البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الاستشراق في عصر ما بعد الحداثة أسسه ونتائجه

الباحث : حميد بارسا نيا / هادي بيكي ملك آباد

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 10

السنة : السنة الرابعة - شتاء 2017م / 1438هـ

تاريخ إضافة البحث : April / 4 / 2017

عدد زيارات البحث : 273

حجم ملف البحث : 320.946 KB

 تحميل

المدخل

يتناول هذا البحث الأسس المعرفيّة والاجتماعيّة للاستشراق في عصر ما بعد الحداثة، ويبيّن نتائجه بمنهجيّة تحليليّة ووثائقيّة. يواجه البحث العصور الاستشراقيّة مواجهةً معرفيّة، وقد حصل ذلك عن طريق رصد تحولات العلوم والمعارف. على الرغم من أن التطوّر العلمي طوال القرون الماضيّة أثّر كثيراً على أدبيات الاستشراق ومفاهيمه، إذ جعل منه متواضعاً في خطابه ولغته، ولكن يبدو أنّ الغرب في عصر ما بعد الحداثة يسعى لإعادة إنتاج خطاب الاستشراق الكلاسيكي ذي النظرة الدونيّة والاستعماريّة للشرق.

فضلاً عن تناول هذه الموضوعات في ثنايا هذا المقال، تتم الإشارة أيضاً إلى آراء ادوارد سعيد، وضياء الدين سردار، وليلى غاندي وغيرهم حول المناهج الاستشراقيّة الجديدة.

الكلمات الرئيسة: الاستشراق، مابعد الاستعماريّة([1])، الحداثة، ادوارد سعيد، ما بعد الحداثة، الخطاب.

المقدّمة

نتناول في هذا البحث الاستشراقَ في عصر ما بعد الحداثة، وأسس تكوينه ونتائجه.

لطالما كانت محاولات التعرّف على الشعوب والقوميّات المختلفة موجودة منذ القِدَم، إذ كان الأفراد يحاولون مدّ جسور التواصل مع الآخرين بحسب احتياجهم وحسب ما هو متوفر لديهم من امكانيات. كان هذا التواصل يزوِّد الأفراد بمعلوماتٍ مختلفةٍ عن حياة بعضهم الآخر الفرديّة والاجتماعيّة، ففي نظرة أوليّة يبدو الاستشراق من هذا الصنف من المعلومات، إذ يفيدُ ظاهرُ لفظه هذا المعنى، مشيراً إلى جهود شعوبٍ وقوميّات مختلفة لمعرفةِ الشرقِ وآدابه وتقاليده وبيئته الطبيعية والتاريخية، وقد بُوّبِت نتائج هذه الجهود في مجموعةٍ أُطْلِقَ عليها تسمية الاستشراق.

قد يُطرَح في أوّل وهلة سؤال لأيِّ باحثٍ ما، إذ يقول: هل الاستشراق ونتاجات المستشرقين تمثّل جهوداً واقعيّة وموضوعيّة لمعرفة المجتمعات الشرقيّة؟ ما هي نسبة التزام المستشرقين بالحياد، وما مدى ابتعادهم عن الأغراض والأهواء عند دراستهم للشرق؟ وما مدى تطابق نتائج دراساتهم مع الواقع؟ و...

