الباحث : م.م محمد ياسر مهدي
اسم المجلة : دراسات استشراقية
العدد : 45
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : February / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 44
م.م محمد ياسر مهدي[1][*]
الملخّص
تتلخَّصُ مهمَّةُ هذا البحث في الكشف عن أثر الفكر الاستشراقي في مدوَّنات الدكتور إبراهيم أنيس، كما تتبنّى الكشف عن موقفه من الفكر العربي التراثي، وذلك من خلال رصد التأثّرات على مستوى المناهج الصوتيّة، والمصطلحات، واللهجات، والمخارج والصفات، فأينما وجد البحث موضعًا في التأثّر، وضع يده عليه، متناولًا إيّاه بالرصد والتحليل.
إذ يتبنّى هذا البحث مَهمَّة القراءة الحفريّة لمدوّنات الدكتور إبراهيم أنيس، أحد أبرز الأصواتيّين المحدَثين الذي كانوا على تماسٍ مباشرٍ مع الثقافة الغربيّة، نسعى من خلالها إلى الكشف عن البُنى الفكريّة الكامنة في نصوصه، سواء ما صرّح به بوضوح، أو ما ظلّ مستترًا في ثنيّات البحث يُفصح عن نفسه بالتلميح دون التصريح. إنّ غايتنا من هذا التفحّص ليس مُجرَّد رصد التأثّر، بل الوقوف على طبيعة التفاعل العميق لأنيس مع مشاريع المستشرقين، وآرائهم، ونظريّاتهم، تلك التي تأسّست -في الغالب- على آليّاتٍ مخبريّةٍ دقيقة تُعيد تشكيل المعرفة الصوتيّة في ضوء مناهج العلوم الحديثة.
كلمات مفتاحية: الفكر الاستشراقي، الفكر الصوتيّ، إبراهيم أنيس.
مدخل
يدور البحث على سؤال يُمكن أن نفترضه بالآتي: هل كان إبراهيم أنيس متأثّرًا بالفكر الاستشراقي أم لا؟ وما مدى تأثُّره؟ هل كان تأثّره مطلقًا أم أنَّ له طريقًا نقديًّا في التبنّي؟ وما صور هذا التبنّي؟ منهجيًّا ومصطلحيًّا ونظريًّا وتطبيقيًّا؟
وفي السياق نفسه، لكن من جنبة أخرى، ما موقف أنيس من آراء العلماء العرب والمدوَّنة العربيّة بشكلٍ عامٍّ؟ فهل كانت له ردودٌ على العلماء العرب؟ وعلامَ تشكَّلت هذه الردود؟ ومن أيِّ منطلق نشأت؟ انطلاقًا من رأي موضوعيٍّ يراه أنيس؟ أم اتكالًا على آراء المستشرقين، وترديدًا لما يقولون؟
هذه التساؤلات هي التي تشكّل طبيعة هذا البحث ومجراه. والملاحظة التي تفرض نفسها ههنا، هي استحالة أن تتمكَّن صفحاتٌ معدودةٌ من الإيفاء الكامل بالإجابة، خصوصًا إذا تعلَّق الأمر بمدوّنةٍ مثل التي بين أيدينا.
المطلب الأوّل: المنهج الصوتي عند إبراهيم أنيس
إنَّ التأثير المنهجي الذي مارسه المستشرقون على الفضاء الصوتي العربي ليُعدُّ واحدًا من أهمِّ المؤثرات الفكرية التي طالت هذه الجنبة؛ ذلك أنّ مردود هذا التأثير يشمل جوانب مختلفة لا يُمكن حصرها أو عدُّها في مستوًى فكريٍّ واحد؛ لأن التغيُّر المنهجيَّ الذي طال بنية التفكير العربيِّ الصَّوتيّة سيمارس سلطةً معرفيّة على المستويات الفكرية المنسدلة منها، كالاختلاف في التصوّرات المخارجيّة والصفاتيّة للأصوات، والاختلاف في المنظومة الاصطلاحية المعبِّرة عن المفاهيم جديدةً أو قديمة، ومن ثمّة فإنّ التغيير المنهجيَّ يمارس سلطته على مختلف أرباب الفكر الصوتي.
عرف الفكر العربيُّ مجموعة من المناهج الصوتية التي اعتمدها الأقدمون واستثمرها اللاحقون، والتي لم يستطع الفكر العربيُّ، في مراحله المختلفة، تجاوزها لأسباب يطول ذكرها[2]، توزَّعت هذه المناهج بين المنهج الوصفي والتاريخي، ولا شكَّ في أن المنهج الوصفي هو أولى المناهج التي استثمرها العرب في دراساتهم الصوتية، على الرغم من اختلاف طبيعة التوظيف المنهجية بين مدارس العرب، المعجمية، والنحوية، والفلسفية، والبلاغية، ومدرسة المُجوِّدين. في حين تأخَّر ظهور المنهج التاريخيّ، ويبدو هذا التأخّر طبيعيًّا بفعل عامل الزمن الذي فرض تغييرًا نوعيًّا في طبيعة الصوت العربيِّ وخصائصه وصفاته، الأمر الذي استدعى دراسة نوعيَّة تقف على طبيعة هذه التغييرات، ووصفها وصفًا تاريخيًّا بالنظر في سابق عهدها، والحالي منه.
ولا نريد أن نُطيل في عرض مذاهب العرب في مناهجهم، وطبيعة كل مدرسة، لكنَّ الأهمَّ أن نقف على طبيعة الإضافة الفكريّة المنهجيّة التي قدَّمها المستشرقون في هذا الباب، والخصوصيات أو الأسباب التي دفعت العرب إلى عدم الاهتمام بهذه المناهج. والسؤال الأهم الذي يُطرح ههنا: ما الإضافة المنهجية التي قدَّمها المستشرقون؟ وهل لهذه الإضافات تمثلاتٌ في المدوَّنة الصوتية عند إبراهيم أنيس؟
لا شكَّ في أنَّ المستشرقين يلتقون مع العرب الأوائل في المناهج التي وظَّفها العرب في دراساتهم الصوتية؛ إذ لا يمكن تجاوز المنهجين الوصفي والتاريخي بأيِّ شكل من أشكال التجاوز، على أن الأمر يزداد إلحاحًا في المنهج الوصفي الذي يُعدّ من صلب البحث العلمي وقوامه، لكنَّ قيمة الإضافات المنهجية الاستشراقية تتمثّل في المنهج المقارن، والمنهج التحليلي المخبري.
وقد أخذ المستشرقون على العرب إهمالهم للمنهج المقارن في دراساتهم، وفي ذلك يقول المستشرق ولفنسون: «ممّا يؤسف له أشدّ الأسف أن جميع علماء اللغة من المسلمين لم يكونوا يعرفون شيئًا من اللغات الساميّة كالعبريّة، والسريانيّة معرفة صحيحة، فنشأ عن ذلك أنَّهم لم يُوفّقوا إلى بيان المعاني الدقيقة التي يؤدّيها كثير من الكلمات العربيّة في أصل وضعها، ونشأ عن ذلك أيضًا وقوعهم في أغلاط فاحشة فيما يتعلّق بفهم اشتقاق الكلمات؛ لأنه ليس من الممكن في كلّ الأحوال أن يهتدي الباحث إلى أصل اشتقاق الكلمة إذا اقتصر في بحثه على لغة ساميّة واحدة»[3].
وفي معرض الردِّ على هذا الاتهام يرى د. فارس السلطاني أنه كلام غير سديد؛ لأنَّ «ما توصَّل إليه الباحثون المحدَثون لا يُنقِص من جهد أسلافنا، فهو جهد عظيم قياسًا على الإمكانات المتاحة لهم وقتذاك، ولولا تلك الجهود التي قدّموها، ما استطاع المستشرقون أن يؤسّسوا حقائقهم في ميدان البحث اللغويّ، وكانت آثار علمائنا القدماء -رحمهم الله- ببنائها الشامخ مظهر إعجاب وإكبار من علماء الغرب حتى اليوم»[4].
أمّا المنهج التحليليّ أو المخبريّ، فهو قائم على تجارب صوتيّة وملاحظات دقيقة وفّرتها الأجهزة المختبريّة الحديثة، وتطوّر العلوم والتكنولوجيا واستخدامها في إنتاج آليّات وأجهزة ذات مواصفات دقيقة، ومن ثمّة نتائج دقيقة أيضًا، الأمر الذي انبنى عليه تغيُّر الوصف الصوتي بين القدماء والمحدَّثين، ومخالفات وانتقادات بين طبيعة المنهجين وما ينتج عن كلّ واحد منهما.
