الباحث : محمد بنعمارة
اسم المجلة : دراسات استشراقية
العدد : 45
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : February / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 48
محمد بنعمارة[1]
مقدمة
في عام 1924م كتب المستشرق الشهير البروفيسور إدوارد براون قائلًا: «إنّنا ما زلنا نفتقر إلى مقالة شاملة وحاسمة، بأيّ لغة أوروبية، عن العقيدة الشيعيّة». وقد شكّلت هذه الشهادة دافعًا مهمًّا لتعزيز الجهد البحثي لدى الدكتور دوايت دونلدسن، الباحث الإنجليزيّ المتخصّص في اللاهوت والفلسفة، فكرّس ما يقرب من خمسة عشر عامًا لإعداد مؤلّفه المعنون «العقيدة الشيعية»، الذي صدر عام 1933م، وتمّت ترجمته لاحقًا إلى اللغة العربية على يد «ع.م»، ونشرته مكتبة الخانجي في مصر.
استفاد دونلدسن من إقامته الطويلة في مدينة مشهد الإيرانيّة، حيث أُتيح له التعرّف عن كثب على الحياة الدينية والاجتماعيّة للشيعة ومراقد أئمّتهم، كما اعتمد في تأليفه على مصادر فارسيّة، ومراجع من المستشرقين الغربيين، بالإضافة إلى استناده على عدد من أساتذة اللغة العربيّة والدّراسات الإسلامية الغربيين، أمثال: الأستاذ جيوت من جامعة هارفارد، والأستاذة مكدونلد وشلابير من مدرسة كندي للبعثات في هارتفورد، والأستاذ نيكلسون من جامعة كمبريدج، والدكتور جاكسون من جامعة كولومبيا، والدكتور صموئيل م. زويمر محرر مجلّة العالم الإسلامي، والدكتور روبرت إي. سبير من لجنة البعثات الأجنبيّة التابعة للكنيسة المشيخيّة.
أمّا كتاب «العقيدة الشيعية»، فقد توزّع على ثلاثة وثلاثين بابًا، تناول فيها قضايا متنوّعة، بدأت بمناقشة مسألة الخلافة بعد وفاة النبي محمد، وما تبعها من أحداث وصراعات، ثمّ عرض سير الأئمة الاثني عشر وصولًا إلى الإمام المهدي ووكلائه، ولم يغفل الوصف الدقيق لمراقد الأئمّة والمشاهد المقدّسة. كما تطرّق إلى الفرق الشيعيّة، وجمع الحديث، والاجتهاد، ودور العلماء، وتناول مواضيع جوهرية في العقيدة الإمامية مثل الإمامة، والعصمة، والشفاعة.
تسعى هذه القراءة إلى عرض أبرز ما جاء في الكتاب بخصوص العقيدة الشيعية، مع تسليط الضوء على مواضع الخلل والاضطراب في طرح المؤلِّف. وقد التزمت القراءة بالترتيب المعتمد في فصول الكتاب، مع دمج بعض الأبواب والموضوعات المتقاربة تحت عناوين موحّدة، والاقتصار على الموضوعات ذات الصلة المباشرة بالعقيدة، تجنّبًا للإطالة أو الوقوع في إعادة عرض الكتاب بالكامل، مع الإشارة -عند الحاجة- إلى بعض الموضوعات الجانبيّة التي وردت دون تفصيل كافٍ.
وقد جاءت هذه القراءة موزّعة على المحاور الآتية:
أوّلًا: تأسيس الدولة الإسلامية وأحداث الخلافة في نظر دونلدسن
ثانيًا: صورة الأئمّة عند دونلدسن
ثالثًا: نظرة دونلدسن إلى الدولة العباسية وموقفه من عقائد الشيعة الإمامية
رابعًا: نقد دونلدسن لفكرة المهدي المنتظر: اضطراب الطرح وتهافت الاستدلال
خامسًا: بداية جمع الحديث عند الشيعة في نظر دونلدسن
سادسًا: عقيدة الإمامة في عرض دونلدسن: العصمة والشفاعة
سابعًا: الفرق الشيعيّة في الأزمنة الحديثة في نظر دونلدسن
أوّلًا: تأسيس الدولة الإسلامية وأحداث الخلافة في نظر دونلدسن
قدم دونلدسن في كتابه نظرة متوازنة لتأسيس الدولة الإسلامية، مؤكِّدًا أن الصراع على السلطة ونشاط الغزو بدأ بعد وفاة النبي، مرجِعًا سببه إلى مخلّفات الجاهليّة والحاجة الاقتصاديّة، وليس إلى الدين نفسه.
وفي تحليله للخلافة، اعتمد دونلدسن المنهج الانتقائي للمصادر؛ حيث اعتمد بشكل كبير على مصادر شيعيّة (مثل بحار الأنوار وتاريخ اليعقوبي)، ومصادر لا قيمة علميّة لها في المسائل الخلافية الكبرى (روضة الصفا الفارسي في حادثة الشورى)، واعتمد على حكايات شعبية (كقصة التماثيل الثلاثة)، ودائرة المعارف الإسلامية في حادثة الإفك.
وفي عرضه للخلافات، تناول دونلدسن أحداث الغدير والسقيفة بتفصيل، محاولًا الإنصاف بعرض روايات السنة والشيعة متقابلة.
كما تطرّق إلى تفصيل علاقة علي بالخلفاء، مشيرًا إلى إبعاد الإمام علي عن المراكز السامية (مثل جمع القرآن)، لكنه بالمقابل استعمل كلمة «قيل» لتضعيف وجود أزمة في علاقة الخلفاء بعلي وفاطمة، مُظهرًا وفاقًا بين علي والخليفة الثاني (عمر) استنادًا إلى مرويّات ضعيفة مقارنة بغيرها.
وحول الثورة التي قامت على عثمان، أرجع المؤلّف سببها إلى أسباب اقتصاديّة واجتماعيّة نشأت من سعي المسلمين للترف وترك المدينة، وتحوّل هؤلاء إلى نواة استعلائيّة تستأثر بالوظائف، مما أدّى إلى اتهام عثمان بالطبقيّة. وفي موقفه من مقتل عثمان، هذّب دونلدسن الحادثة وحاول إظهار الوفاق، مُضعفًا احتمال مشاركة علي في التخطيط ضد عثمان.
وأما خروج عائشة في حرب الجمل، فقد ربطه برفضها لخلافة علي، والذي سببه حادثة الإفك (التي نقلها عن دائرة المعارف الإسلامية)، معتبرًا مطالبة علي بطلاقها سببًا كافيًا لرفضها لخلافته.
وبشكل عام، يظهر على دونلدسن الانحياز والشكّ في كلّ شيء؛ إذ إنّ له منهجيّة متقلّبة تتّجه نحو إثارة الشكوك في القضايا البديهيّة، من قبيل:
- المنهج السبئيّ: تبنّى دونلدسن منهجًا «سبئيًّا» في حديثه عن الأئمة؛ حيث أغفل فضائلهم المتّفق عليها، وجعل عبد الله بن سبأ (الذي يعتبره الشيعة شخصيّة منحرفة أو مصطنعة) هو المؤسّس لنكران أخطاء عثمان، والمنادي بأحقيّة علي، وصاحب الدور الرئيسي في المؤامرة على الخلفاء الثلاثة.