إنّ مثل هذا السؤال، والأسئلة المناظرة له تُعْرَض في الحقول المعرفيّة كافّة، وهو سؤال أساسي موجود منذ بداية نشوء الدراسات الفكريّة في التاريخ، ويبحث عن مدى تطابق ما يدور في الذهن مع ما هو موجود في العالم العيني الخارجي، فهل العين والذهن متطابقان؟ أم إن الموجود في الذهن لا علاقة له مع العالم الخارجي. كانت طريقة التعامل مع هذه الأسئلة ومنهجية الإجابة عليها تؤدّي إلى نشوء اتجاهات مختلفة لدى المفكرين. بناءً على هذا، ونظراً إلى أن الاستشراق يمثّل جزءً من المنظومة المعرفيّة البشريّة، لنا أن نقول بأن طبيعة الموقف الفكري من المعرفة البشريّة والتعاريف المتعددة له أدّى إلى حدوث تطورات عديدة في الدراسات الاستشراقيّة بصفتها جزءً من الكل، إذ تأثّر الاستشراق في خضمّ الصراعات والاتجاهات العلميّة والفكريّة. إنّ ما يرنو إليه هذا المقال هو رصد التطورات العلميّة طوال القرون الأخيرة، وكذلك تتبع أثر هذه التغيرات والتطورات على الاستشراق، ولاسيما دراسة موقف الاستشراق في العصر المسمّى بـ"ما بعد الحداثة". إذن سنبدأ بتعريف مراحل الاستشراق وأدواره.

أدوار الاستشراق:

لا يوجد اتفاق يحدد زمن بداية الاستشراق وطبيعة تطوراته، فثمة آراء متعددة بهذا الصدد. ولكن ثمّة نقطة عطف في تاريخ الاستشراق تفصُل بين فترتين متفاوتتين، إذ تتمثل بظهور الاسلام، من المعروف تاريخياً بأن للغرب قبل ظهور الإسلام محاولات لمعرفة الشرق والشرقيين، ولكنها لا ترتقي لتلك الجهود المبذولة بعد ظهور الإسلام وحضور هذا الدين في أوربّا في بدايات القرن الثاني الهجري.

انفتحت أوربّا على الشرق بعد فتح الأندلس وجزر البحر المتوسط على يد المسلمين، لأن الإمبراطوريتَين الفارسيّة والرومانيّة سقطتا بعد ظهور الإسلام، وهذا ما وحّد القبائل العربيّة المتخاصمة التي أصبحت قوّة ضاربة ومهيبة قوّضت القوى العالميّة الكبرى وقتئذ، حتّى توسعوا ووصلوا إلى القلب الأوربّي في فترة وجيزة، الأمر الذي أرعب الأوربيين وحثّهم على معرفة سرّ هذه الحركة التاريخية الفريدة ليتمكنوا من التصدّي لها.([2])

وفقاً لهذا المعيار الذي يلحظ ظهور الإسلام ويعتمده فإن الإستشراق على الرغم من وجوده قبل الإسلام وتطوره طوال الفترات الزمنية، إلّا أنه لا يقارَن مع أهمية الاستشراق بعد ظهور الإسلام لغزارة نتاج المستشرقين بمختلف غاياتهم ونواياهم. بناءً على ذلك يمكن تقسيم الاستشراق (اعتماداً على ظهور الإسلام كنقطة شروع) على أربعة أدوار:

الدورة الأولى: تبدأ بفتح الأندلس على يد المسلمين، إذ هي فترة الازدهار العلمي في تلك الرقعة الجغرافية وفتح جزر البحر المتوسط وجنوب إيطاليا، وانتهت بنهاية الحروب الصليبيّة.

الدورة الثانيّة: بدأت بعد الحروب الصليبيّة واستمرت حتّى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.

الدورة الثالثة: بدأت بعد منتصف القرن الثامن عشر واستمرت حتّى نهاية الحرب العالميّة الثانية.

الدورة الرابعة: بدأت بنهاية الحرب العالمية الثانية وهي مستمرة إلى الآن([3]).

