البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تحليل لفلسفة المستشرق إرنست رينان، وموقفه من الساميين والإسلام: دراسة نقدية

الباحث :  أنس فاروق تيسير محافظة
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  46
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  May / 9 / 2026
عدد زيارات البحث :  1062
تحميل  ( 457.653 KB )
الملخص
تتناول الدراسة: (تحليل لفلسفة المستشرق إرنست رينان، وموقفه من الساميين والإسلام: دراسة نقدية) مرتكزات الفلسفة الاستشراقية لدى إرنست رينان، مسلطًا الضوء على أطروحاته التي ربطت بين العرق والإبداع العلمي، حيث زعم وجود نقص فطري في العرق السامي يمنعه من إنتاج فكر فلسفي أصيل، ويركّز البحث على مناظرته الشهيرة مع جمال الدين الأفغاني، موضحًا، كيف حاول رينان تصوير الإسلام كعائق أمام الحداثة، بينما قدم الأفغاني رؤية تفكيكية تثبت أن العلم ملكية إنسانية عامة لا تقتصر على جنس أو دين محدد، وهو ما فتح الباب أمام نقاش أكاديمي واسع حول موضوعية المركزية الغربية.

تستعرض الدراسة أصداء هذه المناظرة لدى مستشرقين وباحثين لاحقين مثل المسيو مسمر والآنسة جواشون وهنري لورانس، مبينًا كيف تباينت مواقفهم بين التأثّر بمنهج رينان وبين نقده علميًا. ويخلص البحث إلى أن مواقف رينان كانت محكومة بسياقات سياسية وأيديولوجية أكثر من كونها حقائق تاريخية، مؤكدًا على ضرورة تجاوز الرؤى العرقية الضيقة لفهم التاريخ الفعلي للحضارة الإسلامية ودورها الجوهري في مسيرة المعرفة العالمية، مما يعيد الاعتبار للعقل الشرقي في مواجهة دعاوى الجمود والتبعية.

الكلمات المفتاحية: الاستشراق الفرنسي، إرنيست رينان، الساميون، العنصر الآري.


مقدمة
يعد الاستشراق ظاهرة فكرية وثقافية معقدة، لم تقتصر في جوهرها على دراسة الشرق وتراثه فحسب، بل تحولت في كثير من محطاتها إلى أداة لإنتاج تصورات نمطية تخدم الهيمنة الغربية. وفي قلب هذا المشهد، تبرز فلسفة أرنست رينان كواحدة من أكثر الأطروحات إشكالية، حيث مزجت بين فقه اللغة والنظريات العرقية لتشييد جدار عازل بين العقل الآري المبدع والعقل السامي الذي وصمه بالجمود.
تتجلّى أهمية الدراسة في كشف العلاقة الجدلية بين الأيديولوجيا والبحث العلمي في الخطاب الاستشراقي، حيث يبين كيف تحوّلت فرضيات رينان العرقية إلى مبررات معرفية للهيمنة الثقافية، كما تكمن أهميته في تقديم قراءة نقدية للمواقف الغربية المتباينة التي حاولت مراجعة إرث رينان، مما يسهم في فهم أعمق لجذور الصور النمطية السائدة حول الإسلام في الفكر الأوروبي المعاصر.

وتكمن أهداف الدراسة في:

بيان الجذور الأنثروبولوجية واللغوية لموقف رينان العدائي من الساميين.
تحليل محاور المناظرة بين رينان والأفغاني وتبيان نقاط القوة في الرد المشرقي.
نقد رصد تحليلي مواقف كبار المستشرقين والباحثين مثل مسمر وجواشون ولورانس تجاه أطروحات رينان.
استنتاج الدوافع السياسية والأيديولوجية الكامنة وراء نقد رينان للدين الإسلامي.
تسعى الدراسة للإجابة على جملة من الأسئلة:
ما هي المرتكزات الفلسفية التي استند إليها رينان في وصف العرق السامي بالجمود؟
كيف استطاع جمال الدين الأسد آبادي تفكيك دعاوى رينان حول تعارض الإسلام مع العلم؟
إلى أي مدى تأثرت المدرسة الاستشراقية الغربية بالرؤية الرينانية، وكيف تمت مراجعتها نقديًا؟
هل كانت مواقف رينان نتاجًا لضرورات علمية أم انعكاسًا لصراعات سياسية وعلمانية فرنسية؟
وقد اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التحليلي النقدي على معالجة إشكالية الدراسة، حيث يقوم المنهج التحليلي النقدي بتفكيك بنية الخطاب الريناني وردود الأفعال الاستشراقية التي تلته، من خلال فحص النصوص وتتبّع الجذور الفلسفية والعرقية التي استند إليها رينان في إطلاق أحكامه على الساميين والإسلام. وذلك لعقد الموازنات الفكرية اللازمة، سواء بين أطروحات رينان ورد جمال الدين الأسد آبادي، أو بين الرؤى المتباينة للمستشرقين والباحثين الغربيين الذين تناولوا هذه المناظرة، وذلك بهدف استجلاء نقاط الاتفاق والاختلاف وكشف التحيزات الأيديولوجية الكامنة خلف تلك المواقف العلمية.

حياته ونشأته الدينية
وُلد أرنست رينان في عام 1823م بمدينة تريغيه الصغيرة التابعة لإقليم بريتاني في فرنسا، وهي منطقة عُرفت بتمسّكها الشديد بالتقاليد الكاثوليكية القديمة. نشأ رينان في كنف عائلة بسيطة، وقد طُبعت طفولته برحيل والده المبكر، مما جعل ارتباطه بوالدته وأخته هنرييت وثيقًا للغاية، حيث لعبت أخته دورًا محوريًا في توجيه مساره الفكري لاحقًا. هذه البيئة الهادئة والمحافظة دفعت برينان الشاب نحو المسلك الكنسي[2]، فبدأ تعليمه الأول في المدارس الدينية بمدينته، حيث أظهر نبوغًا استثنائيًا منذ الصغر جعل الجميع يتوسّم فيه أن يكون كاهنًا واعدًا في المستقبل، انتقل رينان إلى باريس لمتابعة دراساته العليا في معهد سان سولبيس، وهناك تحوّل شغفه بالقراءة إلى نهم فكري لا يشبع. انكبّ رينان على دراسة الفلسفة والتاريخ، لكن نقطة التحوّل الكبرى كانت في حبه العميق للغات، وبالأخص اللغات الشرقية كالعبرية والسريانية، هذا الشغف اللغوي لم يكن مجرد دراسة جافة، بل كان مفتاحه لإعادة قراءة النصوص المقدسة، وخلال هذه الفترة، بدأت مكتبة رينان الشخصية وعقله يتّسعان ليشملا الفلسفة الألمانية الحديثة وعلوم النقد التاريخي، مما ولّد لديه صراعًا داخليًا مريرًا بين إيمانه الموروث وبين الحقائق العلمية والتاريخية التي بدأ يكتشفها بين سطور الكتب[3].

