاءة بني غفّار قال: فأتاه جبرئيل، فقال: «إنّ الله يأمرك أن تقرِئ أمتك القرآن على حرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمّتي لا تطيق ذلك. قال: ثمّ أتاه الثانية، فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمّتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة. فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمّتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة. فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا»[27].

عن أبي كريب بإسناده عن زرّ، عن أُبيّ، قال: «لقي رسول الله جبرئيل عند أحجار المراء، فقال: إنّي بُعثت إلى أمّة أمّيين منهم الغلام والخادم، وفيهم الشيخ الفاني والعجوز. فقال جبرئيل: فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف»[28].

عن عمرو بن عثمان العثماني، بإسناده عن المقبري، عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة»[29].

أخرج القرطبي عن أبي داود، عن أُبيّ، قال: قال لي رسول الله: «يا أُبيّ، إني أقرِئت القرآن، فقيل لي: على حرف أو حرفين. فقال الملَك الذي معي: قل على حرفين. فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة. فقال الملَك الذي معي: قل على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت سميعًا، عليمًا، عزيزًا، حكيمًا، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب»[30].

هذه أهمّ الروايات التي رُويت في هذا المعنى، وكلّها من طرق أهل السنّة، وهي إن حُملت على تعدّد القراءات، فسوف تكون مخالفة لما ورد في مصادرنا، ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر، أنه قال: «إن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة»[31].

وقد سأل الفضيل بن يسار أبا عبد الله، فقال: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال أبو عبد الله: «كذبوا -أعداء الله- ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد»[32].

إذن فالقراءة الصحيحة واحدة، وهي المأثورة -من وجهة نظر أصحابنا- عن أهل البيت؛ فقد ورد عن عبد الله بن فرقد والمعلّى بن خنيس، قالا: كنّا عند أبي عبد الله ومعنا ربيعة الرأي، فذكر القرآن؛ فقال أبو عبد الله: «إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضالّ». فقال ربيعة: ضالّ؟! فقال: «نعم ضال». ثم قال أبو عبد الله: «أما نحن فنقرأ على قراءة أُبيّ»[33]. وذيل الحديث إمّا أن يكون صادرًا بداعي التقيّة المداراتيّة، أو لأنّ قراءة أُبيّ بن كعب توافق قراءة أهل البيت؛ لأن الأئمة الأطهار لم يكونوا يأخذون عن غيرهم، وإن نسبة قراءة أُبيّ إلى قراءة أهل البيت كنسبة قراءة ابن مسعود إلى قراءتهم؛ فإذا كان أُبيّ بن كعب لا يقرأ على قراءتهم فهو ضالّ أيضًا لوحدة المناط.

بعض تفسيرات الأحرف السبعة

قيل: إنّ المراد من الأحرف السبعة هي المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، من قبيل: أسرع وعجّل وهلمّ، وهو مختار الطبري. ويردّه أن أكثر القرآن لا يتمّ فيه ذلك؛ فكيف يمكن تصوّر هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن. ثم إن أُريد بهذا أنّ النبي قد أذن بتبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربها في المعنى؛ فهذا يوجب هدم أساس القرآن الكريم، ولا يشكّ عاقل ببطلان هذا الكلام، وقد قال الله تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ (يونس: 15). فإذا كان لا يجوز هذا النوع من التبديل لرسول الله نفسه، فكيف يجوز لغيره؟!

وقيل: إنّ المراد بالأحرف السبعة هي الأبواب السبعة التي نزل منها القرآن، وهي: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. وقد استدلّوا لذلك بما رواه يونس بإسناده عن النبي، أنّه قال: «كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زاجرٌ وآمرٌ وحلالٌ وحرامٌ، ومُحكَم ومتشابه، وأمثال»[34].

ويردّ هذه الرواية أنّها مضطربة في مفادها؛ لأنّ الزجر والحرام بمعنى واحد؛ وبذلك لا تكتمل الأبواب سبعة؛ ثمّ إنّها معارضة برواية أبي كريب، عن ابن مسعود: «إن الله أنزل القرآن على خمسة أحرف: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال»[35].

إن الأحرف السبعة هي اللغات الفصيحة من لغات العرب، وهي: قريش، وهذيل، وهوازن، واليمن، وكنانة، وتميم، وثقيف.

ولكن هذا ينافي ما روي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «نزل القرآن بلغة مُضر». وفي مورد آخر كتب إلى ابن مسعود: «سلام عليك، أمّا بعد فإنّ الله أنزل القرآن، فجعله قرآنًا عربيًّا مُبينًّا، وأنزله بلغة هذا الحيّ من قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل»[36].

إن المراد بالأحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءات. وهو الذي عليه مَعقِد الكلام في هذه المقالة؛ حيث سعى بعضهم إلى إثبات حجّية القراءات السبعة من خلال حملها على حديث: «نزل القرآن على سبعة أحرف».

ويردّه أنّه حمل بلا دليل، وقد سبق أن ذكرنا أنّ المخاطبين بتلك الروايات لم يكونوا يعرفون شيئًا عن القراءات السبع.

