الباحث : جهاد سعد
اسم المجلة : دراسات استشراقية
العدد : 47
السنة : صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 7 / 2026
عدد زيارات البحث : 183
الملخّص
مرّت النظرة الغربيّة للشيعة والتشيّع بمراحل لا بدّ من التوقّف عندها، وصولًا إلى زمن مؤتمر ستراسبورغ (1968) وما بعده من تطوّرات؛ ذلك لأنّ هذه المراحل تتميّز بعدم وجود فواصل واضحة بينها، بمعنى أنّ حصيلة كلّ مرحلة تندمج فيما يليها ولا تتوقّف عن التأثير إلى يومنا هذا. فالاستعمار يستخدم مفردات التبشير، والعولمة تطوّر آليّات الاستعمار في المنهج والمقاربة والأسلوب، وتندكّ كلّ هذه العمليّات في لغة الإعلام الغربيّ المعاصر، كما بيّنت أكثر من دراسة[2]، لتحافظ على الصورة النمطيّة التي صنعها الاستشراق للإسلام والمسلمين والشيعة.
ويجب أن نلاحظ بداية أنّ كلمة شرق ومشرق هنا تتجاوز لدى الغربيين الإطار الجغرافي المعروف، أي: القارة الآسيوية بجزئيها؛ العربي والهندي الصيني الإيراني إلى شمال إفريقيا وغيرها، لأنّه ينصرف في عرفهم إلى كلّ البلاد التي يدين أهلها بالإسلام وتتواجد بها العربيّة أينما كان موقعها[3].
الكلمات المفتاحية
التشيع، التبشير، الكنيسة، الاستعمار، الاستشراق، القرآن، التصوّف، المسيحية، هنري كوربان.
مرحلة التبشير
لم يكن التبشير يفرّق بين مسلم وآخر، أو مذهب وآخر؛ لذلك نقول إنّها مرحلةُ الرّفض الكليّ لرسالة الإسلام من الغرب المسيحي بشقّيه الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ، ركّز فيها الرهبان والبابوات على دحض الدين الجديد عن طريق تشويه صورة الرسولn ومحتوى القرآن، ومن أبرز نجوم هذه المرحلة بطرس المبجّل (1094- 1157م)، الذي تُرجمت تحت رعايته أوّل نسخة من القرآن الكريم إلى اللاتينيّة وصدرت سنة 1143م... يقول يوهان فوك في هذا الشأن: شعرت الكنيسة المسيحيّة بتهديد شديد لها نتيجة الانتصارات الساحقة التي حقّقها الخصوم، فبيزنطة فقدت في القرن السابع مستعمراتها في آسيا وشمال أفريقيا باستثناء آسيا الصغرى على يد العرب، ثم اضطرّت إلى التخلّي عن آسيا الصغرى للسلاجقة في القرن التاسع، وبسقوط صقليّة فقدت السيادة على البحر، وبذلك أصبح البحر المتوسط غير آمن بسبب القراصنة، وفي الغرب فتح العرب والبربر معظم إسبانيا، ولم يبقَ منها سوى شمالها الغربي. ومن هذه النقطة شُنّت حروب الاسترداد (ريكونكويستا).
خرج بطرس المبجّل بقناعة أنّه لا سبيل إلى مكافحة (هرطقة محمد) بعنف السّلاح الأعمى -كما يقول-، وإنّما بقوّة الكلمة، ودحضها بروح المنطق الحكيم للمحبّة المسيحيّة. لكن تحقيق هذا المطلب كان يشترط المعرفة المتعمّقة برأي الخصم أوّلًا. وهكذا وضع خطّة للعمل على ترجمة القرآن إلى اللّاتينيّة، وكلّف راهبين: أحدهما الإنكليزي روبرتوس كيتينيسيس بترجمة الكتاب مقابل مبلغ مغرٍ من المال، أمّا الرّاهب الآخر هيرمان الدالماتي فقد ترجم أيضًا نبذةً مختصرةً من تاريخ الشخصيّات وثلاثة نصوص، منها ما يعود إلى كتاب مسائل عبد الله بن سلام، ويتضمّن إجابات الرسولn على أسئلة أحبار اليهود التي اعتنق بسببها الإسلام، أمّا الثاني فسيرة كعب الأحبار عن ولادة الرسولn وطفولته، أمّا الثالث فنظرة إجماليّة لتاريخ الإسلام وصولًا إلى استشهاد الإمام الحسينA. وفي سنة 1143م أرسل المبجّل بطرس كلّ المخطوطات المترجمة إلى الأب برنهارد شيرفو مشفوعة بخطاب ينوّه فيه بنضالات رجال الكنيسة ضدّ سائر أشكال الإلحاد.
لقد كانت فكرة التبشير الدّافع الحقيقي خلف انشغال الكنيسة بترجمة القرآن واللغة العربيّة. فكلّما تلاشى الأمل في تحقيق نصر نهائيّ بقوّة السّلاح، بدا واضحًا أنّ احتلال البقاع المقدّسة لم يؤدّ إلى ثني المسلمين عن دينهم، بقدر ما أدّى إلى عكس ذلك، وهو تأثّر المقاتلين الصليبيّين بحضارة المسلمين وتقاليدهم ومعيشتهم في حلبات الفكر[4].
وعلى مدى خمسة قرون تخلّلتها الحملات الصليبيّة وخروج المسلمين من الأندلس كليًّا بعد سقوط غرناطة 1492م، وهجمات عثمانيّة على قلب أوروبا، عزّزت فكرة انتشار الإسلام بالسيف، أهمل العثمانيون النّشاط الفكري والثقافي والتبليغي، حتى إنّهم لم يبذلوا أيّ جهد في تصحيح ترجمة القرآن المحرّفة التي سادت في أوروبا حتى القرن السابع عشر.
في المرحلة التبشيريّة، كان الغرب في حالة دفاع عن أرضه وعقيدته المسيحيّة وبقايا إمبراطوريّته الرومانيّة. ولا تزال الأدبيات الاستشراقيّة التي أسّست في المرحلة التبشيريّة حاضرةً في الإعلام والتعليم والخطاب السياسي الغربي إلى الآن، وقد برهنت دراساتٌ حديثةٌ للخطاب الإعلامي والسياسي الغربي على ذلك، ومن أهمّها السجال الشهير بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس حول الإسلام في الإعلام الغربي على صفحات (New York Times Review of Books)، وما كتب عن تيار الإنجيليّة الصهيونيّة والمحافظين الجدد، والحرب الصليبيّة الجديدة، ومحاولات إحراق القرآن الكريم بوصفه «كتاب الإرهاب»، وأطروحة دكتوراه صدرت عام 2005م لزين الغمري عن جامعة ويست منستر في المملكة المتحدة عنوانها: «الإسلام في الصحافة البريطانية» يثبت فيها الباحث كيف يستمدّ الإعلام البريطاني الحديث مفرداته من الخطاب الاستشراقي-التبشيري القديم.
المرحلة الاستعماريّة
في القرن السابع عشر، انتهت حرب الثلاثين سنة في أوروبا بما سمّي الاتّفاق الوستفالي سنة 1648م، وبدأت تظهر معالم الدولة القوميّة على حساب السّلطة البابويّة والإمبراطوريّة. وليس من قبيل الصدفة أن يعود العثماني خائبًا من حصار فيينا بعد 35 سنة من هذا الاتفاق، أي سنة 1683م، بعد أن هزمه تحالف بولندي-نمساوي... وما ذلك إلّا لأنّ أوروبا تعلّمت كيف تنظّم صراعاتها.
ابتداء من ذلك القرن (17)، دخلت الكنيسة تحت عباءة الدولة، وأصبح التبشير ممهّدًا ومواكبًا ومكمّلًا للاستعمار، وتوفّرت للاستشراق إمكانيّات غير مسبوقة، فانفجر بحثًا وتجسّسًا وعطاءً خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وأثمرت هذه الجهود قرابة 60 ألف كتاب و130 مؤتمرًا، كانت بمثابة مسحٍ شاملٍ وكاملٍ لكلّ ما هو مشرقيّ عربيّ أو إسلاميّ... وفي هذه الحقبة بالذات صدرت كتب تتعلّق بالشيعة، ولكن أزمة التعرّف على الشيعة من غير مصادرهم بقيت بارزة. ويفصّلها فرهاد دفتري كالتالي: إنّ المسلمين السنّة في العصر الوسيط، أو بالأحرى علماءهم، رسموا صورةً معياريّةً للإسلام المبكر لا تتّفق مع نتائج البحث الحديث في الموضوع. فطبقًا لأهل السنة الذين اعتبروا أنفسهم على الدوام أوصياء حقيقيين على الدين ومفسّرين له، مثل الإسلام منذ البداية أمة متآلفة ذات قاعدة عقائديّة راسخة خرجت منها الفرق المنشقّة وضلّت الطريق. هكذا جرى تصوير الإسلام السّنّي من قبل معتنقيه باعتباره «الإسلام الحقيقي»، في حين اتّهمت الفرق الإسلاميّة الأخرى غير السنيّة ولا سيّما منها الشيعة... بالفسوق و(الهرطقة) والإلحاد. ومن المهمّ ملاحظة أنّ التّصوّرات المشوّهة إلى حدّ كبير والتصنيفات المنحازة تبنّاها المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وهم الذين بدأوا دراستهم «العلمية» للإسلام انطلاقًا من المصادر الإسلاميّة المختلفة التي صنّفها مؤلّفون سنة بشكل أساسي[5].