تُعدّ رحلة رينان العلمية إلى لبنان وسوريا عام 1860م، التي كُلّف بها من قبل الحكومة الفرنسية، حجر الزاوية في إنتاجه الفكري، فهناك احتكّ بالواقع الشرقي وعاين الآثار القديمة عن قرب[4]. خلال هذه الرحلة، وبرعاية أخته هنرييت التي توفيت هناك، بدأ صياغة كتابه الأشهر حياة يسوع (Vie de Jésus)، الذي أحدث زلزالًا في أوروبا؛ لأنه قدم المسيح كشخصيّة تاريخيّة بشريّة بأسلوب أدبي ساحر. تتابعت أعماله الضخمة بعد ذلك، ومن أبرزها تاريخ أصل المسيحية وتاريخ بني إسرائيل، بالإضافة إلى دراساته اللغوية المعمقة التي رسّخت مكانته كأحد كبار المستشرقين في القرن التاسع عشر وأستاذًا مرموقًا في كوليج دو فرانس[5].

شهد عام 1845م المنعطف الأهم في حياة رينان، حيث قرّر بجرأة نادرة ترك معهد الكهنوت وخلع الرداء الديني قبل وقت قصير من سيامته كاهنًا، وكان هذا القرار نتاجًا لقناعاته بأن المناهج العلمية واللغوية التي تعمق فيها تتناقض مع التفسيرات الحرفية للكنيسة، وخرج رينان من حياة الرهبنة إلى حياة العوز المادي، لكنه كان غنيًا بطموحه العلمي، فبدأ يكتب بغزارة ويطرح رؤى فلسفية جديدة تقوم على تقديس العلم بدلًا من الغيب، معتبرًا أن فقه اللغة (الفيلولوجيا) هو الأداة الوحيدة القادرة على كشف أسرار التاريخ البشري وتطور الأديان، وهو ما جعله شخصية مثيرة للجدل في المجتمع الفرنسي لعدة عقود، وتميز عمل رينان بربط اللغة بالعرق والروح، فقد كان يؤمن بأن اللغات ليست مجرد أدوات للتواصل، بل هي مرآة تعكس قدرات الشعوب العقلية، ومن هذا المنطلق، كرس جزءًا كبيرًا من أبحاثه لما أسماه الروح السامية، مقارنًا إياها بـ الروح الآرية، ورغم اعترافه بفضل الساميين في تقديم فكرة التوحيد للعالم، إلا أنه في أعماله المتأخرة، خاصة في محاضرته الشهيرة الإسلام والعلم، تبنّى موقفًا نقديًا حادًا، زاعماً أن العقل السامي يتّسم بالجمود الذي يمنع تطور الفلسفة والعلوم.

هذه الآراء جعلت من رينان رمزًا للاستشراق الذي يمزج بين العبقرية العلمية والتحيّز العرقي، وظل يدافع عن رؤيته هذه حتى وفاته في عام 1892م، مخلّفًا إرثًا فكريًّا ضخمًا لا يزال يُدرس ويُنقد حتى يومنا هذا[6]. لم تتوقف إسهامات رينان عند حدود الدراسات التاريخية والدينية، بل برز كواحد من أهم منظري الفكر السياسي الفرنسي عبر صياغته لتعريف فلسفي متجدد لمفهوم الأمة، وهو التعريف الذي تبلور في خضم صراع فكري محتدم مع المفكرين الألمان حول هوية سكان منطقتي الألزاس واللورين، فبينما كانت الرؤية الألمانية ترتكز على محددات جامدة كالعرق والدم لإثبات تبعية المنطقتين لها، انتفض رينان ليقدم رؤية إنسانية ليبرالية[7]، مفادها أن الانتماء القومي ليس قدرًا بيولوجيًا محتومًا، بل هو إرادة واعية وعهد يتجدد باستمرار، وقد صكّ في هذا السياق تعبيره الخالد الذي وصف فيه الأمة بأنها استفتاء يومي، معتبرًا أن وحدة المصير والرغبة المشتركة في العيش معًا هي المعيار الحقيقي للهوية، لا النقاء العرقي، هذا الطرح الثوري جعل من رينان أيقونة فكرية لفرنسا الجمهورية والعلمانية، حيث تبنت الدولة رؤيته كأساس لتعريف المواطنة والهوية الوطنية، وتقديرا، لهذا الدور، خُلّد اسمه في الذاكرة الجمعية الفرنسية، فأصبح رمزًا يُزين واجهات الصروح العلمية والمباني العمومية، وشخصية مرجعية تُلهم العقل السياسي الفرنسي في فهمه للذات وللقومية[8].

المطلب الأول: المنطلقات الفكرية لإرنست رينان ومحاضرة الإسلام والعلم
كانت البيئة التي ولد فيها إرنست تمثّل معقلًا للكاثوليكية الصارمة والتقاليد القديمة التي لم تعصف بها رياح الثورة الفرنسية بعد، فقد نشأ رينان في كنف عائلة تمزج بين البساطة والتمسك بالقيم الدينية، وكان والده بحّارًا متواضعًا، بينما كانت والدته ذات جذور برجوازية متوسطة، ولكن الأثر الأعمق في تكوينه العاطفي والفكري يعود إلى شقيقته الكبرى هنرييت، فقد وسم اليتم المبكر طفولته، حيث توفي والده وهو لا يزال في الخامسة من عمره، مما جعل هنرييت تضطلع بدور الموجه والراعي، وهي التي كانت تدفعه دائمًا نحو العلم والتفوق. في هذه المرحلة، كان رينان يمثل صورة الطفل المثالي في المنظور الكنسي، هادئ ومتأمل وشديد الذكاء، مما دفع أساتذته في مدرسة تريغيه الدينية إلى ترشيحه لمتابعة دراساته اللاهوتية في باريس، متوقعين له مستقبلًا باهرًا في سلك الكهنوت، ولم يكن يدور في خلد أحد أن هذا الطفل سيكون يومًا ما أحد أكبر منتقدي الكنيسة[9].

