البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المدرسة اليهوديّة في الاستشراق والقضيّة الفلسطينيّة

الباحث :  د. أحمد البهنسي
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  46
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  May / 9 / 2026
عدد زيارات البحث :  234
تحميل  ( 554.317 KB )
الملخّص
اهتم اليهود بالدراسات العربية والإسلامية اهتمامًا كبيرًا في العصر الحديث، وذلك لأسباب دينية وسياسية وفكرية على حدّ سواء، وهي أسباب ارتبطت بالمصالح الدينية والسياسية اليهوديّة في العالمين العربي والإسلامي، وعلى رأسها تحقيق الهدف القومي اليهودي/ الصهيوني المتمثّل في إنشاء ما يُسمى بـ«الوطن القومي اليهودي» أو«دولة اليهود» في فلسطين، وقد استدعى ذلك ضرورة دراسة اليهود للمنطقة العربية عمومًا ولفلسطين خصوصًا[1]. تتمحور هذه الدراسة حول تناول المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بمراحلها المختلفة لفلسطين وقضيتها؛ إذ تبدأ هذه المدرسة بمرحلة الاستشراق اليهودي العام، ثم مرحلة الاستشراق الصهيوني، وتنتهي بمرحلة الاستشراق الإسرائيلي[2] ذات الحيّز الأكبر والأهم من بين المراحل الاستشراقية اليهوديّة المختلفة في تناولها للقضية الفلسطينية.
ويبرز هناك العديد من الإشكاليات العلميّة والمنهجيّة التي تعتري المدرسة اليهوديّة في الاستشراق؛ نظرًا لتداخل مراحلها المختلفة مع الاستشراق الأوروبي والغربي من جانب، وارتباطها بحركة قوميّة يهوديّة، وهي الصهيونيّة من جانب آخر، علاوة على ظهور إسرائيل كدولة وليدة اشتملت على عدة مؤسّسات علميّة وأكاديميّة وبحثيّة فيها الكثير من المتخصّصين في الدراسات الإسلاميّة والشرقيّة الذين يمكن وصفهم، حتى لو تجاوزاً، بـ«المستشرقين»[3]، وهي المراحل التي تتميز عن بعضها رغم انتمائها إلى مجال علمي واحد، ورغم اشتراكها في الأهداف العامة، وكذا في العديد من موضوعات الدراسة[4].

كلمات مفتاحيّة: المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، القضيّة الفلسطينيّة، فلسطين، إسرائيل، الصهيونية، الاستشراق اليهودي.

المقدّمة
ثمّة مقولة ذائعة ومشهورة مفادها أن (إسرائيل وليدة الاستعمار)، باعتبار أنها بمثابة مملكة صليبية وكيلة للغرب في المنطقة[5]، غير أن المقولة الأهم، من وجهة نظرنا، هي أن (إسرائيل وليدة الاستشراق)؛ فإذا كان الاستعمار هدف إلى زرع كيان غريب في المنطقة وهو إسرائيل، وتحديدًا على الأراضي الفلسطينية، عقب استيطان جزء منها ومن ثم احتلال الجزء الآخر، فإن الاستشراق، بصفته الجناح العلمي للاستعمار، تولّى مهمّة تقديم خدمات علمية وفكرية من أجل تحقيق هذا الهدف عن طريق تقديم المبررات العلمية والتاريخية والصيغ الأيديولوجية، سواء لقيام إسرائيل أو حتى لمحو الوجود والتاريخ الفلسطيني على الأراضي الفلسطينية.
في هذا الصدد نستحضر رأي الكاتب العراقي فاضل الربيعي حول الدور الاستشراقي في تأسيس إسرائيل، فقد قال «لم تولد إسرائيل من خطيئة، كما قال المؤرّخون الجدد في إسرائيل وحسب، بل وُلدت من خيال استشراقي سقيم، ومن كذبة كبرى تسبّبت في جريمة قد يستحيل غفرانها، أو نسيانها؛ لتعيش قدَرها المحتوم كنموذج لمجتمع استشراقي سينمو ويترعرع روحيًا وثقافيًا بقوة التخيّل وحده، وعلى هذا النحو تم اختراع تاريخ قديم لإسرائيل القديمة في فلسطين»[6].
فيما يلي نستعرض تناول كل مرحلة من مراحل هذه المدرسة الاستشراقية اليهوديّة لفلسطين وقضيتها؛ إذ من غير المبالغة، القول إن فلسطين كانت محور الاهتمام المشترك الأساسي والرئيس بين هذه المراحل المختلفة، بل وكانت بمثابة البوصلة التي وجّهت اهتمام المستشرقين اليهود في جميع مراحل المدرسة اليهوديّة في الاستشراق.


أوّلًا: الاستشراق اليهودي
بدأت مرحلة الاستشراق اليهودي العام كجزء من الحركة الاستشراقيّة العامّة في الغرب وفي أوروبا خاصة؛ حيث تبوّأ عدد من المستشرقين اليهود مكانة مهمّة جدًّا في الاستشراق الأوروبي، ومن أمثلتهم جوستاف فايل في جامعة هايدلبرج ومارت بلسنر وجوزيف هوروفيتس من جامعة فرانكفورت، وكذا المستشرق اليهودي المجري الشهير اجنتس جولدتسيهر والمستشرق الفرنسي سلومون مونك[7].
ورغم أن هذه المرحلة من الاستشراق اليهودي اتّسمت بطابعها الديني؛ أي أن أهدافها وموضوعاتها تركّزت حول الجدل الديني اليهودي مع الإسلام، إلّا أنّها اتّسمت أيضًا بطابعها المعرفي، مثلها في ذلك مثل الاستشراق الأوروبي على وجه العموم؛ لذا تبوّأت فلسطين مكانة مهمة من بين اهتمامات هذه المرحلة الاستشراقية اليهوديّة؛ فقد كان من ضمن أهدافها استعادة المكانة التي كانت لليهود في بلاد العرب وفي فلسطين بالذات قبل الإسلام؛ إذ رأى روّادها أن ظهور الإسلام كان سببًا رئيسًا في فقدان اليهود المكانة السياسية والاقتصادية والدينية التي تمتعوا بها في مناطق الشرق الأدنى القديم ومن بينها فلسطين[8].

أما عن السياق الذي نشأت فيه هذه المرحلة الاستشراقية اليهوديّة في كنف الاستشراق الأوروبي؛ فقد جاءت في إطار تحرّر اليهود من العزلة الأوروبية، فكانوا مشحونين بهدف إثبات أنفسهم وأيديولوجيّاتهم الدينية والفكرية المختلفة[9].
كما يرى بعض أنّ الاستشراق اليهودي في هذه المرحلة استفاد من الحركة الاستعماريّة الأوروبية وما تواكب معها من حركة تنصير بشكل يحقّق مصالحهم الخاصّة في إثبات أنفسهم في إطار الحركة النهضوية الأوروبية من جانب، ويحقق كذلك رؤاهم الاستشراقية المختلفة المتأثّرة بالفكر الاستعماري العنصري بشكل يمهّد لظهور الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر وتسخير البحوث والدراسات الاستشراقية لخدمتها من ناحية أخرى[10].
بدأ الدعم الاستشراقي الغربي للاستشراق اليهودي مبكرًا، وذلك بعدما أتاحت حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر الفرصة لنهوض الفكر الديني القومي اليهودي من خلال التغييرات اللاهوتية التي جاءت بها هذه الحركة البروتستانتينية وأبرزها الترويج لفكرة التفضيل أو الاختيار الخاصة بالشعب اليهودي والتأكيد على ضرورة العودة لفلسطين، وإعادة توجيه الاهتمام للغة العبرية باعتبارها لغة مقدسة، وهو ما ساعد على إيجاد تربة مناسبة ليس للصهيونية وحسب، بل لبثّ الأفكار الاستشراقية اليهوديّة في طيات الاستشراق الأوروبي كذلك[11].

في هذا الصدد لعبت الرحلات الاستكشافية الاستشراقية الغربية إلى الشرق عامة ولفلسطين خاصة دورًا مهمًا، يدلّل على ذلك ما يُعرف بمشروع انكتيل ديبرون[12] (1731-1805م)، والذي هدف إلى خلق محور يهودي بالمنطقة، حيث قام ديبرون برحلات استهدف من ورائها البرهنة على وجود شعب الله المختار وارتباطه في الماضي والحاضر بفلسطين، وبأهداف حملة نابليون بونابرت 1798 الرامية إلى تأكيد الميراث اليهودي لفلسطين[13].
من جانبهم، دأب المستشرقون اليهود في هذه المرحلة على إثارة الموضوعات العلمية وتوجيه الأنظار حول فلسطين وإثارة الدعاوى بأحقية اليهود التاريخية والدينية في هذه الأرض مستغلين في ذلك بشكل تزييفي علوم التاريخ والآثار بهدف تزييف أحداث التاريخ القديم واستحداث نظريّات تاريخيّة مختلقة تمحو الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين وتُبرز وجودًا يهوديًّا مختلقًا بها[14].