- التشكيك والإنكار: شكّك في قيمة مصحف علي وحواشيه، وفي حديث العلم، وأنكر حادثة المعراج معتبرًا إيّاها مجرّد رؤيا، وشكّك في وجود أيّ وصية من النبي لعلي بالخلافة، رغم إشارته سابقًا لحديث الغدير.
- الاستدلال الضعيف: اعتمد في إثبات المعتقدات الشيعيّة المقبولة على ترجمة القس جيمس مريك لكتاب حياة القلوب للمجلسي، وهو ما يُعدّ استدلالًا ضعيفًا لا وجه علميّ له.
ثانيًا: صورة الأئمة عند دونلدسن
الإمام الحسن
يواصل دونلدسن تقديم ادّعاءاته حول العقيدة الشيعيّة. ففي حديثة عن خلافة الإمام الحسن، يؤكّد على أنّ موضوع الخلافة لم يكن بالتعيين والنص، وإنّما تنتقل الخلافة بحسب ظروف المرحلة كما صارت إلى عليّ لكون الظروف الراهنة قدّمته إلى ذلك، وما القول بالتنصيص إلّا من تعاليم ابن سبأ الذي ادّعى لعليّ وصاية رسول الله فانتقل إليه النور الإلهي الذي يُخوّل له توريث الخلافة لمن يشاء. وفي هذا الصدد يذكر المؤلف حديثًا منقولًا عن كتاب الكافي يوصي فيه عليٌّ بالخلافة إلى الإمام الحسن ثمّ الإمام الحسين ومن بعده الإمام علي بن الحسين ومن ثم الإمام الباقر، ويقول دونلدسن: «إن هذا الأمر لا يكاد أن يكون محتملًا»، ولم يذكر براهين واضحة تُضعّف نصوص الإمامة، إلّا إذا كان منحازًا للفرق الأخرى والتي بدورها لم تخلُ كتبها من مرويّات دالّة على تنصيص النبي على الأئمّة من بعده. بل كلّما ادعى دونلدسن شيئًا جاء بما يعينه على دعواه من دائرة المعارف الإسلاميّة، فهو يتبنّى ما ورد فيها حول شخصيّة الإمام الحسن من أنّ له صفتين أساسيتين تتمثّلان في الشهوات النفسية ونقص النشاط والذكاء، كما يدّعي أنّ علاقته مع أبيه وأخوته لم تكن على أحسن ما يُرام، بالإضافة إلى شبهة كثرة الزواج. وكأنّ المؤلّف هنا ليس في وارد تقديم عقائد الشيعة للقارئ، وإنّما في مقام التحامل على الشيعة وعقائدهم عبر تبنّيه لآراء المخالفين بل أكثر تشدّدًا من مخالفي الشيعة، فلا أحد يشكّك في أخلاق وشجاعة الإمام الحسن وروايات شبهه من النبي وثناء النبي عليه متواترة عند مختلف المذاهب، ولكن دونلدسن يُفضّل التشكيك في كلّ ما يُظهر فضائل أئمّة أهل البيت ويذكرها على وجه التضعيف ويواجهها بالتكذيب.
الإمام الحسين
وفي حديثه عن الإمام الحسين، يبدأ دونالدسن حديثه بتفضيل الإمام عليّ الحسين على الحسن، فالحسن كثير السخاء ولا همّ له إلّا الطعام والضيافة، وأمّا الحسين فهو من عليّ وعليّ منه، وكالعادة فمصدر هذا الكلام هو دائرة المعارف الإسلاميّة.
وفي أمر الإمام الحسين، أسهب المؤلّف في ذكر قصّة خروج الحسين من مكّة إلى الكوفة، وقدّم نظرتين مختلفتين إحداهما للمسعودي والأخرى لليعقوبي، لكنهما لا علاقة لهما بعقائد الشيعة كما هو عنوان الكتاب، وإنّما خاض في تفاصيل اختيار الحسين المسير نحو الكوفة وإرساله لمسلم بن عقيل كرسول له، وما حدث لهانئ بن عروة، وكيف انتهى بهما المطاف إلى القتل. ويذكر المؤلّف من عنده أنّ الحسين همّ بالرجوع لما وصله خبر استشهاد مسلم، إلّا أنّ أخا مسلم قال له لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا، فوافق الحسين على ذلك. ويدّعي بأنّ ما ينقله هو مزيج بين ما نقله المسعودي واليعقوبي، وهو يختلف اختلافًا بارزًا عن القصص الخرافيّة التي كتبها الشيعة المتأخّرون. والغريب في الأمر أنّه ينقل بعض الأحاديث التي تظهر قيمة الحسنين عند جدّهما رسول الله من كتب أهل السنّة كالترمذي وابن ماجه ومسلم، ويقول إنّ هذه الأحاديث تُشبه بعض الأحاديث التي ظهرت فيما بعد في مصنَّفات علماء الشيعة. وهذا الأمر يُبرز للقارئ أنّ هذا المستشرق ليس في صدد دراسة عقائد الشيعة وإظهارها كما هي أو مناقشتها، وإنّما حامل لأفكار معيّنة ويسعى إلى تصديرها للقارئ، فكيف لباحث موضوعيّ أن ينكر حادثة رواها مؤلِّفون مختلفون في المذهب والعقيدة واتفقوا عليها، ويقدّم رأيًا من عنده ولا دليل عليه، فالأولى للباحث أن يرجّح صحّة الروايات التي تتحدّث عن القيمة العالية للحسنين عند النبي إذا كانت مرويّة من طرق مختلفة لا أن يكذّبها.
وأما في حديثه عن كربلاء ومشهد الإمام الحسين -وهو يصف زيارته إلى كربلاء- واصل دونلدسن تهكّمه على الزوار والمرثيّات التي يلقونها، ولعل سبب غضبه هو منع غير المسلمين من دخول المرقد الشريف، فأصبح يتحدّث عن فضل الزيارة والصلاة على تربة الحسين بشكل تهكّميّ، ويقول إنّ ما رُوي عن كربلاء هي أمور غريبة. بل الغريب ما يقوله دونلدسن من أنّ الشيعة يأتون لزيارة الحسين ومعهم رفات أقاربهم يدفنونهم في سرداب يقع إلى يمين مدخل مشهد الحسين وعند العباس أيضًا.
الإمامان السجّاد والباقر
وفي الحديث عن الإمام السجاد، وكعادته يصدّر حديثه بفهمه الخاص للأحداث، فها هو يتحفنا بآراء غريبة عجيبة، ويقول إنّ الحزب العلويّ اختلف بعد شهادة الحسين في قضيّة الإمامة هل تنتقل إلى محمد بن الحنفيّة أو إلى محمد بن عليّ الباقر، وهذا الرأي طبيعيّ لشخص أنكر جميع النصوص الدالّة على الأئمّة وعددهم، والذي يُنكر الأصل، فلا ريب أنّه سيخطئ في نتائج بحثه.
تظهر خلفيّة المستشرق دونلدسن من خلال الباب العاشر حين يتحدّث عن الإمام الباقر؛ حيث صدّر حديثه بالحديث عن أيّام عزّ الأمويين الذين بنوا المستشفيات والمدارس واستقرّ السلم وكثرت الأعمال الخيرية في زمانهم. ولعلّ هذا من الأمور التي جعلت دونلدسن يُشكّك في مرويّات الشيعة ويتعامل معها كخرافات، وهو ديدن أتباع بني أميّة؛ لذلك فكلّ ما يعرضه من فضائل للإمام الباقر يذكره على سبيل التضعيف. ويزيد على ذلك بمحاولة إظهار خلافات لا دليل عليها بين الإمام الباقر والشهيد زيد، وأنّ الثاني دعا لنفسه.
