البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القرآن في مرآة الأنثروبولوجيا المادّيّة قراءة نقديّة في كتاب جاكلين الشابي، (ربُّ القبائل: إسلام محمّد)

الباحث :  محمد بنعمارة
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  47
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 7 / 2026
عدد زيارات البحث :  184
تحميل  ( 457.625 KB )
المقدّمة

يمثّل كتاب «رب القبائل: إسلام محمّد»[2] للباحثة والأنثروبولوجيّة الفرنسيّة جاكلين الشابي، محطّةً مفصليّةً في الدّراسات الاستشراقيّة المعاصرة؛ إذ يطرح مشروعًا فكريًّا يقوم على «راديكاليّة تاريخيّة» تهدف إلى إزاحة الصّبغة اللاهوتيّة عن نشأة الإسلام لإحلال قراءة أنثروبولوجيّة ماديّة صرفة محلّها. تنطلق الشابي من فرضيّة بنيويّة مُفادها أنّ التراث الإسلامي الذي صِيغ في عصر التدوين (العصر العباسي) قد أعاد صياغة السيرة النبوية بمدلولات إمبراطوريّة وميتافيزيقيّة، محاولًا خلق ماضٍ ملحميّ يتناسب مع طموحات الدولة العالميّة، وهو ما تعتبره الشابي حجابًا يحول دون إدراك حقيقة الإسلام الأوّل.

تعتمد الباحثة منهجًا مركبًا يزاوج بين «الأنثروبولوجيا التاريخية» و«الفيلولوجيا» (فقه اللغة)، حيث تسعى لتجريد المفاهيم القرآنيّة من حمولاتها الدينيّة المتأخّرة وإعادتها إلى «خشونة» البيئة الحجازيّة في القرن السابع الميلادي. ففي معجم الشابي، تتحوّل الكلمات الغيبيّة إلى ظواهر طبيعيّة؛ فالروح والملاك في أصلها الصحراوي لا تعدو أن تكون أصداءً لظواهر ريحيّة (ظواهر طبيعية مرتبطة بحركة الرياح) أو هواتف بدوية قبل أن «تتأنسن» تحت تأثير الموروث الكتابي (اليهودي والمسيحي)، كما أنّ «الغيب» عندها لا يُشير إلى المتعالي وما وراء الطبيعة، بل هو «الأفق الجغرافي» الذي يغيب عن بصر البدوي في الصحراء.

وتقيم الشابي تمييزًا حادًا بين المرحلتين المكيّة والمدنيّة؛ فترى في الأولى خطابًا «وعظيًّا برغماتيًّا» يهدف إلى تجميع القبائل تحت لواء «رب» يضمن مصالحها الحيويّة، بينما تؤرّخ للمرحلة الثانية بوصفها بداية «المناورة السياسيّة» والتحالفات العسكريّة وبناء «الأمة» كبديل وظيفي عن «القبيلة»، مع بقاء القيم القبليّة (كالولاء والثأر) هي المحرك الكامن خلف هذا التحوّل.

وفي سياق انتمائها للمدرسة «التنقيحية» (Revisionist School)، توجّه الشابي نقدًا جذريًّا لمصادر السيرة الكلاسيكيّة (كابن إسحاق والطبري)، معتبرة إيّاها «أدبًا لاهوتيًّا» صاغته السلطة لاحقًا لمنح الخلافة شرعيّة كونيّة. واللّافت في أطروحتها أنّها حتى وهي تعتبر القرآن الوثيقة الوحيدة المعاصرة للحدث، فإنّها تنفي عنه كونه إرثًا مباشرًا للنبيn؛ ففي زعمها أنّ القرآن «صناعة أموية» تأخّر تدوينه وتأليفه، وخضع لعمليات تنقيح وحذف وإضافة استندت إلى ذاكرة شفهيّة انتقائيّة، ممّا يجعله -في نظرها- انعكاسًا لتصوّراتِ جامِعِيه عن النبوّة لا حقيقة «الخطاب الشفوي» الأوّل لمحمّدn.

لقد توزّع الكتاب على أربعة فصول بالإضافة إلى مقدّمة المترجم ومقدّمة الطبعة العربيّة وتوطئة الطبعة الفرنسيّة وتنبيه قبل الدخول في الفصول، واختتم بخاتمة عامة، واحتوى الكتاب على بيبلوغرافيا. ويسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة نقديّة في بعض موضوعات الكتاب، خاصّة تلك المتعلّقة بالقرآن الكريم، ومحاولة تفكيك المنهجيّة التي تهدف إلى هدم التصوّرات التقليديّة للإسلام، ومناقشة مدى قدرة «الأنثروبولوجيا المادية» على الإحاطة بظاهرة دينيّة عالميّة انطلقت من تربة جغرافيّة محدّدة لتتجاوزها إلى آفاق إنسانيّة ورحمانيّة أرحب.