وبفضل ما أُتيح «للدرس الصوتي من الإمكانات العلميّة والآليّة، مما لم يكن بالإمكان الحصول عليه واعتماده، أصبحنا نملك من وسائل الفحص والملاحظة، ومن تسجيل ثمار الدراسة ما لم يكن يملك علماء اللغة العربية القدماء، حيث نستطيع الآن أن نلاحظ كل عضو من أعضاء النطق وهو يؤدّي وظيفته عن طريق المجاهر، أو عن طريق التصوير بأشعة (أكس)، أو عن طريق ما يسمّى بالحنك الصناعي، كما نستطيع الآن أن نُسجّل الصوت آليًّا ونفسّر هذا التسجيل من الناحية الصوتيّة»[5].
ولا نريد أن نطيل في عرض الاختلاف أو التطوّر المنهجي بين العرب والمستشرقين، وحسبنا أن ننظر في تمثّلات هذا التطوّر في فكر إبراهيم أنيس ومدوّناته.
إنَّ تأثر الدكتور إبراهيم أنيس بالفكر الاستشراقي وتبنّيه له ليس خافيًا أبدًا، والقارئ المتفحّص لمتونه ومدوّناته ليقف على كثير من تمثّلات هذا التأثّر، وذلك نهضة عظيمة، وهو يصرّح بقول واضح وجلي بتأثره بالدراسات الغربية، ففي كتابه (من أسرار اللغة)، يعرض لموضوعات كتابه وهي ظواهر كان يراها -في أول دراسته اللغوية في مصر- مسائلَ لغوية توافر القدماء على دراستها وفصَّلوا القول فيها، حتَّى إنه كان -حين يتعرَّض لهذه الظواهر- يتوافر على قدرٍ من الاطمئنان، لكنَّه حين اتصل بدراسات المستشرقين ودراسات الغربيين للغاتهم الحديثة والقديمة، أدرك أن ما كان يعتقد أنه ظواهر لغويّة هي في حقيقتها مشكلات لغويّة، يقول في ذلك: «غير أنّي أعترف هنا أن ما كان يبدو لي في صورة مسائل لغوية قد أصبح يتمثّل لي في صورة مشاكل لغوية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحقيق، ذلك بعد أن اتصلتُ بدراسات المستشرقين للغات الساميّة، ودراسات الغربيين للغاتهم الحديثة والقديمة، وما وصلوا إليه من نتائج علمية جليلة الشأن، فقد نهضت الدراسات اللغويّة المقارنة في جامعات أوروبا نهضة عظيمة خلال هذا القرن وأصبح العلماء هناك يحكمون على الظاهرة اللغويّة في ضوء ظواهر اللغات الأخرى»[6].
إنَّ التأثّر المنهجي واضح أيَّما وضوح في متبنّيات أنيس، والجديد في طرحه هو تبنّيه للمنهج المقارن الذي لم تعهده العربُ ولم تقف عليه، بل وإعجابه الشديد بنتائج هذا المنهج، الذي سيتّبعه في مقبل دراساته، والذي تناثرت نتائجه وتطبيقاته، التي سنعرض ما بدا لنا منها، وما أحصيناه منها.
فمن إفضاءات المنهج المقارن أن أصبح أنيس يعالج الظاهرة الصوتية معالجة عالمية، من خلال شمولية دراسته للصوت وما يقابله في اللغات الأخرى، كالإنجليزية والفرنسية، محاولًا تلمّس الفوارق الصوتية بين اللغات، راصدًا خصائص كلّ صوت منها في كلّ لغة، محاولًا تحليل ما يتعلّق بصعوبات النطق بالنسبة لغير الناطقين بهذه اللغة أو تلك، من الذين يرغبون بتعلّمها ويتعسَّر عليهم ذلك، وأهم ما يطالعنا في هذا المجال هو ما عقده في الفصل الثالث من كتابه (الأصوات اللغويّة) الذي خصّصه لمقاييس أصوات اللين، حيث يقول: «عنى المحدثون من علماء الأصوات اللغويّة بالبحث في أصوات اللين وضبطها، بصرف النظر عما تنتمى إليه من لغة خاصة، لأنّهم لاحظوا أنّها تختلف من لغة إلى أخرى اختلافًا يجعل محاولة النطق بلغة أجنبية عسيرًا يحتاج إلى مران كبير. فنسبة الخلاف بين أصوات اللين في اللغة الإنجليزية والفرنسية كبيرة، تجعل نطق الإنجليزي للغة الفرنسية شاقًا مشوبًا بلهجة غريبة ثقيلة على آذان الفرنسيّين، وكذلك العكس بالعكس»[7].
ثم أنّ طبيعة البحث المقارن أوجبت أن يخوض المؤلّف في جملة من القضايا المعاصرة المتعلّقة بتعلّم اللغات الأجنبيّة وما يعترض تعلّمها من صعوبات نُطقية ولهجية، ومن أعقد هذه الصعوبات في نظره هي تلك التي يصطدم بها المتعلم بطريقة نطق أصوات اللين، إذ لا يُحسن المصري مثلًا نُطق أصوات اللين في اللغة الإنجليزيّة إلّا بعد مرانٍ طويل وجهد كبير، ويعود ذلك بحسب ما يرى إلى جملةٍ من الأسباب[8]:
الفرق الكبير بين أصوات اللين في اللغات المختلفة، حتَّى أنه لا تكاد تشترك لغة مع أخرى في كيفيّة النطق بهذه الأصوات، والأغرب من ذلك أن لهجات اللغة الواحدة لتختلف اختلافًا كبيرًا في طبيعة النطق بهذه الأصوات.
الوضوح الذي تتميّز به أصوات اللين في قبال الأصوات الساكنة يجعل الانحرافات أبين في السمع، وأنبى في الأذن.
نسبة الورود الكبيرة لأصوات اللين في الكلام، الأمر الذي يجعل الخطأ في نطقها أكثر عرضة للملاحظة.
وهكذا يبدو أن الدرس الصوتي عند أنيس قد نحا منحىً مغايرًا تمامًا لِما عُهد منه عند العرب، حيث بدا المنهج مختلفًا تمامًا، كما أنَّه أصبح يعالج مظاهر صوتية سائدة في عصره ووقته، وما ذلك إلّا بسبب تأثّره بالمنهج المقارن السائد في أوروبا والمستعمل في دراسة اللغات الأجنبية، والذي وظَّفه المستشرقون في دراسة العربية أيضًا، والبحث الذي قدَّمه أنيس في هذا الفصل هو فصل ذو منهج مقارن في الدرجة الأساس.
والمنهج الآخر الذي تأثَّر به أنيس هو المنهج التحليلي أو التجريبي القائم على التجارب المخبرية، وأكثر مستشرق ردّد أنيس اسمه هو وليم جونز، وفي سياق أصوات اللين تحدّث إبراهيم أنيس عن جهود جونز، وعن المقاييس التي وضعها لأصوات اللين، يقول في ذلك: «أوّل من عُني بهذه المقاييس بروفسر دانيال جونز في جامعة لندن؛ إذ استطاع بعد تجارب دقيقة وبحوث متواصلة أن يخرج لنا تلك المقاييس العامة لأصوات اللين وسجّلها فوق أسطوانات هي الآن في متناول كل من يبغي تعلمها»[9].
وبناءً على هذا التطوّر الاستشراقي والتأثّر المباشر به، راح أنيس يوجّه النقد إلى الاجتهادات العربية القديمة في هذا المجال، فرأى أنَّ المتقدّمين من العرب لم يعنوا بأصوات اللين كما يجب، وأنَّ إشاراتِهم إليها كانت سطحيّة دائمًا، من باب أنها ليست من بنية الكلمات، بل هي في نظرهم عوارض يعرض الكلام لها، يقول في ذلك: «أصوات اللين مع أنها عنصر رئيسي في اللغات، ومع أنها أكثر شيوعًا فيها، لم يعن بها المتقدّمون من علماء العربيّة، فقد كانت الإشارة إليها دائمًا سطحية، لا على أنها من بنية الكلمات، بل كعرَض يعرض لها ، ولا يكون منها إلّا شطرًا فرعيًّا، ولعل الذي دعا إلى هذا أن الكتابة العربية منذ القدم، عنيت فقط بالأصوات الساكنة فرمزت لها برموز، ثم جاء عهد عليها أحسَّ الكتَّاب فيه بأهمية أصوات اللين الطويلة، كالواو والياء الممدودتين، فكتبوهما في بعض النقوش والنصوص القديمة وظلّت الحال هكذا حتى وضعت أصوات اللين القصيرة التي اصطلح القدماء على تسميتها بالحركات في العصور الإسلاميّة»[10].