كما عمل الاستشراق اليهودي خلال هذه المرحلة على إثبات ما يُسمّى بالحقوق التاريخية والدينية لليهود في فلسطين عن طريق تزييف الأبحاث التي يُثبت من خلالها المكانة الكبيرة للجماعات اليهوديّة في المجتمعات الإسلامية عامة وفلسطين خاصة، وإسناد الفضل إليها في العديد من المجالات والأنشطة الإنسانية داخل البلاد الإسلامية عامة وفلسطين خاصة، وبالتالي شهدت هذه المرحلة أولى المحاولات الاستشراقية الغربية واليهوديّة لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني بشكل مُشوّه من جانب، واختلاق تاريخ يهودي في أرض فلسطين من جانب آخر، ليعهد المستشرقون اليهود المنضوون تحت لواء الاستشراق الغربي/ الأوروبي بعملية قلب الحقيقة التاريخية وتزييف البراهين العلمية لتقديم الدفاع الفكري عن الدعاوى اليهوديّة تمهيدًا لتحقيق المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الذي يهدف إلى تمكين المجموعات اليهوديّة من أرض فلسطين[15].

من أبرز الأفكار الاستشراقية اليهوديّة حول القضية الفلسطينية ومحاولة تفريغها من مضمونها نظرية مفادها: «أن فكرة قداسة القدس جاءت متأخّرة، ولم يكن للقدس أي قيمة قبل وجود الخليفة عبد الملك بن مروان الذي قصد من وراء بناء قبة الصخرة التغلّب على منافسه عبد الله بن الزبير، الذي استغل قداسة مكّة عاصمة ملكه وسيلةً للدعاية، ومحاولة تحويل الحجّ من الكعبة إلى المعبد الجديد بالقدس، كانت إجراءً بُرّرَ بأقوال نُسبت إلى النبي وإلى بعض أصحابه. وتبعًا لهذا الافتراض ظهرت أعداد هائلة من الأحاديث النبوية المؤيّدة والمضادّة للأهمية الدينية لبيت المقدس وحرّمته كأسلحة في الحرب بين المتنافسين على الخلاف»[16].
من هنا يمكن فهم اهتمام المستشرقين اليهود في المراحل المختلفة للمدرسة اليهوديّة للاستشراق بالمصادر والمخطوطات العربية والإسلامية التي تُعنى بالقدس، كمخطوطة «فضائل بيت المقدس» لأبي بكر محمد بن أحمد الواسطي، التي صدرت مطبوعة ومحقّقة عن الجامعة العبرية بالقدس على يد المستشرق الإسرائيلي إسحاق حسون[17] بعدما تمّ الاستيلاء عليها من مكتبة جامع أحمد باشا الجزار بمدينة عكا الفلسطينية[18].

من أبرز الأمثلة أيضًا على طعن الاستشراق اليهودي في أصالة تاريخ فلسطين عامة وتشويه تاريخها الإسلامي خاصة، ما أشار إليه المستشرق اليهودي الفرنسي سلومون مونك الذي نسب اسم فلسطين إلى الكتاب الأوائل للمِقرا (العهد القديم)[19].
يشير بعض الباحثين إلى أن الاستشراق اليهودي المنضوي تحت عباءة الاستشراق الأوروبي قام بعملية إسكات التاريخ الفلسطيني القديم ومنعه من التحرّر، وذلك باعتباره فرعًا من تاريخ إسرائيل القديمة مثلما ورد في التوراة؛ إذ تعاملت الدراسات الاستشراقية سواء اليهوديّة أو الأوروبية مع تاريخ فلسطين من القرنين الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثاني الميلادي، كخلفية لتاريخ مملكتي إسرائيل ويهودا أو فترة الهيكل الثاني اليهوديّة، وتم تصنيف تاريخ فلسطين تحت بند التطورات التاريخية والسياسية والاجتماعية لإسرائيل القديمة[20].

وفي كتابه: «اختلاق إسرائيل القديمة... إسكات التاريخ الفلسيطني» يقارن كيت وايتلام بين ما قاله إدوارد سعيد حول سلطة النص الاستشراقي وكيفية إضفاء قوة تقارب لسلطة الحقيقة؛ له نظرًا لأن الأكاديميين والجامعيين يكتبونه، وبين ما سماه بالخطاب التوراتي في الدراسات التاريخية المتعلقة بفلسطين القديمة والتي تسيطر عليها الرؤية اليهوديّة؛ إذ يرى أن هذا الخطاب التوراتي عبارة عن شبكة قوية ومتداخلة من الأفكار والتوكيدات التي يعتقد ممارسوها إنها نتاج أفكار علمية حقيقية بينما هي في الحقيقة ممارسة للقوة[21].

ثانيًا: الاستشراق الصهيوني
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الاستشراق الصهيوني التي يؤرَّخ لها بظهور الحركة الصهيونية عام 1881 ميلادية في شرق أوروبا؛ فقد برزت كتحوّل للاستشراق اليهودي العام إلى استشراق يهودي خاص له أهدافه التي تخصّ حركة قومية يهوديّة؛ ما أدّى إلى طبعه بطبائعه وأهدافه الخاصة[22]، فقد تنوّعت سمات هذه المرحلة بين الدينية والسياسية لارتباطها بحركة قومية يهوديّة تهدف إلى إنشاء كيان سياسي على أرض فلسطين، وفي الوقت ذاته عدم انفصالها تمامًا عن اهتمامات وأهداف مرحلة الاستشراق اليهودي.
من غير المبالغة القول إن الاستشراق اليهودي دخل مرحلة من النشاط أكثر مع بروز الصهيونية في أوروبا، ولاسيما ما يتعلّق بفلسطين التي كانت محلّ اهتمام المستشرقين الصهاينة والأوروبيين على حدّ سواء لارتباطها بالكتاب المقدس؛ إذ تقاطعت أهداف الصهيونية مع الحركة الاستشراقية الأوروبية في تقديم كل عون علمي ومعلوماتي من أجل استيطان فلسطين؛ ما يمثّل فرصة للاستعمار للانطلاق نحو جميع أنحاء المشرق الإسلامي، وفي الوقت نفسه تحقيق هدف الصهيونية الأول في إقامة وطن قومي لليهود[23].
عُنيت الصهيونية منذ ولادتها في أوروبا بالتعرّف على المنطقة العربيّة عامّة وعلى فلسطين بوجه خاص كإقليم مرشّح لإنشاء الاستيطان اليهودي فيه، وكان الاستشراق الأوروبي أحد مصادر هذا التعرّف؛ إذ استقت الصهيونية من نتاجات المستشرقين الأوروبيّين جملة من الأفكار والصور الأولية عن فلسطين والمنطقة، وانتفعت في هذا الإطار بالكثير من النتاجات العلمية التي جاء بها المستشرقون على المستويين المؤسسي والفردي مع اهتمام خاص بالمستشرقين اليهود[24].
اعتمدت الصهيونية إلى درجة كبيرة على نتاجات المستشرقين حول فلسطين، مع اهتمام خاص بما قدّمه المستشرقون اليهود في هذا المجال، فقد كانت هذه الدراسات الاستشراقية بمثابة الإطار النظري الذي ساهم في تطبيق الفكرة الصهيونية التي تمثّلت في استيطان فلسطين[25].

عكست آراء المستشرقين الصهاينة عن فسلطين والمنطقة حضور بعض المعلومات والأحكام الاستشراقية الأوروبية في النسق الأيديولوجي الصهيوني، تستوي في ذلك التوجّهات الصهيونية العامة ورؤى الزعماء والمسؤولين الصهاينة منذ البداية الأولى للنشاط الاستيطاني في فلسطين، واستمرارًا في العقود اللاحقة، لكن الصهيونيين صاغوا لأنفسهم، في الوقت ذاته، رؤية خاصة كان فيها الإدراك المشوّه أساسًا للبناء النظري المتعلّق بالعرب وبفلسطين[26].
من الأمثلة البارزة على ذلك مؤلَّف بعنوان: «الدولة اليهوديّة» لريتشارد ماينرتز هاجن، الخبير والمستشار الصهيوني في شؤون فلسطين وكبير الضبّاط في هيئة أركان اللنبي، القائد العسكري البريطاني الشهير، والذي استخدم فيه الكثير من المصطلحات الصهيونية التحقيرية في حقّ العرب التي يستخدمها الاستشراق اليهودي حتى الآن، مثل أن العرب منحطّون وخونة وأغبياء لا ينتجون إلا الأمور الشاذّة المتأثّرة بصمت الصحراء ورومنطيقيتها[27].

