الباحث : موسى خشّاب
اسم المجلة : دراسات استشراقية
العدد : 47
السنة : صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 7 / 2026
عدد زيارات البحث : 152
موسى خشاب[1]
مقدّمة التحرير
قام العديد من الباحثين الغربيين -من المادّيّين وغيرهم- بترجمة القرآن الكريم ودراسة، وتفاوتت تلك الدراسات من جهة الدوافع، والدقّة، والعمق، ومن بين تلك النتاجات كتاب «تاريخ القرآن»، لمؤلِّفه «تيودور نولدكه»، والذي عَمَّر قريبًا من المئة عام. وقد صدر الكتاب عام 1860م، وتم تعديله بعد ذلك تعديلًا تامًّا من قِبل تلميذه فريدريش نفتالي بإشرافٍ من أستاذه، وصدرت أجزاؤه الثلاثة تباعًا على مدى ما يقارب 80 عامًا.
يتحدّث المؤلّف في الجزء الأوّل عن أصل القرآن الكريم ومصدر، وفي الجزء الثاني يناقش موضوع جمع القرآن الكريم، وفي الجزء الثالث يتناول قضيّة تاريخ نص القرآن الكريم، وقد جُمعت الأجزاء الثلاثة في كتاب واحد.
وسوف نستعرض في هذه المقالة الجزء الأوّل من الكتاب، على أن نتناول الجزء الثاني والثالث في مقالتين منفصلتين؛ وذلك بسبب ضخامة الكتاب الذي زاد عن 700 صفحة. يتعرّض الجزء الأوّل لأصل القرآن الكريم، ويناقش حقيقة نبوّة النبي محمّدn، وتفسير الوحي الذي كان يتلقّاه، ونتاج ذلك الوحي؛ أي القرآن الكريم وأجزائه، وما نُقِّص منه أو زِيد عليه.
نظرة عامة
يكرّر المؤلّف الكثير ممّا قاله الذين سبقوه في هذا الميدان، كما يناقش بعض الآراء معتمدًا على بعض المصادر ومهْمِلًا بعضها الآخر -خصوصًا المصادر الشيعيّة- وكذلك يتبنّى بعض النتائج قبل البحث، وقد رجّح بعض الآراء بغير مرجِّح مُستخدِمًا الكثير من العبارات غير الجازمة. ويصف نولدكه بعض آرائه قائلًا: «بعض ما قلته حينذاك بقليل أو كثير من الثقة: انعدمت ثقتي به لاحقًا».
ويصف نولدكه بعض الآراء التي طرحها حينها بـ«آثار الوقاحة الصبيانيّة»، ويشير إلى أن تعديل الكتاب من قِبل تلميذه لم يُزِل تلك الآراء بشكل تام.
يناقش المؤلِّف نبوّة النبي الأكرمn ويبدأ البحث بسؤال: هل كان محمّد نبيًّا حقًّا؟ وإن لم يكن نبيًّا فمن أين أتى بتلك التعاليم؟ وكيف نفسّر الوحي الذي كان يتلقّاه؟
وقد أخطأ نولدكه في ابتعاده عن المنهجيّة العلميّة؛ وذلك حين أنكر نبوّة النبي محمّدn انطلاقًا من منظوره المادّي القائم على رفض الغيب -الذي هو مبدأ النبوّة- حاله حال الفلاسفة المادّيّين الذين أنكروا وجود النفس، والروح، والعقل، والوحي، والملائكة، والغيب بشكل عام، حتى إنّهم فسّروا النفس الإنسانيّة تفسيرًا مادّيًّا من خلال اعتماد مبدأ «الاختزال»، الذي يؤدّي إلى القول بأنّ عقل أينشتاين مكوّن من المادّة نفسها التي تتألّف منها قطعة من الفحم! وبذلك دَسّوا النفس الإنسانيّة وكمالاتها وإبداعها في التراب: Nوَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَاM.
ويكمن الخطأ في هذا المنهج في مخالفة القاعدة العلميّة وهي: «أن ما لا يمكن إثباته بالمنهج المادي لا يمكن إنكاره بالمنهج نفسه»، وبعبارة أخرى: إنّ المنهج المادّي لا يمكنه الحكم على الغيب سلبًا أو إيجابًا. والخطأ الآخر الذي وقع فيه نولدكه هو مخالفة القاعدة العلميّة التي تمنع «المصادرة على المطلوب»؛ أي الحكم المسبق على الأشياء، فالمفترض أن نولدكه يدرس النصّ القرآني للحكم من خلاله على صحّة النبوّة أو عدمها، لكنه بادر إلى إنكارها قبل دراسة مضمون القرآن الكريم وأجزائه، وفي ذلك ابتعاد عن النزاهة العلميّة المتمثّلة بالحياد وتتبّع الحقيقة استنادًا إلى المنهج العلمي الصحيح، بغضّ النظر عن النتائج التي يمكن أن نصل إليها.
وبعد أن أنكر نولدكه نبوّة النبي، وجد نفسه أمام سؤال صعب وهو: من أين أتى محمّد بتعاليمه التي قلبت المجتمع رأسًا على عقب؟ ويخرج نولدكه بنتيجة أنّ المصدر الأساس لتعاليم النبي هي كتب اليهود بشكل أساس، وكتب النصارى بشكل أقل، إضافة إلى ما أخذه من العادات الاجتماعية في مجتمعه الوثني، وهنا يتطرّق مضطرًا إلى مسألة «أُمّية النبي»؛ وذلك لأنه من غير المنطقي أن يتمكّن شخص أُمّي من الحصول على التعاليم من كتب اليهود والنصارى!
ثمّ يتعرّض لمسألة الوحي وأشكاله الواردة في النصوص الإسلاميّة، ويركّز على أحد الأشكال المتناسبة مع ما يريد أن يصل إليه من إنكار الوحي، وتقوية نظرية «الصوت الداخلي»! بعد ذلك يبدأ نولدكه بدراسة النصوص القرآنيّة ومقارنتها بما ورد في الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ويناقش مسألة الزيادة والنقص في القرآن الكريم.
عرض ومناقشة ونقد
سوف نتعرّض في هذه المقالة لكل مسألة من المسائل المذكورة، ونجيب عن أهم الإشكالات والشبهات التي طرحها نولدكه حول العناوين الآتية:
1. قراءة في نبوّة النبي محمّدn.
2. مصادر تعاليم النبي الأكرمn.
3. أُمّية النبي محمّدn.
4. تفسير الوحي ومناقشة النظرية الإسلاميّة.
5. مناقشة المضمون القرآني، إضافة إلى مسألة الزيادة والنقصان فيه.
هل كان محمّد نبيًّا؟
يستبعد نولدكه فكرة أن يكون محمّدn أحد الأنبياء الكذبة الذين كانوا يخادعون الناس: «لا بدّ من الاعتراف بأن محمّدًا كان بالحقيقة نبيًّا!»[2]، ويستدلّ على هذه المسألة بأنه برز لبني قومه رغم الخطر والسخرية، وتحمّل المشقّات في سبيل دعوتهم، ويتحدّث عن حماسه في طرح التعاليم، ويؤكّد صدقه من خلال إيمان شخصيات بارزة به من أهل العقل؛ كلّ هذه الأمور لا تدع مجالًا للقول إنّه كان يخدع الناس، بل كان همّه تخليص الناس.
لكنه يضيف قائلًا: إنّ نبوّة محمّد كانت «نبوّة ساذجة» وليست مخادعة، بمعنى أن محمّدًا نتيجة للوهم كان يعتقد أنه كان نبيًّا، فهو لم يخدع الناس ولكن نفسَه هي التي خدعته وجعلته يظن أنه كان نبيًّا، وظنّ أنّ الصوت الذي بداخله كان صوت الوحي، حاله حال سائر الأنبياء. ويضيف قائلًا: جوهر النبيّ يقوم على تشبّع روحه من فكرة دينيّة ما، تسيطر عليه أخيرًا، فيتراءى له أنه مدفوع بقوّة إلهيّة ليبلغ من حوله من الناس تلك الفكرة على أنها حقيقة آتية من الله[3].