وحاصل الكلام أنّ نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح؛ وعليه لا بدّ من طرح الروايات الدالّة عليه، لا سيّما بعد أن دلّت الأحاديث المأثورة عن الإمام الباقر والإمام الصادق بأن القرآن إنّما نزل على حرف واحد، وإن الاختلاف إنّما يأتي من قِبل الرواة[37].

الأقوال في القراءات السبع

في العودة إلى القراءات السبعة نقول: «إن من الثابت بداهة وجوب قراءة القرآن على الطريقة المأثورة عن رسول الله؛ لأنه هو الذي تلاه كما نزل عليه، وقد تلقّى أصحابه هذه الطريقة منه سماعًا لا كتابة، ثمّ إنّ ما تمّت كتابته من القرآن الواحد لاحقًا لم يكن منقوطًا ولا مشكّلًا بحركات الإعراب». وعليه لا بدّ من تحرّي وإثبات القراءة التي قرأ بها رسول الله دون القراءات الأخرى. ولا يكون ذلك إلّا بعد إثبات تواتر القراءات السبع أو العشر.

وهي: قراءة ابن عامر الدمشقي، وابن كثير المكّي، وعاصم الكوفي، وأبي عمرو ابن العلاء البصري، وحمزة الكوفي، ونافع المدنيّ، وقراءة الكسائيّ الكوفيّ. وهناك من ادّعى تواتر ثلاث قراءات أخرى علاوة على هذه السبع، وهي: قراءة خلف، ويعقوب، ويزيد بن القعقاع.

فالمشهور بين علماء أهل السنّة أنّ القراءات السبع كلّها متواترة، حيث قالوا: «شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخّرين وغيرهم من المقلّدين أنّ السبع كلّها متواترة، أيّ كل حرف مما يروى عنهم، قالوا: والقطع بأنّها منزلة من عند الله واجب، ونحن نقول بهذا القول»[38].

ولكن الحقّ أنّ القراءات حتّى إذا قيل بتواترها عن أصحابها، إلّا أنّها ليست متواترة عن النبيّ الأكرم، قال أبو شامة في كتابه المرشد: «لا ينبغي أن يُغترّ بكلّ قراءة تُعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمّة السبعة، ويُطلق عليها لفظ الصحّة»[39].

هذا وقد ذهب من بين المتأخّرين من علماء الشيعة إلى القول بعدم تواتر القراءات كلّ من الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، والشيخ كاظم الخراساني في كفاية الأحكام، والشيخ الحائري اليزدي في كتاب الصلاة، والسيد أبو القاسم الخوئي في تفسير البيان.

أنماط اختلاف القراءات

ثمّ إنّ اختلاف القراءات يكون على نحوين:

النحو الأوّل: الاختلاف في المواد الناشئة عن الفهم الخاطئ لحديث: «نزل القرآن على سبعة أحرف»؛ فقد فهم منه عبد الله بن مسعود -وغيره من القرّاء- جواز قراءة القرآن على سبعة أنحاء؛ بمعنى أنه يجوز تبديل الألفاظ القرآنية بمرادفاتها. وقد نُقل عنه أنّه بدّل قوله تعالى: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (القارعة: 5)، بقوله: «كالصوف المنفوش». وحكي عن أبي بن كعب أنه بدّل قوله تعالى: كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ (البقرة: 20)، بقوله: «مرّوا فيه»، أو «سعوا فيه». وفي قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (المزمل: 6)، قرأ أنس بن مالك: «وأصوب قيلًا»، معلِّلًا ذلك بأن أصوب وأقوم وأهيأ بمعنى واحد.

وقد بلغ هذا الاختلاف حدًّا فزع منه حذيفة وهرع بسببه إلى عثمان بن عفان، وقال له: «أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى». وفي رواية أن عثمان قال له: وما ذلك؟ فقال حذيفة: «إن أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام؛ فيكفّر بعضهم بعضًا».

النحو الثاني: الاختلاف في صور الألفاظ القرآنية، والظاهر أن منشأ هذا الاختلاف خلوّ المصاحف من النقط والحركات، ولذلك فقد اختلف القرّاء في قراءتها بحسب أذواقهم واجتهاداتهم.

وقد بدأ هذا الاختلاف بعد رحيل رسول الله وأصحابه الذين سمعوا القرآن منه، وكانوا يقرأونه كما سمعوه منه، وكان القرآن في عهدهم مسموعًا أكثر منه مكتوبًا. وأمّا البعيدون عن مكّة والمدينة ولم يدركوا النبي وأصحابه، فكانوا يعتمدون على ما يبلغهم من القرآن مكتوبًا من غير تنقيط ولا تشكيل، وقد أدّى ذلك إلى اختلافهم في كيفية قراءته.

