البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دراسة آثارية حضارية لرحلة المُستشرقة الإسْكُتْلَنْدَية المسلمة إيفلين كوبولد إلى الحرمين الشريفين

الباحث :  أ.د. محمد أحمد عنب
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  46
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  May / 9 / 2026
عدد زيارات البحث :  346
تحميل  ( 6.554 MB )
الملخّص
يُركّز هذا البحث على تجربة المُستشرقة الإسكتلندية إيفلين كوبولد Evelyn Cobbold 1867-1963م كأول امرأة أوروبية تؤدي فريضة الحج وتوثّقها في كتابها «الحج إلى مكة Pilgrimage to Mecca»، ويسعى إلى استكشاف دور رحلتها في تسليط الضوء على تاريخ الحج في العالم الإسلامي من منظورٍ فريد، يجمع بين الرؤية الاستشراقية والتجربة الإيمانية الشخصية. وتُبرز الدراسة أهمية هذه التجربة بوصفها شهادةً تاريخيةً على مكانة الحج بوصفه مظهرًا من مظاهر الوحدة الروحية بين المسلمين. كما تناقش تأثيرها في تفكيك الصور النمطية عن الإسلام في الغرب، وإبراز البُعد الروحي للحج بعيدًا عن التناول الاستشراقي التقليدي. تتمحور الإشكالية الرئيسة في هذا البحث حول فهم دلالات تجربة كوبولد بوصفها مسلمة غربية أدّت فريضة الحج ضمن سياق تاريخي وثقافي هيمن عليه الخطاب الاستشراقي، وبيان مدى تأثير ذلك في إبراز الحج كرمز للوحدة الإسلاميّة. كما يتناول البحث الكيفية التي قدّمت بها كوبولد الحج كتجربةٍ شخصية وروحية، ومُساهمتها في إثراء أدب الرحلات المُتعلّق بمكة المُكرَّمة والمدينة المنوَّرة من خلال الجمع بين السرد الذاتي والملاحظة الأنثروبولوجية، مما يُميّز عملها عن الكتابات الغربية السابقة، ويعتمد البحث على منهجية متكاملة تجمع بين المنهج الوصفي التحليلي لدراسة أبعاد تجربة كوبولد كما وثّقتها في كتاباتها، مع التركيز على تحليل خطابها وسردها الذاتي، والمنهج التاريخي لدراسة فريضة الحج ضمن سياقها الزمني والاجتماعي في أوائل القرن العشرين، مع الأخذ بالاعتبار التحوّلات السياسية والثقافية التي شهدتها منطقة الحجاز آنذاك. كما يُسلّط الضوء على القيمة التوثيقية الفريدة لكتابها «الحج إلى مكة» بوصفه مصدرًا تاريخيًا يُوثّق الطقوس والمشاهد الروحية للحج في تلك الحقبة. ومن المتوقّع أن يكشف البحث عن الدور الرائد لكوبولد في تقديم الحج للعالم الغربي كرحلةٍ إيمانية تجمع المسلمين من مختلف الأجناس مع تحليل وثائقي دقيق للمعالم الأثرية والشواهد الحضارية والدينية في الحرمين الشريفين، مما يُتيح إمكانية استقراء هيئة هذه المعالم خلال الفترة التي زارت فيها المنطقة، وتحليل حالتها المعمارية وما طرأ عليها من تجديدات، ومقارنة ذلك بالمصادر التاريخية وكتابات الرحالة المختلفة مِما يُسهم في إثراء الدراسات المتعلقة بتاريخ الحج ومعالمه المختلفة.

كلمات مفتاحية: إيفلين كوبولد، فريضة الحج، مكة المُكرَّمة، الاستشراق، أدب الرحلات.

المقدّمة
تتمتّع مكة المُكرَّمة والمدينة المنوَّرة بمكانةٍ دينية خاصة في الوعي الإسلامي، حيث يُعدّان مهد الرسالة ومقصِد المسلمين من مختلف أنحاء العالم. على مر العصور، كانت رحلات الحج والزيارة إلى هذين المكانين المقدّسين موضوعًا مهمًا للوثائق والرصد من قِبَل العلماء والرحّالة والمستشرقين، بالإضافة إلى المهتمّين بتاريخ الإسلام وعمارته. وتكتسب مذكّرات الحجّاج الغربيين الذين أسلموا أهميةً خاصة؛ إذ تُقدّم رؤى ثقافية ودينية ومعرفية تُساهم في إثراء الفهم الحضاري الإسلامي من زوايا متنوعة.
في هذا السياق، تبرز رحلة المُستشرقة الاِسْكُتْلَنْدَية إيفلين كوبولد Evelyn Cobbold إلى الحرمين الشريفين عام 1351هـ/ 1933م كواحدةٍ من التجارب الفريدة التي تستحقّ الدراسة والتحليل. فقد مثّلت رحلتها، التي سبقتها تجربةً واعية في اعتناق الإسلام، أُنموذجًا لتوثيقٍ صادق ومباشر للمعالم الدينية والفضاءات العمرانية، مثل البيوت التراثية في جدة ومكة المُكرَّمة والمدينة المنوَّرة، والمسجد النبوي، والمسجد الحرام، ومقام إبراهيم، وبئر زمزم، ومقبرة المَعلاة والبَقيع، ومساجد قباء والقبلتين والخيف بمنى وغيرها. وقد حملت تدويناتها رؤية شخصية تمزج بين التأمّل الروحي والملاحظة الدقيقة، مما يمنحها بُعدًا توثيقيًا وحضاريًا نادرًا. يُسهم هذا التوثيق في إثراء أرشيف الرحلات غير العربية إلى مكة المُكرَّمة والمدينة المنوَّرة بمنظورٍ أثري وحضاري، وقد زُوّدت رحلتها بعددٍ من الصور الفوتوغرافية النادرة التي سمح لها بالتقاطها، والتي تُمثّل توثيقًا فريدًا للمعالم الحضارية في بلاد الحرمين الشريفين.

يهدف هذا البحث إلى دراسة رحلة إيفلين كوبولد من منظورٍ أثري وحضاري، من خلال تحليل مشاهداتها والنصوص التي دوّنتها خلال زيارتها للحرمين الشريفين. كما يتناول البحث تجربتها في اعتناق الإسلام، والتحوّل الفكري والروحي الذي قادها إلى أداء فريضة الحج. ويستعرض السياق التاريخي والسياسي لتلك الرحلة، إلى جانب ملامح العمارة والعمران في المدن المقدسة آنذاك. ويُركّز البحث بشكلٍ خاص على أهمية هذه الرحلة في توثيق أوضاع الحرمين قبل التحولات المعمارية الكبرى، ويقدّم مقارنةً علمية بين وصف كوبولد للمعالم الدينية والمعمارية وحالتها الراهنة، بما يُسهم في تعميق الفهم للتغيُّرات الحضارية التي شهدها الحرمين الشريفين أوائل القرن العشرين.

وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات الرئيسة، من بينها:
كيف أثّرت الهوية الدينية الجديدة لإيفلين كوبولد على رؤيتها للمعالم الإسلاميّة؟
ما مدى دقة توصيفاتها الأثرية والمعمارية مقارنةً بالمصادر التاريخية وكتب الرحالة؟
إلى أي مدى أسهمت رحلتها في توثيق جوانب من الحياة الدينية والعمرانية في الحرمين الشريفين قبل التحولات المعمارية الكبرى التي شهدتها المنطقة لاحقًا؟
وقد اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي المقارن، من خلال تحليل النصوص الأصلية لرحلة إيفلين كوبولد في ضوء المُعطيات الأثرية والمعمارية المتعلّقة بالحرمين الشريفين في تلك الفترة، مع التركيز على الأوصاف المعمارية والتاريخية للأماكن المُقدسّة، ومُراعاة السياقين الزمني والمكاني الذي كُتبت فيه تلك الملاحظات. كما شمل البحث مقارنة بين ما دوّنته كوبولد وما ورد في المصادر التاريخية، سواء أكانت وثائقية أو أدبية، إضافة إلى الخرائط والصور، وذلك بهدف التحقُّق من دقة معلوماتها ومدى موثوقيتها.

وتنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول رئيسة، يتناول كل منها جانبًا محددًا من موضوع البحث؛ الفصل الأول بعنوان: «الخلفية التاريخية والثقافية لرحلة كوبولد»، ويتناول مبحثين الأول: بعنوان: «السياق السياسي والديني للحجاز في أوائل القرن العشرين»، والمبحث الثاني بعنوان: «نشأة كوبولد واعتناقها الإسلام والدوافع الدينية والثقافية وراء رحلتها للحج»، والفصل الثاني بعنوان: «المُشاهدات العُمرانية والحضارية في رحلة كوبولد»، ويتناول مبحثين: الأول بعنوان: «المُشاهدات العُمرانية في رحلتها»، والفصل الثاني بعنوان: «المشاهدات الحضارية للرحلة»، وأخيرًا خاتمة تتضمّن أهم النتائج وتوصيات الدراسة المُقترحة.

الفصل الأول: الخلفية التاريخية والثقافية لرحلة إيفلين كوبولد
المبحث الأول: السياق السياسي والديني للحجاز في أوائل القرن العشرين
شكّل إقليم الحجاز، الواقع في غرب شبه الجزيرة العربية، مركزًا روحيًا وثقافيًا بالغ الأهمية في العالم الإسلامي، لاحتوائه على المدينتين المُقدّستين: مكة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة. وقد شهد هذا الإقليم، في مطلع القرن العشرين، تحوّلات سياسية عميقة ترافقت مع تغيّرات في بِنيته الدينية والاجتماعية والعُمرانية، وذلك في ظل تصاعد التيار الديني...، وصعود الدولة السعودية الثالثة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود 1876-1953م مؤسّس المملكة العربية السعودية الحديثة وأول ملوكها، وقد كانت السلطة السياسية في الحجاز قبل عام1925م بيد الهاشميين، بقيادة الشريف حسين بن علي، الذي أعلن نفسه «ملك العرب» عام 1916م عقب الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية، وقد تميّزت تلك الحقبة بسيطرة نخبة دِينية تقليدية وإدارية عثمانية ذات طابع مُتسامح نسبيًا مع التعدُّد الدِيني والمَذهبي. ومع دخول قوات الملك عبدالعزيز إلى الحجاز وضمّه إلى سلطته، بدأ عهد جديد تميّز بإعادة تنظيم الشؤون الدينية وفقًا للمنهج السلفي...، الأمر الذي أدى إلى إزالة العديد من المظاهر الدينية المرتبطة بالتصوُّف، مثل القباب والمزارات التي كانت تُزار طلبًا للبركة أو التوسُّل[2].
على الصعيد السياسي، اتّسمت الدولة السعودية في طورها الثالث بترابط وثيق بين السلطة الدينية والشرعية السياسية، مما أضفى على مؤسساتها طابعًا دينيًا واضحًا... وفقًا للرؤية السلفية. وفي الوقت ذاته، شهدت تلك المرحلة جهودًا واضحة لتحديث الإدارة المحلية، وتطوير البنية التحتية، لا سيّما ما يتعلّق بالخدمات المقدّمة للحجاج. وقد شملت هذه الجهود شقّ الطرق، وتحسين المرافق الصحية، وتوسعة الحرمين الشريفين، إلى جانب إنشاء هيئات ومؤسسات متخصّصة بتنظيم شؤون الحجاج الوافدين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

مثّل هذا التحوّل الجذري في البنية السياسية والدينية والعُمرانية خلفيةً أساسية لزيارة الليدي إيفلين كوبولد إلى الحجاز عام 1351هـ/ 1933م. فقد أتاحت لها رحلتها فرصة توثيق مشاهدات دقيقة لمرحلة انتقالية حسّاسة، امتزجت فيها بقايا الإرث العثماني ببدايات التشكّل السعودي الحديث. وانعكست هذه التحوّلات بوضوح في كتاباتها، مما يمنح مدوّناتها قيمة وثائقية ومعرفية تُسهم في فهم السياق الحضاري لتلك الفترة، وتُعدّ مصدرًا مهمًا للتحليل النقدي والدراسة المقارنة.

المبحث الثاني: نشأة كوبولد واعتناقها الإسلام والدوافع الدينية والثقافية وراء رحلتها للحج
1. الميلاد والنشأة والتكوين الثقافي: وُلدت إيفلين كوبولد في مدينة إدنبرة، عاصمة اسكتلندا، عام1867م خلال العصر الفيكتوري، لأسرة أرستقراطية عريقة. فمن جهة والدتها، تنحدر من نسل اللورد ليستر (Leicester) الذي تزوّج إحدى ملكات إنجلترا، أما والدها فهو إيرل دونمور السابع (Seventh Earl of Dunmore)، أحد النبلاء الإنجليز المعروفين بكثرة أسفارهم، وقد زار العديد من البلدان مثل الصين وكندا وشمال إفريقيا. وكانت والدتها وصيفةً للملكة فيكتوريا. نشأت كوبولد في بيئةٍ مُفعمة بحب السفر والترحال، حيث رافقت والديها في زياراتهم المتكرّرة إلى الشرق، وأمضت جزءًا من طفولتها بين الجزائر والقاهرة. وقد تركت هذه النشأة الشرقية أثرًا عميقًا في تكوينها الثقافي والديني، وأسهمت في تشكُّل رؤيتها الإيجابية تجاه الإسلام[3].
تزوّجت عام1891م من رجل الأعمال الإنجليزي جون دوبيز كوبولد (John Dupuis Cobbold)، وأقامت في حي اللوق بالقاهرة، وأنجبت ثلاثة أطفال لوحة رقم1. وفي عام1911م، خاضت تجربة السفر إلى الصحراء الليبية، ودوّنت مشاهداتها في كتابها «المسافرون في الصحراء الليبيةR (Warfare in the Libyan Desert) خلال هذه الفترة، بدأت تقترب تدريجيًا من الإسلام، حتى أعلنت إسلامها رسميًا عام1920م، وهو القرار الذي أدى إلى قطيعة مع أسرتها وانفصالها عن زوجها في عام1922م[4]. تُوفيت إيفلين كوبولد عام1963م عن عمر ناهز95عامًا، ودُفنت وفق الشريعة الإسلاميّة كما أوصت في اتجاه القبلة، في تلة بإقليم ويستروس في اسْكُتْلَنْدَا. وقد أوصت أن تُتلى سورة النور أثناء مراسم الدفن، وزُيّن قبرها بآية من نفس السورة Nاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌM النور: 35 في تعبير صادق عن ارتباطها الروحي العميق بالإسلام[5]. لوحة رقم2

لوحة رقم1 صورة لإيفلين كوبولد مع زوجها وأحد أطفالها. المصدر،
https://www.bbc.com/news/uk-scotland-highlands-islands-61759796, Accessed in 12 March 2025
لوحة رقم2 صورة لإيفلين كوبولد في آخر حياتها، وقبرها في اسْكُتْلَنْدَا. المصدر، علي عرفة عبده، أوربيون في الحرمين الشريفين، القاهرة: عالم الكتب، 2014م، ط1، ص189.