ولكي يؤكّد نولدكه قوّة الصوت الداخلي الذي أقضّ مضجع النبيّ، يذكر نولدكه -دون أيّ دليل أو شاهد- أن النبي كان بطبعه ضعيف العزم، لكنّه تجاوز ذلك الضعف نتيجة قوّة ذلك الصوت، كما يذكر نولدكه أن النبيّ طرح أمورًا نظريّة غير منطقيّة، وقام بأمور عمليّة غير أخلاقيّة باسم الدين، وفي ذلك دلالة على أنّ هذا الصوت ليس وحيًا من الله!
يقول نولدكه إنّ النبي محمّدn كان ينسب جميع تصرّفاته وأقواله إلى الدين؛ أي أنّه كان يستخدم سلطة الدين في الأمور الدنيويّة التي لا علاقة لها بالدين، وكذلك كان يقوم ببعض التصرّفات غير الأخلاقيّة باسم الدين، ويبرّر ذلك بقوله: إن محمّدًا كان قائدًا عسكريًّا وسياسيًّا، وأنّه كان مضطرًا للقيام ببعض تلك الأمور، وأنّنا لو اطّلعنا على سيرة الأنبياء بنفس المقدار الذي اطّلعنا فيه على سيرة النبي محمّد، لكان ذلك أثّر بشكل كبير على منزلتهم واحترامهم، وبالتالي فلا وجود لنبي بلا خطيئة.
وكأن نولدكه يقول: من المفترض أن تكون النبوّة الإلهيّة خالية من الأمور النظريّة غير المنطقيّة والعمليّة غير الأخلاقيّة، وهذا استنتاج سليم، لكن النقاش ليس في الكبرى إنّما في إثبات الصغرى من خلال عرض مصاديق لهذه الأمور التي تتنافى مع روح النبوّة؛ فكان على نولدكه أن يخبرنا: ما هي الأمور غير المنطقيّة التي قدّمها النبي محمّدn؟ وما هي الأمور العمليّة غير الأخلاقيّة التي مارسها أو أمر بها؟ ولم يقدّم نولدكه أي مصداق أو شاهد على أيّ منهما، إضافة إلى عدم إثبات مسألة أن النبي محمّدn كان بطبعه ضعيف العزم!
كما ذكرنا سابقًا، فإنّ منهجيّة البحث التي اتّبعها نولدكه منكوسة؛ وذلك أن الدليل الحاضر والدائم على نبوّة النبي الأكرم هو القرآن الكريم، وللحكم على صحّة النبوّة والوحي أو عدمها لا بدّ من دراسة وتقويم الدليل. ويمكن القول إنه لم تكن البداية التي ابتدأ بها نولدكه كتابه موفّقة؛ وذلك أنها تجعل القارئ يقرأ الكتاب بخلفية سوء الظن بالكتاب والكاتب الذي يكيل بمكيالين، فتراه يرفض الإيمان بالوحي لأنه غير محسوس، ويريد منّا أن نؤمن بالصوت الداخلي وكأنّه أمر محسوس!
الإسلام دين المنطق والصلاح
يقوم الدين الإسلامي على مبدأين أساسيين وهما: «الإيمان والعمل الصالح»، وقد تكرّر ذكرهما في عشرات المواضع من القرآن الكريم:
1. الإيمان: حقيقة الإيمان ليست تسليمًا لأمر مجهول دون دليل، فالإيمان لا بدّ أن يكون مسبوقًا بالعلم بقسميه: (التصوّر والتصديق)، والأوّل يعني أن نمتلك تعريفًا واضحًا جليًّا عمّا نتحدّث عنه، والثاني عبارة عن امتلاك الحجّة والدليل الواضح على التصوّر إثباتًا أو نفيًا، ومن دون العلم لا يمكن الوصول إلى الإيمان. وهذا لا يعني أن يكون جميع الناس فلاسفة، بل يعني أنّهم يفهمون عما يتحدّثون ويمتلكون دليلًا واضحًا ولو كان بسيطًا، وبالتالي فإنّ الإيمان بأمور غير منطقيّة غير ممكن إطلاقًا؛ لأن العلم بمعناه العام يرفض الأمور غير المنطقيّة تصوّرًا أو تصديقًا، وفي الحقيقة لا توجد أي فكرة دينية أصيلة لا تحمل في طيّاتها تصوّرًا وتصديقًا واضحين.
2. العمل الصالح: وهذه مظلّة عامّة تؤكّد رفض الإسلام لأي عمل غير صالح، فكل عمل يقبله الإسلام هو عمل صالح، وكل ما لم يكن صالحًا يرفضه الإسلام، وهذه سيرة النبي الأكرم وقادة الدين أوّلًا، وهي سيرة مشتركة بين كل الأنبياء، قال تعالى: Nيَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًاM، وقد وُصف الأنبياء مرارًا بالصالحين، وبالتالي فإن فكرة خداع الناس باسم الدين والقيام بأمور غير أخلاقية بعيدة كل البعد عن جوهر الدين. وعلى أساس هذين الركنين تتمّ محاكمة كل ما ورد في النصوص، فكل نصّ يتمّ إرجاعه إلى القرآن الكريم؛ يقول الإمام الصادقA: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف»[4]. وقد أخضع النبي الأكرمn ما ورد عنه لهذه القاعدة قائلًا: «ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عنّي يخالف كتاب الله فلم أقله»[5].
فالسنّة الشريفة خاضعة للقرآن إثباتًا أو نفيًا، والقرآن الكريم نصّه ثابت لا ريب فيه، لكنه يفسّر بما ينسجم مع أحكام العقل الصحيحة، كما هو الحال في نفي الجسمية عن الله تعالى في تفسير الآيات التي تتضمن اليد والوجه والمجيء وغيرها، وقد أكّدت العديد من الآيات القرآنيّة على التدبّر والتعقّل والتفكّر. على هذا الأساس، فقد سدّ الإسلام باب الأساطير والخرافات، ووضع قواعد منهجيّة قويّة تمنع مرور الافتراءات على الله وعلى رسوله في تفسير النصّ القرآني الثابت أو في وضع الأحاديث.
ومن جهة أخرى، فإن صفة المنطقيّة لا تقتصر على كل فكرة بمفردها، بل الأهمّ من ذلك هو ترابط الأفكار الدينية الإسلامية فيما بينها على مستوى الأصول وسائر العقائد وتجسّدها في الفروع وسائر الأعمال؛ فهي لوحة نُسجت بخيط واحد وهو خيط التوحيد، ولا يتّسع المجال للتفصيل في هذه القضية، وكان على نولدكه أن يتأمّل في معنى الإيمان والعمل الصالح وفي آية: Nلَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِM ويختبر صدقها.
أمّا في قضيّة ضعف عزم النبي -والتي لا ندري من أين أتى بها نولدكه- فكان يجدر به أن يقرأ آية: Nفَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِM، وأولو العزم تُطلق على خمسة من الرسل وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وعلى رأسهم محمّدn، وقد استطاعوا بصبرهم وعزمهم وقوّة إرادتهم تثبيت أركان الدين وغيّروا وجه العالم رغم أنّهم بدأوا تحرّكهم بمفردهم. فقد تعرّض نوح لضغط جسدي ونفسيّ، وتعرّض إبراهيم للتهديد بالحرق، وموسى للتشريد والتهديد بالقتل، وعيسى لمحاولة الصلب، وكان أشدّهم بلاءً النبي الأكرم الذي قال: «ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ مَا أُوذِيتُ»[6].
من أين تلقّى محمّد تعليمه؟
بعد إنكاره لنبوة النبي الأكرم دون دليل، واجه نولدكه سؤالًا صعبًا وهو: من أين أتى محمّدn بكل هذه التعاليم الراقية التي غيّرت المجتمع الوثنيّ وانتشرت في كل أرجاء العالم؟
يبدأ نولدكه بإجراء مقارنة بين التعاليم اليهوديّة والمسيحيّة وعادات المجتمع الوثني وبين ما ورد في التعاليم الإسلامية والقصص القرآنية، ويعرض بعض المصاديق التي يزعم أن الإسلام اقتبسها من تلك المصادر من طقوس، أو نصوص، أو مصطلحات؛ بدءًا من كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وبعض الآيات الواردة في سورة آل عمران، وما ذكره الإنجيل من قبيل ولادة المسيح وتكلّمه في المهد، ويشير إلى آية وراثة الأرض من قِبل الصالحين، معتبرًا أنها نُقلت حرفيًا من العهد القديم. ويُشار في سورة النجم إلى رؤيا ظنّ النبي نفسه فيها في السماء (الآيات 13-18) والتي يزعم أنها تتطابق مع ما ورد في العهد القديم[7]، إضافة إلى موضوع التهجّد المأخوذ عن المسيحيّة.