ويشهد لذلك أن المصاحف التي كُتبت في عهد عثمان بن عفّان كانت خالية من النقط والإعراب، وأن ذلك قد أدّى إلى حدوث الاختلاف في القراءة على ما ذكره ابن الجوزي؛ حيث قال في ضمن كلام له: «إن المصاحف كتبت في خلافة عثمان من المصحف الذي كان عند حفصة، فوجّه بمصحف إلى البصرة، ومصحف إلى الكوفة، ومصحف إلى الشام، وترك مصحفًا بالمدينة، وأمسك لنفسه مصحفًا الذي يقال له «الإمام»، ووجّه بمصحف إلى مكة، وبمصحف إلى اليمن، وبمصحف إلى البحرين ... وجرّدت المصاحف جميعًا من النقط والشكل، ليحتملها ما صحّ نقله وثبت تلاوته عن النبي؛ إذ كان الاعتماد على الحفظ، لا مجرّد الخط»[40].

واستطرد بعد ذلك قائلًا: «ثم إن القرّاء بعد هؤلاء المذكورين كثروا... وكثر بينهم الاختلاف وقلّ الضبط واتّسع الخرق، وكاد الباطل يلتبس بالحقّ؛ فقام جهابذة علماء الأمّة وصناديد الأئمّة، فبالغوا في الاجتهاد، وبيّنوا الحق المراد ... وميّزوا بين المشهور والشاذّ، والصحيح والفاذ، بأصول أصّلوها، وأركان فصّلوها، ونعوّل كما عوّلوا عليها؛ فنقول: كلّ قراءة وافقت العربيّة، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانيّة، ولو احتمالًا، وصحّ سندها، فهي القراءة الصحيحة ... سواء أكانت عن الأئمّة السبعة أو العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين. ومتى اختلّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذّة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عمّن هو أكبر منهم»[41].

ويُستفاد من كلامه هذا أنّه لا يقول بتواتر القراءات، وإلّا لما صحّ منه تأسيس أصل للصحّة وعدمها، وهذا هو الحقّ، وذلك للأسباب الآتية:

أوّلًا: ما ذكره أصحاب التراجم من أنّه ليس لمشايخ القراءات أسانيد كثيرة جامعة لشروط التواتر الذي معناه امتناع اجتماع الرواة على الكذب عادة، ثمّ إنّنا لو سلّمنا التواتر، فإنّما هو عن المشايخ السبعة فقط، كما عن الزركشي في البرهان؛ حيث قال: «إنّ القراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل مشهورة ... والتحقيق إنّها متواترة عن الأئمّة السبعة، أما تواترها عن النبي ففيه نظر»[42].

ثانيًا: لو سلّمنا التواتر في الطبقات السابقة واللاحقة بهم، لكن التواتر منقطع بهؤلاء المشايخ أنفسهم؛ لأنّهم تفرّدوا برواية قراءاتهم لتلاميذهم.

ثالثًا: إنّ طعن بعض العلماء على بعض القرّاء السبعة يكشف عن عدم التواتر؛ إذ لا يجوز الطعن في المتواتر، فقد نُقل عن أحمد إمام الحنابلة أنّه يكره أن يصلي خلف من يصلّي بقراءة حمزة. وقال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي أنّه قال: «لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة؛ لأوجعت ظهره وبطنه»[43].

رابعًا: إنّ المراد من (نزول القرآن على سبعة أحرف) الوارد في الحديث ليس هو القراءات السبع -كما سبق أن أثبتنا- حتى تكون هذه القراءات متواترة لتواتر حديث الأحرف السبعة؛ إذ يمكن أن يكون الحديث متواترًا والقراءات نفسها غير متواترة. قال أبو شامة: «ظنّ قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنّما يظنّ ذلك بعض أهل الجهل»[44].

وخلاصة القول: إنّ تواتر القراءات سبع كانت أو أكثر لم يثبت، ولا إجماع عليه لا عند الإمامية ولا عند غيرهم، فيمكن للباحث إذن أن يطلب دليلًا على جواز القراءة بالقراءات كلّها أو بعضها نفيًا أو إثباتًا.

القراءة الراجحة من بين سائر القراءات

لا شكّ في أنّ الراجح من بين القراءات كلّها هي القراءة الموافقة للقرآن الكريم الذي يتداوله جميع المسلمين منذ القدم إلى يومنا هذا، وهي قراءة حفص الأسدي، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الإمام علي بن أبي طالب.

وفي ذلك يقول ابن الجزري: «كان عاصم هو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، ورحل إليه الناس للقراءة من شتّى الآفاق. جمع بين الفصاحة والتجويد والإتقان، والتحرير، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن»[45].

وقال أبو بكر بن عياش: «لا أحصي ما سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ما رأيت أحدًا أقرأ للقرآن من عاصم. وقال عبيد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم، فقال: رجل صالح ثقة خير»[46].

وكان العلّامة الحلي يقول: «أحبّ القرآن إليّ ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر بن عيّاش»[47][48].

