البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العربية المغربية في خطاب الاستشراق اللغوي

الباحث :  د. خالد احمامو
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  46
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  May / 9 / 2026
عدد زيارات البحث :  272
تحميل  ( 588.424 KB )
الملخص

يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة نقدية في كتاب (An Introduction to the Arabic of Morocco) للمستشرق والصحافي البريطاني (J. E. Budgett Meakin)، الصادر سنة 1891م، من خلال مساءلة الخلفيات المعرفية والإيديولوجية التي حكمت اشتغاله على العربية المغربية، والكشف عن تمثّلات اللغة والمجتمع المغربيين في الخطاب الاستشراقي اللغوي. ولا ينطلق المقال من منظور وصفي يكتفي بعرض محتويات الكتاب، بل يعتمد مقاربة تحليلية تفكيكية تتعامل مع النص بوصفه خطابًا ثقافيًا مشروطًا بسياقه الاستعماري، حيث تتقاطع اللغة بالسلطة، والمعرفة بالمنفعة.
ينطلق البحث من تقديم المؤلّف والكتاب في سياقهما التاريخي والمعرفي، مبرزًا أن (Meakin) لم يكن باحثًا لسانيًا محايدًا، بل فاعلًا صحافيًا منخرطًا في شبكة المصالح البريطانية بالمغرب، وهو ما انعكس في اختياراته المنهجية والمعجمية. ويُظهر التحليل أن العربية المغربية تُقدَّم في الكتاب بوصفها لهجة وظيفية قابلة للتبسيط والاختزال، من خلال انتقاء معجم نفعي يهيمن عليه فعل الأمر والتبادل العملي، مع تغييب شبه تام للأبعاد التداولية والثقافية للغة.
كما يبيّن المقال أن الأمثلة التركيبية والصوتية التي يوردها (Meakin)، رغم سلامتها الشكلية، تُقدَّم خارج سياقها الاجتماعي، وتُقاس بمدى ملاءمتها للمتعلّم الغربي، لا بانتظامها الداخلي، مما يؤدي إلى إنتاج صورة اختزالية عن العربية المغربية بوصفها لغة بسيطة ومباشرة. ويخلص البحث إلى أنّ الادّعاء بالحياد الوصفي يخفي وظيفة استعمارية ضمنية تتمثّل في إنتاج معرفة لغوية قابلة للاستعمال الأداتي، أكثر من كونها معرفة علمية قائمة على الفهم المتبادل. وبذلك يؤكّد المقال ضرورة إعادة قراءة المتون الاستشراقية اللغوية في ضوء اللسانيات الحديثة ودراسات ما بعد الاستعمار.

الكلمات المفتاحية: الاستشراق اللغوي، العربية المغربية، J. E. Meakin، صورة المغرب، الخطاب الاستعماري، التمثيل اللغوي.

مقدمة
يشكّل الاهتمام الاستشراقي بالعربية المغربية أحد المداخل الأساسية التي جرى من خلالها بناء صورة المغرب لغويًا وثقافيًا في الوعي الغربي الحديث؛ حيث قُدِّمت غالبًا باعتبارها لهجة منحرفة عن العربية الفصحى، أو نظامًا لغويًا ناقصًا، لا يكتسب مشروعيته إلا بقدر ما يخدم أغراض التواصل العملي، أو الإدارة الاستعمارية، أو المعرفة الإثنوغرافية، ولم تَرْقَ، في معظم الكتابات الاستشراقية، أن تكون نسقًا لسانيًا متجّذرًا في سياق اجتماعي وتاريخي مركّب. وفي هذا السياق يندرج كتاب (J. E. Budgett Meakin)[2] الموسوم بـ«An Introduction to the Arabic of Morocco» الصادر سنة 1891م، باعتباره نموذجًا للاستشراق اللغوي الوظيفي، الذي يتخفّى وراء خطاب الوصف اللغوي، بينما يضمر تصوّرات ثقافية وإيديولوجية عميقة عن المغرب وأهله ولغتهم.

ولا تنطلق هذه القراءة من الرغبة في إعادة عرض محتوى الكتاب أو تلخيص فصوله، بقدر ما تسعى إلى مساءلة شروط إنتاجه المعرفي، وتفكيك آلياته الخطابية، والكشف عن تمثلاته الضمنية للعربية المغربية بوصفها لغة الآخر.
فالسؤال المركزي الذي يؤطر هذا المقال هو: إلى أي حدّ يمكن اعتبار الوصف اللغوي الذي يقدّمه (Meakin) وصفًا علميًا محايدًا، وإلى أي حدّ يندرج ضمن مشروع استشراقي أوسع لإنتاج معرفة وظيفية عن المغرب؟
إن استحضار هذا السؤال يقتضي التعامل مع الكتاب باعتباره نصًّا ثقافيًّا وخطابيًّا، تتقاطع فيه اللغة بالسلطة، والوصف بالتمثيل، والمعرفة بالإيديولوجيا، وهو ما يؤكّد عليه إدوارد سعيد حين يبيّن أن النصوص الاستشراقية، مهما بدت متخصصة أو تقنية، تظل جزءًا من خطاب شامل يعيد إنتاج علاقات القوة بين الذات الغربية والآخر الشرقي[3] .
ينتمي (Meakin) إلى جيل من المستشرقين البريطانيين الذين جمعوا بين الاهتمام اللغوي والاشتغال الصحافي والسياسي بالمغرب، إذ شغل منصب محرر (The Times of Morocco)، وهو معطى ليس تفصيليًّا أو عرضيًّا، وإنما كاشف عن طبيعة موقعه المعرفي ووظيفته الخطابية. وهو ما يجعل العربية المغربية تُقدَّم هنا بوصفها أداة تواصل، لا بوصفها تعبيرًا عن هوية لغوية وثقافية مستقلة.