أوّلًا: المقاربة المنهجية عند جاكلين الشابي: من اللاهوت الرمزي إلى الأنثروبولوجيا التاريخيّة

تتبنّى الباحثة جاكلين الشابي استراتيجية إبستمولوجية تقطع مع المنهجيات السائدة في الدراسات الإسلامية المعاصرة؛ فبينما يميل التيّار الغالب إلى اختزال القرآن في كونه «خطابًا رمزيًّا» أو «بنية مجازية» متعالية تفتقر إلى الإحالات التاريخيّة المباشرة، تؤكّد الشابي على أنّ القرآن يمثّل وثيقةً تاريخيّةً بامتياز. وترى أنّ الخطاب القرآني متجذّرٌ في «الأرضيّة المادية» لمحيطه الأصلي، حيث تقول: «فنحن قلّما نجد خطابات يستند فيها البحث عن الإيمان إلى الأرضية الخاصة للمحيط الطبيعي والبشري بصورة مكثفّة مثل تلك التي يعتمدها القرآن»[3]. وتصف هذه الإحالات البيئيّة والاجتماعية بأنها «أحافير لغويّة» ترسّبت في بنية النص، مشكّلةً ذاكرة صلبة لا تمحوها التأويلات اللاهوتية المتأخّرة.

وتقوم استراتيجيتها التفسيريّة على مبدأ نظريّ جوهريّ يرفض تفسير الظواهر التاريخية انطلاقًا من مقولات «المتعالي» أو «الماورائي»، وتدعو بدلًا من ذلك إلى استنطاق «الواقع المادي الملموس». ففهم القرآن، في تقديرها، يقتضي حتمًا استرداد «زمانيّته السوسيولوجيّة»؛ أي وضعه في سياقه التاريخي المتناهي كرسالة شفاهيّة وُجّهت في المقام الأوّل لمجتمع محدّد في بيئة جغرافية ضيّقة (الواجهة الغربية لشبه الجزيرة العربية بين مكة والمدينة). هذا الجمهور الأول، المكوّن من سكان الحواضر الصغرى والقبائل الرعويّة، هو الذي شكّل «أفق الانتظار» للنص القرآني.

بناءً على ذلك، تؤسّس الشابي للسياقيّة الأنثروبولوجيّة كشرط للتحقيق التاريخي السليم للفترة التأسيسية للإسلام؛ ويعني هذا رد المفاهيم والموضوعات القرآنية كلّها إلى الشروط القبليّة البدوية التي انبثقت منها؛ إذ لا يمكن إدراك المعنى الأصلي للوحي دون فهم منظومة القيم المادية والاجتماعية التي حكمت الوعي البشري في الحجاز إبان القرن السابع الميلادي.

ثانيًا: القرآن ومحيطه الأصلي

في الفصل الأول من كتاب «رب القبائل»، والذي يحمل عنوان: «القرآن ومحيطه الأصلي»، تضع جاكلين الشابي حجر الزاوية لمنهجها بالكامل. فهي لا تتعامل مع القرآن كـ «نص لاهوتي» نزل من السماء، بل كـ«وثيقة أنثروبولوجية» تعكس بدقة متناهية نمط حياة، وهواجس، ولغة مجتمع صحراوي في القرن السابع.

وفي هذا الصدد، تحاول الباحثة نزع «القداسة الغيبية» عن نشأة الإسلام وقراءته من منظور الأنثروبولوجيا التاريخيّة، وتتمثل أهم أفكارها في القول بالمحليّة الجغرافيّة والاجتماعيّة، بمعنى أنّ الإسلام في بدايته كان ظاهرة عربية «قبلية» بحتة، مرتبطة ببيئة الحجاز وجفافها، ولم يكن يحمل طموحًا عالميًّا في لحظته الأولى. كما تسعى لنفي القطيعة التي فرضها الإسلام مع الجاهليّة وترى أنّه استعار قيم القبيلة، كالكرم والولاء والتبعيّة للسيد وأسقطها على الذات الإلهيّة. وترى أنّ المصطلحات القرآنية (مثل أمة، مسلم، مقتصدة) كانت لها دلالات ماديّة حسيّة مرتبطة بالحياة اليوميّة والقبيلة، ثم حُمّلت لاحقًا بمعانٍ دينيّة أيديولوجيّة في العصر العباسي. وإنّ تحوّل الإسلام إلى «دين إمبراطوري» عالمي كان نتيجة تقلّبات سياسيّة وعارضة، وليس قدرًا محتومًا أو تخطيطًا رساليًّا مسبقًا؛ فقد كان حتى نهاية العصر الأموي «ناديًا للعرب» فقط، وأن المساواة والكونيّة بدأت مع العباسيين فقط لأغراض سياسيّة.

لكن النصّ القرآني الذي تدّعي أنّه مرجعها الأساسي نطق بالعالمية في أبكر سوره، حيث يقول في سورة القلم: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: 52)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، فهذه الآيات وغيرها الكثير تثبت أنّ «الرؤية العالمية» كانت متجذّرة في الوعي الإسلامي قبل قيام الإمبراطورية بقرن من الزمان، ولم تكن نتاج توسّع عسكريّ لاحق. وفيما يتعلّق بعدم قطيعة الإسلام بالجاهليّة، فهذا افتراء مريب، حيث إنّ الإسلام حرّم كلّ التشريعات المخالفة للفطرة السليمة، كوأد البنات، والربا، والعبودية لغير الله... وفيما يتعلّق بمصطلحات القرآن، فالقرآن نزل بلسان القوم ليفهموه، ولم يكن محبوسًا في سقف خيالهم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم: 4). فلو كان القرآن مجرد «انسجام بيئي»، كما ادّعت الشّابي لما استطاع أن يُؤسّس لمنظومة قيميّة صادمت وعارضت الأعراف الصحراويّة.