أخطاء جولدتسيهر في بيان القراءات المعتمدة

لقد تعسّف إجناتس جولدتسيهر في بعض الموارد التي ساقها بوصفها من الأمثلة على الاختلافات المقبولة (في القراءات المعتمدة من قبل السبعة) في الهيكل المرسوم بالنقط، على الرغم من أنّها لم تعتمد في القراءات السبع ولا في العشر ولا في الأربع عشرة، بل هي منكرة ولم يُعرف على وجه التحديد من قرأ بها، ونذكر منها ما يلي:

الآية الثامنة والأربعون من سورة الأعراف: وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. وفيها قال جولدتسيهر: «قرأ بعضهم (تستكثرون) بدلًا من (تستكبرون)»[49].

الآية الرابعة عشرة بعد المئة من سورة التوبة: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ. قال جولدتسيهر: «في قراءة -من الغريب أنها قراءة حمّاد الراوية- بالباء الموحّدة»[50].

الآية الرابعة والخمسون من سورة البقرة: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قال جولدتسيهر: «آثروا تحلية الحرف الرابع من كلمة فاقتلوا، وإبدال التاء ياءً، فقرأوا: (فأقيلوا أنفسكم)»[51]. وقد تقدّم الكلام فيها.

الآية التاسعة من سورة الفتح: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قال جولدتسيهر: «قرأ بعضهم (تعزّزوه) بدلًا من (تعزروه)»[52].

الآيتان الثانية والثالثة من سورة العنكبوت: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. يزعم جولدتسيهر وجود قراءة كلمة (فليُعْلِمنّ) بدلًا من (فليَعْلمَنّ)، وذلك لرفع شبهة أن الله سيعلم بعد الاختبار والافتتان[53]. هذا في حين أن هذه القراءة ليست من القراءات المعتمدة لا في السبع ولا حتى في الأربع عشرة، ومع ذلك لم تحدث مثل هذه الشبهة لدى المسلمين.

الآية 112 من سورة الأنبياء: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ. قال جولدتسيهر: «لم يرتض أحد ثقات القرّاء -ويبدو أنّ تصحيحه لم يجد قبولًا- أن يطلب محمّد إلى الله أن يحكم بالحق، كأنّما في الإمكان أن يحكم بغير ذلك؛ فأراد رفع هذه الشبهة بتحويل الصيغة ... من صيغة الدعاء إلى صيغة التفضيل ... [فقرأ]: (ربي أحكَم بالحق)»[54]. وهي قراءة للضحّاك بن مزاحم، وهو ليس من ثقات القرّاء كما زعم جولدتسيهر، ولم تعتمد هذه القراءة لا في القراءات السبع ولا في الأربع عشرة، وهذا يعني أنّها لم تبلغ حتى مرتبة القراءة الشاذة أيضًا.

الآية السادسة بعد المئة من سورة البقرة: مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قال جولدتسيهر: «قرأ سعيد بن المسيّب: (ننساها) بإسناد النسيان إلى الله [سبحانه]، وبديهي أن سعد بن أبي وقاص غضب حين بلغه ذلك عنه فقال: إن القرآن لم ينزل على المسيّب ولا على آل المسيّب»[55].

ويردّه أن ابن المسيّب إنّما حذف الهمزة بداعي التخفيف مع بقاء معنى التأجيل والتأخير دون نسبة النسيان إلى الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- فإنّ مثل هذا لا يمكن أن يدور في خُلد أحد، كيف لا؟! والقرآن الكريم صريح في قوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (مريم: 64). ثم إن ابن المسيب لو كان أراد بذلك معنى النسيان؛ لجرّ عليه نقمة الكثير من الصحابة إذا لم يكن كلّهم، ولمَا انفرد سعد بن أبي وقاص وحده في الغضب والغيرة على القرآن، وأمّا انفراده في الغضب حقيقة، فقد كان لعدم ثبوت هذه القراءة عنده.

الآية السادسة بعد المئة من سورة المائدة: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ. قال جولدتسيهر: «كأنما بدا لعامر الشعبي أن إيقاع الكتمان على مفعوله الذي هو (شهادة الله) غير لائق [على الله]؛ فتخلّص من ذلك ... بتنوين لفظ (شهادة) على حذف الإضافة، ومدّ همزة الله على ابتداء جملة جديدة»[56].

وهذه القراءة لم ترد في القراءات السبعة، ولا حتى في العشرة، فلم تبلغ حتى مرتبة الشذوذ، وبذلك كان الإنصاف العلمي يقتضي من إجناتس جولدتسيهر أن لا يذكرها.

وفيما يتعلّق بجواز تغيير بعض عبارات القرآن نجد إجناتس جولدتسيهر يقول: «إن عبد الله بن أبي سرح -أخا عثمان من الرضاعة- الذي دخل في الإسلام قبل فتح مكة، ثمّ ارتدّ بعد وفاة الرسول، ثمّ احتلّ ثانيًا منصبًا بارزًا في الدولة الإسلامية على عهد عثمان، كان من كتّاب الوحي عند الرسول [صلى الله عليه وآله]. وقد روى أنّه في حديثه عن عمله هذا [كاتبًا لرسول الله] افتخر أمام القريشيين بما كان يتمتّع به من النفوذ عند الرسول؛ فقال: إنه كان يحوّل النبي كما يريد، وقال: كان يملي عليّ مثلًا: عزيز حكيم، فأقول: هل أكتب: عليم حكيم؟ فيقول النبي: نعم، كلٌّ صواب»[57].