وفي هذا الإطار، ادّعى غارسان دي تاسي[6] وجود «قرآن شيعي»، وقام بتحرير وترجمة إحدى السور التي ادّعى أنّها شيعيّة سنة 1842م، وكتاب إغناس غولدتسيهر «مساهمات الأدب الجدلي بين الشيعة والسنة في التاريخ»، الصادر في عام 1874م، والذي كان بدوره عبارة عن رسالة قدّمها حول الجدليّة السنيّة الشيعيّة.
ومن الإنصاف أن نشير هنا إلى المستشرق الألماني يوهان يعقوب رايسكه (1716-1774م) الذي أفلت من تلك الحلقة الضيّقة وانتصر للعربيّة والحقيقة في التاريخ الإسلامي، وأسّس بالفعل للمقاربة العلميّة للغة والتاريخ العربي في مقابل المقاربة اللاهوتيّة التي تبنّتها الكنيسة والمقاربة العبريّة التي تبنّاها أستاذه شولتنز، وقد أظهر رايسكه جرأةً علميّةً غير مسبوقةٍ في ذلك العصر، عندما أورد آراءه في التاريخ الإسلامي، في مقدمة ترجمته لكتاب «تقويم التواريخ» للجغرافي والمؤرّخ العثماني حاجي خليفة (1609-1657م) نشرها تلميذه ي. ب كولر سنة 1766م في كتابه عن أبي الفداء في شكل ملحق.
ويظهر رايسكه من خلال المقدّمة موقفه من التاريخ الإسلامي، فيعتبر: أنّ ظهور النّبي محمّدn وانتصار الدين الإسلامي، أحداث تاريخيّة لا يمكن للعقل البشري أن يدرك مداها، وهذا بحدّ ذاته برهان على «تدبير قوّة إلهيّة قديرة». وفيما يتعلّق بموضوعنا هنا لعلّ رايسكه كان من الأوائل الذين اعتبروا الإمام عليA هو الأحقّ بالخلافة بعد النبيn. ولكنّه حُرم من حقّه طيلة 24 سنة بسبب المؤامرات التي حيكَت ضدّه، ويؤمن رايسكه بأنّ الإمام عليA هو أفضل أمير عرفه العالم الإسلامي، وأنّه شجاع وعادل... وأنّ المعركة مع معاوية كانت معركة الحق مع الباطل[7]. وبذلك يمكن اعتبار رايسكه أوّل من خرج عن النصّ اللّاهوتيّ الرسمي في ذروة سطوة التبشير، وقد دفع ثمن هذه الرؤى الموضوعيّة الحرّة فقرًا مدقعًا في حياته.
وقد زاد الاهتمام الفعليّ بالدّراسات الاستشراقيّة من قبل الباحثين والسياسيين الفرنسيين منذ بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، حيث كان رجال الدولة من سياسيين ورجال اقتصاد يرسلون المبعوثين والباحثين أو يقومون بتكليف بعض المعتمدين في القنصليات الفرنسيّة في المشرق: المنطقة العربيّة، اسطنبول، لشراء وجمع المخطوطات العربيّة والشرقيّة، ولم يوفّروا جهدًا للحصول على أيّة مخطوطة أو تحفة فنيّة يمكن الحصول عليها من الأراضي الإيرانيّة الغنيّة بالتراثين الفارسي والإسلامي، تلك التّحف والمخطوطات التي تعرّف الإنسان الغربي عمومًا والفرنسي خصوصًا على الطبيعة الحياتيّة والفكريّة والروحيّة للإنسان العربي وللمسلم الذي يقطن في مساحة جغرافيّة لا يُستهان بها أبدًا، لهذا السبب كان أولئك الفرنسيون، خاصّة رجال السياسة والاقتصاد منهم، يخطّطون لفتح أسواق تجاريّة لهم في هذه المنطقة من أجل الإفادة من تراثها وثرواتها، وجعلها سوقًا رابحةً لمصالحهم التجاريّة.
ولا يجهل أحدٌ الدّور الذي لعبته الحملة الفرنسيّة 1789م لاحقًا في هذا المجال على العديد من البلدان العربيّة، حيث كانت حصيلة جمع المخطوطات أكثر من ثلاثمئة وعشرين مخطوطة، وقد تمّ جمعها بشكل دقيق ومدروس من قبل بعض الباحثين وعلماء المشرقيات من الذين كانوا يرافقون نابليون في حملاته أمثال (بارادي دوفنتور) والباحث (آميدي جوبير)[8].
في المرحلة الاستعماريّة، كان الغرب في حالة ثأر، والإسلام يمثّل تهديدًا لمصالحه التوسّعيّة. فأضيف إلى المقاربة التبشيريّة التي أثّرت فيما بعدها، مقولة التحديث في مقابل الإسلام الرجعي، والعلمانيّة والديمقراطيّة في مقابل الثيوقراطيّة، والقوميّة في مقابل الأمميّة، والقانون الوضعي في مقابل الشريعة الجامدة... وهكذا أتبعت الهزائم العسكريّة بمحاولة لمحو الهويّة الثقافيّة للمنطقة وتغريب أنماط التفكير والاستهلاك والحكم وحتى أبسط تفاصيل السلوك اليومي.
وفّر الدخول الغربي إلى البلاد الإسلاميّة مصادر جديدة للبحث في الإسلام والتشيّع، وظهر أوّل كتاب يعتمد المصادر الشيعيّة البحتة على يد دوايت دونالدسون، وهو كتاب «الديانة الشيعيّة» (The Shi’ite Religion) طبعه في لندن 1933، وكان في أصله، كما ذكر المؤلّف، رسالة دكتوراه عن الأئمة الاثني عشر. وقد قسّم الكتاب على اثنين وثلاثين بابًا أفرد فيه لكلّ إمام بابًا، وخصّص لكلّ مدينة مقدّسة بابًا أيضًا. ووقف على عقائد الإماميّة في الإمامة والعصمة والشفاعة، كما تطرّق إلى علماء الشيعة وفقهائهم مع ذكر مؤلّفاتهم؛ وركّز المؤلّف في باب مفرد على الكتب الشيعيّة الأربعة[9]. ولا يمكننا أن نفصل هذا المسح الشامل للمذهب من مصادر الشيعة عن دور المرجعيّات الشيعيّة في ثورة العشرين، فالمؤسّسة الاستشراقيّة حكوميّة بالدرجة الأولى.
وقبل ذلك، يقول الدكتور عاطف عبد الحميد إنّ ترجمةً لكتاب المحقّق الحلي قد نُشرت من قبل الدوائر البريطانيّة في الهند سنة 1805م باسم «شريعة محمّد»، ولكنه يعقّب: «أنّ عدّة عوامل ساهمت في تدعيم الصور الملتبسة بشأن الشيعة في المشرق الإسلامي، وأنّ أهم مصادر هذا الالتباس ما روّجه المستشرقون عبر التاريخ برؤى عقديّة مسيحيّة أو ماركسيّة. فقد بنيت الرؤية الاستشراقيّة على الكثير من التعميم وصيغت من تصوّرات فلسفيّة واستنتاجات فرديّة أكثر مما كانت ناتجة عن خبرة ومعايشة للتشيّع. فالوقوف على معلومات دقيقة حول الفكر الشيعي لم يكن ليتحقّق إلّا بالرجوع إلى النّصوص الشيعيّة، وهو ما لم يتوفّر لأغلب المستشرقين، حيث لم يبدأ الحصول على نسخ من الكتب الشيعيّة وترجماتها للغات الأوروبيّة إلّا في النصف الثاني من القرن 19. أمّا عن الالتباس الناتج عن اعتماد المصادر غير الشيعيّة في التعرّف على الشيعة، فيقول: في الوقت الذي يرفض فيه كثير من المسلمين (سنة وشيعة) مناهج أغلب المستشرقين الطاعنة في الدين الإسلامي عقيدة وشريعة، يرفض الشيعة على وجه خاص كثير من الانتقادات التي وجّهها المستشرقون إلى المذهب الشيعي بحجّة أنّ أغلب هذه الانتقادات جاءت من ترجمة المصادر السنيّة حتى في أهم سند «شرعي» يعتمدون عليه، وهو القول بأنّ الرسولn وسلم قد نصّ على أنّ خليفته في المسلمين هو علي بن أبي طالب في يوم غدير خم، فقد استبعد مارجليوث في كتاب «محمد وظهور الإسلام» (1905) هذه التوصية «المزعومة»، وبروكلمان في «تاريخ المسلمين» (1939)، وكذلك المستشرق ذائع الصيت جولدتسيهر الذي أورد رواية غدير خم بصيغة التشكيك.
أما جوزيف آرثر -الذي خدم دبلوماسيًّا فرنسيًّا في طهران بين 1855 و1858م– فقد سمح له موقعه بتقديم معلوماتٍ جديدةٍ للغرب ليس فقط عن الانشقاق السنّي-الشيعي، بل عن الاتّجاهين الرئيسين بين علماء فارس: الإخبارييون والمجتهدون (النقل والعقل) وهي فروقات أرجعها لأسباب اجتماعيّة قبل أن تكون دينيّة[10].
مرحلة العولمة
عولمة الغرب لسيطرته السياسيّة وترويج سِلعه وقيمه وثقافته أخذت دفعًا جديدًا مع الثورة الصناعيّة الثالثة بظهور الكمبيوتر والمعلوماتيّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وما عادت الجيوش المحتلّة وسيلة الغرب الوحيدة للهيمنة، بل أضيف إليها إمكانيّة التأثير عن بعد، فنشطت المؤسّسة الاستشراقيّة في النّصف الثاني من القرن العشرين في عقد المؤتمرات والتكيّف مع المتغيّرات، بالتوازي مع انتقال الثقل الغربي إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، ابتداءً من نهاية الحرب العالميّة الثانية.
