الباحث : د. مريم رضا خليل
اسم المجلة : دراسات استشراقية
العدد : 45
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : February / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 47
د. مريم رضا خليل[*][1]
مقدمة
يعدّ كتاب (The Karbala Story and Early Shi’ite Identity) (قصة كربلاء والهوية الشيعية المبكرة) أحدث مؤلَّف للباحث والأكاديميّ والمحقّق السويدي المتخصّص في مجال دراسات الأديان، وتحديدًا التاريخ الشيعيّ المبكر وتطوّرات الإسلام الشيعي، تورستن هيلين[2] (Torsten Hylen). صدر الكتاب عن (Edinburgh University Press) في نيسان 2025م، من سلسلة الدراسات الكلاسيكية الإسلامية، ويبلغ 280 صفحة. ويبحث الكتاب كيف تطور سرد واقعة كربلاء بين القرنين السابع والتاسع الميلاديّ، ولماذا أصبحت القصة عنصرًا محوريًّا في تشكيل الهوية الشيعيّة المبكرة. وتتمحور إشكالية الدراسة حول مساهمة السرد التاريخيّ المبكر في بناء هوية شيعيّة مميّزة ومستقلّة. يركّز الكتاب على تحوّل واقعة كربلاء (680م) من حدث تاريخي إلى «أسطورة» مركزية في بناء الهوية الشيعية. تقدِم هذه الورقة مراجعة للكتاب الجديد، وتتوقّف بالنقد والتحليل عند المنهج والطرح دون البعد التاريخي أو سند الروايات المعتمدة في الكتاب. فتقارب الطرح من منظور علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي، وتحديدًا موضوعي بناء الهوية وديناميكية السلطة. كما تدرس الانطباعات أو التأثيرات التي يولّدها طرح هيلين لدى القارئ الشيعي.
في منهج الكتاب
يتميز أسلوب هيلين بالدقّة المنهجيّة، فيعتمد على مقارنة نصوص تاريخية مختلفة، وتحليل تطوّر السرد والرمزية والنصوص والوظائف الاجتماعية والسياسية للواقعة في بيئتها التاريخية، وصولًا إلى تأصيل الهوية الشيعيّة. في سياق عمليّة الشرح التاريخي لتطوّر سرد واقعة كربلاء، يقدّم كتاب هيلين نموذجًا في التحليل النقدي لعملية صناعة المعنى والهوية الشيعية بوصفها بنية سردية من خلال الحدث الدينيّ، بعيدًا عن أيّ لغة انفعالية أو إسقاطات مذهبيّة. يركّز على الفترة المبكرة (القرن السابع إلى العاشر الميلادي)، أي بدءًا من واقعة كربلاء وحتى نشوء ما يسميه «الهوية الطائفية الشيعية الأولى» وتكوين «الأسطورة». ويستخدم المنهج السردي التحليلي والمنهج المقارن؛ مستندًا للتاريخ النقدي في تتبّع تطوّر السرد، بدءًا من التقاليد الشفهية وحتى روايات التدوين، ومقارنًا النصوص التاريخية بين روايات أبي مخنف، الطبري، وسرديّات متأخّرة؛ مما سمح بتوضيح البناء التدريجيّ. للمفارقة، لا يتناول أيّ أحداث أو شخصيات خارج هذا النطاق الزمنيّ، ولا يربط بين كربلاء وبين أيّ نهج سياسيّ في القرن العشرين، لكنّه يقدّم أساسًا تاريخيًا لفهم الطريقة التي تطوّرت بها الواقعة في العصور الأولى، الواقعة التي يصفها بـ«الأسطورة»، دون أن يقصد بها أنّها خرافة أو أنّها غير حقيقية، بل يستخدم مصطلح «أسطورة» (Myth) بمعناه الأكاديمي في دراسات الأديان والثقافات، وهو مختلف عن المعنى الشعبيّ السلبيّ.