2. اعتناقها الإسلام: سردت إيفلين كوبولد في مذكراتها تفاصيل رحلتها الإيمانية وظروف تعرفها على الإسلام، مشيرة إلى أن أول اتصال حقيقي لها بهذا الدين كان خلال فترة إقامتها مع والدتها في الجزائر. فقد انتقلتا إلى هناك بناءً على نصيحة الأطباء الذين أوصوا بتغيير المناخ لتحسين حالتها الصحية. وأقامتا في قصر كبير، كان جميع العاملين فيه من الجزائريين المسلمين، الذين اعتادوا أداء صلواتهم في مسجد قريب يُعرف باسم «مسجد سيدي عبد الرحمن»[6] لوحة رقم3، 4. وكانوا يصطحبون معهم بعض الأطفال ومنهم إيفلين التي تأثّرت بعمق بأخلاق المسلمين وسلوكهم اليومي، لا سيّما الصفات التي لفتت انتباهها منذ طفولتها مثل الأمانة، والعِفّة، والتراحم، والصدق. وقد أدركت أن هذه السجايا النبيلة مستمدة من تعاليم الدين الإسلامي الذي يعتنقونه، ما دفعها إلى التطلّع إلى معرفة هذا الدين عن قرب. ومع مرور الوقت، اكتسبت كوبولد قدرًا من مفردات اللغة العربية باللهجة الجزائرية، مكّنها من التواصل مع المسلمين المحليين بشكل مباشر، ما عزّز من رغبتها في التعمق في دراسة اللغة العربية الفصحى. وبالفعل، وُفّقت في تعلُّمها، وشرعت في حفظ العديد من سور القرآن الكريم، مدفوعة بشغفها المُتزايد لفهم النصوص المقدسة بلغتها الأصلية. كما بدأت تتعرّف تدريجيًا على أحكام الإسلام وآدابه، وشرعت في ممارسة العبادات الإسلاميّة بصورة فعلية، بما يعكس انتقالها من مرحلة الإعجاب إلى مرحلة الالتزام الديني الواعي.

لوحة رقم 3 المسقط الأفقي لمسجد سيدي عبد الرحمن بقصبة الجزائر.
لوحة رقم 4 صورة أرشيفية لمسجد سيدي عبد الرحمن بقصبة الجزائر.
المصدر، الموقع الرسمي لجائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد
https://mosqpedia.org/masajid/sidi-abderrahmane-mosque/

كما تحوّلت مشاعرها تدريجيًّا إلى مناصرة الشعوب الإسلاميّة والتعاطف مع قضاياهم، حيث بدأت ترى في الإسلام ليس مجرد معتقد ديني، بل منظومة أخلاقية وإنسانية تُعبّر عن وجدان الشعوب التي انتمت إليها وجدانيًا وروحيًا. وقد تعزّز إيمانها هذا بعد زيارتها لروما ولقائها بالبابا، حيث سألها عمّا إذا كانت كاثوليكية، فأجابت بكل وضوح: «أنا مسلمة». وتذكر إيفلين في مذكراتها تعليقًا على هذا الموقف: «أصبحت لا شعوريًا مسلمةً بقلبي»، وهو التعبير الذي يُبرز التحوّل التدريجي والعميق في قناعاتها الدينية، وقد أعلنت إيفلين إسلامها رسميًا عام1920م[7]، واختارت لنفسها اسمًا عربيًا هو «زينب»، وهو الاسم الذي اعتزّت به، واشتُهرت به بين صديقاتها والمحيطين بها؛ ولذلك سيُشار إليها في هذه الدراسة باسمها الإسلامي الجديد: زينب كوبولد، اتساقًا مع الهوية التي اختارتها لنفسها وأكّدتها في رحلتها للحج وكتاباتها اللاحقة. لوحة رقم5
وتُفصّل زينب كوبولد في كتابها الشهير(Pilgrimage to Mecca)، والذي تُرجم إلى العربية بعنوان «البحث عن الله» بعضًا من الأسباب التي دفعتها إلى اعتناق الإسلام، فتقول في مذكّراتها: «كثيرًا ما سُئلت: متى ولماذا أسلمت؟ وأستطيع الإجابة بأنّني لا يُمكنني تحديد اللحظة الحاسمة التي أشرق فيها نور هذا اليقين على قلبي. ويبدو أنني كنت مُسلمةً منذ البداية، ولا عجب في ذلك؛ إذ علمنا أن الإسلام دين الفِطرة، يشبُّ عليه الطفل إذا تُرك على فِطرته». وتُعرب زينب عن إعجابها العميق بجوهر العقيدة الإسلاميّة، وتُبرز بساطتها ووضوحها العقلي، وتُضيف قائلةً: «وقد صدق أحد علماء الغرب إذ يقول: الإسلام دين العقل والفِطنة. فالإسلام يقوم على دعامتين: أولاهما وحدانية الله، وثانيتهما الأخوّة الشاملة بين البشر. وليس فيه شيء من العقائد اللاهوتية المُعقّدة الثقيلة، وفي مقدّمة كل مميزاته أنّه عقيدةٌ إيجابية دافعة».

لوحة رقم 5 كتاب كوبولد الشهير Pilgrimage to Mecca، وعلى الغلاف اسم «زينب» الذي اختارته بعد إسلامها.

وتُكمل زينب كوبولد في مذكّراتها وصف تجربتها الروحية التي قادتها إلى الإسلام بقولها: «كلما زادت دراساتي وقراءتي عن الإسلام زاد يقيني في تميُّزه عن الأديان الأخرى، بأنّه أكثرها مُلائمةً للحياة العملية وأقدرها على حل مشكلات العالم العديدة والمُعضلة، وعلى أنْ يسلك بالبشرية سُبل السعادة والسلام»، وقد أدّى هذا الإيمان التدريجي إلى ترسيخ قناعتها بوحدانية الله، وبرسالة الأنبياء جميعًا، كما أوضحت قائلة: «ولهذا لم أتردّد في الإيمان بأنّ الله واحد، وبأنّ موسى وعيسى ومحمد –عليهم صلوات الله– ومن سبقهم كانوا أنبياء أوحي إليهم من ربهم، لكل أمة رسول. وبأنّنا لم نولد في الخطيئة، وبأننا لا نحتاج إلى من يحمل عنّا خطايانا أو يتوسّط بيننا وبين الله، وفي وسعنا أن نصل لأرواحنا في أي وقت نشاء، وبأنّه حتى محمد أو عيسى لا يملك أحدهما لنا من الله شيئًا، وبأنّ نجاتنا إنما هي وقف على سلوكنا وأعمالنا»، وترى زينب أن من أبرز خصائص الإسلام التي شدّتها إليه بساطة عقيدته، وعمق شعائره، ووضوح منظومته الأخلاقية والتشريعية، وهي أمور ساعدت في سرعة انتشاره وقوته وقبوله بين الأمم. وكان تعلقها بالقرآن الكريم عميقًا، حيث كتبت عنه قائلةً: «إن الفخامة التي يتّسم بها بيانه، وتنوّع السور المتضمّنة، وروعة مفرداته، تُميّز النصّ القرآني عن غيره من النصوص الدينيّة»[8].

3. الدوافع الدينية والثقافية وراء رحلتها إلى الحج: لا يمكن فهم رحلة زينب كوبولد إلى الحجاز بمعزلٍ عن التحوّلات الفكرية والدينية العميقة التي مرّت بها منذ طفولتها، مرورًا بإسلامها، وانتهاءً برغبتها في استكمال أركان هذا الدين. فقد رأت في الحج تجربةً روحية وإنسانية تتجاوز حدود العبادة الشكلية، لتكون بمثابة تجلٍّ حيّ لمعاني التوحيد والمساواة والانتماء لعالم إسلامي واسع تتوحّد فيه الشعائر والثقافات. ومن هذا المنطلق، عزمت زينب على أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام عام 1351هـ/ 1933م، وهي في الخامسة والستين من عمرها، لتُسجّل بذلك سابقة تاريخية كأول امرأة أوروبية مسلمة تؤدّي مناسك الحج في العصر الحديث. وقد دفعتها إلى هذه الرحلة قناعةٌ إيمانيةٌ راسخة، مقرونة برغبة ثقافية في استكشاف الواقع الحيّ للإسلام في مهده، والاقتراب من قلب العالم الإسلامي، في مكة والمدينة. وقد شَرعت في الترتيب لهذه الرحلة بجدية، فتواصلت مع السفير السعودي في لندن آنذاك، الشيخ حافظ وهبة، وطلبت منه التوسّط لدى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود –رحمه الله– للحصول على إذن خاص لأداء مناسك الحج لوحة رقم6، 7، نظرًا لكونها امرأة أجنبية غير عربية، ولطبيعة القيود التي كانت مفروضة آنذاك على غير المسلمين أو غير العرب من دخول الحجاز.

وكانت الإجراءات الرسمية في تلك الفترة تقضي بأن يبقى الغربي الذي يعتزم إشهار إسلامه في مدينة جدة لمدة عام كامل، تحت المراقبة، للتأكُّد من صدق إيمانه، وذلك من خلال ملاحظة التزامه بأداء الصلوات جماعة، ومدى تطابق سلوكياته اليومية مع تعاليم الإسلام[9]. غير أن حالة زينب كوبولد كانت استثنائية، لما أبدته من التزامٍ ديني واضح وسمعةٍ حسنة بين المسلمين في بريطانيا، فوافق الملك عبد العزيز على طلبها لأداء فريضة الحج. وقد عبّرت كوبولد عن مشاعرها الجياشة عند تلقّيها خبر الموافقة، بقولها في مذكراتها: «اليوم وردت أنباء بأنّه يجوز لي القيام بالحجّ إلى مكة المكرّمة وزيارة المدينة المنوّرة. لقد عشت فترة طويلة في نوباتٍ بديلة من الأمل واليأس، لدرجة أنني بالكاد أستطيع أن أُصدق بأن أمنيتي العظيمة تتحقّق في النهاية».

بدأت زينب كوبولد رحلتها المباركة من العاصمة البريطانية لندن، حيث غادرتها عام 1351هـ/ 1933م مُتجهةً إلى القاهرة، ومن هناك سافرت إلى مدينة بورسعيد، لتستقلّ منها الباخرة الإيطالية المعروفة باسم «مصوع»، والتي أبحرت نحو ميناء جدة في الثالث والعشرين من فبراير من العام ذاته لوحة رقم 8، 9 [10]، ولم تكن هذه الرحلة بالنسبة لكوبولد مجرد انتقال جغرافي لأداء شعيرة دينية، بل مثّلت تجربة وجودية متكاملة، سعت من خلالها إلى التحقّق العميق من إيمانها الجديد، وإعادة بناء علاقتها الروحية بالإسلام من خلال مُعايشة الأماكن المقدّسة، واستشعار المعاني التي طالما قرأت عنها في الكتب والمصادر، كما أولت اهتمامًا خاصًا بتوثيق مشاهدات رحلتها تلك، مُستندةً في ذلك إلى خلفيتها الثقافية والمعرفية، ومُعبّرةً عنها بأسلوب تأمّلي صادق.

لوحة رقم 8 خريطة توضح مدن الحجاز. المصدر،
Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, p.2
لوحة رقم 9 إيفلين كوبولد وفي استقبالها بعض الأمراء. المصدر،
https://www.facebook.com/photo/?fbid=2750769098535543&set=pcb.2750769165202203

لقد حرصت زينب كوبولد على توثيق تجربتها في أداء مناسك الحج بدقةٍ مُتناهية، إذ سجّلت يومياتها وانطباعاتها الشخصية لحظة بلحظة، مبتعدة عن النزعة الاستشراقية التقليدية، وحاملةً في كتاباتها رسالة حضارية تهدف إلى تقديم صورةٍ واقعية ومُنصفة عن سماحة الإسلام إلى القارئ الغربي. وتُعدّ مذكراتها ذات قيمة علمية مُتميّزة، لما تتضمّنه من سماتٍ نادرة، أبرزها: ندرة المصادر النسائية الغربية التي وثّقت رحلات الحج في تلك الفترة المُبكَّرة من القرن العشرين[11]، وحياديتها النِسبية في وصف الشعائر الإسلاميّة ومظاهر الحياة الدينية والاجتماعية في الحرمين الشريفين، فضلًا عن تسجيل التفاصيل المِعمارية للمعالم المختلفة في الحجاز، كما تمثّل هذه المذكرات وثيقةً مرجعية تُسجّل جانبًا مهمًّا من مراحل التأسيس الأولى للمملكة العربية السعودية، في وقتٍ كانت فيه أنظار العالم موجّهة إلى التحوّلات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.

الفصل الثاني: المُشاهدات العُمرانية والحضارية في رحلة زينب كوبولد
المبحث الأول: المُشاهدات العُمرانية والمعمارية: يتناول هذا المبحث تحليل المُشاهدات العُمرانية والمعمارية التي سجّلتها الليدي إيفلين كوبولد خلال زيارتها لمدن الحجاز الرئيسة: جدة، مكة المُكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، أثناء أدائها فريضة الحج عام 1351هـ/ 1933م. ويركّز على السمات الحضرية المميّزة لكل مدينة من حيث التخطيط العمراني، وأنماط العمارة السكنية والدينية، والعلاقات المكانية في النسيج الحضري. وتُعدّ هذه المشاهدات مصدرًا بصريًّا ووثائقيًّا مهمًّا يُسهم في فهم تحوّلات المشهد المعماري في فترة مفصلية من تاريخ المنطقة.