وكانت نتاجات المؤسّسة الاستشراقيّة محلّ نقدٍ لاذعٍ من المفكّرين العرب والمسلمين، بخلفيّات علميّة أو قوميّة أو إسلاميّة، وأصبحت كلمة «مستشرق» سيّئة السّمعة، ما خفّف من تأثيرها وانبهار المسلمين بالدعاية القويّة التي رافقتها. وهنا تدخّلت تقنيات «إعادة تعليب السلعة نفسها»، وتمّ اقتراح التخلّي عن اسم «مستشرق» لمصلحة تعابير أكثر هلاميّة.
يقول برنارد لويس: لقد فسد الآن مصطلح «مستشرق» إلى حدّ لا يمكن إصلاحه، ولكن هذا الأمر يعدّ أقلّ أهميّة قياسًا إلى فقدان الكلمة قيمتها، بل لقد أهملها في الواقع أولئك الذين حملوها في الماضي. وقد أُعطي هذا الإهمال تعبيرًا رسميًّا في المؤتمر العالمي التاسع والعشرين للمستشرقين، الذي عُقد في باريس صيف عام 1973م. كان هذا التاريخ هو الذكرى المئويّة للمؤتمر العالمي الأوّل للمستشرقين، والذي عُقد في المدينة نفسها، وكانت تملك فرصة مؤاتية لإعادة دراسة طبيعة المؤتمر ووظائفه. وأصبح من الواضح سريعًا أنّ هناك إجماعًا لصالح إلغاء التسمية. وفي الواقع، أراد بعضهم الذهاب أبعد من ذلك، ووضع نهايةً لسلسلة الاجتماعات على أساس أنّ مهنتها كما هي لم يعد لها وجود، ولم يعد الاجتماع قادرًا على أداء أهدافها. غير أنّ الإرادة المعتادة لدى مثل تلك المؤسّسات هي من القوّة بحيث تمنع انحلال تلك الجماعات. ولكن الحركة التي تهدف إلى إلغاء مصطلح «مستشرق» كانت ناجحة.
جاء الهجوم من جانبين، فمن جهة كان هناك أولئك الذين كانوا يُسمّون بالمستشرقين وأصبحوا غير راضين عن هذه التسمية التي لا تدلّ على الحقل الذي كانوا يشتغلون به، ولا على المنطقة التي يهتمّون بها أيضًا. وكان يدعم هؤلاء باحثون أتوا من بلاد آسيويّة، وأشاروا إلى عبثيّة استخدام مصطلح مثل «مستشرق» على الهندي الدارس لتاريخ أو ثقافة الهند. واعتبروا أنّ هذا المصطلح يسيء بطريقةٍ أو بأخرى إلى الشرقيين في أنّه يجعلهم يظهرون وكأنّهم أهداف للدراسة أكثر منهم مشاركين فيها.
والحالة الأقوى لاستبقاء المصطلح القديم، كانت تلك التي طرحها الوفد السوفييتي برئاسة باباجان غفوروف، مدير معهد الاستشراق في موسكو، وهو سوفيتي شرقي من جمهورية طاجكستان. قال غفوروف: إنّ هذا المصطلح قد خدمنا جيّدًا لأكثر من قرن، لماذا يجب علينا أن نتخلّى عن كلمة تدلّ دلالةً صحيحةً على علمنا، وأوجدها بفخر أساتذتنا وأساتذتهم لعدّة أجيال خلَت؟ ولم يكن غوفوروف مسرورًا تمامًا من تعليق عضو الوفد البريطاني الذي مدحه لكلمته الرصينة حول وجهة النظر المحافظة. وخلال التصويت هُزم غوفوروف وأُلغي مصطلح «مستشرق» رسميًّا على الرغم من دعم مستشرقي أوروبا الشرقيّة الذين اتّفقوا بالإجماع مع الوفد السوفيتي. ووافق المؤتمر بدوره على تسمية نفسه «المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانيّة في آسيا وشمال إفريقيا».
لم يكن الهجوم على المستشرقين -وبعبارة أدقّ على المستعربين الغربيين والمتخصّصين بالشؤون الإسلاميّة- جديدًا في العالم الإسلامي، فقد مرّ ذلك الهجوم على مراحل عدّة، كانت تنشط خلالها اهتمامات وبواعث مختلفة. وكان منشأ إحدى التفجرات الأولى في فترة ما بعد الحرب غريبًا، حيث كان مرتبطًا ببدء العمل في الطبعة الثانية من (دائرة المعارف الإسلاميّة)، وهي مشروع استراتيجيّ ضخم في ميدان الدّراسات الإسلاميّة. وقد نُشرت الطبعة الأولى في ثلاث لغات في آنٍ واحد -الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة- بمشاركة باحثين من هذه البلدان الثلاثة وبلدان أخرى كثيرة. وقد استغرق هذا المشروع حوالي ثلاثين عامًا، وأُكمل في عام 1938م. بدأت الطبعة الثانية عام 1950م ونُشرت باللّغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة فقط، دون وجود عضو ألمانيّ في هيئة التحرير الدوليّة[11].
إنّ تغيير الأسماء لم يؤثّر على جوهر العمليّة، بل هو أثر طبيعيّ لتطوّرها وتنوّعها، وظهور الرّغبة في التخصّص، وحجم المعلومات الذي وفّرته الثورة المعلوماتيّة الثالثة والرابعة، أضف إلى ذلك الذهنيّة الأميركيّة العمليّة التي تميل إلى استخدام المعرفة كفعاليّة اقتصاديّة أو سياسيّة أو جيوسياسيّة، ممّا يحتّم تقسيم المناطق في العالم الإسلامي بحسب أهمّيتها في أولويّات الإدارة الأميركيّة التي تستفيد من خدمات مراكز الدّراسات المرتبطة بمراكز القرار في الدولة. لذلك أصبحنا نسمع بكرسيّ لدراسات الشرق الأوسط، وكرسيّ للشرق الأدنى، وكرسيّ لآسيا، وهكذا تنوّعت الاختصاصات في عمليّة تجديد واستمراريّة لما كانت تقوم به المؤسّسة الاستشراقيّة بما يتلاءم مع التحدّيات الجديدة.
ولقد وفّرت تلك الجهود على مدى قرنين ونصف من الزمن مادةً وفيرةً عن الشيعة والتشيّع، تم تنظيمها في دائرة المعارف الإسلاميّة الاستشراقية، التي بقيت لفترة تزيد عن خمسة عقود تقريبًا مصدرًا أساسيًّا للباحثين الغربيين وحتى العرب والترك والفرس قبل أن تشرع الدول الإسلاميّة في وضع المصادر البديلة عنها المستندة إلى قراءات ومقاربات نقديّة لما كتبه المستشرقون فيها.
ومن الطبيعيّ أن تختلف آراء الباحثين المسلمين من النتاج الاستشراقي، فيرى الدكتور مهرداد عباسي والأستاذ علي قاآني: أنّ كتاب دائرة المعارف الإسلاميّة -على الرغم من نقاط الضعف فيه- من المصادر المهمّة؛ لأنّه يمثّل دراسةً موسّعة عن الدين الإسلامي بجميع نواحيه، وهو أيضًا حصيلة علميّة لعدّة قرون من البحث والتنقيب في صفحات التاريخ، فلا غنى لباحث عنه.
لقد مارس الأُوروبيون مناهج عدّة خلال القرون الماضية حتى توصّلوا إلى أسلوب جديد ومجدٍ، قَدَّم نتائج مطلوبة في مختلف المجالات، لا سيّما على صعيد الدّراسات الإسلاميّة الاستشراقيّة، لكن ذلك لا يمنع من بروز بعض الإخفاقات في بعض آرائهم ونظرياتهم. ومن أبرز مصاديق ذلك، التباين الملحوظ بين ما جاء في الطبعة الأُولى لدائرة المعارف الإسلاميّة والثانية منها.
إلاّ أنّ المهم في الأمر لهذا المشروع هو صدوره بثلاث لغات في آنٍ واحد (الإنجليزيّة والألمانيّة والفرنسيّة)، وانتشاره في غالبيّة مكتبات العالم، فهي تمثّل بوّابة الاطّلاع على تفاصيل الحياة الإسلاميّة، لا سيما لدى من لا يُجيد لغات العالم الإسلامي (العربيّة، الفارسيّة، التركيّة).
وقد ورد ذكر مذهب التشيّع في (E12) باعتباره واحدًا من أهم المذاهب الإسلاميّة. اُنظر مقال: الشيعة (ج9، ص420) مضافًا لشرح فرقه المتعدّدة بشكل منفصل أمثال: الإسماعيليّة (ج4، ص198)، الباطنية (ج1، ص1098)، الكيسانية (ج4، ص836)، الزيدية (ج11، ص488) الجارودية (ج2، ص485)، النصيرية (ج8، ص145)، الواقفية (ج11، ص103).
أمّا الشيعة الإماميّة، فقد أُدرج موضوعها تحت مدخل الاثني عشريّة (ج4، ص277)، وكان من نصيب الدكتور (حسين نصر) الكاتب الإيراني والأُستاذ بجامعة (جورج واشنطن). وقد قسّم الدكتور نصر تاريخ التشيّع الامامي إلى أربع مراحل:
عصر الأئمة الاثني عشر.
من الغيبة الكبرى إلى الغزو المغولي في عصر الطوسي.