ثمّة آراء أخرى حول بداية الاستشراق كتخصص علميّ رصين، يمكن دمجها مع الرأي آنف الذكر الذي قسّم الاستشراق على أربعة مراحل زمنية، فعلى سبيل المثال هناك من يرى أنّ الاستشراق الرسمي بدأ في القرن الثامن عشر الميلادي، لأن كلمة (Orientalism) بمعنى الاستشراق دخلت معاجم اللغات الأوربيّة في المنتصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهناك من يعتقد بأنَّ تيار الاستشراق نشط في أوربّا في القرن السادس عشر الميلادي، لأن مؤسسات الدراسات الشرقيّة والإسلاميّة في الدول الأوربيّة والأمريكيّة تأسست طوال القرون الأربعة الأخيرة. وثمّة من يرى أنّ الغرب اهتمّ بدراسة الشرق بدلاً عن الحروب العسكريّة، بدءًا من القرن الرابع عشر الميلادي، وتحديداً بعد الحروب الصليبيّة، وذلك ليجد طرق أكثر واقعيّة للتعامل مع الشرق من خلال المعطيات التي تقدّمها الدراسات الشرقيّة.

إنْ شئنا دمج هذه الآراء مع الرأي القائل بالأدوار الأربعة فيمكن أن نقول: إنّ الاستشراق على الرغم من وجوده منذ القِدَم، إلّا أنّه قد نشأ مع نشأة الإسلام في الشرق. فضلاً عن ذلك فإن تطوّر الغرب في المجال العلمي والتكنولوجي يتوسّع ويصبح أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم، وهذا ما يؤثّر بدوره على الساحة العلميّة والسياسيّة، ولطالما كان الاستشراق يؤقلم نفسه مع هذه التطورات، ومن هنا يمكن تقسيم مراحل تطوره بدقّة علميّة ومنطقيّة.

تطوّر العلم في القرون الأخيرة:

يرى البحث أنّ التطوّر الحاصل في عالم العلم والمعرفة أثّر على ظاهرة الاستشراق، وقد بلغ هذا التأثير حدّ تقسيم مراحل الاستشراق اعتماداً على طبيعة هذه التأثيرات، إذن يستعرض البحث المراحل التاريخية لتطور العلوم طوال القرون الأخيرة، موضحاً بذلك الاتجاهات البحثيّة لدى المستشرقين في كلّ مرحلة من مراحل تطوّر العلم، مسلّطاً الضوء على موقف الاستشراق في المرحلة الأخيرة التي أطلق عليها مرحلة (ما بعد الحداثة).

تقسّم مراحل تطوّر العلم على ثلاث مراحل تاريخية بحسب إحدى المعايير المطروحة؛ وللعلم تعريف خاصّ به في كلّ مرحلة، إذ يشمل ما لا يشمله في المراحل الأخرى:

1ـ مرحلة ما قبل التجريبيّة.

2ـ مرحلة التجريبيّة أو الوضعيّة (Positivism)([4]).

3ـ مرحلة ما بعد التجريبية أو ما بعد الحداثة.

1ـ مرحلة ما قبل التجريبيّة:

للعلم في مرحلة ما قبل التجريبيّة ــ التي تشمل فترة طويلة من تاريخ العلوم البشريّة ــ خصائص يمكن تلخيصها كالآتي:

1ـ العلم معرفة صادقة يكشف عن الواقع، ويطابقه أيضاً.

2ـ المنهج التجريبي هو إحدى طرق كسب المعرفة، ويقع في مرحلة أدنى قياساً مع سائر المناهج.

3ـ إنّ كلّاً من المنهج التجريبي، والمنهج العقلي، والمنهج الشهودي (العرفاني) لا يكسب اعتباره إلّا إذا كسب علماً وكشف واقعاً، وعلى الرغم من أنّ متعلقات هذه المناهج متنافرة، إلّا أنها فاعلة في حقلها الخاص بها. فعلى سبيل المثال يكون المنهج التجريبي مفيداً في الأمور الحسّية، والمنهج العقلي يصلح للأمور غير الحسيّة.

4ـ إن القضايا المتقدّمة على العلم كأصل عدم اجتماع النقيضَين، وأصل الواقعيّة، وامتناع التسلسل وأمثالها هي علميّة، أو هي من الأصول المتعارفة التي لا تحتاج للإثبات، أو هي من الأصول الموضوعة التي تُثبَت في العلوم الأخرى. ولكن الأهم هو أن العلم لا تشوبه أمور غير علميّة.