رينان إلى باريس ليلتحق بمعهد سان نيكولا دو شاردونيه، ثم انتقل لاحقًا إلى معهد إيسي وأخيرًا إلى معهد سان سولبيس المرموق لدراسة اللاهوت، وكانت باريس بالنسبة لرينان عالمًا جديدًا كليًا، حيث بدأ بالانفتاح على العلوم الحديثة والفلسفة، حيث أصبح بنشر أعماله في فرنسا بمجلات عريقة مثل جريدة الديبا[10]، ومن المفارقات التاريخية أن دراسته للغات الشرقية كالعبرية والسريانية داخل أروقة المعهد الكنسي هي التي قادته إلى الشك، فكلما تعمق في فقه اللغة وتاريخ النصوص المقدسة وجد فجوة تتسع بين الحقائق التاريخية التي يكتشفها وبين التفسيرات الجامدة التي تقدمها الكنيسة، كان رينان يعيش صراعًا ممزِّقًا بين قلبه الذي يميل إلى الإيمان والطقوس، وعقله الذي يرفض الخوارق والمعجزات التي لا يقبلها المنهج العلمي.
اتخذ رينان قراره المصيري بالخروج من معهد سان سولبيس وخلع الثوب الديني نهائيًا، معلنًا انحيازه الكامل للعلم بوصفه الديانة الجديدة للبشرية. كان هذا التحول بمثابة زلزال في حياته، فقد تحوّل من طالب لاهوت متفوّق إلى باحث فقير يبحث عن عمل، لكنه كان مدفوعًا بحرية فكرية مطلقة جعلته يكرّس حياته لدراسة تاريخ الأديان بمنهج وضعي تاريخي، معتبرًا أن الأديان هي ظواهر بشرية تخضع للنقد والتحليل كأي ظاهرة أخرى، وهو المنطلق الذي أسس لكل كتاباته اللاحقة التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية والدينية على حد سواء.

بدأت ملامح التمرّد الفكري تتشكّل في وجدان رينان حين انخرط في دراسة اللغات الشرقية بعمق، فقد كانت العبرية والسريانية نافذته التي أطلّ منها على نصوص العهد القديم برؤية مغايرة لما ألفه في دروس اللاهوت التقليدية. أدرك رينان أن إخضاع النصوص المقدّسة لمبضع النقد التاريخي وفقه اللغة يكشف عن بشريتها وتطورها عبر الزمن، وهو الأمر الذي اصطدم اصطدامًا مباشرًا مع المعتقدات الكنسية التي تفرض التسليم المطلق بالغيبيات والمعجزات، فقد كان يعيش انقسامًا حادًّا في ذاته، فبينما كان وجدانه متعلّقًا بجمال الطقوس الدينية، كان عقله يرفض كل ما لا يخضع لمنطق البرهان والدليل المادي، وفي تلك المرحلة الحرجة، بدأت الشكوك تنهش يقينه القديم، وأصبح يشعر بضيق شديد داخل أسوار المعهد الكهنوتي، فقد رأى أن الحقيقة العلمية هي أسمى ما يمكن للمرء أن يسعى إليه، وأن التضحية بالعقل في سبيل العقيدة هو نوع من الزيف الذي لا يرتضيه لنفسه، واستمر هذا المخاض العسير فترة من الزمن حتى اتخذ قراره الجسور في شهر أكتوبر من عام ألف وثمانمئة وخمسة وأربعين، حيث غادر معهد سان سولبيس بصفة نهائية، ولم يكن خروجه مجرد مغادرة لمكان دراسة، بل كان انقطاعا كليًا عن مسار مهني وروحي رُسم له منذ صباه، وتخلّيًا عن مكانة اجتماعية مرموقة كانت تنتظره ككاهن في المستقبل.

خرج رينان إلى حياة مدنية مجهولة، واختار أن يواجه الفقر والحاجة في سبيل الحفاظ على أمانته الفكرية، حيث أعلن أن العلم هو المعبد الجديد الذي سيكرس له حياته. كان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن البشرية قد دخلت عصرًا جديدًا لا مكان فيه للأساطير، وأن المنهج الوضعي هو السبيل الوحيد لفهم تطور الحضارات والأديان، واتسمت هذه الفترة من حياته بالإنتاج المعرفي الغزير، إذ سعى إلى تأسيس منهج علمي صارم لدراسة الظواهر الدينية، بعيدًا عن التحيّزات العقدية، معتبرًا أن الفلسفة والتاريخ واللغة هي الأدوات الحقيقية لاستنطاق الماضي وفهم الحاضر، وهو ما مهّد الطريق لظهور أهم مؤلّفاته التي أثارت عواصف من النقد والجدل في كافة أرجاء أوروبا.
بدأت القصة حين اعتلى رينان منبر جامعة السوربون في باريس عام ألف وثمانمئة وثلاثة وثمانين ليلقي محاضرة بعنوان الإسلام والعلم، وقد كانت هذه المحاضرة في جوهرها بيانًا فكريًا يسعى من خلاله رينان إلى إثبات استحالة التعايش بين الروح الإسلامية وبين البحث العلمي الحر. انطلق رينان في أطروحته من فرضية عنصرية ترى أن العقل السامي الذي ينتمي إليه العرب والمسلمون عقل يميل بطبعه إلى التوحيد البسيط والجمود، وأنه عقل يفتقر إلى الخيال الفلسفي والقدرة على التجريد العلمي الذي ميّز الشعوب الآرية في اليونان وأوروبا الحديثة[11].
يرى رينان في محاضرته أن الإسلام لم يكن يومًا مشجّعًا على العلم، بل يزعم أن النهضة العلمية التي شهدتها الحضارة الإسلامية في العصر العباسي لم تكن إسلامية في جوهرها، بل كانت نتاج تلاقح بين العقل اليوناني المترجم وبين عقول الفرس والنصارى والصابئة الذين عملوا تحت مظلّة الدولة الإسلامية. ذهب رينان إلى أبعد من ذلك حين وصف الإسلام بأنه نظام ديني وسياسي يفرض قيودًا ثقيلة على العقل، معتبرًا أن المسلم حين يقرأ القرآن ويؤمن بالوحي، فإنه يغلق أبواب الشك التي هي أساس المنهج العلمي الحديث، وبالتالي فإن العلم في نظره لم يزدهر إلا في فترات ضعف الوازع الديني[12].