1. مدينة جدة: شكّلت جدة أولى محطات زينب كوبولد في الحجاز بعد رحلة بحرية استغرقت أربعة أيام، وكانت مركز انطلاقها إلى المدينة المنورة، ثم عودتها إليها قبيل توجهها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، لتعود مجددًا إلى جدة بعد إتمام المناسك. وتُعتبر جدة من المدن القديمة التي يرجع زمن بنائها للفرس، وقد تميّزت بموقعها الجغرافي الإستراتيجي على ساحل البحر الأحمر الذي يُمثّل أحد المسالك الرئيسية التي تربط بين أجزاء العالم، فضلاً عن أهميتها كطريق للحج، وقد أكسبها هذا الموقع مكانةً تجارية مُهمة بين الشرق والغرب منذ العصور الوسطى، لتُصبح بوابة رئيسية إلى الأراضي المقدسة. ويُعدّ ميناء جدة أكبر موانئ الحجاز على ساحل البحر الأحمر، ولم يقتصر دوره على كونه الميناء التجاري لمكة المكرمة فحسب، بل كان المرفأ الرئيسي للمنطقة بأسرها. وبفضل موقعه الجغرافي المميّز، غدا نقطة التقاء للعديد من الطرق الملاحية البحرية، مما ربطه بمراكز تجارية كبرى وأكسبه أهمية استراتيجية بارزة، ومن أبرز تلك الموانئ التي ارتبطت بجدة: الموانئ المصرية على البحر الأحمر، وموانئ الساحل الشرقي لأفريقيا، إضافة إلى موانئ الهند والصين، وغيرها من المراكز التجارية المهمة لوحة رقم10. ويُذكر أن أوّل من جعل جدة ساحلًا لمكة المكرمة هو الخليفة عثمان بن عفان[12]. وقد كان في استقبال زينب عند وصولها إلى جدة المُستشرق الإنجليزي المُسلم الشهير جون فيلبي John Philly 1885-1960م، المعروف بعد إسلامه باسم الشيخ عبد الله[13]، والذي وصفته بعلاقته الوطيدة والوثيقة بالملك عبد العزيز بن سعود. لوحة رقم11

لوحة رقم 10 خريطة توضح موقع مدينة جدة. المصدر،
Maged Attia, Sustainability Features of Jeddah Traditional Housing.2022. 10.5772/intechopen.98735, figure. 1
لوحة رقم 11 صورة شخصية للمُستشرق جون فيلبي. المصدر، المصدر، الموقع الرسمي لمكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض

وتُسجّل زينب انطباعاتها عن المدينة وعمارتها، فتصفها بأنّها «بلدةٌ بيضاء»، في إشارة إلى استخدام مادة النورة البيضاء التي تكتسي بها عمائرها والتي تتميّز بلونها الأبيض الناصع[14]. كما تصفها بأنّها موقعٌ حصين تحيط به أسوار مرتفعة من ثلاث جهات، وتتميّز بشوارعها الضيقة. ويبدو أن لمناخ جدّة تأثيرًا بالغًا في تشكيل نسيجها العمراني وتكوينها المعماري؛ إذ تُظهر المدينة تلاصقًا واضحًا بين المباني وتجمُّعًا في نمط عمراني متكامل، يتداخل مع شبكة طرق ضيّقة ومتعرّجة. ويُلاحظ أيضًا التفاوت في ارتفاعات أجزاء المبنى الواحد، وهو ما يُعزى إلى محاولات تقليل تأثير أشعة الشمس المباشرة، وكذلك التخفيف من سرعات الرياح وتأثيرات التيارات الهوائية[15]. لوحة رقم 12، 13

لوحة رقم 12 منظر عام لواجهة أحد بيوت جدة بلونها الأبيض ونوافذها الكبيرة. المصدر، وزارة الشؤون البلدية، الرؤية العمرانية الشاملة لمحافظة جدة، الرياض، 1440م، ص14.
لوحة رقم 13 منظر عام لشوارع وأزقة جدة الضيقة. المصدر، وزارة الشؤون البلدية والقروية، الرؤية العمرانية الشاملة لمحافظة جده، الرياض، ص57، 71.

بيوت جدة التراثية: نزلت ذينب في منزل آل فيلبي، المعروف بـ«بيت البغدادي»، والذي يقع مقابل رصيف ميناء جدة. ويُعد هذا المنزل من أقدم وأشهر المنازل في جدة التاريخية، وكان يُقيم فيه المستشرق الإنجليزي جون فيلبي John Phillby. وقد أصبح هذا البيت لاحقًا أول مبنى يُستخدم كمقر لمكاتب شركة أرامكو، وتُبدي إيفلين إعجابها بالعمارة التقليدية لبيوت جدة، مشيدة بتصاميمها الجذابة وواجهاتها الحجرية المميّزة، مُشيرة إلى أن مواد البناء المستخدمة فيها مستخرجة من المحاجر. ومن اللافت أن جميع المنازل التقليدية في مدينة جدة القديمة استُخدم في بنائها نفس نوع الحجارة، وهو ما يُعزى إلى التكوينات الجيولوجية للمنطقة؛ إذ أصبحت الأحجار الجيرية تمثل مادة البناء الأساسية .لوحة رقم14

لوحة رقم14 بيت البغدادي بجدة تصوير إيفلين كوبولد. المصدر،
Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, P.8.

كما أبدت إعجابها بالأبواب والشرفات لهذه البيوت والمنحوتة بطريقةٍ فنية بديعة من خشب الساج المستورد من جزيرة جاوة. وقد تميّزت عمارة بيوت مدينة جدة بطابعٍ خاص يُجسّد السمات المُميّزة للعمارة الإسلاميّة، مع إضافات فنية ابتكرها المعماريون المحليون لّتناسب طبيعة المناخ في المدينة، وأسلوب الحياة المستند إلى المفاهيم والعلاقات الإسلاميّة. ويتوافق وصف زينب كوبولد لبيوت جدة مع ما ورد في كتابات المؤرخين العرب ورحلات المستشرقين الغربيين[16].
وقد أجمع المؤرخون والرحالة على أن بيوت جدة تتسم بفخامة التصميم وتعدد الطوابق، إذ غالبًا ما تتكون من طابقين أو ثلاثة، شُيّدت باستخدام كتل حجرية متماسكة، وبرزت فيها عناصر الزخرفة المتقنة، إلى جانب الاستخدام الواسع للخشب[17]. كما زُيّنت هذه المباني بالمشربيات والرواشين، وهي عناصر معمارية شائعة في العمارة الإسلاميّة، وُجدت في مصر وبلاد الشام وتركيا وغيرها، غير أن رواشين جدة تميّزت بارتفاعها اللافت وضخامتها. وقد أدّت هذه العناصر أدوارًا دينية، اجتماعية، وبيئية مُتعدّدة[18]. ويعكس هذا الثراء في التفاصيل الزخرفية والحجم المعماري لبيوت جدة المستوى الاقتصادي المرتفع لمالكي هذه الدور، الذين كانوا في الغالب من كبار التجار، وهو ما يُبرز الدور المِحوري لمدينة جدة كميناءٍ ومركزٍ تجاري حيوي في المنطقة.

رغم تفاوت منازل جدة التقليدية في الموقع والمساحة وعدد الطوابق، إلا أنها تشترك في التكوين الداخلي، حيث حافظت على العناصر الأساسية للمنزل، مثل دهليز المدخل، وكتلة السلم، وغرف الاستقبال والمجالس، وغرف النوم، إلى جانب المرافق الصحية[19] التي تصفها زينب كوبولد بأنها مُقبّبة بقباب حجرية مستديرة، نُحتت بدقة وفق طرازٍ عربي فريد، وتتميّز بوجود فتحات للتهوية، وأرضيات رخامية، وثقوب عميقة لتصريف المياه، بالإضافة إلى أماكن مُخصّصة لقضاء الحاجة. وتُشير كوبولد في وصفها لبيت البغدادي إلى وجود فناء يتوسطه، تُحيط به غرف متعددة، ويتضمّن بئرًا في مركزه، تحفّ به الأشجار والزهور، وهو نمط شائع في بعض منازل جدة التقليدية. وتُحدَّد الفروقات بين المنازل الكبيرة والصغيرة أساسًا بعدد وحدات الضيافة والإعاشة والمرافق الخدمية، مع بقاء التكوين الداخلي الأساسي مُتشابهًا رغم اختلاف المساحات والأنماط. واتّسمت البيوت التقليدية في جدة بتنظيم داخلي دقيق يعكس تقسيمًا وظيفيًا واضحًا بين السلاملك والحرملك. وقد خُصص الطابق الأرضي للاستقبال، بينما استُخدم الطابق الأول كمضيف للزوار، في حين شُغلت الطوابق العلوية الثاني والثالث لسكن الأسرة. أما السطح، فكان بمثابة فضاء مفتوح متعدد الاستخدامات بديلاً عن الفناء المكشوف الذي يُميّز العمارة الإسلاميّة التقليدية. وتصف زينب سطح بيت البغدادي بأنّه يحتوي على شرفات خشبية صُممت للاستظلال من أشعة الشمس وللاستمتاع بإطلالة مباشرة على البحر. كما تُشير صورها التي التقطتها إلى تباينات واضحة في بروز المشربيات والرواشين على الواجهة، وهو ما يُعد معالجةً معمارية ذكية تراعي الظروف المناخية، حيث يتيح هذا التدرُّج في البروزات التقاط تيارات الهواء المارة عبر الأزقة الضيقة، وتحقيق الظل والتبريد الطبيعي داخل البيت[20] لوحة رقم15، 16.

لوحة رقم15 تخطيط عام لأحد بيوت جدة القديمة. المصدر،
Attia, Maged. Sustainability Features of Jeddah Traditional Housing, 2022, 10.5772/intechopen.98735, figure. 9
لوحة رقم16 صورة أرشيفية لبيت البغدادي بجدة. المصدر،
https://time.graphics/de/event/2079978, Accessed in 12 March 2025

وتُشير كوبولد إلى نمط معماري بدائي انتشر على الطريق بين جدة والمدينة المنوَّرة، يتمثَّل في هياكل من الحصير تُشبه الأكواخ الخشبية المرفوعة على أعمدة، وهي مساكن بسيطة استخدمها رعاة سهل تهامة. ويتفق هذا الوصف مع ما أورده عدد من الرحالة والمُستشرقين، الذين أشاروا إلى أن ضواحي جدة كانت تكتظ بالخيام، وتنتشر فيها الأكواخ التي تأوي الفئات الفقيرة من البدو الذين يعيشون على رعي الكلأ في الصحاري الواسعة المحيطة بالمدينة. وقد أشار الرحّالة الفرنسي تاميسيه M.O. Tamisier، الذي زار جدة عام 1250هـ/ 1854م، إلى انتشار عدد كبير من الأكواخ حول سور المدينة. وقد وصفها بأنّها هياكل بسيطة تتكون من إطار خشبي سميك تُغطى جوانبه بالقنّب، بينما يتَّخِذ سقفها شكل هرم رباعي مكسوّ بالخيش الثقيل أو الحصير، بحسب الإمكانيات المادية لأصحابها. ويدعم هذا الوصف ما ورد في دائرة المعارف البريطانية، التي أفادت بأنّ الضواحي الخارجية لجدة كانت تضم أكواخًا مشيّدة من جذوع النخيل وسعفه[21].
سوق جدة: قدّمت زينب كوبولد وصفًا تفصيليًا لسوق جدة، مُشيرة إلى أنّه كان عبارة عن ممر مسقوف تصطف على جانبيه الحوانيت التجارية، حيث يختص كل حانوت بعرض نوع معين من السلع. وأبرزت تنوّع البضائع المعروضة، لا سيما التوابل ذات الروائح النفّاذة، والقهوة العربية المُميَّزة، واللؤلؤ المستورد من جزيرة البحرين وغيرها من السلع المستوردة، مِما يعكس الدور التجاري المِحوري لجدة كميناءٍ رئيسي على ساحل البحر الأحمر. كما أشارت إلى أن هذه الحوانيت كانت مُغطاة بسعف النخيل، لتوفير الظل لزوار السوق من الحجاج وسكان المدينة. لوحة رقم17، 18

لوحة رقم 17 منظر عام لسوق جدة كما بعدسة زينب كوبولد. المصدر
،Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, p.12
لوحة رقم 18 صورة أرشيفية لسوق جدة قديمًا. المصدر،
https://vid.alarabiya.net/images/2017/10/02/97b091e3-4747-4928-972d-d4da92996338/97b091e3-4747-4928-972d-d4da92996338.jpg, Accessed in 12 March 2025

في الطريق بين جدة والمدينة المنورة: انطلقت كوبولد لزيارة المدينة المنورة، ورصدت عددًا من المُشاهدات المِعمارية التي صادفتها على طول الطريق، وهي تتتشابه مع نفس المعالم التي ستشهدها في مسارها القادم من جدة إلى مكة المكرمة من حيث الطابع البنائي والمعالم العمرانية المصاحبة للطريق، ومنها:
أ. الخانات والمقاهي على طول الطريق: شهدت الطرق الرابطة بين مدن الحجاز، كطريق جدة –المدينة المنورة وطريق جدة– مكة المكرمة، انتشارًا ملحوظًا للمقاهي والخانات، التي مثّلت محطات استراحة أساسية للمسافرين والحجَّاج. وقد لعبت هذه المنشآت دورًا حيويًا في التخفيف من مشقة السفر، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية والتقلّبات الجوية كالحرارة الشديدة، التي كانت تؤدّي أحيانًا إلى هلاك الإبل والحجاج. واختيرت مواقع هذه المقاهي بعناية قرب مصادر المياه، وكانت تحتوي على أماكن مُخصّصة للمَبيت. وتصف زينب كوبولد هذه المقاهي بأنّها بسيطة للغاية، أشبه بـ«السقائف» أو «العشش العمومية»، وتُعرف محليًا باسم «قهاوي». وقد وافقها عدد من الرحالة الغربيين في وصفها، مشيرين إلى تواضعها المعماري، إذ تتكوّن من هياكل خفيفة بأثاث بسيط من الخوص، تُستخدم كمقاعد للمسافرين بغرض الراحة والاستظلال[22]. وبالإضافة إلى تقديم المأكولات والمشروبات، كانت هذه المقاهي تضم مرافق مُخصّصة لمبيت الحجاج، وتوفّر مأوى لوسائل تنقلهم، لا سيما لمن يستخدمون الحمير، الخيول، أو الإبل[23]. وقد أشار إليها العديد من الرحالة والمستشرقين في كتاباتهم، من بينهم العياشي الذي ذكرها في أكثر من موضع، قائلاً: «بين مكة وجدة... قهاوي ينزل المارّون في كل قهوة فيستريحون»[24].
ب. الحصون التركية: أشارت زينب كوبولد بشكل سريع إلى بقايا حصون عثمانية على طريقي جدة–المدينة المنورة وجدة–مكة المكرمة، في إشارة إلى العناية التي أولتها الدولة العثمانية لحماية المُقدّسات الإسلاميّة وتأمين طرق الحج. وقد تجلّى هذا الاهتمام في بناء الحصون والقلاع على امتداد طرق الحجيج، لتعمل كمحطات استراحة للقوافل، وكخانات لتخزين المؤن والمياه اللازمة خلال الرحلة[25]. احتلّ الحجاز مكانة متميزة في السياسة العثمانية، نظرًا لما يُمثله من رمزية دينية عظمى. وقد حرص السلاطين العثمانيون على إظهار احترامهم وتقديرهم لأشراف مكة، لانتسابهم إلى آل البيت، وارتبطوا معهم بعلاقات ودّية منذ بدايات الدولة، حرصًا على ترسيخ شرعيتهم الدينية ورعايتهم للمُقدّسات الإسلاميّة[26]. وقد لعبت الحصون والقلاع العثمانية دورًا استراتيجيًّا في تأمين طرق الحجاج، حيث شكّلت نقاطًا عسكرية لمواجهة غارات القبائل[27]، ولا سيما من بعض أفراد قبيلة حرب، الذين يقومون على السلب والنهب واعتادوا مهاجمة قوافل الحجيج والتجار بين مكة والمدينة[28]. وقد عزّزت الدولة العثمانية هذه المنشآت بقوات للحراسة، ضمن منظومة أمنية مترابطة هدفت إلى تأمين خط الحج ومكافحة التهديدات الخارجية من خلال توفير نقاط للتموين، ونقل الأخبار، وحشد القوات عند الحاجة[29]، وتُشير كوبولد إلى أن عهد الملك عبد العزيز مثّل نقطة تحوّل، حيث تم القضاء على ظاهرة قطع الطرق، مما أفقد تلك القبائل أحد أبرز مصادرها الاقتصادية، وأرهبها من عواقب انتهاك النظام الجديد.
وقد أولى السلاطين العثمانيون اهتمامًا خاصًا بالطريق السلطاني الرابط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، نظرًا لمكانته الدينية والتاريخية. وقد وصفه بوركهارت بأنه من أهم الطرق في الحجاز، حيث يُعدّ المسار الوحيد الذي تسلكه القوافل المتجهة من مكة أو ينبع إلى المدينة. ويظهر اهتمام الدولة العثمانية بتعزيز هذا الطريق من خلال بناء القلاع ومحطات الحراسة في مواقع استراتيجية، بما يتناسب مع الحاجة إلى تأمين الطريق. وفقًا للوثائق التاريخية، تم اختيار هذه المواقع بعناية، بما في ذلك القلاع التي بُنيت بجوار آبار المياه[30]. وتتسم هذه القلاع بتخطيط معماري متشابه يتضمن فناء مكشوفًا تحيط به حجرات أو إيوانات، بينما تدعم جدرانها الخارجية أبراج دائرية أو مربعة[31]. لوحة رقم19


