مقدمة التحرير
يُعدّ الاستشراق الروسي مدرسة فريدة من نوعها ضمن حركات الاستشراق العالمي، حيث تميّز بكونه استشراقًا «داخليًّا» نظرًا للجغرافيا الروسيّة التي تضمّ شعوبًا إسلامية وشرقية ضمن حدود الدولة، ما جعل دراساته تتّسم بالعمق الميداني والاتصال المباشر.
وترجع جذور العناية الروسية بالاستشراق إلى الربع الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك في عهد بطرس الأول (ت ١٧٢٥م)، الذي تم في عهده عدد من الإصلاحات والخطوات الجذرية، وكان لها أثر كبير في مستقبل روسيا وبنائها من جديد، وهذا النوع من الاهتمام الاستشراقي لبطرس نابع من سياسته الشرقية، وما اقتضته مصالح روسيا، وحاجاتها المتزايدة إلى التعرّف على جيرانها الذين دخلت معهم في صراعات مريرة[1].
وترجع البداية الجادّة للاهتمام بلغات الشرق وحضاراتها إلى المراسيم التي أصدرها بطرس الأول لإعداد دارسين لمختلف اللغات الشرقية، حيث صدر في عام ١٧٠٠م أمر رسمي لتهيئة رجلين أو ثلاثة من الرهبان الشباب الذين باستطاعتهم أن يتعلّموا اللغة الصينية والمغولية قراءة وكتابة، وصدر مرسوم في عام ١٧٠٥م بقيام خمسة رجال بتعلم اللغة اليابانية، وفي عام ١٧١٦م صدر مرسوم عن مجلس الشيوخ حول تسمية خمسة من الشباب من المدارس اللاتينية في موسكو لإرسالهم إلى إيران لتعلّم اللغات الشرقية[2].
وفي عام ١٧٢٤م صدر مرسوم من مجلس الشيوخ وبأمر من بطرس بتعلم اللغة التركية. وقد كان لبطرس مستشار له صلة بالشرق والإسلام، هو ديمتري كانتيمير (ت ١٧٢٣م) الذي يعدّ مؤسّس أوّل مطبعة في روسيا تطبع الحروف العربية، وله مؤلَّفات عن تركيا والإسلام، كما يرجع إلى عهد بطرس الأول تأسيس مكتب سُمِّي بمكتب النوادر، وتُجمع فيه التحف والنقود الشرقية وغيرها، وذلك في عام ١٧٢٤م[3]، كما تم في عهد بطرس الأول أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الروسية، وذلك في عام ١٧١٦م، وإن كانت تعدّ ترجمة رديئة وسيئة، لم يتم الاعتماد فيها على النص القرآني مباشرة، وإنما عن طريق ترجمة دورييي الفرنسية التي تمت في عام ١٦٤٧م[4].
وقد تواصل هذا الاهتمام ولا سيما خلال الربع الأخير من القرن نفسه، ففي عهد القيصرة كاتيرينا الثانية تم إرسال عدد من الطلاب في بعثات لعدد من الدول الأوروبية، وتمّ التوسّع في تعليم لغات الشعوب الإسلامية في الأقاليم الإسلامية، كما تم التوسّع في الطباعة العربية، ولقد كان لمطابع سان بطرسبرج وقازان شهرة عالمية في هذا المجال، حيث طُبعت العديد من المؤلَّفات والكتب الإسلامية، ويأتي على رأس تلك المطبوعات، طباعة المصحف الشريف، الذي طُبع سنة ١٧٧٨م، ثم تكرّر طبعه في سنوات لاحقة[5].
إطلالة
كان من الصعب الحصول على معلومات وافية حول تاريخ الاستشراق الروسي، حيث انصبّ اهتمام الباحثين نحو اتجاه واحد هو الاستشراق الغربي (فرنسا – بريطانيا – ألمانيا – هولندة ... الخ). وقد يعود ذلك إلى الأسباب التالية:
الاستعمار الغربي لبلادنا العربية.
قرب أوروبا التي لا يفصلها عن العالم العربي سوى البحر المتوسط.
قِدم العلاقة بين عالمنا وأوروبا (الحروب الصليبية والإمارات الصليبية التي قامت على الساحل السوري واللبناني وداخل فلسطين).