ويحشد نولدكه الأمثلة على التشابه بين التعاليم الإسلامية وتلك التعاليم من قبيل: التهجد، وبعض أشكال الصلاة، ومن قبيل استخدام كلمة «الفرقان» والتي يرى أنها ذات أصل مسيحيّ (سريانيّ). ويقول نولدكه إن الإسلام دين في جوهره يقتفي أثر المسيحيّة، بل هو الصيغة التي دخلت بها المسيحيّة إلى بلاد العرب، والدليل -عنده- إطلاق اسم «الصابئة» على النبيّ وأتباعه، وفي هذا دلالة على الارتباط الوثيق بالمسيحية، وكذلك لقب «الأحناف» الذين رفضوا الوثنيّة وانتقوا من اليهوديّة والمسيحيّة ما يرضيهم، وكذلك لجوء المسلمين إلى ملك الحبشة...
ويُطرح السؤال التالي وهو: كيف وصلت تلك التعاليم إلى محمّدn؟ وفي الجواب يستعرض عدة فرضيّات:
- الفرضيّة الأولى: أن يكون النبي قد اطّلع على الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.
- الفرضيّة الثانية: أن يكون اطلع على الكتابات العقائديّة اليهوديّة وغيرها.
- الفرضيّة الثالثة: أن النبي تلقّى تلك التعاليم شفويًّا من اليهود والمسيحيّين، ومن خلال القصائد الأدبية المترجمة إلى اللغة العربيّة، إضافة إلى ما تلقّاه من زيد بن عمرو بن نفيل، وقصائد أمية بن الصلت، وبعض عادات قومه كشعائر الحج التي أدخل إليها الصبغة الإبراهيميّة وغيرها...
ولكن ما هي الشواهد والأدلّة التي يقدمها نولدكه على هذا؟ إنّ أدلة نولدكه تقتصر على كلمات من قبيل: «على الأرجح»، و«من المستبعد»، و«لا أتصور» وهي عبائر لا يفهم منها الاستناد إلى رأي ودليل سديد وقوي. وإضافة إلى ذلك، يستدلّ نولدكه على مدّعاه بتلقّي النبي تعاليم شفوية من المحيطين به بآيتين قرآنيّتين، الأولى: Nوَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَM (الفرقان: 4) وفي آية أخرى يقول تعالى: Nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌM (النحل: 103) وكما هو واضح، فإن هاتين الآيتين تنفيان مسألة تلقي التعاليم من آخرين، وتقدم الآية الدليل على ذلك بأن لسانهم أعجمي في حين أن القرآن الكريم لسان عربي مبين، وقد طرحهما نولدكه كآيتين تشيران -في زعمه- إلى تلقي النبي تعاليمه من آخرين مثل سلمان الفارسي وغيره.
يقول نولدكه: «إن محمّدًا حمل طويلًا في وحدته ما تسلّمه من الغرباء، ثم أعاد صياغته في فكره، حتى أجبره أخيرًا الصوت الداخلي الحازم على أن يبرز لبني قومه»[8].
ويخلص إلى النتيجة التالية وهي: «أن الدين الذي قُدّر له أن يهزّ العالم انصهر في وجدان محمّد من مواد مختلفة، وما أضافه يقلّ أهمية عما أخذه من الآخرين».
تقويم كلام نولدكه
إن التشابه بين مضمون القرآن الكريم وبين نصوص التوراة والإنجيل ليس نقطة ضعف، بل هو نقطة قوة، وتتمثّل نقطة القوة هذه في وصف القرآن الكريم نفسه أنه مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل؛ أي أن العلاقة بين الكتب السماوية في أساسها علاقة تصديقية وليست تناسخية؛ أي يصدق بعضها بعضًا. ولو أن القرآن الكريم كان غريبًا بشكل كلّي عن الكتب السابقة، لكان ذلك سببًا وجيهًا للتشكيك بحقّانية نسبته إلى الله تعالى، ولولا ضيق المجال لذكرنا عشرات الموارد التي يصدق فيها القرآن الكريم ما ورد في التوراة والإنجيل، وهذا لا يعني مطلقًا أن النبي لم يأت بأحكام جديدة تتناسب مع المرحلة الزمنية التي نزلت فيها شريعة الإسلام.
كما إن إقرار النبي لبعض معتقدات وسنن وعادات المجتمع الوثنيّ يدلّ دلالة عميقة على اتّباعه الحق والأخذ به أينما وجده، قال تعالى: Nإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاM (البقرة: 158)؛ فالأنبياء لم يأتوا لمحاربة كل شيء في المجتمع الوثني، وهذا يدلّ على التوازن النفسيّ لديهم الناتج عن اتّباعهم الحق، ولذلك فكما أنّهم لا يقبلون كل شيء فهم لا يرفضون كل شيء. كيف ذلك وهناك عادات وقيم راقية سائدة في تلك المجتمعات؟ وقد شارك النبي في تطبيق بعض تلك العادات وغيرها كمشاركتِه في «حلف الفضول»، بل شارك في بعض الحروب لنصرة المظلومين في ريعان شبابه، كما أن النبي امتدح بعض الشخصيات التي عاصرته أو عاشت في الفترة التي سبقت نبوّته وأكرم أولادهم كإكرامه لابنة حاتم الطائي لكرم أبيها... وأمّا قضية إيمان النبي بالجن فهو اعتقاد منسجم مع الحقيقة التي لا تطالها شباك نولدكه التجريبيّة، وليس اعتقادًا ذا منشأ وثنيّ.
كيف نفسّر الوحي الذي تلقّاه محمّد؟
إن البحث حول الوحي يمكن أن يُطرح من خلال سؤالين؛ الأول: (كيف ومَنْ؟)، والثاني: (ماذا؟):
السؤال الأول: يبحث في كيفيّة الوحي؛ هل هو نداء، أو رؤية، أو حلم؟ ومَنْ الذي أوحى؛ الله أم جبريل؟ وهل أتى بصورته الحقيقيّة أم لا؟ والإجابة عن هذه الأسئلة في غاية التعقيد وتحتاج إلى تحديد المنهج الصحيح في تحصيل الإجابة عليها.
السؤال الثاني: هو ماذا أُوحِيَ إليه؟ ما هي التعاليم والآيات والكلمات التي أُوحيت إليه ومدى ترابطها وتماسكها ومستوى انسجامها مع العقل والفطرة الإنسانيّة ومطابقتها للحقيقة والواقع؟ والإجابة عن هذه الأسئلة تتم من خلال دراسة النص.
إجابات نولدكه
كما هو المتوقّع بحسب منهجه وما تقدّم من آرائه حول النبوة ومصدر التعاليم، فقد أنكر نولدكه الوحي من خلال تفسيره بحسب العلوم الطبيعية، وفسره على أنه عبارة عن اضطراب نفسي شديد وتفاعلات نفسيّة يتوهّم النبي أنها وحي من الله تعالى. ويؤيّد نولدكه قوله بأن الوحي كان يأتي النبي كصلصلة الجرس فينفصم عنه وقد وعى ما قال، ويتحدّث عن بعض الروايات التي تصف حالة النبي أثناء تلقي الوحي من قبيل أن الزبد كان يطفو على فمه، وكان يخفض رأسه ويشحب وجهه أو يشتد احمراره، وأنه كان يصرخ كالفصيل، ويتفصّد جبينه عرقًا حتّى في أيّام الشتاء...
ويقول نولدكه: إن هذا الاضطراب النفسي الشديد بدأ منذ حداثة سنّ النبي حتى ظنّ نفسه أنّه مجنون واتّهمه قومه بذلك، لكنه اعتبر فيما بعد أن هذا صوت من الله إليه... ويكمل نولدكه بأن هذا الوضع الجسدي النفسي المضطرب إلى درجة المرض يفسّر لنا سبب الأحلام في المنام كقضيّة الإسراء والمعراج التي ليست -في نظره- سوى منام، والرؤى في اليقظة. ويدعم نولدكه رأيه بأن معظم الوحي حدث ليلًا؛ أي في بيئة مناسبة للنفس لاستقبال التخيّلات والانطباعات، وحيث إن النبيّ كان كثير القيام والتهجّد في الليل وكثير الصيام في النهار، فقد اشتدّت لديه القوة على الرؤى الوهميّة في اليقظة! ويقول نولدكه إن بعض حالات الوحي لم تترافق مع الاضطراب النفسي؛ لأنّها كانت عبارة عن تأمّلات بسيطة.