لوحة رقم 19 أ خريطة أرشيفية للطريق السلطاني بين مكة والمدينة. المصدر، المجموعة الوثائق التاريخيه رقم السجل 41419 بدارة الملك عبدالعزيز بالرياض ب رسم تخطيط لقلعة الجُدَيِّدة ج رسم تخطيط لقلعة حَمْرَا. المصدر، وثيقة رقم 2382 بخصوص تأسيس قلاع على الطريق السلطاني لحمايته من هجوم الأعراب.
ج. مدينة رَابِغ: أشارت كوبولد إلى مدينة رَابِغ باعتبارها أولى المحطات التي توقّفت بها في طريقها من جدة إلى المدينة المنورة. وقد وصفتها بأنها مدينة كبيرة ذات أهمية تاريخية بارزة، وكانت تُعدّ ميناءً بحريًا مهمًا على ساحل البحر الأحمر. وبيّنت في وصفها أن رابغ أدّت دورًا حيويًا في الربط بين الساحل والحجاز الداخلي، مِما أكسبها مكانة استراتيجية في مسارات الحجيج والتجارة على حد سواء. وأشارت إلى أنها حلّت محل جدة خلال حرب الحجاز لتصبح ميناءً مؤقتًا لاستقبال الحجاج والقوافل التجارية. وتقع المدينة على مسافة ميلين من البحر الأحمر، مِما عزّز من دورها الملاحي والتجاري في تلك الفترة. كما وصفت كوبولد عمارة المدينة بأنّها تتكوّن من بيوت مبنية من الطوب اللبن، وهو ما يعكس خصائص العمارة التقليدية في الجزيرة العربية، حيث تغلب عليها البساطة والاعتماد على المواد المحلّية. ولفتت إلى أن الأبنية تتوزّع في نسيج عمراني غير منتظم، ما يعكس طبيعة النمو العضوي للمدينة. وتتفق ملاحظاتها مع ما ورد في المصادر التاريخية وكتابات الرحالة الآخرين، التي تؤكّد أن رابغ كانت إحدى البلدات الساحلية المهمة الواقعة بين جدة وينبع[32]، وتتميّز مدينة رابغ بموقع استراتيجي مهم؛ إذ تشكّل نقطة التقاء لطريقي القوافل الرئيسيين القادمين من المدينة المنورة، وهما الطريق الفرعي والطريق السلطاني. وقد أكسبها هذا الموقع مكانة متميزة على الطريق الساحلي الرابط بين الحرمين الشريفين، مما جعلها محطة مفضلة للمسافرين والحجاج للتوقف والراحة، سواء من حيث قربها من الساحل أو من حيث توفر الموارد والخدمات الأساسية التي تُلبي احتياجات القوافل في رحلاتهم الطويلة[33] لوحة رقم20، وقد انعكست الأهمية الاستراتيجية لمدينة رابغ على ازدهار حركتها التجارية، وبرز ذلك في انتشار الأسواق التقليدية فيها، والتي وصفتها زينب كوبولد بأنها تُشبه إلى حدٍّ كبير سوق جدة القديم، من حيث تكوينها المعماري وطبيعتها الوظيفية. فقد أشارت إلى أن سوق رابغ يتألف من مجموعة من الأكشاك ذات واجهات مفتوحة، بُنيت جدرانها من الطين، وسُقِفت بسعف النخيل والقش، ما يعكس بساطة العمارة التقليدية في المنطقة. كما تضم هذه الأكشاك أماكن مُخصَّصة لجلوس الحجاج للراحة أو الاستلقاء، وغالبًا ما تكون تلك الأماكن مؤثثة بأرائك بسيطة. وتطرقت كوبولد إلى طبيعة السلع المعروضة فيه، وكان أغلبها من السلع الغذائية، مثل التمر المطحون، والأرز، والسمن، إضافة إلى الأسماك التي تُشكّل مصدرًا غذائيًا رئيسيًا في المنطقة، نظرًا لتوفرها بكمياتٍ كبيرة من البحر الأحمر، إلى جانب أصناف أخرى من السلع المحلية[34]. لوحة رقم21

لوحة رقم 20 خريطة توضح مدن الحجاز الرئيسية موضح عليها مدينة رابغ على البحر الأحمر. المصدر، سامي عبد الله المغلوث، أطلس الحج والعمرة: تاريخًا وفقهًا، الرياض: مكتبة العبيكان، 1431هـ، ص23.
لوحة رقم 21 منظر عام لأحد بيوت رابغ الطينية، والسوق القديم ويظهر الإهمال الشديد. المصدر،
https://x.com/honey__991/status/770717514129108992/photo/3, Accessed in 12 March 2025 .


د. منطقة المُسَيْجِيد: تُعدّ منطقة المُسَيْجِيد من المحطات المهمة التي ذكرتها زينب كوبولد خلال رحلتها إلى المدينة المنورة، حيث أشارت إليها بوصفها المحطة الأخيرة على الطريق الرابط بين جدة والمدينة، إلا أنها لم تُفصل في وصف معالمها. وتُعدّ المُسَيْجِيد منطقة عامرة تقع ضمن وادي الصفراء، وتتبع إداريًا لإمارة المدينة المنورة. وتُمثّل المرحلة العاشرة في نظام القوافل القديم بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتكمن أهميتها في كونها نقطة التقاء لمُجمل الطرق التي تتفرّع من منطقة مستورة. تبعد المُسَيْجِيد عن المدينة المنورة نحو 80 كيلومترًا، وكانت تُعرف قديمًا باسم «المنصرف»، وقد سكنها الحَجلة من قبيلة حرب. ويُعزى أصل تسميتها إلى «المسييد»، وهو تصغير لكلمة «مسيد» التي تعني «مسجد» في لهجة أهل المنطقة، ويُعتبر هذا الإبدال من الظواهر المعروفة في لغة العرب. وقد ارتبط اسم المنطقة بوجود مسجد صغير يُنسب إلى النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ما أضفى عليها مكانة دينية خاصة ضمن الطريق التاريخي للحج[35].

2. المدينة المنورة: تصل كوبولد إلى المدينة المنورة وتبدأ وصفها من باب العنبرية، الواقع في الجهة الجنوبية الغربية للمسجد النبوي الشريف قرب مسجد العنبرية، والذي يُعدّ المدخل الرئيس للقادمين من ميناءي جدة وينبع. يؤدّي الباب إلى منطقة الحرَّة ووادي العقيق، وكان يُستخدم مع الباب المصري لعبور الحجاج. وتتنوّع الروايات حول تسميته، فقد تُنسب إلى وفرة نخيل العنبر، أو إلى شخص يُدعى عنبر، أو إلى عطر العنبر الذي يُشبه لون حجارة الباب السوداء. شُيّد الباب ضمن السور الثاني للمدينة بعد عام1220هـ، في عهد السلطان العثماني محمود خان الثاني. وقد جدّد الباب السلطان عبد الحميد عام1305هـ، ووسّع السور من جهته، فاشتهر حينها بـ«الباب الحميدي». لاحقًا، أدخل السلطان رشاد، آخر سلاطين الدولة العثمانية، بعض الإصلاحات عليه، فحمل اسم «الباب الرشادي». وظل الباب قائمًا حتى أُزيل ضمن مشروع إزالة سور المدينة الذي بدأ نحو عام 1370هـ[36] لوحة رقم22، وامتاز باب العنبرية بفخامته واتساعه مقارنةً بغيره من أبواب المدينة. وتُشير كوبولد إلى أن مآذن المسجد النبوي تظهر منه بوضوح، ما يبعث البهجة في نفوس زوّار المدينة المنورة من عشّاق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، عند رؤيتهم لهذا الباب. كما تذكر دعم المدينة بسور دفاعي يدعمه عدد من الأبراج الدائرية، أُنشئ لتأمين الأماكن المقدّسة. وتاريخ تحصين المدينة يعود إلى غزوة الأحزاب وحفر الخندق، وتواصل عبر العصور، حتى عام 946هـ حين أمر السلطان العثماني سليمان القانوني ببناء سور من الحجارة والجص يضم ثمانية أبواب هي: الباب المصري، الشامي، قباء، بصري، المجيدي، الجمعة، الصغير، والعنبرية. وقد أُزيل معظم أجزاء هذا السور في عهد الدولة السعودية، مع استتباب الأمن وانتفاء الحاجة إلى التحصين ضد غارات البادية التي انقطعت بظهور الدولة السعودية الحديثة[37]، وأشادت كوبولد بجمال المدينة المنورة، ووصفتها بالمدينة المُحصّنة بأسوارها ومآذنها العالية، وتُظلّلها الحدائق وبساتين النخيل، في إطار طبيعي يتكامل مع امتداد الجبال في الأفق. لوحة رقم23



لوحة رقم 22 باب المدينة المسمى العنبرية. المصدر، عدسة المصور: هـ. أ. ميرزا وأولاده. ألبوم «مشاهد من مكة والمدينة».
لوحة رقم 23 صورة بانورامية للمدينة المنورة من جهة الباب الشامي وهي الجهة البحرية للمدينة من فوق جبل سلع. المصدر، عدسة المصور: هـ. أ. ميرزا وأولاده. ألبوم «مشاهد من مكة والمدينة».

أ. وصف بيوت المدينة المنورة: قدّمت زينب كوبولد وصفًا دقيقًا لأحد منازل المدينة المنورة، مبنيًّا بجدران سميكة من الطوب اللّبن والمطلي بالجير الأبيض، وهي بهذا تتشابه في مواد بنائها مع بيوت مدينة رابغ، وتختلف عن بيوت جدة المشيدة بالأحجار الضخمة. كما يختلف في عدد النوافذ؛ إذ خلت تقريبًا من النوافذ، عدا واحدة صغيرة، على خلاف بيوت جدة التي تميّزت بكثرة نوافذها المُزيّنة بالمشربيات والرواشن الخشبية الفاخرة، والتي تعكس ثراء أصحابها من التجّار. ورغم هذا التباين، تشترك جميع هذه المنازل في التزامها بالتقاليد الشرقية وتعاليم الفقه الإسلامي الذي يُراعي الخصوصية والقيم الدينية. وتصف كوبولد تخطيط بيوت المدينة المنورة بأن الدخول إليها يتم عبر ممر مغطّى ينكسر بزاوية قائمة قبل الوصول إلى الفناء الداخلي، وهذا ما يُعرف في العمارة الإسلاميّة بـ«المدخل المنكسر» أو «الباشورة» Bent Entrance، ويهدف إلى تأمين الخصوصية وحماية الداخل من الانكشاف المباشر. ويؤدّي هذا الممر إلى فناءٍ مستطيل محاط بأعمدة، ويفتح على هذا الفناء قاعة صيفية مكشوفة من الجهة الجنوبية تُواجه الشمال، مفروشة بالسجاد والأرائك، وتُستخدم للجلوس في الأوقات الحارة، في حين تقع غرف الاستقبال الشتوية على جانبيها. يتميّز الفناء بأرضيته الرخامية المُزخرفة بتصاميمٍ عربية مُتعدّدة الألوان، ويؤدّي درج ضيّق مزوّد بدرابزين مَطلي إلى سطح المنزل، حيث تنتشر أُصص فخارية خضراء مُزجّجة مزروعة بالأزهار والورود.

ب. وصف المسجد النبوي والقبة الشريفة: تحدّثت كوبولد بشغف عن المسجد النبوي، مُشيرة إلى فضله الكبير، حيث تُعد الصلاة فيه أكثر من ألف صلاة في أي مكان آخر، باستثناء الحرم المكي. وأبرزت بعض النقاط المهمة حول تاريخ المسجد، ومنها أنّه كان صغيرًا وبسيطًا في بداية بنائه في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث كان مشيّدًا من الطوب والتراب، ومسقوفًا بأوراق النخيل، مما يعكس بساطة الإسلام في تلك الفترة[38]. وأشارت كوبولد إلى أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد شارك شخصيًا في بناء المسجد، تأكيدًا على أهمية التعاون وكرامة العمل. كما ذكرت أن الخلفاء الراشدين والسلاطين من بعده قاموا بتوسعة المسجد وتزيينه. ذكرت كوبولد أن المسجد النبوي يضم عددًا كبيرًا من الأعمدة المصنوعة من الحجر الرملي الأحمر، التي استُخرجت من التلال المجاورة. كما تناولت التوسعة المجيدية التي جرت في عهد الخليفة العثماني عبد المجيد الأول 1237-1277هـ/ 1823-1861م، والتي تُعدّ من أبرز وأضخم التجديدات التي شهدها المسجد النبوي الشريف خلال العهد العثماني وما قبله. شملت هذه التوسعة المسجد بأكمله، وأدت إلى تغيير في شكله الخارجي ومسقطه الأفقي، باستثناء الحجرة النبوية الشريفة والمحاريب الثلاثة، والمنبر، والمئذنة الرئيسة. كما تم تغطية سقفه بالقبب المصنوعة من ألواح الرصاص. بدأت أعمال التجديد في عام 1265هـ/ 1848م، وانتهت في عام 1277هـ/ 1861م[39]. وقد أثنت كوبولد على المسجد النبوي، مُشيرة إلى احتوائه على خمس مآذن، تتوزع على أركانه كالتالي: المئذنة الرئيسية في الركن الجنوبي الشرقي، السليمانية في الشمالي الشرقي، المجيدية في الشمالي الغربي، ومئذنة باب السلام في الجنوبي الغربي، إضافة إلى مئذنة باب الرحمة الواقعة على الضلع الغربي. وأوضحت أن جميع مآذن المسجد على الطراز العثماني، حيث تمّ تجديدها في هذا العصر، ولها قمم مخروطية على طراز سن القلم الرصاص، باستثناء المئذنة الموجودة بالزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد بجوار القبة الخضراء فهي على طراز القلة المملوكي[40].




لوحة رقم 24 تصوّر لمسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبجواره حجرة السيدة عائشة التي دُفن بها(صلى الله عليه وآله وسلم). المصدر،
مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.
لوحة رقم 25 مسقط أفقي للمسجد النبوي بعد التجديدات العثمانية. المصدر، إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين، ج1، ص448.
لوحة رقم 26 مجسّم المسجد النبوي محفوظ بمتحف طوب قابي سراي تحت رقم11/ 115 يوثق هذه الزيادة المجيدية على المسجد[41]. المصدر، حلمي أيدين، آثار الرسول في جناح الأمانات المقدسة، ترجمة محمد صواش، تركيا: دار النيل، 2004م. ص225.