سهولة التواصل مع أوروبا عبر البحر ومن خلال بيزنطيا.
ترجمة بحوث المستشرقين الغربيين من الفرنسية والإنكليزية والألمانية، أما الروسية فكانت قليلة، وقد يعود ذلك إلى صعوبة اللغة.
الشخصية الروسية لم تكن تمتلك صفات المستشرق الغربي، فالمستشرق الغربي لم تكن لديه موانع أو لم يلقَ صعوبة في الانتقال بين بلاده وبلاد العرب والمسلمين.
اعتبر الغربيون الاستشراق الروسي متأخراً إذا ما قورن بكتاباتهم، لذا لم يهتموا به ولم يترجموا له في البداية.
صعوبة اللغة الروسية بالنسبة للعرب، والمقاطعة الإسلامية لروسيا زمن الدولة العثمانية التي حكمت بلادنا وزمن القياصرة الروس. كما زمن الاتحاد السوفياتي في بداية نشوئه .
اهتم الشيوعيون العرب بالمسائل المعاصرة التي هدفت إلى ربط المجتمعات العربية والإسلامية بالأفكار الشيوعية (الماركسية) ولغايات حزبية بحتة، أكثر منها غايات تاريخية، فالثقافة السوفياتية كانت شيوعية أوّلًا[6].
هذا كله ساهم في جعل معلوماتنا عن الاستشراق الروسي غير كافية وقليلة، إلى أن ظهرت عدة دراسات ساعدت المثقفين على فهم هذا الاستشراق، منها: دراسة لسهيل فرح تحت مسمى الاستشراق الروسي نشأته ومراحله التاريخية حتى الثورة الشيوعية 1917م. ومنها دراسة للمستشرق السوفياتي غريغوري شرباتوف تحت مسمى (الاستعراب في الاتحاد السوفياتي) منذ ثورة 1917م حتى العصر الحالي. بالإضافة إلى بعض الدراسات الأخرى باللغة العربية[7].
أما بداية الاستشراق النظامية فترجع إلى العقدين الأولين من القرن التاسع عشر الميلادي، وهي البداية التي كانت أساسًا لما عُرف بالاستشراق الأكاديمي، وذلك من خلال الأقسام والكراسي الجامعية التي أنشأت في الجامعات الروسية، والتي ترجع بدايات تأسيسها إلى بداية القرن التاسع عشر[8] .
مراحل الاستشراق الروسي
لقد مرّ الاستشراق الروسي في مرحلتين مختلفتين ولكل منها صفاتها ومناهجها وأهدافها وأيدولوجيتها ومدرستها:
الأولى: مرحلة روسيا القيصرية.
الثانية: مرحلة الاتحاد السوفياتي.
أوّلًا: الاستشراق خلال العصر القيصري
بالنسبة للعهد القيصري، كان الهدف من الدراسات الاستشراقية هو الاطلاع على أوضاع الدولة العثمانية وشؤونها بشكل عام. حيث كان العداء مستحكمًا بين الروس والعثمانيين حول مضيقي البوسفور والدردنيل، الممران الحيويان لتجارة روسيا مع البحر المتوسط؛ ولأجل ذلك وقعت حروب متتالية بين الدولتين[9].
في الواقع كانت العلاقة بين روسيا القيصرية المسيحية وبين العالم الإسلامي بشكل عام يشوبها التوتر والعداء، من الجانب الروسي تحديدًا، فنلاحظ أن التوجّه الروسي كان باتجاه أوروبا، حيث قامت علاقة روحية بينهما، أساسها الإيمان المسيحي، حيث شجع القياصرة على نشر المؤلفات الأوروبية في الأسواق الروسية، خصوصًا تلك الخاصة بالمستشرقين الكنسيين واليهود المعادية للشرق الإسلامي[10].
وبالتالي فإن أهداف القياصرة من حركة الاستشراق كانت استعمارية–توسعية، حيث سعت روسيا إلى التوسّع على حدودها من الجنوب واليسار والسيطرة على ثروات العالم الإسلامي[11].