هاجم رينان الإسلام بحدة حين ادعى أنّه يمثّل عائقًا أمام التقدم الحضاري، زاعمًا أن التعليم الديني التقليدي يقتل روح المبادرة في النشء ويجعلهم سجناء لرؤية ضيقة للعالم، ادعى رينان أن الفلسفة في تاريخ الإسلام كانت غريبة منبوذة، وأن كبار الفلاسفة مثل ابن حزم لم يسلموا من الاضطهاد والتنكيل من قبل العامة والفقهاء، وهو ما اعتبره دليلًا على أن البيئة الإسلامية بيئة طاردة للفكر الحر[13]، وكانت نبرة رينان تتسم بالاستعلاء الاستشراقي الذي يرى في الغرب وريثًا وحيدًا للحضارة والعقل، وفي الشرق مجرد وعاء نقل المعارف دون إبداع حقيقي أو إضافة تذكر.
لم تمر هذه المحاضرة دون رد، فقد كان المفكّر جمال الدين الأسد أبادي موجودًا في باريس في ذلك الوقت، وقرأ ما نشره رينان في الصحف، فقرّر التصدّي لهذه الادعاءات بردّ علمي وتاريخي، وناقش رينان في بعض المقدمات الفلسفية ليصل معه إلى نتائج مختلفة تمامًا، وأكد الأسد أبادي في مستهلّ ردّه أنّ كل الأديان في مراحلها الأولى تتّسم بنوع من التشدّد والقيود التي تفرضها على العقل، وأن المسيحية في العصور الوسطى لم تكن أقل وطأة على العلماء من أي دين آخر[14].

فنّد الأسد أبادي دعوى رينان حول عجز العرب والمسلمين عن الإبداع العلمي، موضحًا أن العرب الذين خرجوا من الصحراء استطاعوا في زمن قياسي استيعاب علوم اليونان والفرس والهند وتطويرها، وهو ما لا يمكن أن يقوم به عقل جامد كما يدعي رينان، وأشار الأسد أبادي إلى أن الحضارة الإسلامية قدمت منهجًا تجريبيًا كان هو اللبنة الأولى لما نراه اليوم من تقدم في أوروبا، وأن نسبة هذا الفضل لغير المسلمين بحجة العرق هي مغالطة تاريخية تتجاهل أن الإسلام كان هو المحرّك والدافع لتلك النهضة من خلال حثّه على طلب العلم وتأمّله في الكون، وانتقد الأسد أبادي بشدة ربط رينان بين العرق والعقل، معتبرًا أن الشعوب تمر بأطوار زمنية وحضارية، وأن انحطاط المسلمين في عصره ليس بسبب جوهر الدين، بل بسبب ابتعادهم عن جوهره وانغماسهم في الاستبداد والجهل، كما أوضح أن أوروبا نفسها عاشت قرونًا في ظلام الجهل تحت سلطة الكنيسة، ومع ذلك لم يقل أحد إن العرق الآري عاجز عن العلم، بل كانت الظروف التاريخية والسياسية هي العائق، وهو ما ينطبق تمامًا على واقع المسلمين المعاصر الذين يحتاجون إلى إصلاح فكري يعيدهم إلى جادة الطريق[15].
يرى الأسد أبادي أن رينان ركز في محاضرته على هدفين دار الحديث حولهما، فيقول: «اشتمل مقال السيد رينان على نقطتين رئيسيتين. انكبّ الفيلسوف اللامع على التدليل على أن الدين الإسلامي كان في جوهره ذاته معارضًا لتقدم العلم، وأن الشعب العربي بطبيعته لا يحب العلوم الميتافيزيقية ولا الفلسفة. يبدو كما لو كان السيد رينان يقول إن هذه النبتة الثمينة تجفّ بين يديه محترقة كما لو احترقت بهوب ريح السموم. إلّا أنه وبعد قراءة هذا المقال لا يمكن أن يمنع المرء نفسه عن التساؤل إذا ما كانت هذه العقبات تأتي باعتبارها نتيجة فحسب للدين الإسلامي نفسه، أو من الطريقة التي انتشر بها في العالم، أي من سجية وأعراف ومواهب الشعوب التي اعتنقت هذه الديانة، أو من سجية وأعراف ومواهب الأمم التي فرض عليها هذا الدين فرضًا»[16].

يعرض هذا الموقف قراءة نقدية لخطاب فكري يُحمِّل دينًا بعينه، ومعه جماعة بشرية محددة، مسؤولية التعثر العلمي والفلسفي، من خلال ربط المعتقد الديني بطبيعة عقلية ثابتة تزعم النفور من التفكير النظري، ويقابل هذا الطرحَ تحليلٌ تفكيكيٌّ يرفض التفسير الأحادي، ويدعو إلى النظر في العوامل التاريخية والاجتماعية والثقافية التي صاحبت تشكّل التجربة الحضارية، مميزًا بين الفكرة الدينية في ذاتها وبين طرائق تمثّلها وتطبيقها داخل مجتمعات مختلفة، ويكشف هذا التحليل أن الأحكام العامة تنشأ من الخلط بين الجوهر والممارسة، ومن إسقاط نتائج ظرفية على بنى فكرية مجردة، كما يبرز أن ازدهار المعرفة أو تراجعها يرتبط ببيئة الاستقبال، وبالبنية السياسية والاجتماعية، لا بالمعتقد من حيث هو منظومة قيمية، وبذلك يتحوّل النقاش من اتّهام ثابت إلى سؤال مفتوح حول شروط الإنتاج المعرفي، مما يمنح الدلالة بعدًا سياقيًا متغيّرًا بدل حصرها في تفسير جوهري مغلق.

اعترف الأسد أبادي بوجود فئات من المتشدّدين الذين يعادون العلم في كل زمان ومكان، لكنّه أكّد أن هؤلاء لا يمثّلون روح الإسلام الحقيقية تمامًا، كما أن محاكم التفتيش لم تكن تمثّل جوهر رسالة المسيح. سعى الأسد أبادي من خلال رده إلى إثبات أن المسلمين قادرون على استعادة مجدهم العلمي إذا ما توفرت لهم شروط الحرية والعدل، وأن اتهامات رينان هي مجرد أحكام مسبقة لا تستند إلى قراءة منصفة للتاريخ، بل تنبع من روح عدائية تريد تبرير السيطرة الغربية على الشرق[17].

