البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القرآن الكريم ومشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة؛ دراسة تحليليّة لآراء المستشرقين

الباحث :  مهدي كنجور ، علي بنائيان أصفهاني
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  47
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 7 / 2026
عدد زيارات البحث :  245
تحميل  ( 712.569 KB )
الملخّص

يهدف هذا البحث إلى دراسةٍ منهجيّة لآراء المستشرقين حول أثر القرآن الكريم في تطوّر الحضارة الإسلاميّة الحديثة، وتحليل تصوّراتهم لدوره في تشكيل أبعادها الفكريّة والعلميّة والثقافيّة والاجتماعيّة. ورغم كثرة الدراسات التي تناولت إسهام القرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة، ما تزال الحاجة قائمة إلى رؤية تحليلية شاملة تستوعب مختلف جوانب هذا التأثير، ولا سيما في ظلّ التحوّلات والتحدّيات المعاصرة. واعتمد البحث المنهج المكتبيّ والمنهج الوصفي التحليليّ، من خلال دراسة نقديّة للمصادر الثانويّة، بما في ذلك الكتب التاريخية، والمقالات والدوريات العلمية، والتفاسير، وتحليل الأدلّة المتعلّقة بدور القرآن في مجالات العلم، والحقوق، والفن، والعمارة، وتقويمها في ضوء آراء المستشرقين. وتنبع أهمية البحث من أنّ فهم طبيعة هذا التأثير يُسهم في تعزيز الوعي بالهويّة الحضاريّة الإسلاميّة، ويتيح الاستفادة من التجربة الحضاريّة القرآنيّة في معالجة قضايا العصر، كما يوفّر أساسًا علميًّا لتقويم الرؤى الاستشراقيّة المتعلّقة بها. وتكشف نتائج الدراسة أن القرآن الكريم شكّل الإطار المرجعيّ للتطوّرات الفكريّة والعلميّة والثقافيّة في الحضارة الإسلاميّة، وأسهم في تحفيز البحث العلميّ والتأمّل في الكون، كما رسّخ منظومة من المبادئ الفطرية، مثل طلب الحقيقة، والعدالة، والمساواة، وحب الجمال، بما انعكس في التشريعات، والسياسات العامة، والقيم الاجتماعية، والإنتاج الفنّي والمعماري. كما يبيّن تحليل آراء المستشرقين وجود تباين في تقويمهم لهذا الدور بين رؤى موضوعية وأخرى متأثّرة بخلفيّات فكرية وثقافية، الأمر الذي يبرز أهمية القراءة النقدية لهذه الآراء. وتخلص الدراسة إلى أن فهم الأثر الحضاري للقرآن، في ضوء هذا التحليل، يسهم في تعميق الحوار الحضاري، ويدعم صياغة مقاربات أكثر فاعلية لبناء حضارة إسلاميّة حديثة تستند إلى القيم القرآنية.

الكلمات المفتاحية: القرآن، الإسلام، بناء الحضارة، تعالي الثقافة، حقوق الإنسان.


مقدّمة

طرح المسألة

كان القرآن الكريم مصدر إلهام ومرشدًا على مدى التاريخ للمسلمين، وذلك بوصفه كلام الله ومحور الدين الإسلامي الحنيف، فهذا الكتاب السماوي لا يبيّن الأسس العقدية والأخلاقية لهذا الدين فحسب، بل يقدّم بوصفه ميثاقًا حضاريًا إسلاميًّا المبادئ والقيم التأسيسية اللازمة لتشكّل حضارة قائمة على الوحي وارتقائها. ومنذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا تركت تعاليم القرآن الكريم آثارًا عميقة في مختلف مجالات الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين، بما في ذلك النظم القانونية والأخلاقية والثقافية والعلمية والفنية، ووفّرت الأرضية اللازمة لازدهار الحضارة الإسلاميّة. ويتناول هذا البحث، بتركيزه على مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة، دراسة وتحليل آراء المستشرقين حول دور القرآن ومكانته في هذا الإطار. يُعدّ القرآن الكريم الأساس الجوهري في تكوّن الحضارة والثقافة الإسلاميّة، من منظور الباحثين في مجال الدراسات الشرقية، بما يتجاوز دوره بوصفه مرشدًا روحيًّا للمسلمين[3].

فمنذ بدء نزول الوحي، كان هذا النص المقدّس مصدر إلهام وموجّهًا لمسار تطور المعرفة والحقوق والفنون وسائر الأبعاد الحيوية للحياة البشرية. وقد أدّت التعاليم الواردة في القرآن دورًا بالغ الأهمية في تشكيل البنى الذهنية والمعايير الاجتماعية والمؤسسات التي أرست دعائم الحضارة الإسلاميّة الغنية والمتنوّعة[4].

ويرى المستشرقون أن للقرآن مكانة محورية وأساسية في المنظومة الفكرية للإسلام. فهذا الكتاب لا يقتصر على تضمّن التعليمات التعبّدية والروحية، بل يشتمل على مجموعة من الأحكام التي تشمل تقريبًا جميع جوانب الحياة الإنسانية، من الأخلاق الاجتماعية والحقوق والسياسة والاقتصاد إلى مختلف الميادين العلمية[5].

ويُنظر إلى القرآن بوصفه دليلًا شاملًا لبلوغ السعادة الدنيوية والفوز الأخروي. وتكمن خصوصية القرآن الفريدة، إضافة إلى فصاحته وبلاغته الأدبيّة، في دعوى خلوده وثباته عبر الزمن ومِنعته من أي تغيير أو تحريف[6].

ونظرًا إلى المكانة المحورية للقرآن، فإن هذا النص المقدّس لا يعمل مرجعًا سلوكيًا في الحياة الفردية للمسلمين فحسب، بل يؤدي أيضًا دورًا أساسيًا في تشكّل الحضارة والثقافة الإسلاميّة وتطوّرهما. فمنذ عصر النبي محمّدn وحتى العصر الذهبيّ للإسلام[7] في مختلف المناطق الجغرافية، كان القرآن مصدر إلهام لإنجازات بارزة في ميادين متنوّعة منها الفن والعلم والفلسفة والعمارة[8].

ويرى هؤلاء الباحثون أن جميع أبعاد الحضارة الإسلاميّة، سواء الجوانب المادية أو غير المادية منها، تجد جذورها أساسًا في القيم الواردة في القرآن[9].

فهذا الكتاب المقدّس ليس دليل المسلمين في إقامة علاقتهم العمودية بخالق الكون فحسب، بل ينظّم أيضًا علاقاتهم الأفقية مع سائر المخلوقات. ومن خلال تعاليمه، لا يزال القرآن يشكّل الهوية والقيم والمعايير التي تمثّل حتى اليوم البنية التحتيّة للحضارة الإسلاميّة[10].

وعلى أيّ حال، فقد ترك القرآن الكريم آثارًا عميقة في تكوّن الحضارة والثقافة في المجتمعات المسلمة. فالتعاليم الواردة في هذا الكتاب المقدّس لم تؤدِ إلى ظهور نظام شامل للشريعة فحسب، بل كانت أيضًا حافزًا للنمو العقلي واكتساب المعرفة والاكتشافات العلميّة[11].

فعلى سبيل المثال، في العصر الذهبي للإسلام، أسهمت المبادئ القرآنية المشجّعة على طلب المعرفة[12] والفضول[13]، والمتجلّية في الآيات التي تدعو الإنسان إلى التفكّر في خلق الكون، إسهامًا بالغًا في تحقيق تقدم ملحوظ في مجالات الفلك والرياضيات والطب والفلسفة. وقد استلهم كثير من المفكّرين المسلمين الذين لا تزال أعمالهم ذات تأثير، أمثال الخوارزمي في الرياضيات وابن سينا في الطب، من التعاليم القرآنية في مسار دراساتهم واكتشافاتهم[14]. وعلاوة على ذلك، أثّر القرآن في أبعاد حضارية أخرى كالفن والعمارة والأدب. ففي مجال العمارة على سبيل المثال، كان للقرآن تأثير في تطور تصميم المساجد وسائر المباني ذات النفع العام التي لم تكن وظائفها دينية فحسب، بل كانت أيضًا مراكز للعلم والتعليم. أمّا فنّ الخط، الذي يُعدّ من أبرز الأشكال الفنية في الحضارة الإسلاميّة، فقد تطور بوصفه أداة لتكريم القرآن وحفظه، نظرًا لحظر التصوير في كثير من السياقات[15].

ومن خلال الخط، تحوّلت الآيات القرآنية إلى أعمال فنية نفيسة تعكس جمال التعاليم الروحية وعمقها. وبذلك، لم يشكّل القرآن الأفق الفكري والحقوقي للحضارة الإسلاميّة فحسب، بل كان له تأثير من الناحية الجمالية[16] والثقافيّة أيضًا[17].

ومع ذلك، لا تزال الآليّة الدقيقة لتأثير القرآن في عملية بناء الحضارة وعناصرها بحاجة إلى دراسات أدق[18].

ففي العصر الراهن، الذي تشهد فيه العولمة[19] والتحوّلات الاجتماعية تسارعًا متزايدًا، يكتسب فهم كيفية إمكان استمرار المبادئ القرآنية في تشكيل الهوية والقيم الإسلاميّة والحفاظ عليها ضمن حضارة وثقافة آخذتين في التحوّل أهمية بالغة[20].