والحق أن هذا يتعارض مع صريح الآيات التي تحظر على الرسول الأعظم التصرّف في ألفاظ الآيات الكريمة وتغييرها من تلقاء نفسه، وتوجب عليه اتّباع ما يوحى إليه بلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل، وإلّا لاستوجب العذاب الأليم جزاء للكذب على الله (عزّ وجل) -والعياذ بالله- ونسبة ما ليس منه إليه، قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (يونس: 15-17).

فهذه الآية تناقض الأصل الذي يجوِّز افتراء الكذب على الله (عزّ وجل)، فيدّعي كل قارئ قرآنيةَ كلّ ما يتكلّم به، فيغيّر ألفاظ القرآن ويبدّلها كما يحلو له، وكلّه كذب على الله وافتراء على رسوله.

ثم ما نفعل بمثل الآيات التي يُستفاد منها عدم جواز تغيير آيات الله وتبديل كلماته بغيرها كقوله تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (الكهف: 27). وغيرها مما يقارب مضمونها؟!

وعليه نستطيع الجزم ببطلان هذا الكلام، فقد ذَكرت كتب التفاسير أن سبب نزول الآية المباركة: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ (الأنعام: 93). هو التنديد بعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري -ابن خالة عثمان وأخيه من الرضاعة- حينما خان الله ورسوله في كتابة الوحي، حيث كان رسول الله يملي عليه (عزيز حكيم) فيقول سعد: (أو عليم حكيم). فيصوّب النبي  كلام ابن سعد ويقرّه على أنّ هذه كلّها صفات الله (عزّ وجل)، ولكن يجب إبقاؤها كما أنزلها الله (عزّ وجل)، وأن يلتزم بكتابة ما يسمعه فقط، فكونها من صفات الله (عزّ وجل) لا يعني جواز تغيير ألفاظ القرآن على ما يقتضيه المزاج! ولكنه لم يعبأ بما قيل له وأخذ يغيّر القرآن ويكتبه محرّفًا، ففي الكافي عن أبي بصير، عن أحدهما قال: سألته عن قول الله (عزّ وجل): وَمَنْ أَظْلَمُ ممَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ. قال: نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو من كان رسول الله يوم فتح مكة هدر دمه، وكان يكتب لرسول الله فإذا أنزل الله (عزّ وجل): ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ كتب: «إن الله عليم حكيم»؛ فيقول له رسول الله: «دعها، فإن الله عليم حكيم». وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين: إنّي لأقول من نفسي مثل ما يجيء به، فما يغيّر عليّ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل»[58].

لقد كذب ابن أبي سرح في ادّعائه أنّ النبيّ أقرّه على تلك الزيادة، وإلّا لو كان الأمر كذلك لما نفاه وأهدر دمه. فشفع له عثمان بن عفان خلافًا لرغبة الله ورسوله.

قال البلاذري في فتوح البلدان عن الواقديّ: «أوّل من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتدّ ورجع إلى مكة وقال لقريش: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمّد. وكان يملي عليه (الظالمين) فيكتب (الكافرين). يملي عليه (سميع عليم)، فيكتب (غفور رحيم). وأشباه ذلك. فأنزل الله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ (الأنعام: 93). فلمّا كان يوم فتح مكّة أمر رسول الله بقتله، فكلّمه فيه عثمان بن عفان وقال: أخي من الرضاع وقد أسلم. فأمر رسول الله بتركه، وولّاه عثمان مصر»[59].

وذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين: (فأما عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، فإن الأخبار الصحيحة ناطقة بأنه كان كاتبًا لرسول الله، فظهرت خياناته في الكتابة؛ فعزله رسول الله، فارتدّ عن الإسلام ولحق بأهل مكة)[60].

وعلى أيّ حال، فهذه الحادثة تعدّ أدلّ دليل على إنكار الرسول الأعظم لتبديل ألفاظ القرآن بغيرها ولو بمرادفاتها نحو (عليم حكيم) بدلًا عن (عزيز حكيم) وهو عين منطوق روايات الأحرف السبعة، وعلى ذلك فسيرة النبي الأكرم كاشفة عن كذب هذه الرخصة، وأنّها تعتبر خيانة لله ولرسوله، نعوذ بالله من الخذلان.

وهناك نص يبين عدم رضاه بتغيير ترتيب الآيات والانتقال من آية في سورة إلى آية في سورة أخرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: «مرّ رسول الله على بلال وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: بأبي أنت يا رسول الله، إني أردت أن أخالط الطيب بالطيب، فقال: «اقرأ السورة على نحوها»[61]. فكيف يُظنّ به يرضى بخلط القرآن بكلام البشر مع أنه لا يرضى بخلط كلام الله ببعضه»؟!