أحدث رد الأسد أبادي صدمة إيجابية لدى رينان نفسه، حيث كتب الأخير تعقيبًا أثنى فيه على ذكاء الأسد أبادي وسعة أفقه، ووصفه بأنه يمثّل نموذجًا للمفكّر الحر الذي يمكن التحاور معه. ومع ذلك، ظل رينان متمسكًا بجوهر أفكاره حول تفوق العرق الآري، معتبرًا أن الأسد أبادي هو استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها، وهو ما يعكس عمق التحيّز الذي كان يسكن عقل رينان. استمر السجال بينهما كأحد أهم المطارحات الفكرية في القرن التاسع عشر، حيث رسم معالم الصدام والحوار بين الشرق والغرب حول قضية العلم والحداثة.

إن القيمة الحقيقيّة لهذا السجال تكمن في أنه نزع القداسة عن الأطروحات العلمية العنصرية التي كانت تتخفى وراء ستار الحياد الأكاديمي، فقد أثبت الأسد أبادي أن رينان رغم علمه الواسع قد وقع في فخ التعميم والتحيز العرقي. ومن هنا، تبرز أهمية دراسة هذه المحاضرة في سياقها التاريخي والسياسي، لفهم كيف وظفت المعرفة في خدمة القوة، وكيف استطاع العقل الشرقي أن يثبت حضوره وقدرته على المحاججة والبرهان في أصعب الظروف وأمام أشرس الخصوم.

المطلب الثاني: المرتكزات الأيديولوجية لرينان في مهاجمة الإسلام والساميين وأثرها في الاستشراق الغربي
اعتمد رينان في تشييد منظومته الفكرية ضد الإسلام على مرتكزات سماها علمية، وهي في جوهرها انحيازات أيديولوجية واضحة، وأول هذه المرتكزات هو التفسير العرقي للتاريخ، حيث آمن رينان بأن البشرية تنقسم إلى أعراق متمايزة في قدراتها الذهنية، ووضع العرق الآري في قمة الهرم الحضاري باعتباره العرق الوحيد القادر على إنتاج الفلسفة والعلم والبحث الحر، وفي المقابل، صنف العرق السامي، الذي ينتمي إليه العرب والمسلمون، في مرتبة أدنى، زاعمًا أن العقل السامي عقل توحيدي بسيط يفتقر إلى القدرة على التحليل والتركيب، وهو ما جعله يرى أن أي إبداع علمي ظهر في كنف الحضارة الإسلامية هو إبداع دخيل وليس أصيلًا[18].
كان من أهم الأفكار التي انطلق منها رينان هي التاريخية المتطرفة، حيث كان يرى أن الظواهر الدينية يجب أن تخضع للقوانين نفسها التي تخضع لها الظواهر الطبيعية، ولكنه في تطبيقه لهذا المنهج على الإسلام سقط في فخ التعميم، فقد اختزل تاريخ الإسلام الطويل والمعقّد في لحظات معينة، ليعمم حكمًا سلبيًا على كل القرون، مدّعيًا أن الروح الإسلامية ترفض العلم بالضرورة، فهذا المنطلق جعل تحليله يفتقد إلى الموضوعية العلمية، ويتحوّل إلى نوع من السجال الأيديولوجي الذي يسعى لخدمة فكرة مسبقة بدلًا من البحث عن الحقيقة التاريخية في سياقها الشامل[19].

اتكأ رينان على المنهج اللغوي أو فقه اللغة، فقد كان يرى أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي القالب الذي يتشكّل فيه العقل، وزعم أن بنية اللغة العربية بطبيعتها الاشتقاقية وجمودها المفترض لا تسمح بصياغة مفاهيم فلسفية معقّدة، وبناء على هذا التصور، ادعى رينان أن الفلسفة التي كُتبت بالعربية كانت مجرد ترجمة مشوهة للفلسفة اليونانية[20]، وأن الفلاسفة الذين برزوا في تاريخ الإسلام إمّا كانوا فُرسًا أو مسيحيين أو مسلمين بالاسم فقط، بينما ظلّ العقل العربي الخالص بمنأى عن روح التساؤل العلمي، وهو ادعاء باطل يتجاهل كيف طوّع العرب لغتهم لتصبح وعاء لكلّ علوم العصر.

يرى رينان هنا أن النصرانية، رغم معاداتها للعلم في البداية (كما حدث في إسبانيا وإيطاليا)، إلّا أنّها كانت تملك قابلية التحوّل والإصلاح والتعايش مع العلم الوضعي، أما المرتكز الذي يطبقه على الإسلام فهو الجمود المطلق، حيث يدعي أنّ الإسلام لا يمكنه الاستجابة للمدنية أو العلم، وأنه قام بانتزاع كل أصول الثقافة العقلية من جوفه، وأن الدين الإسلامي يتّصف بالجمود[21] ، ويظهر في قول رينان نزعة عرقية واضحة جدًا، فهو يرى أن الومضات العقلية التي ظهرت في الإسلام كانت بفضل عروق معينة (العرب والفرس)، ووصف العرب بأنهم عرق لطيف وأريب والفرس بأنهم أهل إدراك نظري، وهذا يعود لمركزه الأساسي الذي يربط الإبداع بالعرق وليس بالدين، فيرى أنه على الرغم من أن المسيحية لم تكن في بيئتها الأولى مهيأة تمامًا لاحتضان العلوم الوضعية، بل وعملت في محطات تاريخية -كما في إسبانيا وإيطاليا- على عرقلتها ومحاصرتها، إلا أنها استطاعت في نهاية المطاف أن تتجاوز مرحلة الصدام لتصل إلى صيغة من الإصلاح والتصالح مع تلك العلوم. في المقابل، يزعم (رينان) أن الإسلام عجز عن التحوّل أو التكيّف مع مقتضيات المدنية والعلم، بل وعمل على اجتثاث كل أصول الثقافة العقلية من جوفه. ويرى أن النزعة العلمية التي ظهرت في تاريخ الإسلام كانت مجرد بقايا قاومت الفناء بفضل عبقرية العرب وفطنتهم، أو بفضل العمق النظري لدى الفرس؛ لكن هذا الميل الفكري تلاشى تمامًا -حسب زعمه- ولم يجد ما يوازنه بمجرد أن آلت مقاليد القيادة في العالم الإسلامي إلى أقوام بربرية كالترك والبربر. ومنذ تلك اللحظة، دخل العالم الإسلامي نفقًا من الانغلاق الفكري والغلظة، ولم يستفق منه إلا وهو يتخبط تحت وطأة الاستعمار والرقابة الغربية المعاصرة[22].