ونظرًا لهذه الضرورة، يهدف هذا البحث إلى دراسة دور القرآن في هذه الأبعاد من خلال دراسة شاملة للمصادر المكتوبة، مع تقديم رؤى قيّمة للمجتمع المسلم عمومًا وللمجتمع الأكاديمي خصوصًا. والهدف النهائي لهذه الدراسة هو تحليل وبيان دور القرآن في تكوّن الحضارة الإسلاميّة وتطورها، وذلك من خلال دراسة عميقة للمصادر المكتوبة لمفكّرين مستشرقين ذوي صلة. ومن جهة أخرى، تنبع أهمية هذا البحث وضرورته من الفجوة البحثية القائمة في تحليل آراء المستشرقين حول دور القرآن في مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة؛ إذ لم تُجرَ حتى الآن دراسة شاملة لهذه الآراء، لا سيّما في ضوء الجهود المعاصرة لإحياء الحضارة الإسلاميّة على أساس القرآن. ويمكن صياغة الأسئلة المحورية للبحث على النحو الآتي: ما أبرز آراء المستشرقين حول دور القرآن ومكانته في مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة؟ وكيف يمكن تقويم التحليل النقدي لآراء المستشرقين حول تأثير القرآن في مختلف أبعاد الحضارة الإسلاميّة الحديثة (كالعلم والحقوق والفن والعمارة)؟ وبالنظر إلى تحليل آراء المستشرقين، ما التحدّيات والفرص القائمة في طريق تحقيق مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة القائم على القرآن؟

وستجيب هذه الدراسة، ذات الطابع الإشكالي، عن هذه الأسئلة معتمدةً على المنهج الوصفي التحليلي[21]، ومستندة إلى المقاربة المكتبيّة. ولهذا الغرض سيجري فحص المصادر المتعلّقة بآراء المستشرقين حول القرآن والحضارة الإسلاميّة، بما في ذلك الكتب والمقالات العلمية والبحثية، وإخضاعها لتحليل نقديّ. والهدف من هذا المنهج هو تحديد آراء المستشرقين المتنوّعة ووصفها ثم تحليلها، وتقديم تقويم شامل لموقفهم من دور القرآن في مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة. ومن المتوقّع أن تسهم هذه الدراسة في فهم أعمق لتأثير القرآن في تشكيل الحضارة والثقافة الإسلاميّة عبر التاريخ. كما يمكن أن توفّر فوائد عملية في سبيل الجهود الرامية إلى الحفاظ على تعاليم القرآن وتحقيقها في خضم ديناميكيات العصر المتغيّر.

٢. الدراسات السابقة

على الرغم من الجهود الكثيرة التي بُذلت حتى الآن في مجالي القرآن وبناء الحضارة الإسلاميّة، فإن الدراسات السابقة حول هذه المسألة قد ركّزت في الغالب على المباحث الداخلية للدين، مع التأكيد على طاقات القرآن نفسه وعلى المفكّرين المحليّين المسلمين. فعلى سبيل المثال، تتناول دراسة بعنوان: «سنن نشوء الحضارة وبقائها من منظور القرآن» المبادئ والقوانين التي يقدمها القرآن الكريم لتشكّل الحضارات واستمرارها. وتسعى هذه الدراسة، باعتماد مقاربة داخليّة دينيّة إسلاميّة محضة، واستنادًا إلى الآيات القرآنية، إلى استخلاص الأسس النظرية لبناء الحضارة من منظور هذا الكتاب السماوي[22].

وثمة دراسة أخرى بعنوان: «تأثير المكوّنات الأنثروبولوجية للقرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة استنادًا إلى رؤية العلّامة مصباح يزدي (ره)» تتناول دور نظرة القرآن إلى الإنسان وخصائصه في عملية بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة، وتتّخذ في هذا السياق آراء أحد المفكّرين المسلمين المعاصرين محورًا للتحليل[23].

وكلتا هاتين الدراستين، على أهميتهما وقيمتهما، تنظران إلى الموضوع من منظور داخلي ديني، ولا توليان اهتمامًا يُذكر للآراء والتحليلات الخارجية، لا سيّما آراء المستشرقين الناطقين بالإنجليزية.

وفي المقابل، تتناول دراسة أخرى بعنوان: «المستشرقون والقرآن الكريم» آراء المستشرقين الغربيين ومواقفهم من القرآن. وتحلّل هذه الدراسة الانتقادات الموجَّهة من المستشرقين، وتصوّراتهم عن الآيات والمفاهيم القرآنية، وأثر هذه التصوّرات في الدراسات الإسلاميّة في الغرب، بما في ذلك نقد الزعم القائل إن المستشرقين الغربيين يتعمّدون التشديد على عدم شمولية القرآن بوصفه نظامًا روحيًّا[24].

ومع ذلك، لا تركّز هذه الدراسة أيضًا بشكل خاصّ على تحليل آراء المستشرقين حول مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة، بل تكتفي غالبًا بدراسة عامة ونقد لموقفهم من القرآن الكريم. وبناءً عليه، وإن كانت هذه الدراسة تعنى بالآراء الخارجية، فإنها لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة ودور القرآن فيه من منظور المستشرقين.

وثمة دراسة أخرى وثيقة الصلة بعنوان: «دور القرآن في ازدهار الحضارة الإسلاميّة» تندرج ضمن دراسة دور القرآن في الحضارة الإسلاميّة، لكن بتركيز أخصّ على تأثيراته في تشكّل الفلسفة الإسلاميّة. وتبيّن هذه الدراسة، بتأكيدها على السِمات العامة للقرآن وتعاليمه الحِكمية والعقلية والفلسفية، كيف تأثّر فلاسفة مسلمون بارزون كالفارابي وابن سينا في مختلف أبعاد الفلسفة بالقرآن. ويذهب المؤلِّف إلى أن الفلسفة الإسلاميّة، على الرغم من استفادتها من مصادر غير إسلاميّة، تدين بهويّتها الإسلاميّة لتعاليم القرآن العقليّة والفلسفيّة[25].

ويكمن الفارق الرئيس بين هذه الدراسة والدراسات السابقة المذكورة في تركيزها على مجال محدّد من تأثير القرآن في الحضارة الإسلاميّة، وهو الفلسفة الإسلاميّة. ففي حين تتناول الدراستان الأوليان بصورة عامة سنن بناء الحضارة من منظور القرآن وتأثير مكوّناته الأنثروبولوجية في بناء الحضارة الحديثة، تتناول دراسة العبدالخاني بصورة أكثر تفصيلًا دور القرآن في تكوّن الفكر الفلسفي الإسلامي. كما لا تزال هذه الدراسة تعتمد مقاربة داخلية دينية، وتحلّل كيفية تأثير النصّ القرآني في المفكّرين المسلمين، ولا تولي اهتمامًا للآراء الخارجية، ولا سيما آراء المستشرقين.

وفي المقابل، لا تنظر الدراسة الحالية في نطاق أوسع لتأثير القرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة فحسب، بل تركّز تحديدًا على تحليل آراء المستشرقين في هذا المجال. ففي حين تتناول الدراسة الرابعة تأثير القرآن في الفلسفة الإسلاميّة من منظور المفكرين المسلمين، تسعى دراستنا إلى فهم وتحليل آراء الباحثين الغربيين حول دور القرآن في مجمل مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة. وهذا الاختلاف في المقاربة ومصدر التحليل يميّز الدراسة الحالية عن الدراسات السابقة المذكورة، ويمنحها زاوية جديدة في تناول هذا الموضوع. وتسعى هذه الدراسة، من خلال تركيزها الخاصّ على آراء المستشرقين وتحليلاتهم، إلى سدّ الفجوة القائمة في الدراسات السابقة. فهي لا تكتفي بدراسة آراء المستشرقين حول القرآن، بل تحلّل تحديدًا آراءهم حول دور القرآن ومكانته في تشكّل مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة ودفعه قُدمًا. وبهذه المقاربة، تسعى الدراسة الحالية إلى فهم الآراء والتحدّيات والفرص التي طرحها الباحثون الغربيون حول هذا الموضوع، وهو ما يمكن أن يُسهم في فهم أشمل وأكثر واقعية للأبعاد الدولية لهذا المشروع. وخلاصة القول، إن هذه الدراسة، بتركيزها الخاص على تحليل آراء المستشرقين حول دور القرآن في مشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة، تسدّ فجوة بحثية؛ إذ إنّ المصادر المتاحة تكتفي في الغالب بنقد عام لآراء المستشرقين حول القرآن، أو بدراسة دور القرآن في إحياء الحضارة الإسلاميّة من منظور المسلمين، ولا تتناول تحديدًا تحليل نظرة المستشرقين إلى هذا المشروع الحديث.

٣. الإطار النظري

من أجل التوصل إلى فهم مشترك للمفاهيم الأساسية، يتناول هذا القسم بيان الإطار النظري للبحث وتعريف المصطلحات الرئيسة المستخدمة فيه. ويمهّد هذا التوضيح السبيل للدخول في صلب النقاش وفهم التحليلات المقدمة فهمًا أدق. ومن ثم، فإن الهدف من هذا القسم هو تحديد الحدود المفهومية للألفاظ الأساسيّة في البحث.

٣-١. مفهوم الحضارة والثقافة في السياق الإسلامي

تُشتق كلمة «تمدن» (الحضارة) من جذر «مدن» بمعنى الإقامة في مكان ما[26].

ويبدو أن إطلاق لفظ «مدينة» على المدينة يعود إلى اختيارها مكانًا للسكن، وإن كان هذا اللفظ غير موجود في المعاجم العربية الأصيلة، ولعله لفظ مستحدث. وقد فُسِّر المعنى الأصلي للتمدن بأنه التحضر والإقامة في المدينة، وهو يتقاطع مع مفهوم «التمدين» وحسن المعاشر[27].