إن التعاريف التي تناولت العلم في مرحلته ما قبل التجريبيّة هي تعاريف حاضرة تاريخيّاً قبل هيمنة المنظور الوضعي (Positivism) للعلم على التاريخ والثقافة البشرييَن، ويُعْتَدُّ بها في نطاق الثقافات الدينية، وفي حقل الميتافيزيقيا اليونانيّة، وفي العالم الإسلامي، وحتّى في المراحل الأولى من الفلسفات الحديثة. فضلاً عن ذلك فإن للعلم ـ وفق هذه التعاريف ـ منهجاً مختصّاً به، إذ يقابل المعارف الأخرى التي تكون غير علميّة، على الرغم من فاعليتها المفيدة والمؤثّرة، كالشِعر والخطابة والجدل.([5])

نظراً لعدم أهمية هذه المرحلة في محاور هذا البحث لذا لا يسلّط الضوء عليها، ومما تقدّم يمكن تقديم معرفة إجماليّة عن المفارقات والتغييرات التي أحدثتها المراحل التجريبيّة وما بعد التجريبيّة في العلم.

2ـ المرحلة التجريبيّة أو الحديثة:

شَهِدَ العالم الغربي منذ القرنَين الخامس والسادس عشر تحولات تدريجيّة على الصعيد الفردي والاجتماعي والديني والعلمي والسياسي. لقد تمثّلت بوارق الدخول إلى العالم الجديد في الاكتشافات الجديدة التي حدثت في حقول العلوم الطبيعية، والتي كانت تتعارض في الوقت ذاته مع تعاليم الكنيسة؛ ويمكن أن نعدّ غاليلو مثالاً على ذلك، إذ جوبهت نظريته حول مركزيّة الشمس بمعارضة شديدة من كبار الكنيسة، حتّى وصل الأمر حدّ اخضاعه للمحاكمة. ولكن تزامناً مع ضعف سلطة الكنيسة وانتشار العلوم الطبيعيّة الجديدة، حدثت تحولات في حقول العلوم الكونيّة والمعرفيّة، بل وحتّى في النظرة للإنسان. لقد بدأت في القرن السابع عشر بعض الجهود على هامش حركة التنوير التي كانت امتداداً للصراع بين علماء العلوم الطبيعية والكنيسة، إذ أصبح التوجه العقلي والبعيد عن المعتقدات القديمة من أركان مشروع الفلاسفة والعلماء حتى برز العقل المستقل بذاته والخارج عن قيود الدين والتقاليد القديمة كأحد أبرز هذه الجهود.

إن هيمنة التجريبية التامة لم تحصل في عصر التنوير وفي القرنَين السابع عشر والثامن عشر، فعلى الرغم من أن الدراسات التجريبية كانت تحقق نجاحاً سريعاً في الحقول العلمية وسخّرت الأذهان والعقول، ولكن التنوير الحداثوي طوال القرنَين السابع عشر والثامن عشر كان قريناً لنزعة عقلانيّة([6]) وإن هيمنة العقلانيّة كانت تمنع العلم من التقييد والتحديد في إطاره التجريبي. فعلى سبيل المثال كان كلّ من ديكارت واسبيونيزا ولايبنيتس يمثلون الفلاسفة العقلانيين الذين يرفضون أن تكون دراساتهم وأبحاثهم غير علميّة.([7])

راج المعنى الوضعي (Positivism) للعلم ووصل لذروته في القرن التاسع عشر وحتّى النصف الأوّل من القرن العشرين، إذ برز "أغوست كونت"([8]) كأحد أبرز المفكرين الوضعيين، فقد قسّم بدوره تاريخ المعرفة على ثلاثة أدوار: فترة الفكر الربّاني والثيولوجي، وفترة الفكر الفلسفي، ثمّ فترة الفكر العلمي. يرى كونت أنّ المعرفة العلميّة هي البديلة عن المعرفة الدينيّة والفلسفيّة، ويتفقُ مع أغلب من كان يعامل العلم بمعناه الجديد بأنّ هذا النوع من المعرفة يمكن أن ينطبق أيضاً على المعرفة الفلسفيّة والدينيّة.