أثارت كوبولد نقطة بالغة الأهمية، تعكس وعيًا عميقًا بثقافة الإسلام وتعاليمه، وهي موقف الشريعة من تصوير الكائنات الحية لما له من ارتباط بعبادة الأصنام، وهو ما انعكس جليًّا في الزخارف المِعمارية للمسجد النبوي. وقد أشارَت إلى أن الفنان المسلم لجأ إلى الزخارف النباتية كبديل، مما أدى إلى نشوء فن الأرابيسك الذي تطوّر ليُصبح فنًّا إسلاميًا مُميّزًا يتّسم بجمالٍ وتناسقٍ فريد. وأضافت أن هذا الفن أثّر لاحقًا في الفنون الغربية، التي اقتبسته على نطاقٍ واسع. كما لفتت الانتباه إلى الزخارف الكتابية، التي استُخدمت بوفرة في تزيين الأسطح الداخلية والخارجية للعناصر المِعمارية. ومن الأمثلة التي تناولتها، محراب القبلة في المسجد النبوي، لا سيما المحراب المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفّان، والمحراب المجيدي، وكلاهما من الرخام المُطعّم، وقد نُقشت على جدرانهما آيات قرآنية بخط عربي مُزخرف. وأشارت إلى قدرتها على قراءة هذه النقوش، إذ كانت قد تعلّمت اللغة العربية وحفظت عددًا من سور القرآن الكريم.

د. وصف الروضة الشريفة: من أبرز المعالم التي استرعت انتباه زينب كوبولد فور وصولها إلى المدينة المنورة، القبة الخضراء التي تعلو ضريح النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي شبّهتها بزمردة تتلألأ في سماء زرقاء، في وصف شعري يكشف عن انبهارها بجمالها الرمزي. وقد قامت بزيارة الروضة الشريفة وقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث سجّلت مشاعرها بكلمات مؤثرة تكشف عن عمق تأثرها بالمكان وقدسيته، إذ قالت: «لعمري، ليجدنّ المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، روعةً ما يستطيع لها تفسيرًا؛ وهي روعةٌ تملأ النفس اضطرابًا وذهولاً ورجاءً وخوفًا وأملًا، ذلك أنه أمام نبيٍّ مُرسل، ورجلٍ عظيمٍ لم تلد مثله البطون حتى اليوم. إن العظمة تهزّ القلوب وتُثير الأفئدة، فما بالك إذا انتظمت مع النبوّة؟ وما بالك بها وقد راحت تُضحّي بكل شيءٍ في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية»[42]، وأشارت كوبولد إلى أنها لم ترَ من داخل المقصورة سوى ستارة تغطي القبر الشريف، وذكرت أن القبر كان يضم مجموعة ثمينة من الكنوز والمجوهرات التي أهداها الحجاج والملوك تكريمًا للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم). غير أن آخر حاكم عثماني للمدينة قام بنقلها إلى إسطنبول أثناء الحرب، وهو ما أكدّه الرحالة والمؤرخون، ومنهم أوليا جلبي، الذي وصف ما رآه من مقتنيات فاخرة داخل الروضة الشريفة قبل أن تُنقل خلال حصار المدينة المنورة[43]. لوحة رقم27، 28

لوحة رقم 27 مخطط للمسجد النبوي بوحداته وعناصره المختلفة موضح فيه القبر والمقصورة النبوية الشريفة.
لوحة رقم 28 مخطط الروضة الشريفة موضح بها قبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
المصدر، سامي عبد الله المغلوث، أطلس الحج والعمرة، ص247.

هـ. مسجد قُباء: زارت زينب مسجد قباء، وبيّنت أهميته كأول مسجد أُسس في الإسلام، مشيرة إلى توسعته في عهد السلطان العثماني عبد المجيد. ووصفت تنسيقه المعماري وثراءه، ولا سيّما المبنى المفتوح في وسط فناء المسجد، الذي يُشير إلى موضع مبرك ناقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). كما نقلت ما يتداوله أهل المدينة عن فضل الصلاة فيه وأنها تعدل عمرة، وأن الدعاء فيه مستجاب، مؤكّدة مكانته التي وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة: 108)، يقع المسجد في قرية قُباء جنوب غربي المدينة المنورة، والتي أصبحت اليوم أحد أحيائها. ويذكر السمهودي بأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل عند قدومه قباء في دار كلثوم بن الهدم من بني عمرو بن عوف، وأسّس المسجد في مربدٍ له، وشارك في بنائه بنفسه، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي فيه[44]. لوحة رقم29، 30- أ
و. مسجد القبلتين: تطرّقت كوبولد إلى مسجد القبلتين باعتباره من المعالم التاريخية المرتبطة بحادثة تحويل القبلة. يقع المسجد في منازل بني سلمة بطرف الحرة الغربية الشمالية للمدينة المنورة، وقد كان يعرف بمسجد بني سلمة. بُني في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمواد بسيطة كالحجر واللبن وجذوع النخل. وكان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس حتى وقعت حادثة تحويل القبلة أثناء صلاة الظهر في هذا المسجد، فيما كانت أول صلاة إلى الكعبة، بحسب الروايات الصحيحة، صلاة العصر. لوحة رقم29، 30- ب


لوحة رقم 29 مخطط يوضح موقع مسجد قباء والقبتين من المسجد النبوي. المصدر، محمد إلياس، تاريخ المدينة المنورة، ص13.
لوحة رقم 30 أ. منظر عام لمسجد قباء ب. منظر عام لمسجد القبلتين.

ي. البقيع: زارت كوبولد مقبرة بَقيع الغَرْقَدِ، ووصفتها بأشهر مواقع الزيارة الدينية في المدينة المنورة، نظرًا لاحتوائها على قبور عدد من آل البيت والصحابة، من أبرزهم السيدة فاطمة الزهراء، الإمام الحسن، والخليفة عثمان بن عفان. وقد أعربت عن أسفها للحالة المتدهورة للمقبرة، حيث لم يبق من القبور سوى شواهد حجرية متفرقة، وهو ما أكّدته تقارير عدد من الرحالة والمؤرخين الذين وصفوا أوضاع المقبرة بأنها متردّية[45]. يقع بقيع الغرقد شرقي المدينة المنورة، خارج سورها القديم بالقرب من باب الجمعة، وهو محاط بسور من جميع الجهات[46]. تناولت كوبولد مسألة مهمة تتعلق بهدم القباب التي كانت تعلو قبور البقيع، والتي شيّدت خلال العصرين المملوكي والعثماني، ووصفتها بأنها مبانٍ فخمة ذات قباب بيضاء. وقد تم هدم هذه القباب وتسوية القبور بالأرض لاحقًا... ت[47]. لوحة رقم31، 32

لوحة رقم31 صورة أرشيفية لمقبرة البقيع. المصدر، إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين الشريفين، ج1، ص426.
لوحة رقم32 مخطط لمقبرة البقيع، وموقعها من المسجد النبوي. المصدر، محمد إلياس، تاريخ المدينة المنورة، ص14.

م. سكك حديد الحجاز: سلّطت كوبولد الضوء على مشروع سكة حديد الحجاز باعتباره إنجازًا عمرانيًا بالغ الأهمية، مشيرةً إلى دوره الحيوي في تسهيل تنقّل الحجاج بين دمشق والمدينة المنورة، حيث خفّض مدة الرحلة من أكثر من شهر إلى خمسة أيام فقط، وذلك قبل تدمير الخط خلال الحرب العالمية الأولى[48]. أشارت كوبولد إلى أن فكرة مشروع سكة حديد الحجاز نشأت حين خطّط السلطان عبد الحميد الثاني لربط إسطنبول بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد تولّى بنفسه الإشراف عليه. ويذكر في مذكراته أن هذا المشروع كان من أمانيه القديمة، وقد رأى في تنفيذه تحقيقًا لحلم طال انتظاره[49]. أعلن السلطان عبد الحميد الثاني عام 1318هـ/ 1900م عن مشروع سكة حديد الحجاز بهدف تسهيل أداء فريضة الحج، وبدأ التنفيذ من دمشق في العام ذاته. استغرق العمل ثمانية أعوام، واكتمل على أربع مراحل، انتهت بوصول الخط إلى المدينة المنورة عام 1326هـ/ 1908م. ففي25 شعبان 1326هـ/ 22 سبتمبر1908م، وصل أول قطار إلى محطة باب العنبرية[50]، تزامنًا مع إنارة المدينة المنورة بالكهرباء لأول مرة، بما في ذلك المسجد النبوي. استمر الخط في خدمة الحجاج والمسافرين حتى 13 جمادى الآخرة 1336هـ/ 26 مارس 1918م، حين توقف بسبب التخريب الناتج عن الثورة العربية الكبرى وسقوط الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى[51]. لوحة رقم33، 34

لوحة رقم33 خريطة توضح مشروع سكك حديد الحجاز ومحطاته. المصدر،
https://d35fbhjemrkr2a.cloudfront.net/Images/Shop/204/Product/13576/400/51ef774a90104047a17eb0cec320e439.jpg, Accessed in 12 March 2025
لوحة رقم34 واجهة محطة سكك حديد المدينة المنورة. من تصوير الباحث.

3. مكة المكرمة: بدأت كوبولد رحلتها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج انطلاقًا من جدة بعد زيارتها المدينة المنورة. وقد وثّقت بعدستها «باب مكة»، أحد الأبواب الثمانية لسور جدة، والبوابة الشرقية التي يعبر منها الحجاج والمعتمرون. ويتميز الباب بتصميم ثلاثي وبُرجين نصف دائريين، تعلوهما شرافات بسيطة، ولا يزال قائمًا في منطقة جدة التاريخية كأحد أبرز معالمها العمرانية[52]. لوحة رقم 35، 36

لوحة رقم 35 صورة أرشيفية بعدسة زينب كوبولد لباب مكة في سور مدينة جدة. المصدر،
Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, p.12
لوحة رقم 36 صورة حديثة لباب مكة بسور مدينة جدة. المصدر، https://www.qpedia.org/topics/11169.html Accessed in 12 March 2025

وفي طريقها من جدة إلى مكة المكرمة، سجّلت كوبولد ملاحظات معمارية مشابهة لما رصدته بين جدة والمدينة المنورة، كالمقاهي والاستراحات التي تخدم القوافل، وبقايا الحصون العثمانية التي أُقيمت لحماية الحرمين. غير أن أبرز ما توقّفت عنده كان «حد الحرم المكي»، وهو ما يُعرف بأنصاب الحرم، وهي تُحدّد حدود الحرم الذي يطيف بمكة من جميع جوانبها، وهي من قديم الزمان، فيذكر المؤرّخون أن أول من نصب علامات على حدود الحرم هو سيدنا إبرهيم الخليلعليه السلام بإرشاد جبريل تعظيمًا للبيت وتشريفًا، وعلى حدود مكة أعلام منصوبة في كل جهة تدل عليه، عبارة عن علامات مبنية من الحجر ومُجصّصة بالنورة، واستمر اهتمام الخلفاء والسلاطين بها على مر الزمان، وهي ما زالت موجودة إلى اليوم، وقد شاهدت كوبولد هذه النصب الموجودة في طريق جدة والمعروفة بالشميسي المُسمى قديمًا بالحديبية، وهما يقابلان كيلو 19 قبيل مسجد الشميسي للنازل من مكة إلى جدة، وهذان العلمان قديمان يقعان في الطريق القديم لقافلة الجمال[53]، وهما عبارة عن مبنيين يتوّج كلٌّ منهما ثلاث قباب صغيرة. وقد أعيد بناؤهما بأمر من الملك عبد العزيز وفق الهيئة الأصلية، ونُقش عليهما: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى هنا أول حدود الحرم، وضع في عهد الملك عبد العزيز»[54]. وتُظهر صورة كوبولد وجود مبنى بين العلمين، كان يُستخدم كاستراحة ومقر للجنود، وقد أنشأ الملك عبد العزيز في هذا الموقع سبيلًا للماء عام1361هـ. كما تصف مكة بأنها مدينة بلا أسوار، تحيط بها التلال والصحاري المفتوحة، التي تمثّل حاجزًا طبيعيًا يحميها، وفي جمادى الأولى سنة 1376هـ بُني عَلَمان آخران في مقابلة العَلمين القديمين بأمر صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود. لوحة رقم37، 38

لوحة رقم 37 صورة أرشيفية بعدسة كوبولد لحد الحرم المكي. المصدر،
Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, p.126
لوحة رقم 38 صورة حد الحرم المكي والسبيل الذي شيده الملك عبد العزيز. المصدر، سامي عبد الله المغلوث، أطلي الحج والعمرة: تاريخًا وفقهًا، ص247.

أ. وصف بيوت مكة المكرمة: وصفت كوبولد العمارة السكنية في مكة المكرمة انطلاقًا من البيت الذي أقامت فيه، مشيرةً إلى أن المنازل شُيّدت على سفوح التلال المحيطة بالحرم، وتتشابه في تصميمها مع بيوت جدة التقليدية من حيث استخدام الأحجار، والارتفاع، والأبواب الخشبية، والشرفات البارزة. وقد رُوعي في بنائها الطابع العربي المحافظ على التقاليد المحلية، كما هو الحال في جدة والمدينة. وتتكوّن المنازل من طوابق متعددة، تضم غرفًا واسعة ذات نوافذ طويلة تمتد إلى الأرض، وصفتها كوبولد بأنها الأجمل التي رأتها، وتُغطّى بستائر خشبية منقوشة بدقة بخشب الخرط. كما وصفت الحمام العربي المُلحق بغرفتها في الطابق الثاني، والمُصمم بأرضية حجرية وحُفر عميقة، وجرار ماء كبيرة.
أشارت كوبولد إلى «فندق المدينة المنورة» كأول فندق في المدينة والحجاز، وقد أُسس عام 1320هـ على يد السيد عبد الله بن محمد حمزة مدني. عُرف باسم «دار السرور» و«فندق مدني»، وكان يقع في منطقة صيادة خارج باب المجيدي. تألّف المبنى من ثلاثة طوابق، وضم حديقة وبركة ماء و371 غرفة، جُهزت بأثاث فاخر مستورد من تركيا، ليكون مخصصًا لكبار الزوّار ورجال الدولة العثمانية، وقد أقام فيه العديد من الشخصيات البارزة من أنحاء العالم الإسلامي. وقد هُدم الفندق لاحقًا ضمن أعمال توسعة الحرم النبوي. لوحة رقم39

لوحة رقم39 صور أرشيفية لفندق المدينة المنورة. المصدر، إبراهيم رفعت، مرآة الحرمين، ج1، ص425.
https://rattibha.com/thread/1261197099103858688, Accessed in 12 March 2025

ب. المساجد في مكة المكرمة: تناولت كوبولد في وصفها عددًا من مساجد مكة المكرمة، وفي مقدّمتها المسجد الحرام والكعبة المشرّفة. وذكرت أن للحرم أربعين بابًا، دخلت منه عبر باب إبراهيم، الذي وصفته كبوابة ضخمة ذات نحت جميل، تؤدي إلى ممر مقبب يفضي إلى أروقة المسجد، المؤلّفة من صفوف الأعمدة، وصولًا إلى الصحن. وقد أبدت إعجابها باتساع المسجد وفخامته الزخرفية، إلى جانب الإضاءة الحديثة التي زُوّد بها، والتي بلغت مئات الآلاف من المصابيح. كما أشارت إلى أن أرضيته مكسوّة برخام أملس يعكس العناية المعمارية الفائقة التي أولاها الخلفاء والسلاطين للمسجد. لوحة رقم40، 41

لوحة رقم40 صور لصحن المسجد الحرام ويتوسطه الكعبة المشرفة. المصدر، Mekka, mit bilder-atlas - NYPL Digital Collections
لوحة رقم41 صور أرشيفية لاحد أروقة المسجد الحرام بمكة. المصدر، Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, p.178

- الكعبة المشرفة: وصفت كوبولد الكعبة المشرفة بأنها بناء مكعّب أسود مغطى بكسوة من الحرير والصوف. وأشارت إلى أن هذه الكسوة كانت تُرسل من مصر سنويًا ضمن احتفالية المحمل[55]، التي كانت من أبرز المناسبات الرسمية في القاهرة وتنطلق من ميدان القلعة بحضور الخديوي وكبار رجال الدولة، وسيأتي تفصيلها لاحقًا. كما أوضحت أن الكسوة باتت تُصنع في مكة على يد حرفيين مهرة، وتُزخرف بشريط من الآيات القرآنية المطرزة بخيوط ذهبية، منها آية الكرسي والآية الكريمة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (آل عمران: 96).