والمقصود بـ«الأسطورة» عند هيلين هو «سرد رمزيّ»، بمعنى أنّها قصّة رمزيّة كبرى تعبّر عن صراع وجوديّ أو أخلاقيّ، وتؤسّس لفهم جماعي للهوية والتاريخ. في هذا السياق، يشير في مقدّمة كتابه إلى أن رواية كربلاء لم تُستخدم لتأريخ واقعة مقتل الإمام الحسين فقط، بل «تحوّلت إلى بنية رمزية تُعبّر عن الخير مقابل الشر، النقاء مقابل الفساد، والاستشهاد مقابل الاستسلام». أصبحت القصة مرآة لهوية الشيعة، تتكرّس في كل جيل عبر الطقوس، والخطاب، والمظلومية. ودفعت إضافة العناصر الرمزية والدينية والعاطفية إلى الروايات المتعدّدة مع كل عمليّة إعادة سرد وتأويل متكرّر إلى جعل كربلاء أداة تواصل بين الماضي والمستقبل. بالنسبة لهيلين، مصطلح «أسطورة» يفيد وجود وظيفة تأسيسيّة دينيّة واجتماعية تتجاوز الحدث القصّة لتصبح نموذجًا للبطولة والفداء يعاد إنتاجه عبر الزمن.
على الرغم من قوّة الكتاب في التأصيل المنهجي النقدي وتتبّع النصوص داخل سياقاتها الاجتماعية، إلّا أنه يُنتقد منهجيًّا لجهة توقّفه عند مرحلة التأسيس ومحدودية النطاق الزمني في دراسة الواقعة وعدم التطرّق لتحليل الطقوس الشيعية في العصر الحديث، وضيق العمق التحليليّ الأفقيّ، والإفراط في تجنّب البعد السياسيّ لكربلاء في الزمن المعاصر. يغفل الكتاب أثر كربلاء على الفقه السياسي الشيعي، ويفتقر للمقارنة مع أحداث تأسيسية مشابهة في الديانات الأخرى (مثل صلب المسيح، أو خروج موسى)، ويتجنّب تحليل الجانب السياسي للثورة الحسينية، والأبعاد السياسية الحديثة لنهضة الإمام الحسين وتحليل الإمامة وعلاقتها بالسرديّات المبكرة.
لمحة موجزة عن الهيكل والمضمون
يتألّف الكتاب من اثني عشر فصلًا رئيسيًا؛ موزّعة ضمن ثلاثة أجزاء، بالإضافة إلى المقدّمة والخاتمة. تضمّ المقدّمة فصلين؛ يحدّد الكاتب فيها الهدف بدقّة، ويوضح المنهج. فالهدف هو تتبّع كيفيّة تحوّل قصة كربلاء من رواية تاريخيّة إلى أسطورة تأسيسيّة للهوية الشيعيّة المبكرة، والمنهج يجمع بين التحليل التاريخيّ وبين دراسة الأسطورة (Myth) لفهم البناء الرمزي والسياسي. الفصل الأوّل وعنوانه: «قصّة كربلاء والهويّة الشيعيّة»، يؤسّس لدراسة تطور هذه القصة كـ«ميتولوجيا» تشكّل الهوية الجماعية؛ فيضع الأساس لفكرة أن كربلاء ليست مجرّد واقعة تاريخية، بل نصّ سرديّ مكوّن للهوية. يربط بين المظلومية، التضحية، والعدالة باعتبارها مرتكزات هويّة الجماعة الشيعيّة في القرون الأولى. أمّا الفصل الثاني وعنوانه: «دراسة قصّة كربلاء كأسطورة» فهو عبارة عن تحليل الرؤى النظريّة حول الأسطورة والهويّة الدينيّة؛ إذ يعرض الأطر النظرية لدراسة كربلاء كأسطورة، بالمعنى العلميّ (رمز كوني يفسّر العالم ويؤسّس هوية)، كما يقارنها بأساطير دينيّة أخرى، ليبيّن كيف تُستخدم الرموز والقصص في بناء الجماعات وشرعنتها.