والحضارة في الحقيقة هي إرساء النظام الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية بغرض التعاون والتآزر بين البشر، وهو ما يمهّد لتقبّل ثقافة معيّنة؛ وبعبارة أخرى، تعني الحضارة الحياة الجماعية المقترنة بقبول النظام الاجتماعي، والتي تفضي نتيجتها إلى بلوغ الثقافة[28] وعلى هذا الأساس، فإن الحضارة مجموعة من العوامل التي تُسهِم في تقدم المجتمع.

غير أن مفهومَي الحضارة والثقافة، من منظور المستشرقين في إطار الدراسات الإسلاميّة، وعلى الرغم من تداخلهما الدلالي، يتمايزان بدقائق استعمالية. فـ«التمدن»، المستخدم في الأدبيات العربية الإسلاميّة، يدلّ بصفة رئيسة على الإنجازات والبنى المنظّمة المادّية والاجتماعية للمجتمع، ويعبّر عن مستوى التطوّر التقني والبنيوي والنظم الحكومية والمؤسّسات التعليمية والقانونية[29].

وبذلك، يُطلق مصطلح «الحضارة» على الأبعاد المادية والبنيوية للمجتمع التي تتكوّن من خلال التفاعلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. ومن ثم، تتضمّن الحضارة في السياق الإسلامي الإنجازات العلميّة والتقنيّة وكذلك تطور نظام قيمي يسهّل تماسك أداء المجتمع وفاعليته، ويشمل بمعناه الأوسع الدول والأمم[30].

أمّا الثقافة، فتنصرّف بصورة أكبر إلى الجوانب غير المادّيّة[31] كالقيم والتقاليد والعادات والدين واللغة والفن والأدب، التي تنتقل بين الأجيال داخل المجتمع الواحد. وفي السياق الإسلامي، تشتمل الثقافة على أسلوب الحياة القائم على التعاليم الإسلاميّة والمتجلّي في السلوك اليومي والشعائر الدينيّة والأخلاق والعادات[32].

ومن المنظور الإسلامي، لا تُعدّ الثقافة مجرّد تعبير فردي أو جماعي، بل عمليّة ديناميّة ترمي إلى تحقيق التوازن بين الحياة المادّيّة والروحيّة، وكذلك بين المتطلّبات الدنيويّة والهداية الدينيّة. وعلى هذا الأساس، ففي حين تشير الحضارة إلى الجوانب الموضوعيّة والاجتماعيّة للمجتمع، تشمل الثقافة في الإسلام الأبعاد الأعمق للهويّة الروحيّة والأخلاقيّة لذلك المجتمع[33].

٣-٢. مفهوم بناء الحضارة

يشير مصطلح «بناء الحضارة» إلى عملية معقّدة ومتعدّدة الأوجه، تشمل إنشاء وتطوير وترسيخ البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتقنية المتقدّمة في مجتمع ما أو مجموعة من المجتمعات. وتستلزم هذه العملية تطورًا تدريجيًّا للمؤسّسات والقيم والمعرفة والمهارات والتقنيات التي تمكّن المجتمع من بلوغ مستويات أعلى من التعقيد التنظيمي والرفاه المادّي والتقدّم الفكري والفني، وتترك آثارًا باقية في بيئته وفي المجتمعات الأخرى[34].

ويرى بعض المختصّين أنّ الحضارة والثقافة تتكوّنان وتتطوّران عبر عملية طويلة تتحدّد بتفاعل الإنسان مع بيئته ومع سائر المجتمعات. وتبدأ المراحل الأولى لتشكّل الحضارة عادة بالاكتشافات والابتكارات في الزراعة التي تتيح للبشر الاستقرار وتطوير أنظمة إنتاج غذائي مستدامة[35].

وبفضل هذا الاستقرار والتطوّر المستدام، تجد التجمّعات السكانية الوقت والموارد اللازمة للاستثمار في بنى اجتماعية أكثر تعقيدًا، منها تطوير المدن والمؤسسات التعليمية والحكم والبنى التحتية. وفي هذا السياق، يؤدي النمو الاقتصادي والتجارة أيضًا دورًا مهمًا، إذ يعزّزان تبادل الأفكار والسلع والتقنية، ويسهّلان مزيدًا من تقدّم العلم والفن والفلسفة. وعلى هذا الأساس، يرتبط ازدهار الحضارات ارتباطًا وثيقًا بتحسين نوعية الحكم، وإرساء الاستقرار الاجتماعي السياسي، وظهور ابتكارات فعّالة؛ بحيث تعزّز هذه العوامل المتضافرة قدرة المجتمعات على مواجهة التحدّيات الاجتماعية وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين تعزيزًا بيّنًا[36].

ومن جهة أخرى، تتكوّن الثقافة، بالتزامن مع عملية بناء الحضارة، من خلال الممارسات والمعتقدات المشتركة داخل المجتمعات، وترسّخ هذه المشتركات «هويّتها الجمعيّة». فاللغة والدين والفن والتقاليد عناصر أساسية تميّز ثقافة عن أخرى[37].

وعادة ما يظهر التطوّر الحضاري[38] في التفاعل مع مقتضيات البيئة، ومواجهة الثقافات الأجنبية، والتحوّلات الذاتية في بنية المجتمع. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتمّ التبادلات الثقافية من خلال أشكال مختلفة من التفاعلات بين الجماعات، كتوسّع النفوذ أو المبادلات التجارية أو الهجرات، فتُدخل عناصر جديدة إلى الميدان الحضاري يكون بمقدور المجتمع المضيف، بحسب الظروف، قبولها أو تكييفها أو رفضها[39].

وهذه العمليّة الانتقائيّة، التي تشمل جوانب إراديّة[40] وأخرى طبيعيّة[41] (غير إرادية)، تحدّد المسار التطوّري للحضارة والثقافة[42].

وعلى هذا الأساس، يُنظر إلى بناء الحضارة بوصفه نتاج عملية إبداعية مستمرّة، لا تعكس تاريخ المجتمع ونظامه القيميّ الذاتيّ فحسب، بل تُظهر أيضًا قدرته على استيعاب التأثيرات الخارجيّة ودمجها بفاعلية للحفاظ على ديناميّته وقدرته على التكيّف في مواجهة التحدّيات المتغيّرة.

٣-٣. القرآن بوصفه «ميثاقًا حضاريًا»

لم يكن القرآن الكريم كتابًا مقدّسًا للمسلمين فحسب، بل كان بمثابة ميثاق شامل أدّى دورًا أساسيًّا في تشكّل الحضارة الإسلاميّة وازدهارها واستمرارها، ولا يزال مصدر إلهام وهداية للمسلمين في أنحاء العالم. فهذا الكتاب السماوي، بوصفه دليل حياة، يمثّل مصدرًا كاملًا للتعاليم ومبادئ الحياة للمسلمين في جميع جوانب حياتهم، ويشتمل على المبادئ والقيم الأساسيّة للحضارة الإسلاميّة، ومنها التوحيد والعدالة والأخلاق والعلم وعمارة الأرض وغير ذلك[43].

ويتضمن هذا الكتاب تعليمات حول كيفيّة العبادة والتفاعلات الاجتماعيّة والأخلاق والاقتصاد والقانون[44]. وتشير آيات عديدة في القرآن إلى أهمّية العلم والتفكّر والتدبّر في الخلق[45] وهو ما كان له دور بالغ في الازدهار العلمي للحضارة الإسلاميّة. وقد ألهم جمال القرآن وفصاحته الفنّانين المسلمين لخلق أعمال فنية بديعة رائعة. كما تجلّت مبادئ الجماليّة والمفاهيم الروحيّة الموجودة في القرآن في العمارة الإسلاميّة أيضًا. كذلك أدّت القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة الواردة في القرآن دورًا مهمًا في تشكّل الحضارة وبنية المجتمع والعلاقات بين الأفراد. وعلاوة على ذلك، يعلّم القرآن قيمًا إنسانية كالعدل والصبر والصدق والتسامح. والهدف من كل واحد من هذه الجوانب هو تكوين أفراد ذوي خُلق رفيع ومجتمع منسجم. ولهذا السبب، غالبًا ما يُنظر إلى القرآن من منظور المستشرقين بوصفه «دليل الحياة الشامل»[46]، وهو يقدّم للمسلمين هداية لبلوغ السعادة والفلاح[47]، لا في هذه الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضًا[48].

وإلى جانب كون القرآن دليلًا أخلاقيًّا وروحيًّا، فإنّه يُعدّ أيضًا المصدر الرئيس للقانون في الإسلام المعروف بالشريعة. والشريعة التي تعني «الطريق الذي ينبغي اتباعه»[49] تشمل جميع جوانب حياة المسلم، من العبادة والزواج والتجارة إلى الحقوق الجزائية والعدالة. وعلى الرغم من أن القرآن لا يتناول مباشرة جميع التفاصيل القانونية والسياسية، فإنه يقدّم المبادئ العامة وأسس النظام الاجتماعي العادل[50]. وعلى مر تاريخ الإسلام، كان القرآن دومًا مصدر إلهام وهداية للفقهاء والمفكّرين المسلمين في تدوين القوانين والأنظمة. وغالبًا ما تُبيَّن القوانين الواردة في القرآن وتُوسَّع من خلال الحديث، وهو الروايات الشفهية عن أقوال النبيn وأفعاله[51].

ولا يقتصر استخدام القرآن والحديث أساسًا للقانون على إيجاد إطار للحكم الاجتماعي والقانوني العادل، بل يضمن أيضًا أن يكون كل حكم متوافقًا من الناحيتين الأخلاقيّة والشرعيّة مع إرادة الله. وبذلك، لا يقتصر القرآن على هداية الجوانب الروحية للحياة، بل ينظّم أيضًا التفاعلات والمعاملات في المجتمع من أجل إيجاد «نظام اجتماعي عادل ومتحضّر»[52].