تقيويم إجابة نولدكه
البحث حول كيفيّة تلقّي الوحي ليس بحثًا علميًا بحيث تطاله شباك التجارب، ولا بحثًا تحليليًا عقليًا محضًا، بل يحتاج إلى إخبار نقلي، بخلاف الإيمان بأصل الوحي. وقد اعتمد نولدكه في تفسير الوحي على أنه اضطراب نفسي شديد بناءً على «الغَشْية» التي كانت تعتري رسول الله حين تلقي الوحي، وحيث إن حدوث الغشية تشترك فيها عدة أسباب، فلا يمكن الجزم بأنها اضطراب نفسي شديد إلّا بعد استبعاد سائر الاحتمالات.
والنقاش ليس في حدوث الغشية؛ فبغض النظر عن بعض التفاصيل، فإن أصل حدوث الغشية ثابت في النصوص الإسلامية، وقد ورد ذكره في العديد من الروايات الشريفة. والتفسير الذي يقدّمه المسلمون للغشية اعتمادًا على القرآن الكريم يميّز بين كيفيات للوحي (وهو ما يقبله نولدكه من وجود حالتين):
الكيفية الأولى: هي تلقّي الوحي بواسطة المَلَك، كما قال تعالى: Nأَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُM (الشورى: 51)، وفي هذه الحالة يتلقّى رسول الله الوحي بيسر وسهولة.
الكيفية الثانية: هي الوحي من دون واسطة؛ أي أن الله تعالى يوحي لرسوله مباشرة: Nوَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًاM (الشورى: 51)، فالغشية التي تصيب رسول الله لم تكن -بحسب الروايات- تحدُث عند الوحي بواسطة، بخلاف الوحي من الله تعالى دون واسطة حيث يتجلّى له جمال الله وجلاله وينجذب انجذابًا شديدًا، ومن الطبيعي والبديهي أن تترافق هذه المسألة مع آثار نفسيّة وجسميّة، ومن هذه الآثار الغشية أو السَّبْتَة (وقد صُعق موسى حين تجلّى ربّه للجبل). ولا تؤدّي الغشية إلى غياب العقل كما هو حال نوم النبي؛ فهو نوم لعينيه وليس لقلبه، فقلبه مستعدّ دومًا لتلقّي الوحي الإلهي من خلال اتصاله الدائم بعالم المعنى والروح.
الكيفية الثالثة: وهي التكليم من وراء حجاب، كما حدث مع موسى في الوادي المقدّس طوى: Nأَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍM. (الشورى: 51).
فالحالة التي كانت تعتري رسول الله ناتجة عن هذا التجلّي، وهي خاصّة بالوحي من دون واسطة. أما قضية الاضطراب النفسي الشديد منذ حداثة سن النبي، فالمقصود منه الرواية الإسرائيليّة حول تفسير سورة الشرح من نزول ملكين وشقّهما لصدر النبي واستخراج عَلَقة وتطهيرها وإعادتها وخياطة صدره الشريف، وقد أكثر نولدكه من الاستفادة من الإسرائيليات والتي نُقلت للأسف من قِبل بعض المؤلِّفين، كحديثه عن محاولة النبي الانتحار عدة مرات حين انقطع أو تأخّر عنه الوحي.
والخلاصة أنه يوجد أمامنا تفسيران لهذه الغشية؛ الأوّل ما يقوله نولدكه، والثاني ما يقوله المسلمون، والسؤال: ما هو المرجِّح الذي يرجّح أن تلك الحالة ناتجة عن اضطراب نفسي شديد أو عن الوحي بغير واسطة؟
للإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى دراسة أمرين وهما: «الرسالة والرسول»، وتقديم الدليل على صحّتهما:
فمن جهة الرسالة: علينا أن نقدم الدليل على حقّانيتها.
ومن جهة الرسول: نحتاج إلى دليل قاطع يدلّ على نبوته.
وقد زوّد الله تعالى أنبياءه ورسله على مدى التاريخ بحجّتين قاطعتين وهما: «المنطق والمعجزة»؛ فبالمنطق تُعرف حقّانية الرسالة عبر مرورها بمصفاة العقل وعدم احتوائها على أيّ أمر يخالف العقل (وهذه هي صفة الوحي)، وبالمعجزة التي تثبت نبوّة النبي وأنه يتلقّى الوحي من الله تعالى ولا يفتري عليه من عند نفسه أو من عند الآخرين.
وقد اجتمع هذان الدليلان في القرآن الكريم؛ فهو الدليل على حقّانية الرسالة من خلال تعاليمه القيّمة المبنيّة على المنطق والدليل والحجّة والبيان والبرهان، وكذلك على صدق الرسول باعتباره المعجزة الخالدة التي تثبت نبوّة النبي الأكرمn وأنه يتلقّى الوحي من الله تعالى. وقد دعا القرآن الكريم الناس -كل الناس- إلى التفكّر فيه والتدبّر في آياته، وأعطى الأدلّة القاطعة على كونه كتابًا إلهيًّا موحى به من الله تعالى ومنها:
- احتواؤه على الحقائق: ويتحدّى أن يستخرج منه أيّ إنسان ما يخالف الحقيقة؛ أي حقيقة، سواء كانت علمية، أو عقليّة، أو تاريخيّة، أو تربويّة، قال تعالى: Nوَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًاM (النساء: 82)، فهو لا يخالف الحق والحقيقة مطلقًا، فضلًا عن عدم مناقضة آياته بعضها بعضًا.
- احتواؤه على أخبار صادقة ووعود ستتحقق على بساط الزمان: من كون العاقبة للمتقين، وزوال الطواغيت، ووراثة الصالحين، ونصر المؤمنين ونجاتهم، قال تعالى: Nسَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّM (فصلت: 53)؛ أي أنّ القرآن حقّ.
وهذان التحدّيان هما من جهة تقويم أو محاولة نقض القرآن الكريم من خلال إثبات الاختلاف بحقائقه والخُلف بوعده، والتحدّي الآخر من جهة الإتيان بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة: قال تعالى: Nفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِM، وفي آية أخرى: Nفَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍM، وفي آية أخرى: Nفَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِM. وهذا التحدّي ليس موجّهًا لأمّة معيّنة، بل إلى كل الأمم وكل البشر منذ البعثة إلى القيامة.
وقد واجه نولدكه التحدّي القرآني بطريقة عجيبة قائلًا: إنه لا معنى لهذا التحدّي؛ لأن القرآن يتحدّاهم أن يأتوا بمثله؛ أي بمضمون يشبه مضمون القرآن الكريم، وهذا غير منطقي -في نظره- لأن المبادئ والقيم التي يتحدّث عنها القرآن مرفوضة بالنسبة إليهم، فكيف يأتي الوثنيون بمضمون توحيدي وهم يرفضونه؟ ويؤيد نولدكه رأيه من خلال مقارنة ما أتى به مسيلمة مدعي النبوة ومماثلته لمضمون القرآن الكريم.
والجواب: إن فلسفة المعجزات تقوم على التحدّي، والنتيجة هي إمّا بطلان المعجزات وبالتالي بطلان النبوة، أو عجز الناس عن مواجهة التحدّي، وبالتالي ثبوت المعجزة والنبوة. وقد حدّد الله تعالى مجال التحدّي لأنبيائه ورسله ضمن الأمور التي يبدع بها الناس أو بعضهم ويقدّرها الناس بشكل كبير، كالسحر في زمن موسى والطب في زمن عيسى، حيث عجز أصحاب المهارات عن مواجهة التحدي، وكان بين إبداعهم في السحر والطب وبين معجزة موسى وعيسى فاصلة وهوّة كبيرة جدًّا. وهذا ما حصل بالنسبة للنبي الأكرم، حيث تحدّى أصحاب البيان أن يأتوا بمثل القرآن من جهة سحر بيانه، وقد انبهروا بجمال القرآن وبيانه مع رفضهم لمضمونه وأعلَنوا عجزهم عن الإتيان بمثله.