ومنذ الصفحات الأولى، يَظهر أن مفهوم التقديم (Introduction) الذي يتوسل به (Meakin) ليس بريئًا؛ فهو يفترض ضمنيًا أن القارئ المفترض هو أجنبي، غالبًا أوروبي، يسعى إلى امتلاك حد أدنى من اللغة يسمح له بالتفاعل مع المجتمع المغربي من موقع التفوّق المعرفي. بهذا المعنى، تصبح العربية المغربية موضوعًا للتملّك اللغوي، لا مجالًا للفهم المتكافئ، وهو ما يتقاطع مع تحليل فوكو للخطاب بوصفه ممارسة تنتج المعرفة وتؤطّرها ضمن أنظمة السلطة .[4]
ويسعى (Meakin) إلى تثبيت العربية المغربية في شكل منظومة قواعدية ومعجمية مغلقة، يتم انتقاؤها وتبسيطها وفق حاجات المتلقّي الغربي. ويُلاحظ أن هذا التبسيط لا يخلو من أحكام ضمنية، حيث تُختزل الظواهر الصوتية والتركيبية والدلالية في كونها انحرافات أو اختصارات عن النموذج الفصيح، وهو ما يعكس تصورًا هرميًا للغات، يضع العربية الفصحى في القمة، واللهجات العامية في مرتبة دنيا، دون اعتبار لمسارات التطور الطبيعي للغات.[5]
ومن هنا، فإن نقد هذا الكتاب ينبغي أن يتجاوز دقته الوصفية إلى الإطار المعرفي الذي يجعل من الوصف ذاته ممارسة إيديولوجية. فالعربية المغربية، في هذا العمل، تُنتزع من سياقها الثقافي، وتُعاد صياغتها في قالب يخدم أغراض الفهم السريع والسيطرة الرمزية. وهذا ما ينسجم مع ما أشار إليه أسد طلال من أن المعرفة الأنثروبولوجية واللغوية عن المجتمعات المستعمَرة غالبًا ما كانت مشروطة بسؤال المنفعة والاستعمال، لا بسؤال الفهم المتبادل.[6]
فدراستنا هذه لا تهدف إلى محاكمة (Meakin) بأدوات أخلاقية معاصرة، وإنما نسعى إلى تفكيك منطق الخطاب الذي ينتج نصّه، والكشف عن كيفية اشتغال اللغة بوصفها حقلًا للتمثيل والاستحواذ. ومن هذا المنطلق، سنتتبع تمثّلات العربية المغربية في الكتاب، وتحليل المعجم المختار، والأمثلة المستعملة، وطريقة تقديم القواعد، من أجل إبراز كيف يتحوّل الوصف اللغوي إلى آلية لإعادة إنتاج صورة نمطية عن المغرب ولغته.

بين سيرة المؤلف ومقاصد الكتاب: مدخل إلى القراءة النقدية
يُعدّ (J. E. Budgett Meakin 1866–1906م) من أبرز الأسماء البريطانية التي اشتغلت على المغرب في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، جامعًا بين الاهتمام اللغوي، والعمل الصحافي، والانخراط غير المباشر في السياق الاستعماري البريطاني. لم يكن (Meakin) مستشرقًا أكاديميًا بالمعنى الجامعي الصارم، بقدر ما كان كاتبًا ميدانيًا وصحافيًا مقيمًا بالمغرب، حيث تولّى تحرير صحيفة (The Times of Morocco)، وهو معطى أساسي لفهم موقعه المعرفي ووظيفته الخطابية. فقد مكّنه هذا الموقع من الاحتكاك اليومي بالمجتمع المغربي، لكنه في الوقت نفسه جعله فاعلًا داخل شبكة المصالح السياسية والاقتصادية التي كانت تحكم نظرة بريطانيا إلى المغرب في تلك المرحلة. وإلى جانب كتابه ( An Introduction to the Arabic of Morocco ) الصادر سنة 1891م، ألّف (Meakin) عددًا من الأعمال التي تناولت المغرب من زوايا لغوية وإثنوغرافية وسياسية، من بينها: (The Moors) و(Life in Morocco)، و(The Land of the Moors: a comprehensive description) سنة 1901م، و(The moors: a comprehensive description) سنة 1902م، ثم كتاب (The moorish empire: a historical epitome) سنة 1899م. وهي كتب تندرج ضمن ما يمكن تسميته بالأدب الاستشراقي الوصفي ذي النزعة التبسيطية. وتكشف هذه الأعمال مجتمعة عن تصور يعتبر المعرفة باللغة والعادات المحلية أداة ضرورية لفهم المجتمع المغربي والتحكّم في آليّات التواصل معه، لا مدخلًا لإقامة حوار ثقافي متكافئ. ومن ثمّ، فإن اشتغال (Meakin) على العربية المغربية لا ينفصل عن خلفيته الصحافية والاستعمارية، بل يندرج ضمن نمط من الإنتاج المعرفي الذي يزاوج بين الادعاء بالوصف العلمي والهدف العملي الوظيفي، وهو ما يجعل أعماله مادة خصبة للقراءة النقدية التي تتجاوز المستوى اللغوي إلى تفكيك شروط إنتاج المعرفة الاستشراقية وحدود حيادها.
ويُعدّ كتاب (An Introduction to the Arabic of Morocco) من أوائل المؤلّفات التي خُصّصت لوصف العربية المغربية في إطار استشراقي لغوي ذي طابع عملي. ألّفه المستشرق والصحافي البريطاني (J. E. Budgett Meakin)، وصدر لأول مرة سنة 1891م بلندن، في سياق تاريخي اتسم بتزايد الاهتمام الأوروبي بالمغرب قبيل فرض نظام الحماية، وبحاجة متنامية إلى أدوات معرفية تمكّن الفاعلين الغربيين من التواصل مع المجتمع المحلي. يندرج الكتاب ضمن سلسلة من الأعمال التي سعت إلى تقديم «مداخل» مبسّطة إلى لغات المجتمعات غير الأوروبية، موجَّهة أساسًا إلى الدبلوماسيين، والتجار، والصحافيين، والإداريين، لا إلى المتخصّصين في اللسانيات بالمعنى الأكاديمي الصارم.