وأخيرًا، وكما يذهب هَف[53]، فإنّ الحضارة الإسلاميّة التي تشكّلت على أساس تعاليم القرآن أدّت دورًا محوريًا في نقل العلوم والفنون والمفاهيم الفلسفية والأخلاقية إلى أوروبا، وأثّرت بذلك تأثيرًا بالغًا في النهضة الأوروبية والتطوّرات اللاحقة في هذه القارّة[54].

ومن هنا، فإن إطلاق عنوان: «الميثاق الحضاريّ للإسلام» على القرآن الكريم، نظرًا لدوره الأساسي في تشكّل الحضارة الإسلاميّة وتوجيهها، وتأثيره الهائل في الحضارات الأخرى، لا يبدو ادعاءً بعيدًا عن الواقع.

٤. منهج البحث

المنهج المتّبع في هذا البحث هو الدراسة المكتبيّة، إذ سيجري جمع البيانات من مصادر نصّية مختلفة ذات صلة، كالكتب العلمية والمقالات والمجلات الأكاديميّة والوثائق الإلكترونيّة المتعلّقة بموضوع البحث. وتتناول هذه الدراسة، باعتمادها المنهج الوصفي التحليلي، الدراسة النقدية للمصادر الثانوية المتمثّلة في الكتب التاريخيّة والمجلّات العلميّة والمقالات البحثيّة والتفاسير الدينيّة[55].

وتجمع الأدلة المتعلّقة بدور القرآن في مجالات العلم والحقوق والفن والعمارة وتقوّمها. والهدف من هذا التحليل الأدبي هو تقديم تسويغ مقبول وقائم على أدلّة علمية لدور القرآن في بناء الحضارة والثقافة الإسلاميّة، من خلال دراسة أعمال المستشرقين وآرائهم.

٥. قراءة دور القرآن في بناء الحضارة من منظور المستشرقين

تشمل آراء المستشرقين حول دور القرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة طيفًا واسعًا من المواقف، غالبًا ما تشكّلت بتأثير من افتراضاتهم المسبقة وخلفيّاتهم الثقافية وأهدافهم المختلفة. ويعكس هذا الاتّساع تنوّع الآراء والمقاربات القائمة في الدراسات الاستشراقيّة. وفي حين واجهت بعض هذه الآراء انتقادات جادّة من الباحثين المسلمين، فإن بعضها الآخر يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمامنا لفهم هذا الموضوع المهمّ. وبصرف النظر عن أي حكم قيمي، سنتناول في هذا القسم من الدراسة، باتباع مقاربة تاريخيّة، دراسة وتحليل دور القرآن في تكوّن الحضارة الإسلاميّة استنادًا إلى آراء المستشرقين.

وفقًا لرأي المستشرقين، تشكّلت الحضارة الإسلاميّة في مطلع القرن السابع الميلادي في شبه الجزيرة العربيّة. وفي هذا السياق، نشر النبي محمدn، بوصفه المؤسس والمهندس الرئيس لهذه الحضارة الناشئة، تعاليم الدين الإسلامي أوّلًا في مكة ثم في المدينة[56].

وتُعدّ هجرة النبيn من مكة إلى المدينة عام 622م، التي تُعرف أيضًا بمبدأ التقويم الإسلامي، نقطة تحوّل في تشكّل الحضارة وتماسك مجتمع المسلمين. ففي المدينة، لم يتوسّع الإسلام بوصفه دينًا فحسب، بل بوصفه دولة ومؤسّسة اجتماعية أيضًا. واستنادًا إلى المبادئ الإسلاميّة، أُرسي نظام جديد للحكم والتشريع والأخلاق الاجتماعية، قام على مفاهيم كالعدالة والأخوة والرفاه العام. ومن هذا الامتزاج بين الإيمان والتفكير الاستراتيجي[57]، ظهرت حضارة منظّمة قائمة على القيم الإسلاميّة[58].

وقد تسارع تطوّر الحضارة الإسلاميّة بعد وفاة النبيn،... حيث لم يقتصر نجاح هذا التطور على انتشار الدين، بل شمل أيضًا إشاعة المعرفة والثقافة والتقنية في مناطق متعدّدة، منها شمال أفريقيا والأندلس وإيران والهند[59].

ويُعرف العصر الذهبي للإسلام، الذي بلغ ذروة ازدهاره في الفترة الممتدّة من القرن الثامن إلى الثالث عشر الميلادي، بالترجمات الواسعة للأعمال العلميّة من اليونانيّة والفارسيّة والهنديّة إلى العربيّة، وكذلك بالابتكارات في مجالات كالرياضيات والفلك والطب والعمارة. وتحوّلت المراكز العلميّة والثقافيّة في العالم الإسلامي، ومنها بغداد وقرطبة والقاهرة، في تلك الحقبة إلى بؤر فكريّة عالميّة. وعلى هذا الأساس، لم تسهم الحضارة الإسلاميّة في تقدّم المعرفة البشريّة فحسب، بل ربطت أيضًا بين الثقافتين الشرقيّة والغربيّة، وأدّت دورًا باقيًا في التراث الحضاري والعلمي للبشريّة[60].

أدى القرآن الكريم، بوصفه وثيقة حضارية أساسية دورًا بالغ الأهمية، لا في تكوّن الأسس الروحية للمجتمع المسلم الناشئ فحسب، بل في تنظيم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لحياته أيضًا. ويقدّم هذا الكتاب السماوي توجيهات شاملة حول مختلف جوانب الحياة، من العبادات والأخلاق الفردية إلى مبادئ العدالة الاجتماعيّة وحقوق الإنسان، ويُعدّ دليلًا لإقامة مجتمع عادل ومتماسك قائم على قيم عالميّة[61].

وعلاوة على ذلك، يعمل القرآن مصدر إلهام وهداية في سبيل بناء مجتمع شامل ودينامي. فمبادئ المساواة والعدالة والرحمة الواردة في القرآن شجّعت على تطوير أنظمة اجتماعيّة ومالية مبتكرة، كالزكاة والوقف، تهدف إلى تقليل التفاوت الاقتصادي ودعم الرفاه الاجتماعي[62]، كما أدّت توجيهاته في مجال العلم وطلب المعرفة والحكمة، بوصفها حافزًا، دورًا معجّلًا في التطوّرات العلمية والفكرية للعصر الذهبي للإسلام. وبذلك، لم يكن القرآن الركن الروحي الأساسي للمسلمين فحسب، بل كان أيضًا بمثابة دليل لتطوير مجتمع إسلامي مستقرّ، شمل إسهامه في الحضارة العالمية مجالات كالعلم والفلسفة والفن والعمارة، وهو ما يعكس مباشرة الهداية والإلهام اللذين قدّمهما[63].

٥-١. القرآن وتعالي الثقافة والفن

لا يعمل القرآن الكريم أساسًا روحيًّا وقانونيًّا للمسلمين فحسب، بل يُعدّ أيضًا مصدر إلهام بالغ الأهمية في تكوّن القيم الثقافية الإسلاميّة، بما في ذلك في مجالات العمارة والفنّ والأدب. ففي مجال العمارة، كان للقرآن الكريم تأثير في تصميم المساجد والمدارس وسائر المباني ذات النفع العام التي تجسّد مفاهيم الوحدة والخلود وتعكس صورة الجنة. فالزخارف الهندسية التي تُشاهد غالبًا في الزينة الإسلاميّة، كالخط والزخارف المسجدية، تصور جمال الآيات القرآنية وتمثّل رمزًا للمفاهيم الميتافيزيقية[64].

كما كان للقرآن الكريم تأثير أيضًا في شكل الفضاءات المعمارية الإسلاميّة واتجاهها، ولا سيما القبلة التي تشير، وفقًا للتعاليم القرآنية، إلى الكعبة المشرّفة في مكة. ولا تُعدّ هذه القيم الجمالية تعبيرًا فنيًا فحسب، بل تعدّ تكريمًا لخالق الكون أيضًا وتعبيرًا عن الإيمان في قالب مادّي[65].

وفي مجال الفن والأدب أيضًا، أدى القرآن الكريم دورًا بالغ الأهمية في تطوّر فن الخط. ويُعدّ الخط، بسبب حظر التصوير التجسيمي في المعتقدات الإسلاميّة، الشكل الفنّي البصري السائد في الثقافة الإسلاميّة. وكثيرًا ما استُخدمت آيات القرآن الكريم الجميلة موضوعًا رئيسًا في أعمال الخط، معروضةً بعبارات دقيقة وفنية أثّرت أيضًا في سائر الفنون التشكيليّة[66]. وفي مجال الأدب، كان للقرآن الكريم تأثير هائل في تطور اللغة العربيّة والشعر. فالبنية اللغويّة والقدرة السردية والجمال الشعري الموجود في القرآن الكريم ألهمت الشعراء والكتّاب المسلمين لخلق أعمال لا تكون مرشدًا في الجوانب اللغوية فحسب، بل تحمل عمقًا من حيث الرسائل الأخلاقية والروحيّة أيضًا. ونتيجة لذلك، نما الفن والأدب الإسلاميان وتطوّرا بتكريم القيم والمبادئ الجمالية المنبثقة من القرآن الكريم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هويتهما الغنية والمتنوّعة الفريدة[67].