يقول محمد الزعبي في كتابه (الاستشراق والإسلام دراسة في أدب غوتة): «وهكذا فإنّ الاستشراق الروسي، شرقي في نزعته أقرب إلى الإنصاف والبحث عن الحقيقة عل أساس السياسة الروسية أساسًا لا مصالح استعمارية لها مع العالم الاسلامي، والوطن العربي، ولكن الحقيقة تقال فإن الاستشراق الروسي لم يصل إلى مرحلة النضج والعمق في تحليل ودراسة وبناء مدرسة استشراقية يُعتدّ بها كما كانت في الغرب...»[12].
وهذا ما لا أوافقه الرأي به، فالاستشراق الروسي، كما مرّ معنا كان هدفه استعماريًا بداية، ومعاديًّا للإسلام، وهو ما تظهره أميرة أبو هاشم التي تشككّ بالاستشراق الروسي قائلة: «أما عن المستشرقين الروس، فقد تناولوا الإسلام ونبيّه على أساس مذهبهم الفكري من خلال وقفهم المعلن والمعادي لكل الأديان في وقت لم يكن لهذا الموقف الظاهري أي أثر في الانتماء، إلّا أنّهم وضعوه في قالبهم الأيديولوجي...، وبشكل عام فإن الدارسين للاستشراق الروسي يدركون مدى تأثير الحاخامات وغيرهم على دفع حركة الاستشراق الروسي للبحث حول الإسلام بكل جوانبه، حيث أصدرت جامعة وأكاديمية قازان مجلة حملت اسم (البشير المناهض للإسلام) كتب فيها الكثير من المستشرقين وقد خلّفت عشرات المجلدات حملت بداخلها كتابات حول الإسلام أثرّت فيما بعد بالرأي العام الروسي، كما كوّنت قاعدة معلوماتية أصبحت مرجعًا للمستشرقين الروس اللاحقين مما يخدم بالنتيجة المصالح اليهودية، وبذلك يمكن القول إن المستشرقين اليهود قد استفادوا من هذا الاستشراق كما أثّروا فيه كونهم جزءًا منه»[13].
ويذهب النظام القيصري إلى أبعد من ذلك حيث أنشأ القياصرة عام 1852م لجنة من المستشرقين وأصحاب الاختصاص في الشأن العربي ضمّت عناصر يهودية، هدفها: «تهيئة الوسائل اللازمة لتقويم القدس الشريف بفلسطين، وتأسيس بيوت لإيواء اليهود المهاجرين إلى فلسطين، وإنشاء مستشفيات لمرضاهم تحت إشراف البعثة الروسية التي اتخذت القدس الشريف مركزًا لها بدعوى رعاية الكنائس التابعة لها والنصارى الذين ينتمون إلى المذهب الأرثوذوكسي الروسي وبقية المذاهب التابعة لها»[14]. وكان لهذه اللجنة عدة مهام:
عام 1864م أرسلت وفدًا سافر إلى فلسطين سرًّا بهدف إقامة الملاجئ والمصحّات والمستشفيات والدور لليهود الذين يزورون حائط المبكى.
عام 1882م، تحولت هذه اللجنة إلى جمعيّة أنشأت أكثر من مئة مدرسة بين فلسطين وبلدان عربية أخرى، فتحت أبوابها لكافة الفئات ومن بينها اليهود، ليصل عدد تلامذتها إلى حوالي عشرة آلاف تلميذ.
عام 1883م، أنشأت هذه الجمعية جمعية للبحوث الإسلامية ارتبطت بجامعة موسكو وتشكّلت لجنة علمية ضمت عدد من المهتمّين بالشؤون الإسلامية وبالأدب والتاريخ العربي.
عام 1891م، شكّلت هذه الجمعية بعثة أثرية، زارت فلسطين والبلدان العربية للقيام بدراسات أثرية، حيث مكثت هذه البعثة مطولًا في القدس لدراسة الآثار اليهودية «تمهيدًا لتحقيق الوطن القومي اليهودي مدعمة بالتاريخ».
وبناءً على الوثائق التي قدمتها البعثة وبأمر من القيصر أُسست جمعية روسية للمستشرقين الروس بدعم من الأكاديمية الروسية للعلوم[15].