من حيث البناء، يتكوّن الكتاب من مقدمة تمهيدية يوضح فيها المؤلِّف أهداف عمله والجمهور المستهدف، تليها فصول مخصّصة لعرض المبادئ العامة للنطق، وبعض الظواهر الصوتية التي يراها إشكالية بالنسبة للمتعلم الإنجليزي، ثم أقسام تتناول التراكيب الأساسية، وصيغ الفعل، والنفي، والضمائر، قبل أن يُختتم بمعجم ثنائي (English–Arabic) يركّز على الألفاظ الأكثر تداولًا في الحياة اليومية. ويلاحظ أن هذا التنظيم يعكس تصورًا وظيفيًا للغة، يقوم على انتقاء ما يُعدّ ضروريًا للتواصل السريع، مع إقصاء ما يُنظر إليه باعتباره غير ذي فائدة عملية.
ولا يقدّم (Meakin) كتابه بوصفه دراسة لسانية وصفية بالمعايير الحديثة، بل باعتباره دليلًا عمليًا لتعلّم العربية المغربية، وهو ما ينعكس بوضوح في طبيعة الأمثلة المختارة، وفي اختزال الظواهر اللغوية في صيغ مبسّطة، غالبًا ما تُقاس على نموذج العربية الفصحى أو اللغة الإنجليزية. ومن ثمّ، فإن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في معطياته اللغوية، بل في كونه وثيقة معرفية تعبّر عن نمط خاص من الاشتغال الاستشراقي على اللغة، حيث يتداخل الوصف اللغوي مع التمثيل الثقافي، وتُختزل العربية المغربية في كونها أداة تواصل وظيفية، لا تعبيرًا عن نسق لغوي وثقافي متكامل.

وبهذا المعنى، يشكّل كتاب (An Introduction to the Arabic of Morocco) مادة مركزية لدراسة صورة العربية المغربية في الخطاب الاستشراقي اللغوي، إذ يسمح بتحليل العلاقة بين الادعاء بالعلمية والحياد من جهة، والوظيفة الاستعمارية الضمنية للمعرفة اللغوية من جهة أخرى، ضمن سياق تاريخي ومعرفي غير متكافئ.

تفكيك الخلفية الاستشراقية اللغوية للكتاب، وتحليل تمثيل العربية المغربية بوصفها «لهجة وظيفية»
إن القراءة المتأنّية للكتاب تكشف أن العربية المغربية لا تُقدَّم فيه باعتبارها نتاجًا تاريخيًا واجتماعيًا معقّدًا، بل بوصفها موضوعًا قابلًا للتبسيط والاختزال والتشييء. فاختيار (Meakin) لمفهوم «Arabic of Morocco» بدل «Moroccan Arabic» ليس بريئًا لغويًا ولا دلاليًا؛ إذ يوحي بأن الأمر يتعلق بفرع من العربية الكبرى، لا بكيان لغوي له استقلاله النسبي وسياقاته التداولية الخاصة. بهذا المعنى، تُدرج العربية المغربية منذ العنوان ضمن علاقة تبعية، لا ضمن علاقة تفاعل أو تغاير مشروع، وهو ما يعكس تصورًا استشراقيًا كلاسيكيًا يقوم على تراتبية اللغات والثقافات[7] .

ويزداد هذا التصور وضوحًا حين ننتقل إلى الطريقة التي يُقارب بها (Meakin) البنية اللغوية ذاتها. فالكتاب لا ينطلق من وصف الاستعمال الفعلي للغة في سياقاتها الاجتماعية المختلفة، بل من رغبة في إنتاج نسخة قابلة للاستعمال من العربية المغربية، موجّهة إلى متعلّم أجنبي. هنا تتحوّل اللغة من ظاهرة اجتماعية إلى أداة نفعية، وتُفرغ من بعدها الهوياتي والثقافي. إن هذا المنحى الوظيفي لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري الذي كُتب فيه الكتاب، حيث كانت الحاجة ماسة إلى أدوات لغوية تمكّن الإداريين والتجار والصحافيين من التواصل مع السكان المحلّيين بأقل جهد ممكن، ودون حاجة إلى فهم عميق لبنيات المجتمع أو رموزه الثقافية.

ويظهر هذا المنطق بجلاء في المعجم الذي يختاره (Meakin)، إذ يركّز على ألفاظ الحياة اليومية، والأوامر، والتعاملات العملية، مع حضور لافت لمفردات السلطة، والتجارة، والتنقل، في مقابل غياب شبه تام للمجالات التعبيرية المرتبطة بالثقافة، أو الشعر، أو التخيل، أو الدين في أبعاده الرمزية. وهذا الاختيار المعجمي ليس محايدًا؛ لأنه يختزل المتكلّم المغربي في كائن وظيفي، لا في ذات لغوية وثقافية كاملة. فاللغة، كما يقدّمها المستشرق، قناة تواصل محدودة تخدم حاجات الآخر الغربي بالدرجة الأولى، وليست وسيلة تعبير عن الذات تختزن العبر والحكم.
أما على مستوى القواعد، فإن (Meakin) يعتمد مقاربة تبسيطية تقوم على المقارنة الضمنية بالعربية الفصحى، حيث تُعرض الظواهر الصرفية والتركيبية بوصفها أشكالًا مختصرة أو محرّفة عن الأصل. ويُلاحظ أن هذا التوصيف لا يُناقش من زاوية التطور اللغوي الطبيعي، أو من منظور لساني وصفي حديث. وهنا تتجلّى إحدى مشكلات الاستشراق اللغوي، المتمثّلة في إسقاط معايير معيارية مسبقة على لغات الآخرين، بدل الانطلاق من منطقها الداخلي[8].

والواضح أن ما يغيب في هذا الكتاب، إضافة إلى التحليل التاريخي لتشكّل العربية المغربية، الاعتراف بتعدّدها الداخلي وتنوّعها الجهوي والاجتماعي. فالعربية المغربية تُقدَّم بوصفها كيانًا متجانسًا، ثابتًا، صالحًا لأن يُختزل في مقدمة واحدة، وهو ما يتناقض مع الواقع اللساني المعقّد للمغرب. هذا التوحيد القسري للغة يعكس رغبة في السيطرة المعرفية، إذ لا يمكن إدارة التعدّد بسهولة، بينما يسهل التعامل مع صورة لغوية مبسطة ومقولبة.
ويزداد البعد التمثيلي وضوحًا حين ننتبه إلى الأمثلة التي يوردها (Meakin) لتوضيح القواعد أو المفردات. فهذه الأمثلة لا تُستقى من نصوص طبيعية أو خطابات واقعية، بل تُصاغ غالبًا بشكل اصطناعي، يعكس تصوّر المؤلِّف لما ينبغي أن يقوله المغربي. وبهذا، يصبح المتكلّم الأصلي غائبًا عن نص يفترض أنه يصف لغته. فاللغة تُعرض دون أصوات أهلها، ودون سياقاتهم التداولية الحقيقية، وهو ما يحوّلها إلى كيان مجرد، منزوع الذاتية.