قراءة في الوحي (النص القرآني)
إشكالات نولدكه
على مستوى النصّ القرآني، يقول نولدكه: إن صاحب تلك الآيات يجب أن يُعتبر مصلحًا[9]، ثم يشير إلى بعض الملاحظات حول النص القرآني من قبيل: تفاوت مستوى الوَجْد والحماس بين السور القرآنية، ويناقش أسلوب السجع في القرآن الكريم، إضافة إلى قضية تكرار الآيات، وقضية الناسخ والمنسوخ، ويحاول نولدكه تقديم بعض الملاحظات على أنها نقاط ضعف في النص القرآني. وسوف نتعرّض لهذه الملاحظات والإشكالات من خلال جواب عام مشترك بين بعض الملاحظات وآخر تفصيلي على مستوى الشواهد التي قدّمها نولدكه.
معيار الحكم
إن الحكم على شيء أنه نقطة قوة أو ضعف لا بد أن يتمّ على أساس قياس نسبة مساهمته في تحقيق الهدف؛ فإن كان ذلك الشيء يقرّب من الهدف يُعتبر نقطة قوة، وقد يكون نقطة ضعف في ميزان آخر؛ أي بالنسبة لهدف آخر. وفي موردنا، فإن الهدف من نزول القرآن الكريم هو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور من خلال اتّباعهم لتعاليمه، وهذا يحتاج إلى قوّة جذب في النصّ القرآنيّ، وبالتالي فإنّ الحكم على التمايز في السور القرآنية من ناحية الهدوء والحماس، ومسألة تكرار بعض الآيات، والأسلوب القرآني في تشابه الفواصل والإيقاع الموسيقي لآياته يرجع إلى هذه النقطة؛ أي مدى مساهمتها في تحقيق هداية البشر، وبالتالي لا يمكن الحكم مثلًا على التكرار لمجرد كونه تكرارًا بغض النظر عن مساهمته في تحقيق الهدف.
ولنتعرّض لكل عنوان من العناوين التي طرحها نولدكه:
- تفاوت مستوى الوَجْد والحماس: يقول نولدكه: «حتى القارئ العابر سيرى بسهولة أنّه ليس من الممكن أن يكون القرآن كلّه قد نشأ في أرفع درجات الوَجْد»[10]. مشيرًا إلى أن السور صارت لاحقًا أكثر هدوءًا، وأنه في الفترة الأولى بدا محمد شاعرًا، فيما بدا لاحقًا معلّمًا أكثر منه شاعرًا. ويضيف أن النبيّ لم يكن ليحتمل الوحي الذي يأتيه في أعلى درجات الوَجْد لفترة طويلة، ويعزو نولدكه ذلك إلى ضعف الثوران النفسيّ الهائل مع مرور الزمن ولذلك صارت السور أكثر هدوءًا.
والجواب: إن تفاوت طريقة طرح الآيات من آيات قصيرة حماسية إلى آيات أكثر هدوءًا يتعلّق بظروف الخطاب وهوية المخاطب؛ ففرقٌ بين خطاب المؤمن وبين خطاب المشرِك، وكذلك بين الخطب الحماسية وخطاب الوعظ، وقد تنوّعت أساليب خطاب النبي، قال تعالى: Nادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُM (النحل: 125)، ولكل أسلوب تأثيره؛ فكما يشعل القائد الحماس لدى الجنود في قلب المعركة، كذلك تفعل المواعظ البليغة بأهلها. وهذا الأمر ليس ناتجًا عن ضعف الثوران الداخلي الهائل لدى النبي، فقد بقي النبي ثبْتًا ومتفاعلًا مع مبادئه في النهايات كما في البدايات، ومضمون أول أيام الدعوة هو نفسه مضمون آخر أيام الدعوة.
- ترابط الآيات: يتناول نولدكه موضوع ترابط آيات القرآن، ويقول: «ولذلك نجد أن آيات القرآن تقفز من موضوع إلى آخر»، لكنه يعترف بوجود الترابط في بعض السور كما في سورة يوسف وسورة براءة، ويضيف «أن المسلمين حاولوا عبثًا تعريف معنى السورة»، ويقصد من ذلك أن السورة لا تتضمّن مقصدًا معيّنًا.
بخلاف ما يدّعيه نولدكه، يعرف المسلمون السورة أنها التي تتضمّن مقصدًا واحدًا، ولا يضرّ وجود عدّة موضوعات -خصوصًا في السور الكبيرة- في وجود هذا المقصد الواحد العام، ولا توجد علاقة دائمة لهذا المقصد العام بتسمية السورة والتي تتعلّق بموضوع ورد فيها كما هو الحال في سورة البقرة وآل عمران؛ فقد تُسمّى السورة باسم مطلب مهم ورد فيها، وقد لا يكون هناك علاقة للسور التي تتحدث عن موضوع واحد ولها مقصد واحد باسم السورة كما هو الحال في سورة الناس والفلق والفيل وغيرها من السور، وهذا يعني أن مقصد السورة يحتاج إلى نظر وتأمّل وتدبّر، وكما يعبّر نولدكه أن لا يقع القارئ بخطأ الفصل بين ما هو متّصل.
إن قراءة الآيات منفردة يختلف عن قراءتها على ضوء المقصد؛ ففي سورة الضحى مثلًا: Nوَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْM، يُفهم منها أن الإنسان عليه أن يحدِّث بالنعم التي أعطاه الله إيّاها، ويمكن أن نفهم الآية على ضوء الجمع بين الآيات حين قال تعالى: Nأَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰM، وأعقب ذلك بقوله تعالى: Nفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْM. وفي حال وضَعنا كل آية من الآيات الثلاث الأخيرة مقابل آية من الآيات الثلاث الأولى، فيكون المعنى المفهوم من الآية مرتبطًا بالأولى؛ أي كما أن Nأَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰM مرتبطة بـNفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْM، وNوَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰM مرتبطة بـNوَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْM، كذلك Nوَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰM مرتبطة بـNوَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْM؛ أي أن يهدي الناس كما هداه الله تعالى.
- أسلوب القرآن والفواصل (السجع): يناقش نولدكه قضية مشابهة القرآن الكريم للسجع، ويشير إلى أن النبيّ الأكرم استخدم السجع بحرّية تامّة، ولو كان ذلك على حساب المضمون؛ أي أنّ النبي كان حريصًا في الحفاظ على شكل السجع ولو أدّى ذلك إلى وضع مضمون غير صحيح لمجرّد توافقه مع السجع! وقد ذكر مثالين على ذلك:
الأوّل في سورة الرحمن: حيث تحدّث عن وجود جنّتين لا وجود لهما في الحقيقة، إلّا أن كلمة «جنتان» و«مدهامتان» وغيرها تنسجم مع القافية.
الثاني: هو ذكر العدد «ثمانية» في قوله تعالى: Nوَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌM، ويقول نولدكه: أن وضع العدد ثمانية لا يعبر عن حقيقة بقدر ما ينسجم مع السجع القرآني.
ومن الأمثلة التي يذكرها: عدم لفظ فتحتي وكسرتي التنوين في آخر الكلمة كما في سورة الرحمن: Nكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍM (26)، وNيَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍM (44)، وNوَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍM (54). وفي الحقيقة، نعذر نولدكه على هذا الإشكال لعدم اطّلاعه على اللغة العربيّة، لكننا لا نعذره على التطفّل عليها؛ وذلك أنه لا يوجد في الموارد التي ذكرها وجوب للفظ الفتحتين أو الكسرتين عند الوقف بحسب قوانين اللغة العربية (إذ الوقف يكون على الساكن).
وفي سورة الرعد: Nفَكَيْفَ كَانَ عِقَابِM بدلًا من (عقابي)، وفي سورة الأحزاب: Nوَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاM (10). وهذا الإشكال في محلّه باعتبار أن كلمة (عقاب) كُتبت من دون ياء، وكلمة (الظنونا) زيدت فيها الألف.
والجَواب: أن القرآن الكريم حرص على جاذبية التلاوة كما هو الحال في جاذبية المضمون، ولذلك تم اعتماد الفاصلة والإيقاع الصوتي المناسب لذوق الأذن والذي يجذب الناس للاستماع إلى آيات القرآن، وكما كان القرآن الكريم حريصًا على أن تستعذبه آذان العرب، كذلك في الأحاديث الشريفة والأدعية تم اعتماد الفاصلة أو القافية لتأنس بها أسماع الناس.