وقد ضمّت هذه الجمعية من بين أعضائها:
ف. س . سيكوروف.
ي. ي كراسكوفسكي.
أ. ن . بوتشييف.
س. ب . تولستوف.
ف . ف . بيلغو يفسكايا.
وقد اعتبرت أول جمعية رسمية للمستشرقين الروس تبعت الأكاديمية الروسية، اختصّت بالدراسات المتعلّقة بالبلاد العربية والشعوب الإسلامية (دينيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا واقتصاديًّا)[16].
«أمّا الكاديمية الروسية للعلوم، فكان من أهم واجباتها: إعداد وتخريج متخصّصين في العلوم الإسلامية ليلتحقوا بعد تخرّجهم بالجمعية الاستشراقية الروسية»[17].
أهداف حركة الاستشراق الروسي في العصر القيصري
يذهب محمد شهاب إلى تلخيص أهداف حركة الاستشراق الروسي في العصر القيصري بالتالي:
العداوة بين روسيا والدولة العثمانية.
خوف القياصرة من ثورة الشعوب الإسلامية الخاضعة لهم.
أطماع روسيا- بالوصول إلى البحر المتوسط والخليج العربي والمناطق المجاورة لها...[18].
يضيف محمد أسد شهاب ما يؤكد على الخلفية اليهودية لحركة الاستشراق الروسي في العصر القيصري: «في عام 1972م احتفلت هذه الجمعية بذكرى مرور تسعين عامًا على تأسيسها عام (1882م) وكان الاحتفال بمركز معهد الدراسات الاستشراقية لأكاديمية العلوم بموسكو في أول يوم من شهر أيار (مايو) وهو يوم عيد العمال الروسي، وفي هذه الذكرى ألقى المستشرق الروسي (س. ل . تيخفسكي) كلمة رئيس الجمعية، ثم قدّم للحاضرين التقرير العام عن أعمال الجمعية ونشاطاتها ومنجزاتها التي قامت بها خلال تسعين عامًا وجاء في الكلمة التي ألقاها: «... إن جمعية الاستشراق الروسي قد ساهمت مساهمة فعّالة في إنجاز وتحقيق الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وكان من اهتمام الجمعية الحفاظ على الآثار التاريخية اليهودية خاصة في فلسطين، وكذلك اهتمامها بتحقيق التقارب والتفاهم مع الشعب العربي بواسطة الاتحاد السوفياتي لتحقيق المنجزات التي تتفق مع المصالح الروسية ... [ ثم تحدث] المستشرق (م. أ. كوردستوفتسييف) الذي تحدث عن الديانات الفرعونية القديمة بمصر والمرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتوراة والزبور...»[19]
ثانيًا: الاستشراق خلال العصر السوفياتي
خلال المرحلة السوفياتية–الشيوعية، رفض السوفيات أصحاب الفكر (اللاديني) كل ما يتعلق بالدراسات الدينية التي قاموا ضدها[20]. وتوزّعت اهتمامات المستشرقين السوفيات خلال هذه المرحلة على:
المدن والمناطق الإسلامية التي تقع على حدودهم، كما وجمع المعلومات من خلال الرحّالة السوفيات حول طرق المواصلات الموصلة إليها، كما وأبرز شؤونها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والهدف من كل ذلك هو لاحتلالها فيما بعد.
دراسة اللهجات المحلية للبلدان التي يصل إليها المستشرقون.
دراسات حول اللغة العربية وعلاقتها باللغات الأخرى الشرقية.
دراسة حياة وأعمال بعض الفلاسفة كالغزالي على سبيل المثال.
دراسة الصراعات الطبقية وتفسير الأحداث تفسيرًا ماديًّا.
الاهتمام بعلم الأثنوغرافيا[21]، وهو علم تطور في العصر السوفياتي، كان الهدف منه دراسة طبيعة حياة شعوب الشرق.
دراسة لبعض القوميات كالأكراد، وهم الفئة التي تتواجد على حدودهم (الجنوب – غرب). «بقصد احتواء ما قد يخبئه التاريخ لمستقبلهم».
اهتم الاستشراق السوفياتي بالشعوبية[22] في التاريخ الإسلامي، وذهب هؤلاء إلى اعتبار كل من بابك الخرمي[23] والمقنع[24] شخصيات ثائرة من وسط آسيا، على الإقطاع [الذي يتمثل بالدولة العباسية][25].