هذا الغياب ليس عرضيًا، بل يتّسق مع ما وصفه طلال أسد بكون الخطاب الاستشراقي خطابًا يتكلّم عن الآخر بدل أن يتيح له الكلام.[9] فالمغربي، في كتاب (Meakin)، ليس ذاتًا لغوية فاعلة، وإنما موضوعًا للوصف، ومادة للشرح، ومصدرًا للمعطيات التي يُعاد ترتيبها وفق منطق خارجي. وبهذا المعنى، فإن الكتاب يقدّم العربية المغربية كما ينبغي أن تكون في نظر المستشرق لا كما هي.
ولا يمكن إغفال أن هذا المنهج في التعامل مع اللغة يُنتِج، في نهاية المطاف، صورة ثقافية مضمرة عن المغرب ذاته. فحين تُقدَّم لغته بوصفها بسيطة، مختزلة، وظيفية، فإن ذلك ينعكس ضمنيًا على تصور المجتمع الذي يتكلّمها. فاللغة هنا تصبح مرآة لتمثّلات ثقافية ترى في المجتمع المغربي كيانًا تقليديًا، محدود التعقيد، قابلًا للفهم السريع والسيطرة الرمزية. وهذا ما يجعل من الكتاب، رغم طابعه اللغوي، نصًا ثقافيًا بامتياز، يشارك في إنتاج صورة نمطية عن المغرب ولغته.[10]
إن نقد كتاب (Meakin) إذن لا يعني إنكار قيمته التوثيقية أو تجاهل معطياته اللغوية، وإنما يقتضي وضعه في إطاره الاستشراقي الصحيح، والكشف عن حدوده المعرفية والإيديولوجية؛ لأن المشكلة تتجاوز الاشتغال على العربية المغربية إلى الطريقة التي يُشتغل بها عليها، وفي الأفق الذي يُرسم لها داخل خطاب معرفي غير متكافئ.

العلمية اللغوية المعلنة ووظيفتها الاستعمارية الضمنية: حدود الادعاء بالحياد الوصفي
عند فحص الأمثلة المعجمية التي يوردها[11] (Meakin) في القسم الخاص بـ(English–Arabic Vocabulary)، يلاحظ القارئ أن الحقول الدلالية المختارة ليست عشوائية. فمثلًا نجده يورد ألفاظًا من قبيل give, take, come here, go away, how much?, bring, sell, buy، ويقابلها بصيغ دارجة مبسطة، غالبًا من نمط ʿṭi, khud, ji hna, sir, bshḥal?، دون أي إشارة إلى السياق التداولي أو الفروق الاجتماعية التي تحكم استعمال هذه الصيغ. هذا التقديم يوحي بأن العربية المغربية نظام مباشر للأوامر والتبادلات، ويُغفل تمامًا البعد التداولي الذي يجعل اختيار الصيغة مرتبطًا بالمقام، وبعلاقات السلطة، وبالسن، وبالنوع الاجتماعي. إن تغييب هذه الأبعاد ليس مسألة تقنية، بقدر ما هو تصور يرى اللغة أداة شفافة للتواصل، لا ممارسة اجتماعية معقدة، وهو ما ينسجم مع الرؤية الاستشراقية الوظيفية للغات الشرقية[12].

وفي الأمثلة التركيبية، يعمد (Meakin) إلى تقديم الجملة الدارجة في أبسط صورها، مثل: ana bghit nmshi أو huwa ja l-lyum، دون أي تعليق على التنويعات الممكنة، أو على البنية الإيقاعية والنبرية للجملة، وكأن اللغة نظام خطي بسيط يمكن نقله إلى المتعلّم الأجنبي دون خسائر دلالية. غير أن هذا التبسيط يتجاهل أن الدارجة المغربية، في استعمالها الطبيعي، تعتمد بكثافة على الحذف، والتلميح، والتناوب بين العربية والأمازيغية، وأحيانًا الفرنسية، وهو ما لا نجده حاضرًا في أمثلة (Meakin)؛ بذلك تصبح العربية المغربية في الكتاب نسخة مصطنعة، أقرب إلى لغة تعليمية مختلَقة منها إلى لغة اجتماعية حيّة[13].
ويتضح المنطق نفسه في معالجة الظواهر الصرفية، حيث يصف[14] (Meakin) بعض الأفعال بوصفها «Irregular» أو «Corrupted forms» مقارنة بالعربية الفصحى، من دون أن يناقش هذه الصيغ في إطار تطورها التاريخي أو انتظامها الداخلي. فصيغة مثل kan- ktb تُقدَّم باعتبارها حالة خاصة أو استعمالًا عمليًّا، لا نظامًا دلاليًّا يعبّر عن الاستمرارية أو العادة. هذا النوع من التوصيف يعكس مركزية الفصحى بوصفها معيارًا، في حين تُختزل الدارجة في كونها انحرافًا عن هذا المعيار، وهو ما يتناقض مع مبادئ اللسانيات الوصفية الحديثة[15] .