يتناول الجزء الأول «قصة كربلاء في الروايات المبكرة»، ويحوي فصلين: الثالث والرابع في الكتاب. يقدّم الفصل الثالث، وعنوانه: «ثلاثة أوجه لكربلاء: الروايات المبكرة لقتل الحسين»، مقارنة تأريخية للروايات الأولى للواقعة: تقارير تاريخية محايدة وروايات ذات طابع مأساوي، وروايات شيعيّة تعبّديّة. ثمّ يبيّن كيف تتطوّر كلّ رواية لتعكس احتياجات جمهورها. أمّا الفصل الرابع، «كربلاء والميثاق بحسب أبي مخنف»، فيحلّل الرؤية الحصريّة لأبي مخنف في هذه القصّة، ويركّز على دور أبي مخنف كمؤرّخ مبكر (القرن 2هـ)، ويوضح كيف قدّم القصة كـ«ميثاق» بين الحسين وأصحابه، مما يمنحها طابعًا أخلاقيًّا-عقديًّا.
يتكوّن الجزء الثاني بعنوانه: «الانتقام أم الاستشهاد؟ (قصّة التوّابين)» من أربعة فصول. يشكّل الفصل الخامس كما يشير عنوانه: «مقدمة لقصّة التوّابين» (الذين ثاروا ندمًا على عدم نصرة الحسين)؛ فيعرّف بالحركة ويشرح كيف تحوّلت قصتهم إلى جزء من ذاكرة كربلاء، تؤكّد قيم التوبة والوفاء. الفصل السادس وعنوانه: «الخيانة والذنب في خطبهم ورسائلهم» عبارة عن دراسة معنوية لوعي التوبة والخطاب السياسي؛ يحلّل خطب ورسائل التوّابين، التي يغلب عليها شعور الخيانة والذنب؛ مبيّنًا أن هذه اللغة ساهمت في تحويل كربلاء إلى درس أخلاقيّ جماعيّ. الفصل السابع يتحدّث عن رمزية زيارة قبر الإمام الحسين ومغزاها ضمن العقيدة والطقوس، ويحمل عنوان: «الزيارة إلى قبر الحسين»، فيناقش أول نصوص الزيارة إلى قبر الإمام، ويبرز كيف أصبحت الزيارة ممارسة رمزية لطلب الغفران وتجديد العهد، وبالتالي وسيلة لتجذير طقوس الهويّة الشيعيّة. أما الفصل الثامن والأخير في هذا الجزء، فهو «قصّة التوّابين: تأريخ وملاحظات استنتاجية». والكاتب يستعرض فيه زمنية الأحداث لروايات التوّابين وتحليلها الختامي، وكيفية تحوّل كربلاء من مأساة سياسية إلى نموذج توبة دينيّة-جماعية.
الجزء الثالث والأخير يضم بدوره، أربعة فصول: وعناوينها على التوالي هي: «من معركة بسيطة إلى معركة كونيّة»؛ المختار والمهدي؛ الصراع على الإمامة في نشأة التشيع المبكرة؛ الحسين بين الأئمّة؛ والاستنتاج: صناعة الأسطورة والهوية في الشيعة المبكرة. يدرس هذا الجزء بفصوله الأربعة الربط بين حركة المختار ورمزية المهدي في التراث الشيعي، ويوضح كيف جرى توظيف كربلاء في خطاب المختار لتبرير الثأر والشرعية الدينية. ويناقش الصراع السياسي-الرمزيّ حول السلطة الدينية والأئمّة، ويبيّن كيف لعبت قصة كربلاء دورًا في دعم هذا الفريق أو ذاك. فيضع الإمام الحسين في موقع خاص بين الأئمّة كرمز للتضحية الكونيّة. ويشرح كيف جعلت هذه المكانة كربلاء حجر زاوية في الفكر الشيعي. وفي فصل الاستنتاج يركّز على وظيفة الأسطورة في بناء الهوية الجماعية، إذ إنّ كربلاء لم تكن مجرّد حدث تاريخيّ، بل تحوّلت إلى أسطورة مؤسِّسة للشيعة؛ عملت كـ«لغة رمزيّة» لفهم الظلم، وتبرير التشيع، وتوحيد الجماعة.