وهم بذلك استخدموا التاريخ بهدف تحقيق غاياتهم الأممية وأسقطوه على مشاريعهم في نشر الفكر الماركسي...
- ارتبط الاستشراق بالفكر الثوري الشيوعي خلال هذه الحقبة السوفياتية والذي يدعو إلى التمدّد نحو كل أنحاء العالم ومنها العالم العربي، لذا كان لا بد من تهيئة الكوادر التي عليها فهم الشعوب ولغتها وتراثها.
- تأمين الموظفين ممن يجيدون اللغة العربية في السفارات السوفياتية في العالم العربي، وداخل وزارة الخارجية، بهدف تسهيل إقامة العلاقات مع الدول العربية.
- سعى الاتحاد السوفياتي إلى مواكبة الاستشراق الغربي، الذي نجح في اختراق العالم العربي والإسلامي وتسهيل استعماره من قبل دول أوروبا، فكان لا بد للسوفيات من اللحاق بالتقدم الذي حققه الاستشراق الغربي.
- كانت الجمهوريات الإسلامية التي ضمّت إلى المنظومة السوفياتية من أهداف الاستشراق، وهذا ما يستلزم فهم الاسلام وتعاليمه ولغة القرآن، لمعرفة كيفية التواصل مع هذه الشعوب، إلا أن الموقف الشيوعي –السوفياتي المناهض للدين بشكل عام- لم يساعد على إقامة علاقة وطيدة بين نظام موسكو وبين الشعوب الإسلامية التي كانت تشعر بنوع من الاضطهاد وسوء المعاملة التي لاقتها من الإدارات السوفياتية المتتالية.
وهو ما انعكس سلبًا وبشكل واضح على العلاقة بين النظام في موسكو وأدواته، وبين شعوب الجمهوريات الإسلامية التابعة للإتحاد السوفياتي، مما سبب العديد من المشاكل للحزب الشيوعي الروسي[26].
أما بالنسبة للعلاقة التي ربطت الحزب الشيوعي السوفياتي باليهود واسرائيل، فيوضحها البرفسور المستعرب[27] [المستشرق] غريغوري كوساتش من جامعة العلوم الانسانية في موسكو، وبالاستفادة من الوثائق التي تبيّن موقف روسيا الشيوعية من الصهيونية:
محاضر المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية عام 1920م اتخذ قرارًا خاصًّا بناءً على اقتراح حزب البوندا اليهودي[28] حول قيام وطن لليهود في فلسطين.
عمال صهيون، هم الجناح الشيوعي اليساري ومركزه موسكو ساعدوا على انتساب الشبيبة اليهود في أوكرانيا إلى صفوف الجيش الأحمر، كما حملوا مسؤولية تثوير الجماهير العربية الكادحة في فلسطين على البرجوازية العربية والغرب، من خلال الشيوعيين الروس اليهود الذين سمحوا لهم بالهجرة إلى فلسطين، حيث ظهر حزب العمل الاشتراكي الفلسطيني اليهودي.
لقد سعى المسؤولون في الكومنترن[29] السوفياتي إلى بقاء اليهود في فلسطين وعدم عودتهم كي لا تخلو تلك البلاد في الشرق الأوسط من القوى الشيوعية التي يمكن الاعتماد عليها في نشر الأفكار الثورية عند العرب.
القيادة الشيوعية في موسكو حاولت جمع اليهود والعرب في حزب واحد، إلا أن العرب لم يقبلوا بالعمل مع اليهود حيث تغلّبت القومية العربية على الأممية الشيوعية.
هذا الأمر لم يكن واضحًا عند السوفيات، حيث وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أيّد ستالين إقامة دولة إسرائيل، مضحّين بالشيوعيين العرب.
يعود ذلك إلى أن العالم العربي كان يفتقد إلى الزعامات والقيادات التي يمكن الاعتماد عليها في ذلك الحين، بينما كانت دولة إسرائيل [المزعومة] تضم شبابًا يتحدّثون الاشتراكية وبناء المدينة الفاضلة على أرض إسرائيل [فلسطين].