يخرج المؤلّف بخلاصة أنّ الإمامين السجّاد والباقر أصحاب موقف سلبيّ، فما كان على الفرق الشيعيّة الأخرى إلّا تجاوزهما لأجل مجابهة الاضطهاد الأموي. بالإضافة إلى رغبة العناصر الناقمة على الأمويين من غير العرب في انتقال الحكم إلى عائلة غير أمويّة.
ولا يخفى أنّ المؤلّف ينظر بعين واحدة، فهو لا يرى في النجاح إلا تحقيق الجاه واعتلاء كرسي الخلافة والتسلّط على رقاب الناس بأيّ وسيلة كانت. ولا يلتفت إلى ما قدّمه الأئمّة من ذخر معنوي ومعرفي للأمّة الإسلاميّة كلّ بحسب العصر الذي عاش فيه وما يتضمّنه من ظروف، فالإمام السجّاد قدّم منظومة معنويّة تعيد للمسلم هويّته التي تلاعب بها الحكام، وفجّر الإمام الباقر العلوم التي بها تستمرّ الأمم، ولكن المؤلّف جعل موقف الأئمّة موقفًا سلبيًّا بناء على عدم خروجهم على الحاكم وإعلان الحرب عليه.
ويجدر الذكر أنّ المؤلّف يحاول تضعيف كلّ فضيلة تُنسب لأحد أئمّة الشيعة، فعندما أشار إلى حادثة حجّ الإمام السجّاد وكيف أنّ المسلمين فسحوا له المجال احترامًا وتقديرًا، في حين لم ينعم هشام بن عبد الملك بذلك وادّعى أنّه لا يعرف الإمام، وأنشد الفرزدق في الإمام قصيدته الشهيرة، نرى أن المؤلِّف يذكرها بطريقة تضعيفيّة رغم شهرتها، ويتّهم الكتب التي أوردت هذه الواقعة بأنّها تنقل أمورًا لا يمكن التسليم بها تاريخيًّا. وكان الأحرى بالمؤلّف نقل العقائد كما وردت في كتب الإماميّة من دون أن يعطي آراءه الشخصيّة التي تؤثّر في القارئ، أو أن يقدّم حججًا حول ما يرفضه من عقائد أو وقائع متعلّقة بأئمّة أهل البيت، فإن كان المؤلِّف من مذهب مخالف، فيمكن الردّ عليه من خلال المصادر التي يعتمد عليها، ولكن كيف نردّ على دونلدسن الذي يُضعّف قضايا مشهورة عند عامة المسلمين؟
ثالثًا: نظرة دونلدسن إلى الدولة العباسية وموقفه من عقائد الشيعة الإمامية
في سياق تأريخه لقيام الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، يقدّم دونلدسن سردًا للأحداث التاريخية مشوبًا بتأويلات بعيدة عن الموضوعية، ومليئًا بالتحليلات غير الدقيقة التي تفتقر إلى التوازن المنهجيّ؛ إذ يندر أن يمرّ على حدث دون أن يُقحِم فيه نقدًا للشيعة الإمامية الاثني عشرية، أو محاولة للتقليل من شأن أئمّتهم. فهو يرى، مثلًا، أنّ الأئمّة اتّخذوا موقفًا سلبيًّا من الثورات السياسية، وهو ما دفع بعض الفرق الشيعية الأخرى -على حدّ زعمه- إلى التحرّك بمفردها ضدّ خصومها السياسيين، بعد أن فقدت الأمل في دعم الأئمّة من آل البيت.
ويُضيف إلى ذلك أن الدعوة العباسيّة نجحت، جزئيًا، بفعل دعم غير العرب في خراسان، ورغبتهم في انتقال الحكم إلى عائلة من بني هاشم لا تنتمي إلى البيت الأموي. ولمّا وجدوا أن الأئمّة العلويين يتّبعون سياسة العزوف عن العمل السياسي المباشر، توجّهوا نحو الفرع العباسي الذي بدا أكثر نشاطًا ونفوذًا. في هذا الطرح، يُخالف دونلدسن ما اتّفقت عليه معظم كتب التاريخ الإسلامي، إذ يُبسّط الأحداث الكبرى ويختزلها في عوامل محدودة، متجاهلًا السياقات المتعدّدة والتعقيدات السياسية والاجتماعية التي أحاطت بسقوط الدولة الأموية وصعود العباسيين.
والأغرب من ذلك، أنّ دونلدسن لا يفرّق بين التناول التاريخي وبين البحث العقدي، إذ يبدو وكأنه يستخلص عقائد الشيعة من وقائع التاريخ، بدل الرجوع إلى مصادرهم الحديثية والكلامية المتخصّصة. وهذا يوقعه في خلط منهجي واضح، حيث لا يكون «العنوان دالًّا على المعنون»، ولا السياق العلميّ منضبطًا بأدوات البحث في العقيدة.
الإمام الصادق
وفي إطار تناوله لنشأة الدولة العباسية، أفرد المؤلِّف فصولًا للحديث عن شخصية الإمام جعفر الصادق، مُشيرًا إلى مكانته العلمية وفضله في الفقه والكلام، خاصة بالمقارنة مع الإمام أبي حنيفة، وقد أورد جانبًا من الفروقات العقائدية بين المدرستين الإمامية والحنفية، من خلال ما نُقل عن أبي حنيفة من قوله: أخالف جعفر بن محمد في ثلاث:
فقد ذهب الإمام الصادق إلى أنّ الخير من الله، والشرّ من فعل الإنسان، وأنّ الشيطان يُعذَّب في النار، وأنّ رؤية الله ممتنعة في الدنيا والآخرة على السواء. بينما خالفه أبو حنيفة في ذلك، فاعتبر أن الخير والشر كليهما من تقدير الله، وأنّ الشيطان لا يُعذّب بالنار؛ لأنه مخلوق منها، كما جوّز رؤية الله يوم القيامة استنادًا إلى قاعدة «أن كل موجود قابل للرؤية».
ويستعرض دونلدسن رأيًا عقائديًا آخر للإمام الصادق في مسألة الإرادة، نقله عنه بقوله: «أراد بنا شيئًا، وأراد منّا شيئًا؛ فما أراده بنا طواه عنّا، وما أراده منّا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عمّا أراده منّا؟»، وهو تعبير عن التوازن بين الجبر والتفويض، المعروف في المذهب الإمامي بمقولة: «أمرٌ بين أمرين».
ويرى دونلدسن أن الإمام الصادق استثمر فترة الاضطراب السياسيّ في أواخر العهد الأمويّ وبداية العهد العباسيّ لبسط علمه ونشر معارفه، لكنه يُبدي تردّدًا في ما إذا كان الإمام قد دوّن فتاواه بنفسه، ويستند إلى «دائرة المعارف الإسلامية» في الزعم بأن جميع المصنّفات المنسوبة إليه مزيّفة. ومع ذلك، يقرّ بأنّ معظم ما يُستند إليه في تأصيل العقيدة الشيعية يعود إليه.