ومن اللافت أيضًا أن (Meakin) لا يستشهد بأي خطاب طبيعي صادر عن متكلّمين مغاربة، فلا نجد حكاية قصيرة، ولا حوارًا حقيقيًا، ولا نصًا شفهيًا منقولًا كما هو. كل الأمثلة مصاغة من طرف المؤلِّف نفسه، وهو ما يجعل اللغة المعروضة لغة مُمثَّلة لا لغة مُعاشة. إن هذا الغياب للصوت المحلي يحوّل المغربي من ذات متكلِّمة إلى موضوع لغوي، ويجعل من المستشرق الوسيط الوحيد بين اللغة ونصّها، وهو ما أشار إليه طلال أسد عند حديثه عن السلطة المعرفية في الخطاب الكولونيالي[16].
حتى حين يتطرّق (Meakin) إلى بعض الخصوصيات الصوتية، فإنه يفعل ذلك من زاوية الصعوبة التي يواجهها المتعلِّم الإنجليزي، لا من زاوية القيمة البنيوية لهذه الخصوصيات. فالأصوات الحلقية أو التفخيم تُقدَّم بوصفها مشكلات نطق، لا سمات نظامية تؤدّي وظائف تمييزية داخل اللغة. هذا المنظور التعليمي الضيق يعيد إنتاج مركزية المتعلم الغربي، ويجعل اللغة تُقاس بمدى ملاءمتها له، لا بمدى اتّساقها الداخلي[17].
ومن هنا، يجب قراءة «An Introduction to the Arabic of Morocco» باعتباره نصًا معرفيًا مشروطًا بسياقه التاريخي، ومنخرطًا في إنتاج تمثّلات معينة عن اللغة والمجتمع المغربيين. ونقد هذا النص لا يتم خارج أمثلته، بل من داخلها، عبر مساءلة ما تقوله وما تسكته، والطريقة التي تجعل من اللغة موضوعًا خاضعًا لمنطق الآخر.

خطاب سهولة التعلّم في مقدمة (Meakin) وغاياته الوظيفية: من الادعاء التعليمي إلى المنطق الاستشراقي
تتجلى الخلفية الاستشراقية لكتاب (Meakin)[18] بوضوح منذ الصفحات التمهيدية، حيث يقدّم المؤلِّف عمله باعتباره مقدمة عملية تمكّن القارئ الإنجليزي من التعامل مع المغاربة بلغتهم اليومية. هذا الخطاب التمهيدي، وإن بدا تقنيًا ومحايدًا، يؤسس منذ البداية لعلاقة غير متكافئة بين المتعلّم واللغة المتعلَّمة؛ إذ لا تُقدَّم العربية المغربية بوصفها لغة جديرة بالفهم لذاتها، وإنما كوسيلة نافعة لتحقيق أغراض محدّدة، وهذا المنطق الأداتي ينسجم مع ما وصفه إدوارد سعيد بكون المعرفة الاستشراقية معرفة موجَّهة بالمنفعة والهيمنة لا بالفضول العلمي الخالص[19].
ويظهر هذا التوجّه بوضوح في اختيار(Meakin) [20]للأمثلة الحوارية، حيث يغلب عليها طابع الأمر والسؤال المباشر، من قبيل (:ji hna تعال إلى هنا)، sīr l-š-šūq) اذهب إلى السوق)، ʿṭīni l-mā) أعطني الماء)، وهي صيغ تُقدَّم دون أي إحالة إلى مستويات التهذيب أو الصيغ التداولية البديلة التي تزخر بها العربية المغربية. فغياب صيغ التلطيف، أو أدوات الاستئذان، أو التراكيب الالتفافية، يجعل الخطاب الدارج يبدو خشنًا ومباشرًا، وكأن هذه السمة خاصية جوهرية للغة ذاتها، لا نتيجة لاختيار انتقائي للأمثلة. بهذا، تتحول اللغة إلى انعكاس لصورة ثقافية ضمنية عن بساطة المتكلم المغربي، وهو ما يعيد إنتاج نمط من التمثيل الثقافي الذي طالما وسم الخطاب الاستشراقي.[21]

وعلى مستوى توصيف البنية النحوية، يعتمد (Meakin)[22] على مقارنات ضمنية مع العربية الفصحى، حيث تُقدَّم بعض الظواهر الدارجة بوصفها اختصارات أو تبسيطات. فاستعمال أداة الزمن ka- أو kan-، مثل kan-ktb، تذكر عرضًا بوصفها استعمالًا شائعًا، ولا تُحلَّل باعتبارها نظامًا دلاليًّا متكاملًا للتعبير عن الاستمرارية أو العادة. هذا التناول السطحي يغفل ما أثبته الدرس اللساني الحديث من أن الدارجة المغربية تمتلك نظامًا زمنيًا خاصًا ومنتظمًا، لا يقل تعقيدًا عن أنظمة لغوية أخرى[23].
وتتأكّد هذه النزعة المعيارية في توصيفه لبعض الصيغ الصوتية، حيث يشير إلى أصوات مثل /ʕ/ و/ḥ/ بوصفها صعبة على المتعلّم الإنجليزي، دون أن يناقش وظيفتها التمييزية داخل النظام الصوتي للغة. فالصوت هنا يُنظر إليه كعقبة أمام المتعلّم الغربي لا كعنصر بنيوي، وهو ما يعكس تمركزًا واضحًا حول ذات المتعلّم لا حول اللغة نفسها[24]. هذا التمركز، كما يلاحظ عبد السلام المسدي، يُفضي إلى تحويل اللغات غير الأوروبية إلى مشكلات تعليمية بدل أن تكون أنظمة قائمة بذاتها[25] .

ومن اللافت أيضًا أن(Meakin) [26]يتجاهل تمامًا التعدّد اللساني الذي يميز السياق المغربي، فلا نجد أي إشارة إلى التفاعل بين العربية المغربية والأمازيغية، أو إلى أثر هذا التفاعل في المعجم أو التركيب. فالعربية المغربية تُقدَّم وكأنها لغة قائمة في فراغ اجتماعي ولساني، وهو ما يتناقض مع الواقع التاريخي والثقافي للمغرب. هذا الإقصاء للتعدد لا يمكن فصله عن منطق التبسيط المعرفي الذي يسعى إلى تقديم موضوع واضح المعالم، سهل التملّك، وقابل للتدريس السريع، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة العلمية.[27]
إن غياب المتكلّم المغربي كفاعل لغوي في الكتاب يُعدّ من أبرز مظاهر الاختلال المعرفي فيه. فالأمثلة لا تُنسب إلى متكلّمين حقيقيين، ولا تُؤطَّر بسياقات تواصلية واقعية، مما يجعل اللغة المعروضة لغة مفترضة لا لغة موثّقة[28]. بهذا، يحتكر المؤلِّف سلطة التمثيل، ويعيد إنتاج اللغة وفق تصوّره الخاص وهو ما يجعل النص الاستشراقي، كما يؤكد سعيد، نصًّا يتكلّم عن الشرق بدل أن يصغي إليه[29] .