وفي هذا الصدد، أشار العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان إلى أنّ القرآن استخدم اللغة العربية والتمثيلات الحسيّة كقوالب لحقائق علويّة تتجاوز المادة[4].

ومن هذا المنطلق، تبنّت جاكلين الشابي في فصلها «بناء الماضي (نصوص ما قبل ونصوص الجوار)»[5] منهجًا تفكيكيًا يقوم على إحداث قطيعة معرفيّة بين ما تُسمّيه «نص المحيط» (القرآن الحجازي) و«نصوص ما بعد» (السيرة والتاريخ العباسي)، مدّعيةً أنّ الذاكرة الإسلاميّة أعادت بناء شخصية النبيn عبر «تنميطها» وفق قوالب توراتيّة وملحميّة لتناسب احتياجات الإمبراطورية الناشئة، وهو ما أدّى -حسب زعمها- إلى اختراع معجزات لم يذكرها القرآن وتزييف مفهوم «الجاهلية» لتضخيم الإنجاز الإسلامي؛ إلّا أنّ هذا الطرح يواجه نقدًا حادًا من وجهة نظر إسلاميّة التي ترفض هذا الفصل التعسّفي، مؤكّدةً أنّ القرآن والسيرة يمثّلان وحدة عضويّة لا تنفصم، حيث يُعدّ «البيان النبوي» (سواء كان قولًا أو فعلًا أو معجزةً) تبيانًا وتفصيلًا لمجملات الكتاب الكريم لا اختراعًا لاحقًا عليه. فالمعجزات التي تنكرها الباحثة بدعوى «التنميط التوراتي» يثبتها القرآن صراحة كحادثة الإسراء، كما أنّ مدرسة أهل البيتb تؤكّد عبر منظومتها الحديثية أن «الجاهلية» لم تكن فوضى مطلقة، بل كانت نظامًا قيميًّا (بقايا الحنيفية) أقرّه الإسلام وهذّبه، مما ينقض دعواها حول «اختراع الجاهلية» في العصر العباسي.

كما أنّ محاولة الشابي «أنسنة» النبيn وتجريده من قدسيّته عبر التشكيك في التدوين التاريخي تصطدم بمنهج «النقد الرجالي» الصارم الذي اعتمده علماء المسلمين، والذين ميّزوا بدقّة بين الواقع التاريخي وبين الموضوعات والدسائس التي قد تُدخلها السلطة، دون أن ينسفوا أصالة السيرة أو معاجز النبوّة.

ثالثًا: تحوّلات الخطاب القرآني

ترى جاكلين الشابي أنّ الإسلام دخل التاريخ فعليًّا بفضل النجاح السياسي والعسكري لمحمد كقائد في المدينة، وهو النجاح الذي منح الخطاب القرآني سلطته وقوّته بعد أن كان مرفوضًا في إطاره المكي الجدلي. حيث إنّها تقسّم الخطاب القرآني إلى مرحلتين[6]:

المرحلة المكية: انحصر الخطاب القرآني المبكر في دائرة قبيلة قريش، حيث قدم محمّد نفسه كـ «فرد» من القبيلة (صاحبكم) (سورة التكوير) وكـ«منذر» يُبلّغ الوحي.

المرحلة المدنيّة: بسبب الرفض الذي تعرّض له محمّد في مكة، انتقل الثقل من «الكلمة» إلى «العمل السياسي والعسكري». وأصبح النجاح في الغزوات (وفق أعراف الجزيرة العربية) هو الدليل الملموس على التأييد الإلهي. فتغيّرت صورة محمّد من مجرّد «منذر» لعشيرته إلى نبي ورسول وقائد سياسي نجح في توحيد قبائل المدينة ومن ثم غرب الجزيرة العربية.

بناء عليه، تحوّل الخطاب من كونه تمهيدًا لأحداث متوقّعة (في مكة) إلى خطاب يُبرّر الأحداث بعد وقوعها ويؤكّد الدّعم الإلهي لها (في المدينة). كما أنّ الناس لم يذعنوا للقرآن بسبب الوعيد بالآخرة أو قصص الأنبياء، بل دخلوا في الولاء الجديد بعد أن رأوا القوّة المادية والنجاحات الواقعيّة التي تحقّقت في المدينة.

وكعادتها جانبت الشابي الصواب في توصيفها للمرحلتين المكية والمدنيّة، فلكلّ مرحلة ظروفها ووسائلها وإنجازاتها أيضًا، فالقرآن المكي حقّق هدفه الأساسي وهو بناء «العصبة المؤمنة» الصلبة التي قامت عليها الدولة لاحقًا. كما أنّ كبار قادة قريش اعترفوا بقوة تأثير القرآن اللغوي (قال الوليد بن المغيرة: «إن له (القرآن) لحلاوة، وإن عليه لطلاوة»). وقد نقل التاريخ لنا أنّ مشركي مكة كانوا يتسلّلون ليلًا لسماع القرآن، مما يدلّ على أن الخطاب لم يكن «فاشلًا» بل كان مؤثّرًا لدرجة أنهم تواصوا بعدم سماعه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26).

ولقد أغفلت الباحثة حقائق تاريخيّة ثابتة؛ فأوائل المسلمين (كعمار بن ياسر وأبويه، وبلال، وغيرهم) آمنوا في مكة وهم في أضعف حالاتهم، وتعرّضوا للتعذيب والتهجير دون أيّ مكاسب ماديّة أو سياسيّة، يقول الله تعالى في وصف هؤلاء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 8). فالإيمان سبق «النجاح السياسي» وكان هو المحرك له، وليس العكس.