وفي الفصل الثالث عشر من كتابه، المعنون بـ«المدينة»، يصف دونلدسن مدينة الرسول ومكانتها عند المسلمين، إلّا أنّه يعود إلى توجيه النقد للممارسات الدينية الشيعية، وهذه المرة من خلال اتهام الصفويين بمنع الإيرانيين من أداء الحج، بدعوى الحفاظ على الأموال داخل البلاد، وحصر القداسة في المراقد الواقعة ضمن حدود الدولة الصفوية. ويُحاول تبرير هذا الادعاء عبر الاستناد إلى بعض الروايات التي تحثّ من لم يتمكّن من الحج على الصيام أو قراءة زيارة النبي من سطح منزله، وهو تأويل مغلوط لروايات تعكس التيسير في حال التعذّر، لا بديلًا عن فريضة الحج، ولا نيّةً لقطع الارتباط بالحرمين الشريفين. في أواخر القرن الثامن عشر، استولى العثمانيّون على العراق العجميّ، وبسطوا سيطرتهم على الحجاز، ما أدّى إلى إعادة تنظيم مدن الزيارة على أسس إدارية واقتصادية. وقد أسهم هذا التحوّل في استعادة الزيارة الدينية مكانتها، حيث شهدت هذه المدن تدفّقًا واسعًا للزائرين، خاصة من إيران، إلى النجف، وكربلاء، وبغداد، وسامراء، إضافةً إلى مكّة والمدينة. وكانت الحكومة العثمانية، إلى جانب سكان المدن المقدّسة، تجني أرباحًا ماليّة كبيرة من هذه الزيارات.
إلّا أنّ هذا النشاط الدينيّ، لا سيّما ما ارتبط بزيارة النبي والأئمّة، أثار معارضة شديدة من قبل التيّار الوهابي في الحجاز، الذي قدّم نفسه باعتباره حركة إصلاحية. وقد اعتبر الوهابيون ما يجري عند قبر النبي من مظاهر التوسّل والزيارة من البدع المحرّمة، فهاجموا المدينة المنورة سنة 1804م، واستولوا عليها، ونهبوا خزائنها والهدايا التي كان الزوار يقدّمونها، كما حاولوا هدم القبّة النبويّة ومنعوا زيارة القبر الشريف.
لكن بعودة الحكم العثماني إلى الحجاز، أُعيد بناء المسجد النبوي، وصُرفت مبالغ مالية ضخمة لهذا الغرض بأمر من السلطان عبد المجيد. ومع تراجع السلطة العثمانية في الحجاز، وتسلّم الشريف حسين مقاليد الحكم، لم يتمكّن من الصمود طويلًا أمام توسّع الوهابيين، الذين أعادوا السيطرة على مكة والمدينة، وقاموا بهدم بعض المشاهد والمقامات، لا سيما في مقبرة البقيع.
وفيما يتعلّق بالجانب العقائديّ، يلاحظ أن دونالدسن، في سياق حديثه عن التحوّلات السياسية في مكة والمدينة وانعكاساتها على المسجد النبوي، أشار إلى نقطتين جوهريتين يراهما فارقتين بين الوهابية وبين بقيّة المسلمين، ومن ضمنهم الشيعة، هما: مسألة التوسل، ومسألة السواد الذي يغطي المشاهد في أيّام الحزن.
أمّا بالنسبة إلى المسألة الأولى، فيتناول دونالدسن التوسّل بوصفه «طلبًا للشفاعة والتوسّط بالقبور»، وهو توصيف غير دقيق، وقد يؤدي إلى فهم خاطئ لمفهوم التوسل في العقيدة الإسلامية عمومًا، والشيعية خصوصًا. فالمسلمون، والشيعة منهم على وجه الخصوص، لا يطلبون الشفاعة من القبور، بل يتوسّلون إلى الله تعالى بأحبّ خلقه إليه، كالنبي محمّد والأئمّة المعصومين، طلبًا لقضاء الحوائج أو رفع البلاء. ويتمّ ذلك بالتوجّه إلى الله بمكانتهم أو بجاههم أو بطلب شفاعتهم، باعتبارهم عبادًا مكرّمين مقرّبين إلى الله، لا شركاء له في الفعل أو القضاء. وعليه، فإن عبارة «التوسّط بالقبور» ليست سوى تعبير خاطئ لا يعكس الفهم الصحيح للتوسّل في الفكر الشيعي.
أما في المسألة الثانية، فقد أشار دونالدسن إلى أن تغطية المشاهد بالسواد في مواسم الحزن، يُعبّر -من وجهة نظره- عن حالة «الفزع» تُقابل في معناها عبارة «تراب على رؤوسنا»، وهو تفسير لا تسنده اللغة ولا العرف الديني والاجتماعي، بل لا نعلم من أين أتى به. فالسواد عند الشيعة، كما هو الحال عند غيرهم، يُعدّ رمزًا للحزن والمواساة، وليس بالضرورة مرتبطًا بوضع التراب على الرأس، وإن كانت بعض مظاهر الحزن قد تتّخذ ذلك الشكل في سياقات جزعية معيّنة، ولكن تعميم هذا الفهم لا يستقيم علميًا ولا دينيًا.
كما تحدّث دونالدسن عن فضل زيارة المدينة المنورة عند الشيعة، وما يرتبط بها من آداب وزيارات مرويّة، إلّا أنّه -وكعادته- لم يخلُ حديثه من إدراج بعض الروايات الغريبة التي لا علاقة لها بعقيدة الشيعة، ومنها ما نقله عن «اتّهام بعض الفرس برمي النجاسة قرب قبر النبي قصدًا للإساءة إلى القبرين الآخرين». وهذه الدعوى -حتى إن صحّت في حالة فردية- فهي لا تمتّ بصلة إلى المعتقدات الشيعية، ولا يُعقل أن تُعتمد دليلًا على منهج أو موقف عقديّ. ولا يبدو أن وراء ذكر هذه القصة غرضًا علميًا واضحًا، سوى محاولة تعميم الشذوذ على الجماعة، أو ربما -كما أشار- لاستعمال بعض الأطراف هذه الذرائع في تبرير الاعتداءات الدامية على الحجّاج الإيرانيين.
جدليّة الإمامة في عصر الإمام موسى الكاظم
بعد عرضه لسيرة الإمام موسى الكاظم، يتوقّف دونلدسن عند الانقسام الذي وقع بعد وفاة الإمام الصادق، حيث رأى فريق أن الإمامة تكون لابنه الأكبر إسماعيل، فيما قالت الإمامية بانتقالها إلى موسى الكاظم. وقد أدّى هذا الخلاف إلى ظهور فرقة أنكرت وفاة إسماعيل وادّعت غيبته، وعُرفت بـ«السبْعية» أو «الإسماعيلية». وتنسب دائرة المعارف الإسلامية إلى هذه الفرقة جماعات عديدة، كالقرامطة والفاطميين والحشاشين وإسماعيلية الهند وإيران، بل وتُرجع بعض الفرق كالدروز والمتاولة والنصيرية إلى جذورها القديمة.
وفي مقابل ذلك، يقدّم دونلدسن رواية أخرى عن موقف الإمامية، فيزعم أنّ الإمام الصادق كان قد نصّ أوّلًا على إمامة إسماعيل، ثم تراجع عن ذلك بسبب كونه «سكّيرًا»، وفق تعبيره، غير أنّ هذا الادّعاء لا يستند إلى أيّ مصدر شيعيّ معتبر، ولا يوجد في التراث الإمامي ما يشير إلى عدول الإمام عن إمامة إسماعيل لسلوك أخلاقي.