زار خبراء سوفيات المستوطنات الإسرائيلية حيث شاهدوا الكيبوسات[30] الشبيهة بالكولوخوزات[31] السوفياتية، وقدموا التقارير إلى قيادتهم.
لقد كان السوفيات حينها غير مدركين لأهمية حركة التحرير العربية، بل نظروا إلى دولة إسرائيل المزعومة كونها هي من سينزل ضربة بالإمبريالية الغربية والبرجوازية العربية.
لقد خلق السوفيات إسرائيل، ولكنها لم تكن للسوفيات بل انقلبت عليهم، كان خطأً في الحسابات[32].
كان حلم السوفيات وأتباعها قيام إسرائيل على أرض فلسطين لتكون ذراع الكومنترن ... بعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين انقلب بن غوريون عليهم، وأصبحت إسرائيل بنت الرأسمالية»[33].
أضيف إلى ما ورد إلى أن بعض الرجال حول ستالين من أعضاء الحزب الشيوعي ورجال الدولة والمستشارين كانوا على علاقة جيدة مع اليهود أو من اليهود أمثال: الرجل الثاني في الحزب بعد ستالين، مولوتوف وزير الخارجية السوفياتية، كانت زوجته بارينا جمجوجنا على علاقة مع القوميين اليهود، وأصبحت مستشارتهم وشفيعتهم كما استغلت مكانتها، كزوجة لوزير الخارجية، لتحميهم وتدعمهم. وكانت جمجوجنا صديقة لرئيسة حكومة إسرائيل السابقة غولدامائير، والتي كانت أول سفير للكيان الإسرائيلي في موسكو حيث ينقل عن جمجوجنا قولها لغولدامائير أثناء حفل استقبال موسكو: «أنا ابنة الشعب اليهودي وأتمنى الرخاء لشعب إسرائيل».
والجدير ذكره أن جمجوجنا كان اسمها بارل كارسبوكا، وشقيقاتها هاجرن إلى فلسطين زمن الانتداب البريطاني.
وقد تنبه ستالين إلى خطر مولوتوف وزوجته وعلاقتهما بدولة إسرائيل عام 1949م، حيث أمر باعتقال جمجوجنا بتهمة علاقتها مع القوميين اليهود وإبعاد مولوتوف عن كل مسؤولياته.
جاء موقف ستالين هذا نتيجة لعلاقة زوجة رجله الأول مولوتوف مع قوميين يهود سعوا إلى إقامة جمهورية لليهود في القرم، وقد أثيرت الدولة اليهودية في القرم عام 1917م بعد الثورة، زمن لينين، وتولى تروتسكي هذه المسألة، إلا أن إبعاد تروتسكي وغيرها من الأحداث لم يساعد على قيام هذا المشروع حينها.
وعام 1944م وخلال الحرب العالمية الثانية، طالب أعضاء اللجنة اليهودية لمكافحة الفاشية، المال من الولايات المتحدة الأميركية لتأسيس مقاطعة زراعيّة يهودية باسم كاليفورنيا القرم، حيث سارع عدد من اليهود إلى شراء الأراضي في القرم حينها، وكان معظهم من اليهود الأميركيين، وقد دعمت الولايات المتحدة هذا المشروع كون القرم كانت منفذًا على البحر الأسود والبلقان وتركيا، فكانت تشكّل في حال قيامها كدولة يهودية، موقعًا أمريكيًّا استراتيجيًّا ومتقدّمًا إلّا أنّ ستالين أدرك خطورة هذا المشروع ووضع حدًّا له[34].
إلا أنّ ذلك لم يكن يعني بأن قوة اليهود داخل الدولة السوفياتية تراجعت، مع إزاحة مولوتوف وزوجته اليهودية.
حيث كان الاتحاد السوفياتي أمام منعطف جديد من خلال انقلاب قام به الحرس القديم وعلى رأسهم باريا رئيس مفوضية الشعب للشؤون الداخلية والذي كان يملك خيوط عمل الأجهزة الأمنية، وأعضاء من المكتب السياسي أمثال خروتشوف ومالينكوف وميكويان وغيرهم، حيث ينقل الباحث الروسي المتخصص في التاريخ الحديث نيكولاي ناد بأن هؤلاء وضعوا السم لستالين وقتلوه، وتسلموا الحكم من بعده[35]، وكان من بينهم بعض اليهود.