وقد حُذفت الياء في الرسم وليس في الإعراب في كلمة (عقاب)، اتّباعًا لخط المصحف، ومراعاة لرؤوس الآيات، وكذلك كلمة (الظنونا) لتتناسب مع ذوق الأذن، ولتأكيد عدم التسكين تمّت كتابة (الظنونا) كما سُمِعت من النبي؛ أي مع ألف كي لا يتمّ تسكينها؛ كون التسكين لا يتناسب في هذا المورد مع ذوق الأذن، وهو ما اعتمد في النسخ القديمة في عدة موارد كُتبت كما سُمِعت من النبي ومن حفظة القرآن. وهذا يعني أن بعض الموارد التي صُنّفت أنها أخطاء إملائية كُتبت كذلك للتنبيه على كيفيّة لفظها، وهذا يدلّ على شدّة اهتمام القرآن بجاذبية الإيقاع باعتبار أن جذب السمع طريق لجذب العقل ومن ثم القلب ولو استلزم تغيير الرسم وبعبارة أخرى فللقرآن الكريم رسمه الخاص.
أما بالنسبة لكلام نولدكه حول تغيير الحقائق في سورة الرحمن وسورة الحاقة، فهو كلام من دون دليل:
«الجنّتان في سورة الرحمن»: تحدّثت آيات سورة الرحمن عن جنّتين لمن خاف مقام ربه، وعن جنّتين دونهما، فيصبح المجموع أربع جنّات، وهو ما ينسجم مع تعبير القرآن بكلمة: Nجَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُM، وقد وصف القرآن الكريم مجموع الجنّات بكلمة «الجنة»، وهذا لا يتنافى مع أن تكون الجنّة مراتب تتضمّن عدّة جنّات.
وحول قوله تعالى: Nوَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌM في سورة الحاقة: فقد اعترض نولدكه على كلمة (ثمانية)، باعتبار أنّها ذُكرت فقط لتناسبها مع القافية، وهذا ادّعاء من دون دليل كونه لم يأتِ بمورد من القرآن يعارض هذا العدد، ثم إنّ القرآن لا يلتزم بالقافية التزامًا حرفيًّا، بل يخرج منها ثم يعود إليها في الكثير من الموارد، وليس من ديدن القرآن أن يضحّي بصحّة المضمون للحفاظ على الفاصلة، كما أن الروايات تحدّثت عن الثمانية المقصودين في هذه الآية.
- تكرار الآيات: يتحدّث نولدكه في مواضع عديدة عن تكرار بعض المقاطع التي لا معنى لها -في نظره- كما في سورة الرحمن: Nفَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِM، وسورة القمر: Nفَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِM وغيرها من الموارد، معتبرًا أنها تكرار إلى حدّ الملل.
والرد على ذلك أن التكرار في الكلام يفيد التأكيد على فكرة معيّنة، ويهدف إلى إحداث ثغرة في نفس السامع لتعبر منها الحقيقة، والتكرار ناتج عن إرادة جدّية لإنقاذ الغارقين في الظلمات؛ فحين تنادي شخصًا لترشده إلى المخرج من الظلام تكرّر مناداته ليهتدي إلى مصدر الصوت، ومن أراد أن يفتح الباب يطرقه بإلحاح. وقد كرّر القرآن الكريم العديد من القصص والآيات في سور متفرقة، وفي كل آية من هذه الآيات يختلف الهدف من التأكيد؛ فمرة يطالبهم بالحجّة ويتحدّاهم أن يحدّدوا آلاء الله التي ينكرونها ويكذبون بها، ومرة يهدف إلى التحذير: Nفَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِM، ومرّة يهدف إلى بيان ضعف قولهم في ادّعاء إله مع الله سبحانه وتعالى.
وقد اختار القرآن قصصًا وأحداثًا معيّنة تخدم الهدف الذي يسعى من أجله رسول اللهn، كالتركيز على قصّة هود وصالح وقومهما عاد وثمود باعتبارهما عربًا من المنطقة نفسها، وكذلك قصة بني إسرائيل باعتبار أن الله اختارهم لتنفيذ المشروع الإلهي ولكنّهم انحرفوا، فعرض القرآن الكريم قصصهم بالتفصيل ليعتبر بها العرب كي لا يقعوا في الأخطاء نفسها.
الناسخ والمنسوخ
يوسّع نولدكه مفهوم الناسخ والمنسوخ ليشمل بعض الآراء الشاذّة من قبيل الرأي القائل بنسخ نص الآية وليس نسخ الحكم فقط، ويضم إليه الآيات التي ضاعت عند الجمع، والآيات التي لم تعد لها فائدة عمليّة كالآيات التي تأمر النبي بالصبر على تحمّل الإهانات، ويقول إنّ النبي شطب بعض الآيات وقال إنها قد رُفعت.
وكما هي عادته، يعتمد نولدكه على بعض المصادر والآراء الشاذة ويحاول تحريف بعض المفاهيم وإخراجها عن حدّها، وقد اتّفقت كلمة المحقّقين على أن القرآن هو الموجود بين الدفّتين بلا زيادة أو نقصان، أما قضية عدم وجود فائدة من بعض الآيات كالآيات التي تأمر النبي بالصبر فنحيله إلى الآية: Nلَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌM الأحزاب 21 لتظلّ منهجًا حيًّا لكلّ مصلح ودعوة، وعن الإمام الباقرA: «إن القرآن حيٌّ لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الآية، لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين»[11].
- الإضافات المدّعاة: يقول نولدكه: إن النبي محمّدn قام بإضافة بعض الآيات من عنده، كما حدث حين نزلت: Nلَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ... وَالْمُجَاهِدُونَM وأضاف إليها لاحقًا Nغَيْرُ أُولِي الضَّرَرِM (النساء: 95). وكما في قوله تعالى: Nفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَM والتي زعم أن كاتب وحي محمّد «عبد الله بن أبي سرح» قالها، فأعجبت النبي وأمر بإضافتها إلى آيات القرآن الكريم!
آية غير أولي الضرر: تقول الرواية إن النبي لما أنزل عليه آية: Nلَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِM، اعترض ابن أم مكتوم (أو سأل النبي عن قعوده بسبب العمى)، فأنزل الله تعالى الآية معدّلة بإضافة Nغَيْرُ أُولِي الضَّرَرِM بعد كلمة القاعدون، والرواية غير مقبولة بحسب القواعد العقلية العقائدية وأقصى ما يمكن قوله إنّه لعلّ ابن أم مكتوم لم يسمع الآية كاملة، فأعادها عليه النبيn.
Nفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَM: أما بالنسبة لعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقد تكرّرت هذه القصة مع تغيير اسم الشخص الذي قال ذلك في روايات أخرى مضطربة، كما ذكرت بعض الروايات أن ابن أبي سرح كان يحاول تحريف الوحي بأن يكتب خلاف ما يقول رسول الله، ويقول إن رسول الله كان يقرّه على ذلك ويقول «هي سواء»؛ أي أن تكتب عزيز حكيم أو عليم حكيم، وقد أسلم ابن أبي سرح ثم ارتدّ وأهدر النبي دمه بسبب الأكاذيب التي تهدف إلى الطعن في القرآن الكريم.
أجزاء قرآننا الحالي (أسباب النزول)
يتعرّض نولدكه في هذا الفصل إلى قضية تقسيم السور إلى مكّيّة ومدنية، ويقسم السور المكّية إلى ثلاثة أقسام على ثلاث فترات، ونحن لن نتعرّض هنا لمناقشة تقسيم السور وأسباب النزول، باعتبار أن الغاية من هذا البحث رد الشبهات التي أثارها نولدكه حول القرآن الكريم وحول شخصية النبي الأكرمn. وقد طرح نولدكه في طيّات البحث مجموعة من الشبهات المتعلّقة بأسباب النزول، وكرّر بعض الشبهات التي طرحها في الفصول السابقة، وكعادته اعتمد المصادر التي تتوافق مع آرائه، واستبعد التفسيرات التي تتعارض مع ما يصبو إليه وإن كانت منطقيّة، وسوف نتعرّض لهذه الشبهات بالقدر المناسب:
سورة العلق: «يتعرّض نولدكه لبعض النقاط المتعلّقة بسورة العلق، ومنها الظروف التي رافقت نزول السورة؛ حيث يزعم أنه بعد أن قضى النبي فترات طويلة في التأمّل أنتج ذلك اضطرابًا هائلًا حكم عليه بصورة قطعيّة أن يتنبّأ من خلال حلم أو رؤيا، ولم يكن محمد واثقًا من أنه بُعث نبيًا بل بقي متردّدًا، ولمّا طال انقطاع الوحي لأكثر من سنتين حاول الانتحار عدّة مرات، ثم رأى الملك مرة أخرى فارتاع لذلك وأسرع إلى خديجة وقال لها «دثروني وزمّلوني».