وعليه، يظهر أنّ أطروحة الشابي تميل إلى «التفسير المادي والسياسي» للتاريخ، وهو منهج استشراقي يرى في الدين مجرّد وسيلة لتحقيق غايات سياسيّة. أما المنهج الإسلامي، فيرى أنّ الوحي وحدة متكاملة. ومهمّة «الرسالة» تتضمّن بالضرورة إقامة العدل وتطبيق الشرع، وهو ما يتطلّب سلطة. وأنّ الهدف لم يتغيّر كما ادّعت الباحثة، وإنّما تغيّرت الظروف؛ فالنبيّ في مكة كان يمهّد للعقيدة، وفي المدينة شرع في بناء النظام الاجتماعي.


رابعًا: القرآن واليهود

ترى الباحثة أنّ القرآن يتحدّث عن الإنجيل والتوراة ولا يتحاور معهما؛ فالسرد القرآني في نظرها هو «مونولوغ» (خطاب أحادي) اتّخذ شكل حوار، مما أدّى إلى سوء فهم عميق مع أهل الكتاب[7]. وتُشير إلى أنّ محمدًا قام بعد نبذه في مكة بتبنّي قصص أنبياء التوراة والإنجيل وإعادة صياغتها لتصبح قصصًا إسلاميّة بامتياز، وهو ما جعل اليهود في المدينة يرفضونها لعدم تطابقها مع أصولهم الدينية[8]. ومع هذا الرفض، صُدم النبي وذُهل في بداية الأمر، لكنّه تداركه باستلهام قصة موسى[9]؛ أي اتّجه الخطاب القرآني (خاصّة في الفترة المكيّة) نحو قصّة موسى وفرعون، واعتُبر موسى سلفًا ومثالًا يُحتذى به لمواجهة الطغيان، مما منح النبي دعمًا معنويًّا للاستمرار في دعوته. وهذا الكلام مردود؛ لأنّ اليهود واصلوا عداءهم للنبي، ما يعني أن الدعم المعنوي الذي تحدّثت عنه لم يكن سوى وهم. والرؤية الإسلاميّة في هذه النقطة تتمثّل في أنّ الإسلام يُقرّ بأنّ مصدر الكتب السماوية واحد وهو الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإنّ التشابه في القصص هو دليل على «وحدة المصدر» لا «الاستيلاء». وإن القرآن جاء مهيمنًا ومصحّحًا لما طرأ على تلك القصص من تحريف، وليس مجرّد مقتبس لها. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: 48)، فوصف «المهيمن» يعني الحاكم والمصحح، وهذا يفسّر لِمَ اختلفت التفاصيل القرآنيّة عن الروايات اليهوديّة.

وأما دعوى أنّ القرآن لا يتحاور مع أهل الكتاب بل يتحدث عنهم، فهي مردودة بأنّها مخالفة للواقع النصي للقرآن؛ فالقرآن مليء بصيغ النداء المباشر (يا أهل الكتاب)، والمحاجة العقليّة، ودعوتهم للمباهلة، والتحاكم إلى كتبهم. يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (آل عمران: 64)، وهذا خطاب حواري صريح يدعو لأرضية مشتركة، وليس خطابًا أحاديًّا كما زعمت الباحثة.

وادّعاؤها أنّ التركيز على قصّة موسى كان نتيجة «يأس» النبي وحاجته لمعجزة، فاقتفى أثر موسى لتعزية نفسه، فإنّ القرآن نفسه أثبت خطأ ذلك، وبيّن أنّ عرض قصص الأنبياء في القرآن ليس نتاج حالة نفسيّة للنبي، بل هو منهج تربويّ وإلهيّ لتثبيت فؤاد النبي والمؤمنين، وبيان أنّ الصراع بين الحق والباطل سنّة تاريخيّة مطّردة، يقول تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120). فالهدف هو «التثبيت» الإلهي وليس الهروب من اليأس كما يصوّر التحليل النفسي المادي.

خامسًا: وظيفة الآية في القرآن[10]

تسعى جاكلين الشابي في قراءتها الأنثروبولوجية إلى إعادة تعريف مفهوم «الآية» في القرآن عبر نزع صبغتها الغيبية وربطها بالواقع المادي الرعوي لسكان الجزيرة العربية؛ حيث تنطلق من فرضية مفادها أنّ «الآية» في الوعي القرآني الأوّل لم تكن تُشير إلى «الوحي المنزّل»، بل كانت مجرّد معطى حسيّ مرئيّ يرتبط بحاجات البدوي الحياتيّة، كعلامات الطريق المنصوبة لهداية القوافل في الفيافي. وضمن هذا النسق المادي، تُفسّر الشابي الإنكار القرآني على قوم عاد في بناء القصور العالية فوق المرتفعات ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (الشعراء: 129-130) بأنه رفض لعمل عبثي يتحدّى مشيئة البيئة الصحراويّة القاسية ولا يخدم البقاء، زاعمةً أنّ اللغة العربية الكلاسيكيّة والمترجمين قد أساءوا فهم هذا المعنى الأصلي بعد أن صادر القرآن اللفظ وحوّله من «علامة طريق» مادية إلى «هداية إلهية» معنويّة.