ويرى إبراهيم عبد الكريم مؤلف كتاب الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل أن هذه المصطلحات تمثّل مخزونًا مرجعيًّا للأفكار والرؤى الصهيونية عامة، سواء اليهوديّة أو غير اليهوديّة حول فلسطين وأهلها وإنه لأمر مفهوم أن يحرص الصهيونيون على تعميم نتاجات كهذه بوضعها في متناول المهتمّين والقرّاء عمومًا على أوسع نطاق، كما عدَّها من الأنماط المتطرّفة للاستشراق الغربي المعبّرة عن الوجه السياسي للاستعمار وللنشاطات الاستشراقية حول فلسطين، مضيفًا أن الصهيونية لم تكتف بالاعتماد على هذه الأنماط، وإنما اهتمّت بما تسمّيه الخيط اليهودي في نسيج الاستشراق الأوروبي، فأبرمته أمام الآخرين، كإسهام يهودي كبير في العملية الاستشراقية الأوروبية ونشرت حوله هالة ضخمة[28].
هيأ الاستشراق الصهيوني من خلال المعرفة كل الشروط لترجمة القوة وفرض سيطرة استعمارية على فلسطين؛ حيث عملت عدة جمعيات استشراقية أوروبية على تسهيل مهمة الاستيطان الصهيوني في فلسطين، من أهمها صندوق اكتشاف فلسطين (Palestine Exploration Fund) الذي تأسس عام 1865 ميلادية؛ وهدف إلى القيام بمسح كامل ودقيق لفلسطين، والبحث العلمي في الآثار الوثيقة الصلة بـ«التاريخ التوراتي»، والقيام بحفريات لإلقاء الضوء على فنون ما سماها بـ«الأمة اليهوديّة»، فعملت اللجان التابعة للصندوق من أجل الإجابة على عدة أسئلة من أهمها تحديد موقع «هيكل اليهود» الذي بناه سليمانA، وهدمه تيتوس الروماني عام 70 ميلادية، بالإضافة إلى معرفة الطريق الذي سلكه النبي موسىA، مع بني إسرائيل عند هجرته من مصر إلى فلسطين[29].

رغم أن نشاط الصندوق ينبع من فكرة دينية تستهدف دراسة كل ما يتعلّق بالأراضي المقدّسة، إلّا أنّ مجالات نشاطه وما قام به من عمليّات المسح والحصر ووضع الخرائط لا يمكن إرجاعها إلى مواضع أثرية دينية فقط، وخصوصًا أن التعاون كان كاملًا بين العاملين فيه من علماء ومستشرقين وضبّاط في وزارة الحربية البريطانية وسلاح الهندسة الملكية؛ إذ أسهم الصندوق في تكوين صورة كاملة عن أوضاع فلسطين في أوسع مداها وأدقّها، فقدّم خدمة عظيمة للصهيونية[30]. وهذا ما عبَّر عنه المستشرق وعالم الجغرفيا البريطاني كلود كوندور في محاضرة ألقاها سنة 1892 بقوله إنه وزملاءه كان لهم الفضل في تشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين، من خلال إلقاء الضوء على التوراة، بهدف مساعدة سكان فلسطين المستقبليين من اليهود من أجل الحصول على الحقائق الثابتة عن طاقات البلد وإمكانياته[31].

في ضوء ما سبق، لم يكن غريبًا أن تكون أولى أهداف هذه المرحلة من مراحل المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، هي تقديم المبرّرات العلمية والتاريخية لإنشاء وطن قومي لليهود، بل تقديم الخدمات العلمية واللوجستية اللازمة لذلك، ووفقًا للمتخصّصين، فإن الاستشراق الصهيوني غطّى كل المجالات العلمية الممكنة لتحقيق هذا الهدف، إلا أنه تركّز في مجالين، أولهما: دراسة المجتمعات العربية والإسلامية، ولاسيما في فلسطين ومعرفة كل تفاصيها؛ لأنها ستكون المحيط الذي سينشأ فيه الوطن القوميِ لليهود، وقد أُطلق عليها «دائرة الدراسات الفلسطينية»، أما المجال الثاني فهو الدراسات حول الدول العربية المحيطة بفلسطين (التي تُسمى دول الطوق أو المواجهة)؛ نظرًا لأنها من المتوقّع أن تقوم بدور فعّال في الدفاع عن القضية الفلسطينية ضد المشروع الصهيوني الاستعماري؛ إذ كان للاستشراق الصهيوني رؤية استشرافية لدوائر الصراع المستقبلية، فسبق بدراسة هذه الدوائر جيدًا وتحليل كل مكوِّناتها[32].
وخلال قرن ونصف القرن هي عمر الاستشراق الصهيوني تقريبًا، تمّت تغطية الدراسات الفلسطينية والعربية والإسلامية وتوجيهها لخدمة المصالح القومية الصهيونية في منظومة فعَّالة ومتكاملة أدّت بالفعل في النهاية إلى تحقيق أهداف الصهيونية، لاسيما أنها تمّت في وقت واحد وأضيف إليها مجالان أساسيان وهما إحياء اللغة العبرية، وإحياء التراث اليهودي في فلسطين بشكل يُمكّن من اختلاق تاريخ يهودي في أرض فلسطين يبرر احتلالها وإقامة الدولة اليهوديّة المزعومة عليها[33].

كما ركّز الاستشراق الصهيوني على إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني منذ القدم وحتى العصر الحديث من أجل تأصيل الوجود اليهودي في فلسطين وإثبات ما يُسمّى بالحقوق التاريخية لليهود في فلسطين، وهو ما أُطلقت عليه عملية «تهويد التاريخ الفلسطيني» ليس القديم وحسب ولكن المسيحي والإسلامي أيضًا، وذلك لإثبات ما يُعرف باستمرارية التاريخ اليهودي في فلسطين وعدم انقطاعه منذ الاستيطان اليهودي الأول القديم لها وحتى استيطانها الحديث مرة أخرى على يد الصهيونية[34].
في هذا الصدد بلغت الجرأة الاستشراقية الصهيونية إلى حد إهمال الواقع التاريخي تمامًا واستخدام المعطيات التاريخية والآثارية بشكل مغلوط للاستدلال على هذه الاستمرارية اليهوديّة في فلسطين، بشكل جعل الفلسطينيين في أرض فلسطين بالعصرين المسيحي والإسلامي أقلية على أرضهم، وجعلت من الأقلية اليهوديّة أغلبية في فلسطين، في تحدٍّ جريء للحقائق التاريخية والديموجرافية والتعتيم على الحقيقة العلمية المتعلّقة بالتاريخ الفلسطيني[35].

ويرى كيت وايتلام في كتابه حول البحث عن إسرائيل القديمة أن المستشرقين الغربيين والصهاينة شابهم قصر النظر في البحث عن إسرائيل القديمة، وذلك بتجاهلهم لتاريخ السكان الأصليين وتجاهل حقهم في الأرض أو في الماضي، وأضاف أن ما سماه بالدراسات التوراتية ظلّت تغضّ الطرف لفترة طويلة عن رؤية السكان المحليين وأنه في المرّات القليلة التي تم ذكرهم فيها تم وصفهم بأنهم غير جديرين بالثقة، وأنهم غير أخلاقيين ومنحرفين وبدائيين، ولذلك فإن مطالبهم غير جديرة أن تؤخَذ على محمل الجد[36].
يخلص «وايتلام» إلى أنّ ما أسماه بالدراسات التوراتية في الغرب أسهمت في العمل الإمبريالي الغربي من خلال الإسهام في خلق تصوّر عن الماضي أنكر أيّ مطالبات أخرى بهذا الماضي، وأن هذا الفهم للماضي كانت له آثار سياسية عميقة؛ إذ أكّد وأيّد ادّعاءات إسرائيل الحديثة في الأرض مقابل ادعاءات الفلسطينيين في الأرض والماضي، كما رأى «وايتلام» أن هذا الخطاب التوراتي/ الإمبريالي متورّط في تجريد الفلسطينيين من ماضيهم وأرضهم بتكراره المستمر لعدد من الادعاءات التي تربط الماضي بالحاضر، ومن أبرزها فكرة إسرائيل الكبرى[37].