نستنتج بالتالي مما ورد
أن النظام الروسي في عهد القياصرة والشيوعيين عرف نفوذًا للقوميين اليهود الذين استطاعوا الوصول إلى مراكز مهمة داخل النظام، ومن خلال موقعهم هذا عملوا على تحقيق الأهداف العامة من سياساتهم التي كانت تصبّ دومًا في مصلحة قوميتهم، وعلى أساس ذلك عملوا على توجيه الاستشراق الروسي نحو:
محاربة الإسلام وتشويه صورته.
تزوير التاريخ لمصلحتهم.
خلق كيان يهودي في فلسطين، والبحث عن الآثار التي تظهر وتؤكّد الوجود التاريخي لليهود لا للعرب داخل مدن فلسطين وأهمها القدس.
لقد عمل اليهود الروس جنبًا إلى جنب مع يهود الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، حتى في العصر السوفياتي، حيث تظافرت جهود يهود الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة على قيام جمهورية يهودية في القرم، وبأموال يهود الولايات المتحدة، وكان لهذا المشروع أن ينجح لولا انتباه بعض كبار رجالات موسكو من خطر مثل هكذا دولة على جيوبوليتك الاتحاد السوفياتي.
كما لاحظنا بأن عمال صهيون، وهم من اليهود الشيوعيين مع حزب البوندا اليهودي قد عملوا على تنظيم هجرة اليهود الروس باتجاه فلسطين تحت عنوان نشر الشيوعية في فلسطين والعالم العربي، وتحت هذا الإطار دعم النظام السوفياتي هذه الهجرة والتي كانت تهدف إلى نشر الشيوعية في نظرهم مقابل البرجوازية العربية والنفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط...
وقد انقسم عمال صهيون بسرعة، حيث ظهر بأن الأعضاء اليهود داخل الحزب الشيوعي كان هدفهم قوميًّا (يهوديًّا) وليس (أمميًّا شيوعيًّا).
هذا ما كان يسيطر على السياسة الروسية طيلة العهدين القيصري والشيوعي، رغم وجود شخصيات صحّحوا المغالطات اليهودية وأعادوا توضيح الحقائق التاريخية عن الشرق والإسلام. إلّا أنّ روسيا لا تزال إلى اليوم على علاقة وطيدة مع الكيان الصهيوني، وذلك نتيجة:
الوجود اليهودي القومي داخل روسيا.
نفوذهم الاقتصادي.
الأصول الروسية للأشكنازيم الذين يمثّلون حوالي 90% من يهود العالم.
----------------------------------------
[1]*- باحث، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الرابع، قسم التاريخ.
- الجار الله، سليمان، جهود الاستشراق الروسي في مجال السنة والسيرة، ص4-5.
[2]- الجار الله، سليمان، جهود الاستشراق الروسي في مجال السنة والسيرة، ص4-5.
[3]- ينظر: في تتبع جذور الاستشراق الروسي في القرن الثامن عشر، ولاسيما في عهدي بطرس الأول وكاترينا الثانية إلى: دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي لكراتشكوفسكي ص٤٠ فما بعدها، وكذلك الاستشراق الروسي للدكتور عبد الرحيم العطاوي ص٥٩ فما بعدها.
[4]- انظر: كراتشكوفسكي، دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي، ص٤٣؛ غريزنيفيتش، بيوتر، «القرآن في روسيا»، في أبحاث جديدة للمستعربين السوفيت، الكتاب الأول ص٢٥١.
[5]- ينظر: دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي ص٥٣، وكذلك الاستشراق الروسي للدكتور عبد الرحيم العطاوي ص٦٤-٦٥.
[6]- يمكن العودة للاستزادة إلى: الساموك، سعدون، الاستشراق الروسي، ص15-16.
[7]- يمكن العودة للاستزادة إلى: م.ن، ص16.
[8]- يجمع الباحثون في الاستشراق الروسي، على تحديد تلك البداية وأهميتها في تاريخ الاستشراق: ينظر في ذلك مثلاً: دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي، م. س، ص٧٣.