- الحجر الأسود ومقام إبراهيمA: ذكرت كوبولد أن الحجر الأسود بيضاوي الشكل، مرصّع بإطار من الفضة، ويقع في أحد أركان الكعبة. كما وصفت مقام إبراهيم بأنّه مغطى بقبة صغيرة قائمة على أعمدة حديدية، مقابل باب الكعبة، وهو الموضع الذي وقف فيه النبي إبراهيمعليه السلام عند إعادة بناء الكعبة. لوحة رقم 42، 43
– بئر زمزم: أشارت كوبولد إلى بئر زمزم الواقع في صحن الحرم المكي، والمُحاط بسور حديدي ومظلَّل بسقف جمالوني، ووصفت آلية استخراج الماء منه، حيث يتولى أحد العاملين جلب الماء وتعبئته في جرار كبيرة يشرب منها الحجاج والزوار، كما تطرقت إلى الفوائد الطبية لماء زمزم، مبيّنةً مكانته الدينية باعتباره معجزة إلهية أُكرمت بها السيدة هاجر ورضيعها إسماعيلعليه السلام. لوحة رقم 44

لوحة رقم42 صورة أرشيفية للحجر الأسود. المصدر، إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين الشريفين، ج1، ص301.
لوحة رقم43 صورة أرشيفية لمقام إبراهيمعليه السلام. المصدر،
https://x.com/Ksa9ss/status/1108380354212233218/photo/2, Accessed in 12 March 2025
لوحة رقم44 لوحة أرشيفية رقبة بئر زمزم، وبكرة لرفع الماء تعود لأواخر ق 14هـ/ 20م محفوظة بمتحف الحرمين الشريفين بالمدينة المنورة.

- مسجد الخيف: تتناول زينب في حديثها عن شعائر الحج وصف مسجد الخيف، مُشيرةً إلى موقعه عند سفح جبل منى الجنوبي، قرب الجمرة الصغرى. وتؤكّد قدم المسجد وأهميته الدينية، إذ يُروى أن النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) صلى فيه أثناء حجة الوداع. وتصفه بأنه يتكوّن من أروقة ويضم مِئذنتين، ويشهد ازدحامًا كبيرًا بالحجاج خلال موسم الحج. وتوضح أن كلمة «الخيف» تُشير إلى الموضع المرتفع عن الأرض. وقد أُنشئ المسجد لأول مرة في العهد النبوي، وشهد عدة توسيعات وترميمات خلال العصور الإسلاميّة المتعاقبة، وقد أُعيدت عمارته في العهد السعودي عام 1407هـ/ 1987م، ليصبح ثالث أكبر مسجد في منطقة مكة المكرمة بعد المسجد الحرام ومسجد نمرة[56]. لوحة رقم45

لوحة رقم 45 صورة أرشيفية لمسجد الخيف والمنطقة المحيطة بها ويتضح ازدحام الحجيج بها. المصدر، إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين الشريفين، ج1، ص121-122.

- مقبرة المَعلاة: من أهم معالم مكة المكرمة التي ذكرتها زينب مقبرة المَعلاة والتي تُعدّ من أبرز المعالم التاريخية والدينية في مكة المكرمة، وتكتسب مكانتها الروحية لاحتوائها على قبور عدد من الصحابة والتابعين وأمهات المؤمنين، فضلًا عن بعض آل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وتُشير كوبولد إلى أن أبرز معالم المقبرة هو قبر السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، الزوجة الأولى للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأم أولاده، التي بقيت معه خمسًا وعشرين سنة حتى وفاتها. وقد عُرفت القبة التي كانت تعلو قبرها بجمالها المعماري وروعة تصميمها، حيث شُيّدت في الفترة العثمانية عام 950هـ بأمر من داود باشا، والي مصر في عهد السلطان سليمان القانوني، وكانت تُعدّ من التحف المعمارية الإسلاميّة في مكة[57]. كما كانت المقبرة تشتمل على قباب أخرى لعدد من أجداد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل عبد المطلب وهاشم، وكذلك عمه أبو طالب. وقد تعرّضت هذه القباب للهدم لاحقًا، كما حدث مع قباب مقبرة البقيع، مما أدى إلى ضياع جانب مهم من الطابع المعماري والتاريخي لهذه المقبرة العريقة[58].
تقع مقبرة المَعلاة على سفح جبل الحَجُون شمال شرقي مكة المكرمة، بالقرب من مفترق الطرق المؤدي إلى المسجد الحرام، ولذلك تُعرف أيضًا باسم «مقبرة الحَجُون»، نسبة إلى الجبل المطلّ عليها. وسُمّيت «المَعلاة» لتميّز موقعها بارتفاع نسبي عن المناطق المجاورة. كما تُعرف بـ«مقبرة أهل مكة» نظرًا لكونها أقدم وأوسع مقابر المدينة، وقد فضل أهل مكة الدفن فيها منذ القدم، إذ تتميز بموقع يستقبل الكعبة المشرّفة مباشرة دون انحراف، مما منحها مكانة دينية خاصة[59]. لوحة رقم 46، 47

لوحة رقم46 صورة أرشيفية لمقبرة المعلاة. المصدر، إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين الشريفين، ج1، ص31-32.
لوحة رقم47 صورة حديثة لمقبرة المعلاة بعد هدم القباب الضريحية. المصدر، https://x.com/samir_barqah/status/1186652045241192448 Accessed in 12 March 2025

المبحث الثاني: المشاهدات الحضارية في رحلة إيفلين كوبولد: يركز هذا المبحث على تحليل أبرز المشاهدات الحضارية التي وثّقتها الليدي إيفلين كوبولد خلال رحلتها إلى الحجاز لأداء فريضة الحج عام1933م. وتُعدّ هذه الشهادات مصدرًا مهمًا لفهم واقع شعائر الحج في أوائل القرن العشرين، في ظل بيئة صحراوية قاسية ونُظم تقليدية تعتمد على وسائل بسيطة، كالنقل بالقوافل والإبل. تناولت كوبولد مظاهر متعدّدة من الحياة الثقافية والاجتماعية والدينية، منها قدسية الشعائر، وفضائل الحج كما تَلَقّتها من الحجاج والعلماء، والتكيّف مع البيئة الصحراوية، ودور الإبل المحوري في التنقل. كما سجّلت مشاهد احتفالية مرتبطة بـ«المحمل»، ووثّقت تفاصيل عن لباس الإحرام وملابس نساء سوريات، معبرةً عن وحدة ثقافية وروحية تتجاوز الحدود الجغرافية.
مناسك الحج وفضائله: وصفت زينب كوبولد مناسك الحج بتفصيل دقيق، مع إضفاء بُعد روحي عميق على التجربة. استهلّت وصفها بالطواف، واعتبرته رمزًا لتسليم الذات، قائلةً: «إن الطواف لرمز... لمحب يرسم دائرة بسيره حول بيت محبوبه؛ مُسلّمًا نفسه وحاله بالكامل، ومُضحّيًا بكل اهتماماته في سبيل المحبوب». كما رصدت مراحل السعي بين الصفا والمروة، مشيرةً إلى المسار الطقسي الذي يبدأ من درجات الصفا شديدة الانحدار، مرورًا بشارع المسعى، وصولًا إلى جبل المروة، حيث يتكرّر السعي سبع مرات، في مشهد تعبّدي يعبّر عن استحضار تضحية السيدة هاجر وصبرها. وتؤكّد كوبولد على الروح الجماعية والابتهالات التي تملأ الأجواء، مما يمنح شعائر الحج بعدًا وجدانيًا يعكس عمق الارتباط الروحي لدى الحجاج.
توقّفت كوبولد عند الركن الأعظم للحج، وهو الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، مشيرةً إلى جبل عرفات، الذي يُعرف أيضًا بجبل أو تل الرحمة، حيث ألقى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة الوداع. كما رصدت محطة الحجيج التالية في مزدلفة، التي تقع بين عرفات ومِنى، حيث يبيت الحجاج بعد النفرة. ووصفتها كموقع هادئ يضم أطلال مسجد قديم. ثم انتقلت إلى الحديث عن مِنى، حيث يقيم الحجاج ثلاثة أيام، ووصفتها بأنها بلدة صحراوية صغيرة بمنازل متفرقة وحوانيت بسيطة. وفي مِنى يُؤدّى رمي الجمرات، وقد وصفت كوبولد الدعائم الحجرية التي تمثّل الشيطان، مُبرزة الرمزية الإيمانية الكامنة في هذا الطقس. لوحة رقم47

لوحة رقم46 مشاعر ومناسك الحج. المصدر، إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين، خريطة131، ص342.
لوحة رقم47 خريطة مني ومخيم الحجاج فيها أيام التشريق. المصدر، محمد لبيب البتنوني، الرحلة الحجازية، ص183.

أمّا عن فضائل الحج، فقد أبدت كوبولد تأثّرًا بالغًا بالتجربة الروحية للحج، ووصفتها بأنها تجربة إيمانية فريدة يتجلّى فيها البُعد الجماعي والتسامي الروحي، حيث يشعر الحاج بأنه جزء من أمّة موحّدة جاءت من مختلف أرجاء العالم لتمجيد الله. واعتبرت هذه اللحظة إحدى أعظم التجارب الروحية التي منحها الله للإنسان، لما تحمله من خشوعٍ وجلالٍ يعكسان القيم العليا في الإسلام. ترى كوبولد أنّ الحج لا يُجسّد فقط شعيرة دينية، بل يعكس أيضًا بعدًا حضاريًا وإنسانيًا عميقًا، يتمثّل في تحقيق وحدة المسلمين على اختلاف أعراقهم وأوطانهم. فالحج يذيب الفوارق الاجتماعية والعرقية تحت مظلّة العقيدة الواحدة، ويشكّل ملتقى للتعارف وتبادل الرؤى بين المسلمين. كما تؤكد أنّ هذه المناسبة تُعدّ ملتقى ثقافيًا رفيعًا، حيث يستضيف الملك في قصره بمنى كبار الحجاج، ما يتيح تواصلًا مباشرًا مع مختلف الشخصيات الإسلاميّة وتبادلًا للأفكار والخبرات من أقطار العالم الإسلامي.
وتُبرز كوبولد الأهمية الاقتصادية لموسم الحج بالنسبة لأهل مكة، حيث كان يُمثّل مصدرًا رئيسًا للدخل، لما يصاحبه من انتعاش في حركة البيع والشراء. وتنقل عن السكان قولهم: «لا نزرع ولا نحصد، نعيش على الحجاج»، مؤكدةً أن مكة لا يمكن تصوّرها دون هذا الموسم السنوي. كما تشير إلى أن المدينة كانت منذ القدم مركزًا تجاريًا بارزًا في الجزيرة العربية، وأن العملة المتداولة آنذاك كانت الريال الفضي نقود ماريا تيريزا أو الذهب.

الطبيعة الصحراوية ووسائل النقل قديمًا: أبرزت الليدي إيفلين كوبولد في رحلتها إلى الحجاز السِمات الجغرافية القاسية للمنطقة، مشيرة إلى الطبيعة الصحراوية الجافة، وندرة مصادر المياه العذبة، وافتقار البلاد إلى الأنهار. وقد لاحظت هذه المظاهر خلال تنقّلها بين جدة والمدينة المنورة، وجدة ومكة المكرمة، حيث انعكست قسوة البيئة على نمط الحياة ووسائل المواصلات المستخدمة آنذاك. ورغم بدء انتشار السيارات في بعض المناطق، إلا أن الاعتماد الأكبر في تنقّل الحجيج ظلّ منصبًّا على القوافل التي تقودها الإبل، إضافةً إلى من كانوا يقطعون المسافات الطويلة سيرًا على الأقدام، وقد تستغرق رحلاتهم أعوامًا، لا سيما الوافدين من مناطق بعيدة. وتصف كوبولد الإبل بأنها الحيوان الأكثر حضورًا في قوافل الحجيج، وتشيد بدوره التاريخي والحيوي في حياة العرب، سواء في الفتوحات أو التنقل بين الصحارى، واصفةً إياه بالحيوان الصبور. وتولي كوبولد اهتمامًا خاصًا بالشقادف –وهي الهودج التقليدي الذي يُوضع على ظهور الإبل–[60] واصفةً إياها بأنها «نقالتان تُغطّيهما قلنسوة على هيئة قبة، مصنوعة من أعوادٍ مثنيّة، تُربط عليها سجادة تقي الراكب من الشمس». وكانت النقالتان مثبتتين على جانبي سِنام الجمل بواسطة حبال متينة، ويتخذ الركّاب وضعية الجلوس داخلها، ويضعون أوعيتهم للماء ومتعلّقاتهم الشخصية في جيوب جانبية واسعة. كما أشارت إلى ألوان السروج الزاهية، وتعدد أشكال الهوادج، ما أضفى على مشهد القوافل طابعًا احتفاليًا مُميّزًا. لوحة رقم48

لوحة رقم48 مناظر عامة لقوافل الحجيج ويتضح الطبيعية الصحراوية والإبل. المصدر،
Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, p.126, 228

- الملابس والأزياء في موسم الحج: أشارت زينب كوبولد إلى تنوّع الأزياء في الحجاز خلال موسم الحج، مركّزة على ملابس الإحرام للرجال والنساء. يرتدي الرجال إزارًا ورداءً أبيضين مع كشف الرأس، في حين ترتدي النساء المتوجّهات إلى المدينة عباءات سوداء أو ملوّنة من الكريب، فضفاضة وواسعة، مع قلنسوة تغطي الرأس، يُضاف إليها حجاب أسود يخفي الملامح. أما المتّجهون إلى مكة، رجالًا ونساءً، فيرتدون ملابس بيضاء موحّدة، دون السماح بغيرها، التزامًا بأحكام الإحرام، في مشهد يجسّد معاني التجرّد والمساواة في الشعائر. وتتميّز ملابس الرجال العادية في الحجاز بالثوب الأبيض والعباءة، مع الكوفية المُثبتة بالعقال. وقد أجمع الرحالة والمؤرخون على حرص أهل الحجاز على ارتداء الملابس البيضاء النظيفة. يشير بيروتون إلى انتشار ارتداء الكوفية والجُبّة أو «البنش» ذات الأكمام الواسعة فوق القمصان القطنية. لوحات أرقام49، 50، 51