مقاربة نظرية اجتماعية.. كربلاء وبناء الهويّة
يشير تورستن هيلين في (The Karbala Story and Early Shi’ite Identity) إلى أن حادثة كربلاء (680م) تشكّل إحدى أهم المحطات التاريخية الإسلامية من حيث قدرتها على توليد رموز دينية وسياسية ساهمت في بناء الهويّة الجماعية الشيعية المميّزة في القرون الإسلامية الأولى. على الرغم من القيمة العلميّة التي يقدّمها الكتاب، لا سيّما في تحليله للتطوّر السرديّ للنصوص الشيعيّة، فإنّ المقاربة التي يعتمدها تغفل توظيف الأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة لحادثة كربلاء، فهي أداة إنتاج للهويّة، ومصدر للشرعيّة، وميدان للصراع الرمزيّ والسياسيّ. وهذا يتوافق مع ما طرحه هاميد داباشي، الذي يرى أن الشيعة قد «حوّلوا الحسين إلى رمز دائم للمقاومة، وبنوا من شهادته لغة احتجاج تُستخدم عبر التاريخ ضد الظلم والطغيان (2011 Dabashi)». من منظور علم الاجتماع، الهويّة لا تُبنى عبر النصوص فقط، بل عبر الممارسة الجماعية والرمزية، الطقوس، الجماعات المتخيّلة، والسلطة الرمزية أيضًا. ومن منظور الاجتماع السياسي، فإن الأسطورة لا تنفصل عن البنية السلطويّة وديناميّات الصراع، بل تدخل في صلب تشكيل الشرعيّة والهيمنة داخل الجماعة.
يُسلّط هيلين الضوء على حادثة كربلاء كأداة لبناء هويّة جماعيّة في فترة تشكّل الجماعة الشيعيّة المبكرة. ويُمكن اعتبار كربلاء أسطورة تأسيسيّة (Founding Myth) من زاوية علم الاجتماع؛ فهي تنسج ذاكرة مشتركة تُوحّد الأفراد حول مظلومية الحسين وشهادته، ما يخلق «الآخر» السياسيّ (الأمويّ/ العباسيّ) الذي يبرّر وحدتهم ومعارضتهم. وهذا يتقاطع مع نظرية بينديكيت أندرسون عن «الأمم المتخيّلة»، (Imagined Communities) حيث الأسطورة تؤدّي وظيفة دمج رمزيٍّ وتتكامل مع السرد ليشكّلا هويّة متماسكة وشعورًا بوحدة الجماعة رغم تشتت الأفراد وتنوّع الجماعة الجغرافي والسياسي (1983 Anderson). يقدّم هيلين السرد ليس لتوثيق الحدث فقط، بل لإنشاء إطار مرجعيّ ثقافيّ-اجتماعيّ يُغذّي التماسك الداخلي ويبرّر المعارضة السياسية، ويجعل من كربلاء ليس مجرّد حدث، بل مُكوّنًا بنيويًّا في تصوّر الذات الشيعيّة، يُعاد إنتاجه سرديًّا وطقوسيًّا لتثبيت الهويّة. وينجح هيلين في إبراز هذه الآلية، لكنّه يركّز على السرد النصّيّ دون النظر بعمق إلى تفاعلات الجماعة وفعاليّاتها الاجتماعية والطقوسيّة.
قصة كربلاء والسلطة من منظور علم الاجتماع السياسي
من منظور علم الاجتماع السياسي، لكربلاء بعد سياسيّ أساسي، فهي ليست مجرّد ذاكرة أو تقليد، بل أداة للمقاومة السياسية، تعطي شرعيّة للحركة الشيعيّة في مواجهة السلطة الأموية. مع ذلك، يبقى تحليله ضيقًّا يتفادى معه كيف يمكن أن تتحوّل الحادثة إلى أداة للسيطرة أو الهيمنة السياسيّة داخل الجماعة نفسها، خاصّة في سياق تطور الفقه السياسيّ وولاية الفقيه. تمثّل هذه الأبعاد فرصة مهمّة لفهم الديناميات السياسية في المجتمع الشيعي، فيفتقر الكتاب إلى تناول دور إعادة إنتاج المبادئ الكربلائية عبر المؤسسات السياسية، وكيف يستخدم خطاب الإمام للمسلمين كـ«خطاب سياسي» لتعبئة الجماهير وشرعنة السلطة أو المعارضة.