وفقًا لـ«وايتلام» فإن هذه المرحلة الاستشراقية قد شهدت إنتاج ما سمّاه بـ«رواية أصل Master Story» لإسرائيل كجزء من المشروع اللاهوتي الذي تم الأخذ به أساسًا في كلّيات العلوم الدينية واللاهوت في الجامعات الغربية، وأضاف أن هذه الأعمال كانت تختبئ وراء ستار لغوي يتّسم بالمعقولية والموضوعية والنزاهة غير المنحازة دينيًا، لكنها كانت جزءًا من الخطاب المتشابك والأعم للاستشراق؛ إذ قدّمت الماضي الفلسطيني بشكل مُسيّس، فكثيرًا ما نجد فيها الفلسطينيين شعبًا بلا اسم[38].
كما ترى بعض الآراء أن هناك رؤية صهيونية هي التي سيطرت لفترة كبيرة على كتابة التاريخ الفلسطيني، وهي رؤية وصفتها بـ«السياسية»؛ إذ كتبت التاريخ الفلسطيني من وجهة نظر قومية يهوديّة، والتي استخدمت كوسيلة صهيونية لإقناع الرأي العام اليهودي بضرورة الصهيونية وحتميتها في مسيرة التاريخ اليهودي العام، والتي قدّمت أكبر عملية تزييف للتاريخ في التاريخ، ووفقًا لهذه الآراء فإن هذه الرؤية الصهيونية فرضت هيمنتها بعدة وسائل مختلفة على الدوائر الاستشراقية الغربية في الجامعات الغربية التي تدرس التاريخ لتقف حائلًا أمام أيّ محاولة لدراسة موضوعية للتاريخ الفلسطيني القديم وإثبات الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، بل إنها تجاوزتها لإعادة كتابة تاريخ الشرق الأدني القديم عامة وتاريخ سوريا وبلاد الرافدين تحديدًا، ونجحت في نشر بعض النظريات التي هدفت لتأصيل الوجود اليهودي في فلسطين من ناحية واختلاق دور لليهود في حضارة الشرق الأدنى القديم من ناحية أخرى[39].

ثالثًا: الاستشراق الإسرائيلي
بالنسبة للمرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، كانت مرحلة الاستشراق الإسرائيلي الذي صاحب، بطبيعة الحال، قيام دولة الاحتلال (إسرائيل) عام 1948م، وغلبت عليه السمة السياسية تمامًا؛ لارتباطه بكيان سياسي وليدٍ يجب الدفاع عنه علميًّا وبحثيًّا؛ لدرجة أنه حتى الموضوعات الدينية التي ناقشها هذا الاستشراق لم تخلُ من الطابع السياسي؛ فمثلًا الدراسات الدينية والإسلامية التي ناقشها امتلات بإسقاطات سياسية تُشوّه الحق التاريخي والديني الإسلامي في القدس الشريف والحرم القدسي، وتطعن في الأصول الإسلامية لفلسطين عامة وللقدس خاصة[40]، ومن أبرز الأمثلة على ذلك كانت ترجمة البروفيسور أوري روبين العبرية لمعاني القرآن الكريم الصادرة عن جامعة تل أبيب عام 2005م في طبعتها الأولى، والتي امتلأت حواشيها بإسقاطات سياسية عن القدس الشريف تحاول ليّ عنق التفاسير الإسلامية حول الآيات القرآن لتشويه الحق الإسلامي، وإثبات الحق اليهودي فيها[41].
بطبيعة الحال، ارتبط المستشرقون الإسرائيليون ومؤسساتهم الأكاديميّة أيما ارتباط بخدمة أغراض المؤسّسة الأمنيّة والعسكريّة الإسرائيليّة، وتمحور إنتاجهم العلمي والفكري حول هدف استخلاص النتائج التي تخدم مستقبلهم ووجودهم على هذه الأرض المغتصبة؛ لذلك عمدت عدة دوائر استشراقية إسرائيلية إلى دراسات جديدة ساهمت في خلق جيل من الباحثين والمستشرقين يؤمن بقناعات سابقة فيما يقومون به من أبحاث ودراسات ساهمت في تغيير خارطة الصراع مع الفلسطينيين[42]، وهو ما يحيلنا إلى تغير وظيفة المستشرق اليهودي في هذه المرحلة من «خدمة المستعمر إلى خدمة المحتل فكريًّا وبحثيًّا».

1. الأهداف والدوافع
فيما يتعلق بالأبحاث الاستشراقية الإسرائيلية حول فلسطين تحديدًا، فقد لوحظ محاولة إيجاد تطابق حول الرواية التوراتية وتاريخ وآثار فلسطين وربط معالم فلسطين بهذا التاريخ التوراتي، وهي ظاهرة أطلق عليها بعض الباحثين «عقدة التشريش» التي دفعت المستشرقين الإسرائيليين لاستنطاق الآثار والتاريخ بشكل يُثبت وجود جذور يهوديّة للتاريخ الفلسطيني، فعلى سبيل المثال عقدت جامعة بن جوريون بالنقب عام 1987م مؤتمرًا لدراسة الآثار في النقب قدم فيه البروفيسور اليعيزر أورن، أستاذ الدراسات الكتابية والآثارية والشرق الأدنى القديم، بحثًا حول دراسة الآثار كجزء من معرفة الشرق الأدنى القديم، وهدف من خلاله إلى إثبات الجذور اليهوديّة المزعومة للتاريخ الفلسطيني من خلال الاستغلال الخاطئ لنتائج الحفريات الآثارية، سواء في النقب أو سيناء[43].
هدفت مثل هذه الأبحاث الاستشراقية الإسرائيلية لثلاثة أهداف رئيسة، وهي: «داخلي»: لتعميق المبرر العلمي والتاريخي حول وجود علاقة بين اليهود الحاليين الذين استوطنوا فلسطين واحتلوها والتاريخ التوراتي في فلسطين؛ «صراعي»: لحمل العرب الفلسطينيين على التسليم بفكرة يهوديّة الدولة التي تسعى الدوائر السياسية الإسرائيلية لتحقيقها وفرضها فرضًا على الفلسطينيين؛ «دعائي»: لكسب الرأي العام العالمي حول الرواية الإسرائيلية في الصراع من خلال ديباجات علمية مغلوطة[44].
يُلحظ أن ذلك كله يهدف إلى هدف استشراقي إسرائيلي بارز جرى توارثه عن الحركة الصهيونية، وهو التغييب الديموغرافي والحضاري للفلسطينيين وحضارتهم بشكل يخدم صانع القرار الإسرائيلي في إدارة الصراع مع الفسلطينيين من خلال الادعاء بالوجود الطارئ والعرضي لهم على أرض فلسطين التاريخية ونزع الهوية القومية عنهم، في مقابل إضفاء طابع يهودي عليها.
كما هدف الاستشراق الإسرائيلي إلى تأصيل الوجود الإسرائيلي في فلسطين؛ ومن أجل ذلك توجّه نحو إعادة تفسير أحداث التاريخ القديم والوسيط والحديث لإثبات النظرية الاستشراقية الصهيونية ذاتها حول استمرارية الوجود اليهودي في فلسطين، وزاد الاستشراق الإسرائيلي على ذلك تشويه التاريخ الفلسطيني القديم ونسب عاداته وتقاليده ومنجزاته الثقافية إلى التاريخ اليهودي، وطمس الآثار الدالّة على الوجود العربي الفلسطيني في فلسطين والمنطقة بأكلمها وإبراز الوجود الإسرائيلي[45]، وقام الاستشراق الإسرائيلي بذلك من خلال استراتيجية محدّدة تمثّلت أركانها في جانبين أساسيين، وهما:

أ. وضع الأطر النظرية العلمية لتهويد التاريخ الفلسطيني، بل والواقع الفلسطيني القائم من خلال اقتراح النظريات العلمية لذلك، وكذا المسميات والمصطلحات اليهوديّة البديلة عن المصطلحات الفلسطينية، لا سيما ما يتعلق بالمستوطنات اليهوديّة في الأراضي الفلسطينية.
ب. احتكار الاستشراق الإسرائيلي للمادة الأثرية والتاريخية الفلسطينية وعدم السماح لغير المستشرقين الإسرائيليين بدراستها وإجراء بحوث عليها وإبداء الرأي في هوية المادة الأثرية بشكل يطمس الهوية التاريخية والثقافية للفلسطينيين، مثال حجب وثائق قمران واحتكارها أو على الأقل السيطرة عليها ومنع الوصول إليها لفترة من الزمن، رغم أنها تمس التاريخ الفلسطيني وكذا الديانة المسيحية[46].
وفي كتابه «اختلاق إسرائيل القديمة» يلقي مؤلّفه كيت وايتلام الضوء على أن الدراسات الاستشراقية الإسرائيلية الحديثة حول تاريخ فلسطين القديم تمّت كتابتها من وجهة نظر استشراقية غربية باعتبارها تعبيرًا عن الدولة الحديثة وشعبها اليهودي، لافتًا إلى أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تنجح في استرداد الماضي الفلسطيني مثلما حدث في الهند وأفريقيا وأستراليا، والإشكال هنا يكمن في أن مفهوم التاريخ الفلسطيني يقتصر على الفترة الحديثة كما لو كان التاريخ القديم تُرك لإسرائيل والغرب[47].