لوحة رقم49 صورة لزينب في ملابس الإحرام.
المصدر:
Lady Evelyn Cobbold, Piligrimage to Mecca, P.23,169

المحمل: ذكرت كوبولد أن المحمل كان من أبرز المظاهر الحضارية، حيث كانت الدول الإسلاميّة مثل اليمن والعراق والهند ترسل محاملها إلى مكة، وكان المحمل المصري هو الأبرز، ويتكون من ستائر سوداء من الحرير والقطن مزخرفة بآيات قرآنية ومطرّزة بالخيوط الذهبية، ويُعتبر رمزًا لقوة السلطان ونفوذه. بدأ تقليد المحمل في عهد الملكة شجرة الدر في القرن الثالث عشر، واستمر خلال العهد المملوكي، ثم حافظ العثمانيون على هذا التقليد حتى عام1926م بعد رغبة آل سعود[61].
وذكرت زينب وصفًا دقيقًا للمحمل المصري، حيث كان عبارة عن محفّة مغطاة بغطاء ذهبي على أرضية حمراء داكنة، مزينة بزخارف دقيقة عند كل زاوية وحبال ذهبية ثقيلة حول الجوانب. الهيكل الخشبي كان على شكل هودج مربّع، يرتفع من الجوانب نحو الوسط الذي يحتوي على قائم ينتهي بهلال. عادةً ما كان يُكسى المحمل بكسوة من الحرير أو مواد أخرى، ويُحمل على ظهر جمل خلال السفر. رافق المحمل المصري كسوة الكعبة المشرفة، والصُّرة، والصدقات والهدايا لمكة والمدينة، مما أضفى عليه هيبة وقدسية في نظر الشعوب الإسلاميّة[62]. ووصفَت كوبولد رحلة خروج المحمل من مصر إلى الحجاز، حيث بدأت المراسم الاحتفالية من ساحة القلعة في ميدان الرميلة، التي كانت مكتظة بالجنود والزوار. تم وضع المحمل على الجمل، ثم اقتيد إلى المنصة حيث وقف الخديوي محاطًا بالوزراء والعلماء. سُلِّم لجام الجمل إلى الخديوي الذي قبّله باحترام، ثم سلمه إلى أمير الحاج قائد الموكب. أُطلقت مدافع القلعة، ثم انطلق الموكب في صمت مهيب إلى سهل العباسية، حيث استراح لبضعة أيام قبل أن يواصل الرحلة إلى السويس ومن ثم إلى ميناء جدة، وصولًا إلى مكة. تمت تغطية المحمل بغطاء أخضر خلال الرحلة. عند الوصول، وُضع المحمل بين «باب النبي» و«باب السلام» في المسجد الحرام، واستُقبل بحفاوة. تم تسليم كسوة الكعبة والهدايا لحامل مفاتيح الكعبة بحضور كبار العلماء، ولكن الكسوة الجديدة لم تُركب على الكعبة إلا في يوم عيد الأضحى، بعد انتهاء الحجاج من مناسكهم[63]. لوحة رقم 52

لوحة رقم52 صورة أرشيفية للمحمل المصري في مكة المكرمة. المصدر،
Mekka, mit bilder-atlas - NYPL Digital Collections

وأخيرًا أشادت باهتمام الملك عبد العزيز بخدمة الحجاج، موضحة جهوده في توفير مرافق الإيواء المناسبة في مكة والمدينة، بما في ذلك الفنادق، والمساكن، ومحطات الاستراحة المزودة بآبار ومستوصَفات تقدم الرعاية الطبية مجانًا على امتداد طرق الحجاج. كما أشارت إلى إنشاء فنادق في موانئ جدة وينبع، وفي مواقع مثل مِنى والمُعَصَّم، وتشكيل لجنة عامة لضمان نظافتها. كما أثنت على المستشفى الذي شُيّد على مشارف مكة، المحاط بحديقة وشرفة واسعة، ويضم أطباء وجراحين أجانب، رغم أن بعض أجزائه لم تكتمل لنقص التمويل. وقد زارت المستشفى وأعجبت بنظافته وتأثيثه الجيد وإدارته الفعالة تحت إشراف مدير فرنسي.

الخاتمة
خلصت هذه الدراسة، المعنونة بـ»دراسة آثارية حضارية لرحلة المستشرقة الاسكتلندية المسلمة إيفلين كوبولد إلى الحرمين الشريفين»، إلى جملة من النتائج التي تبرِز أهمية هذه الرحلة بوصفها وثيقة حضارية وآثارية فريدة، تسجّل مشاهدات مباشرة لمكة والمدينة خلال فترة مفصلية من تاريخ الحجاز مطلع القرن العشرين. وقد جاءت الدراسة في ثلاثة فصول مترابطة، تناولت الخلفيات السياسية والدينية والاجتماعية المحيطة بالرحلة، وتحليل المشاهدات العمرانية والمعالم الحضارية التي وثّقتها كوبولد.

وقد أسفرت الدراسة عن النتائج الآتية:
تُعدّ رحلة إيفلين كوبولد من أوائل الرحلات النسوية الأوروبية إلى الحرمين التي كُتبت من داخل التجربة الدينية الإسلاميّة، إذ إنّ اعتناقها للإسلام شكّل دافعًا حقيقيًا للرحلة، وليس مجرد فضول استشراقي، مما يضفي على نصوصها طابعًا صادقًا يتجاوز التمثيلات النمطية للاستشراق التقليدي.
أظهرت مذكراتها توصيفًا دقيقًا وشبه توثيقي للمعالم العمرانية في مكة والمدينة، بما في ذلك المساجد، والمرافق العامة، والأسواق، ما يجعل من هذه النصوص مصدرًا مكمّلًا للوثائق الرسمية والدراسات الآثارية المتعلقة بالحرمين في بدايات القرن العشرين.
عكست الرحلة جانبًا مهمًا من التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، حيث قدمت كوبولد في كتاباتها رؤًى تتسم بالاحترام والتقدير للثقافة الإسلاميّة، مبرزة خصوصية شعائر الحج وتنظيماته، والعلاقات الاجتماعية السائدة في الحجاز.
أكّدت الدراسة على أن رحلة كوبولد تمثّل مادة علمية قابلة للتوظيف في عدد من التخصّصات، من بينها التاريخ الحضاري، ودراسات الاستشراق، والآثار الإسلاميّة، والأنثروبولوجيا الثقافية، نظراً لتعدد أبعادها وثراء مضامينها.
أبرزت الدراسة غياب التناول العربي المعمق لرحلات النساء الأوروبيات المسلمات إلى الحرمين، ما يفتح المجال أمام دراسات لاحقة تُعنى بتوثيق هذه التجارب وتحليلها ضمن سياقها الحضاري والديني.

لائحة المصادر والمراجع
المصادر العربيّة
أحمد، سوزان محمد، عمارة الدور العثمانية الباقية بمدينة جدة دراسة أثرية معمارية مقارنة مع مثيلتها في مدينة رشيد، القاهرة: مخطوط رسالة ماجستير، كلية الآثار، جامعة القاهرة، مج1، 2009م.
أرسلان، شكيب، الرحلة الحجازية المسماة الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، بيروت: دار النوادر، 2007م.
إلياس، محمد، تاريخ المدينة المنورة، الرياض: مطابع الرشيد، ط1، 2003م.
الأنصاري، عبد القدوس، آثار المدينة المنورة، المدينة المنورة: المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط3، 1973م.
ــــــــــــــــ، موسوعة تأريخ مدينة جدة، مج1، القاهرة: دار مصر للطباعة، 1982م.
البتنوني، محمد لبيب، الرحلة الحجازية لولي النعم الحاج عباس حلمي باشا الثاني خديو مصر، القاهرة: مطبعة الجمالية، ط2، 1329هـ.
ــــــــــــــــ، الرحلة الحجازية، الطائف: مكتبة المعارف، ط3، د. ت.
بدول، روبن، الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، ترجمة: عبد الله آدم نصيف، الرياض: المترجم، 1989م.
البلادي، عاتق بن غيث، معالم مكة التاريخية والأثرية، مكة المكرمة: دار مكة للنشر والتوزيع، 1980م.
ــــــــــــــــ، معجم معالم الحجاز، بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 2010م.
البلقاسي، محمد إبراهيم يوسف وآخرون، تراث المدينة المنورة بين الإستثمار وإعادة التوظيف (دراسة تحليلية لمشروع توظيف محطة قطار الحجاز)، أبحاث وتراث: دراسات في التراث العمراني، الهيئة العامة للسياحة والآثار، الرياض، 2013م.
بن عبد القادر، أحمد، سكة حديد الحجاز؛ رحلة في الزمان والمكان، الدارة، مج13، ع2، 1987م.
بيرتون، ريتشارد فرانسيس، رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م.
بيركهارت، جون لويس، رحلات إلى شبه الجزيرة العربية يتضمن وصفًا لمناطق في الحجاز، ترجمة: هتاف عبد الله، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، ط1، 2005م.
ــــــــــــــــ، ملاحظات عن البدو والوهابيين جمعها خلال التجوال في الشرق، ترجمة: صبري محمد حسن، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007م.
الثقفي، عبد الله بن زاهر عطية، الصناعات الخشبية المعمارية بمدينة جدة في العصر العثماني (923-1335هـ/ 1517-1916م)، الرياض: مخطوط رسالة ماجستير، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، 2001م.
ــــــــــــــــ، العمارة بمدينة جدة في العصر العثماني (923-1324هـ/ 1517-1916م)، الرياض: مخطوط رسالة دكتوراه، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مج1، 2010م.
جلبي، أوليا، الرحلة الحجازية، ترجمة الصفصافي أحمد المرسي، القاهرة: دار الآفاق العربية، 1999م.
الجهيني، محمد محمود علي، العمارة الحربية في الجزيرة العربية، القاهرة: الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، 2008م.
الخالدي، أحمد، المدن والآثار الإسلامية في العالم، عمان: دار المعتز، 2008م، ص21.
الدقن، السيد محمد، كسوة الكعبة المعظمة عبر التاريخ، القاهرة: مطبعة الجبلاوى، 1986م.
رتر، إلدون، مدينتا الجزيرة العربية المقدستان، ترجمة عبد الله بن محمد نصيف، الرياض: دار النشر دارة الملك عبد العزيز، 2011م.
رفعت باشا، إبراهيم، مرآة الحرمين أو الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية، ج1، القاهرة: دار الكتب المصرية، 1925م.
الريحاني، أمين، تاريخ نجد الحديث وملحقاته، القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2017م.
السباعي، أحمد، تأريخ مكة دراسة في السياسة والعلم والإجتماع والعمران، الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية.
سلامة، حسين، تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدنتها، القاهرة: الدار الشرقية للطباعة والنشر والتوزيع، 1982م.
سماري، فهد بن عبد الله، المؤلفات النادرة عن المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية (نماذج مختارة)، الرياض: مكتبة الملك عبد العزيز العامة، 1416هـ.
السمهودي، نور الدين علي بن أحمد (ت 911هـ)، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة: مطبعة السعادة، ط1، 1955م.
الشافعي، عبد القادر بن أحمد بن محمد بن فرج (ت 1010هـ)، السلاح والعدة في تاريخ بندر جدة، تحقيق: علي محمد عمر، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.
شريف، رضا أسعد، دور مقاهي الحجاز في خدمة الحجاج منذ ظهورها حتى بداية القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، مجلة الدارة، ع3، س47، يوليو 2021م.
الشهري، محمد هزاع، المسجد النبوي في العصر العثماني (923-1344هـ)، القاهرة: دار القاهرة للكتاب، القاهرة، ط1، 2003م.
صابان، سهيل؛ عبد الهادي، عبد الرحمن أحمد، سكة حديد الحجاز المصادر العربية والتركية والإنجليزية: قائمة بيليوجرافية، الدرعية، مج5، ع18-19، 2002م.
صادق باشا، محمد، رحلة مِشعل المَحمل، لندن: مؤسسة هنداوي، 2017م.
ــــــــــــــــ، رحلة مِشعل المَحمل، لندن: هنداوي للطباعة والنشر، 2022م.
صهورخرونيه، ك. سنوك، صفحات من تاريخ مكة المكرمة، ترجمة: علي عودة الشيوخ، ط2، مكة المكرمة، 1432هـ.
الطهطاوي، محمد عزت، في الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين، القاهرة: مكتبة دار التراث للنشر والتوزيع، 1979م.
عثمان، محمد عبد الستار، الإعلان بأحكام البنيان لابن الرامي، الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2000م.
على عرفة عبده، أوربيون في الحرمين الشريفين.
العياشي، عبد الله بن محمد، الرحلة العياشية (1661-1663م)، مج1، أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، ط1، 2006م.
فرحي، فتحية، المساجد والعمران في الجزائر خلال العهد العثماني، رسالة ماجستر، كلية العلوم الإنسانية، جامعة زيان عاشور، الجزائر، 2017م.
فيلبي، هاري جون، قلب الجزيرة العربية، ج1، الرياض: مكتبة العبيكان، 2002م.
ــــــــــــــــ، مُرتفعات الجزيرة العربية، الرياض: مكتبة العبيكان، ط1، 2005م.
لعرج، عبد العزيز، الزليج في العمارة الإسلامية بالجزائر في العصر التركي دراسة أثرية فنية، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ط1، 1990م.
مصطفى، صالح لمعي، المدينة المنورة؛ تطورها العمراني وتراثها المعماري، القاهرة: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 1981م.
المغلوث، سامي عبد الله، أطلس الحج والعمرة: تاريخًا وفقها.
مكناسي، محمد ابن عثمان، رحلة المكناسي"إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب"، أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2003م.
المكي، محمد طاهر الكردي، التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، بيروت: دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2000م.
الوليعي، عبد الله بن ناصر، معجم البلدان والقبائل في شبه الجزيرة العربية، مج3، الرياض: دارة الملك عبد العزيز، الرياض، 2014م.
يوسف جاغلاز، صالح كولن، المحمل الشريف ورحلته إلى الحرمين الشريفين، ترجمة: حازم سعيد منتصر، دار النيل، القاهرة، ط1، 2015م.يوسف، عماد عبد العزيز، الحجاز في العهد العثماني (1876-1918م)، بيروت: الوراق للنشر، 2014م.