٥-٢. القرآن وبناء المجتمع الأخلاقي

أدّت تعاليم القرآن الكريم تأثيرًا بالغ الأهمية في تشكّل النظام الأخلاقي وآداب المعاشرة في المجتمعات المسلمة، وحددت الأسس الجوهريّة الحاكمة للتفاعلات الاجتماعية والتماسك الفردي وعلاقة الإنسان بخالق الكون. ويقدم القرآن، بتأكيده على مفاهيم كالعدالة والصدق والصبر والرحمة، توجيهات لأتباعه حول كيفية عيش حياة شريفة ومسؤولة، سواء في المجال الخاص أو العام[68] ولا يُشدَّد على هذه المفاهيم من خلال الأوامر الصريحة فحسب، بل من خلال القصص والأمثال الحاملة لتعاليم أخلاقية غنية أيضًا. وتتجسّد هذه القيم في المجتمعات المسلمة في الممارسات اليوميّة، بما في ذلك مساعدة المحتاجين، والحفاظ على السلام والتعايش في العلاقات الاجتماعية، ومراعاة العدل في جميع الأفعال. ويمكن ملاحظة تأثير القرآن في أخلاق المجتمعات المسلمة وآدابها في تبنّي هذه المبادئ أساسًا للأفعال الفرديّة والجماعيّة بهدف إقامة مجتمع عادل ومتماسك وشامل يعكس القيم الجوهريّة الواردة فيه[69] وعلاوة على ذلك، يشدّد القرآن الكريم على أهمّية العلم والتعلّم، ويحثّ المسلمين على طلب العلم والارتقاء بمستواهم الفكري والروحي. وقد حفّزت هذه التعاليم على تقدير التعليم والمناقشات العقلية في المجتمعات المسلمة، وشجّعت، من خلال فهم تعاليم الشريعة وتطبيقها، على منع وقوع الجريمة[70] ويُظهر الترابط الوثيق بين الأخلاق والعدالة والتعليم في الإسلام كيف يهدف القرآن الكريم في مجمله إلى تنشئة أفراد يتّصفون بالالتزام الديني من جهة، وبالمسؤولية والمبادرة في مشاركاتهم الاجتماعية من جهة أخرى[71].

وهكذا، لم يكن القرآن الكريم مصدر العبادات والمعتقدات الفردية فحسب، بل أدّى أيضًا دور القانون الأخلاقي الأساسي في تنظيم العلاقات الاجتماعية وبناء مجتمع سليم ودينامي وأخلاقي وفاضل. وقد أفضى تأثير هذه التعاليم على مدى تاريخ الحضارة الإسلاميّة إلى تشكّل مؤسسات وتقاليد اجتماعية عديدة، كانت غايتها تحقيق العدالة الاجتماعية، وصون الكرامة الإنسانية، والارتقاء بمستوى الأخلاق في المجتمع. وبناءً على ذلك، يمكن التسليم بأن القرآن الكريم، بتقديمه نظامًا أخلاقيًا شاملًا وجامعًا، أدّى دورًا لا نظير له في تحسين التفاعلات الاجتماعية الأخلاقية في الحضارة الإسلاميّة والارتقاء بها.

٥-٣. القرآن وحقوق الإنسان في الإسلام

يحتلّ القرآن الكريم، بوصفه الكتاب المقدس للمسلمين، مكانة محورية في الحقوق الإسلاميّة أو الشريعة، ويوفر الأساس والبنية لنظام قانوني واسع وشامل. وتشمل آيات هذا الكتاب السماوي طيفًا واسعًا من الجوانب القانونية، من حقوق الأسرة والميراث إلى مبادئ العدالة والعقوبة، فضلًا عن الأخلاق والآداب[72].

ويتجلّى التأثير العميق للقرآن الكريم في الحقوق الإسلاميّة في طريقة تفسير أحكامه وتطبيقها من قِبل الفقهاء والعلماء المسلمين، سعيًا إلى تطوير الفقه، وهو علم الحقوق الإسلاميّة والمبيّن للتطبيق العملي لأحكام الشريعة. ومن خلال عمليّة الاجتهاد، وهي جهد فكري لاستنباط الأحكام استنادًا إلى القرآن والسنة النبوية، يتطوّر الفقه الإسلامي ليستجيب للتحدّيات المعاصرة، مع بقائه متجذّرًا في المبادئ الأساسيّة الواردة في النصوص المقدّسة[73].

وفي النظام القضائي الإسلاميّ، يعمل القرآن الكريم بوصفه «أعلى مرجعيّة سلطويّة»[74]، وينبغي أن تكون الأحكام والفتاوى متوافقة مع تعاليمه. ويُمارَس تأثيره من خلال الاستناد إلى الآيات القرآنية مرجعًا أساسيًا للفصل في الدعاوى القانونية، بما يضمن تحقيق العدالة وفقًا للقيم التي علّمها الإسلام[75].

وبالتأكيد على دور القرآن الكريم في بناء الحضارة من خلال النظام القانوني والجزائي، يمكن القول إن المقاربة القائمة على هذا الكتاب المقدّس تشكّل نظامًا قضائيًا لا تقتصر غايته على تطبيق العقوبة، بل تشمل أيضًا أهدافًا كإصلاح المجرمين، وتثقيف المواطنين، وإعادة بناء هيكل المجتمع. ويضع النظام القضائي الإسلامي، استنادًا إلى تعاليم القرآن، صون الحقوق الفردية وإرساء العدالة الاجتماعيّة ومنع وقوع الجريمة في صدارة أولوياته، ويؤكد على الأهمية الجوهرية لرفاه المجتمع وسعادته[76].

وبذلك أدّى تأثير القرآن الكريم في الأنظمة القضائية والقانونية للمسلمين، بوصفه تجلّيًا لقيم العدالة والحقيقة والإنسانيّة العميقة في نسيج حياتهم الاجتماعيّة والفرديّة، دورًا بالغ الأهميّة في تشكّل الحضارة الإسلاميّة وديناميتها.


٥-٤. القرآن وتطوّر العلم

من الوظائف الجوهريّة للقرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة، تأثيره العميق في النظام التعليمي والتطور العلمي في هذه الحضارة. فقد شدّدت آيات عديدة من القرآن الكريم على أهمّية العلم والتعلم والتعقّل، وحثّت المسلمين على دراسة العالم من حولهم وفهمه.[77]

فعلى سبيل المثال، يدلّ الأمر الإلهي بـ«القراءة» (اقرأ) في أول وحي نزل على النبيn (العلق: 1) على المكانة الرفيعة للتعليم والعلم. وقد أفضى هذا الإلهام الإلهيّ إلى تأسيس مؤسّسات تعليمية كالمدارس والجامعات، دُرِّست فيها مختلف العلوم كالرياضيات والفلك والطب والفلسفة تدريسًا واسعًا. كما شجّع هذا الأساس على الترجمة الواسعة للأعمال العلميّة من حضارات أخرى إلى اللغة العربيّة، وأثرى مكتبات العالم الإسلامي بمعرفة غنية طوّرها لاحقًا علماء مسلمون[78] ومن هذا المنظور، لم يقتصر القرآن على قيادة الأبعاد الروحية للمجتمع، بل قاد أيضًا جوانبه الفكرية، ووضع الحوار والاكتشافات العلمية في مقدّمة أشكال العبادة. وقد أفضت هذه الدينامية الفكرية إلى ظهور شخصيّات بارزة كالخوارزمي في الرياضيات، وابن سينا في الطب، والفارابي في الفلسفة، الذين أثّرت أعمالهم لا في العالم الإسلامي فحسب، بل في أوروبا أيضًا، ولا سيما في عصر النهضة[79].

وقد أسهمت مقاربة القرآن للعلم بوصفه نشاطًا ذا قيمة روحيّة عليا إسهامًا بالغًا في ازدهار العصر الذهبي للإسلام، ذلك العصر الذي اعتُبر فيه البحث والابتكار قيمة ثمينة ومحورًا لتقدم المجتمع. وبذلك، أدّى القرآن دورًا محوريًا لا في هداية الشعائر الدينية فحسب، بل في تشكّل حضارة قائمة على أساس تقدّم علميّ مستمرّ، بحيث لا يزال تأثيره قائمًا في مختلف الميادين العلميّة حتى اليوم.










الشكل 1. دور القرآن في بناء الحضارة من منظور المستشرقين

٦. تحدّيات وفرص بناء الحضارة القرآنية

يستلزم بناء الحضارة القائم على تعاليم القرآن، بوصفه مشروعًا معقّدًا وجوهريًا، فهمًا عميقًا للتحدّيات المطروحة، واستثمارًا ذكيًا للفرص المتاحة. ويُعدّ إدراك هذين الجانبين ضرورة لا مفرّ منها لرسم المسار المستقبلي وتحقيق الأهداف الحضارية القائمة على الوحي الإلهي.

٦-١. التحدّيات

- الحفاظ على مكانة القرآن في العصر الحديث: في ظلّ واقع الحياة المعاصرة المتسارع والعلماني في الغالب، أصبح الحفاظ على أهمّية القرآن الكريم بوصفه دليلًا لبناء الحضارة تحدّيًا أساسيًّا. فالتطوّرات التقنية والعولمة والتعدّدية الثقافيّة تخلق بيئة معقّدة تواجه فيها القيم التقليديّة رؤى وأنماطَ حياة متنوّعة. وقد يفضي هذا الوضع إلى إضعاف الممارسات والأخلاقيات المنبثقة من تعاليم القرآن، تحت تأثير الضغوط الخارجيّة والداخليّة للتكيّف مع المعايير الاجتماعية المتغيّرة[80].