من عصر الطوسي إلى الدولة الصفوية.
من الدولة الصفوية إلى الحقبة المعاصرة.
وقد ورد التعريف بكلّ عصر ورجالاته وفقًا للعناوين الأربعة. بعد ذلك تناول الكاتب مواضيع الأحكام الشرعيّة حسب المذهب من قبيل الصّوم والصلاة، بالإضافة إلى بيان الأُصول الاعتقاديّة عند أبناء الإماميّة.
وهناك أيضًا مدخل بأعلام ورجالات الشيعة الإماميّة سواء من صَحِبَ الأئمّة أو من المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين، متقدّمين ومتأخّرين، من قبيل: مالك الأشتر (ج1، ص704)، هشام بن الحكم (ج3، ص496)، مؤمن الطاق (ج9، ص409)، الشيخ الكليني (ج5، ص362)، الشيخ الصدوق (ج3، ص726)، الشيخ الطوسي (ج10، ص774)، الشريف الرضي (ج9، ص340)، الشريف المرتضى (ج7، ص634)، الطبرسي (ج10، ص40)، العلامة الحلي (ج3، ص390)، صدر المتألّهين (ج7، ص547) الفيض الكاشاني (ج7، ص475)، العلامة المجلسي (ج5، ص1086)، والشيخ عبد الله المامقاني (ج6، ص312).و الأهم من ذلك كلّه اثني عشر مقالًا في الأئمة الاثني عشر ودورهم السياسي والاجتماعي[12].
أما الدكتور عبد الجبار ناجي، فيقدّم في كتابه دافعًا للمؤتمر الذي نحن بصدده، فيقول: «السياسة والاستعمار أيًّا كان، البريطاني منه أو الأمريكي، قد صوّرا الإسلام عامّة والتشيّع بصورة خاصّة، تصويرًا تعسّفيًّا. فالإسلام والتشيّع هما عاملان مساعدان على الإرهاب والعنف، ذلك الذي يعم العالم اليوم، وواقعيًّا قد عمّ العالم منذ أيلول 2001م. هذه النظريّة الأنانيّة والمصلحيّة وغير الصحيحة قد دفعت بعددٍ من المستشرقين إلى التمعّن في بحث ودراسة التشيّع الامامي والفرق الشيعيّة الأخرى. ومنها المؤتمرات التي تمّ عقدها وأوّلها في باريس عام 1968م، وتم طبع أوراق هذا المؤتمر عام 1970م».
ولنا هنا ملاحظات بغية توخّي الدقّة:
يظهر من النسخة الفرنسيّة أنّ المؤتمر كان مقرّرًا أن يُعقد في باريس، ولكن الحركة التي عمّت شوارع باريس سنة 1968م، وكان لها تأثيرها البارز على أدوار الدّولة في فرنسا، جعلت المنظّمين ينتقلون إلى ستراسبورغ.
جاء المؤتمر في إطار سلسلةٍ بدأها كلود كاهن عن الإسلام عمومًا، ثم تمّ تخصيص المؤتمر الثاني للشيعة الإماميّة، وقد كانت المادة المجحفة أو المنصفة أو المحايدة من دائرة المعارف وغيرها متوفّرة بين أيدي المستشرقين، كما سنلاحظ من أوراق المؤتمر، فلم يكن الدّافع هو دحض النظرة الأنانيّة والمصلحيّة كما أشار الدكتور ناجي، وإنّما استكمال جهد المؤسّسة الاستشراقيّة بما اشتملت عليه عادة من وجهات نظر.
من جهة أخرى، مع انتباهنا لسوء النيّة لدى معظم المستشرقين إلا ما رحم ربي، فإنّ مقاربة النص الاستشراقي يجب أن تكون بعقل بارد؛ للبحث عن خلفيّاته بذهنيّة باحثة وعلميّة، ومن دون انبهار بمدح الشيعة أو مدح أئمتهم، أو الانفعال من افتراءات يمكن تفكيكها والردّ عليها، فهذا الأسلوب يمكّننا من الردّ عليهم بلغتهم، والمساهمة في توفير مادّة معرفيّة تستند إلى الأدلّة، ما يؤهّلنا للحضور في هذا الوسط بدل استفراد بعض الباحثين في التصدّي لتعريف الشيعة على طريقته.
يضيف الدكتور ناجي: هذا فضلًا عن توجّههم نحو دراسة حركات الغلوّ بعد خروجها عن الخطّ الشيعي الأصيل، وذلك من أجل الوقوف على محاولة إيجاد أمثلة عن العلاقة بين التشيّع والإرهاب. كما فعل ذلك المستشرق تاكر (Tucker) البريطاني في بحثه الموسوم بـ(أبو منصور العجلي وفرقة المنصوريّة دراسة في إرهاب العصور الوسطى)، ودراسة المستشرقين البريطانيين مارشال هودجسون وبرنارد لويس عن الحشّاشين والإسماعيليّة، إذ اختارا عنوان: (The Assassins) بمعنى (القتلة)، وهما يحاولان في هذين الكتابين إبراز عقيدة الفدائيّة والانتحارّية في قتل أعداء العقيدة الإسماعيليّة، من الفقهاء وخطباء الجوامع والوزراء والقضاة وما إلى ذلك. عندها اندفع عدد من المستشرقين إلى البحث في التشيّع الاماميّ الاثني عشري، من جوانب فقهيّة وفلسفيّة وقانونيّة بعيدًا عن بلاطات السياسة، فوجدوا أنّ التشيّع لا علاقة له بالعنف والإرهاب. والكثير منهم –أي من المستشرقين– من يصف التشيّع بتعبيرات المسالمين والمهادنين والهادئين والمستسلمين في تصرّفاتهم. ثم يُشير الدكتور ناجي إلى فكرة شائعة عند المستشرقين، وهي أنّ «هدوء الشيعة» الذي استمر من استشهاد الإمام الحسينA قد انتهى مع ثورة إيران[13].
رأينا خطاب الشيعة الهادئين والشيعة الثوريين يتكرّر عند الصهيوني مارتن كريمر[14] والقس الكاثوليكي مارتن مكدرموت[15]، وهي مقولة مبتسرة تكفي مطالعة كتاب الانتفاضات الشيعيّة للعلّامة هاشم معروف الحسني لدحضها، فليست القاعدة في التاريخ الشيعي الهدوء ولا الثورة، وإنّما مصلحة الأمّة كما يراها المعصوم في زمن المعصومين عليهم السلام، وكما تراها المؤسّسة المرجعيّة من بعدهم، ولذلك كان التاريخ الشيعي حافلًا بالثّورات من جهة، وبفترات التفرّغ لنشر وحماية الفهم الأصيل للإسلام كما قدّمته مدرسة آل البيتb من جهة أخرى.
مركزيّة الرؤية الغربيّة
بين أيدينا موسوعتان شهيرتان عن المستشرقين: الأولى، وهي الأقدم لنجيب عقيقي (الطبعة الثالثة 1964م عن دار المعارف بمصر). الثانية، وهي الأحدث لعبد الرحمن بدوي (الطبعة الثالثة 1993م عن دار العلم للملايين). حاولنا أن نؤكّد مركزيّة الاستشراق الغربي بالأرقام، فوصل تتبّع حياة المستشرقين معنا حتى الآن إلى هذه الإحصائيّة المليئة بالدلالات:
- في موسوعة عقيقي وصلنا إلى المستشرق رقم 492، ومن بين هذا العدد الذي يمثّل عيّنة ممثلة لاحظنا أنّ 215 مستشرقًا من كبارهم لم يزر الشرق مطلقًا في حياته، وبالتالي فإنّه استمدّ كلّ ما يعرفه عن الشّرق من المكتبات والمخطوطات والترجمات التي يعترف اللغويون الغربيون أنّها بقيت ضعيفة لمراحل متأخّرة من القرن التاسع عشر. أي أنّ ما نسبته 43,7 % من المستشرقين لم يعايش الشرق الذي يكتب عنه بل كان أسير الأجواء التبشيريّة والاستعماريّة التي كوّنت رؤيته.
- أمّا في موسوعة عبد الرحمن بدوي، فإنّ 157 من أصل 287 مستشرقًا أي ما نسبته 54,7% لم يزر الشرق مطلقًا... وهكذا فإنّ الأرقام تفصِح عمّا كان سائدًا آنذاك من أوهام اختلطت بالعلم والتبشير والمواقف المسبقة، وتخفّف من الهالة العلميّة التي أُضفيت على التراث الاستشراقي.