ويُظهر الرجوع الدقيق إلى متن كتاب «An Introduction to the Arabic of Morocco» أن (Meakin) يقوم بعملية انتقاء لغوي موجَّه، تجعل من العربية المغربية لغة قابلة للاختزال والتقنين وفق حاجات المتلقّي الغربي. ففي القسم المعجمي، مثلًا، تتكرّر ألفاظ من قبيل (sīr اذهب)، (ji تعال)، (ʿṭīniأعطني)، (khud أخذ)، (bīʿ بِع)، (shrī اشترِ)، وهي صيغ يغلب عليها طابع الأمر والفعل المباشر. ولا نجد، بالمقابل، أي حضور لصيغ المجاملة أو التلطيف مثل ʿafāk, llāh ykhlīk, ila smḥtī,، وهي صيغ مركزية في التداول اليومي المغربي. هذا الغياب لا يمكن اعتباره سهوًا، لأنه يعكس تصورًا ضمنيًا يجعل من التواصل مع المغربي فعلًا مباشرًا خاليًا من التعقيد التداولي، ويعيد إنتاج صورة الآخر البسيط الذي لا تحكم لغته قواعد أدب التخاطب المعقّدة.
وفي الأمثلة التركيبية، يورد (Meakin) [30]جُملًا من قبيل: ana bghit nmshi daba، huwa ja l-yum، hadi mzyana، دون أن يعلّق على السياقات التي تستدعي هذه الصيغ أو على إمكانات التنويع فيها. فصيغة (bghit) مثلًا، تُقدَّم كمعادل مباشر لـ(I want)، دون أي إشارة إلى أنّ استعمالها قد يحمل درجات مختلفة من الإلحاح أو التهذيب بحسب السياق. بهذا، يتم إسقاط منطق اللغة الإنجليزية على العربية المغربية، في عملية ترجمة ثقافية غير متكافئة، تجعل من اللغة المحلية مجرد مرآة مشوَّهة للغة المهيمنة[31] .

أما على مستوى الزمن، فإن معالجة(Meakin) [32]لأداة ka- أو kan- تظل معالجة وصفية سطحية. فهو يذكر استعمالات من قبيل: kan-akul أو kan-ktb، لكنه لا يربطها بوظيفتها الدلالية الدقيقة في التعبير عن الاستمرارية أو العادة، ولا يقارنها بوظائف مماثلة في لغات أخرى. هذا التجاهل للبنية الزمنية الداخلية للدارجة يجعلها تبدو لغة فقيرة في أدوات التعبير الزمني، في حين أثبتت الدراسات اللسانية اللاحقة أن نظام الزمن في العربية المغربية نظام غني ومركّب[33]. إنّ هذا النوع من التبسيط لا يخدم الوصف العلمي بقدر ما يخدم هدف التعليم السريع للغة باعتبارها أداة.
ولا يقلّ دلالة عن ذلك تغييب (Meakin) للتعدّد الجهويّ داخل العربية المغربية. فاللغة تُقدَّم وكأنها واحدة متجانسة، في حين أن اختلافات فاس ومراكش والدار البيضاء والبادية تشكّل عنصرًا بنيويًا في الواقع اللساني المغربي. إن هذا التوحيد القسريّ يسهّل امتلاك اللغة معرفيًّا، لكنّه يشوّه حقيقتها. وهو ما يؤكّد أن المعرفة الاستشراقية، كما يذهب عبد الله العروي، تفضّل النسخ المبسّطة للواقع؛ لأنّها أكثر قابلية للتوظيف[34] .

إن تكثيف هذه الأمثلة من داخل كتاب (Meakin)[35] يبيّن أن الخطاب اللغوي فيه ليس بريئًا ولا محايدًا، بل خطاب مشروط بسياق استعماري ومعرفي يجعل من العربية المغربية لغة وظيفية، مختزلة، ومنفصلة عن شروط إنتاجها الثقافية.
ويتجلّى المنحى الاستشراقي في كتاب «An Introduction to the Arabic of Morocco» بوضوح أكبر عند فحص البنية المعجمية المختارة، إذ يعمد(Meakin) [36]إلى انتقاء ألفاظ تحيل، في الغالب، إلى فضاءات السوق والتنقل والخدمة. ففي قائمة الأفعال الأساسية، تتكرر صيغ من قبيل:(bīʿ بع)، (shrī اشترِ)، (ḥsib احسب)(، ʿṭīni أعطني)، (sīr اذهب)، (wqef قف)، وهي أفعال تُدرج دون أي تعليق حول السياق الاجتماعي أو التداولي الذي يُفترض أن تُستعمل فيه. ففعل ʿṭīni، مثلًا، يُقدَّم كصيغة طلب عادية، في حين أن الاستعمال الطبيعي في الدارجة المغربية يفرض غالبًا إدماج صيغ تلطيف مثل: ʿafāk ʿṭīni أو ila smḥtī ʿṭīni، وإغفال هذه الصيغ يعكس تصوّرًا تواصليًّا يجعل المغربي متلقّيًا مباشرًا للأمر، لا شريكًا في فعل لغوي مؤدّب. وهذا ما ينسجم مع ما وصفه إدوارد سعيد بـ: إنتاج الآخر بوصفه كائنًا بسيط البنية، مباشر السلوك.[37]