وقد ورد في مصنّفات أهل السنّة الروائيّة عدد من الروايات التي تحكي حدوث اختلاف بين الصحابة في زمن الرسول في قراءتهم لآيات القرآن، فأخبروه بذلك فاحمرّ وجهه وتربّد وحذّرهم مغبّة الاختلاف في القرآن لئلا يكونوا كالذين من قبلهم أضاعوا كتب الله باختلافهم فيها فهلكوا وأهلكوا. وقد جاء هذا المعنى في عدّة مصادر منها مسند أحمد عن ابن مسعود قال: «تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية قال: فانطلقا إلى رسول الله فوجدنا عليًّا يناجيه، فقلنا: إنا اختلفنا في القراءة. فاحمرّ وجه رسول الله . فقال علي: إنّ رسول الله  يأمركم أن تقرؤوا كما عُلّمتم»[62].

وقد زاد الطبري في تفسيره: فاحمرّ وجه رسول الله وقال: «إنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم». قال: ثمّ أسرّ إلى عليٍّ شيئًا، فقال لنا عليّ: «إنّ رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما عُلّمتم»[63].

وهذه الحادثة دالّة على غضبه وعدم رضاه على من يتجاوز حدود ما علّمه لهم، حيث أوجب عليهم التزام قراءته بنص قوله «اقرأوا القرآن كما عُلّمتم»؛ لأنه معلِّم القرآن ومتلقّي الوحي، ولم يؤْثَر عنه قراءة آية ما بأشكال متعدّدة متغايرة، وإلّا لأوصلَته لنا رسله، ولصار حديث الأندية عند المشركين والمنافقين قبل المؤمنين، إذ كانوا يتربّصون به الدوائر، ويقتفون له الهِنَات، وهذا الأمر يناقض معنى الأحرف السبعة الذي يسمح للجميع بقراءة القرآن كيفما أرادوا بتبديل كلمات الآيات.

ومن هنا لا يمكن لنا أن نقرّ إجناتس جولدتسيهر في قوله: «والظاهر أن القصد إلى إمكان تجهيز مثل هذه الحرية بحقّ من الصحّة لا يقبل الشك، حدًّا إلى إسناد جواز ذلك إلى الرسول نفسه؛ فإنّه يبدو بمكان غير هيّن من الغرابة أن نرى قراءات مخالفة للنصّ المشهور، ذكرت على أنّها قراءات الرسول؛ ممّا يدعو إلى افتراض أنه لا حرج في رواية كلام الله على وجه آخر غير الوجه الذي بلّغه الرسول في الأصل»[64].







الخاتمة

لقد اعتبر «جولدتسيهر» أنّ أحد أسباب أو أوجه الاضطراب وعدم ثبات النّصّ القرآني، هو تعدّد القراءات القرآنيّة، واستخدم (جولدتسيهر) ما وسعه أن يستخدمه من معلوماتٍ منقوصةٍ وغير دقيقة، مستهدفًا التّشكيك في أصل النّصّ القرآني؛ وذلك من خلال تعدّد القراءات القرآنيّة، وقد أورد ثلاثة ملاحظات تدور حولها كلّ أبحاثه حول القراءات، وهي:

1- يرى أنّ المنتظر من النّصّ الإلهيّ أن يأتي في قالب موحّد متلقّى من الجميع بالقبول.

2- أنّ تعدّد القراءات القرآنيّة راجع إلى خصوصيّة الخطّ العربي (بغير نقط أو ضبط) بحيث يمكن قراءة اللفظ المكتوب بصورٍ صوتيّة مختلفة ومتغيّرة المعنى والإعراب. وسيأتي توضيح ذلك في أسباب اختلاف القراءات حسب جولدتسيهر. فقال: «إذن فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط واختلاف الحركات في المحصول الموحّد القالب من الحروف الصامتة كانا هما السبب الأوّل في نشأة حركة اختلاف القراءات في نصّ لم يكن منقوطًا أصلًا، أو لم تُتحرّ الدّقة في نقطه أو تحريكه»[65].

3- أنّ التابعين وعلماء المسلمين قد عملوا بتفكيرهم المحض في تغيير قراءات قرآنيّة بناء على ما يسمّيه «ملاحظات موضوعيّة» أو «خلافات فقهية»؛ فالنّصّ القرآنيّ -في نظر»جولدتسيهر»- قد تعرّض بعد كتابته لعمل الأيدي والعقول المسلمة بالتغيير والاختلاف؛ نتيجة لما تعرّض له المسلمون من خلافٍ فقهيٍّ أو خلافات كلاميّة. وهذه المسألة ستتضح أكثر عند مناقشة هذه الفكرة في الفصل الثالث عندما نتعرّض لنقد كتاب «مذاهب التفسير الإسلامي».

وفي كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي» بدأ «جولدتسيهر» بحثه من عصر الصحابة الذين عايشوا النبيّ وعاصروه وخلفوه بعد ذلك لقرون عدّة، والظاهرة الملفتة للنظر في هذه الفترة الزمنيّة ظاهرة اختلاف القراءات، ولم يدرس هذه الظاهرة ببعدها الاختلافي في مجال القراءة، بل اعتبرها مظهرًا لتفسير القرآن في ذلك العصر. واعتبر أنّ ظاهرة القراءات المختلفة للقرآن الكريم أدّت إلى اضطراب في النص القرآني نفسه.