المطلب الثاني: موقف إبراهيم أنيس من دراسة اللهجات
وكما أنَّ موقف أنيس واضح من التأثّر المنهجيّ بدراسات المستشرقين، فإن موقفه من دراسة اللهجات، هو الآخر، موقف لا لَبْس فيه ولا شكَّ، فهو يدعو لدراسة اللهجات العربية، والاهتمام بها، حتَّى وضع كتابًا خاصًّا في دراستها وهو كتاب (في اللهجات العربيّة)، ولا شكَّ في أنَّ لهذا الاهتمام دوافعَ فكرية متمثّلة باهتمام المستشرقين بدراسة اللهجات الأوروبية المختلفة، فضلًا عن اهتمامهم بدراسة اللهجات العربية، القديمة منها الحديثة، وإبراهيم أنيس يشير في غير موضع من كتاباته إلى أهمية دراسات المستشرقين في هذه الجنبة، فضلًا عن اهتمام العرب المحدثين بهذا الموضوع أيّما اهتمام، وظهور الدراسات المتخصّصة بهذا الموضوع، يقول متحدّثًا عن إحدى الدراسات الاستشراقية الخاصة بدراسة اللهجات: «ولم تقتصر العناية بدراسة اللهجات في السنوات الأخيرة على المحدثين من علمائنا أبناء العربيّة، بل شملت أيضًا بعض المستشرقين من علماء أوروبا. ويكفي هنا أن نشير إلى ذلك المؤلَّف القيم الذي ظهر في العام الماضي لأحد المدرسين في جامعة أكسفورد، وهو الدكتور (رابين) تحت عنوان: (Ancient West-Arabian)، وفيه يحاول المؤلّف النابه البرهنة على أن غرب الجزيرة العربيّة قد انتظمته في العصور الجاهلية لغة مستقلّة في خصائصها وظهورها وتطوّراتها. ومهما يكن من الأمر فقد أطلَعَنا الدكتور (رابین) على مصادر وروايات لم نقف عليها قبل ظهور كتابه، وكان في عرضها دقيقًا أمينًا، مما يستحق له الإعجاب والتقدير»[11].
إن الموقف من دراسة اللهجات ينتسب في كثير من الأحيان إلى المستشرقين، وإبراهيم أنيس يصرح بذلك علانية، وهذه واحدة من مواطن التأثّر الكبير باتجاهاته البحثية، وموضوعاته العلمية، فهو يقرر صراحة أنَّ دراسة اللهجات قد نمت في الجامعات الأوروبية، يقول: «وتُعدّ دراسة اللهجات من أحدث الاتجاهات في البحوث اللغوية. فلقد نمت هذه الدراسة بالجامعات الأوروبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حتى أصبحت الآن عنصرًا مهمًّا بين الدراسات اللغوية الحديثة، وأُسّست لها في بعض الجامعات الراقية فروع خاصة بدراستها، تُعنى بشرحها، وتحليل خصائصها وتسجيل نماذج منها تسجيلًا صوتيًّا يبقى على الزمن»[12].
إذن، فإنَّ دراسة اللهجات العربيّة عند إبراهيم أنيس هي امتداد للتأثّر المعرفيّ بالمستشرقين، واتّجاهاتهم الفكرية الحديثة، على أنَّ هذه الدراسة يمكن أن تنقسم على قسمين بحسب ما تبيّن لنا من مطالعة مدوّنات أنيس، الأولى مختصّة بدراسة اللهجات العربيّة القديمة، التي وقف منها موقف المدافع، ووجّه سهام النقد إلى علماء العربيّة القدماء، وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل اهتمامه في دراسة اللهجات، والأخرى هي المرحلة المتقدّمة من مراحل الدراسة اللهجيّة، وهي دعوته الصريحة إلى الاهتمام بدراسة اللهجات المعاصرة والحديثة، وهو أمر لا شكَّ في أنه جريءٌ، ولا يخلو من تأثّر مباشر بالأفكار الاستشراقيّة، ولا نريد أن نطيل في عرض الأسباب والدوافع الفكرية القابعة خلف هذه الدعوات، وحسبنا أن نكتفي بالجانب العلمي المتمثّل في الدراسة الوصفيّة، ولا شكَّ في أنّ للاتجاهات اللسانيّة الحديثة أثرًا في هذا الجانب، وهي المتمثّلة في التمييز الذي قدّمه سوسير بين نوعين من الدراسة: الدراسة التزامنيّة، والدراسة التعاقبيّة[13].
وهكذا يصرّح أنيس بفصله بين نوعين من الدراسة المتعلّقة باللهجات، ويصرّح بتجاوز النوع الأول منها لصالح النوع الآخر، يقول: «ويبدو لي أنّنا لم نعد الآن بحاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب في بطون الكتب القديمة التي عرضت في ثناياها للهجات العرب بقدر ما نحن في أمسّ الحاجة إلى دراسة اللهجات العربية الحديثة، فتلك هي التي تفتقدها أو لا نزال نتطلّع إليها، ولم نقطع فيها -لسوء الحظ!- شوطًا بعيدًا برغم ما لدينا الآن من إمكانيات التسجيل الصوتيّ، وأجهزة التجارب النطقية. ففي بعض كلّيّاتنا الجامعية معامل للتجارب الصوتية لم تُستغلّ الاستغلال الكافي في دراسة اللهجات الحديثة بالبلاد العربيّة»[14].
وانطلاقًا من معطيات العلم الحديث، وتأثّرًا بما قدَّمه المستشرقون والأوربيون بشكل عام يقدّم أنيس تمييزًا بين اللهجة واللغة، فاللهجة عنده: «مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميعُ أفراد هذه البيئة»[15].
أمَّا اللغة فهي البيئة الشاملة التي تتألّف من عدّة لهجات، والعلاقة بين اللغة واللهجة عنده هي العلاقة بين العام والخاصّ، «فاللغة تشتمل عادةً على عدّة لهجات، لكلٍّ منها ما يميّزها. وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغويّة والعادات الكلامية التي تؤلّف لغة مستقلّة عن غيرها من اللغات»[16].
ويتبيَّن من كلام أنيس أنَّ اللهجة عنده لا تختلف عن اللغة إلّا في قليل من التغير عبر مرور الزمن، ومن العناصر التي يمكن أن تتغيّر، وهي التي يمكن من خلالها التمييز بين اللغة واللهجة، لخَّصها إبراهيم أنيس فيما يأتي[17]:
الاختلاف في مخرج بعض الأصوات اللغوية.
الاختلاف في وضع أعضاء النطق مع بعض الأصوات.
الاختلاف في مقاييس بعض أصوات اللين.
التباين في النغمة الموسيقيّة للكلام.
الاختلاف في قوانين التفاعل بين الأصوات المتجاورة، حيث تتأثّر بعضها ببعض.
وبشكل عام، ومن خلال ما يقدّمه إبراهيم أنيس في دراسة اللهجات القديمة، فإنّه يؤكّد أهمّيّة دراسة اللهجات العربيّة الحديثة، وقد وضع لها أسسًا علميّة ثلاثة هي[18]:
دراسة اللهجات العربية الحديثة دراسة مستفيضة في كلّ البيئات العربيّة لتعرّف خصائصها، وما امتازت به؛ لأنّها انحدرت من لهجات قديمة متباينة جاءت إلى مناطق تتكلّم لغات غير عربيّة مثل: القبطية في مصر، والآرامية في الشام، والأكادية في العراق، والبربرية في المغرب العربيّ، ورغم انتصار العربية، إلّا أنّها قد احتفظت ببعض الخصائص اللغوية من هذه اللغات[19].
وفي هذه الجنبة بالذات، ملمح استشراقي واضح، إذ يتبنّى الدكتور إبراهيم أنيس موضوعة الدعوة إلى دراسة اللهجات انطلاقًا من دعوة المستشرقين، ونظرًا في تعليلاتهم من كون هذه اللهجات مستمدّة من اللهجات العربيّة القديمة التي نشأت بسبب احتكاك العرب ببلاد لم تعرف العربية قبل الإسلام، أو عرفتها على نحو يسير، وبسبب هذا الاحتكاك نشأت اللهجات القديمة، ومنها أخذت الحديثة.