- المسائل الناشئة عن تقدم العلم والتقنية: لقد طرح التسارع المتزايد للتقدّم العلمي والتقني قضايا أخلاقية واجتماعية وقانونية جديدة أمام البشرية، تتطلّب إجابات قائمة على المبادئ والقيم القرآنية. وقد يخلق عدم الاستعداد وعدم التعمق الكافي في هذا المجال تحدّيات في مسار بناء الحضارة القرآنية. فعلى سبيل المثال، قد يتعارض الانتشار غير المحدود للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت مع أخلاقيّات الخصوصية[81] وحرمة الأسرار التي يشدّد عليها القرآن. وتزيد الفجوة بين الأجيال[82] من حدّة هذا التحدّي، إذ قد يجد الشباب الذين ينشأون في بيئة علمانية صعوبة في إدراك صلة التعاليم القديمة بسياق حياتهم الحديثة[83].

- غياب نموذج عملي شامل: على الرغم من تعدّد المحاولات التاريخية لتطبيق الحضارة الإسلاميّة، لم تتمكّن أي منها من تحقيق طموحات الحضارة القرآنية تحقيقًا كاملًا وشاملًا. ويبدو أن غياب نموذج عملي متّفق عليه عالميًا وناجح يعقّد الجهود المعاصرة الرامية إلى بناء حضارة قائمة على القرآن[84].

- التحدّيات الداخلية للمجتمعات المسلمة: تُعدّ المشكلات الداخلية في المجتمعات المسلمة، بما فيها الخلافات الطائفية والمشكلات الاقتصادية والفساد الإداري وضعف المؤسّسات المدنية في كثير من البلدان الإسلاميّة، من العوائق الداخلية التي تحول دون التركيز والتضافر في بناء الحضارة القرآنية.

- تعدّد التفسيرات واختلاف الفهم: من أهمّ التحدّيات الأخرى وجود تفسيرات متعدّدة، ومتناقضة أحيانًا، لآيات القرآن الكريم. وقد يؤدّي هذا الأمر إلى تعدّدية معرفيّة وفهم متباين للمفاهيم المحورية لبناء الحضارة، كالعدالة والحرية وحقوق الإنسان والحكم، وهو ما يعقّد بدوره تحقيق الانسجام ووحدة المنهج في بناء الحضارة القرآنية[85].

- تأثيرات الحداثة والعلمانية: تفرض هيمنة خطاب الحداثة والمقاربات العلمانية في المجتمعات الراهنة تحدّيات جوهرية أمام بناء الحضارة القرآنية. فمفاهيم كالفردانية المفرطة، والنسبية الأخلاقية[86]، وفصل الدين عن السياسة والمجتمع، تتعارض مع كثير من المبادئ الأساسية للحضارة القرآنية[87].

٦-٢. الفرص

على الرغم من التحدّيات المذكورة آنفًا، إلا أنّ ثمّة إمكانات وفرصًا لتطوير تعاليم القرآن الكريم وتوسيع تطبيقها في عملية بناء الحضارة، نشير إليها فيما يأتي.

- الدمج المبتكر لتعاليم القرآن في الحياة الحديثة: يمكن للمقاربات التعليمية المبتكرة والشاملة أن تربط المبادئ الكلاسيكية بمقتضيات العصر[88]، وتمكّن المسلمين من تطبيق القيم القرآنية في سياق الحياة الحديثة[89].

- الاستفادة من المنصّات الرقمية: يمكن أن يسهّل استخدام المنصات الرقمية نشر المعرفة القرآنية وفهمها، ويستفيد من القوالب التفاعلية والمتعددة الوسائط لتقريب رسائل القرآن من المسلمين، ولا سيما جيل الشباب.

- موجة العودة إلى الروحانية والأخلاق: في أعقاب إخفاق الأيديولوجيات المادية وظهور أزمات أخلاقية وبيئية، يُلاحظ اتجاه متنامٍ نحو الروحانية والأخلاق في المجتمعات العلمانية. ويوفر هذا الأمر فرصة ثمينة لتقديم تعاليمُ القرآن الكريم الشاملة والبانية للإنسان حلًّا للتغلّب على هذه الأزمات.

- الصحوة الإسلاميّة والميل إلى الهوية الأصيلة: توفر موجة الصحوة الإسلاميّة والميل نحو الهوية الأصيلة في كثير من المجتمعات المسلمة أرضية مواتية للعودة إلى الأسس القرآنية والسعي إلى بناء حضارة قائمة عليها.

- وجود رأس مال بشري ملتزم ومتخصّص: يُعدّ وجود كوادر بشرية ملتزمة ومتخصّصة في كثير من المجتمعات المسلمة، تجمع بين الفهم العميق لتعاليم القرآن الكريم والإلمام بالعلوم والتقنيات الحديثة، وتستطيع أن تؤدّي دورًا فعالًا في بناء الحضارة القرآنية، من الفرص الأخرى المتاحة.

- الحوارات بين الثقافات والأديان: توفّر الحوارات بين الثقافات والأديان، المنبثقة من التعاليم القرآنية العالمية في مجال السلام واحترام الكرامة الإنسانية، فرصًا للتعاون والفهم المتبادل بين المجتمعات المسلمة وغير المسلمة[90].

وفي هذا السياق، يمكن استخدام القرآن أساسًا لترويج التعايش السلمي في المجتمعات التعدّدية، وتقديم رؤى لحلّ النزاعات وإرساء العدالة الاجتماعية في الحضارة الإسلاميّة الحديثة.



الجدول 1. التحدّيات والفرص أمام بناء الحضارة القرآنيّة


الفرص

التحدّیات

الدمج المبتكر لتعاليم القرآن في الحياة الحديثة

الحفاظ على مكانة القرآن في العصر الحديث

الاستفادة من المنصّات الرقميّة

المسائل الناشئة عن تقدم العلم والتقنية

موجة العودة إلى الروحانيّة والأخلاق

غياب نموذج عملي شامل

الصحوة الإسلاميّة والميل إلى الهويّة الأصيلة

التحدّيات الداخليّة للمجتمعات المسلمة

وجود رأس مال بشري ملتزم ومتخصّص

تعدّد التفسيرات واختلاف الفهم

الحوارات بين الثقافات والأديان

تأثيرات الحداثة والعلمانيّة




الخاتمة

كثيرًا ما تؤكّد الدراسات المتعلّقة بدور القرآن في تطور الحضارة والثقافة الإسلاميّة أن هذا الكتاب المقدّس لم يكن أساسًا روحيًّا فحسب، بل عمل أيضًا ميثاقًا حضاريًا فعّالًا في دفع التعالي الفكريّ والثقافيّ للمجتمعات المسلمة. وقد أُجريت هذه الدراسة بهدف بحث وتحليل دور القرآن الكريم في تطور الحضارة الإسلاميّة الحديثة وتشكّلها. وفي حين تناولت دراسات عديدة دور القرآن في الحضارة الإسلاميّة، لا يزال هناك غياب لفهم شامل ومتكامل لكيفيّة تأثير هذا الكتاب المقدّس في مختلف أبعاد الحضارة، لا سيما في مواجهة التحوّلات والتحدّيات المعاصرة. وتسعى هذه الدراسة إلى سدّ هذه الفجوة من خلال بحث آراء المستشرقين وتحليل دور القرآن في مجالات كتطوّر العلم، وحقوق الإنسان، وتعالي الثقافة والفنّ، وبناء مجتمع سليم وأخلاقي. ولا شكّ في أن الفهم الدقيق لهذه التأثيرات القرآنية يمكن أن يُسهم في فهم أفضل للهوية الحضارية للمسلمين، وفي تقديم نماذج مناسبة لمواجهة قضايا العصر الراهن.

وتُظهر النتائج أن القرآن أدّى دورًا مهمًّا في تشكيل الإطار الفكري والمعياري للتطوّرات العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، وترك، بتأكيده على مبادئ كطلب الحقيقة، وطلب العدالة، والمساواة، آثارًا عميقة في القوانين والسياسات والقيم الاجتماعية. وكانت تعاليم القرآن، إضافة إلى إيجادها نظام الشريعة، حافزًا للنمو العقلي والاكتشافات العلمية. وتتنوّع آراء المستشرقين حول دور القرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة، لكنّها تتفق عمومًا على التأكيد على الدور المحوريّ للنبيّn في تأسيس هذه الحضارة، وأهمّية الهجرة إلى المدينة. ويرون أن المبادئ الإسلاميّة وفّرت أساس نظام حكم وأخلاق اجتماعية جديدين، وأن تطوّر الحضارة الإسلاميّة تسارع بانتشار المعرفة والتقنية. ومن وجهة نظرهم، كان القرآن مصدر إلهام للقيم الثقافية وأساسًا لمجتمع أخلاقي ونظام قانوني قائم على العدالة الاجتماعية، وأدّى دورًا بالغًا في التطوّر العلمي.

وإلى جانب التحدّيات التي تواجه بناء الحضارة القرآنية في العصر الراهن، كالحفاظ على مكانة القرآن في العالم الحديث، والمسائل الناشئة عن التقدّم العلميّ والتقني، وغياب نموذج عمليّ شامل، والمشكلات الداخلية للمجتمعات المسلمة، وتعدّد التفسيرات، وتأثيرات الحداثة والعلمانية، ثمّة فرص كبيرة أيضًا لتطوير تعاليم القرآن وتطبيقها في عملية بناء الحضارة. وتشمل هذه الفرص الدمج المبتكر للتعاليم القرآنية في الحياة المعاصرة، والاستفادة من إمكانات المنصات الرقميّة، وموجة العودة المتنامية إلى الروحانية والأخلاق، والصحوة الإسلاميّة والميل نحو الهوية الأصيلة، ووجود رأس مال بشري متخصّص وملتزم، وأرضية الحوارات بين الثقافات والأديان، وهي كلّها فرص يمكن استثمارها في دفع الأهداف الحضارية القائمة على الوحي الإلهي. ونظرًا إلى الدور الجوهري للقرآن في الحضارة الإسلاميّة، تزداد وضوحًا ضرورة إجراء دراسات أعمق بمقاربة تجريبية وميدانية لفهم آليّات تأثير القرآن الدقيقة في عملية بناء الحضارة، وتقديم حلول أكثر فاعلية لتحقيق حضارة إسلاميّة حديثة محورها القرآن. ويمكن أن تسهم هذه الدراسات في بيان كيفيّة تفاعل التعاليم القرآنيّة مع مقتضيات العصر، وتقديم نماذج عملية لمواجهة التحدّيات المعاصرة.