ومع ذلك، فإنّ هذا الطّرح يواجه نقدًا إسلاميًّا ومعرفيًّا يكشف عن تهافت اختزال المعنى في البُعد الأنثروبولوجي المادي؛ فالقرآن الكريم منذ لحظاته المكيّة الأولى استعمل لفظ «الآية» بمعانٍ شموليّة تجاوزت «علامات الطريق» لتشمل المعجزة الحسيّة، والدليل العقلي، وعلامات الكون الكبرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهو ما يمثّل برهانًا غيبيًّا لا معلَمًا ماديًّا للنقل. وفيما يخصّ سياق قوم عاد، يظهر التناقض في تحليل الشابي؛ إذ إنّ النص القرآني صريح في أنّ العلّة من الذم لم تكن «عدم نفع المبنى للحياة الرعوية»، بل كانت مرتبطة بقيم أخلاقية وعقدية، كالطغيان، والكبر، ووهم الخلود الزائف، وهو ما تؤكّده الآيات الواصفة لبطشهم وجبروتهم. أمّا دعوى «المصادرة اللغوية»، فهي في الرؤية الإسلامية لا تعدو كونها عملية «نقل شرعي» للمصطلح، وهو جزء من إعجاز الوحي الذي أعاد صياغة المفاهيم العربية لتستوعب قيم التوحيد دون إلغاء أصولها اللغويّة. والحقيقة أنّ العرب في جاهليتهم -كما تشهد دواوين شعرهم-[11] عرّفوا «الآية» بمعنى العبرة والأثر المعنوي، مما يؤكّد أنّ العقل العربي كان مهيّأً لإدراك «الآية» كدلالة عقليّة وفائقة، وليس مجرّد حجر أصمّ في فلاة، وهو ما يجعل أطروحة الشابي نوعًا من «التضييق لواسعٍ» يغفل عن حيويّة اللغة وتراكمها المعرفي.

وعليه، فإنّ أطروحة جاكلين الشابي تحاول «تبييئ» (من البيئة) الدين، أي جعل الدين مجرّد انعكاس لظروف الصحراء. بينما يرى الفكر الإسلامي أنّ الدين رسالة متجاوزة للبيئة؛ فإذا كانت قد استخدمت لغة العرب وأدواتهم المادية، فذلك من باب «البيان» والإعجاز، لرفع البدوي من عبادة المادة وعلامات الطريق إلى عبادة رب الأرض والسماء.

سادسًا: من المشافهة إلى التدوين (الرهانات الهستوريوغرافية)[12]

تتمحور الرهانات الهستوريوغرافية عند جاكلين الشابي حول إشكالية «صناعة الأسطورة» في استحضار الماضي؛ حيث ترى أنّ المجتمعات لا تستعيد تاريخها كما حدث فعليًّا، بل تُعيد «اختراعه» ليلبّي حاجات الحاضر، محوّلةً الماضي التاريخي إلى «متخيّل أسطوريّ» يمنح المجتمع الطمأنينة والتبرير. وفي هذا السياق، تزعم الشابي أنّ القرآن قام بقطيعة مع الجذور القبليّة المحليّة عبر نقل المقدّس المكّي إلى زمن سحيق مرتبط بـ«المرجعية البيبلية» (التوراتية)، وهو تحوّل تعمّق -حسب رأيها- بفعل «الوافدين الجدد» من أهل الكتاب الذين أضافوا طبقات أسطوريّة فوق النص الأصلي، وصولًا إلى مرحلة التدوين في العصر العباسي (نموذج الطبري) التي تعتبرها لحظة «إعادة بناء كلي» للماضي بما يتوافق مع بديهيات القرن الثالث الهجري، مما أدّى إلى «إلغاء» الواقع التاريخي الفعلي للنبوّة، وتحويل مصطلحات مثل «الأمة» من «كونفدرالية قبلية» واقعيّة إلى مفهوم أسطوري مثاليّ عابر للزمان.

وفي مقابل هذه القراءة التفكيكيّة، ينبني النقد الإسلامي على كشف التهافت في دعوى «اختراع الماضي»؛ فالإسلام لم يقم على متخيَّلات ظنيّة، بل استند إلى منهج دقيق في نقل الأخبار والحوادث، وقد نشأ علم الرجال عند المسلمين خصّيصًا لتمييز الحقيقة التاريخيّة، فقد شدّد الكليني[13] -مثلًا- على ضرورة عرض الروايات على القرآن الكريم، فما وافق كتاب الله أُخذ به وما خالفه رُدّ، وهذا «المعيار القرآني» ينفي وجود «خيال أسطوري» منفلت، بل يضع النص التاريخي تحت رقابة النص المقدس الثابت. مما ينفي فرضيّة «ظلمة الخيال» التي تنطلق منها الباحثة.

كما يُفنّد المنظور الإسلامي دعوى «التبعيّة البيبلية»، موضّحًا أنّ استحضار قصص الأنبياء السابقين لم يكن استلابًا، بل كان لربط الدّعوة بسلسلة التوحيد العالميّة من موقع «المهيمن» والمصحّح (المائدة: 48)، لا التابع لمخيال أسطوري. وفي هذه النقطة، قدّم الطباطبائي[14] تحليلًا فلسفيًّا وكلاميًّا لمفهوم «الهيمنة»، يوضّح أنّ القرآن لا يكرّر قصص الأنبياء السابقين، بل «يهيمن» عليها بإرجاعها إلى أصولها التوحيديّة الصافية، وتصحيح ما لحق بها من أساطير في الكتب السابقة (مثل نفي الصفات البشرية عن الأنبياء). وهذا يثبت أن القرآن «فاعل» ومصحّح وليس «منفعلًا» بمخيال الآخرين.