يستند رينان في مرتكزاته الأيديولوجية إلى محاولة الفصل التام بين «الدين» و«الفلسفة» في التاريخ الإسلامي، حيث يزعم أن الفلسفة كانت جسمًا غريبًا في جسد الدولة الإسلامية. ويستدلّ على ذلك بالصراع الفكري الذي دار في العصور الوسطى، مشيرًا إلى أن الهجوم الذي شنّه رجال الدين المسيحيون على الفكر الرشدي كان يستمدّ قوته من الحجج التي وضعها فقهاء المسلمين أنفسهم لتفنيد الفلسفة، ويرى رينان أن اقتباس رجال الكنيسة لبراهين الإمام الغزالي يمثل دليلًا على وجود تحالف ضمني بين المؤسسات الدينية ضد العقل والبحث العلمي الحر فيقول:» يمكن أن يتبع هذا الحقد الشديد الذي كان يغلي في المدرسة الدومينيكية على المذاهب العربية، وذلك في جميع تاريخ السلاسل الكلاسيكية، وليست القضايا التي يعزوها ريمون مرتيني في القسم الأول من «خنجره» إلى المغاربة غير نظريات الفلسفة العربية الخالصة، ولا سيما نظريات ابن رشد، التي عدّها مذهب الإسلام الخالص، وتكاد براهين ريمون تكون كلها مقتبسة من الغزالي، وذلك لقوله إنه يحسن تفنيد الفلسفة بفلسفة فيلسوف»[23].

يحاول رينان إقناع قارئه بأن أي محاولة للتوفيق بين الإسلام والعلم هي محاولة محكوم عليها بالفشل، لأن جوهر الدين الإسلامي، كما يراه في كتابات المعارضين للفلسفة، يرفض المناهج العقلية والوضعية وأن المسلم متمسّك بشكل كبير بالعقائدية، وهذا قصور كبير وخلل جسيم[24]، وهو ادّعاء باطل يتجاهل التعدّدية الفكرية والازدهار العلمي الذي تم في ظل الدولة العربية الإسلامية وبدعم من مؤسساتها في عصور القوة، وحديثه عن الحقد الشديد في المدرسة الدومينيكية تجاه المذاهب العربية، يخدم فكرته بأن الأديان المؤسسية بطبعها تحارب الفكر الحر، لكنه يركّز على أن المسيحية استطاعت لاحقًا تجاوز هذا الحقد والمهادنة مع العلم، بينما ظل الإسلام في نظره سجينًا لهذا العداء.

أما فيما يتّصل بأصداء أطروحات رينان في الأوساط العلمية الأوروبية، فقد فتحت محاضرته الباب على مصراعيه أمام موجة عارمة من النقاشات والردود التي لم تقتصر على الانبهار بمنهجه، بل تجاوزت ذلك إلى محاولات جادّة لفحص فرضياته التاريخية والعرقية بموازين نقدية مغايرة، لقد شكلت هذه الردود، التي صدرت عن مستشرقين وباحثين فرنسيين وأوروبيين، مختبرًا فكريًا لقياس مدى موضوعية رينان، حيث حاول كل فريق منهم استكشاف العلاقة بين جوهر الإسلام وبين روح البحث العلمي من زوايا متباينة، فمنهم من اتّخذه مرجعية لا تُناقش لتعزيز المركزية الغربية، ومنهم من سعى لإنصاف المنجز العلمي الإسلامي وتخليصه من الأحكام النمطية الجاهزة، ومن هنا، تبرز أهمية رصد هذه المواقف باعتبارها الامتداد الأكاديمي لمناظرة السوربون، والتي تعكس الصراع الداخلي في الفكر الغربي بين نزعة الاستعلاء الاستشراقي وبين مقتضيات الأمانة التاريخية التي تفرض الاعتراف بفضل الشرق في مسيرة الحضارة الإنسانية[25].