وفي حين أنّ الطقوس الجماعيّة من وجهة نظر علم الاجتماع الديني (مواكب العزاء، المواسم، المسرحيّات)، تساهم في بناء الهوية وتعزيز الانتماء وتحوّل الأسطورة إلى ممارسة حياتيّة مستمرّة، يكتفي الكتاب بالسرد ويغفل هذا الجانب الطقوسي، رغم أهميّته، في تجسيد الهويّة الشيعيّة الحيّة، وإعادة إنتاجها بين الجماهير، مثل المواكب والمسرحيات وهو أمر جوهري لفهم تأثير الأسطورة في ديناميّات المجتمع والسياسة، وكيف تُترجم الواقعة إلى هوية دينية مستمرّة وحيّة. ويرى كامران أغآئي أن طقوس عاشوراء مثل المسيرات، العزاء، والتشابيه لا تكرّس فقط سردية المظلومية، بل تمثل أشكالًا لأداء رمزي يعيد إنتاج المعنى الجماعي ويُجسّد الهوية الشيعية في الجسد والشارع معًا، ويحوّل الذاكرة إلى فعلٍ اجتماعي متجدّد (2005 Aghaie). تلعب الطقوس الدينية دورًا محوريًّا في تحويل النصوص المقدّسة والأساطير التأسيسية إلى ممارسات جماعية حيّة تضمن استمراريّتها وتمنحها قوّة التعبئة الرمزيّة.
هذه الطقوس، حسب كليفورد غيرتز، لا تُعاش كنص فقط، بل تشكّل «نظامًا ثقافيًا متجسّدًا يُحمّل الممارسات بمعانٍ كونية»؛ يُعبّر عن المعنى من خلال الجسد والصوت والمكان، ويؤسّس لانتماء يتجاوز المعتقد ليصبح أسلوب حياة (1973 Geertz). وغياب هذا البعد يجعل تحليل هيلين قاصرًا عن تفسير كيف تحوّلت كربلاء من حدث روائيّ إلى بنية اجتماعية حيّة. من هذا المنظور، تُصبح كربلاء مشروعًا مفتوحًا للانتماء والتضامن عبر الطقس، حيث تتكرّر الأسطورة لا باعتبارها ماضيًا، بل باعتبارها حاضرًا معيشًا يعيد صياغة العلاقات بين الفرد، الجماعة، والسلطة. هذا الجانب، الغائب تمامًا في معالجة هيلين، يُضعف من قدرته على تفسير مركزية كربلاء في الوجدان الشيعي. يشرح هيلين التمثيل الرمزي لكربلاء على أنّه مظلومية سياسيّة مقدّسة، لكن لا يعطي وزنًا كافيًا لتطوّر الأسطورة إلى أداة استقطاب داخلي داخل المجتمع الشيعي، خاصة في فترات الانقسام الداخلي والتنافس السياسي. بمعنى آخر، حادثة كربلاء قد تستخدم كأداة للتركيز على الوحدة، لكنّها في الوقت نفسه يمكن أن تكون أداة للشرعنة السياسيّة وسلاحًا في الصراعات على السلطة داخل الجماعة نفسها. فيغفل هيلين أبعادًا حيوية متشابكة بين الثقافة والسياسة والطقوس، ولا يدمج بين التحليل الاجتماعي والسياسي للخطاب الأسطوريّ، خاصّة في سياق السلطة، المقاومة، والصراع الداخلي، كما لا يربط بين الهوية الشيعية كمصدر شرعيّة سياسية وتحولاتها عبر الزمن، ويقتصر على العلاقة بين النصوص التاريخية والهوية الجماعية في أفق القرون الأولى.