أحالنا المؤلف إلى كتاب إدوارد سعيد: «لوم الضحية...البحث العلمي الزائف وقضية فلسطين»، والتي أشار فيها إلى وجود حضارة في فلسطين قبل هجرات القبائل العبرية إليها بقرون، وأن هذه الحضارة تُذكر في جمل وفقرات بسيطة، بينما فترة الهجرات العبرية تُركت لإسرائيل دون أي تعليق، علاوة على تركيز الباحثين على تاريخ فلطسين منذ الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي وحتى الآن، أما الفترة البرونزية المتأخّرة بالتحديد وحتى الفترة الرومانية، فلم تحظ بالتركيز والدراسة رغم أنها تعطي صوتًا أقوى لتاريخ فلسطين[48].
كما أشار «وايتلام» إلى أن علمي الآثار والتاريخ لعبا دورًا مهمًا في عملية إسكات التاريخ الفلسطيني من جانب الدراسات الاستشراقية الإسرائيلية، لافتًا إلى أن حركة التأريخ القومي الإسرائيلي مثلها مثل غيرها من حركات التأريخ القومي في بحثها عن جذور قوميتها في الماضي استمرت في مسايرة نهج اتجاهات البحث العلمي الأوروبي الاستعمارية وكرَّست فرضياتها واهتماماتها[49].
كانت هناك عدة عوامل أملت زيادة الاهتمام الاستشراقي الإسرائيلي بفلسطين وقضيتها، لعلّ من أبرزها ضرورة معرفة مكامن الضعف والقوة في الشخصية الفلسطينية، وكذا توفير مادة علمية دقيقة ومفصلة للمفاوض الإسرائيلي في صراعه مع الجانب الفلسطيني[50].
غير أن الإسرائيليين يختزلون دوافع هذا الاهتمام، فيسوقون تبريرات أخرى، فمثلًا يتحدث البروفيسور أوريال هايد، أحد أساتذة الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية بالقدس في دراسة له عام 1961م عن دافعين للاهتمام الإسرائيلي بشؤون الاستشراق وأبحاث الصراع وهما المتطلّبات المستقبلية واستيعاب اليهود الشرقيين في إسرائيل، مبينًا أنه لا يمكن إغفال حقيقة أن مستقبل إسرائيل القومي مرتبط بالمنطقة العربية، علاوة على أن استيعاب المزيد من اليهود الشرقيين في الدولة الناشئة يتطلّب فهمًا واسعًا للظروف السائدة في بلدانهم الأصلية [51].

بطبيعة الحال، لا يمكن الاتفاق مع هذا الرأي، فقد بات من المعروف والجلي جدًّا أن هناك حالة من التماهي بين الجهد الاستشراقي والدوائر الأمنية والعسكرية والسياسية والاستخباراتية في إسرائيل، وليس أدلّ على ذلك من أن الكثير من المستشرقين على صلة وثيقة بهذه الدوائر ومن أبرزهم يهوشفاط هركابي الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، وكان مستشارًا لعدد من رؤساء وزراء إسرائيل السابقين، كما أن عددًا من الإصدارات الاستشراقية الإسرائيلية حول الدراسات الاستشراقية عامة والصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية خاصة هي من إصدار وزارة الأمن الإسرائيلية[52].
تستغل المؤسسات الإسرائيلية الحاكمة جهود هؤلاء الخبراء والمستشرقين في إعداد التقارير الدورية والدراسات الخاصة بشأن القضايا المتعلقة بالصراع العربي-الفلسطيني، كما تقوم بتوجيه تلك الجهود بما يتفق مع الأهداف السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية، وفي هذا الصدد تقوم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من جانب آخر بتوجيه المؤسسات البحثية المدنية (الاستشراقية) لما يخدم الأمن الإسرائيلي في مواجهة العرب عامة والفلسطينيين خاصة[53]. بالتالي يمثل الاستشراق الإسرائيلي التوظيف القومي اليهودي للاستشراق والذي تركز على القضايا المباشرة التي تمس العلاقات العربية الإسرائيلية، لاسيما المتعلقة بالقضية الفلسطينية تحديدًا.

2. الموضوعات والاهتمامات
أما عن الموضوعات التي ركز عليها الاستشراق الإسرائيلي في تناوله للقضية الفلسطينية، فتنوّعت بين التاريخية والآثارية والسياسية والاجتماعية، والتي يمكن إجمالها على النحو الآتي:

أ. المجتمع الفلسطيني
اهتم الاستشراق الإسرائيلي بدراسة تاريخ المجتمع الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإظهاره علميًا على أنه أقلّية دخيلة، ووجوده وجود هامشي غير أصيل. فعلى سبيل المثال نجد أن معهد «يد بن تسفي» للدراسات اليهوديّة التابع للجامعة العبرية يركّز في معظم أبحاثه ودراساته على التاريخ اليهودي في فلسطين والقدس بشكل خاص، ومن أبرز إصدارته في هذا المجال كتاب «أبحاث ومصادر... تاريخ طوائف إسرائيل في الشرق» لـمائير بنياهو عام 1984م، وكتاب «تطلّعات الاستيطان اليهودي في شرقي الأردن 1781-1947م» لتسفي إيلان والصادر عام 1985م[54].

ب. حركات التحرّر الفلسطينية
كما ركّز الاستشراق الإسرائيلي على دراسة الموضوعات الفلسطينية التي تساعد في المواجهة مع الفلسطينيين، لاسيما ما يتعلّق بدراسة الحركات التحريرية الفلسطينية، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، بشكل يساعد صانع القرار الإسرائيلي في اتخاذ قراراته المتعلّقة بالقضية الفلسطينية، من أبرز ذلك مؤلَّفات يهوشفاط هركابي الذي يوصف بـ«باحث الصراع الأول في إسرائيل»، ومنها كتاب «مواقف العرب من النزاع العربي-الإسرائيلي» الذي صدر في تل أبيب عام 1968م، ويتألف من عشرة فصول، وكتاب «تيارات في السياسة والاجتماع العربي بعد حرب حزيران 1967م» الذي صدر في تل أبيب عام 1971م، وكتاب «الاستراتيجيات العربية والاستجابات الإسرائيلية» وقد صدر في نيويورك عام 1977م، ويتألف من عشرة فصول[55].
امتدّ اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بالقضية الفلسطينية في جميع الدوائر البحثية الإسرائيلية عامة، سواء في القطاع الجامعي أو حتى القطاع الخاص أو حتى القطاعين النقابي والحزبي، يبرز من بين ذلك ما سُمي بـ«مشروع بنك معلومات الضفة الغربية» الذي أُسس عام 1982م لدراسة الظروف السياسية والاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية والقانونية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان يدير المشروع عالِم السياسة الإسرائيلي الدكتور ميرون بنفينيتسي الذي كان نائبًا لرئيس بلدية القدس، وأصدر تقارير دورية كان من أهمها تقرير صدر عام 1988م عن الأوضاع في الضفة الغربية عامي 1986 و1987م وضم نحو 17 بحثًا مختلفًا، كما تُرجم إلى الإنجليزية، وهو يستشرف الواقع السياسي والاستراتيجي بالضفة الغربية[56].

ت. التاريخ والآثار
كان ملحوظًا أيضا تركيز الاستشراق الإسرائيلي على التاريخ والآثار الفلسطينيين، فقد شملت الدراسات الاستشراقية الإسرائيلية اتجاهًا طاغيًا لإيجاد تطابق بين الرواية التوراتية وبين واقع فلسطين وتاريخها في العصور الغابرة، وتستأثر الدراسات الأثرية والتنقيبات بالمواقع الفلسطينية المختلفة بجهود ضخمة من قبل المستشرقين الإسرائيليين، بهدف دراسة فلسطين في جميع عصورها التاريخية، وإقحام ما يسمى بتاريخ شعب إسرائيل في التسلسل التاريخي لفلسطين[57]، وفي هذا الصدد يطغى المنهج التوراتي على البحث الاستشراقي الإسرائيلي في تاريخ فلسطين وآثارها، وتتعدد الجوانب التي يتم تناولها في هذا النطاق، وعلى هذه الشاكلة نجد تقزيمًا للبحث التاريخي والأثري إلى مستوى الحديث الغيبي والخرافي، فيفكر المستشرق والباحث الإسرائيلي بطريقة لا تختلف جوهريًّا عما هو الحال لدى رجل الدين اليهودي[58].
من أبرز الأمثلة على المجهودات الاستشراقية الإسرائيلية حول تاريخ وآثار فلسطين، مؤسسة أخرى تُدعى «شعبة الأثريات» التي نظّمت عدة مؤتمرات وندوات وعقدت عام 1982م ندوة دراسية لبحث موضوع مصر وإسرائيل وسيناء في عهد التوراة، وصدرت أعمال هذه الندوة في كتاب من إعداد البورفيسور أ. ريني تضمن 8 أبحاث بالإنجليزية، كما تصدر هذه الشعبة مجلة بعنوان «أخبار الآثار» التي تركّز على المواقع الأثرية والتنقيبات على امتداد الأراضي الفلسطينية من زاوية ارتباطها المزعوم بأسباط بني إسرائيل[59].