ومن خلال مراجعة كلامه في كتبه المختلفة، فقد أرجع ظاهرة القراءات المختلفة إلى أمرين:

الأمر الأوّل: شكل النّصّ العربيّ: فالنّصّ العربيّ بشكل عام، ومنه القرآني بطبيعة الحال، لم يكن مشكّلًا ولا منقّطًا، وعليه فقد كان يتحمّل أكثر من وجه[66]. ويمكن إرجاع الأمر إلى أمرين، وهما:

تجرّد المصحف من النقط.

عدم وجود الحركات النحويّة، وفقدان الشكل في الخط العربي.

الأمر الثاني: العوامل الموضوعيّة لتكوّن ظاهرة القراءات: وهذا ما يسهب جولدتسيهر في شرحه وحشد الشواهد التاريخية له في كتاب «مذاهب التفسير الإسلامي»، كما سيأتي.



لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم

ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ/ 2001م.

ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر، فضائل القرآن، الناشر: مكتبة ابن تيمية.

البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، فتوح البلدان، مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة.

بن الأشعث، سليمان، سؤالات الآجري لأبي داود، مكتبة دار الاستقامة، مكة المكرمة، 1418هـ/ 1997م.

جولد تسيهر، إجناتس، مذاهب التفسير الإسلامي، تعريب: عبد الحليم النجار، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013 م.

الحافظ أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري (ت 833هـ)، النشر في القراءات العشر، دار الكتاب العلمية، بيروت.

الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن يوسف، الشهير بابن الجزري (ت 833هـ)، النشر في القراءات العشر، الناشر: المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية].

الخوئي، أبو القاسم الموسوي، البيان في تفسير القرآن، منشورات أنوار الهدى، ط8، 1401هـ/ 1981م.

الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، دار الكتب العلمية، ط2، بيروت، 1424هـ/ 2004م.

الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر، البرهان في علوم القرآن، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه، ط1، بيروت، 1376هـ/ 1957م.

الزركلي، خير الدين، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، 1980م.

سـعيد، إدوارد، الاستـشراق، نقلـه الى العربيـة: كـمال أبو ديـب، مؤسـسة الأبحـاث العربيـة، ط1، بيروت، 1981م.

السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1429هـ/ 2008م.

العلامة الحلي، الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، الناشر: مجمع البحوث الإسلامية، ط1، مشهد، 1412هـ.

الفيض الكاشاني، المولى محسن، تفسير الصافي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، بيروت، 1429هـ/ 2008م.

القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن المعروف بـ(تفسير القرطبي)، الناشر: دار الكتب المصرية، ط2، القاهرة، 1384هـ/ 1964م.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1413هـ/ 1992م.

المقدسي الدمشقي، أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بـ(أبي شامة)، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، دار صادر، بيروت، 1395هـ/ 1975م.

مير محمدي الزرندي، أبو الفضل، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، ط1، قم.

الميرزا النوري الطبرسي، الميرزا حسين، خاتمة المستدرك، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط1، قم، 1415هـ.



[1](*)- باحث ومترجم في المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة – قم.

- كولد صهر (1266-1340هـ/ 1850-1921م) إجناس كولد صهر: (Ignaz Goldziher) مستشرق مجريّ موسويّ [يهوديّ] يُلفظ اسمه بالألمانية إجناتس جولدتسيهر (وهو الذي اعتمدناه في هذه المقالة). تعلّم في بودابست وبرلين وليبسيك. ورحل إلى سورية سنة 1873م، فتعرف بالشيخ طاهر الجزائري وصحبه مدّة. وانتقل إلى فلسطين، فمصر، حيث لازم بعض علماء الأزهر. وعُيّن أستاذًا في جامعة بودابست (عاصمة المجر) وتوفي فيها. له تصانيف باللغات الألمانية والإنكليزية والفرنسية، في الإسلام والفقه الإسلامي والأدب العربي، تُرجم بعضها إلى العربية. ونشرت مدرسة اللغات الشرقية بباريس كتابًا بالفرنسية في مؤلفاته وآثاره. انظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ج1، ص84م.

[2]- ترجمة: عبد الحليم النجار، وتقديم ودراسة: محمد عوني عبد الرؤوف.



[3]- انظر: جولدتسيهر، إجنتس، دراسات محمدية، ج2، ص396.



[4]- انظر: نصر، الصّدّيق بشير، التعليقات النقدية على كتاب دراسات محمديّة، ص55.



[5]- سـعيد، إدوارد، الاستـشراق، ص52.