دراسة القراءات القرآنية بشكلٍ أوسع، من دون الاكتفاء بما رُوي في بطون الكتب، إذ يجب أن نُطبق على ما نسمعه فعلًا من أفواه المجيدين للقراءات في البيئات العربية المختلفة، مستعملين في دراستنا النظريات الصوتية الحديثة، والمقاييس والآلات التي تُستعمل في معامل الأصوات.
ولا شكَّ في أنَّ هذا الملمح الاستشراقي يُعاظم من مشكلة القراءات، ويضيف إلى إشكالاتها مزيدًا من الإشكالات، فضلًا عن ارتباطه بموقف أيديولوجي معيّن ينطلق منه معظم المستشرقين، خصوصًا حين يتعلّق الموضوع بالقرآن وقراءاته، والعربية الفصحى ودور اللهجات.
جمع الروايات المتناثرة في بطون كتب التراث مما يمتّ إلى اللهجات القديمة بصلة، ثم تمحيصها وتحقيقها، وإصلاح ما فسد منها في رواية مبتورة، أو رواية ممسوخة، مع تتبع السند؛ لتمييز الحقّ من الباطل، والصحيح من الزائف. ثمّ يلي ذلك دراسة تاريخيّة مستفيضة لتنقّلات القبائل وما بعده التنقّلات ودراسة البيئات الاجتماعيّة لهذه القبائل في العصور المختلفة، وما خالطت من أمم وشعوب.
المبحث الثالث: المصطلح الصوتيّ عند إبراهيم أنيس
يمثّل العمل الاصطلاحيّ جنبة مهمّة من جوانب البحث العلميّ بشكل عام، والبحث اللسانيّ بشكل خاص، ولا شكَّ في أنَّ الدراسة الصوتية تشترط في واحدة من أهم شروطها نظامًا مصطلحيًّا منضبطًا لحصر التصوّرات الصوتيّة، وتقديمها بصورة منضبطة تنأى بها عن التشظّي والتعدّد، ومن ثمّة الضياع المعرفيّ والانشغال بتوضيح مصطلحات العلم بدلًا من دفع عجلته.
وكان من الطبيعيّ بالنسبة لالتقاء الثقافة العربيّة بما توصّلت إليه الأبحاث العلميّة في أوروبا، ونقل هذه الأفكار والأبحاث الجادة إلى البيئة الثقافيّة العربيّة أن تتأثّر بهذه الأفكار على أكثر من مستوى، فمن هذه المستويات النظريّاتُ التي نُقلت من الغرب إلى ثقافتنا، وقام بتبنّيها جملة من الباحثين المبتعثين وغير المبتعثين، ومن هذه المستويات أيضًا الجانب المصطلحيّ الذي يمثّل جانبًا مهمًّا ونظاميًّا من جوانب البحث العلميّ.
وفي حالتنا ههنا، يظهر جليًّا تأثّر إبراهيم أنيس بالنظام المصطلحي عند المستشرقين، فهو يفتتح كتابه (الأصوات اللغويّة) بالتصريح بانتساب هذا الكتاب إلى الدراسات الحديثة التي نمت وتطوّرت على يد «من يعنون بالبحث اللغوي في أوروبا»[20] وهم المستشرقون، وهذا بالطبع في أهمّ عتبة من عتبات الكتاب وهي مقدّمته.
ثم شرع في أولى مهمّات هذا الكتاب بالتفريق بين نوعين من البحث وهما الفوناتيكي (Phonetics)، والفونولوجي (Phonology)، وهو تمييز في الأساس بين نوعين أو فرعين من فروع علم الأصوات، ليكون علم الأصوات الفوناتيكي مختصًّا بدراسة الأصوات الإنسانية شرحًا وتحليلًا، من خلال الاتكاء على التجارب دون النظر فيما تنتمي إليه من لغات محدّدة، ثم البحث في آثار تلك الأصوات في اللغة من الناحية العملية؛ ولهذا فإنّه يوصف بالبحث العالمي؛ لأنّ أساليب بحثه تتجاوز الخصوصيّات إلى المشتركات؛ ولذا فهو يكشف لنا كلَّ يومٍ عن أصوات إنسانيّة كانت مجهولة. أمّا فرع علم الأصوات الفونولوجي، فهو فرع يُعنى بأثر الصوت اللغوي في تركيب الكلام نحوه وصرفه، ولهذا يُطلق عليه علم الأصوات الذي يخدم بنية الكلمات وتراكيب الجمل. وهذا التقسيم الاستشراقي الذي يتبنَّاه د. إبراهيم أنيس، مستوحى من التقسيم الذي قدَّمه سوسير بين اللغة في بعدها الاجتماعي الكوني الشامل، والكلام في بعده الفردي الخاصّ.
لكنَّ القراءة الفاحصة في مدوَّنات أنيس تكشف عن تفاعل نقديّ إلى حدّ ما مع المصطلح الصوتي، فأنيس لم يكن مجرَّد ناقل أو مستثمر لمصطلحات المستشرقين، بل كانت له آراء على مستوى التقابل والترجيح بين المصطلحات العربيّة من جهة، والغربيّة من جهة أخرى، على الرغم من اعترافه المتكرّر باستثماره للمفاهيم والمعطيات الغربية في هذا الخصوص، خصوصًا فيما يتعلّق بالمفهومات أو التفصيلات الحديثة التي أقرّها الدرس الاستشراقي، والتي يُزعم أنَّ العرب لم يتطرّقوا إليها أو لم يعرفوها أصلًا، مثل هذه المصطلحات ما تحدّث عنه جان كانتينو من أنّ المدوّنة العربية لا تحتوي على مقابل اصطلاحي يقابل كلمة فونتيك، حيث إنّ النحاة لم يعتبروا دراسة أصوات اللغة من الأقسام الكبرى للنحو العربي كما يفعل المختصّون في أوروبا[21].
ويبدو أنَّ تعامل أنيس مع هذه المصطلحات الجادة، إن سلمنا بجدّيّتها طبعًا، هو أن يستثمر المصطلح الاستشراقيّ ويبقيه كما هو؛ لأنّ هذه المصطلحات تحتوي على خصوصيّات محدّدة، في حين يذهب بعض الدراسين الأصواتيين إلى إيجاد بدائل اصطلاحيّة لغويّة عربيّة، تقابل المفهومات الأوروبية الحديثة، لذلك وجدنا كثيرًا من الباحثين المحدَثين ممن أطلقوا اصطلاحات من قبيل: علم الأصوات = الفونتيك، وعلم الأصوات الوظيفي = الفونولوجيا.
من ذلك أنه اقترح مصطلحات مختلفة عما ذهب إليه المستشرقون في جنبة الأصوات الساكنة وأصوات اللين، على الرغم من أنه نسب هذا التفريق الدقيق للمحدثين، يقول في ذلك «لقد كان من نتائج تحليل المحدثين للأصوات اللغويّة أن قسّموها إلى قسمين رئيسين سمّوا الأوّل منها (Consonants)، والثاني: (Vowels)، ويمكن تسمية القسم الأول بالأصوات الساكنة والثاني بأصوات اللين»[22]، وبهذا يختلف إبراهيم أنيس مع المستشرقين في استعمال مصطلح الأحرف المتحرّكة:
استعمال إبراهيم أنيس
الترجمة الفعلية
المصطلح الاستشراقي
الأصوات الساكنة
الأصوات الساكنة
Consonants
أصوات اللين
الأصوات المتحرّكة
Vowels
ويتابع أنيس المستشرقين في طريقة التمييز بين الأصوات الساكنة وأصوات اللين، فيذهب إلى أنّ الوضوح السمعي هو العامل الأساسي في التفريق بين النوعين من الأصوات، والوضوح السمعي عنده هو: «تلك الصفة الطبيعية في الصوت لا المكتسبة من طول أو نبرة»[23].