Years of oriental studies in Russia.
الدراسات العربية في الاتحاد السوفيتي، تسيريتيلي، مجلة المجمع العلمي العربي، دمشق، مجلد٣١/ ٥٦١.
[9]- الساموك، سعدون، الاستشراق ومناهجه في الدراسات الاسلامية، ص130.
[10]- الاستشراق ومناهجه في الدراسات الاسلامية، م. س، ص133.
[11]- الساموك، سعدون، الاستشراق الروسي، دراسة تاريخية شاملة، ص55.
[12]- الزعبي، محمد، الاستشراق والاسلام، ص31.
[13]- أبو هاشم، أميرة، المستشرقون وموقفهم من التاريخ الإسلامي، ص66-68.
[14]- شهاب، محمد أسد، الاستشراق الروسي، ص24-25.
[15]- الاستشراق الروسي، م. س، ص25.
[16]- م. ن، ص25
[17]- م. ن، ص26.
[18]- الاستشراق الروسي، م. س، ص26.
[19]- م.ن، ص26.
[20]- م. ن، ص15-16.
[21]- الأثنوغرافيا: هو علم الإنسان - وصف الأعراق البشرية وأحوال الناس، ويكيبديا.
[22]- الشعوبية: هي حركة ثقافية حضارية مناهضة للعرب، بدأت في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، (عطوان، حسين، الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول، ص149).
[23]- بابك الخرمي: قائد عسكري قاد حركة الخرمية ضد العباسيين في أذربيجان في خلافة المامون العباسي، واستمرت ثورته حوالي العشرين عامًا (إبراهيم، سفيان، سياسة تعيين ولاة الشام والجزيرة في العصر العباسي الأول، ص62).
[24]- المقنع: هاشم بن حكيم تلقب بالمقنع الخرساني، حيث قام بإخفاء قبحه بواسطة قناع من الذهب وقطع من الحرير الأخضر مكان عيني القناع، ادعى الألوهية واجتمع حوله عدد كبير من الناس سجدت له، أباح لأتباعه الحرمات وأسقط الفرائض والعبادات، خرج على الخلافة العباسية إلى أن أرسل له المهدي العباسي جيشًا حاصره فاضطر المقنع إلى الانتحار في تنور من النحاس والقطران المذاب كي لا يبقى له آثر. أحمد صكر وآخرين، العصر العباسي الأول، ص91-92
[25]- الساموك، الاستشراق الروسي، م. س، ص18
[26]- راجع : عبد الرحمن، شعبان، روسيا والمسلمون، مجلة البيان السعودية، 26- 11- 2015م.
[27]- المستعرب تعني المستشرق عند الروس.
[28]- حزب البوندا اليهودي: هو حزب يهودي اشتراكي والذي عرف بمعاداته للصهيونية وعلاقته بالسلطة السوفياتية، وقد تأسس عام 1897م للتصدي لقيصر روسيا الذي ارتكب المذابح ضد يهود روسيا (إلا أن جزءًا من أعضائه انضموا إلى الصهيونية فيما بعد)- مها النتشة، موقع باب الواد على شبكة الإنترنت، 11-7-2019م.
[29]- الكومنترن: الأممية الشيوعية أو الكومنترن منظمة شيوعية دولية أسست في موسكو عام 1919م، دعت إلى استخدام القوة في إسقاط البرجوازية الدولية - ويكيبديا.
[30]- الكيبوسات: مستوطنة زراعية.
[31]- الكولوخوزات: مزارع جماعية في الاتحاد السوفياتي.
[32]- برنامج رحلة في الذاكرة، قناة RT، ستالين وسر الانعطاف الحاد من دعم الثورة الفلسطينية إلى إقامة دولة إسرائيل – يوتيوب.
[33]- م. ن.
[34]- برنامج رحلة في الذاكرة، قناة RT، الباحث نيكولاي ناد، ستالين قتل إثر انقلاب سياسي، youtube.
[35]- للإطلاع على المزيد من التفاصيل: برنامج رحلة في الذاكرة، قناة RT ستالين قتل إثر انقلاب سياسي – youtube.