خصوصيّة فرنسا
نزداد قناعة بمركزيّة الغرب في الرؤية الاستشراقيّة عندما نقرأ هذه المعلومة الطريفة عن شيخ الاستشراق الفرنسي سيلفستر دي ساسي (1758-1883م)، الذي تعلّم السريانيّة والكلدانيّة والسومريّة والعبريّة ثم العربيّة والإثيوبيّة، وكان أستاذًا للعربية في مدرسة اللغات الشرقيّة، وأستاذًا للفارسيّة أيضًا في الكوليج دوفرانس، وكان له نشاط حافل طيلة حياته العامة الخارقة للعادة. والذي قضى حياته كلّها في الأحياء العتيقة المحيطة بالمكتبة الوطنيّة في اللكسمبورغ، باستثناء رحلة واحدة إلى جنوة في مهمّة للبحث عن مخطوطاتٍ شرقيّةٍ وبغضّ النظر عن بضعة أشهر يقضيها كل سنة تقريبًا في ضواحي العاصمة. وعليه، فإنّ الرجل الذي سيعرّف الغربيين أفضل من أيّ شخص آخر بالشرق وبماضيه، لم يقرب هذا الشرق إلّا من خلال المخطوطات وحكايات تلاميذه وأصدقائه. ثم يضيف صاحب كتاب «رجل الاستشراق»: الواقع أنّ سلفستر دوساسي بطبعه وبذوقه وبتكوينه كان النقيض الخالص لرجل الميدان، رغم أنّه بذل جهودًا جبارةً -حسبما يبدو- إذا اعتبرنا العدد الهائل من الكتب التي كان يملكها في مكتبته، وهي الكتب التي تتعلّق باللّغة العربيّة الحديثة، العلميّة، الدارجة، اليوميّة، والتي بإمكانها أن تتيح ممارسة لغويّة، يعرف هو أكثر من غيره أنّها ضروريّة. فقد صرّح لأحد أصدقائه قائلًا: «لا أستطيع مواصلة حديث بالعربيّة». من هنا إذا سيبدأ الاستشراق الفرنسي في التفكّك بعد خمسين سنة.
إنّ مراجعة أسماء أعضاء الجمعيّة الآسيويّة للمستشرقين الفرنسيين واختصاصاتهم وحدها، تكشف آليّة عمل المؤسّسة الاستشراقيّة في ظلّ المشروع الاستعماري الغربي. فقد تمّ تأسيس الجمعيّة في نيسان سنة 1822م وترأسها شرفيًّا دوق أورليان، وكان من أعضائها البارزين: سلفستر دوساسي، شمبوليون الصغير، آبل ريميسات Abel Remisat (مختصّ في الشؤون والدّراسات الصينيّة)، جون لوي بيرنوف Jean Louis Burnouf (مختص في الدراسات اليونانيّة، وولده أوجين Eugene (مختص في الدراسات الهنديّة)، دانيال كييفر Daniel Kieffer (ناشر النسخة التركية للإنجيل)، كلود فوريال Claude Fauriel (عالم وفيلسوف)، إسكندر دوهمبولدت Alexandre De Humboldt، الدوق دوريشليو De Richelieu (وزير الحربيّة سابقًا)، وقريبه آميديه Amedee (مستعرب)، فرنسوا ليتريه Francois Litre (مختص في الدراسات الهنديّة)، وولده إميل مؤلّف «القاموس الكبير للغة الفرنسيّة» فيما بعد، دون أن ننسى شاتوبريان (Chateaubriand) الأديب المعروف. وعلى امتداد القرن التاسع عشر كلّه، كان المستشرقون من ذوي الأسماء اللّامعة، سواء في فرنسا أو في غيرها، يتطلّعون إلى تقديم محاضرات فيها. وكان نشاط الجمعيّة موضوعًا لتقريرٍ سنويٍّ يقدّمه الرئيس أو الأمين. وقد قدّم دوساسي تقريرها الأوّل سنة 1823م، وطالب فيها بإنشاء متحف آسيوي:
مخزن واسع للأشياء مهما كانت طبيعتها، والرسوم والكتب الأصلية والبطاقات وحكايات الأسفار، مهداة إلى كلّ الذين سيتخصّصون في دراسة آسية بصورة تمكّن أيًّا منهم من الاعتقاد بأنّه نقل بسرعة سحريّة إلى وسط قبيلة في منغولية أو عرق ما في الصين... متحف أراه الشرح الحي للمعاجم ووساطتها الضروريّة.
أمّا طيف اللغات الذي تمّت تغطيته في معهد اللّغات الشرقيّة، الذي خرّج كلّ المستشرقين الفرنسيين بلا استثناء بعد تأسيسه، فيتّسع للشرق الآسيوي كلّه، وما لا يخطر على بال المحبوسين في دائرة الشرق الأوسط، يقول ريغ: فلمّا قدّم لويس لانغلاس سنة 1790م مشروعه للمرّة الأولى إلى الجمعيّة التأسيسيّة جعل عنوانه: «في أهميّة اللغات لتنمية التجارة وتقدّم الآداب والعلوم». أخيرًا وفي مارس/ آذار 1795م أصدرت قانونًا –مرسومًا– بتأسيس هذه المدرسة:
«الموجّهة لتعليم اللغات الشرقيّة الحيّة ذات الأهميّة، المعترف لها بالمنفعة العامّة في السياسة والتجارة» (المادة الأولى). وحدّدت المادة الثانية تشكيلتها كما يلي:
«أستاذ اللغة العربيّة الفصحى والعاميّة، أستاذ للتركية والتتاريّة، أستاذ للماليزيّة والفارسيّة».
ودّعت المادة الثالثة الأساتذة إلى العمل على: «تعريف تلاميذهم بالعلاقات السياسيّة والتجاريّة القائمة بين الجمهوريّة والشعوب الناطقة باللغات التي كُلِّفوا بتدريسها». أما المادة الرابعة، فقد انتظرت منهم (أي: من الأساتذة): «تأليف كتب بالفرنسيّة في (نحو) اللغات التي يدرسونها».
تلقّى في المكتبة الوطنية دروسًا، وكانت هذه الدروس معلَنة، كما يلي: «التتارية والملايية»: المواطن لانغلاس، أستاذ. العبرية والعربية والفارسية: المواطن دوساسي؛ كما نصّ القانون على أنها: «مدرسة موجّهة لتكوّن بسرعة تراجمة متخصّصين قادرين على تعويض الذين تخلّوا عن خدمة وطنهم»[16].
نركّز على الاستشراق الفرنسي لبيان ما كان يميّز فرنسا عن غيرها من ناحية مأسسة النشاط الاستشراقيّ، وربطه بوضوح بمصالح الدولة المستعمرة، وإلّا فإنّ دول الغرب خصوصًا الاستعماريّة منها كبريطانيا وهولندا والبرتغال وألمانيا... وإسبانيا وإيطاليا كان لها مؤسّسات مماثلة تحرّكها الدّوافع السياسيّة والتجاريّة والثقافيّة والدينيّة.
فليس مستغربًا بعد كلّ هذا أن تختزِن اللغة الطاغية على أعمال المستشرقين آنذاك موقفًا طائفيًّا وعنصريًّا من الإسلام ككلّ، في صراع معلَن على نقل مركزيّة العالم مع اختلاف في حدّة أو شدّة الاتّهامات التي تلتقي عادة عند التشكيك برسول الإسلامn، وأصالة القرآن، والنتاج الحضاري الإسلامي.
الاستشراق الحديث
بذلت الولايات المتّحدة الأميركيّة جهودًا مميّزة للحفاظ على زخم الدّراسات المشرقيّة منذ أن تسلّمت قيادة العالم الغربي، فلم يحصل انقطاع عن الإرث الاستشراقيّ في الفترة الجديدة، بل أمّنت الولايات المتّحدة استمراريّة المسح الاستشراقي للمنطقة العربيّة والإسلاميّة وطوّرته عبر مراكز الدّراسات المتخصّصة.
وهذا ما يؤكّده مازن مطبقاني: أمّا الولايات المتّحدة الأمريكية فقد وجدت نفسها بعد الحرب العالميّة الثانية في مركز الزعامة العالميّة، ولا بدّ لها من وجود خبراء في شؤون العالم الإسلامي السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، فأصدرت الحكومة الأمريكيّة قرارًا بدعم الجامعات الأمريكيّة التي تقدّم هذه الدراسات، ورأت في الوقت نفسه أن تستفيد من خبرة المستشرقين الأوروبيين، فقدّمت لهم أوّلًا فرصة العمل أساتذة زائرين لفترات محددة، ثم عرضت على بعضهم الاستقرار في الولايات المتحدة. ومن الأساتذة الذين انتقلوا مبكرًا هاملتون جب الذي أسّس مركز الدراسات الشرق أوسطيّة في جامعة هارفارد في الستينات من هذا القرن، والأستاذ فون جرونباوم في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، وفيليب حتي في جامعة برنستون، ثم برنارد لويس في جامعة برنستون أيضًا من عام 1974م[17].
ومن أبرز من كتب في عقد الستينات نورمن دانييل، الذي أصدر كتابًا تحت عنوان الغرب والإسلام في القرون الوسطى سنة 1960م، وأعادت جامعة هارفرد إصداره سنة 1962م ثم أعيد إصداره سنة 2009م تحت عنوان: الغرب والإسلام صناعة صورة. يبدأ الكتاب من الحروب الصليبيّة ويشير تعريف الكتاب إلى أنّه يعالج سوء الفهم المزمن بين الغرب المسيحي والإسلام.
وأصدر مونتغمري واط كتاب «المذهب الشيعي في ظلّ حكم الأمويين» عام 1960م، وكتب «الرافضة: دراسة أوليّة» عام 1970م، وقد طرح واط في مؤلَّفاته حول الشيعة مراحل التاريخ الشيعي، وسلّط الضّوء على بعض الأسباب المحتملة التي قادت إلى اعتبار المذهب الشيعي هرطقة.
وكان مارشال هودغسون قد أصدر مقالًا عام 1955م بعنوان: كيف أصبح الشيعة الأوائل مذهبيين؟ (?How Did the Early Shi’a Become Sectarian)، وفيه سلّط الضوء على الدور الذي قام به (الإمام) جعفر الصادقA، في خلق هويّة وروحيّة شيعيّة متميّزة عن غيرها.
وإلى الآن يتصدّر المستشرقون منابر الحديث عن الشرق في الفضائيّات، والصحف، ومراكز الأبحاث، ومواقع الإنترنت. ومن أبرز من أطلّ على الفضائيّات الغربيّة: ريتشارد بوليت من جامعة كاليفورنيا، وريتشارد لتل، ودانيال بايبس، وفيتالي نومكين.