والحقّ أن المحدَثين قد اختلفوا في تصوّراتهم لأصوات اللين، فمنهم من أخذ بالمصطلح الاستشراقي ومنهم من سلك طريق إبراهيم أنيس، فالدكتور رمضان عبد التواب أطلق على هذهِ الأصوات مصطلح (الأصوات المتحرّكة)، فقال: «والأصوات المتحرّكة في العربية الفصحى ما سمَّاه نُحاة العرب بالحركات، وهي الفتحة والضمة والكسرة، وكذلك حروف المد واللين كالألف في (قال)، والواو في (يدعو)، والياء في (القاضي)»[24]، على حين يرى محمد الأنطاكي أن هذه الأصوات تكسب تصويتها من اهتزاز الوترين فقط؛ إذ لا يكون معها انسداد أبدًا لا ناقص ولا كامل[25].
وهذه الأصوات يتّسع الهواء لمخرجها اتّساعًا أشدّ من غيرها، بحيث يخرج الصوت حُرًّا طليقًا دون أن يعترض مجراه أي عائق؛ ولذلك سمّاها محمّد الأنطاكي بالأصوات الطليقة، والصوت الطليق عنده «الصوت الذي يجري معه النفس طليقًا، ولا يعترض طريقه عقبة حتى يخرج من الفم»[26].
بينما أطلق عليها تمّام حسان اسم (حروف العلّة)[27] ويتّفق معه في ذلك الدكتور أحمد مختار عمر؛ إذ أشار إلى بعض اختلافات اللغويين في تعريف العلّة، فيسوق على ذلك بعض التعريفات[28]:
إنها تعديلات للصوت المنطوق لا تتضمّن غلقًا ولا احتكاكًا ولا اتصالًا من اللسان أو الشَّفَتين.
صوت مجهور ينبعث الهواء في أثناء تشكيلة في تيار تتابع خلال الحلق والفم ولا يوجد معه إعاقة أو تضييق يسمح بوجود احتكاك.
وقد كان لأنيس موقف من المصطلحات الصوتية عند علمائنا العرب القدماء، وافق بعضها، وقدم نقدًا لبعضها الآخر، بعد أن أجزل التعظيم والثناء على ما قدَّمه العلماء العرب الأوائل مثل الخليل وسيبويه، وقدَّم نقدًا لمن جاء بعدهم؛ لأنّهم اكتفوا بترديد مصطلحات السابقين والأوائل، يقول: «دراستنا هنا هي دراسة المحايد المنصف المعترف بعلم هؤلاء القدماء وفضلهم، وليس القصور أو التقصير فيما رواه سيبويه، وإنّما هو في صنيع من جاء بعده من العلماء الذين اكتفوا بترديد كلامه، وفي الألفاظ والحروف نفسها دون أن يزيدوا عليه ما يستحقّ الذكر، ودون شرح واضح لتلك الآراء. بل حتى أولئك المشهورون من شرّاح كتاب سيبويه أمثال السيرافي والرومانى كانوا يقنعون في شرحهم للأصوات اللغويّة بذكر ألفاظ سيبويه وعباراته ومصطلحاته كما هي»[29].
وعلى الرغم من موقف أنيس من هذه المصطلحات، فإنّه يرى أن لها ما يُبرّرها، ويمكن أن تُستغلّ في الدراسات الصوتية الحديثة، بل هي أفضل من بعض المصطلحات الحديثة؛ لما فيها من الحمولات الدلاليّة القصدية بين ما تحتويه دلاليًّا وما تستدعيه مفهوميًّا، وعلى سبيل المثال، نقف على مجموعة من المصطلحات الصوتيّة العربيّة، ثم نقف على موقفه منها.
مصطلح (الأصوات اللهويّة)، إن تسمية أصوات أقصى الفم (القاف، والكاف، والجيم القاهرية الخالية من التعطيش) بالأصوات اللهويّة، نسبة إلى اللهاة، يغني عن المصطلح الذي ابتكره الدارسون المحدثون الذين اصطلحوا عليها بالأصوات الطبقية، دون أن يكون لكلمة (طبق) أيّ معنى يتّصل بأجزاء الفم.
مصطلح (الأصوات الشجريّة)، وقف أنيس نفس الموقف بالنسبة للأصوات الشجرية، فرأى أنَّ مصطلح الأقدمين يُغني عن المصطلح الجديد، بل هو أدقّ منه موضعًا، فلا داعي لأن يُستعمل مصطلح (الغارية) للدلالة على هذه الأصوات (الجيم الفصيحة، والجيم الشامية الكثيرة التعطيش، والشين) ويعلّل إبراهيم أنيس هذا المذهب، في كون الغار يشمل كلَّ أجزاء الحنك الأعلى.
مصطلح (الأصوات النطعية)، عاد أنيس ونقد القدماء في اصطلاحهم على (الدال، والطاء، والتاء) بالأصوات النطعية، فيرى أنه اصطلاح جانبه التوفيق، وهو ينطلق في هذا النقد من نتائج التجارب الحديثة، ومعطيات المستشرقين؛ لأنّ النطع هو أقرب جزء من الحنك الأعلى إلى أصول الثنايا، والتجارب الحديثة دلَّت على أن طرف اللسان مع هذه الأصوات يتّصل بأصول الثنايا، بل ومعظم الثنايا من الداخل، فهي أصوات أسنانية لثوية، ثمّ إنهم لو وضعوا هذا المصطلح (النطع) إلى اللام والراء والنون، لكانوا أقرب إلى الصواب.
مصطلح (الأصوات الأسلية) وكذلك وقف على تسميتهم للسين والصاد والزاي بالأصوات الأسلية، نسبة إلى أسلة اللسان، أي: طرفه، ونقده لهذا المصطلح جاء من باب أن طرف اللسان يشترك في إنتاج كثير من الأصوات وليس مقصورًا على السين والصاد والزاي، ثمّ إنّه يترتّب على ذلك «إسراف في تكثير المصطلحات دون مبرّر ظاهر؛ لأنّنا حين ننسب الأصوات إلى أوّل اللسان أو طرفه نجد مجموعة كبيرة ممن يقوم بها هذا الجزء من اللسان بدور مهم في صدورها أو النطق بها»[30].
مصطلح (الأصوات اللثوية)، يرى أنيس أن هذا الاصطلاح أغرب وأعجب ما يكون من مصطلحات العلماء العرب، ذلك أنهم خصّوه (بالذال، والثاء، والظاء)، وعلى الرغم من أن اللثة لا تقوم بأي دور في إنتاج هذه الأصوات، فإنهم نسبوها إلى اللثة.
مصطلح (حروف الذلاقة)، ولم يعلّق إبراهيم أنيس على هذا المصطلح، بل ذكر أنه يعود إلى ابن جني، وقد تردّد كثيرًا في كتب اللغويين وأصحاب القراءات بعد استعماله، ثمّ إنَّه راح يُفسِّر معنى الذلاقة، فلم يجد لها إلّا المعنى المتداول، وهو القدرة على الانطلاق في الكلام دون تعثر أو تلعثم، ويبدو أن ابن جني -كما يـرى إبراهيم أنيس- اصطلح عليها بالذلقيّة حين لاحظ كثرة أصواته في الكلام، وهذه الأصوات هي: (اللام، والراء، والنون، والفاء، والباء، والميم).
هكذا يبدو أنَّ إبراهيم أنيس قد كان موضوعيًّا إلى حدٍّ بعيد فيما يخصُّ موضوعة المصطلحات، وقد وازن كثيرًا بين استعمالاته المصطلحات القديمة، واستثماره للمصطلحات الحديثة عند المستشرقين، وكأنَّ كل استعمال يكون بقصـد ما، سواء أَذَكره أم لم يذكره، ويمكن أن نوازن بين استعماله للمصطلحات العربيّة والغربيّة -التي وقفت عليها- من خلال الجدول الآتي[31]:
المصطلحات العربية التراثية
مصطلحات المستشرقين
المخارج
الصفات
التصويت والتنفّس
الجوف
الهمس والجهر
الصامتة والمتحرّكة
النبر (Stress)
الحلق
الشدّة والرخاوة
التقاء الساكنين
المقطع (Syllable)
اللسان
الاستعلاء، الاستفال
المدّ والقصر
التنغيم (Intonation)
الشفتان
الإطباق، الانفتاح
الصوامت والصوائت
الخيشوم
الذلاقة، الإصمات
التصويت
(Phonation)
الميزان النبري
المطلب الرابع: المخارج والصفات في فكر إبراهيم أنيس
وهذه واحدة من المحطات المهمّة في فكر إبراهيم أنيس، التي أطال فيها وتناثرت مباحثها في فصول الكتاب وأجزائه، على الرغم من تخصيص فصلين خاصّين لها في كتاب الأصوات اللغوية فقط، هما الفصل الرابع والفصل الخامس، وسننظر في هذا الفصل في الكيفيّة التي بحث بها أنيس مسألة الصفات والمخارج، وهل وافق المدوّنة العربية؟ أم كان متأثّرًا بالمنهج الاستشراقي في مباحثه وتجاربه؟
لنبدأ أوّلًا بتحديد الجهاز النطقي، والذي يبدو من خلال تصفّح بعض كتب المحدَثين الصوتية أنَّهم بدأوا يولون عناية بدراسة هذا الجانب التشريحي -إن جاز لنا هذا التعبير- وأنَّ القدماء قد مرّوا على ذكر أعضاء النطق مرورًا عرضيًّا لا جوهريًّا، ويبدو أن أنيس كان من أوائل الباحثين المحدَثين الذي تحدّثوا في هذا الجانب، ويبدو أنّه استثمر كثيرًا المخرجات الطبية من علم التشريح، ولذا كان وصفه لجهاز النطق وأعضائه وصفًا دقيقًا ومجاوزًا لوصف ابن جنّي على سبيل المثال، ويمكن توضيح الفرق بين وصفيهما بالجدول الآتي[32]:
جدول يوضح الفرق بين أعضاء الجهاز النطقيّ بين ابن جنّي، وإبراهيم أنيس.