لائحة المراجع والمصادر

القرآن الكريم.

المراجع الفارسية والعربية

ابن دريد، أ. م، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين، 1987م

ابن منظور، م. م، لسان العرب، قم: نشر أدب الحوزة، 1405هـ.

جان أحمدي، ف، تاريخ الثقافة والحضارة الإسلاميّة، قم: نشر معارف، 1386هـ.ش

جلالي، س. م، تأثير المكوّنات الأنثروبولوجية للقرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة استنادًا إلى رؤية العلامة مصباح يزدي (ره)، مجلة الدراسات التأسيسيّة للحضارة الإسلاميّة الحديثة، العدد 13، 1403هـ.ش.

https://doi.org/10.22070/nic.2024.17891.1251

الجوهري، إ. ح، الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، بيروت: دار العلم للملايين، 1984م.

دامادي، س. م، المستشرقون والقرآن الكريم. وقف ميراث جاويد، ع11-12، 1374هـ.ش.

noo.rs/eGRYc.

دانشکیا، م. ح، سنن نشوء الحضارة وبقائها من منظور القرآن، مجلة الدراسات التأسيسية للحضارة الإسلاميّة الحديثة، العدد 11، 1402هـ.ش.

https://doi.org/10.22070/nic.2023.17485.1226

ديورانت، و. ج، قصة الحضارة، ترجمة: أبو القاسم پاینده وآخرون. طهران: منظمة النشر والتعليم للثورة الإسلاميّة، 1365هـ.ش.

العبدالخاني، س، دور القرآن في ازدهار الحضارة الإسلاميّة، مجلة كوثر القرآنية، العدد 60، 1396هـ.ش.

magiran.com/p1783691.

المراجع الأجنبيّة

Abdel Haleem, M. A. S. (2004). The Qur’an: A very short introduction. Oxford University Press.

Afandi, A. (2023). Islam and Local Culture: The Acculturation Formed by Walisongo in Indonesia. Indonesian Journal of Humanities and Social Sciences, 4 (1).

Ahmad, H. (2023). Mapping Neo-Modern and Postmodern Qur’anic Reformist Discourse in the Intellectual Legacy of Fazlur Rahman and Mohammed Arkoun. Religions, 14 (5).

Akhtar, M., Rao, M., & Kaplan, D. (2023). Islamic intellectualism versus modernity: Attempts to formulate coherent counter narrative. Journal of Islamic Thought and Civilization, 13 (1).

Aslan, A. (2022). Relevancy of Research Evidence with the Success of Al-Quran Memorising: Young Hafiz Motivational Approach. Jurnal Ilmu Pendidikan Islam, 20 (1).

Asmamatin, R., & Ferianto, F. (2023). Islamic Civilization, Periodization, And Development In Indonesia And Spain And Their Effect On Western Civilization: A Historical Review. Jurnal Multidisiplin Indonesia, 2 (7).

Azis, A., Riyanto, R., Tuanto, E., et al. (2023). Islamic Education in Al-Islam Kemuhammadiyahan to Prevent the Culture of Shirk on Social Media. TADRIS: Jurnal Pendidikan Islam, 18 (1).

Bakir, A. (2023). Islam and International Relations (IR): Why is there no Islamic IR theory? Third World Quarterly, 44 (2).

Benlahcene, B. (2023). Civilizing Role of the “Religious Idea” in Malek Bennabi’s Thought. qspace.qu.edu.qa.

Chande, A. (2023). Global Politics of Knowledge Production: The Challenges of Islamization of Knowledge in The Light of Tradition Vs Secular Modernity Debate. Nazhruna: Jurnal Pendidikan Islam, 6 (1).

Chuanchen, C., & Zaini, A. (2023). Cultivating Cultural Synergy: Unifying Boarding Schools, Local Wisdom, and Authentic Islamic Values for the Enhancement of Islamic Identity. Managere: Indonesian Journal of Management and Entrepreneurship, 3 (4).

Creswell, J. W., & Creswell, J. D. (2017). Research design: Qualitative, quantitative, and mixed methods approaches. Sage publications.

Eisenstadt, S. N. (1987). Revolution and the Transformation of Societies: A Comparative Study of Civilizations. Transaction Publishers.

Erasiah, E., Pratama, F., Zain, F., Ardy, M., et al. (2023). Kelantan The Little Mecca: Its Influence On The Archipelago’s 15th-19th Century Islamic Civilisation To The Present Day. Jurnal Lektur Keagamaan, 21 (2).

Fajrie, M., Arianto, D., Surya, Y., et al. (2023). Al-Quran Digitalization: Adolescent View on the Value of the Digital Al-Quran Application. Jurnal Komunikasi: Malaysian Journal of Communication, 39 (1).

Fiteriadi, R., Aslan, & Eliyah. (2024). Implementasi Program Tahfidz Al-Qur’an Di Sekolah Dasar Swasta Islam Terpadu Al-Furqon. JUTEQ: Jurnal Teologi & Tafsir, 1(4), 403-411.

Göktaş, V., & Chowdury, S. (2023). Districts of Bangladesh Named After Sufis Manifesting the Great Impact of Sufism on Bengal Civilization: A Qualitative Study. Journal of Islamic Thought and Civilization, 13 (2).

Grabar, O. (2023). Islam and iconoclasm. In Early Islamic Art, 650-1100. Routledge.

Grabus, N. (2012). Islamic theology between tradition and challenge of modernity. Islam and Christian-Muslim Relations, 23 (3).

Harahap, S., & Hamka, H. (2023). Investigating the roles of philosophy, culture, language and Islam in Angkola’s local wisdom of “Dalihan Na Tolu.” HTS Teologiese Studies/Theological Studies, 79 (1).

Hasan, A., Aslan, A., & Ubabuddin, U. (2021). Kurikulum PAI Tematik Dalam Pembentukan Akhlaq Anak Sholeh Pada Usia Dini. Cross-Border, 4 (2).

Hasan, N., Taufiq, M., Hannan, A., et al. (2023). Tradition, Social Values, and Fiqh of Civilization: Examining the Nyadran Ritual in Nganjuk, East Java, Indonesia. Samarah: Jurnal Hukum Keluarga Dan Hukum Islam, 7 (3), 1851-1868.

Herdi, A., & Abdurrahman, I. (2024). Integrated Islamic and General Education: A Study on the Integrative Education Thought of Mohammad Natsir. KEDJATI Journal of Islamic Civilization, 1 (1).

Holy Quran.

Huff, T. E. (2017). The rise of early modern science: Islam, China, and the West. Cambridge University Press.

Husna, A., Mahfuds, Y., Uthman, Y., et al. (2023). Building A Muslim Worldview Through Islamic Education in The Middle of Globalization. Nazhruna: Jurnal Pendidikan Islam, 6 (2).

Ibrahim, M., & Riyadi, A. (2023). Concepts and Principles of Da’wah in The Frame of Islamic Community Development. Journal of Society and Da’wah, 2 (1).

Ichsan, Y., Salsabila, U., & Okfia, S. (2023). Hayy Ibnu Yaqdzhan: The Concept of Knowledge Development from Ibn Tufail’s Perspective and His Contribution to Islamic Education. Al-Wijdan: Journal of Islamic Education Studies, 8 (2).

Islam, A., & Al-Alwani, R. (2023). Norms of Rise and Fall of Civilizations in the Qur’an: Beneficial Knowledge and Justice as a Model. Journal of Islamic Thought and Civilization (JITC), 13 (2).

Kardi, K., Basri, H., Suhartini, A., et al. (2023). Challenges of Online Boarding Schools In The Digital Era. At-Tadzkir: Islamic Education Journal, 2 (2).

Karimullah, S., & Islami, A. (2023). Internalization of Islamic Moderation Values in Building a Civilization of Love and Tolerance. Al-Insyiroh: Jurnal Studi Keislaman, 9(2), 179-198.

Kazkaz, L., & Bosch, M. (2023). Islamic Caricature Controversy from Jyllands-Posten to Charlie Hebdo from the Perspective of Arab Opinion Leaders. Religions, 14 (7).

Khatun, M., & Islam, A. (2023). Ancient Civilizations and Marriage: A Comparative Study of Customs, Traditions, and Rituals in Sumerian, Babylonian, Persian, Egyptian, Greek, Roman, Chinese.... International Journal of Social Sciences & Humanities, 3 (1).

Lailatun, N., & Mawardi, K. (2023). Islamization of The Archipelago: A Study of The Arrival and Spread of Islam in Indonesia and Malaysia. Al-Munqidz: Jurnal Kajian Keislaman, 11 (2).

Latif, M., & Mutawalli, M. (2023). Fiqh of Civilization in Building a Legal State: The Relevance of Muhammad Arkoun’s Thought. Al-Ahkam, 33(1), 1- 20.

Liana, N. (2023). Building a Qur’anic Paradigm. AL-IKHSAN: Interdisciplinary Journal of Islamic Studies, 8 (1).

Manullang, S. O., Mardani, M., & Aslan, A. (2021). The Effectiveness of Al-Quran Memorization Methods for Millennials Santri During Covid-19 in Indonesia. Nazhruna: Jurnal Pendidikan Islam, 4 (2).