والصحيح أن الاعتقاد السائد لدى بعض الشيعة آنذاك كان يقوم على أنّ الإمامة تكون للابن الأكبر، فكان التوقّع متجّهًا نحو إسماعيل، ممّا استدعى من الإمام الصادق تصحيح هذا الفهم وتأكيد أن الإمامة بالنصّ الإلهي، لا بالسنّ. ولهذا ركّز الإمام على إثبات وفاة إسماعيل علنًا، وإظهار النصّ الواضح على إمامة موسى الكاظم.
ومن أبرز الشواهد على ذلك الرواية المرويّة عن زرارة بن أعين التي أوردها النعماني، ونصّها كما يلي:
«دخلت على أبي عبد الله وعند يمينه سيّدُ ولده موسى، وقُدّامه مرقد مُغطّى، فقال لي: «يا زرارة، جئني بداود بن كثير الرقّي، وحمران، وأبي بصير». ودخل عليه المفضّل بن عمر، فخرجت فأحضرت مَنْ أمرني بإحضاره، ولم يزل الناس يدخلون واحدًا إثرَ واحد، حتّى صرنا في البيت ثلاثين رجلًا. فلمّا حشد المجلس قال: «يا داودُ اكشف لي عن وجه إسماعيل»، فكشف عن وجهه، فقال أبو عبد الله: «يا داود أحيٌّ هو أم ميت؟» قال داود: يا مولاي هو ميت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتّى أتى على آخرِ مَن في المجلس، وانتهى عليهم بأسرهم، وكلٌّ يقول: هو ميت يا مولاي، فقال: «اللّهمّ اشهد»، ثمّ أمر بغسله وحنوطه وإدراجه في أثوابه. فلمّا فرغ منه قال للمفضّل: «يا مفضّل احسر عن وجهه»، فحسر عن وجهه، فقال: «أحيٌّ هو أم ميت؟»، فقال: ميت. قال: «اللّهمّ اشهد عليهم». ثمّ حُمِل إلى قبره، فلمّا وضع في لَحده قال: «يا مفضّل، اكشف عن وجهه». وقال للجماعة: «أحيٌّ هو أم ميت؟» قلنا له: ميت. فقال: «اللّهمّ اشهد، واشهدوا، فإنّه سيرتاب المبطلون، يُريدون إطفاء نور الله بأفواههم»، ثمّ أومأ إلى موسى ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. ثمّ حثونا عليه التراب، ثمّ أعاد علينا القول، فقال: «الميّت، المحنَّط، المكفَّن، المدفون في هذا اللحد من هو؟» قلنا: إسماعيل. قال: «اللّهم اشهد». ثمّ أخذ بيد موسى وقال: «هو حقّ، والحقّ منه، إلى أنْ يرث الله الأرض ومَن عليها»[2].
تُظهر هذه الرواية -كما تؤكّد المصادر الشيعية- أنّ الإمام الصادق تعمّد توثيق وفاة إسماعيل وإعلان إمامة موسى الكاظم، لقطع الطريق على أيّ دعوى انحراف في خطّ الإمامة. ومن هنا، يتبيّن أن ما ذهب إليه دونلدسن من ادّعاء «سكر إسماعيل»، أو تراجع الإمام الصادق عن النصّ لا يستند إلى أيّ أساس علمي أو تاريخي.
بعد ذلك، أشار دونلدسن إلى بعض الكرامات والمعجزات المنسوبة إلى الإمام الكاظم، ومرّ سريعًا على ظروف عصره، مع مقارنات ثقافيّة بين علوم اليونان والفرس من جهة، وبين بساطة الحياة العربيّة القَبَليّة من جهة أخرى. كما رأى أن الحكم الأموي ساهم في تردّي صورة العرب، ما مهّد لظهور حركة «الشعوبيّة»، مستندًا إلى الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)
وقد فسّر دونلدسن هذه الآية على أنها تعبير عن تفضيل «الشعوب» على «العرب»، حتى في ميادين تفوّقهم التقليدية كعلم الأنساب والمعرفة بالصحراء، وهو فهم قاصر للنصّ القرآني.
والواقع أن دونلدسن -في توليفته العقديّة التاريخيّة- ابتعد كثيرًا عن الدقّة والموضوعيّة، إذ لم يقدّم قراءة متوازنة لعقيدة الشيعة، بل خلط بين التاريخ والعقيدة، ما قاده إلى نتائج غير علميّة. فالإسلام لا يفضّل شعبًا على آخر بحسب العِرق، بل يجعل معيار التفاضل هو التقوى، لا كما فهم دونلدسن حين ربط بين الشعوبيّة والآية الكريمة، واعتبر أن الإسلام يمنح الأفضلية للأعاجم على العرب.
الإمام الرضا: الإمام الذي تورّط في السياسة
الجديد فيما تناوله دونلدسن من سيرة الإمام الرضا، تشكيكه في صحّة المناظرات والمجالس التي نُسبت للإمام مع علماء الأديان والمذاهب المختلفة، حيث اعتبرها ضعيفة؛ لأنها كُتبت -حسب زعمه- بعد وفاة الإمام بقرنين من الزمان على يد الشيخ ابن بابويه القمي. يقول دونلدسن:
“فكان من السهل طبعًا على الكاتب، وهو ابن بابويه القمي (ت 431هـ)، أن ينسب أقوالًا مناسبة للإمام أو يخترع أجوبة وافية لخصومه، سواء أكانوا يهودًا أو نصارى أو مجوسًا».
غير أن دونلدسن قد أخطأ في تحديد سنة وفاة ابن بابويه القمي؛ إذ إنّ الصحيح أنّه تُوفي سنة 381هـ، وقد وُلد سنة 306هـ، أي بعد عامٍ واحد فقط من وفاة السفير الرابع للإمام المهدي، مما يعني قربه الزمني من عصر النص، فضلًا عن كونه من عائلة علمائية عُرفت بدقّتها في نقل الأخبار.
وقد اشتُهر الشيخ الصدوق بدقّته العالية في الرواية والتحقيق، حيث لم يقتصر في مصادره على طيف محدود من العلماء والمحدثين، بل روى عن أكثر من مئة وسبعين عالمًا من الطائفتين. وهذا وحده يُضعف دعوى دونلدسن في اتهام رواياته بالاختلاق أو الضعف.
إضافة إلى ذلك، فإن كتب الشيخ الصدوق، ومنها ما رواه عن الإمام الرضا، لم تكن تأليفًا من عنده، بل اعتمد فيها على أصول وكتب سابقة كانت معروفة ومعتمدة لدى علماء الشيعة، ومن أبرزها «الأصول الأربعمئة» التي دوّنها أصحاب الأئمّة. وقد صرّح الصدوق في كتبه، مثل كتاب: «من لا يحضره الفقيه»، باعتماده على هذه الأصول وذكر أسماء من روى عنهم من أصحابها، ما يعزّز موثوقية ما نقله عن الإمام الرضا.
استعرض دونلدسن مشهد الإمام الرضا، مقدّمًا صورة تاريخية عنه وعن مدينة طوس، متتبعًا مراحل بناء المشهد وتطوره. كما تناول الأحداث العسكرية التي ألحقت الضرر بالمرقد، مستعرضًا الأسباب المتعددة لذلك، وصولًا إلى المواجهات بين الثوّار والحكومة المدعومة بالقوّات الروسية. وتناول كذلك جهود الترميم والتحسين التي قام بها بعض الملوك. بعد ذلك، انتقل دونلدسن إلى وصف تفصيلي للمشهد ومكوّناته وموظفيه وإيراداته المالية. واستمر في هذا السياق بوصف الجوانب التنظيمية المتعلّقة بالمشهد، وهي أمور إدارية لا تتصل بعقيدة الشيعة.