الاقتصار على القرون الأولى لا يمنح صورة كاملة عن التحوّلات التي طرأت على أسطورة كربلاء ووظيفتها السياسية، خصوصًا في العصور الحديثة، من الثورة الصفوية وحتى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، حيث جرى توظيفها بشكل ممنهج في الخطاب الثوري. لم يعالج الكتاب كيف استخدمت الجماعة الشيعيّة الحادثة كأداة للصراع السياسي ضد الدولة الأمويّة أو كيف يمكن أن تُستخدم كأداة استقطاب داخليّ في صراعات السلطة ضمن المجتمع الشيعيّ، وهو جانب أساسي لفهم تعقيدات الهويّة والسلطة. ويبرز سعيد أرمند في دراسته عن الثقافة السياسية الشيعيّة كيف أنّ الأسطورة لم تكن فقط للمقاومة، بل شكّلت أيضًا قاعدة لتأسيس السلطة في ظلّ نظرية الإمامة، ولاحقًا ولاية الفقيه (1988 Arjomand). هذا يؤكّد أنّ كربلاء ليست مجرّد رمز أخلاقيّ، بل أداة استراتيجية في الصراع على السلطة، فالرموز الدينية، خاصة تلك المرتبطة بالمظلومية، تشكل أداة تعبئة قوية تُستخدم في بناء التحالفات السياسية وتبرير المواجهة مع الدولة (1990 Voll). كما يؤكّد داباشي أنّ الخميني نجح في تحويل الحسين إلى «رمز مقاومة ثوريّة حيّ»، مما يعكس استمراريّة السرد الأسطوريّ بوصفه رأس مال رمزيّ في المعركة السياسيّة. فكربلاء تميّزت بأنها بقيت مشبعة ببُعدها السياسي المباشر والمقاوم، والطقوس السنوية تعيد إنتاج كربلاء وتعيد إحياءها في المجال العام، ولا تؤطّره أو تقيّده بالعالم الرمزي والمعنوي.
رسالة الكتاب والقارئ الشيعي الكربلائي
يؤثّر كتاب «قصّة كربلاء والهويّة الشيعيّة» على القارئ من زاويتين: الأولى إيجابيّة تتمثّل بالغنى السرديّ في تفكيك الأنساق: يوفّر الكتاب أدوات تحليل حديثة في تفكيك السرد لفهم كربلاء، لا بوصفها واقعة عاطفيّة فقط، بل بوصفها بنية معرفيّة واجتماعية لها هويّة أعمق من مجرّد الإحساس بالطقوس، بل لها القدرة على بناء الجماعات الهويّاتي القابل للتحوّل إلى مشروع اجتماعي وثقافيّ وسياسيّ. والثانية ذات بعد سلبيّ، وهي تهديد الهوية الدينية: قد يشعر القارئ الديني بتبسيط مفرط للحدث وتوهين لقدسيّته أو تشكيك في أصالته التاريخيّة من خلال استخدام وصف «الأسطورة» (Myth) للتعبير عن واقعة كربلاء، وهي تعني في السياق الغربي سردية رمزيّة تؤسّس للهويّة ولا يشترط أن تكون تاريخيّة بالمعنى الدقيق. وقد استُخدمت في صراع الهويّات، ما يرجّح معه تولّد رد فعل دفاعيّ أو رفض للطرح. وهذا اللفظ يعبّر لدى القارئ الشيعي، عن «خرافة» أو «شيء غير واقعيّ» – أي تولّد لدى القارئ انطباع تقليل من المصداقية التاريخيّة والدينيّة.