Manullang, S. O., Mardani, M., Hendriarto, P., & Aslan, A. (2021). Understanding Islam and The Impact on Indonesian Harmony and Diversity. Al-Ulum, 21 (1).

Manullang, S. O., Risa, R., Trihudiyatmanto, M., Masri, F. A., & Aslan, A. (2021). Celebration of the Mawlid of Prophet Muhammad SAW: Ritual and Share Islam Value in Indonesian. Fikri: Jurnal Kajian Agama, Sosial Dan Budaya, 6 (1).

Mohamed, S. (2023). Media and Muslim Societies during the Time of Islamic Revivalism (1800s-1950s). International Journal of Islamic Thought, 23 (1).

Mukharrom, T., & Abdi, S. (2023). Harmonizing Islam and Human Rights Through the Reconstruction of Classical Islamic Tradition. Samarah: Jurnal Hukum Keluarga Dan Hukum Islam, 7 (1).

Munandar, S., & Amin, S. (2023). Contemporary Interpretation Of Religious Moderation In The Qur’an: Thought Analysis Quraish Shihab and Its Relevance In The Indonesian Context. QiST: Journal of Quran and Tafseer Studies, 4 (1).

Nidzom, M. (2023). Considering an Islamic Framework in the Study of Philosophy of History. Tasfiyah: Jurnal Pemikiran Islam, 7 (1).

Nuraisah, N., Permata, Y., Tabroni, I., et al. (2023). Modern Islamic Civilization in South and Southeast Asia. International Journal of Nusantara Studies (IJONUS), 2 (1).

Nurazizah, N., Halimatusadiah, I., et al. (2023). History of Islamic Civilization in Post-Independence Indonesia. International Journal of Nusantara Studies (IJONUS), 2 (1).

Nurmaliyah, Y., Aripin, S., et al. (2023). 2013 Curriculum: Implementation of Islamic Religious Education Learning in Schools for Children with Special Needs. International Journal of Islamic Thought and Humanities (IJITH), 3 (1).

Pratama, M., Librianti, E., et al. (2023). Islam Nusantara in Global Challenges. Asian Humanities and Cultural Studies Review, 3 (2).

Rafii, R. (2023). Making Islam (Coherent): Academic Discourse and the Politics of Language. Boundary 2, 50 (3).

Rahman, F. (1982). Islam and the challenge of modernity. University of Chicago Press.

Robinson, F. (2024). Islam and Muslim separatism. In Political Identity in South Asia. Routledge.

Rusmini, R., Kustati, M., Samsu, S., Kusnadi, E., et al. (2023). Hadrami’s leadership in Islamizing Jambi: Managerial psychology perspective. Cogent Social Sciences, 9 (1), 2203550.

Saada, N. (2023). Educating for global citizenship in religious education: Islamic perspective. International Journal of Educational Development, 93, 102629.

Sijamhodžić-Nadarević, D. (2023). Contribution of Islamic Religious Education to Intercultural Values in Pluralistic European Cultures: Insights from Bosnia and Herzegovina. Religions, 14 (4).

Sumarsam, I., Taufik, M., & Fajri, A. (2023). An Analysis of Archipelago Religion and Culture Indonesia and Islamization. Research, 10 (1).

Sutrisna, S., & Nursikin, M. (2023). Internalization Of Islamic Educational Values Through The Living Quran Approach In Islamic Boarding Schools In The Era Of Society 5.0. International Journal of Social Science, 2 (4).

Weber, A. (2023). Clinical applications of the history of medicine in Muslim-majority nations. Journal of the History of Medicine and Allied Sciences, 78 (1).

Wibowo, S., Dimyati, K., Absori, A., et al. (2023). Islamic nomocracy: From the perspectives of Indonesia, Spain and Russia. Legality: Jurnal Ilmiah Hukum, 31 (2).

Yabanci, B. (2023). At the intersections of populism, nationalism and Islam: Justice and development party and populist reconfiguration of religion in politics. British Journal of Middle Eastern Studies, 50 (6).

Yunita, L., & Widodo, H. (2023). The Implementation of Merdeka Curriculum In Islamic Education Learning at SMK Muhammadiyah Lumajang. Ta Dib Jurnal Pendidikan Islam, 28 (2).


[1]- أستاذ مشارك، جامعة أصفهان، قسم الفسلفة والکلام الإسلامي.


[2]- أستاذ مساعد، جامعة أصفهان، قسم علوم القرآن والحدیث.


[3]- Manullang, Mardani & Aslan, 2021.


[4]- Fiteriadi et al, 2024.


[5]- Hasan et al, 2021.


[6]- Manullang et al, 2021.


[7]- The golden age of Islam.


[8]- Aslan, 2022.


[9]- Manullang et al, 2021.


[10]- Nurmaliyah et al, 2023.


[11]- Fajrie et al, 2023.


[12]- Pursuit of knowledge.


[13]- Curiosity.


[14]- Sumarsam et a, 2023.


[15]- Khatun & Islam, 2023.


[16]- Aesthetically.


[17]- Yabanci, 2023.


[18]- Husna et al, 2023.


[19]- Globalization.


[20]- Liana, 2023.


[21]- Descriptive-analytical method.


[22]- انظر: دانشكيا، م. ح، سنن نشوء الحضارة وبقائها من منظور القرآن، مجلة الدراسات التأسيسية للحضارة الإسلاميّة الحديثة، ص179-206.


[23]- جلالي، س. م، تأثير المكوّنات الأنثروبولوجيّة للقرآن في بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة استنادًا إلى رؤية العلامة مصباح يزدي (ره)، مجلة الدراسات التأسيسية للحضارة الإسلاميّة الحديثة، ص223-256.


[24]- دامادي، س. م، المستشرقون والقرآن الكريم. وقف ميراث جاويد، ص44.


[25]- العبدالخاني، س، دور القرآن في ازدهار الحضارة الإسلاميّة، مجلة كوثر القرآنية، ص51-66.


[26]- انظر: ابن منظور، م. م، لسان العرب، ج13، ص402؛ ابن دريد، أ. م، جمهرة اللغة، ج2، ص683؛ الجوهري، إ. ح، الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، ج5، ص220.


[27]- جان أحمدي، ف، تاريخ الثقافة والحضارة الإسلاميّة، ص24.


[28]- انظر: ديورانت، و. ج، قصة الحضارة، ج3، ص1.


[29]-Kardi et al, 2023.


[30]- Benlahcene, 2023.


[31]- non-material aspects.


[32]- Islam & Al-Alwani, 2023.


[33]- Weber, 2023.


[34]- Eisenstadt, 1987.


[35]- Chuanchen & Zaini, 2023.


[36]- Göktaş & Chowdury, 2023.


[37]- Saada, 2023.


[38]- Civilizational development.


[39]- Latif & Mutawalli, 2023.


[40]- Deliberate.


[41]- Natural.


[42]- Chande, 2023.


[43]- Ibrahim & Riyadi, 2023.


[44]- Law.


[45]- العلق: 1-5؛ طه: 114؛ الزمر: 9؛ آل عمران: 190-191؛ يونس: 5؛ النحل: 11-12.


[46]- Comprehensive guide to life.


[47]- Happiness and success.


[48]- Nidzom, 2023.


[49]- The path to follow.


[50]- Just and civilized social order.


[51]- Munandar & Amin, 2023.


[52]- Sijamhodžić-Nadarević, 2023.


[53]- توبي إ. هَف (Toby E. Huff) عالم اجتماع أمريكي بارز ومتخصّص في تاريخ العلم والحضارة، أجرى بحوثًا واسعة في مجال التفاعلات العلمية والثقافية بين الحضارات. وقد تناول في كتابه المعنون «نهوض العلم الحديث المبكر: الإسلام والصين والغرب»، الصادر عام 2017م، بالتفصيل دور الحضارة الإسلاميّة في حفظ العلوم والفنون اليونانية وسائر الحضارات وتطويرها ونقلها إلى أوروبا. ويوضح هَف، من خلال تقديم أدلة تاريخية دقيقة، تأثيرات العلماء المسلمين في مجالات علميّة مختلفة كالرياضيات والفلك والطب والكيمياء والفلسفة في النهضة الأوروبيّة والتطورات العلمية اللاحقة في أوروبا.


[54]- Huff, 2017.


[55]- Creswell & Creswell, 2017.


[56]- Rusmini et al, 2023.


[57]- Strategic Thinking.


[58]- Mukharrom & Abdi, 2023.


[59]- Ichsan et al, 2023.


[60]- Nurazizah et al, 2023.


[61]- Herdi & Abdurrahman, 2024.


[62]- Sutrisna & Nursikin, 2023.


[63]- Karimullah & Islami, 2023.


[64]- Asmamatin & Ferianto, 2023.


[65]- Yunita & Widodo, 2023.


[66]- Azis et al, 2023.


[67]- N. Hasan et al, 2023.


[68]- Akhtar et al, 2023.


[69]- Wibowo et al, 2023.


[70]- Lailatun & Mawardi, 2023.


[71]- Erasiah et al, 2023.


[72]- Afandi, 2023.


[73]- Robinson, 2024.


[74]- The highest source of authority.


[75]- Pratama et al, 2023.


[76]- Kazkaz & Bosch, 2023.


[77]- Harahap & Hamka, 2023.


[78]- Grabar, 2023.


[79]- Bakir, 2023.


[80]- Rafii, 2023.


[81]- Privacy.


[82]- Generation gap.


[83]- Ahmad, 2023.


[84]- Rahman, 1982.


[85]- Abdel Haleem, 2004.


[86]- Moral relativism.


[87]- Grabus, 2012.


[88]- Contemporary circumstances.


[89]- Mohamed, 2023.


[90]- Nuraisah et al, 2023.