لائحة المصادر الأجنبيّة
Angelo Pesce, Jiddah, portrait of an Arabian city, USA: Falcon Press, 1976.
For more about these castles; Mohamed Enab, Mohamed Metwalli, A Study of Models of Ottoman Citadels on al-Ṭarīq al-Sulṭānī, between Medina and Mecca, JOURNAL OF ISLAMIC ARCHAEOLOGY, Vol 11, No 1 (2024).
Peters, F. E., The Hajj The Muslim Pilgrimage to Mecca and the Holy Places, Princeton: Princeton University Press, 2021.
Mohamed Enab, Geometric Models of Islamic architecture from Umayyad to the end of the ottoman era in the light of selected examples, Journal of Islamic Architecture, Vol.8, No.2 (2024).
Pamela Jerome, community building and continuity of tradition: the decoration of Mud-Brick Surfaces in the Ḥaḍramūt Region of Yemen, Proceedings from the International Colloquium Organized by the Getty Conservation Institute and the National Park Service, Mesa Verde National Park, Colorado, USA September 22-25, 2004.
Lady Evelyn Cobbold, Pilgrimage to Mecca, London, 1st, 1934.
Danial majchrowicz, three centuries of travel writing by Muslim women, USA: Indiana University Press, 2022.
Russell, Steven (8 May 2009). "Mayfair to Mecca: plucky Lady Evelyn", East Anglian Daily Times, Retrieved 14 September 2019.


---------------------------------------------------
[1]*- أستاذ الآثار الإسلاميّة، كلية الآثار، جامعة الفيوم – مصر.
[2]- للمزيد انظر: الريحاني، أمين، تاريخ نجد الحديث وملحقاته.
[3]- الطهطاوي، محمد عزت، في الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين، ص238.
[4]- Danial majchrowicz, three centuries of travel writing by Muslim women, USA: Indiana University Press, 2022.
[5]- Russell, Steven (8 May 2009). «Mayfair to Mecca: plucky Lady Evelyn», East Anglian Daily Times, Retrieved 14 September 2019.
[6] هو مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي الذي يعتبر من أكثر المساجد الشعبية في الجزائر لاحتوائه على ضريح الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي فخر أئمة علماء الجزائر، وألمع العلماء والمفسّرين العرب وذلك في عهد الوالي العثماني مصطفى كوسة (1610-1613م)، ويقع المسجد في القصبة العليا بالجزائر العاصمة، ويعود تاريخه إلى عام 1696م؛ حيث شُيّد حول ضريح الفقيه داخل أسوار زاوية سيدي عبد الرحمن، ويتميّز المسجد بمئذنته المستوحاة من الطراز المغربي، وبزخارفه المتنوّعة وبالزليج المغربي الرائع. للمزيد انظر: فرحي، فتحية، المساجد والعمران في الجزائر خلال العهد العثماني، ص47-48؛ لعرج، عبد العزيز، الزليج في العمارة الإسلاميّة بالجزائر في العصر التركي دراسة أثرية فنية، ص21؛ مكناسي، محمد ابن عثمان، رحلة المكناسي «إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب»، ص78.
[7]- في الدعوة إلى الإسلام، م. س، ص238.
[8]- Lady Evelyn Cobbold, Pilgrimage to Mecca, London, 1st, 1934.
[9]- عبده، على عرفة، أوروبيون في الحرمين الشريفين، ص189.
[10]- Lady Evelyn Cobbold, Pilgrimage to Mecca, P.4
[11]- تميّزت رحلة زينب كوبولد إلى الحجاز بطابع إنساني واجتماعي فريد، مخالف لتجارب الرحالة الغربيين السابقين، الذين غالبًا ما اتسمت رحلاتهم بالخوف والعزلة. فقد اندمجت كوبولد في المجتمع المحلي، والتقت بعددٍ من السيدات العربيات، وتبادلت معهنّ الأحاديث والنقاشات، مِما أضفى على تجربتها بُعدًا ثقافيًا وروحيًا عمّق فهمها للإسلام والمجتمع العربي. للمزيد انظر: بدول، روبن، الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، ص125.
[12]- الشافعي، عبد القادر بن أحمد بن محمد بن فرج، السلاح والعدة في تاريخ بندر جدة، ص33، 42.
[13]- كان جون فيلبي مستعربًا ومستكشفًا وكاتبًا وضابط استخبارات في مكتب المستعمرات البريطاني، وقد أدّى دورًا محوريًا في إنهاء النفوذ العثماني في المشرق العربي، لا سيّما في شبه الجزيرة العربية والعراق والشام. يُعدّ أول أوروبي يعبر صحراء الربع الخالي من شرقها إلى غربها، وله عدد من المؤلفات المهمة التي توثق تاريخ وجغرافيا وآثار الجزيرة العربية، من أبرزها: قلب الجزيرة العربية، الربع الخالي، حاج في الجزيرة العربية، ومرتفعات الجزيرة العربية. وتنبع أهمية مؤلَّفاته من كونها أشبه بموسوعة مختصرة عن تاريخ المملكة العربية السعودية، حيث وثّقت حقبة زمنية بالغة الأهمية، واحتوت على معلومات دقيقة مدعّمة بصور فوتوغرافية نادرة لمدن ومعالم وأعلام من المنطقة، ويتميّز أسلوبه بالرصانة والموضوعية في تناول تاريخ المملكة وجغرافيتها وتراثها. للمزيد: فيليبي، هاري جون، قلب الجزيرة العربية، ج1، ص أ- ب؛ فيلبي، هاري جون، مُرتفعات الجزيرة العربية، ج1، ص39.
[14]- يُعدّ الحجر الجيري وهو مادة الخام الأولية التي يتم تصنيع النورة منها، حيث تُصنّع من الأحجار الكلسية المتوافرة في جبال ووديان حَضْرَمَوْتَ والتي لا تصلح للبناء؛ إذ تُجلب من هناك وتوضع في أفرانٍ خاصة، لتُحرق عند درجة حرارة عالية تُفقدها غاز ثاني أكسيد الكربون؛ فتتحول إلى أكسيد الكالسيوم المعروف باسم الجير الحي، الذي إن أضيف إليه الماء تحول إلى هيدروكسيد الكالسيوم المادة الأولية لمونة النورة، وتُستخدم النورة كمادةٍ أساسية تدخل في الصناعة البِنائية بشكلٍ خاص بحَضْرَمَوْتَ، وغالبية استخدامها في أعمال البَياض لطلاء الجدران وأعمال اللياسة سواء من الداخل أو الخارج. للمزيد: عثمان، محمد عبد الستار، الإعلان بأحكام البنيان لابن الرامي، ص153.
Pamela Jerome, community building and continuity of tradition: the decoration of Mud-Brick Surfaces in the Ḥaḍramūt Region of Yemen, Proceedings from the International Colloquium Organized by the Getty Conservation Institute and the National Park Service, Mesa Verde National Park, Colorado, USA September 22-25, 2004, P.146.
[15]- أحمد، سوزان محمد، عمارة الدور العثمانية الباقية بمدينة جدة دراسة أثرية معمارية مقارنة مع مثيلتها في مدينة رشيد، ص652.
[16]- رفعت باشا، إبراهيم، مرآة الحرمين أو الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية، ج1، ص22؛ البتنوني، محمد لبيب، الرحلة الحجازية، الطائف.
[17]- ازدهرت استخدامات الخشب والصناعات الخشبية ذات العلاقة بالعمارة في مدينة جدة بكثرة خصوصًا في العصر العثماني، وذلك راجع لوجود طائفة من الصنّاع المهرة ذوي الخبرات سواء المحليين، أو الذين وفدوا إليها من مختلف أقاليم العالم الإسلامي بغرض الحج والعمرة، ليلتقوا بزملائهم الحجازيين وليتبادلوا معهم الأفكار والآراء في مجال الصناعة، مما نتج عنه تبادل للخبرات، كما كان لاهتمام العثمانيين بمنطقة الحجاز الأثر الكبير في تكليف أمهر الصنّاع من أقاليم الدولة المختلفة وإيفادهم إلى هذه المنطقة، ليتولوا مهمة الإنشاء والتعمير، وكان من بينهم النجارون. للمزيد: الثقفي، عبد الله بن زاهر عطية، الصناعات الخشبية المعمارية بمدينة جدة في العصر العثماني (923-1335هـ/ 1517-1916م)، ص14-15.
[18]- الصناعات الخشبية المعمارية بمدينة جدة في العصر العثماني (923-1335هـ/ 1517-1916م)، م. س، ص39.
[19]- للمزيد عن عمارة مدينة جدة، انظر: الثقفي، عبد الله بن زاهر عطية، العمارة بمدينة جدة في العصر العثماني (923-1324هـ/ 1517-1916م)، ص262-295.
[20]- عمارة الدور العثمانية الباقية بمدينة جدة، م. س، ص645.
[21]- Angelo Pesce, Jiddah, portrait of an Arabian city, USA: Falcon Press, 1976, P.34.
عمارة الدور العثمانية الباقية بمدينة جدة، م. س، ص63.
[22]- أرسلان، شكيب، الرحلة الحجازية المسماة الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، ص47.
[23]- للمزيد عن هذه المقاهي ودورها الحضاري الكبير، انظر: شريف، رضا أسعد، دور مقاهي الحجاز في خدمة الحجاج منذ ظهورها حتى بداية القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، ص9-76.
[24]- العياشي، عبد الله بن محمد، الرحلة العياشية (1661-1663م)، ص365.
[25]- Peters, F. E., The Hajj The Muslim Pilgrimage to Mecca and the Holy Places, Princeton: Princeton University Press, 2021, P.255.
[26]- جلبي، أوليا، الرحلة الحجازية، ص33-35.
[27]- الجهيني، محمد محمود علي، العمارة الحربية في الجزيرة العربية، ص23.
[28]- بيركهارت، جون لويس، ملاحظات عن البدو والوهابيين جمعها خلال التجوال في الشرق، ج2، ص25-26؛ صهورخرونيه، ك. سنوك، صفحات من تاريخ مكة المكرمة، ص220.
[29]- السباعي، أحمد، تأريخ مكة دراسة في السياسة والعلم والاجتماع والعمران، ج1، ص528-529.
[30]- وثيقة رقم (2382) «بخصوص تأسيس قلاع على الطريق السلطاني لحمايته من هجوم الأعراب ويوجد رسم مسطح القلعة الجديدة»، رقم السجل (189085)- محفوظة بقسم الوثائق بدارة الملك عبد العزيز- الرياض- السعودية.
[31]- For more about these castles; Mohamed Enab, Mohamed Metwalli, A Study of Models of Ottoman Citadels on al-Ṭarīq al-Sulṭānī, between Medina and Mecca, JOURNAL OF ISLAMIC ARCHAEOLOGY, Vol 11, No 1 (2024), P.59-82.
[32]- البلادي، عاتق، معجم معالم الحجاز، ج4، ص653.
[33]- الوليعي، عبد الله بن ناصر، معجم البلدان والقبائل في شبه الجزيرة العربية، ص535.
[34]- رتر، إلدون، مدينتا الجزيرة العربية المقدستان، ج1، ص562-563.
[35]- معجم معالم الحجاز، م. س، ج4، ص1597-1580.
[36]- صالح لمعي مصطفى، المدينة المنورة؛ تطورها العمراني وتراثها المعماري، ص24.
[37]- الأنصاري، عبد القدوس، آثار المدينة المنورة، ص173-174.
[38]- للمزيد عن صفة بناء المسجد الأولى، السمهودي، نور الدين علي بن أحمد، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، ج1، ص340.
[39]- الشهري، محمد هزاع، المسجد النبوي في العصر العثماني (923-1344هـ)، ص248، وللمزيد انظر: بيرتون، ريتشارد فرانسيس، رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، ج2.
[40]- مرآة الحرمين، م. س، ج1، ص479
[41]- للمزيد عن المجسمات الهندسية للعمارة الإسلاميّة. انظر:
Mohamed Enab, Geometric Models of Islamic architecture from Umayyad to the end of the ottoman era in the light of selected examples, Journal of Islamic Architecture, Vol.8, No.2 (2024), P.318-339.
[42]- سماري، فهد بن عبد الله، المؤلفات النادرة عن المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية (نماذج مختارة)، ص152.
[43]- الرحلة الحجازية، م. س، ص130-131.
[44]- السمهودي، وفاء الوفاء، ج1، ص244-245؛ إلياس، محمد، تاريخ المدينة المنورة، ص25-28.
[45]- بيركهارت، جون لويس، رحلات إلى شبه الجزيرة العربية يتضمن وصفًا لمناطق في الحجاز، ص301.
[46]- الأنصاري، عبد القدوس، آثار المدينة المنورة، ص175-176.
[47]- المغلوث، سامي عبد الله، أطلس الحج والعمرة، ص273.
[48]- البلقاسي، محمد إبراهيم يوسف وآخرون، تراث المدينة المنورة بين الاستثمار وإعادة التوظيف (دراسة تحليلية لمشروع توظيف محطة قطار الحجاز)، أبحاث وتراث: دراسات في التراث العمراني، ص145.
[49]- يوسف، عماد عبد العزيز، الحجاز في العهد العثماني (1876-1918م)، ص120.
[50]- بن عبد القادر، أحمد، سكة حديد الحجاز؛ رحلة في الزمان والمكان، ص91.
[51]- صابان، سهيل، عبد الرحمن أحمد عبد الهادي، سكة حديد الحجاز المصادر العربية والتركية والإنجليزية: قائمة بيليوجرافية، ص461.
[52]- لقد كانت مدينة جدة محاطة بسور قديم وبه بوابات، أهمها باب مكة وباب المدينة المنورة وباب شريف في الجنوب وباب البنط في البحر. للمزيد انطر: أنصاري، عبد القدوس، موسوعة تأريخ مدينة جدة، ص807.
[53]- المكي، محمد طاهر الكردي، التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، ج2، ص100-105.
[54]- المغلوث، سامي عبد الله، أطلس الحج والعمرة: تاريخًا وفقهًا، ص247
[55]- يروي أن أول من كسا الكعبة هو إسماعيل بن إبراهيمA، ويعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من كساها في الإسلام بالثياب اليمنية بعد فتح مكة عام 8هـ/ 630م، وكساها أبو بكر وعمر بالثياب البيضاء، وسار الخلفاء من بعدهم، وفي عهد الدولة العباسية صارت تُصنع الكسوة في مدينة تنيس المصرية حتى ضعف أمرهم، فصارت الكسوة ترسل تارة من ملوك مصر وأخرى من ملوك اليمن. للمزيد انظر: سلامة، حسين، تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدنتها؛ الدقن، السيد محمد، كسوة الكعبة المعظمة عبر التاريخ.
[56]- أطلس الحج والعمرة: تاريخًا وفقها، م. س، ص56.
[57]- رفعت باشا، إبراهيم، مرآة الحرمين، ج1، ص30، ص223.
[58]- صادق باشا، محمد، رحلة مِشعل المَحمل، ص99-100.
[59]- الخالدي، أحمد، المدن والآثار الإسلاميّة في العالم، ص21.
[60]- البتنوني، محمد لبيب، الرحلة الحجازية لولي النعم الحاج عباس حلمي باشا الثاني خديو مصر، ص207.
[61]- جاغلاز، يوسف؛ كولن، صالح، المحمل الشريف ورحلته إلى الحرمين الشريفين، ص67.
[62]- للمزيد عن المحمل، انظر: رحلة مِشعل المَحمل، م. س.
[63]- للمزيد عن رحلة المحمل، انظر: المحمل الشريف ورحلته إلى الحرمين الشريفين، م. س.