بالنسبة للكتب الاستشراقية الإسرائيلية حول تاريخ فلسطين، من أبرزها كتاب المؤرخ ميخائيل ايش شالوم بعنوان «تاريخ اليهود في أرض إسرائيل خلال الإمبراطوريات البيزنطية والعربية والعثمانية»، وركّز فيه على دور الاستيطان اليهودي لفلسطين في عهد روما وبيزنطة، وذلك بهدف التأكيد على استمرارية التواجد أو الاستيطان اليهودي في أرض فلسطين على مر العصور مستشهدًا بوثائق الجنيزا القاهرية التي ألقت الضوء على فترات مختلفة من الاستيطان اليهودي في أرض فلسطين[60].
يوحي اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بتاريخ وآثار فلسطين إلى أن إسرائيل تتكئ على التاريخ القديم لإعطاء شرعية لوجودها المعاصر وفي ظل انفراد جهات البحث الإسرائيلية غالبًا بالتنقيب عن الآثار الفلسطينية ودراستها يمكننا أن نتصور حجم التضليل والتزييف الذي تقوم به هذه الجهات، دون أن يمتلك الكثيرون المعلومات الكافية التي تفنّد المزاعم التي يحاول الباحثون والمستشرقون الإسرائيليون تسويقها داخليًّا وخارجيًا[61].

ث. عرب الداخل
اهتمت الدوائر الاستشراقية الإسرائيلية كذلك بدراسة من يُعرفون بـ«عرب الداخل»، وهم الفلسطينيون المقيمون ضمن حدود عام 1948م، وشمل هذا الاهتمام دراسة كافة أوضاعهم تاريخيًّا وجغرافيًّا وديمغرافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا ...إلخ، ولُوحظ أن هذا الاهتمام انصبّ على موقعهم في الدولة ومكانتهم في الصراع العربي الإسرائيلي وآفاق المستقبل، وبالتالي كيفية التعامل معهم كأقلية يترتّب على نموّها تعاظم المشكلة التي يسبّبنوها للمشروع الصهيوني[62].
من أبرز الأمثلة على ذلك ما طرحه الدكتور إيلي ريخس، رئيس مركز ديان في معهد شيلواح في حينه، وهو أبرز مستشرق إسرائيلي متخصّص بشؤون عرب فلسطين، والذي عرض في وثيقة ما مفاده أن الحكومة الإسرائيلية حسمت أمرها في التعامل مع عرب فلسطين كـ«تهديد أمني»[63].
كما أعد «ريخس» العديد من الدراسات حول هذا الموضوع، وكان من أهم ما خرج به من نتائج تلك المتعلقة بيوم الأرض الفلسطيني الذي عدَّه بمثابة شاخصة رئيسة على طريق تطرّف مواقف السكان العرب المستمرة منذ حرب الأيام الستة، وأن سهولة الاتّصال بين العرب داخل الخط الأخضر وخارجه سهَّلت وجددت الاتصال بين المجموعتين اللتين انفصلتا بعد حرب 1948م، وهو ما جدّد الشعور بالمعاناة الفلسطينية، وأعاد للذهنية الفلسطينية إشكالية الهوية الوطنية المشطورة للشعب الفلسطيني[64].

حدد «ريخس» ضرورة النظر الإسرائيلي لهذه التأثيرات من خلال عدة زوايا، وهي:
أ. زاوية الروابط التي تجمع عرب إسرائيل وعرب المناطق.
ب. الروابط بين عرب إسرائيل ومنطمة التحرير الفلسطينية.
ت. الزاوية الأمنية.
ث. الزاوية التي تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية.
ج. الزاوية الخاصة بالعلاقات بين العرب واليهود[65].
من الموضوعات التي ركز عليها المستشرقون الإسرائيليون أيضًا في هذا الصدد، انتشار التديّن الإسلامي في صفوف عرب فلسطين، فعمدوا إلى تحليل المؤشرات الخاصة بذلك، وفي هذا الخصوص أعد الدكتور تومي مئير، أحد كبار المحاضرين في جامعة تل أبيب كتابًا يحمل عنوان «يقظة المسلمين في إسرائيل» أصدره معهد الدراسات العربية في جفعات حفيفا، وذلك بعد أن التقى مؤلِّفه عشرات الشخصيات الإسلامية في الداخل الفلسطيني، والذي عبَّر من خلاله عن حالة القلق من ظاهرة الإسلاموية بين عرب إسرائيل، لاسيما في المستقبل، داعيًا إلى وضع حلول مناسبة لهذه الظاهرة قبل فوات الأوان[66].

ويقدر المستشرقون الإسرائيليون أن ما يقومون به هو أمر لا غنى عنه لإدراك واستيعاب القضايا المصيرية المتعلّقة بعرب فلسطين داخل حدود الخط الأخضر؛ فمثلًا ضمن أجواء الحديث الإسرائيلي المتعاظم عن الخطر الديمجرافي الفلسطيني عقد أرنون سوفير، أستاذ الجغرافيا وعميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة حيفا عام 1987 اجتماعًا مع أعضاء حزب «حيروت» الإسرائيلي، ونبَّه إلى أن المشكلة الديمغرافية تشكّل خطرًا على شخصية الدولة الصهيونية، وفي العام نفسه طالب يهوشفاط هركابي بإجراء نقاش أكاديمي مستفيض وواسع مع المتخصصين والمفكرين حول المشكلة الديمغرافية لمنع النهاية المحزنة لإسرائيل[67].

ج. القدس الشريف
حظيت القدس أيضًا باهتمام لافت وملحوظ من قبل المستشرقين الإسرائيليين ببعديها الديني والسياسي رغم غلبة التناول السياسي خدمة لهدف استشراقي إسرائيلي واضح، وهو الطعن في مكانتها لدى المسلمين وبالتبعية التقليل من قيمتها ومكانتها ضمن قضايا التسوية النهائية مع الفلسطينيين.
من الكتب الاستشراقية الإسرائيلية المهمة في هذا الصدد، كتاب المستشرقة الإسرائيليّة حافا لازروس - يافيه بعنوان: «الإسلام... خطوط عريضة» والذي تتعرض في الفصل الحادي عشر منه لقضية القدس، مؤصلة وضعيتها في الإسلام رغم بعدها عن المركز الإسلامي الأساسي مكة، ثم عرجت على مناقشة قضية تغيير قبلة المسلمين من القدس إلى مكة المكرمة وكذا قصة الإسراء والمعراج ومركزية القدس فيها، إلا أن الأهم في هذا الفصل هو ربطها بين ذلك البعد الديني للمدينة المقدسة والبعد السياسي لها في الإسلام ولدى الفلسطينيين تحديدًا، مشيرةً إلى أن تعرّض المدينة للاحتلال على مر عصورها هو الذي كان يزيد من قدسيتها في نظر المسلمين دون أي أمر آخر، وأن ذلك الأمر تكرر فيما يعرف بحرب الأيام الستة 1967[68].

3. المؤرِّخون الجدد
ظهر اتجاه استشراقي جديد في إسرائيل يتّسم إلى حد كبير بالموضوعية العلمية والرصانة الأكاديمية والإنصاف في تعامله مع القضايا العربية عامة والفلسطينية خاصة، أُطلق عليه «المؤرخون الجدد»، الذين ظهروا في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وأصدروا أبحاثًا، في مجال الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني خصوصًا، تميزت بأنها أبحاثًا نقدية تجاه المؤسسة الإسرائيلية والحركة الصهيونية، بالاستناد إلى الأرشيفات الإسرائيلية، لكن المؤسسة الإسرائيلية، السياسية والأكاديمية والإعلامية، حاربتهم وسعت إلى إقصائهم من الحيّز العام[69].
يعتقد «المؤرخون الجدد» أن الصهيونية هي جزء من الحركة الاستعمارية (الكولونيالية) الحديثة، وأن موجات الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين تشكّل التعبير الفعلي والعملي لأسس الاستعمار. أما حرب 1948م فهي، وفقًا لهم، جزء من عمليات تطهير عرقي للسكان الأصليين في فلسطين وإحلال المهاجرين مكانهم وعلى أراضيهم[70].
في الآونة الأخيرة، أسس باحثون في شؤون الشرق الأوسط في الأكاديميا الإسرائيلية «منتدى التفكير الإقليمي»، بهدف توفير صوت بديل للتحليلات السائدة في الشؤون العربية في الإعلام الإسرائيلي، ويعبر أعضاء المنتدى عن رؤيتهم وأبحاثهم حول العالم العربي من خلال مقالات، ينشرونها في موقعهم الإلكتروني، ومن خلال محاضرات في مؤتمرات علمية ومجموعات تهتم بشؤون الشرق الأوسط أيضًا[71].