أما فيما يخصّ مفهوم «الأمة»، فإنّ الوثائق التاريخيّة القطعيّة كـ«صحيفة المدينة» تثبت أن المصطلح كان واقعًا سياسيًّا وقانونيًّا منذ اللحظة الأولى للهجرة، حيث نصّت على أنّ المسلمين «أمة واحدة من دون الناس»، وهو ما يمثل تحوّلًا جوهريًّا من رابطة «الدم» إلى رابطة «العقيدة»، وليس مجرّد شحن أسطوريّ لاحق. وبذات المنطق، يُردّ على نقدها لتدوين الطبري؛ فمنهج الطبري لم يكن اختراعًا لرؤية عباسيّة رسميّة، بل كان جمعًا وتوثيقًا للمأثور عن الصحابة والتابعين بالأسانيد -بغضّ النظر عن مدى دقّته-، مما أتاح للمحقّقين أدوات النقد والتمحيص. وبذلك، تظل أطروحة الشابي حبيسة فرضيّة «الدين كصناعة بشريّة أسطوريّة»، بينما يُبرهن التحقيق العلمي والتاريخي أنّ التجربة الإسلاميّة كانت تفاعلًا حيًّا بين «وحي إلهي» ومنهج «توثيقي صارم» سعى لحفظ التاريخ من الانزلاق إلى فخّ الأسطرة.

سابعًا: البيت الحرام ورب البيت[15]

تقدّم جاكلين الشابي في قراءتها لـ«البيت الحرام ورب البيت» طرحًا «ماديًّا وظيفيًّا»، يسعى لاختزال المفاهيم العقديّة الكبرى في أصولها الرعويّة؛ حيث تزعم أنّ مفهوم «الرب» ليس سوى امتداد لصورة «رب الخيمة» أو سيد القبيلة، وأنّ «البيت» في سورة قريش لم يكن في البدء معبدًا، بل مجرّد مسكن أو ساحة محاطة بجدران (خيمة أو حظيرة) استمدّت قدسيّتها وظيفيًّا من وجود الماء (بئر زمزم). كما تذهب إلى أنّ «الحجر الأسود» يمثل نموذجًا لـ«النصب المتنقل» الذي استقر في مكة لاحقًا، معتبرة أنّ سورة قريش خاطبت الوعي البدوي بمنطق المنفعة المادية الخالصة (الأمن والإطعام) بوصفها عقدًا لتأمين القبيلة تحت رعاية «سيد صنمي» يسكن الحجر.

إلّا أنّ هذا الاستغراق في «الاختزال اللغوي» يواجه نقدًا منهجيًّا يكشف عن تهافته؛ فالباحثة تُحاول سجن المصطلح في أصله البدائي وتتجاهل ما يسمّيه علماء الأصول بـ «النقل الشرعي» أو «الثورة الدلالية» التي أحدثها الوحي، محوّلًا «البيت» من دلالة الخيمة إلى دلالة «القبلة العالميّة». كما أنّ ادّعاءها بأنّ الإله نسخة من «شيخ القبيلة» يصطدم بجوهر التوحيد القرآني والقواعد الكلاميّة عند مدرسة أهل البيت، التي تؤكّد على «المباينة» التامّة بين الخالق والمخلوق؛ فربوبية الله تقوم على «الخلق والتدبير» الكوني لا على «الرئاسة القبلية» المحدودة.

وفيما يخصّ الحجر الأسود، فإنّ الوعي الإسلامي المبكر حسم الجدل بين «الرمزية الدينيّة» و«الوثنيّة المادية»، ولم يتعامل مع الحجر الأسود كـ«توتيم» (Totem) أو «نصب قوة» كما تفترض القراءة الأنثروبولوجية للشابي، بل حسم الجدل بجعل الحجر «آية اعتبارية» لا «ذاتًا مقدّسة». ويتجلّى ذلك في صمود فريضة الحج معنويًّا إبّان غياب الحجر المادي (في فتنة القرامطة)، مما يبرهن على أن التعلّق بالخالق تجاوز «جرم الحجر» إلى «أمر الشارع»، محوّلًا إيّاه من موضوع للوثنيّة إلى أداة للامتثال التعبّدي وتجديد الميثاق الغيبي.

وبذات القوّة، يُنقض تفسيرها لـ«الولاء»؛ فالإسلام لم يتبنَّ نظام الولاء القبلي بل قلبه رأسًا على عقب، محوّلًا إياه من «ولاء الدم» إلى «ولاء العقيدة»، وهو تحوّل جذريّ أدّى إلى وقوع صدام بين الصحابة وقبائلهم، وهو ما لا يمكن لمنطق «الانسجام البيئي» عند الشابي تفسيره.

أما سورة قريش، فقد أكّد المفسّرون -كالشيخ الطوسي في التبيان-[16] أنها سيقت في مقام «الاحتجاج بالنعمة» لإثبات وجوب العبادة لرب حقيقيّ يملك مقاليد الرزق والأمن، لا لإقرار «عقد تأمين» صنمي، مما يجعل أطروحة الشابي مجرّد قراءة «مسطحة» تغفل عن الأبعاد الغيبية والتحوّلات القيميّة التي أحدثها الإسلام في بنية العقل العربي.