الإمام محمد التقي (الجواد)
يبدأ دونلدسن حديثه عن الإمام الجواد بسرد ظروف عودة المأمون إلى بغداد بعد انتصاره على الأمين، وارتداء جيشه اللون الأخضر، ثم عودته إلى السواد، ويرى في هذا التغيّر دلالة رمزية، ويطرح فرضيّتين: أن اللون الأخضر كان جزءًا من خطة لاغتيال الإمام الرضا، أو أن المأمون غيّره لاحقًا استجابة لظروف فلكية أو اجتماعية.
ثم يتناول مقتل وزير المأمون الفضل بن سهل، ذي الميول الفارسيّة والشيعيّة، ويرجّح أنه كان مؤثّرًا في قرار المأمون بتولية الإمام الرضا للعهد وزواجه من ابنته. ويترك سؤالًا مفتوحًا حول اغتيال الفضل: هل كان بعلم المأمون أم نتيجة صراع داخلي مع «الحزب العربي»؟
ينتقل بعدها إلى الحديث عن الإمام الجواد، مركّزًا على صغر سنه عند تولّي الإمامة وما أثاره ذلك من تساؤلات، قبل أن تتبدّد بشهادة العلماء الذين التقوه في الحج وكيف برز علمه. ويورد اختبار المأمون له بأسئلة علمية أثبت فيها تفوّقه، فزوّجه ابنته، استمرارًا ـ في رأيه ـ لتقارب عبّاسي مع الأئمّة.
ويستنتج دونلدسن من ذلك أن المأمون لم يكن متآمرًا على الإمام الرضا، بل كان يُظهر تقديرًا حقيقيًا لهم، مرجّحًا تفسيرًا «طبيعيًّا» لتبدّل الألوان بدل ربطه باغتيال الإمام.
لكنه يُبدي رفضًا واضحًا للروايات التي تتحدّث عن كرامات الإمام الجواد، ويعدّها «أسطرة» تضعف الطابع الواقعي للسيرة، كما يعرض قصصًا عن توتّر علاقته بزوجته أمّ الفضل، مقدّمًا تحليلات غير موثّقة.
ويشير دونلدسن إلى تحوّل المأمون نحو الاعتزال، ودعوته إلى القول بخلق القرآن، وفرض سبّ معاوية، وتقديم اسم الإمام علي على المنابر، لكنه يصف ذلك بأنه «ضربة في أساس الإسلام»، وهو حكم يعكس تحيّزه الشخصي، وهو أبعد ما يكون عن التحليل العلميّ. كما يقدّم فهمًا قاصرًا للمعتزلة، إذ يختزل منهجهم في قولهم بأن العقل هو «المنبع الوحيد للدين»، متجاهلًا تأسيسهم للعدالة الإلهية على الاستقلال العقلي في معرفة الحسن والقبيح.
ويطرح مقارنة غير دقيقة بين اضطهاد فقهاء السنة في محنة خلق القرآن وبين تكريم العلويين في زمن المأمون، متجاهلًا دمويّة الفتنة، وموقف أئمّة أهل البيت الذين دعوا للابتعاد عنها حفاظًا على وحدة الأمة.
وفي الختام، يذكر أن الإمام الجواد عاد إلى المدينة بعد وفاة المأمون، ثم استدعاه المعتصم إلى بغداد، ويرى أن لا دليل قاطعًا على سوء العلاقة بينهما، سوى الروايات التي تذكر استشهاده مسمومًا بتحريض أو بأمر من المعتصم.
الإمام علي النقي والإمام الحسن العسكري
في حديثه عن الإمام الهادي، يستمر دونلدسن في رسم صورة من المودّة التي يُظهرها بعض حكماء بني العباس تجاه أئمّة أهل البيت. ورغم الإشارات التي يوردها إلى الوشايات التي وصلت إلى المتوكّل وتُدين الإمام، إلّا أنّ الإمام كان في كلّ مرة يخرج بريئًا مما نُسب إليه. ومع ذلك، يُصرّ دونلدسن على حسن نيّة المتوكّل تجاه الإمام، رغم أنّ ما أورده من شواهد يُظهر بوضوح أنّ المتوكّل كان يفرض رقابة مشدّدة على الإمام، مترصّدًا له في انتظار أيّ هفوة ليبطش به. وقد حدث ذلك بالفعل، إذ سجن المتوكّل الإمام في سامراء مدّة عشرين سنة.
ويخلص دونلدسن إلى أن الإمام الهادي قضى حياته سجينًا مكرّمًا، هادئ الطبع، كريم النفس، عانى طوال عمره من بغض المتوكّل، ومع ذلك حافظ على كرامته، وأبدى قدرة فائقة على الصبر والتحمّل.
ولا يختلف الحديث عن الإمام الحسن العسكري كثيرًا عمّن سبقه من الأئمّة؛ حيث أشار دونلدسن إلى لمحة من حياته وعلاقته بالخلفاء، وذكر رواية قدوم السيِّدة نرجس خاتون أمّ الإمام المنتظر، مع ذكر بعض المعجزات.
رابعًا: نقد دونلدسن لفكرة المهدي المنتظر: اضطراب الطرح وتهافت الاستدلال
يذهب دونلدسن بعد عرضه لروايات القائم إلى أنّ فكرة المهدي قد تكون ظهرت نتيجة إخفاق الدولة الإسلامية في تحقيق العدل، وأن استعمال لقب «المهدي» سبق تدوين الحديث بنحو قرنين، وهي مدة سمحت -في رأيه- بتشكّل عقيدة المهدويّة. ونظرًا لغياب نصّ قرآنيّ صريح، يرى أنّ إثبات الفكرة يعتمد على الحديث.
ويعتمد في تضعيفه لأحاديث المهدي على كلام ابن خلدون، الذي استند إلى عدم وجودها في صحيحي البخاري ومسلم، وإلى روايات وردت عن طريق عاصم الذي اتُّهم بسوء الحفظ. لكنه يذكر أيضًا ما نقله ابن خلدون نفسه من أنّ جمهور المسلمين آمنوا عبر العصور بظهور رجل من أهل البيت يُقيم العدل ويُعرف بالمهدي، مما يكشف عن اضطراب في منهج دونلدسن بين الاعتراف بشهرة الفكرة وبين التشكيك في مصادرها.
ومن الثابت أن الروايات حول المهدي متواترة معنىً، وإن اختلفت تفاصيلها، كما أنّ غياب الاسم من القرآن لا يلغي وجود المضامين القرآنية التي تتحدّث عن ظهور الحقّ ووراثة الصالحين للأرض، وهي مضامين فسّرتها الروايات على أنّها من علامات الظهور.
يتناول دونلدسن بعد ذلك عقيدة الغيبة، لكنّه يخلط بين روايات الظهور وروايات الرجعة، مع أنّ الرجعة حدَث لاحقٌ للظهور في العقيدة الإماميّة. ويستشهد بقصص عن «الصائف بن صائد» من مصادر مختلفة، بعضها غير معتمد، محاولًا الربط بينها وبين فكرة الدجّال والرجعة، ما يضعف استنتاجاته بسبب اعتماده على مصادر ثانوية كدائرة المعارف الإسلامية بدل النصوص الأصليّة.