أحد مؤسّسي المنتدى، ومديره العام، هو الدكتور أساف دافيد، المحاضر في قسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، وقد روى دافيد، لصحيفة «هآرتس»، كيفية تبلور الفكرة التي أوصلته إلى المشاركة في تأسيس المنتدى وحمل أفكار يسارية، بمعنى أنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، رغم أن سيرته الذاتية ينبغي أن تضعه في معسكر اليمين؛ إذ إنه وُلد في مستوطنة «كريات أربع» في الخليل، قبل 41 عامًا، ودرس في الييشيفاه، أي المعهد الديني اليهودي، في مستوطنة «أفرات»، وخدم في شعبة الاستخبارات العسكرية، وتحديدًا في مجال التنصّت، في «الوحدة 8200»، وفقد إحدى عينيه في عملية انتحارية في حافلة، في القدس العام 1995م[72].
يعدّ تأسيس هذا المنتدى تمرّدًا على مؤسسة الاستشراق الإسرائيلية، التي جمّدت البحث الأكاديمي في الجانب التاريخي، واعتبرت أن التعاطي مع قضايا راهنة هو أمر وضيع. والأمر الثاني والأهم، هو أن المنتدى يدعو إلى صرف النظر عن النخب ومؤسسات الحكم، وتحويل التعاطف العلمي والأكاديمي إلى السكان البسطاء في الحيز الشرق أوسطي عامة[73].

الخاتمة
انطبعت كل مرحلة من مراحل المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بطبائع مختلفة؛ فالمرحلة الأولى طغى عليها «الطابع الديني/ الجدلي»؛ لتـأثرها بالمناخ المعرفي العام للاستشراق الأوروبي، في حين خلطت المرحلة الثانية بين «الديني والسياسي/ القومي»؛ لارتباطها بحركة قومية يهوديّة وهي «الصهيونية»، أما المرحلة الثالثة فغلب عليها الطابع السياسي لارتباطها بكيان سياسي «إسرائيل» تهدف لتقديم خدمات علمية وبحثية وفكرية له.
مثَّلت فلسطين محور الاهتمام المشترك والرئيس بين المراحل المختلفة للمدرسة اليهوديّة في الاستشراق، وكانت بمثابة «البوصلة» التي وجَّهت اهتمام المستشرقين اليهود في جميع مراحل هذه المدرسة.
أتاحت المكانة البارزة لليهود في الحركة الاستشراقية الأوروبية فرصة مهمة لتوجيه الاهتمام نحو موضوعات تخدم رؤاهم الدينية والفكرية، ومن أهمها دراسة التاريخ الفلسطيني تمهيدًا لتحقيق المشروع القومي اليهودي الذي نادت به الصهيونية.

استفاد المستشرقون اليهود بشكل عام من التوجّهات الاستعمارية والتنصيرية للاستشراق الأوروبي الذي نشأت في كنفه المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، ومن ضمن هذه التوجّهات الاهتمام بفلسطين التي تقاطع اهتمام المستشرقين الأوروبين واليهود حولها؛ لأنها وردت في الكتاب المقدس، وكانت لها مكانية دينية وتاريخية مهمة، سواء للمستشرقين الأوروبيين عامة أو اليهود منهم خاصة.
كان من الواضح التأثير المتبادل بين الاستشراق اليهودي والاستشراق الصهيوني من جانب والاستشراق الأوروبي من جانب آخر في تناول فلسطين؛ إذ ظهرت أنماطًا فكرية وبحثية متكررة حول فلسطين في هذه المدراس الاستشراقية المختلفة بسبب تقاطع أهدافها واهتماماتها.
شهدت مرحلة الاستشراق الصهيوني تهيئة المعرفة الكافية لفرض السلطة العلمية حول البحوث الأوروبية الاستشراقية حول فلسطين وتاريخها، وخلال قرن ونصف القرن هي عمر الاستشراق الصهيوني تقريبًا، تمت تغطية الدراسات الفلسطينية والعربية والإسلامية وتوجيهها لخدمة المصالح القومية الصهيونية في منظومة فعَّالة ومتكاملة أدت بالفعل في النهاية إلى تحقيق أهداف الصهيونية.

كان من الواضح تركيز المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بمراحلها المختلفة على التاريخ الفلسطيني، فشهدت مرحلة الاستشراق اليهودي العام أولى المحاولات الاستشراقية اليهوديّة تزييف التاريخ الفلسطيني وإقحام التاريخ اليهودي بدلًا منه، في حين شهدت مرحلة الاستشراق الصهيوني إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني منذ القدم وحتى العصر الحديث، أما مرحلة الاستشراق الإسرائيلي، فشهدت محاولة تأصيل الوجود اليهودي في فلسطين، وكذا تشويه التاريخ الفلسطيني القديم ونسب عاداته وتقاليده ومنجزاته الثقافية إلى التاريخ اليهودي.
حظيت القدس باهتمام ملحوظ من بين اهتمامات المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بمراحلها المختلفة؛ ففي مرحلة الاستشراق اليهودي العام اهتمّ المستشرقون اليهود بدراسة المخطوطات الإسلامية حول القدس للطعن في قدسيتها ومكانتها في الإسلام والتشكيك بأحقية المسلمين فيها، أما في مرحلة الاستشراق الإسرائيلي فتم الترويج لفكرة نزع القدسية عن المدينة وأن أهميتها في الإسلام نبعت من تكرار احتلالها على مر العصور ليس إلّا.

كان لعلم الآثار نصيب مهم من اهتمام المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بمراحلها المختلفة في تناولها لفلسطين؛ ففي المرحلة الأولى لعبت الرحلات الاستشكافية الاستشراقية لفلسطين دورًا مهمًا في إثبات وجود شواهد أثارية لليهود في فلسطين، أما في المرحلة الثانية ركز صندوق اكتشاف فلسطين على دراسة الآثار التي يمكن أن تثبت الوجود اليهودي في فلسطين القديمة والمرتبطة بالتاريخ التوراتي، لاختلاق ما يعرف بـ «رواية أصل يهوديّة» للتاريخ الفلسطيني. أما المرحلة الثالثة فحاولت إثبات الجذور اليهوديّة المزعومة للتاريخ الفلسطيني من خلال الاستغلال الخاطئ لنتائج الحفريات الآثارية.
تناول الاستشراق الإسرائيلي للقضية الفلسطينية أبان عن أنه يمثّل صمام أمان استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، ويدلّ عليه الارتباط الوثيق بين الدوائر الاستشراقية والدوائر الأمنية والاستخباراتية والسياسية في إسرائيل.
عسكت اهتمامات الاستشراق الإسرائيلي وأهدافه حالة التماهي مع أهداف المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بشكل عام وكذا مع مستهدفات السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، بشكل ظهرت معه المجهدودات الاستشراقية في إسرائيل في إطار منظومة متكاملة تتضافر حولها المجهودات العلمية مع السياسية والأمنية والاستخباراتية.
مثَّلت حركة «المؤرخون الجدد» في إسرائيل حالة تمرّد علمية على تعامل الاستشراق الإسرائيلي خاصة واليهودي عامة مع التاريخ الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وهي الحركة التي نرى أنها نتاج توجّهٍ موضوعي اتسم به الاستشراق الإسرائيلي، إلى حد ما، وفي بعض الحالات، في تعامله مع القضايا العربية والإسلامية المختلفة، وذلك نتيجة تأثره بالمعايير الأكاديمية من جانب وبعدد من المدراس الاستشراقية الموضوعية، مثل الاستشراق الألماني، من جانب آخر.

التوصيات
عكست مركزية القضية الفلسطينية ضمن اهتمامات الاستشراق الإسرائيلي خاصة واليهودي عامة ضرورة دراسة هذا التناول الاستشراقي اليهودي لفلسطين وقضيتها وتحليله بشكل يمكن من الوقوف على آليات التفكير الاستراتيجي والاستشراقي الإسرائيلي في التعامل مع القضية الفلسطينية خاصة والصراع الإسرائيلي- العربي عامة.
ركزت المدرسة اليهوديّة في الاستشراق على تزييف التاريخ واستنطاق الشواهد والمكتشافات الأثرية بشكل يخدم الأيديولوجيا الصهيونية ومن ثم الإسرائيلية بإدعاء هامشية التاريخ الفلسطيني وأصالة وتجذر الفلسطينين على أرضهم، ما يعني أهمية تقديم رواية أو سردية عربية علمية أصيلة تكشف زيف هذه الادعاءات الاستشراقية اليهوديّة.
ضرورة الاهتمام بدراسة التاريخ الفلسطيني بمراحله المختلفة وعلى مر عصوره، بشكل يفنّد أي ادّعاءات استشراقية يهوديّة حول انقطاع هذا التاريخ أو عدم أصالته من جانب، وتقديم الإسناد العلمي والبحثي والتاريخي لصانع القرار الفلسطيني من جانب آخر في عملية إدارة الصراع مع الجانب الإسرائيلي.
ضرورة دراسة المدرسة اليهوديّة في الاستشراق بكافة مراحلها، نظرًا للدور المهم الذي لعبه الاستشراق في قيام دولة إسرائيل وتوفير السردية التاريخيّة والعلميّة الزائفة التي تبرر وجودها، وذلك للوقوف على أهم أهداف هذه العملية وآلياتها ومن ثم نقدها بشكل علمي وموضوعي.