ثامنًا: أركان الإسلام في نظر الشابي

تقوم رؤية شابي على «أنثروبولوجيا النص القرآني»، وترى أنّ الإسلام المبكر ليس دينًا غيبيًّا منفصلًا عن بيئته، بل هو انعكاس للهيكل القبلي في الحجاز. وتزعم أنّ الأركان الخمسة (الصلاة، الصيام... إلخ) هي اختراع فقهيّ متأخّر، بينما أركان «الإسلام الأول» في القرآن هي: التحالف (العهد)، والإرشاد (الهداية)، والهبة (الرزق).

كما ترى أنّ علاقة الإنسان بالله في القرآن هي «عقد مصلحي» يشبه تحالفات القبائل؛ فالإنسان يطيع الله مقابل الحماية المادية والرزق. وتعتبر أن تفرّد الإسلام جاء من توحيد هذه الوظائف في إله واحد (الله) بدلًا من تعدّد الآلهة القبليّة.

وفي السياق نفسه، تربط مفاهيم الهداية والرزق بالحاجة الحيوية للبقاء في بيئة قاسية؛ فالله في نظرها هو «الضامن الكبير» للأمن الغذائي والقبلي. وترفض استعارة القرآن لمفاهيم من التوراة أو الإنجيل، وترى أنّه نتاج محليّ بحت تأثّر ببعض ثقافات الجنوب (اليمن)، وتعتبر إعطاء الصبغة الدينية للقرآن «خطأ منهجيًا» يغفل الواقع الاجتماعي.

ولا يخفى أنّ ما طرحته، يمكن نقده وتفكيكه بناءً على المبادئ العقدية والتاريخية؛ فهي استعملت مغالطة أنثروبولوجية حصرت من خلالها «الله» في دور الوظيفة النفعيّة للقبيلة، بينما القرآن الكريم أعلن منذ اللحظات الأولى في مكة (سورة العلق، سورة الإخلاص) عن ألوهية مطلقة وخالقية تتجاوز حاجات البطن (الغذاء) والأمن المادي. وإنّ حصر الدين في الارتباط بقوة خارقة لأجل البقاء يغفل الجانب الروحي والأخلاقي والبعث والجزاء، وهي قضايا مركزيّة في القرآن المكي لا تفسّرها براغماتيّة الصحراء.

كما أنّها خلطت بين السياق اللغوي والمصدر العقدي؛ فصحيح أنّ القرآن خاطب العرب بلغتهم واستخدم مصطلحاتهم (كالعهد، والولاء، والرزق) لتقريب المعاني، لكنّ الباحثة جعلت السياق هو المصدر. فإنّ الإسلام لم يُعد تنظيم الدين العربي القديم كما تزعم، بل أحدث قطيعة معرفيّة معه؛ إذ حوّل الولاء من القبيلة إلى الأمة والعقيدة، وحوّل الرزق من صدفة البيئة إلى تقدير الخالق الحكيم.

وأما فيما يخصّ دعوى تأخّر الأركان الخمسة، فإنّ هذا الادعاء يصطدم بالوقائع التاريخية؛ فالصلاة مثلًا فُرضت في مكة (حادثة الإسراء والمعراج)، والزكاة والصوم كانت لهما جذور وتطبيقات بدأت في الفترة المكية ونضجت في المدنية. لذلك، تعدّ محاولة الشابي لإلغاء هذه الأركان لصالح «أركان اجتماعية» محاولةً لتعطيل الجانب التعبّدي في الإسلام وتحويله إلى مجرّد نظام سوسيولوجي.

وأما زعمها بأنّ الطاعة في الإسلام تعاقدية ومؤقّتة مرتبطة بالربح، فإنّه يناقض مفهوم الابتلاء في القرآن؛ فالمسلم مأمور بالثبات على الطاعة حتى في حالات الخوف والجوع، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 155). فلو كان الدين «عقد تأمين مادي» كما افترضت الباحثة، لما صبر الصحابة على التعذيب والحصار في شِعب أبي طالب وهم يفتقدون «الهبة» و«الحماية» المادية.

تتجاهل جاكلين الشابي البُعد الغيبي للنبوة؛ حيث تتعامل مع النبيn كمصلح اجتماعي ذكي استغل آليّات القبيلة لفرض توحيد سياسي، وهذا تجاهل للوحي كمصدر أساسي. في حين أنّ القرآن هو الذي شكّل المجتمع الجديد، وليس المجتمع هو الذي أنتج القرآن؛ فالتغيير الذي أحدثه الإسلام في بنية التفكير العربي كان جذريًّا وشاملًا، ولم يكن مجرد استجابة لتقلّبات مجتمع الصحراء.

وعليه، فإنّ أطروحة الشابي تمثّل قراءة استشراقيّة مادّية، تحاول أنسنة الوحي وتحويله إلى ظاهرة بيئيّة. ورغم ما أبدته من ذكاء في تحليل بعض الروابط الاجتماعية، إلّا أنّها فشلت في فهم جوهر الإسلام كرسالة توحيديّة تهدف إلى تحرير الإنسان من عبوديّة المادة والقبيلة إلى عبودية رب العالمين.