مؤخّرًا تمّ تطوير البحث وتنويع جنسيات الباحثين، بحيث استوعبت مراكز الدّراسات الأميركية كتّابًا وباحثين من أصول مشرقيّة، وتصدّى للكتابة عن التشيّع خبراء من أهل الحوض الشيعي، كولي نصر وفريدة فرحي، وفرهاد دفتري، ورزينة دلالي، وأمير معزي، وفؤاد عجمي الذي كتب عن (الإمام) السيِّد موسى الصدر وهو لبناني الأصل من قرية أرنون القريبة من الشقيف.
ويلاحظ الدكتور عبد الجبار ناجي: «أنّ دراسات هامّة قد أُنتجت في هذا الميدان، كان أصحابها ذوي أصول شرقيّة أو إسلاميّة كما في نموذج مدرسي طباطبائي من إيران والمقيم في الولايات المتحدة، وساجدينا من إندونيسيا، وغيرهم من الباحثين/ المستشرقين. وقد يعيد هذا التحوّل النظر في تعريف المستشرق. وأنّ الحيّز الذي أخذ يشغله التشيّع في مجال الدّراسات الإسلاميّة هو انعكاس مباشر لبعض التطوّرات المفصليّة التي حدثت في التاريخ المعاصر للمذهب، كما في التطوّرات الدينيّة والسياسيّة والمفصليّة في إيران بعد العام 1979م، أو العراق بعد العام 2003م»[18].
كما لاقت الدّراسات الشيعيّة اهتمامًا كبيرًا عند النخب الفرنسيّة، ويظهر ذلك من خلال كثرة المستشرقين الفرنسيين الذين كتبوا حول التشيّع، وفي نظرة عامّة حول المؤلّفات التي كتبت في هذا المجال، نذكر:
- كتاب «سلمان الفارسي والبواكير الروحية للإسلام في إيران» للمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، وله بحث بعنوان: «فاطمة وأصل الأسرة الفاطمية» نشره في مؤتمر المستشرقين رقم (24) في عام (1953م).
- كتب المستشرق الفرنسي شارل فيرولو (Ch. Virolleaud) كتابًا عن الإمام الحسينA بعنوان: (آلام ومصاب الإمام الحسين) طبع في باريس عام 1927م.
- وللفرنسي ج. كلمرد (J. Culmard) كتابًا تحت عنوان: «تبجيل الإمام الحسين: دراسة في ذكرى دراما كربلاء في إيران قبل الفترة الصفوية»، وحصل بموجبه على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس عام 1973م.
- وكتاب «الشيعة الاثني عشرية» للمستشرق الفرنسي هنري كوربان الصادر سنة 1972م، وقد كان لكوربان مع العلّامة السيِّد محمّد حسين الطباطبائي، صاحب تفسير الميزان، لقاءات كثيرة ومتعدّدة ساعدته في فهم الفكر الشيعي.
هنري كوربان والتصوّف الفرنسي
يعتبر هنري كوربان (1903-1978م)، أقرب مستشرق فرنسيّ للشيعة بفضل مساهمته المركّزة في تعريف الغرب على الفلسفة الإسلاميّة بعد ابن رشد (ت 1198)، والتي برهنت على أنّ الفلسفة والحكمة الإسلاميّة استمرّت في مدرسة الإشراق مع السهروردي وملا صدرا، وبرهنت لقاءاته مع العلّامة الطباطبائي على مدى اهتمامه بالتعرّف على الفكر الشيعي عن قرب. أمّا مسألة أنّه أعلن إسلامه سنة 1945م الموجودة في سيرته الذاتيّة على ويكيبيديا[19]، فلم أجدها في المقدّمة التي عرّفه بها «الأمير عارف تامر» لكتابه الشهير «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، وقد صدرت معظم كتب كوربان عن «المعهد الفرنسي للدراسات الإيرانيّة الإسلاميّة بطهران»[20].
وقد كان المستشرق كوربان من المشاركين في هذا المؤتمر سنة 1968م بوجود الإمام السيد موسى الصدر، الذي شارك في المؤتمر كمدير لمعهد الدّراسات الإسلاميّة في صور، وكان برفقته آنذاك الأديب المعروف الأستاذ نجيب جمال الدين مؤلِّف كتاب «الشيعة على المفترق أو موسى الصدر».
وكان الإمام قد راجع كتاب هنري كوربان «تاريخ الفلسفة الإسلاميّة»، وقدّم ملاحظات قيّمة على أفكار المؤلّف ظهرت في مقدّمات الطبعة العربيّة في العام 1966م، أي قبل المؤتمر بسنتين، ولا تزال تلك الملاحظات تصلح أيضًا اليوم كضابطة لمقاربة العقيدة والمفاهيم الشيعيّة الإسلاميّة عمومًا، وكتعديل ضروري لميل السيد كوربان إلى الرمزية والغنوصيّة أحيانًا، حتى فيما قدّمه في هذا المؤتمر في مداخلته تحت عنوان: «الإمامولوجيا والفلسفة»، وقد عالج فيها جوانب الفكر الشيعي، من خلال المصادر الثلاثة التي تمثّل أنماط المعرفة عند الشيعة - بحسب تعبير كوربان، وهي: النقل، العقل، الكشف. ومن خلال هذا الأساس قام كوربان بمعالجة خمسة موضوعات أساسيّة، وهي: الحقل الذي يدور فيه موضوع الإمامة والفلسفة، التنزيه والمعرفة القلبيّة، الحقيقة المحمّديّة، شخص الإمام والولاية، الولاية. بينما نجد أنّ رؤوس العناوين التي عالجها الإمام الصدر في مراجعته لكتاب كوربان، هي: الظاهر والباطن، فواتح السور، الإمام، استمرار تاريخ الإنسانيّة الديني، الولاية، التصوّف والتشيّع، القطب، الإمام الغائب، مبدأ الباطنيّة. ولا يخفى على القارئ التّداخل الموجود بين هذه المراجعة وما أورده السيد كوربان في مداخلته في هذا المؤتمر... ولمّا لم نجد ورقة الإمام الصدر التي قُدّمت في المؤتمر بعد بحثٍ وتدقيقٍ مع المعنيين بجمع تراثه، بعد أن أشار المنظّمون في النّسخة الفرنسيّة إلى أنّ الإمام لم يرسل نسخةً لهم لطباعتها ضمن الكتاب.. فقد وجدنا أن نشر مراجعة الإمام الصدر لكتاب كوربان من ضمن الترجمة العربيّة لمحاضرات المؤتمر، سيؤدي دورًا أساسيًّا في دعم ملاحظاتنا النقديّة التي سنوردها في المناقشة عندما نجد ضرورة لذلك.
يبقى أن نلفت النّظر إلى أنّ الميل إلى التصوّف كان ولا يزال ملحوظًا لدى العديد من المستشرقين الفرنسيين مع فارق مهمّ في خلفيّة الباحث. فقد اهتمّ المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883-1962م) بالتصوّف الإسلامي، وقال: جذبني الشرق إليه بماضيه الحافل بالديانات، فإذا بي غارق فيه إلى قمّة رأسي، وإذا بفلاسفة الإسلام ومتصوّفيه يحظون جميعًا بالقسط الأكبر من تفكيري، وإذا بي بعد دراستي إيّاهم أنجذب نحو المنبع الأوّل الذي استقى منه هؤلاء الفلاسفة تصوّفهم وفلسفتهم[21]. ولكنّه في الوقت نفسه جعل اهتمامه بالتصوّف إبرازًا للأثر المسيحي في الإسلام، وقد تأثّر بلا شكّ عندما تعمّق في دراسة الروحانيات الإسلاميّة، ولكنّه بقي على تقاطع خطير بين مهمّته التبشيريّة والاستعماريّة والمعرفيّة إلى مماته سنة 1962م. كما نستفيد من بطاقة مختصرة في تعريفه: من أكبر مستشرقي فرنسا وأشهرهم، وقد شغل عدّة مناصب مهمّة، كمستشار وزارة المستعمرات الفرنسيّة في شؤون شمال أفريقيا، وكذلك الراعي الروحي للجمعيات التبشيريّة الفرنسيّة في مصر. تعلّم لويس العربيّة والتركيّة والفارسيّة والألمانيّة والإنكليزيّة وعُني بالآثار القديمة، وشارك في التنقيب عنها في العراق (1907- 1908م) حيث أدّى ذلك إلى اكتشاف قصر الأخيضر.
درس في الجامعة المصريّة القديمة (1913) وخدم في الجيش الفرنسي خمس سنوات خلال الحرب العالميّة الأولى. استهواه التصوّف الإسلامي، فدرس الحلّاج دراسة مستفيضة، ونشر «ديوان الحلّاج» مع ترجمته إلى الفرنسيّة، وكذلك «مصطلحات الصوفيّة» و«أخبار الحلّاج» و«الطواسين»، كما كتب عن بن سبعين الصوفي الأندلسي، وعن سلمان الفارسي.
تولّى لويس تحرير «مجلّة الدّراسات الإسلاميّة» وأصدر بالفرنسيّة «حوليّات العالم الإسلامي» حتى عام 1954م. ورغم الدّراسات الكثيرة التي قدّمها ماسينيون إلّا أنّ ارتباطاته الفرنسيّة قد جعلته موضع شبهة..