والجواب: قد تحدّثنا سابقًا عن قضية الاضطراب النفسي وعن قضية رؤية النبي للملك، وأنها تختلف عن الوحي من الله تعالى؛ باعتبار أن ملك الوحي يجلس بين يدي رسول الله كالعبد بين يدي سيّده، ولذلك فإنّ ما ذُكِر من أنّ النبي ارتاع وسارع إلى خديجة لا علاقة له بالواقع والحقيقة، بل إن الثقل الجسدي والروحي لحمل الرسالة هو ما كان يدعوه لطلب التزمّل. أما قضية التردّد واليأس ومحاولة الانتحار، فهي أكاذيب مأخوذة من مرسلات الروايات، وتتنافى مع مقام العصمة والنبوة، ويكفي في ضعفها اضطراب متنها.
سورة النجم: يتحدّث نولدكه عن قضيّة الإسراء ويعتبرها حلمًا، وأمّا المعراج فيعتبره اختلاقًا لا أساس قرآني له، كما يتحدث عن قضيّة الآيات التي يزعم أنها أُضيفت وهي قصة الغرانيق: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترجى».
والجواب: إنَّ قضيّة الإسراء قضيّة ثابتة ومجمع عليها لدى المسلمين بالنص القرآني أوّلًا، وبالأخبار النبويّة ثانيًا، فمن غير الطبيعي أن يواجَه النبي بكل هذا الافتراء والتكذيب من قِبَل المشركين لمجرّد أنه رأى حلمًا. أما بالنسبة للمعراج فآيات سورة النجم تتحدّث بوضوح وصراحة عنه: Nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰM. أما في قضية إضافة قصة الغرانيق، فهي خرافة تخالف السياق العام للسورة التي تذمّ آلهتهم، ومن غير المنطقي أن يهدم النبي جهوده السابقة بإضافة هذه الكلمات، وتبيّن الروايات المحقّقة أن المشركين هم من ألقوا هذه الكلمات في أسماع الناس أثناء قراءة النبي ليشوّشوا عليه.
المعوذتان: يتحدّث نولدكه عن أن السورتين عبارة عن رقية لرفع تأثير ما ظنّ النبيّ أنّه سحر أصابه به لبيد بن الأعصم اليهودي، وأن آيات سورة الناس والفلق عدّلها النبي بعدما اقتبسها من العقائد الوثنية، كآية الوسواس والجن والنفاثات في العقد...
والجواب: إن القضية كلّها مختلقة؛ كونها تنال من صدق نبوّة النبي حين يقع تحت تأثير السحر، وبحسب تفسير نولدكه فإن النبي كان يؤمن بخرافة تأثير السحر؛ ولذلك اختلق هاتين السورتين، مقتبسًا إيّاهما من عقائد وثنيّة! وقد ذكرنا سابقًا أن العقائد الوثنيّة ليست كلها باطلة، وقضيّة الإيمان بالجن قضيّة قرآنيّة أصيلة وثابتة، وكذلك قضية الوسواس الخناس التي تشمل كل من يبعد عن الحق سواء أكان من الجنّ أو من البشر: Nمِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِM. أما في قضيّة النفاثات في العقد، فعلى فرض قبولنا بتأثير السحر بنسبة معيّنة، لكنه غير وارد بتاتًا في مورد الأنبياء.
الفاتحة: يقول نولدكه إن آيات سورة الفاتحة مقتبَسة من الكتاب المقدّس، وأن آياتها ست وليست سبعًا، وبالتالي لا ينطبق عليها تفسير آية: Nسَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِيM (الحجر: 87). والجواب أن الرأي المشهور بين المسلمين على أن آياتها سبع وأنها هي السبع المثاني، أما في قضية وجود تشابه بين آيات سورة الفاتحة وآيات الكتاب المقدّس غير المحرّفة فلا مشكلة فيه، باعتبار أن القرآن مصدّق لما بين يديه كما أسلفنا سابقًا.
سورة القمر وسورة الشرح: يقول نولدكه إن تفسير سورة القمر وقع تحت تأثير الخرافات من خلال القول إن القمر قد انشقّ، وهي كآيات سورة الشرح Nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَM وقعت أيضًا تحت تأثير خرافة شقّ صدر النبي واستخراج العلقة منه. ونحن إذ نتفق مع نولدكه على أن آيات قصّة شقّ صدر النبي المادّي غير حقيقية باعتبار أن الشرح هو شرح روحي ومعنويّ وليس جسميًّا، لكننا لا نوافقه على إنكار معجزة شقّ القمر؛ كونها لا تتنافى مع المسلّمات العقلية، ووقوع المعجزات خير دليل على إمكانها «الوقوع دليل الإمكان».
سورة الكهف: يقول نولدكه إن سورة الكهف تحدّثت عن العديد من الأساطير؛ كقصّة أصحاب الكهف الذين ناموا لما يزيد عن 300 سنة، وعن قصة ذي القرنين. ولا يوجد في القصتين ما يتنافى مع القواعد العقليّة والقدرة الإلهيّة، ولعلّ نولدكه يقصد بعض التفاسير الروائيّة غير المنطقيّة لبلوغ ذي القرنين مطلع الشمس ومغربها، وهذه مشكلة عامة في كل الآراء التي تبنّاها نولدكه، حيث لم يتعرّف على المصادر المحقّقة لتفسير آيات القرآن الكريم.
سورة السجدة: يقول نولدكه إن الآية 23 من سورة السجدة أُضيف عليها: Nفَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِM، فلو أزلنا هذه العبارة من الآية لأصبحت على الشكل الآتي: «ولقد آتينا موسى الكتاب... وجعلناه هدى لبني إسرائيل»، وبالتالي فإن العبارة غريبة عنها. والجواب أن الله تعالى يقول لنبيّه إنه آتى موسى الكتاب، فلا تشكّ في أنّ موسى تلقّى الكتاب السماوي والتقى بالوحي، وقد جعلنا هذا الكتاب هدى لبني إسرائيل، وقد تكرّر هذا الأمر تثبيتًا لقلب النبي في سور وآيات أخرى.
سورة القصص: يتحدّث نولدكه عن أن الآيات من 76 إلى 82 غريبة عن السورة (وهي الآيات التي تتحدّث عن قارون وخروجه على قومه في زينته). والجواب أن سياق السورة يعرض مواجهة موسى للسلطة الطاغية المتمثّلة بفرعون، وسلطة المال المتمثّلة بقارون، فكلاهما تحدّيان واجها الدعوة الإلهية، فالآيات في صلب سياق السورة الموحّد.
سورة البقرة: يتعرّض نولدكه لآيتين من سورة البقرة؛ الأولى الآية 196 التي تتحدّث عن التمتّع بين الحج والعمرة، ويرى فيها نولدكه -تبعًا لافتراءات المستشرقين- ربطًا بشهوانية النبي الأكرم! والآية في غاية البساطة؛ إذ تنظم تشريعًا عباديًا يسهل على الحجاج فكّ الإحرام بين العمرة والحج. والآية الثانية هي الآية 210، حيث يقول نولدكه إنّها غير مفهومة: Nهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائكة وَقُضِيَ الْأَمْرُM، والآية في غاية الوضوح؛ إذ تتحدّث عن إتيان أمر الله وعذابه من خلال الغمام الذي يكون سببًا للمطر المغرق أو الريح العقيم كعادة عذاب الأقوام السابقة، ولا تعني بطبيعة الحال أن الله يأتي بذاته فوق الغيوم.