ويتعزّز هذا التمثيل حين ننتقل إلى الأمثلة الجملية التي يقترحها (Meakin)[38] ، من قبيل: ana bghit had l-ḥaja, huwa ma-fham-sh, hadi mzyana bzaf. فهذه الجمل، وإن بدت صحيحة من الناحية الصورية، فإنها تُقدَّم خارج أي سياق تداولي يحدّد درجات القصد أو الانفعال أو العلاقة بين المتكلّمين. فصيغة (bghit)، مثلًا، لا تُستعمل بنفس القوة التداولية في كل المقامات، وقد تحمل معنى الطلب اللطيف أو الرغبة المؤكّدة أو حتى التذمّر، بحسب النبر والسياق. غير أن (Meakin) يختزلها في معنى واحد مباشر، وهو ما يعكس إسقاط النموذج الدلالي الإنجليزي على بنية عربية مختلفة، في عملية ترجمة ثقافية قسرية.[39]
وعلى مستوى النفي، يورد (Meakin) الصيغة الثنائية ma…sh في أمثلة مثل: ma-ʿrft-sh أو ma-bghit-sh. لكنه لا يلتفت إلى أن هذه الصيغة تحمل، في الاستعمال الحقيقي، إمكانات دلالية تتجاوز النفي البسيط، إذ قد تعبّر عن الاستياء أو الحسم أو حتى السخرية، تبعًا للسياق. إن تقديم النفي بوصفه عملية تركيبية محضة، دون ربطه بقيمه التداولية، يجعل اللغة تبدو ميكانيكية، ويعزلها عن بعدها التعبيري، وهو ما انتقده عبد السلام المسدي حين أشار إلى أن الدرس الاستشراقي يحبس العربية في قوالب صماء، وينزع عنها حيويتها التداولية[40] .

أما في باب الضمائر، فيورد (Meakin) [41]صيغًا مثل: ana, nta, huwa, ḥna، لكنه لا يشير إلى ظواهر الإضمار أو الحذف أو التكرار الضميري التي تميّز الخطاب الشفهي المغربي. فالتعبير :ḥna mšina مثلًا، لا يُستعمل فقط للإخبار، بل قد يحمل دلالة التأكيد الجماعي أو التبرير، خاصة في سياق حواري. هذا الغياب للتحليل التداولي يجعل الضمير مجرد أداة إحالية، لا علامة تفاعلية داخل الخطاب، وهو ما ينسجم مع الرؤية الوظيفية الاختزالية التي تحكم الكتاب.
ويتجلّى التمركز الأوروبي كذلك في معالجة (Meakin) للأمثلة الثقافية. ففي حديثه عن الزمن، يورد عبارات مثل: l-yum, ghdda, daba، لكنه لا يربطها بالتصور المغربي للزمن الذي يتميز بالمرونة وعدم الصرامة الكرونولوجية. فكلمة daba، مثلًا، لا تعني دائمًا «الآن» بالمعنى الزمني الدقيق، بل قد تشير إلى لحظة قريبة أو موقف انتقالي. غير أن (Meakin) [42]يترجمها ترجمة حرفية، متجاهلًا بعدها الثقافي، وهو ما يعيد إنتاج وهم التطابق بين اللغات، أحد أوهام الخطاب الاستشراقي الكلاسيكي .[43]

وفيما يخصّ الحقول الدلالية، يلاحظ غياب شبه تام للألفاظ المرتبطة بالدين، أو الحكمة الشعبية، أو الأمثال، أو التعبيرات المجازية. فلا نجد أمثلة من قبيل: (الله يسر، الله يجيب، مكتوب، الحمد لله)، وهي تعبيرات مركزية في الوجدان اللغوي المغربي. هذا الإقصاء لا يمكن فصله عن رغبة في تقديم لغة محايدة، منزوعـة المرجعية الثقافية، حتى تكون أكثر قابلية للتعلم والاستعمال الوظيفي. وهنا تتقاطع مقاربة (Meakin) مع ما سماه عبد الله العروي تحييد الثقافة المحلية لصالح معرفة قابلة للإدارة[44].
إن تكثيف هذه الأمثلة من داخل متن الكتاب يبيّن أن «An Introduction to the Arabic of Morocco» يشارك في بناء صورة مخصوصة عن العربية المغربية: لغة بسيطة، ومباشرة، وقابلة للاختزال، ومنفصلة عن عمقها الثقافي والتداولي. وهي صورة تجد جذورها في التراث الاستشراقي الذي تعامل مع لغات المستعمرات بوصفها أدوات تواصل لا أنساقًا رمزية مكتملة[45].

الخاتمة
سعت هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية في كتاب «An Introduction to the Arabic of Morocco» لـِ D. Meakin، ليس بوصفه مجرد عمل وصفي في الدارجة المغربية، وإنما باعتباره نصًا معرفيًا يندرج ضمن سياق أوسع هو سياق الكتابات الاستشراقية التي اشتغلت على لغات المجتمعات العربية والإسلامية في ظل اختلال تاريخي في ميزان القوة المعرفية والثقافية. وانطلاقًا من هذا المنظور، لم يكن الهدف هو عرض محتويات الكتاب أو تلخيصها، بل مساءلة اختياراته المنهجية واللغوية، والكشف عن تمثّلاته الضمنية للغة المغربية ولمتكلّميها.
وقد بيّن التحليل أن (Meakin) يعتمد مقاربة اختزالية للغة، تقوم على انتقاء معجم وظيفي محدود يهيمن عليه فعل الأمر والتبادل النفعي والحركة المباشرة، مع تغييب شبه تام لصيغ التهذيب والمجاملة والبعد التداولي الذي يشكّل جوهر التواصل اليومي في المجتمع المغربي. إن هذا الاختيار لا يمكن فصله عن تصوّر نمطي يجعل من اللغة أداة استعمالية سريعة، لا نسقًا ثقافيًا معقّدًا، ويعيد إنتاج صورة المغربي بوصفه آخر بسيطًا في سلوكه اللغوي.
كما أظهر المقال أن الأمثلة التركيبية التي يوردها (Meakin)، رغم سلامتها الشكلية، تُقدَّم خارج سياقها التداولي، بما يؤدّي إلى تفريغها من شحنتها الدلالية والانفعالية. فصيغ مثل (bghit) أو ma…sh أو استعمال الضمائر، تُعالَج بوصفها بنيات ثابتة، في حين أن قيمتها الحقيقية لا تُفهم إلا داخل التفاعل والسياق الاجتماعي. وبهذا، تتحوّل اللغة المغربية في الكتاب إلى منظومة آلية تُقاس بمعيار القابلية للتعلّم من طرف المتلقّي الغربي، لا بمعيار تمثيل الاستعمال الحقيقيّ.
ويتعزّز هذا المنحى في معالجة الزمن والتصوّر الزمني، حيث تُترجم مفردات مثل (daba) أو (ghdda) ترجمة حرفية، دون الالتفات إلى البعد الثقافي الذي يحكم علاقة المتكلّم المغربي بالزمن، وهو بُعدٌ يتّسم بالمرونة وعدم الصرامة الكرونولوجية. إن هذا التجاهل يعكس إسقاطًا للنموذج الغربي الخطي للزمن على لغة تنتمي إلى سياق ثقافي مختلف، فيما يشبه الترجمة الثقافية القسرية التي تحدّث عنها.