الخاتمة

تُمثّل أطروحة جاكلين الشابي في «رب القبائل» ذروة المنهج الاستشراقي «الأنثروبولوجي» الذي يسعى لنزع صفة «التعالي» عن النص القرآني وإعادة ردّه بالكامل إلى رحم البيئة الحجازية في القرن السابع الميلادي. وبالرغم من «الصرامة الأكاديميّة» التي تُبديها الباحثة في تتبّع التحوّلات الفيلولوجية (اللغوية) ومعاني الكلمات، إلا أنّ مشروعها يواجه مآزق بنيويّة تجعله أقرب إلى «الأيديولوجيا التاريخية» منه إلى العلم المحض.

فمن جهة، وقعت الشابي في فخ «الجبرية البيئيّة»، حيث صوّرت الوحي بوصفه مجرد «استجابة براغماتية» لضرورات البقاء في الصحراء، محوّلة الإله من «خالق مطلق» إلى «ضامن قبلي» (رب القبائل)، وهو اختزال مادي يغفل حقيقة أنّ الإسلام لم يأتِ ليعكس الواقع القبلي، بل جاء ليُحدث فيه قطيعة قيميّة كبرى؛ فنقل الولاء من «الدم» إلى «العقيدة»، ومن «العصبية» إلى «الأمة».

وإنّ إصرارها على أن «اللاحق يصنع الماضي» جعلها تقرأ الإسلام الأوّل بعين المُشرّح الذي قرّر سلفًا أنّ الجثّة لا روح فيها، فصادرت على النصّ قدرته الإبداعيّة والتحويليّة التي جعلت من أمّة بدويّة قوّةً عالميّةً غيّرت مجرى التاريخ.

ومن جهة أخرى، فإنّ ادّعاءها بوجود هوّة بين إسلام محمّد وإسلام المسلمين اللاحق، يفتقر إلى السند الواقعي؛ فهو يقوم على «حدس ذاتي» بروح الزمن، ويُهمّش الذاكرة الجمعية المتواترة للمسلمين بوصفها عائقًا، ليضع مكانها تفسيرًا استشراقيًّا يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة. فإنّ نفيها للمعراج، وتأويلها لرحلة الإسراء كجولة أرضيّة، واختزالها لـ«رب العالمين» في «رب القبائل»، كلّها شواهد على انزلاق فينومينولوجي يفشل في استيعاب «الظاهرة الدينيّة» ككيان غيبي وروحي، ويصرّ على حشرها في «صندوق مادي» ضيّق.

ختامًا، يظلّ كتاب جاكلين الشابي وثيقة مهمّة تعكس «أدوات المؤرّخ المعاصر» وهواجسه أكثر مما تعكس حقيقة «إسلام البدايات»؛ فهو عمل «يُؤرّخ لذاته» وللمدرسة التاريخيّة الفرنسيّة، لكنّه يظلّ عاجزًا عن تفسير سرّ بقاء النص القرآني، متجاوزًا لكلّ سياقاته التاريخيّة، وقادرًا على مخاطبة الإنسان في كلّ زمان ومكان، بعيدًا عن أفق «القبيلة» الذي أرادت الباحثة سجن النصّ فيه.



[1]- باحث، وطالب في مرحلة الدكتوراه اختصاص علم الكلام الإسلامي في جامعة المصطفى العالمية - لبنان


[2]- جاكلين الشابي، ربّ القبائل: إسلام محمد، ترجمة: ناصر بن رجب، منشورات الجمل، بيروت - بغداد، ط1، 2020م.

جاكلين الشابي (1943م) مستشرقة فرنسية وأستاذة شرفية في عدد من الجامعات، متخصصة في دراسة التاريخ الوسيط للعالم الإسلامي. تناولت أصول الإسلام من منظور أنثروبولوجي تاريخي، وهي أستاذة مبرّزة في اللغة العربية، وحاصلة على الدكتوراه في الآداب. من مؤلفاتها الأخرى: ركائز الإسلام الثلاث: قراءة أنثروبولوجية للقرآن...

[3]- الشابي، جاكلين، رب القبائل: إسلام محمد، مقدمة الطبعة العربية، ص9.


[4]- الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص7-10.


[5]- ربّ القبائل: إسلام محمد، م.س، ص103 وما بعدها.


[6]- انظر: ربّ القبائل: إسلام محمد، م. س، ص12-13.


[7]- انظر: ربّ القبائل: إسلام محمد، م. س، ص11.


[8]- انظر: م. ن، ص22.


[9]- انظر: م. ن، ص19.


[10]- ربّ القبائل: إسلام محمد، م. س، ص14-16.


[11]- يقول عنترة ابن شداد: حَيَّيْتُ مِنْ حَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ... آيَاتٍ لَهَا كَالْوَحْيِ فِي الأَحْجَارِ؛ حيث شبّه عنترة آثار الدار بـ«الوحي» (وهو الكتابة الغامضة أو الإشارة الخفية). هذا التشبيه يرفع «الآية» من كونها حجرًا أصمًا إلى كونها «نصًا» يحتاج إلى قراءة وفهم. فالآية هنا هي «رسالة» يقرأها العربي بعقله وقلبه.


[12]- انظر: ربّ القبائل: إسلام محمد، م. س، ص145-153.


[13]- الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، ج1، «باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب».


[14]- الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص348.


[15]- ربّ القبائل: إسلام محمد، م. س، ص45-65.


[16]- الطوسي، التبيان، ج10، ص417-419.