إنّ ما حدث بعد القرن التاسع عشر كان تغييراً في مباني العلم، إذ أدّى انتشار المعارف ذات التوجّه الحسّي والامبريقي (Empiricism/ التجريبي) إلى أن يكون العلم الحسّي هو الطريق الوحيد لنيل المعرفة، وعُرف بصفته الطريقة الوحيدة لعلاقة الإنسان بالعالم الخارجي إنْ كان الحس هو الطريق الوحيد لمعرفة الكون فبالتالي تكون المعرفة العلميّة هي الطريقة التي تتولى معرفة الواقع، وهي تتحصل عن طريق الحس، أو يمكن اثباتها أو دحضها من خلال الحس.

لقد تغلّب التوجه الحسّي وانتشر في القرن التاسع عشر، ففي هذا القرن خرج العلم عن اطاره السابق وصار له معنى جديد، والذي يتمثل بالمعنى التجريبي أو الوضعيّ أو الحداثوي للعلم.

ثمّة تباين كبير بين رؤية العلماء الحداثويين للعلم والمعرفة والكون والإنسان ورؤية العلماء السابقين لهم لهذه المقولات. إن المفكرين الحداثويين لا تبدأ اهتماماتهم من ماوراء الطبيعة التي كانت بداية الفلسفة لدى المفكرين في القرون الوسطى وفترات ما قبل الحداثة، بل إنهم يبدأون من الطبيعة. يؤكد المفكرون الحداثيون على أن العقل والادراك هما الأدوات الرئيسة لمعرفة الطبيعة، وبالمقابل كان ما قبل الحداثويين يؤكدون على أنّ أدوات المعرفة تتمثل بالتراث والإيمان والعرفان. يؤكد المفكّرون الحداثويون استقلاليّة الانسان وقدرته على تطوير شخصيته، معتبرين إيّاه مصدراً للواقع والقيمة، ويرون أنّ ذهن الإنسان يتمتع بالسلطة المطلقة ([9]).

على الرغم من أنّ المعنى الحداثَوي للعلمِ كان يُبشّر في أوّل وهلةٍ بفترةٍ جديدةٍ يكون الانسان فيها متمتعاً بالمزيدِ من وسائل الرّاحة والمزيد من السُّلطة والهيمنة على الطبيعة، ولكن طُرحت في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر تساؤلات جديدة حول العلاقة بين المعنى الوضعي للعلم مع المعارف الأخلاقيّة والمعنويّة والميتافيزيقيّة. إن المعرفة العلميّة في هذه الفترة لا تزال حقلاً مستقلّا ً عن سائر الحقول المعرفيّة، إذ يكون الحسّ فيها المصدر الرئيس للمعرفة العلميّة، وإذا كان الذهن في عمليّة تكوين المعرفة العلميّة ينشط من خلال فرضيّاتٍ تتجاوز حدود المشهودات والمحسوسات، فإن هذا النوع من النشاط يُحافظ على استقلاليّة المعرفة العلميّة عن سائر النشاطات الذهنيّة وذلك بسبب تعامله مع الحسّ من خلال الاختبارات التجريبيّة.