ومن النتائج الأساسية التي خلصت إليها الدراسة كذلك تغييب (Meakin) للبعد الثقافي والرمزي للغة المغربية، سواء من خلال إقصاء التعابير الدينية والحكمية والأمثال، أو من خلال تجاهل التعدّد الجهوي الذي يشكّل عنصرًا بنيويًا في الواقع اللساني المغربي. فالعربية المغربية تُقدَّم في الكتاب بوصفها لغة واحدة متجانسة، منزوعـة الخصوصيات المحلّية، وهو ما يسهم في إنتاج معرفة مبسّطة، قابلة للتملّك والإدارة، وفق ما أشار إليه عبد الله العروي في نقده للمعرفة الكولونيالية .
وعليه، يمكن القول إن كتاب (An Introduction to the Arabic of Morocco) لا يكتفي بوصف العربية المغربية، بل يشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في تشكيل صورة معينة عن المغرب ولغته داخل خطاب الآخر. إنها صورة تقوم على الاختزال، والتبسيط، وتحويل اللغة إلى أداة تواصلية محايدة، منفصلة عن شروطها الاجتماعية والثقافية. ومن هنا، تبرز أهمية إعادة قراءة هذا النوع من الأعمال من منظور نقدي، لا يهدف إلى نفي قيمتها التاريخية، وإنما إلى تفكيك خلفيّاتها المعرفية، وفتح أفق جديد لكتابة تاريخ الدرس اللهجي المغربي من داخل سياقه الثقافي واللسانيّ، وبأدوات علميّة أكثر وعيًا بتعقيد اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية ورمزًا للهويّة.

لائحة المراجع المعتمدة
المراجع العربية
العروي، عبد الله، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1970م.
المسدي، عبد السلام، العربية والحداثة، الدار البيضاء: دار توبقال، 1996م.
سعيد، إدوارد، الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981م.

المراجع الأجنبية
Asad, Talal. (1986). The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology. In J. Clifford & G. Marcus (Eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Berkeley: University of California Press.
Caubet, Dominique. (1993). L’arabe marocain. Paris: Peeters.
Hentsch, Thierry. (1996). L’Orient imaginaire: La vision politique occidentale de l’Est méditerranéen. Paris: Éditions de Minuit.
Meakin, David. (1899). An Introduction to the Arabic of Morocco. London: Swan Sonnenschein & Co.
Said, Edward W. (1978). Orientalism. New York: Pantheon Books.

-------------------------------------------
[1]*- باحث في تخصص اللسانيات، المغرب.
[2]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. London: Swan Sonnenschein & Co.
[3]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. New York: Pantheon Books, P.20–23.
[4]- Foucault, Michel. (1971). L’ordre du discours. Paris: Gallimard, P.52.
[5]- Versteegh, Kees. (1997). The Arabic Language. Edinburgh: Edinburgh University Press, P.182.
[6]- Asad, Talal. (1986). The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology. In J. Clifford & G. Marcus (Eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Berkeley: University of California Press, P.159.
[7]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. Op. Cit. P.34.
[8]- Versteegh, Kees. (1997). The Arabic Language. Edinburgh: Edinburgh University Press, P.181.
[9]- Asad, Talal. (1986). The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology. In J. Clifford & G. Marcus (Eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Op. Cit. P.160.
[10]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. Op. Cit. P.40.
[11]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. p, P.25-31.
[12]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. Op. Cit. P.37
[13]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.42-45.
[14]- I bid. P. 8-6.
[15]- Versteegh, Kees. (1997). The Arabic Language. Edinburgh: Edinburgh University Press, P.181
[16]- Asad, Talal. (1986). The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology. In J. Clifford & G. Marcus (Eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Op. Cit, P.159
[17]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.10-12.
[18]- Ibid. Op. Cit. P.1–2.
[19]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. Op. Cit. P.34-32.
[20]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.25-28.
[21]- Hentsch, Thierry. (1996). L’Orient imaginaire: La vision politique occidentale de l’Est méditerranéen. Paris: Éditions de Minuit, P.78.
[22]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.6–7.
[23]- Caubet, Dominique. (1993). L’arabe marocain. Paris: Peeters, P.97–98.
[24]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.10-12.
[25]- المسدي، عبد السلام، العربية والحداثة، ص54-55.
[26]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.60-62.
[27]- Asad, Talal. (1986). The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology. In J. Clifford & G. Marcus (Eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Op. Cit. P.159–160.
[28]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.42-44.
[29]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. Op. Cit. P.21–22.
[30]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.43-45.
[31]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. Op. Cit. P.40-41.
[32]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.52-54.
[33]- Caubet, Dominique. (1993). L’arabe marocain. Op. Cit. P.203.
[34]- العروي، عبد الله، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ص67.
[35]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.3-5.
[36]- Ibid, P.61-68.
[37]- Said, Edward W. (1978). Orientalism. New York: Pantheon Books, P.38-40.
[38]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.44-47.
[39]- Asad, Talal. (1986). The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology. In J. Clifford & G. Marcus (Eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Op. Cit. P.145-146.
[40]- العربية والحداثة.، م. س، ص175.
[41]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit. P.27-29.
[42]- Meakin, J. E. Budgett. (1891). An Introduction to the Arabic of Morocco. Op. Cit., Op. Cit. P.36-38
[43]- Hentsch, Thierry. (1996). L’Orient imaginaire: La vision politique occidentale de l’Est méditerranéen. Op. Cit.
P.112.
[44]- الإيديولوجيا العربية المعاصرة، م. س، ص71.
[45]- Caubet, Dominique. (1993). L’arabe marocain. Op. Cit. P.19-20.