يؤصل رينان لموقفه من الساميين من خلال رؤية عرقية لغوية، حيث يذهب في أطروحاته إلى أن الجنس السامي يمثّل مرحلة أدنى في سلّم التطوّر البشري مقارنة بالعرق الآري، ويرى رينان أن الساميين جبلوا على طبيعة ذهنية تتّسم بالوحدانية المطلقة التي تصل إلى حد الجمود[26]، مما جعل عقولهم، من وجهة نظره، غير قابلة لاستيعاب التعددية الفلسفية أو المفاهيم العلمية المعقّدة، وإنّ هذا المرتكز الأيديولوجي لم يكن مجرّد توصيف لغوي، بل كان حكمًا قيميًا أراد رينان من خلاله إثبات أن الإبداع العقلي والميتافيزيقي هو حكر على الآريين فقط[27]، بينما يظل السامي سجين نقص فطري يمنعه من إنتاج فلسفة أصيلة أو علوم تجريبية، تقوم رؤية (رينان) على مفاضلة عرقية تقصي الجنس السامي وتضعه في مرتبة أدنى من نظيره الآري، مدعيًا قصور ملكاته الفكرية وقدراته الإبداعية. وقد تسرّبت هذه النظرية إلى وجدان شريحة واسعة من المستشرقين المعاصرين له واللاحقين، لاسيما أولئك الذين نهلوا من المدارس الاستشراقية في فرنسا وإنجلترا وألمانيا والنمسا، فتبنّوا هذا الطرح الاستعلائي في دراساتهم العربية والإسلامية. ويرى رينان -في خلاصته التي وصفت بالتهافت والسقم- أن العقلية السامية محكومة بفطرة تميل قسراً إلى التوحيد الديني والبساطة المطلقة في اللغة والفن والمدنية، وهي بساطة أقرب إلى الجمود، في حين تتمايز العقلية الآرية بنزعة فطرية نحو التعقيد الخلّاق وانسجام التأليف التركيبي[28]، وفي سياق هذا التحليل العرقي، يزعم رينان أن الساميين يفتقرون إلى ملكة التخيّل المبدع التي تسمح بتشييد النظم الفلسفية الكبرى، معتبرًا أن كل ما قدمه السامي في تاريخه لم يكن سوى انعكاس لبيئة الصحراء القاسية التي أورثته عقلًا أحاديًا لا يرى إلا المطلق، ومن هذا المنطلق، يرى رينان أن الإسلام، بوصفه المظهر الأكمل والنهائي للروح السامية، قد ورث هذا العجز الفطري. فالدين عند رينان ليس مجرد عقيدة، بل هو إفراز عِرقي، ولما كان العرق السامي في نظره عرقًا غير فلسفي، فإن الإسلام بالضرورة يمثل عائقًا بنيويًا أمام العلم والمدنية، وهو ادعاء باطل حاول رينان تمريره تحت غطاء البحث التاريخي وفقه اللغة.
تمثّل تعقيبات المسيو مسمر نموذجًا للموقف الغربي الذي حاول الموازنة بين الإعجاب المطلق بمنهج رينان، وبين محاولة إيجاد تفسير أكثر مرونة للتاريخ الإسلامي، حيث أظهر مسمر تأييدًا واضحًا لرينان في ضرورة إخضاع التراث الإسلامي للنقد العلمي الصارم بعيدًا عن القداسة، متفقًا معه في أن المؤسسة الدينية في عصور معينة شكّلت عائقًا أمام تدفّق الفكر الفلسفي والبحث التجريبي. ومع ذلك، فإن مسمر لم يتبنَّ نظرية رينان العرقية بشكلها المتطرّف، بل كان يرى أن العقل العربي امتلك طاقات إبداعية حقيقية تمّ وأدها بفعل الظروف السياسية والاجتماعية، وليس بسبب نقص فطري في العرق السامي، وهو ما جعل رده مزيجًا من الانبهار بمركزية رينان الفكرية والرغبة في تقديم قراءة تاريخية لا تجرد المسلمين تمامًا من قدرتهم الماضية على العطاء العلمي، مع بقائه سجينًا لفكرة أن الحداثة هي حصرًا نتاج العقل الغربي[29].
وفي سياق متصل، تأتي إيماءات وأبحاث مدموازيل جواشون كإضافة نوعية للجدل الذي أثاره رينان، حيث تخصّصت هذه الباحثة في دراسة الفلسفة الإسلامية بعمق، لا سيما أعمال ابن سينا، لتثبت من خلال التقصّي الأكاديمي زيف الادّعاءات التي تنفي الأصالة عن الفكر الإسلامي، ولقد كانت جواشون، ومن سار على دربها من الباحثين الذين يمثّلون ردًّا عمليًا على مرتكزات رينان الأيديولوجية؛ فبينما كان رينان يرى في الفلسفة المكتوبة بالعربية مجرد ترجمة شاحبة لعلوم اليونان، كشفت أبحاث جواشون عن وجود بنية منطقية وميتافيزيقية مبتكرة صاغها الفلاسفة المسلمون، ما زعزع فرضية الجمود السامي التي بشّر بها رينان، وبذلك تحوّلت إسهاماتها إلى أداة معرفية استخدمها المفكّرون لاحقًا لإعادة الاعتبار للعقل المسلم، وتبيان أن الدين لم يكن دومًا خصمًا للعلم، بل كان دافعًا له في كثير من المحطات الحضارية[30].
كما يرى هنري لورانس أن محاضرة رينان لم تكن مجرّد بحث تاريخي، بل كانت تعبيرًا عن رغبة غربية في إيجاد نموذج يفسّر التخلّف الشرقي بما يخدم الأهداف الاستعمارية في ذلك الوقت، وقد عقد لورانس مقارنة فكرية لافتة، مشيرًا إلى أن رينان كان يحاول الربط بين الإسلام وبين الجمود، في حين كان يسعى في المقابل لتصوير الغرب المسيحي (وخاصة البروتستانتية) كدين قابل للتحوّل والتوافق مع الروح العلمية الحديثة. هذا الطرح عند لورانس يكشف أن رينان لم يهاجم الدين من حيث هو دين، بل هاجم الإسلام تحديدًا كعائق ثقافي وعرقي أمام الحداثة[31]. كما يشير لورانس في تحليله إلى أن رينان قد استخدم الإسلام كأداة للسجال الداخلي في فرنسا حول العلمانية، فمن خلال انتقاد رينان لما أسماه التعصّب الإسلامي، كان في الواقع يوجّه رسائل مبطّنة للتيارات الكنسية في بلاده، محاولًا إثبات أن أي دين يسيطر على الدولة سيؤدي حتمًا إلى خنق العلم[32].
يرى لورانس أن هذه الازدواجية في خطاب رينان جعلت منه مؤسسًا لنظرة استشراقية ترى في الإسلام دينًا غير قابل للإصلاح بطبعه، وهو ما أثر بشكل كبير على كيفية تعامل العلماء الغربيين اللاحقين مع قضايا الشرق.

الخاتمة والنتائج
في ختام هذه الدراسة التي كرّسناها لتقديم قراءة نقدية فلسفية لآراء المستشرق الفرنسي أرنست رينان ومواقفه من الساميين والإسلام، نخلص إلى أن مناظرة السوربون لم تكن مجرد سجال تاريخي عابر بين شخصيتين فكريتين، بل مثّلت في جوهرها صدامًا معرفيًا وحضاريًا بين المركزية الغربية في أوج صعودها، وبين محاولات الإصلاح المشرقية الساعية لإعادة الاعتبار للعقل المسلم. وقد توصّلت الدراسة من خلال التقصّي والتحليل إلى مجموعة من النتائج الجوهرية، نوجزها في النقاط الآتية:
أوّلًا: أثبتت الدراسة أن رينان لم ينطلق في نقده للإسلام والعروبة من معطيات علمية أو تاريخية محايدة، بل استند إلى نظام عنصري متكامل قام على مبدأ المفاضلة العرقية. حيث حاول ربط العبقرية العلمية والقدرة على التفلسف بـالعرق الآري حصرًا، مع وصم العرق السامي بجمود فطري وقصور بنيوي، مما حوّل خطابه من إطار البحث التاريخي إلى أداة أيديولوجية تبرر الهيمنة الثقافية الغربية.
ثانيًا: تبيّن من خلال تتبع ردود أفعال المستشرقين والباحثين اللاحقين (مثل المسيو مسمر وهنري لورانس والآنسة جواشون) أن إرث رينان الفكري ظل يلقي بظلاله على الدراسات الاستشراقية لفترات طويلة. وقد انقسمت هذه المواقف بين تيار تأثّري تبنّى منهج رينان الإقصائي، وتيار نقدي سعى لتفكيك أطروحاته وتقديم رؤية أكثر إنصافًا للعقل المسلم وتراثه الفلسفي، وهو ما يعكس عمق التأثير الذي تركه رينان في الوعي الاستشراقي.
ثالثًا: خلصت الدراسة إلى أن الرد الذي قدمه جمال الدين الأسد أبادي لم يكن مجرد دفاع عاطفي أو اعتذاري عن الدين، بل كان تصحيحًا معرفيًا (إبستمولوجيًا) وضع العلم في سياقه الإنساني الكوني الشامل؛ مؤكّدًا أن المعرفة ملكية مشاعة للبشرية جمعاء، متجاوزًا بذلك القوالب العرقية الضيقة التي حاول رينان حصر الحقيقة التاريخية داخلها.
رابعًا: تؤكّد النتائج على ضرورة الاستمرار في تفكيك الخطاب الاستشراقي الكلاسيكي، ليس من باب السجال التاريخي فحسب، بل لفهم الجذور الكامنة للعلاقة بين العلم والأيديولوجيا في الخطابات الغربية المعاصرة. إن إعادة الاعتبار للعقل الشرقي تتطلّب وعيًا تاريخيًّا يرفض دعاوى الجمود، ويؤمن بأن الحضارة الإنسانية هي نتاج تراكمي شاركت فيه الأمة الإسلامية بفضل أصيل ودور جوهري لا يمكن نكرانه أو تهميشه.