ويقدّم بعد ذلك عرضًا تاريخيًا موجزًا لفترة الغيبة الصغرى، معرّفًا بالنواب الأربعة، وموضحًا الظروف العباسية آنذاك. ثم ينتقل إلى الحديث عن مقامات أبناء الأئمة، مثل مرقد السيدة المعصومة في قم وعبد العظيم الحسني، كما يذكر الشيخ صفي الدين الأردبيلي ونسبه إلى الإمام الكاظم.
وفي سياق حديثه عن زيارة القبور، يرى دونلدسن أنها بقايا تقاليد وثنية، رغم تأكيد القرآن على التوحيد، وهو رأي يعكس تبنّيه لموقف بعض الفرق التي تُنكر مشروعية الزيارة، وغالبًا ما توجّه نقدها للشيعة في هذا الباب.
خامسًا: بداية جمع الحديث عند الشيعة في نظر دونلدسن
يبدأ دونلدسن بتناول نشأة الحديث من منظورٍ سنّي، فعدّ الإمام مالك أول واضع للتشريع الإسلاميّ، وهي دعوى غير صحيحة تاريخيًا. ويرى أن موقف مالك المخالف للسلطات السياسيّة أثّر في منهجه في جمع الحديث ودفعه إلى التريّث، وأن تأليفه للموطأ جرى تحت ضغط الظروف السياسية.
ثم ينتقل إلى الإمام أحمد بن حنبل، معتبرًا أن مسنده كُتب في سياق معارضة للعباسيين، وفيه روايات تتضمّن مناقب للأمويين، وأخرى توافق بعض آراء الشيعة. أمّا الصحاح الستّة، فيراها نتاجًا لعصر عباسي عمل على إخفاء ذكر الأمويين، مع بقاء تأثير «الرأي العام» في ضبط ما يُروى، مستشهدًا بحادثة ضرب النسائي بسبب روايته فضائل الإمام علي. ويلاحظ أن الشيعة ما زالوا يحتفظون بأحاديث في فضائل أهل البيت وردت في تلك الصحاح نفسها.
ويتصوّر دونلدسن أن العصر البويهي شهد مبالغة في مدح أهل البيت وانتقاصًا من الأمويين والعباسيين، مع ظهور أحاديث متأخّرة ذات أسلوب أدبيّ. لكنه، رغم إقراره باضطهاد الدولة لعلماء الحديث، ينتقد في الوقت نفسه موقف الشيعة من تلك الدول، في طرح غير متوازن.
ويُسجّل على دونلدسن إغفاله أهم حقيقة تاريخية، وهي قضية منع تدوين الحديث في صدر الإسلام، مما أدّى إلى تأخّر الكتابة عند أغلب المسلمين، في حين كان الشيعة يدوّنون الحديث في عهود الأئمة أنفسهم. فالكتب الأربعة الشيعيّة بُنيت على أصول حديثية مبكرة، لا على تدوين متأخّر.
وفي تقسيمه لكتب الحديث، يعتمد دونلدسن تصنيف بروكلمان الذي يميّز بين كتب الزيدية وكتب «الشيعة الفرس»، معتبرًا القسم الثاني أساسًا لدراسة الإمامة. ويعرض الكتب الأربعة، ويرى أنها متأخّرة زمنًا عن الصحاح السنّيّة، ويعلّل قِصَر أسانيد الشيعة بعقيدة العصمة، دون أن يلتفت إلى أن تلك الأسانيد تستند إلى أصول مدوّنة منذ عصر الأئمة وليست اختصارًا اعتباطيًّا.
وفيما يتعلّق بالمجتهدين والعلماء المتأخّرين، يتناول دونلدسن التحوّلات السياسية في إيران بين الحكم السنّي والشيعيّ، حتى قيام الدولة الصفوية التي اتّخذت التشيّع مذهبًا رسميًّا، ويرى أنّ ذلك يلائم طبيعة المجتمع الإيراني. وفي فترات الحكم السنّيّ كان علماء الشيعة يلجأون إلى التقيّة، بينما يُظهرون نشاطهم العلمي عند تحسّن الظروف.
في القرن السادس الهجري، يبرز الشيخ الطبرسي، مؤلّف جامع الجوامع، ثم يعرض دور نصير الدين الطوسي الذي انتقل من أسر الإسماعيلية إلى خدمة المغول، وأشرف على إنشاء مرصد فلكي. كما يذكر علماء برزوا في عهد المغول، مثل نجم الدين جعفر بن يحيى صاحب شرائع الإسلام، والعلّامة الحلي، ثمّ يورد قائمة مختصرة بأسماء عدد من العلماء وإنجازاتهم.
سادسًا: عقيدة الإمامة في عرض دونلدسن: العصمة والشفاعة
ويؤكّد دونلدسن أنّ الشيعة يشترطون النص الإلهي لإثبات الإمامة، ويستعرض الأدلة المنقولة في «حياة القلوب» للعلّامة المجلسي. وينتقل بعدها لعرض عقيدة العصمة، معتمدًا على مصادر شيعية لخّصها المستشرق إدوارد براون، مبيّنًا إجماع الشيعة على عصمة الأنبياء والأئمّة، وذاكرًا أدلّتهم النقليّة والعقليّة، ومن بينها تفسير المجلسيّ للآيات والروايات وطرحه الكلامي لمسألة قدرة المعصوم على ارتكاب المعصية.
أصل فكرة العصمة في الإسلام عند دونلدسن
يذهب دونلدسن إلى أنّ فكرة العصمة لم تكن موجودة في الكتاب المقدس، وأنّ الروايات التي يظهر فيها الأنبياء مخطئين قد تكون أثّرت -بنظره- في تطوّر مفهوم العصمة في الإسلام. ويُلمّح، دون دليل، إلى احتمال تأثّر القرآن وعلم الكلام الإسلامي بهذه النصوص، وهو استنتاج متهافت يفتقر إلى الدليل.
ويستشهد بعدد من الآيات التي يُفهم من ظاهرها نسبة الخطأ إلى الأنبياء، ويقارن بين «ذنوبهم» وبين معاصي طغاة كفرعون، في عرضٍ يفتقر إلى الدقّة. كما يستشهد بغياب نقاش العصمة في المناظرات الأولى بين المسلمين والمسيحيين -مثل رسالة الهاشمي إلى الكندي، وكتاب «الدين والدولة» لعلي الطبري- ليستنتج أنّ العصمة نشأت لاحقًا داخل البيئة الكلامية الشيعية.
ومع ذلك، يعرض روايات شيعية مبكرة تُشير إلى العصمة، كحديث الإمام الصادق في تفسير آية الإمامة من سورة البقرة، وهو ما يناقض زعمه بتأخّر نشوء العقيدة. ثم يشير إلى اعتراف بعض علماء السنّة -كالفخر الرازي- بالعصمة، ويرجع ذلك، دون تمحيص، إلى تأثّرهم بالشيعة أو بالصوفية أو المعتزلة، في تناقض ظاهر مع منهجه.
في المقابل، يوضح دونلدسن أنّ الشيعة يقدّمون منظومة تفسيرية متماسكة تُعيد فهم الآيات التي ظاهرها نسبة الذنب للأنبياء، وتنفي عنهم المعصية بالمعنى الشرعي.