[6]- هناك كتب متعدّدة ردّت على شبهات «جولدتسيهر» حول القراءات نذكر منها: رد محمد حسن جبل في كتابه: «الرد على جولدتسيهر في مطاعنه على القراءات القرآنية”. ردُّ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي في كتابه «تاريخ القرآن وغرائب رسمه»، ردُّ الدكتور عبد الفتاح شلبي في كتابه «رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين»، ردّ عبد الفتاح القاضي في كتابه «القراءات في نظر المستشرقين والملحدين”، ردّ شعبان محمد إسماعيل في كتابه «القراءات أحكامها ومصادرها»، حسن ضياء الدين العتر في كتابه «الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها»، ردُّ الدكتور رشاد محمد سالم في كتابه «القراءات القرآنية وصلتها باللهجات». وإن كانت هذه الردود والكتب مهمة في الرد على شبهات المستشرقين في مجال القراءات، ولكننا نلحظ في أغلب هذه الردود التي صدرت من العامة مبنية على أسس موضوعية مسلمة عندهم كحجية وتواتر القراءات، والأحرف السبعة وغير ذلك وهذا لا يتوافق مع ما عليه علماء الإمامية من عدم صحّة تواتر القراءات وغير ذلك كما سنبيّن.



[7]- جولدتسيهر، إجناتس، مذاهب التفسير الإسلامي، ص4.



[8]- جولدتسيهر، إجناتس، مذاهب التفسير الإسلامي، ص6.



[9]- الطبري، تفسير الطبري، ج1، ص23، القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب؛ ابن كثير، فضائل القرآن، ج1، ص176؛ مسند أحمد بن حنبل، ج1، ص105، من مسند علي بن أبي طالب؛ المسند الجامع، ج12، ص34، وج13، ص176.



[10]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص7.



[11]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص8-9.



[12]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص10-11.



[13]- م. ن، ص11.



[14]- انظر: الأندلسي، أبو حيان الغرناطي، تفسير البحر المحيط، ج1، ص266.



[15]- م. ن، ج1، ص265.



[16]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص16.



[17]- انظر: الخوئي، أبو القاسم الموسوي، البيان في تفسير القرآن، ص157-158.



[18]- الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص239-240.



[19]- الميرزا النوري، خاتمة المستدرك، ج1، ص414.



[20]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص52-54.



[21]- م. ن، ص54-56.



[22]- الطبري، تفسير الطبري، ج1، القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب، ص29، ح19.



[23]- م. ن، ج1، ص36، ح30.



[24]- الطبري، تفسير الطبري، ج1، القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب، ج1، ص32، ح25.



[25]- تفسير الطبري، م. س، ج1، ص33-34، ح26.



[26]- م. ن، ج1، ص25-26، ح16.



[27]- تفسير الطبري، م. س، ج1، ص25-26، ح35.



[28]- م.ن، ج1، ص35، ح29.



[29]- م. ن، ج1، ص46، ح45.



[30]- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن المعروف بـ(تفسير القرطبي)، ج1، ص77.



[31]- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، باب النوادر، ص846، ح12.



[32]- م. ن، ج2، ص846، ح13.



[33]- الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، ج1، ص67.



[34]- تفسير الطبري، م. س، ج1، أنزل القرآن من سبعة أبواب الجنة، ص68.



[35]- م. ن، ج1، ص24.



[36]- السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج5، ص406.



[37]- انظر: البيان في تفسير القرآن، م. س، ص178-193.



[38]- الدمشقي، أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بـ(أبي شامة)، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلّق بالكتاب العزيز، ج1، ص177.



[39]- الدمشقي، أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بـ(أبي شامة)، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلّق بالكتاب العزيز، ج1، ص174.



[40]- الدمشقي، الحافظ أبي الخير محمد بن محمد الشهير بابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج1، ص16.



[41]- النشر في القراءات العشر، ج1، ص18-19.



[42]- البرهان في علوم القرآن، م. س، ج1، ص318-319.



[43]- بن الأشعث، سليمان، سؤالات الآجري لأبي داود، ج1، ص307.



[44]- السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص215.



[45]- أبو الوفا، علي بن علي، القول السديد في علم التجويد، ج1، ص269.



[46]- النشر في القراءات العشر، م. س، ج1، ص155.



[47]- انظر: العلامة الحلي، منتهى المطلب، ص274، كتاب الصلاة، باب القراءة.



[48]- انظر: الزرندي، آية الله السيد أبو الفضل مير محمدي، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه، ص164-176.



[49]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص9.



[50]- م. ن.



[51]- م. ن، ص10-11. (بشيء من التصرّف).



[52]- م. ن، ص11.



[53]- م.ن، ص35.



[54]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص37.



[55]- م. ن، ص38-39.



[56]- م.ن، ص39.



[57]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص51.



[58]- الكافي، م. س، ج8، ص143، ح241.



[59]- البلاذري، فتوح البلدان، ج3، ص582.



[60]- الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج10، ص342.



[61]- ابن أبي شيبة، مصنف ابن أبي شيبة، ج6، ص151، ح30259.



[62]- بن حنبل، أحمد، مسند أحمد، ج2، ص200، ح833.



[63]- تفسير الطبري، م. س، ج1، ص23، القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب.



[64]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص50-51.



[65]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص8.



[66]- مذاهب التفسير الإسلامي، م. س، ص8-9.