ابن جني
الحلق
اللسان
الأسنان
الشفتان
خيشوم
إبراهيم أنيس
الرئتان
القصبة الهوائية
الحنجرة
الوتران الصوتيان
الحلق
اللسان
الفراغ لأنفيّ
الأسنان
أوَّل ما يُمكن ملاحظته من خلال مطالعة كتاب الأصوات اللغوية لإبراهيم أنيس، وخصوصًا الفصل الرابع منه، هو التقسيم الذي درج عليه في عرض مخارج الحروف، إذ اتّبع أنيس ترتيبًا تنازليًّا يبدأ من الشفتين ومرورًا بالحنك وانتهاءً بالحلق، في حين درج علماؤنا العرب الأوائل على اتّباع منهج تراتبي تصاعدي، يبدأ من الحلق ليمرّ بالحنك وينتهي بالشفتين، وهذا هو التقسيم الذي ابتدعه الخليل، ورتَّب معجمه وفقًا له، ثم صار منهجًا متّبعًا في تقسيم مخارج الأصوات فيما بعد.
وهذه هي أولى أوجه الاعتراض أو المخالفة من لدن إبراهيم أنيس للمدوّنة العربية التراثية، ولعلَّ الوجه الآخر هو تسمية المخرج أحيانًا بالمخرج، وأحيانًا أخرى بموضع النطق، ولننظر في مخارج الأصوات الساكنة كما قرّرها إبراهيم أنيس[33].
الأصوات الشفوية
1-
الباء
هو صوت شديد مجهور، قد يشكّل بالسكون أو قد يضاف إليه صوت لين قصير يشبه الكسرة، فيسمّى (القلقلة)، أمّا الباء المهموس فليس أساسيًّا في اللّغة العربية، ويرمز إليه في الكتابة الأوروبية بالرمز(p).
2-
الميم
صوت مجهور متوسّط بين الشدّة والرخاوة.
الصوت الشفوي الأسناني
1-
الفاء
هو صوت رخو مهموس يخرج من بين الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، ومجهوره هو ما يرمز له في معظم اللغات بـالصوت: (v).
الأصوات اللثوية
1-
الذال
هو صوت رخو مجهور، مخرجه من بين طرف اللسان والثنايا العليا، ونظيره المهموس هو الثاء.
2-
الثاء
والثاء هو صوت مهموس لا يتحرّك معه الوتران الصوتيّان.
3-
الظاء
هو مثل صوت الذال تمامًا، إلّا أنه في حال النطق به يرتفع طرف اللسان وأقصاه نحو الحنك ويتقعَّر وسطه، واعتبره القدماء أحد أصوات الإطباق، وقد وضّح إبراهيم أنيس بالرّسم والشكل حالة اللّسان عند النطق به.
الأصوات النطعيّة
1-
الدال
هو صوت شديد مجهور.
2-
الضاد
يرى إبراهيم أنيس أنّ الضاد التي وصفها القدماء تخالف التي ننطق بها اليوم، فهي كما وصفها سيبوبه «الضاد الضعيفة تتكلّف من الجانب الأيمن، وإن شئت تكلّفتَها من الجانب الأيسر، وهو أخف لأنّها من حافة اللّسان مطبقة، لأنك جمعت في الضّاد تكلّف الإطباق مع إزالته من موضعه، وإنّما جاز هذا فيها لأنّك تحوّلها من اليسار إلى الموضع الذي في اليمين»[34]، بمعنى أن الضاد الضعيفة هي التي تخرج من الجانب الأيمن أو الأيسر، والقوية من كلا الجانبين.
وبهذا يؤكّد إبراهيم أنيس أن الضّاد القديمة قد أصابها بعض التّطور حتى أصبحت كما نسمعها اليوم، وهذا التطور بعيد المدى حدث منذ عهد ابن الجزري في القرن الثامن للهجري. فالضّاد الحديثة عنده صوت مجهور شديد مثلما ينطق بها أهل مصر تمامًا.
3-
التاء
صوت شديد مهموس ونظيره المجهور هو الدّال.
4-
الطاء
الطاء هي أحد أصوات الإطباق، وهو صوت شديد مهموس يشبه التاء في تكوّنه، إلاّ أن اللسان مع الطاء يتّخذ شكلًا مقعّرًا منطبقًا على الحنك الأعلى، والطاء القديمة مجهورة كما صنّفها سيبويه، ويرى إبراهيم أنيس أنّ صوت الطاء كما وصفه القدماء لا يمكن إدراكه ولا طريقة نطقه[35]، إلاّ أنّه يمكن أن نستنتج من وصفهم أنها كانت صوتًا يشبه الضاد المعروفة الآن.
الأصوات الذلقية
1-
اللام
صوت مجهور متوسّط بين الشّدة والرخاوة، واللّام نوعان مرقّقة ومغلّظة والفرق بينهما أنّ اللّسان مع المغلّظة يتّخذ شكلًا مقعّرًا.
2-
الراء
صوت مجهور متوسّط بين الشّدة والرخاوة، والصفة المميزة للرّاء هي تكرّر طرف اللّسان للحنك عند النطق بها، وهي أيضًا نوعان؛ مرقّقة ومفخّمة، والفرق بينهما يشبه الفرق بين اللاّم المغلّظة والمرقّقة، أي أنّ الرّاء المفخّمة من الناحية الصّوتية تُعدّ أحد أصوات الإطباق.
3-
النون
صوت مجهور متوسّط بين الشّدة والرخاوة، وقد خَصّت كتب القراءات هذا الصّوت ببحوث درسوا فيها أحكام النون من إظهار وإخفاء وإدغام وغير ذلك.
الأصوات الأسلية (الصفيرية)
1-
السين
صوت رخو مهموس ونظيره المجهور هو الزاي.
2-
الزاي
صوت رخو مجهور ونظيره المهموس هو السين.
3-
الصاد
صوت رخو مهموس يشبه السين تمامًا، إلّا أن الصاد أحد أصوات الإطباق.
أصوات وسط الحنك
1-
الشين
صوت رخو مهموس، له نظير مجهور يُسمع أحيانًا في لغة الكلام عند بعض المصريين في مثل كلمة (مشغول).
2-
الجيم
صوت مجهور قليل الشّدة، تطوّر تطوّرًا كبيرًا في اللهجات العربية الحديثة. ففي ألسنة القاهريين يُسمع خاليًا من التعطيش كجيم أقصى الحنك، وتطوّر إلى الدال في لهجة بعض أهالي صعيد مصر، ولكن الجيم الأصلية لا تزال تُسمع حتى الآن في ألسنة بعض القبائل العربية السودانية.
أصوات أقصى الحنك
1-
الكاف
صوت شديد مهموس، ونظيره المجهور هو الجيم القاهريّة.
2-
القاف
لقد تطوّر هذا الصوت، حيث كان قديمًا مجهورًا، أمّا الذي ينطق به اليوم أهل القراءات فهو صوت شديد مهموس، فالقاف كما وصفه القدماء يشبه القاف المجهورة التي تُسمع عند القبائل العربية في السودان، ومن تطوّرها أنّها تُسمع في لغة الكلام بمصر والشام همزة.