لائحة المصادر والمراجع
أوّلًا: الكتب المطبوعة
بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، ط1، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1948م.
________ ، موسوعة المستشرقين، ط3، بيروت، دار العلم للملايين، 1993م.
الجندي، أحمد، المعارك الأدبية، ط1، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1983م.
حوراني، ألبرت، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة: كريم عزقول، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1986م.
زقزوق، محمود، الإسلام في تصورات الغرب، ط1، مصر، مكتبة وهبة للنشر والتوزيع، 1987م.
________، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ط2، القاهرة، دار المنار، 1989م.
السامرائي، قاسم، الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية، ط1، الكويت، دار الرفاعي للنشر والطباعة، 1983م.
الشوالي، عزوز، صورة الإسلام في ثقافة الاستشراق: إشكالية النظرية الدارونية الاجتماعية نموذجًا، القيروان، مركز الدراسات الإسلامية، 2004م.
الطويل، توفيق، العرب والعلم في عصر الإسلام الذهبي، ط1، بيروت، دار النهضة العربية، (د.ت).
عبد الحافظ، مجدي، الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني)، ط1، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 2005م.


ثانيًا: الرسائل الجامعية
مجاسيس، سمر، موقف إرنست رينان من المشرق والإسلام، رسالة ماجستير، بيروت، دار الجامعة الأمريكية، 1991م.

ثالثًا: الأبحاث المنشورة
رشيد، صلاح حسن، ابن حزم ورينان يتفقان على أن العهد القديم مليء بالتناقضات والخرافات، مجلة الوعي الإسلامي، مج48، ع547، 2001م.
عبد النبي، مصطفى يعقوب، المستشرقون وتعصبهم الفاضح ضد العرب والإسلام- إرنست رينان كمثال، مجلة دراسات استشراقية، مج10، ع12، 2016م.

رابعًا: المراجع الأجنبية
Barry, W: Ernest Renan, (Paris, Charles Scribner’s Sons, 1905).
Desportes, H., & Bournand, F: Ernest Renan: Sa vie et son œuvre, (Paris, Tolra, 1893).
Henry Laurens: À propos de la controverse Renan/ Afghani: islam et protestantisme, in D’un orient l’autre, vol.11, (Paris, Éditions du CNRS, 1991).


-----------------------------------------------
[1](*)- طالب دكتوراة، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، تخصّص اللغة العربية وآدابها، الأردن.
[2]- انظر: بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، ص548.
[3]- Barry, W: Ernest Renan, Paris, Charles Scribner’s Sons, 1905, P.5-6.
[4]- انظر: بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، ص٣١١.
[5]- Desportes, H., & Bournand, F: Ernest Renan: Sa vie et son œuvre, Paris, Tolra, 1893, P.5-9.
[6]- انظر: يعقوب، الدكتور مصطفى، المستشرقون وتعصبهم الفاضح ضد العرب والإسلام - إرنست رينان كمثال، ص٩١-٩٣، (بحث).
[7]- انظر: العزي، الدكتور غسان، مفهوم أرنست رينان للدولة الأمة الفرنسية في عصر العولمة والاتحاد الأوروبي، ص٢٩٣، (بحث).
[8]- Barry, W: Ernest Renan, Paris, Charles Scribner’s Sons, 1905, P.52.
[9]- Ernest Renan: l’Islamisme et la science, Paris, Calmann Lévy, 1883, P.1-20.
[10]- انظر: موسوعة الفلسفة، م. س، ص548.
[11]- انظر: صورة الإسلام في ثقافة الاستشراق: إشكالية النظرية الدارونية الاجتماعية نموذجًا، م. س، ص 122.
[12]- انظر: المستشرقون وتعصبهم الفاضح ضد العرب والإسلام - أرنست رينان كمثال، م. س، ص 92.
[13]- انظر: ابن حزم ورينان يتفقان على أن العهد القديم مليء بالتناقضات والخرافات، صلاح حسن رشيد، ص33. (بحث)
[14]- انظر: الجندي، أحمد، المعارك الأدبية، ص491.
[15]- انظر: حوراني، ألبرت، الفكر العربي في عصر النهضة، ص136-137.
[16]- عبد الحافظ، مجدي، الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني)، ص٥٥.
[17]- الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني)، م. س، ص59
[18] - انظر: صورة الإسلام في ثقافة الاستشراق: إشكالية النظرية الدارونية الاجتماعية نموذجًا، م. س، ص125
[19]- انظر: المعارك الأدبية، م. س، ص495.
[20]- انظر: زقزوق، محمود، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ص١٣٣.
[21]- انظر: زقزوق، محمود، الإسلام في تصورات الغرب، ص159.
[22]- انظر: عبد الحافظ، مجدي، أرنست رينان، ص٧٢.
[23]- انظر: عبد الحافظ، مجدي، أرنست رينان، ص87.
[24]- انظر: موقف أرنست رينان من المشرق والإسلام، سمر مجاسيس، ص١١٤. (رسالة ماجستير).
[25]- انظر: المستشرقون وتعصبهم الفاضح ضد العرب والإسلام - إرنست رينان كمثال، م. س، ص106-108.
[26]- انظر: م. ن، ص109.
[27]- انظر: الطويل، توفيق، العرب والعلم في عصر الإسلام الذهبي، ص٢٢.
[28]- انظر: السامرائي، قاسم، الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية، ص١٣.
[29]- انظر: الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني)، م. س، ص٥٥.
[30]- انظر: الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني)، م. س، ص143-144.
[31]- À propos de la controverse Renan/ Afghani: Islam et protestantisme, Henry Laurens, in D’un orient l’autre, vol. 11, Paris, Éditions du CNRS, 1991, P.30-33.
[32]- انظر: الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني)، م. س، ص145-148.