فهناك الكثير من الآراء السلبيّة عنه وعن تصرّفاته وأقواله. وهذا موقف عام من الاستشراق والمستشرقين في أحيان كثيرة. يجب ألّا ننسى أنّ ماسينيون هو ابن بيئته ومجتمعه، ورغم بعض أقواله التبشيريّة التي تبدو سمِجة وغير مقبولة في يومنا الحاضر إلّا أنّه قدّم أعمالًا أدبيّةً كثيرةً، وأعاد اكتشاف الكثير من التراث العربي والإسلامي بتقدير واحترام كبيرين[22].
ويقول جان موريون (Morillon) في مؤلَّفه عن ماسينيون: لا يمكن فهم كتابات ماسينيون وأعماله، وكذلك الأمر بالنسبة لغاندي، ما لم نسلّم بما يلي: هناك نظام أخلاقيّ لا ندرك قيمته؛ لأنّه خارج عن إرادة الفرد ومصلحته، كما أنّ هناك عدالة كامنة في الذات لا تخضع للأهواء وللأنانيّة البشريّة. ومن أجل هذه الحقيقة كرّست نخبة من النّفوس حياتها، وبالتالي بقيت أسماؤها حاضرةً في ذاكرة العصور.
وماسينيون هذا، هو أستاذ هنري كوربان، أضف إليهما المستشرق الفرنسي الشهير رينيه غينو (1886-1951م) الذي اعتنق الإسلام وكتب عن «أزمة العالم الحديث»[23]، وكان متطرّفًا أمثر من النقّاد العرب والمسلمين في نقد الماديّة الغربيّة، وكانت آثار الجانب الروحي في الإسلام بادية في خياراته وحياته. فقد بقي في مصر بعد إسلامه، وسمّى نفسه عبد الواحد يحيى حتى وفاته عن 64 سنة.
وصولًا إلى الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي الذي حاول أن ينظّر لإسلام عالميّ مستندًا إلى بعده الروحي والصوفي في معظم كتبه، «كالإسلام الحي»، و«حوار الحضارت»، و«الإسلام في الغرب قرطبة عاصمة الروح»...
أهميّة المؤتمر
انعقاد المؤتمر في ظروف أحداث 1968م في فرنسا
في البداية، لا بدّ من ملاحظة إصرار المؤسّسة الاستشراقيّة على عقد هذا المؤتمر، في أيام الحراك الطلّابي الشهير الذي هزّ فرنسا، وكان له التأثير المستدام عليها، بحيث أعلن الرئيس الممثّل لليمين نيكولا ساركوزي أنّ من أهدافه القضاء على ميراث حركة مايو 1968م. وكانت هذه الثورة الطلّابيّة قد أدّت إلى تنظيم إضراب عام دام 6 أسابيع تم خلالها احتلال المصانع[24]، وفرضت مكاسب للطبقة العاملة، غيّرت وجهة التنمية الرأسماليّة في تلك المرحلة إلى حين.
وأمام تلك الأحداث الجسام اكتفى المنظّمون بنقل مكان المؤتمر إلى ستراسبورغ، برعاية مركز أبحاث تاريخ الأديان في ستراسبورغ، وهو تكملة طبيعيّة للمؤتمر الأوّل الذي نظّمه كلود كاهن (Claude Cahen) بين 12 و14 حزيران 1959م، والذي تناول تشكّل الدين الإسلامي. بينما كان هدف المؤتمر الأوّل، بحسب الجهة التي نظّمته، الإسهام في المعرفة الخاصّة بتشكّل المذاهب الدينيّة داخل الإسلام خلال مرحلة تبلور العقيدة، فإنّ المؤتمر الثاني يواصل أعمال المؤتمر الأوّل من خلال دراسة المذهب الإمامي الاثني عشري من نواحٍ شتّى.
تنوّع جنسيات المشاركين
المؤتمر هو ثمرة تعاونٍ وثيقٍ بين جامعة باريس وجامعة ستراسبورغ، وقد نجح في إشراك 18 باحثًا بينهم ثمانية باحثين من خارج فرنسا، وهم: المستشرق الألماني وِلْفِرد مادلنج، البلجيكي أرماند آبل، الإيطالي فرانسيسكو غابريالي، الألماني ريتشارد غرامليش، الفيلسوف الإيراني سيِّد حسين نصر، المستشرقة الأميركيّة آن لامبتون، بالإضافة إلى الإيطالي أنريكو سيرولي، و(الإمام) السيِّد موسى الصدر.
أما الفرنسيون، فكانوا يمثّلون أيضًا مدارس وخلفيّات مختلفة، كما سيظهر من مشاركاتهم، وهم: الفرنسي اليهودي جورج فاجدا، شارل بيلّا، جيرار لوكومت، كلود كاهن، مدير معهد الدراسات الإسلاميّة بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بجامعة ستراسبورغ توفيق فهد، هنري كوربان، إيفون لينان دوبلفون، روبير برانشفيغ، جان أوبان، هنري ماسيه.
وتمّ نشر مخرجات المؤتمر في كتاب تمّ طبعه في مطابع جامعة فرنسا سنة 1970، وهو يشتمل على 17 مقالًا، وقد غابت مداخلة (الإمام) السيِّد موسى الصدر التي شارك بها في المؤتمر. ويسمح هذا التنوّع باعتبار المؤتمر اختبارًا لمدى تطوّر النّظرة الاستشراقيّة للتشيّع والشيعة سواءً في المداخلات أو المناقشات، بعد ثورة المعلوماتيّة في القرن العشرين، وما يُقارب سبعة قرون من الأبحاث الاستشراقيّة بناء على أنّ هذه الأبحاث بدأت مع الجهود التبشيريّة، بترجمة القرآن في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي.
أنكلو ساكسون وفرانكوفون
نعرف الحساسيات الغربيّة بين مدرستين ثقافيتين، أسّسها الصراع بين إنكلترا البروتستانتيّة وفرنسا الكاثوليكيّة، وامتدّ الأمر إلى موقفٍ فرنسيٍّ من الثقافة الأميركيّة، ولكن هذا المؤتمر شهد حضور المستشرقة الأميركية آن لامبتون مع الألماني-الأميركي ولفرد مادلونغ، مع غياب ملحوظ للمستشرقين البريطانيين، في فترة يتحضّر فيها الاستعمار الجديد لوراثة النفوذ الأوروبي على طريقته، كما يقول ولفرد مادلونغ في مقابلة مع مجلة «التسامح»: «لقد كانت الولايات المتحدة قبل الحرب الثانية شبه معزولة عن العالم باستثناء علاقاتها مع أوروبا. وقد رأت أمريكا، بعد دورها القوي إلى جانب الحلفاء في تلك الحرب أنّ من الضروري قبل إقامة علاقات مع العالم، الشروع في دراسته وفهمه. ولا شك أَنَّهُ يختلط في هذه المسألة البعدان: المعرفي الذي يتمثّل في الفهم والتحليل، والسياسي الذي يسعى لتوظيف تلك المعرفة لخدمة مصالح الدولة»[25].
ومن جهة الدول العربيّة، فإنّ موجة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي والبريطاني، قد بدأت في الربع الأوّل من القرن العشرين مع مصر سنة 1922م وتصاعدت تباعًا، العراق 1930م، السعودية 1932م، الأردن وسوريا ولبنان 1946م، ليبيا 1951م، الجزائر 1952م، وواكبتها حركة استقلال مشابهة للدول الأفريقيّة، نعرف الآن أنّ الاستقلال كان نسبيًا وشكليًّا إلى حدّ بعيد. ففي سنة 1960م، نالت 14 دولة أفريقيّة استقلالها، هي: بنين، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، ومالي، والنيجر، والسنغال، وتوغو، والكاميرون، وتشاد، والكونغو-برازفيل، ومدغشقر، وموريتانيا، والغابون وجمهورية إفريقيا الوسطى. و«بعد ستين عامًا لم تنل الدّول الإفريقيّة الفرنكوفونيّة استقلالًا حقيقيًا ولا حرية»، تقول ناتالي يامب، المستشارة لحزب «الحرية والديمقراطية لجمهورية ساحل العاج»، وتضيف أنّ الأمر يبدأ من المدارس التي تقرّر مناهجها في فرنسا.
أنشأت فرنسا نظمًا سياسيّة قبل رحيلها، قبل 1960م، قرّرت باريس إلغاء النّظم البرلمانيّة في بعض الدول، كساحل العاج، وإقامة نظم رئاسيّة بدلًا عنها يمسك رأس الدولة فيها بكلّ شيء في البلاد. والهدف من ذلك أنّه «للسيطرة على البلد ينبغي فقط التحكّم بشخص يتمتّع بكلّ السلطات»، تضيف يامب في حديثها مع DW [26].
كلّ هذه الأحداث والتحوّلات مع تحدّيات الحرب الباردة مع المعسكر الشيوعي كانت تطرح سؤالًا مضمرًا على النخبة الغربية، وهو: كيف يبقى الغرب في الشرق؟ أو كيف يبقى الشمال في الجنوب؟ ولا يمكن فصل سلسلة المؤتمرات الاستشراقيّة في الخمسينات والستينات وصولًا إلى مؤتمر باريس سنة 1973م، عن محاولة الرد على هذا السؤال... مما يضفي أهميّةً خاصّةً على عمليّة المسح التي يجريها هذا المؤتمر، سواء من الناحية الكلاميّة أو الفلسفيّة أو التاريخيّة أو الفقهيّة الأصوليّة أو الثقافيّة للشيعة الإماميّة، بوصفها أقليّةً ديمغرافيّةً في مكان، وفعاليّة سياسيّة وفكريّة حيثما وجدت، تختزن تراثًا ثوريًا ومعرفيًا أثبت قدرته على التأثير في مواطن عدّة من العالم الإسلامي.