النقطة الثانية التي تغذّي هذه الرؤية السلبية هي اعتماد الباحث أدوات تحليل غربية (مثل: الجماعة المتخيّلة، الأسطورة التأسيسية، الطقوس المجسّدة...) ما قد يجعل القارئ الديني أمام عمليّة تغريب للتجربة الدينيّة لما يقوم به مؤلّف الكتاب من تفكيك التجربة إلى بنى ورموز مجرّدة اجتماعية بدل كونها حقيقة مقدّسة. فالكاتب يُعيد قراءة الواقعة من زاوية بشريّة، سردية، تطوّريّة؛ يقرأها «نصًّا حيًّا» تطوّرَ عبر الزمان، مثل غيرها من الأساطير التأسيسية في الأديان، فيتعامل معها كما يتعامل الغرب مع أساطير الكتاب المقدّس أو البوذية. فالإمام الحسين ليس مجرّد بطل رمزي كسائر أبطال الأساطير الدينية، وإنّما شخصيّة تاريخية وإلهيّة لها خصوصيّتها العقائدية. وكربلاء ليست مجرّد سردية بل نظام حياة موجود في قلب الهويّة الدينية الشيعية، وكل هويّة أو شخصية تُرسّخ الانتماء للمظلوم، وللإمام، وللإله العادل.
هذه الزاوية وباستخدامها أدوات العلوم الاجتماعية الغربيّة تولّد رد الفعل الدفاعيّ والممانعة الثقافيّة والتحفّظ خوفًا من هواجس تفكيك الهويّة من قبل التأويل الخارجيّ أو نزع القداسة عن رموز الإسلام الشيعيّ عبر التنميط الحداثوي للسرديّات الدينيّة واختزال المفاهيم القدسيّة ضمن أطر أنثروبولوجية لا تعترف بقداسة المرجعيّة ولا بتجربة الإيمان بوصفها بنية معرفيّة قائمة بذاتها. فالمقاربة السوسيولوجية التي يعتمدها هيلين تقلّل من القيمة الغيبية للحدث، وتُقدَّم كربلاء كنصّ رمزي قابل للتحليل الأسطوري، بينما هي بالنسبة للقارئ المتديّن واقعة مقدّسة وتاريخ إلهيّ، لا مجرّد تطوّر نصّيّ وسرديّ، بل حقيقة مطلقة وتاريخ ثابت بتجربة روحيّة وجوديّة تتجاوز الزمان والمكان. كما أنّ الإمام ليس مجرد رمز للهويّة والمقاومة الرمزيّة، وإنّما إمام معصوم صاحب دور غيبيّ وشرعيّ، والطقوس الكربلائية أعمق من أن تكون أداة تعبير جماعي وتجسيد اجتماعي فقط، وإنما عبادة ومظهر ولاء ديني له امتداداته الأصيلة منذ بدء الخلق. وأصل المشكلة في أن أغلب الكتابات الغربية تتعامل مع التشيّع كظاهرة ثقافية أو سياسية نشأت ضمن تفاعلات ما بعد النبوّة، لا كاستمرار أصيل للرسالة المحمّديّة.
خلاصة
يركّز هيلين على تحليل تطوّر رواية كربلاء من حادثة تاريخيّة (680م) إلى أسطورة جماعية ساهمت في تشكيل الهوية الشيعيّة من خلال دراسة سرديّات مبكرة وتحوّلاتها عبر الزمن. يبيّن هيلين كيف تطوّرت روايات واقعة كربلاء بين القرن السابع والتاسع وساهمت في تحوّل كربلاء من معركة صغيرة أو مجرّد حدث عسكريّ بسيط إلى أسطورة كونيّة تحكي صراعًا كونيًا بين قوى الخير والشر، حيث صار الحسين رمزًا للحياة والخير ضد الطغيان. فكربلاء أضحت أداة للمقاومة السياسية، حيث وُظّفت كرمز للتحدّي ضد السلطات الأموية والعباسيّة، ليس على المستوى الروحي فقط.
كما يحلّل عملية تأسيس هوية شيعية وبناء الإحساس بالشراكة الدينية العميقة في سرد الجماعة عبر الأساطير وتطوّر الطقوس المتعلقة بكربلاء، مثل الشعائر والمرثيّات، بوصفها أدوات لتعزيز الهويّة الجماعيّة لدى الشيعة؛ الهويّة الطائفية البنيويّة. فالأداء الجماعيّ في شعائر كربلاء أوصل درسًا واحدًا: التضحية والاستمراريّة والتمرّد على الظلم هي روح شيعيّة مركزيّة منذ قرون. يؤكّد هيلين على دور خطاب التوّابين ورسائلهم كمحرّك لما ساهمت به في تعزيز مفهوم الخطيئة الجماعية الدينية، فدرَسها لا كمجرد حركة سياسية، بل كمرحلة رمزية أولى لتمجيد الحسين كمقدّس مظلوم. وكذلك يثمّن دور تباين السرديّات المتأخّرة نسبيًا عن واقعة كربلاء، بما في ذلك تلك المنقولة عن الصحابي أبو مِخنَف بحسب المصالح الطائفيّة والسياسيّة، في خلق سرد متعدّد ومتّسع.