سورة الأنفال: يتحدث نولدكه عن الآية 75 ويقول إنّها فكّت رباط الأخوة بين المهاجرين والأنصار، وأعطت الأولوية لأولي الأرحام. والجواب أن حكم وراثة المهاجر للأنصاري من خلال عقد الأخوّة الذي حصل بينهم كان حكمًا مؤقّتًا استدعته ضرورة المأوى والهجرة الأولى، فلمّا استقرّت الدولة الإسلامية نُسخ الحكم المالي وبقي الأصل الأخوي الإيماني ثابتًا: Nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌM.
سورة آل عمران: يتحدّث نولدكه عن الآيات 161–164 حيث تبيّن الآية الأولى: Nوَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚوَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِM، وللآية تفسيران؛ الأول يتعلّق باختفاء قطيفة (ثوب مخملي) من الغنائم فظن المنافقون أن النبي استأثر بها لنفسه فقال الله إن الأنبياء منزّهون عن الخيانة والسرقة، والتفسير الثاني أن الرماة الذين كانوا على الجبل في غزوة أحد خافوا أن يقسّم رسول الله الغنائم ويحرمهم، فتركوا مواقعهم، فجاء الجواب بتنزيه النبي عن الحيف والغل.
سورة النساء: يتعرّض نولدكه لآيتين من سورة النساء وهما الآية 12 والآية 176 (وهي الآية الأخيرة في السورة)، والآيتان تتحدّثان عن حكم وراثة «الكلالة»، ويقول نولدكه أن الحكم في الآية 12 جرى تعديله في الآية 176، حيث تختلف طريقة تقسيم الميراث! والجواب العلمي هو أن الكلالة تختلف باختلاف القرابة؛ فالآية 12 تتحدّث عن حكم الإخوة والأخوات من جهة الأم (الأخوة لأم)، أما الآية الأخيرة فتحدّثت عن حكم الإخوة والأخوات من جهة الأبوين معًا أو من جهة الأب (الإخوة الأشقّاء أو لأب)، واختلاف الفروض ناتج عن اختلاف صنف الورثة وهو نظام إرثي دقيق ومفصّل وليس تراجعًا تشريعيًا كما توهّم نولدكه.
سورة التحريم: يتحدّث نولدكه عن الآية الأولى من السورة: Nيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَM ويقول نولدكه: إنّ الآية تتحدّث عن قضيّة مارية القبطية. والجواب أن غاية ما في الآية أن النبي حرّم على نفسه أمرًا مباحًا غير محدّد (تذكر بعض الروايات أنه شرب العسل) تطييبًا لخاطر بعض زوجاته اللاتي تظاهرن عليه، فعاتبه الله على تحريم المباح على نفسه لئلّا يصبح ذلك تشريعًا تضييقيًّا على الأمّة.
سورة التوبة: يتحدّث نولدكه عن أن الآيتين 36 و37 في سورة التوبة تتضمّنان خروجًا عن السياق. والجواب أن سورة التوبة تتحدّث عن قتال المشركين وبراءة الله ورسوله منهم، وهاتان الآيتان تتحدّثان عن الأشهر الحرم وعن «النسيء» (تأخير الأشهر الحرم) الذي كان يعتمده المشركون للتلاعب بوقت القتال، فالآيتان في صلب موضوع السورة وسياقها القتالي.
نقص القرآن وضياع بدايات السور التي تبدأ بكلمة (إنا): يقول نولدكه[12]: لعلّ مطلع سورة الكوثر أيضًا (كما يزعم في سور الفتح، نوح، القدر) قد ضاع! وهو أمر مستغرَب جدًا؛ كون هذه البداية بداية بلاغية طبيعيّة للتعظيم، ولم يأتِ نولدكه بأي دليل بخصوص هذا الادّعاء، بل ضعّف كلامه بنفسه بقوله: «ولعلّ...».
الآيات التي أُوحيت إلى النبي ولا يتضمّنها القرآن الكريم (الشبهات الروائيّة)
يناقش نولدكه قضيّة نصوص يزعم أنها آيات وسور اختفت بسبب ضياعها أو بسبب حذفها، وهي على الشكل الآتي:
- «لو أن لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا...»: يعتبرها بعضٌ آية ضاعت، والتحقيق البلاغي والروائي يؤكّد أنّ هذه العبارة من الأحاديث النبويّة والمواعظ التي جرت مجرى الأمثال البلاغيّة، وليست من القرآن في شيء؛ إذ يظهر الفرق الواضح بين صياغتها وبين النظم القرآني المعجز.
- «إن الدين عند الله الحنيفية السمحة...»: وهي عبارة غريبة عن النظم القرآني كلّيًا، ويقرّ نولدكه نفسه باحتماليّة كونها حديثًا نبويًا تمّ خلطه.
- «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا...»: نصّ ركيك ومختلّ العبارات، ويقرّ نولدكه بنسبته إلى مسيلمة الكذّاب الذي حاول تقليد القرآن الكريم وفشل.
- «أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة...»**: نص ضعيف ويبدو تفكّكه واضحًا، وقد اعتبر نولدكه نفسه أن الآية لا تصحّ نسبتها لسورة الدخان؛ لأنّ سورة الدخان مكّية والنص المزعوم يتحدّث بأسلوب مدني، فضلًا عن غرابة كلمة «زمان» عن الاستعمال القرآني.
- «بلّغوا عنّا قومنا أنّا قد لقينا ربنا فرضي عنّا...»: نصٌّ يُروى في حادثة بئر معونة، واختلاف صيغه في روايات التاريخ دلالة كافية على أنه كلام جرى على لسان الصحابة الشهداء كإخبار، وليس نصًا قرآنيًا منزَلًا.
- آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما...»: وهي من الروايات المضطربة التي تذكر أنّها كانت في سورة الأحزاب، وقد تعرّض نولدكه لركاكة هذا النص وبَيَّن بوضوح علميّ أنّه لا ينتمي للبلاغة القرآنية الرفيعة.
- «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم»**: الكلمات الثلاث الأخيرة مضافة في بعض القراءات الشاذّة التفسيريّة، وهي لا تنسجم مع منطق القرآن المحكم: Nمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْM، بل هي زيادة تفسيرية معنويّة لا نصّيّة.
ويعلّق نولدكه اعترافًا بعد عرض هذه النصوص الشاذّة والمضطربة بأنه:
«لم نستطع الإتيان بأيّ دليل على مصداقيّة هذه الروايات بأيّ حال من الأحوال، لا بل إن المصداقية يمكن نفيها لأسباب مقنعة».
ويبرّر نولدكه عدم وصوله إلى نتيجة تثبت التحريف بضعف وسائله، وإلى الثقة الكبيرة والصرامة العالية التي سادت عملية جمع القرآن الكريم، ويعترف بأنّ الفضل في تماسك القرآن الكريم يعود إلى النبي نفسه من خلال التثبيت الخطّي والكتابة الفوريّة لكلّ ما نزل عليه في حياته.
إلى هنا نكون قد استعرضنا أغلب آراء نولدكه التي وردت في الجزء الأوّل، وأهملنا بعض الآراء بسبب التعرّض لها في الجزء الثاني والثالث، على أمل أن يوفّقنا الله تعالى لاستكمال المقالات المتعلّقة بسائر الأجزاء.
لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
1. اختطاف إشعياء إلى السماء.
2. الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، منشورات الفجر، بيروت، ط1، 1428هـ/ 2007م.
3. المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت – لبنان، ط2، 1403هـ/ 1983م.
4. نولدكه، تيودور، تاريخ القرآن، نقله إلى العربية: جورج تامر، ط2، 1909م.
[1]- أستاذ وباحث، من لبنان.
[2]- نولدكه، تيودور، تاريخ القرآن، ج1، ص4.
[3]- م. ن، ص3.
[4]- الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، ج1، ص41.
[5]- م. ن، ج1، ص56.
[6]- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج39، ص56.
[7]- راجع: اختطاف إشعياء إلى السماء، ص89.
[8]- نولدكه، تيودور، تاريخ القرآن، ج1، ص4.
[9]- تاريخ القرآن، م. س، ج1، ص26.
[10]- تاريخ القرآن، م. س، ص25.
[11]- بحار الأنوار، م. س، ج35، ص402.
[12]- تاريخ القرآن، م. س، ج1، ص83.