لائحة المصادر والمراجع
أوّلًا: الكتب
ادريس، محمد جلاء، الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، مكتبة الآداب، القاهرة 2003م.
البهنسي، أحمد، ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبرية، أوري روبين أنموذجًا، منتدى العلاقات العربية والدولية، قطر، 2017م.
حسن، محمد خليفة، عروبة فلسطين والقدس في التاريخ القديم، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2001م.
الربيعي، فاضل، ما بعد الاستشراق: الغزو الأمريكي للعراق وعودة الكولونيالات البيضاء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007م.
زند، شلومو، كيف لم أعد يهوديًّا... وجهة نظر إسرائيلية، ترجمة وتقديم: انطوان شلحت، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ( مدار)، رام الله، 2014م.
سمايلوفيتش، أحمد، فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1998م.
عبد الكريم، إبراهيم، الإستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، دار الجليل، عمان، 1993م.
كيت وايتلام، اختلاق اسرائيل القديمة...إسكات التاريخ الفلسطيني، ترجمة: سحر الهنيدي، مراجعة: فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1999م.

ثانيًا: المجلات والدوريات العلمية المحكمة
بدر، أشرف، الإيدلوجيا الصهيونية والغرب، مجلة دراسات استشراقية، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، المجلد 5، العدد 18، العراق، أبريل 2019م.
البهنسي، أحمد صلاح، الاستشراق الإسرائيلي، الإشكالية، السمات، الأهداف، مجلة الدراسات الشرقية، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، العدد 37، 2007م.
حسن، محمد خليفة، المجتمع اليهودي بين الاستشراق والاستغراب، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، المجلد 39، العدد 1، 2021م.
دله، أسماء، الاستشراق اليهودي حول بيت المقدس في العهد العثماني، مجلة دراسات بيت المقدس، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، الجزائر، العدد 18، 2018م.
قاسمي، خيرية، نشاطات صندوق اكتشاف فلسطين (1865-1915م)، مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، عدد 104، يوليو 1980م.
ـــــــــــــــــ، المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، مجلة رسالة المشرق، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، الأعداد 1-4، المجلد 12، 2003م.
المراش، محمود، بريطانيه: صندوق الاستكشافات الفلسطينية، مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، عدد 9، مايو 1972م.

ثالثًا: المواقع الالكترونيّة
إبراهيم الشيخ، إسرائيل بنت الاستشراق...الأدلة والشواهد على ارتباط المستشرقين الإسرائيليين بالمؤسسة الأمنية والعسكرية، مركز القدس، 5 أغسطس 2020 على الرابط:
https://shorturl.at/Idar3
باحثون إسرائيليون يسعون إلى تغيير الخطاب الاستشراقي تجاه العالم العربي، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار»، 23 يونيو 2015م: https://url-shortener.me/EO1O
مصطلح المؤرخون الجدد على الصفحة الالكترونية لموقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» على الرابط: https://url-shortener.me/EO1F
وليد سليمان، القدس في الاستشراق اليهودي وتزييف الحقائق، موقع فكر جديد على الرابط: https://fekerjaded.net/details209.htm


---------------------------------------------
[1](*)- باحث متخصص في الاستشراق الإسرائيلي، مصر.
- حسن، محمد خليفة، المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، ص11.
[2]- للمزيد بخصوص هذه المراحل الاستشراقية اليهوديّة بمكنك العودة لـ: المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س.
[3]- للمزيد حول هذه الإشكاليات، يمكنك العودة لـ: البهنسي، أحمد صلاح، الاستشراق الإسرائيلي، الإشكالية، السمات، الأهداف.
[4]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص39.
[5]- شلومو، زند، كيف لم أعد يهوديًّا... وجهة نظر إسرائيلية، ص124.
[6]- الربيعي، فاضل، ما بعد الاستشراق: الغزو الأمريكي للعراق وعودة الكولونيالات البيضاء، ص172.
[7]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص49.
[8]- م. ن، ص44.
[9]- إدريس، محمد جلاء، الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، ص84.
[10]- إدريس، محمد جلاء، الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، ص84-85.
[11]- الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، م. س، ص87.
[12]- مستشرق فرنسي يعدّ من أوائل المستشرقين الأوروبين الذين اهتمّوا بالدراسات الفارسية والهندية، ومن أشهر إنجازاته ترجمة كتاب الأفستا النص المقدس للزرادشتيين إلى الفرنسية، ما أسهم في تعريف أوروبا بالتراث الإيراني القديم.
[13]- الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، م. س، ص87.
[14]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص44.
[15]- م.ن، ص44.
[16]- سليمان، وليد، القدس في الاستشراق اليهودي وتزييف الحقائق، موقع فكر جديد على الرابط
https://fekerjaded.net/details209.htm
[17]- أستاذ فخري في الجامعة العبرية بالقدس بقسم اللغة العربية وآدابها، وكان تركيزه على فترة القدس من الجاهلية إلى الإسلام والعلاقات المعاصرة بين السُنة والشيعة.
[18]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص44.
[19]- نقلًا عن: دله، أسماء، الاستشراق اليهودي حول بيت المقدس في العهد العثماني، ص82.
[20]- وايتلام، كيت، اختلاق إسرائيل القديمة... إسكات التاريخ الفلسطيني، ص23.
[21]- وايتلام، كيت، اختلاق إسرائيل القديمة... إسكات التاريخ الفلسطيني، ص26-27.
[22]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص45.
[23]- الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، م. س، ص88.
[24]- عبد الكريم، إبراهيم، الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، ص58.
[25]- نقلًا عن: بدر، أشرف، الأيدلوجيا الصهيونية والغرب، ص80-81.
[26]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص59.
[27]- م. ن، ص37-38.
[28]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص37-38.
[29]- قاسمي، خيرية، نشاطات صندوق اكتشاف فلسطين (1865-1915م)، ص74-75.
[30]- سمايلوفيتش، أحمد، فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، ص142-143.
[31]- المراش، محمود، بريطانية: صندوق الاستكشافات الفلسطينية»، ص200-202.
[32]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص45-46.
[33]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م. س، ص46.
[34]- م. ن.
[35]- م.ن.
[36]- اختلاق إسرائيل القديمة... إسكات التاريخ الفلسطيني، م. س، ص168-169.
[37]- اختلاق إسرائيل القديمة... إسكات التاريخ الفلسطيني، م. س، ص239.
[38]- م. ن، ص312-322.
[39]- حسن، محمد خليفة، عروبة فلسطين والقدس في التاريخ القديم، ص106-107.
[40]- الاستشراق الإسرائيلي، الإشكالية، السمات، الأهداف، م. س، ص437.
[41]- للمزيد حول حواشي وتعليقات هذه الترجمة يمكن العودة لـ: البهنسي، أحمد، ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبرية، أوري روبين أنموذجًا.
[42]- الشيخ، إبراهيم، إسرائيل بنت الاستشراق...الأدلة والشواهد على ارتباط المستشرقين الإسرائيليين بالمؤسسة الأمنية والعسكرية، على الرابط: https://shorturl.at/Idar3
[43]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص180.
[44]- م. ن، ص180-181.
[45]- المدرسة اليهوديّة في الاستشراق، م.س، ص46 .
[46]- م. ن، ص47.
[47]- اختلاق إسرائيل القديمة... إسكات التاريخ الفلسطيني، م. س، ص30.
[48]- م.ن، ص30-31.
[49]- م. ن، ص41.
[50]- للاستزادة يمكنك العودة لـ: الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص63-66.
[51]- نقلًا عن: م. ن، ص67.
[52]- الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، م. س، 95-96.
[53]- الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، م. س، ص96.
[54]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص234 .
[55]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص255.
[56]- م. ن، ص256.
[57]- حسن، محمد خليفة، المجتمع اليهودي بين الاستشراق والاستغراب، ص125.
[58]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص211 -212.
[59]- م. ن، ص214.
[60]- م. ن، ص215.
[61]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص214.
[62]- م. ن، ص321.
[63]- م. ن، ص223-224.
[64]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص351-352.
[65]- م.ن، ص354.
[66]- م. ن، ص360-363
[67]- الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، م. س، ص75-76.
[68]- نقلًا عن: الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبرية المعاصرة، م. س، ص125.
[69]- انظر: مصطلح المؤرخون الجدد على الصفحة الإلكترونية لموقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» على الرابط: https://url-shortener.me/EO1F
[70]- م. ن.
[71]- باحثون إسرائيليون يسعون إلى تغيير الخطاب الاستشراقي تجاه العالم العربي، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار»، 23 يونيو 2015. https://url-shortener.me/EO1O
[72]- باحثون إسرائيليون يسعون إلى تغيير الخطاب الاستشراقي تجاه العالم العربي، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار»، 23 يونيو 2015. https://url-shortener.me/EO1O
[73]- م. ن.