يمثّل كتاب تورستن هيلين إضافة قيّمة لفهم تطوّر سرد كربلاء وبنائه لهويّة شيعيّة مميّزة. على الرغم من الإضافة النوعية في ما يتعلّق بفهم المراحل الأولى لتكوّن السرد الشيعي، يفتقر هذا التحليل الدقيق للسرديّة التاريخية إلى دمج أبعاد الطقوس الشعبيّة وتضمين الأبعاد المجتمعيّة والسياسية، وتحليل الوظائف السياسيّة الحديثة للأسطورة، التي تنتقل بها كربلاء من النصّ إلى الفعل، ومن الحدث إلى الحياة اليوميّة والسياسيّة. كما يتجاوز الأبعاد الاجتماعيّة والسياسية المعاصرة، الضرورية لفهم أعمق لديناميّات الهويّة الشيعيّة ووظائفها الاجتماعيّة في السياقين التاريخيّ والمعاصر، مثل الثورة الإيرانيّة أو شيعة العراق المعاصرين، ما يُفقد القارئ القدرة على إدراك كيف تعمل الأسطورة كقوة اجتماعية وسياسية حيّة. فمن خلال توظيف النظريّات الاجتماعية حول بناء الهوية والرمز السياسي، يتبيّن أن كربلاء ليست مجرّد حادثة تاريخيّة، بل بنية رمزيّة ديناميّة، تُعاد صياغتها وتوظيفها في سياقات مختلفة لأهداف متعدّدة، سواء في التعبئة الجماهيرية، أو شرعنة السلطة، أو تشكيل مقاومة دينية وسياسية.
ومن هنا، ردة الفعل على الكتاب قد لا تكون رفضًا معرفيًّا، بل هي مقاومة خطابيّة للحفاظ على الذات الجماعية من التفكيك الخارجي. رغم الممانعة الدينية الواضحة تجاه قراءة هيلين الحداثيّة، لا يمكن إنكار أهمّية هذه المقاربات في إثراء الفهم الأكاديمي لكربلاء ودورها في توسيع آفاق البحث في الهوية الشيعيّة. فالنصّ الديني، بوصفه منظومة معقّدة من الرموز والطقوس والسرديات، يحتاج إلى أدوات تحليل نقديّة تسمح بفهم تحوّلاته وتفاعلاته داخل المجتمعات. وتبرز هنا ضرورة التوازن بين احترام البعد الروحيّ والمقدّس للنصّ، وبين إعمال العقل النقدي في دراسة السياقات الاجتماعية والتاريخية التي شكّلت الرواية الدينية. بهذا، يمكن أن تفتح الدراسات مثل دراسة هيلين بابًا للحوار البنّاء بين التقليد الديني والبحث العلمي حيث لا يُنظر إلى المقدّس.
[1]- باحثة وأستاذة جامعيّة - لبنان.
[2]- هيلين (Torsten Hylen) هو عالم دين ومحقّق سويدي، أستاذ مشارك سابق في دراسات الأديان بكلية العلوم الإنسانية والإعلام بجامعة دالارنا في السويد، وتقاعد في أيلول 2024. حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، ويركز بحثه على التاريخ والشعائر الإسلامية، خصوصًا الشيعية المبكرة. ومن مؤلَّفاته: (Husayn, the Mediator) تحليل هيكلي لخبر واقعة كربلاء وفق الطبري؛ دراسات عن «التوّابين» والمفاهيم القرآنية في السرد الشيعي، وأوراق علمية عن المختار الثقفي وأشكال الإقناع في الخلافة.