الخاتمة
تعتبر مرحلة التبشير المسيحي مرحلة الرّفض الكليّ لرسالة الإسلام من الغرب المسيحي بشقّيه الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ. وقد ركّز فيها الرهبان والبابوات على دحض الدين الجديد عن طريق تشويه صورة الرسولn ومحتوى القرآن.
كان بطرس المبجّل من الشخصيات الفاعلة والأساسية في الحملة على الإسلام والقرآن، فهو الذي أسّس فكرة أنّه لا سبيل إلى مكافحة دين نبي الإسلام محمّدn بعنف السّلاح الأعمى -كما يقول-، وإنّما بقوّة الكلمة، إلا أنّ الشرط الأساس في تحقيق هذا المطلب متوقّف على المعرفة المعمّقة برأي الجهة موضوع المواجهة أو الدرس (أي الشيعة هنا) وهكذا وضع خطّة للعمل على ترجمة القرآن إلى اللّاتينيّة.
لقد كانت فكرة التبشير الدّافع الحقيقي خلف انشغال الكنيسة بترجمة القرآن واللغة العربيّة وما يرتبط بهما من تراث.
كان الغرب في حالة دفاع عن أرضه وعقيدته المسيحيّة وبقايا إمبراطوريّته الرومانيّة في المرحلة التبشيريّة.
ارتبطت الكنيسة بعد حروب دامية بحركة الاستعمار ودخلت تحت عباءة الدولة، بل وأصبح التبشير ممهّدًا ومواكبًا ومكمّلًا للاستعمار. حيث كان الغرب في حالة ثأر، والإسلام يمثّل تهديدًا لمصالحه التوسّعيّة.
توفّر للاستشراق والمستشرقين إمكانيات كبيرة، تمّ استثمارها في حركة بحثية وتنقيبية واسعة خالية من الشفافية العلمية والبحثية خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وأثمرت قرابة 60 ألف كتاب و130 مؤتمرًا، كانت بمثابة مسحٍ شاملٍ وكاملٍ لكلّ ما هو مشرقيّ عربيّ أو إسلاميّ.
يظهر من التتبّع التاريخي أن قد زاد الاهتمام الفعليّ بالدّراسات الاستشراقيّة من قِبل الباحثين والسياسيين الفرنسيين.
لم يكتف الغربيون بما حقّقوه في المراحل السابقة بل أقحموا العالم في مرحلة العولمة، وهو ما أشعل حرب السيطرة السياسيّة وترويج سِلعه وقيمه وثقافته، وقد أخذت دفعًا جديدًا مع الثورة الصناعيّة الثالثة بظهور المعلوماتيّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وما عادت الجيوش المحتلّة وسيلة الغرب الوحيدة للهيمنة، بل أضيف إليها إمكانيّة التأثير عن بعد، فنشطت المؤسّسة الاستشراقيّة في النّصف الثاني من القرن العشرين في عقد المؤتمرات والتكيّف مع المتغيّرات.
لم تغب نتاجات الاستشراق عن النقد من المفكّرين العرب والمسلمين، بخلفيّات علميّة أو قوميّة أو إسلاميّة، وأصبحت كلمة «مستشرق» سيّئة السّمعة، ما خفّف من تأثيرها وانبهار المسلمين بالدعاية القويّة التي رافقتها.
من القضايا الواضحة التي أنتجتها السياسة والاستعمار أيًّا كان؛ البريطاني منه أو الأمريكي، العمل على تصوير الإسلام عامّة والتشيّع بصورة خاصّة، تصويرًا تعسّفيًّا. فالإسلام والتشيّع هما عاملان مساعدان على الإرهاب والعنف كما وفق هذه السردية.
لقد بذلت الولايات المتّحدة الأميركيّة جهودًا كبيرة للحفاظ على زخم الدّراسات المشرقيّة منذ أن تسلّمت قيادة العالم الغربي، فلم يحصل انقطاع عن الإرث الاستشراقي في الفترة الجديدة، بل أمّنت الولايات المتحدة استمراريّة المسح الاستشراقي للمنطقة العربيّة والإسلاميّة وطوّرته عبر مراكز الدّراسات المتخصّصة.
برهنت لقاءات هنري كوربان مع العلّامة محمّد حسين الطباطبائي مدى اهتمامه بالتعرّف على الفكر الشيعي عن قرب، ولهذا اعتبر أقرب مستشرق فرنسيّ للشيعة بفضل مساهمته المركّزة في تعريف الغرب على الفلسفة الإسلاميّة وقضايا أخرى لا تقل أهميّة عن الفلسفة.
لائحة المصادر والمراجع
دفتري، فرهاد، الإسماعيليون.
ريغ، دانيال، رجل الاستشراق، مسارات اللغة العربية في فرنسا، ترجمة: د. إبراهيم صحراوي، دار التنوير، الجزائر.
سعد، جهاد، التطرف الشيعي في محاضرات الاستشراق الصهيوني، مجلة دراسات استشراقية، العتبة العباسية المقدسة، السنة الثانية، العدد 4، ربيع 2015م.
شمس، طارق، يوهان يعقوب رايسكه شهيد اللغة العربية، مجلة دراسات استشراقية، العدد 10.
عباسي مهرداد؛ آقائي، علي، الغرب والتشيّع، تاريخ أئمة الشيعة في كبرى موسوعات المستشرقين عن الإسلام، مجلة المنهاج، العدد 44، شتاء 2007م.
عبد الحميد، عاطف، الشيعة في المشرق الإسلامي تثوير المذهب وتفكيك الخريطة، موقع مدارك، 16/ 2/ 2010م.
فوك، يوهان، تاريخ حركة الاستشراق. بتصرف.
لويس، برنارد، الإسلام والغرب، ترجمة: فؤاد عبد المطلب، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2007.
مقدمة عارف تامر لكتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية: هنري كوربان، ترجمة: نصير مروة وحسن قبيسي، منشورات عويدات، ط3، 1983م.
مناقشة كتاب «الزين الغمري»: الإسلام في الصحافة البريطانية المعاصرة، مجلة دراسات استشراقية، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية، العدد 23، صيف 2020م.
ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق عرض نقدي مقارن لدراسات المستشرقين عن العقيدة الشيعية وأئمتها، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، 2011م.
الروابط الإلكترونيّة
http://mrs.8k.com/faq/faq3.html
https://ar.wikipedia.org
https://www.marefa.org/
https://www.noor-book.com/-pdf
https://www.dw.com/ar/a-54444836
https://annabaa.org/nba62/rehla.htm
[1]- باحث في الفكر الإسلامي والاستشراق، لبنان.
[2]- انظر: مناقشة كتاب «الزين الغمري»: الإسلام في الصحافة البريطانية المعاصرة، مجلة دراسات استشراقية.
[3]- ريغ، دانيال، رجل الاستشراق، مسارات اللغة العربية في فرنسا، ص12.
[4]- فوك، يوهان، تاريخ حركة الاستشراق، ص15-17 بتصرّف.
[5]- دفتري، فرهاد، الإسماعيليون، ص1-17.
[6]- جوزيف هيليودر غارسيان دي تاسي (Joseph Héliodore Garcin de Tassy) (1794-1878م): هو مستشرق فرنسي تولّى رياسة الجمعية الآسيوية الفرنسية لفترة.
[7]- شمس، طارق، يوهان يعقوب رايسكه شهيد اللغة العربية، مجلة دراسات استشراقية، العدد 10.
[8]- https://annabaa.org/nba62/rehla.htm
[9]- ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، عرض نقدي مقارن لدراسات المستشرقين عن العقيدة الشيعية وأئمتها، ص 170-171.
[10]- عبد الحميد، عاطف، الشيعة في المشرق الإسلامي تثوير المذهب وتفكيك الخريطة، موقع مدارك، 16/ 2/ 2010م.
[11]- لويس، برنارد، الإسلام والغرب، ص 157-158.
[12]- عباسي مهرداد؛ آقائي، علي، الغرب والتشيّع، تاريخ أئمة الشيعة في كبرى موسوعات المستشرقين عن الإسلام، مجلة المنهاج، العدد 44.
[13]- التشيع والاستشراق، م. س، ص18-19.
[14]- انظر: سعد، جهاد، التطرّف الشيعي في محاضرات الاستشراق الصهيوني، مجلة دراسات استشراقية، ص227-250.
[15]- مقابلة شخصية مع المستشرق الإيرلندي مكدرموت في الجامعة اليسوعية في بيروت.
[16]- انظر: ريغ، دانيال، رجل الاستشراق، من ص29 إلى ص160 بتصرف.
[17]- http://mrs.8k.com/faq/faq3.html
[18]- التشيّع والاستشراق، م. س، ص7-9.
[19]-https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D9%86%D8%B1%D9%8A_%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%86
[20]- مقدمة عارف تامر لكتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية: هنري كوربان.
[21]- https://www.marefa.org/%D9%84%D9%88%D9%8A%D8%B3_%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86/simplified
[22]- https://www.noor-book.com/-pdf
[23]- صدرت ترجمة عربية للكتاب عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة، سنة 2016م.
[24]- القبس: هكذا غيرت حركة الطلبة وجه فرنسا، 4 مايو/ آيار 2018م.
[25]- حوار مع المستشرق ولفرد مادلونغ: أرشيف موقع الحكمة /www.hekmah.org/porta.
[26]- https://www.dw.com/ar/a-54444836