شفاعة الأنبياء والأئمّة في فهم دونلدسن
يرى دونلدسن أنّ النبي محمد لم يُرد تأكيد مفهوم شفاعة الأنبياء، مستدلًّا برفضه للتصوّر اليهودي القائم على العصمة الجماعية للأمّة أو خلاصها بالانتساب. ويعرض محاولات المسلمين التوفيق بين الشفاعة وبعض الآيات، ناقلًا رأيًا يرى أنّ دور الأنبياء يقتصر على الدعاء لا رفع العقاب.
وينتقل لعرض الشفاعة في الفكر الشيعي، ويصفها بأنها أوسع وأعمق، خصوصًا فيما يتعلّق بالإمام الحسين، محاولًا مقارنتها بمفهوم «الخلاص» في المسيحية، وهو ما قاده إلى نتائج غير دقيقة وإلى ربط مضطرب بين الشفاعة والإمامة. ويتجاهل أنّ الشفاعة عقيدة إسلامية عامّة تؤكّدها نصوص قرآنية صريحة.
كما ينقل رأيًا يفيد بأنّ من لم يؤمن بالإمام الحق فهو من المسلمين في الدنيا ومن الكافرين يوم القيامة، لكن الردّ يوضح أنّ الشيعة لا يكفّرون عموم المسلمين، وأن الكفر لا ينطبق إلّا على من جحد الإمامة مع العلم بأحقّيتها، وهو أمر نادر.
سابعًا: الفرق الشيعيّة في الأزمنة الحديثة في نظر دونلدسن
يبدأ دونلدسن بعرض الإسماعيلية، معتبرًا أنهم طوّروا فكرة «الظهور الدوري للعقل الكلّيّ»، وربطوها بسلسلة الناطقين السبعة من الأنبياء، ثم بسلسلة الأئمّة التي تنتهي عند جعفر الصادق، قبل الانتقال إلى إسماعيل وابنه. ويستنتج أن جوهر العقيدة الإسماعيلية يقوم على تكامل الوحي عبر تجلّيات متكرّرة للعقل الكليّ.
ومن هذا المنطلق يذهب إلى أن فكرة الغيبة ظهرت أولًا عند الإسماعيلية ثم تبنّاها الإمامية، ليتحدّث بعدها عن غيبة الإمام الثاني عشر، مشيرًا إلى عدم ظهوره في أحداث فارقة كالعصر البويهي أو الغزو المغولي، ويرى أن هذا الغياب الطويل ساهم في ظهور الشيخيّة.
ويعزو تأسيس الشيخيّة إلى الشيخ أحمد الإحسائي وخلفه السيد كاظم الرشتي، معتمدًا في عرض عقائدهم على مقالة موسوعية دون الرجوع إلى المصادر الأصلية. ورغم عرضه، تبقى الشيخيّة ضمن الإطار الإمامي الاثني عشري، بخلاف البابيّة التي انشقّت لاحقًا إلى بهائيّة وأزليّة، وهما خارج المذهب -بل خارج الإسلام- بعد ادّعاء النبوّة والدعوة إلى دين عالمي جديد.
ويصف دونلدسن بهاء الله بإيجابية، معتبرًا إيّاه صاحب رؤية أخلاقية مستمدَّة من المسيحية، ويرى مع ذلك أنه ما يزال يؤمن بظهور الإمام الغائب.
وتتبلور فكرته الرئيسة في القول إن الشيخية والبابيّة والأزليّة والبهائيّة نشأت -في رأيه- نتيجة الانتظار الطويل لغيبة الإمام الثاني عشر، باعتبارها محاولات للخروج من دائرة الترقّب. غير أنّ هذا مجرد افتراض شخصيّ لا يقوم على دليل قاطع.
أما الحقيقة الثابتة التي لا يداخلها شكّ، فهي أنّ المذهب الشيعيّ الاثني عشري يمثّل الإسلام المحمّديّ الأصيل الذي جاء به النبي محمّد، وأن عقائده -وفي مقدّمتها الإيمان بالإمامة والغيبة- مستندة إلى ما سنّه نبي الإسلام وعلّمه للمسلمين، وهي عقائد راسخة في الكتاب والسنّة، لا تحتاج إلى تطوّر أو تبدّل عبر الزمن، لأنّها متجذّرة في مصادر التشريع الإسلامي الثابتة.
الخاتمة
بعد عرض وتحليل أبرز ما ورد في كتاب عقيدة الشيعة للدكتور دوايت دونلدسن، يمكن القول إن هذا العمل -رغم ما يُظهره من اهتمام ظاهر بالعقيدة الشيعية وتاريخها- يعاني من اضطراب منهجيّ واضح، وخلط بين السرد التاريخي وعرض العقائد، دون الالتزام بحدود التوثيق أو التحليل الموضوعي.
لقد تناولت هذه القراءة جملة من الموضوعات الجوهرية التي اعتبرها المؤلِّف ضمن العقيدة الشيعيّة، مثل الإمامة، والغيبة، والعصمة، والشفاعة، ما يعني أنّه لم يتطرّق إلى أصول العقيدة من توحيد ونبوّة وعدل ومعاد. إضافة إلى تناوله أحداث الخلافة، وتاريخ جمع الحديث، وشخصيات الأئمة وسيرهم، والفرق الشيعية الحديثة.
وقد اتّضح من خلال هذه المحاور أنّ دونلدسن كثيرًا ما يتبنّى آراءً خاصّة، تنسجم مع توجّهات مذاهب مناوئة للشيعة، دون أن يُعير اهتمامًا للرؤية الإماميّة من مصادرها الأصليّة، خاصّة فيما يتعلّق بكرامات الأئمّة ومعجزاتهم.
كما يُلاحظ أنه حين تتقاطع عقائد الشيعة مع عقائد جمهور المسلمين، لا يتوانى المؤلّف عن الطعن والتشكيك، متذرّعًا بتأويلات بعيدة أو شبهات استشراقيّة، مما يُظهر أنّ الطرح غالبًا يفتقر إلى الحياد العلمي، ويميل إلى ترجيح روايات تاريخية أو فقهيّة تنتمي إلى مدارس فكريّة معيّنة دون أخرى.
إنّ أبرز ما يؤخذ على المؤلِّف، هو الخلط المنهجي بين العرض التاريخي والتحليل العقائديّ، وغياب التوازن في تقديم وجهات النّظر، فضلًا عن افتقاره إلى الموضوعيّة حين يُعلّق على قضايا شائكة أو محوريّة، فيقوم أحيانًا بتقديم استنتاجات لا تستند إلى منهج علميّ رصين، بقدر ما تُعبّر عن انطباعات شخصيّة أو تحيّزات مسبقة.
وعليه، فإنّ كتاب عقيدة الشيعة، على ما فيه من مادة تاريخيّة ومعرفيّة مهمّة، لا يُمكن اعتباره مرجعًا علميًّا موضوعيًّا في دراسة العقيدة الإماميّة، ما لم يُقرأ قراءة نقديّة متأنّية تكشف أوجه الخلل والتهافت في طرحه، وتُعيد الأمور إلى نصابها عبر الرجوع إلى مصادر العقيدة من داخلها، لا من تصوّرات وافدة من خارج بُنيتها الفكريّة والإيمانيّة.
[1](*)- وقع الاعتماد على نسخة إلكترونية:
Downloads/Noor-Book.com%20%20ÚÞíÏÉ%20ÇáÔíÚÉ%202%20.pdf
- باحث في الفكر الإسلامي، دكتوراه في الكلام الإسلامي بجامعة المصطفى العالميّة، بيروت.
[2]- المجلسي، بحار الأنوار، ج48، ص21.