الأصوات الحلقية
1-
الغين
هو صوت رخو مهموس.
2-
الخاء
هو صوت رخو مهموس، مخرجه واحد مع الغين وهو أدنى الحلق.
3-
العين
صوت مجهور متوسّط بين الشدّة والرخاوة، ومخرجه وسط الحلق.
4-
الحاء
صوت مهموس وهو نظير العين، فمخرجهما واحد وقد عدَّه أنيس من الأصوات الرخوة.
5-
الهاء
صوت رخو مهموس، يُجهر به في بعض الظروف اللغوية الخاصة، فعند النطق بالهاء المجهورة تندفع من الرئتين كمية كبيرة من الهواء أكثر مما تندفع مع بقية الأصوات.
6-
الهمزة
كان وصف الخليل لها مضطربًا حيث نسبها إلى أقصى الحلق، ثم ذكر أنّها هوائية لا حيز لها، وعدّها سيبويه من أقصى الحلق، وهي صوت شديد مجهور عنده، ومتوسّط بين الجهر والهمس عند إبراهيم أنيس[36]، وقد مالت بعض اللهجات العربيّة في العصور الإسلاميّة إلى تخفيفها.
والقراءة الفاحصة لمدوّنات أنيس تكشف عن جملة من الاختلافات بين التصوّرات الصوتية لإبراهيم أنيس، وتصوّرات العرب الصوتيّة، فقد خالف إبراهيم أنيس العرب في قضية المخارج، حيث قسّمها على خمسة مخارج فقط هي: الحنجرة، الحلق، اللسان، الشفتان، التجويف الفموي والأنفي، على حين يجري التقسيم العربي على التقسيم الذي قدّمه سيبويه، وهو مكوّن من ستة عشر مخرجًا.
وكما اعتبر أنيس أنّ الجوف منطقة تردّدية وليس مخرجًا مستقلًّا، في حين أن الجوف مخرج مستقلّ لحروف المدّ الثلاثة (الألف والواو والياء)، وذهب أنيس إلى إنكار أن يكون الجوف مخرجًا خاصًّا، واعتبره مجرّد فراغ داخل الفم يُستخدم في تضخيم الصوت لا في إنتاجه.
على مستوى المخارج اعتبر أنيس أنَّ مخرج الضاد ليس كما حدَّده سيبويه بأنه من إحدى حافّتي اللسان، بل قربه إلى مخرج الظاء، واعتبر الطاء والتاء والدال تخرج من موضع واحد، متأثّرًا بالمنهج الصوتي الاستشراقي الذي يتعامل مع المجموعات الصوتية بطريقة مختلفة عن التقليد العربيّ.
أمَّا عن صفات الأصوات فقد تحدّث إبراهيم أنيس عن جملة من صفات الأصوات، مثل الجهر والهمس، الشدّة والرخاوة، وغيرها من الصفات التي اعتمد فيها على الدراسات الاستشراقية الحديثة مثل النبر، والصوت المجهور عند إبراهيم أنيس هو الصوت «الذي يهتزّ معها الوتران الصوتيّان»[37]، وإبراهيم أنيس يعتمد على التجارب الحديثة في تحديد الأصوات المجهورة فهي عنده ثلاثة عشر صوتًا: ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن، يُضاف إليها أصوات اللين. أما الأصوات المهموسة فهي اثنا عشر صوتًا: ت، ث، ح، خ، س، ش، ص، ط، ف، ق، ك، هـ.
ويعتمد أنيس على التجارب الحديثة في تحديد الأصوات الشديدة أيضًا، فهي عنده: ب، ت، د، ط، ض، ك، ق، والجيم القاهرية، أما الجيم الفصيحة فيختلط صوتها الانفجاري بنوع من الحفيف يقلّل من شدّتها، ويشير إبراهيم أنيس إلى الاختلاف المصطلحي بين المدوَّنة العربية والمدوَّنة الاستشراقية، فالعرب يسمّون هذه الأصوات بالأصوات الشديدة، على حين يصطلح المحدثون عليها بالأصوات الانفجارية (Plosive)، أما الأصوات الرخوة فهي التي اصطلح عليها المحدثون بالأصوات الاحتكاكية (Fricatives)، وعلى قدر نسبة الصفير تعتمد نسبة الاحتكاك، ولهذا فإنَّ أكثر الأصوات احتكاكًا هي أصوات الصفير وهي: ز، س، ص، والأصوات الاحتكاكية هي: ز، س، ص، ش، ذ، ث، ظ، ف، هـ، ح، خ، ع[38].
وفي سياق المخارج والصفات نفسه، قدَّم أنيس نقدًا لمجهودات سيبويه في هذه الجنبة، وهو يستعرض محاضرة المستشرق الألماني شادة، ويعلق شادة على أنَّ مصطلح (المخرج) الذي اعتمده سيبويه للموضع الذي يولد فيه الصوت كان مصطلحًا جانبه الصواب، وقد درج المستشرق الألماني شادة على استعمال مصطلح (الموضع) للمكان الذي يتّصل فيه عضوان من أعضاء النطق في أثناء النطق بالصوت، أما المخرج فيرى المستشرق أنَّه مصطلح خاص بالطريق الذي يتسرّب منه النَّفَس إلى الخارج.
يرى أنيس أن المستشرق على حقّ، لكنه لم يجد مبرّرًا لتغيير مصطلح سيبويه الدارج في الدراسات الصوتية إلى الموضع، بل يرى أنَّ التمييز الذي ينبغي أن يُتَّبع ههنا هو الاقتراح الذي قدَّمه في مصطلح (المجرى)، وهو مصطلح يُراد منه الدلالة على مجرى الهواء من الرئتين حتى الخارج، فيكون مخرج الصوت حينئذ نقطة معيّنة في هذا المجرى كما أراده سيبويه، وبذلك نكون قد حقّقنا الدقّة في الاصطلاح، وأبقينا على مصطلح سيبويه في الوقت نفسه[39].
ويؤيّد أنيس موقف المستشرق الألماني من أنَّ صوتي القاف والطاء هما صوت مهموس كما ننطق بهما الآن، في حين أنَّ سيبويه يعتبرهما من الأصوات المجهورة، وخالف سيبويه أيضًا في كون الهمزة صوتًا مجهورًا، كما يراها سيبويه، في حين يرى المستشرق الألماني أنها مهموسة، وهو ما يذهب إليه إبراهيم أنيس.
وقدَّم أنيس نقدًا فيه من الجرأة الشيء الكبير، حين وصف سيبويه بأنه لا يعرف معنى الإخفاء، في حين أن سيبويه يستعمله آليةً للتفريق بين نوعين من الصفات: المجهورة والمهموسة، وجاء النقد في معرض الرواية التي نقلها الأخفش عن سيبويه قال: «سألت سيبويه عن الفصل بين المجهور والمهموس، فقال: المهموس إذا أخفيته ثم كرّرته أمكنك ذلك، وأمّا المجهور، فلا يمكنك ذلك فيه...»[40]. فسيبويه يرشدنا إلى طريقة للتمييز بين المجهور والمهموس، وذلك عن طريق إخفاء الصوت وأنّه يمكن هذا الإخفاء مع المهموسات دون أن تفقد معالمها، أما مع المجهورات فيترتّب عليه أن تضيع صفة الحرف المميّز له، ويعلّق أنيس قائلًا: «والذي لم يكن يعرفه سيبويه هو أنَّ الإخفاء معناه إسكات الذبذبات التي تحدث في الوترين الصوتيين بالحنجرة، ومتى سكتت أو انقطعت تلك الذبذبات انقلب المجهور إلى نظيره المهموس»[41].
الخاتمة
تبيّن من خلال البحث أنَّ إبراهيم أنيس كان متأثّرًا بنسبة كبيرة بالمدوّنات الاستشراقية، وأن تبنّيه هذه الأطروحات ليس خافيًا أو مستورًا، فالمؤلِّف يشير في أكثر من موطن إلى هذا التأثّر، وذلك التبني، لكنَّه في الوقت نفسه لم يكن مجرد ناقل لآراء المستشرقين، أو متبنٍ لها دون تمحيص أو تحليل، بل كان يُسائل الآراء، ويعرضها على ما يقابلها من آراء علمائنا العرب، وحين يستضمر التصريح بتلك الآراء يكتفي بالإشارة إليها بالقول: النظريّات العلميّة الحديثة.
من جانب آخر كان أنيس موضوعيًّا إلى حدّ بعيد، يتبنَّى ما يراه مناسبًا لمنهجه وموضوعه، فنراه يرد آراء المستشرقين في بعض المواطن، كما يردُّ آراء العرب ويناقشها في مواطن أخرى، في حين أنَّ أغلب ردوده كانت لسيبويه، وقد تخلّلت أغلب الجوانب الصوتية، فمنها ما يتعلّق بالمخارج، ومنها ما يتعلّق بالصفات، ومنها اعتراضات تتعلّق بالفهم والتوظيف للآليّات الصوتية، استنادًا وانطلاقًا ممّا هيّأته النظريّات الحديثة من مادّة خام لأنيس، تمكَّن من خلالها من كشف ما لم يستطع إمام النحاة كشفه.
إنَّ نظرة فاحصة في مصادر مدوّنات أنيس تكشف عن ميله واتجاهه، فعلى الرغم من أنَّ فهمه للتراث العربي قد يبدو منظومًا، فإنَّ مؤلَّفات المستشرقين في قائمة مصادر قد غلبت مؤلَّفات العلماء العرب، حيث بلغت مصادر المستشرقين خمسة عشر كتابًا، بينما كانت المصادر العربية ثمانية مصادر فقط، وربما كان ذلك للتساهل الذي وقع فيه في توثيق النصوص والأفكار، إذ أهمل كثيرًا منها، وعلى الجانبين، العربي والاستشراقي.
على مستوى المصطلحات، قدم أنيس منظومة اصطلاحية وفهمًا اصطلاحيًّا نقديًّا واضحًا في مدوّناته؛ إذ مازج بين المصطلحات العربية التراثية، والمصطلحات الاستشراقية الحديثة، بحسب ما يراه، وما ترتضيه طبيعة البحث والموضوع.
لائحة المصادر والمراجع
الكتب المطبوعة
الأنطاكي، محمد، الوجيز في فقه اللغة، دار الشرق، بيروت، 1969م.
أنيس، إبراهيم، الأصوات اللغوية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2007م.
ـــــــــــــــــــــ، دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، ط5، القاهرة، 1984م.
ـــــــــــــــــــــ، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط8، 1992م.
ـــــــــــــــــــــ، من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط6، 1978م.
بن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، الهيئة المصرية للكتب، ط4، د. ت.
حسان، تمام، مناهج البحث في اللغة دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، 1979م.
الخليل، أبو عبد الرحمن، العين، تحقيق، د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
خليل، عبد القادر مرعي، المصطلح الصوتي عند علماء العربية القدماء في ضوء علم اللغة المعاصر، ط1، جامعة مؤتة، عمادة البحث العلمي والدراسات العليا، عمان، 1412هـ/ 1993م.
السلطاني، فارس، جهود المستشرقين اللغوية في اللغة العربية، مركز عين للبحوث والدراسات المعاصرة، ط1، بيروت، 2018م.
السيرافي، أبو سعيد، شرح كتاب سيبويه، تحقيق: أحمد حسن مهدلي، علي سعيد علي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 2008م.
عمر، أحمد مختار، دراسة الصوت اللغوي، عالم الكتب القاهرة، 1976م.
كانتينو، جان، دروس في علم أصوات العربية، ترجمة صالح القرمادي، منشورات الجامعة التونسية، 1966م.
الرسائل والأطروحات
شهرة، كريفة؛ شويتح، آمال، القضايا الصّوتية في اللّغة العربية بين التراث واللسانيات العربية الحديثة، جامعة محمد البشير، كلية الآداب واللغات، 2022م.
أنيس، إبراهيم، المصطلح الصوتي في كتاب اللهجات العربية، إعداد: فريدة ربيحة، عاشوري مربحة، المركز الجامعي صالحي أحمد، معهد اللغة والأدب العربي، الجزائر، 2023م.
الأبحاث المنشورة
طالب، م.م فردوس، الفكر اللغوي الغربي وأثره في فكر الدكتور إبراهيم أنيس، مجلة تسليم، مج 10، ع19، 2021م.
[1]*- باحث في اللسانيات العربيّة - العراق.
[2]- يبدو أنَّ هذه الأسباب تنحصر فيما هو ذاتي وما هو موضوعي، فالأوّل تمثله رغبة العرب في عدم مقارنة العربيّة بغيرها من اللغات، والآخر يتمثّل في الطبيعة المنهجيّة، وأدوات البحث الأوّليّة الراكزة.
[3]- ولفنسون، تاريخ اللغات الساميّة، ص17.
[4]- السلطاني، د. فارس، جهود المستشرقين اللغوية في اللغة العربية، ص41.
[5]- الصيغ، د. عبد الله، المصطلح الصوتي، 26ص.
[6]- أنيس، د. إبراهيم، من أسرار اللغة، ص4.
[7]- أنيس، إبراهيم، الأصوات اللغوية، ص21.
[8]- يُنظر: الأصوات اللغوية، م. س، ص31 -32.
[9]- الأصوات اللغوية، م. س، ص33.
[10]- م.ن، ص38.
[11]- في اللهجات العربية م. س، مقدمة الطبعة الثانية، ص6.
[12]- في اللهجات العربية م. س، ص9–10.
[13]- يُنظر في ذلك: دي سوسير، علم اللغة العالم، ص163.
[14]- في اللهجات العربية م. س، من مقدمة الطبعة الثانية.
[15]- في اللهجات العربية م. س، ص16.
[16]- م. ن، ص16.
[17]- المصطلح الصوتي في كتاب اللهجات العربية لإبراهيم أنيس، ص19 (رسالة ماجستير).
[18]- في اللهجات العربية، م. س، ص28 وما بعدها؛ نعمة، فردوس طالب، الفكر اللغوي الغربي وأثره في فكر الدكتور إبراهيم أنيس، ص336.
[19]- في اللهجات العربية م. س، ص28 وما بعدها؛ الفكر اللغويّ الغربيّ وأثره في فكر الدكتور إبراهيم أنيس، م.س، ص336 (بحث).
[20]- الأصوات اللغوية، م. س، ص3.
[21]- يُنظر: كانتينو، جان، دروس في علم أصوات العربية، ص17.
[22]- الأصوات اللغوية، م. س، ص28.
[23]- م. ن، ص28.
[24]- الصيغ، عبد العزيز، المصطلح الصوتي عند علماء العربية، ص126.
[25]- يُنظر: الأنطاكي، محمّد، الوجيز في فقه اللغة، ص146.
[26]- يُنظر: خليل، عبد القادر، المصطلح الصوتي عند علماء العربية القدماء، ص126.
[27]- يُنظر: حسان، تمام، مناهج البحث في اللغة، ص108.
[28]- يُنظر: عمر، أحمد مختار، دراسة الصوت اللغوي، ص137.
[29]- الأصوات اللغوية، م. س، ص10.
[30]- الأصوات اللغوية، م. س، ص104.
[31]- استعمل إبراهيم أنيس هذه المصطلحات في ثنيات كتبه الآتية: الأصوات اللغوية، دلالة الألفاظ، في اللهجات العربية.
[32]- لم يفرد ابن جني بابًا خاصًّا لجهاز النطق، ولم يصطلح عليه بهذا الاصطلاح، إنما ذكره عرضا في (باب الحروف على مراتبها من الاطراد) يُنظر: ابن جني، الخصائص، ج1، ص60؛ على حين خصَّص إبراهيم أنيس جزءًا من الفصل الثاني لأعضاء النطق، يُنظر: الأصوات اللغوية، م. س، ص19.
[33]- يُنظر: الأصوات اللغوية، م. س، ص45-85؛ شهرة، كريفة؛ شويتح، آمال، القضايا الصّوتية في اللّغة العربية بين التراث واللسانيّات العربية الحديثة، ص49 (رسالة ماجستير).
[34]- سيبويه، الكتاب، ج4، ص432.
[35]- الأصوات اللغوية، م. س، ص53.
[36]- الأصوات اللغوية، م. س، ص76-77.
[37]- الأصوات اللغوية، م. س، ص22.
[38]- م. ن، ص26-27.
[39]- الأصوات اللغوية، م. س، 106-107.
[40]- السيرافي، أبو سعيد، شرح كتاب سيبويه، ج5، ص395-396.
[41]- الأصوات اللغوية، م. س، ص115.