وقفتْ الأوساط العلميّة تدريجيّاً وخلال هذه الفترة على محدوديّة العلوم الخاضعة للتجارب. لقد كان العلم الحديث يحصر مصادر المعرفة في الحسِّ والتجربة، ويعدّ سائر المعارف البشريّة من قبيل المعارف العقليّة والعرفانيّة والسماويّة غير علميّة، وقد مثّل هذا الأمر نقطة ضعفِ العلم الحداثوي، إذ عُبِّر عنه بقدم آخيل([10])؛ فبسبب هذه الحصريّة كان يعجز ــ العلمُ ــ عن ابداء رأيه حول المعلومات العُرفيّة والقِيميّة، ويعجز أيضاً عن تفحّص مدى صحّة المعلومات العقليّة والفيزياويّة، هذا وفي الوقت نفسه كان اعتماد التجريبيّة على الاستقراء من دون الاستعانة بالمعطيات العقليّة يُعَدُّ أمراً ناقصاً، إذ سيكون تجاهل المعارف العقليّة والكليّة في نتيجة الاستقراء عاملاً في سلب القيمة العلميّة عن التجربة والاستقراء ذاته. لقد أدّى هذا التعريف من العلم إلى تكوين حقبة تاريخيّة باسم عصر الحداثة، إذ يُعْرَف عصر الحداثة بخصائصه: التطوّر، التفاؤل، العقلانيّة، البحث عن المعرفة المطلقة في العلم والتكنولوجيا، ومن ثمَّ النظريّة القائلة: إن معرفة الذات الحقيقيّة هي الأساس الحقيقي لسائر المعارف.([11])

تُمثّلُ القيم آنفة الذكر الغايات المثاليّة لعصر التنوير، وبعبارة أخرى تعود هذه الغايات لعصر التنوير التي طُرحت في أوربّا إبّان القرنَين السابع عشر والثامن عشر وسرعان ما أثّرت على الفكر الغربي؛ وبنظرةٍ فاحصةٍ لأهداف التنوير المبنيّة على التعريف الجديد للعلم نراها تتضمن البحث عن العقلانيّة والاعتقاد بالتطوّر. كانت هذه الغايات تَعدّ المنهج العقلي مرشداً رئيساً لكلّ المعارف، ومن جانب آخر ذهبت إلى أن التطوّر لا يحصل إلّا بالطرق العقليّة، وبالعقل فقط يمكن ايجاد عالم سعيد مليء بالنظم والأمان والوعي الاجتماعي.

التناقضات الداخلية في مشروع الحداثة:

كما تمّت الاشارة فإنّ الحداثة والتنوير مبنيّان على إدراك خاص عن العلم، إذ يؤكدان استقلاليّة العقل البشري. على الرغم من تغلّب المحور التجريبي على المحور العقلي إلّا أنّ العينيّة أو تفحّص الوقائع بصورة مباشرة ومن دون فرضيات ذهنيّة وتاريخية كانت إحدى غايات الحداثة. يروم المشروع الحداثوي أنْ تكون السلطة الدائميّة للعلم، وأنْ تبقى العقلانيّة حاضرة، وأنْ يتم تجنّب الأحكام الفاقدة للدليل، التي يشوبها الظن. إلّا أننا بدراسة تاريخ الحداثة نجدها كأيّ ظاهرة تاريخية أخرى ملأى بالمغالطات والسجالات. فإنْ اعتمدنا تعريف "توين بي"([12]) لهذا المصطلح قد لا نغالي إذا اعتبرنا عصر الحداثة مشروعاً فريداً، ولكن على الرغم من ذلك فإنّ الفلسفة الاجماليّة لهذه الحُقبة تُعرَّف بالاعتماد على الرأي القائل: إنّ تطوّر المجتمع يحصل عن طريق الكمال التدريجي للإنسان (زيادة معرفة الذات والمنهج العقلي المنسجم). إنّ المفكرين البارزين الذين روجوا لهذا الأمر هم كلّ من "كانت" و"هيغل" و"فولتير". إنّ الجانب الايجابي لهذا التفكير يدعم قضية حقوق الإنسان في العالم، وقد انتهى بالثورة الفرنسية الكبرى، والاعلان الأمريكي لحقوق الإنسان. أمّا الجانب السلبي لهذا الفكر هو أنّ المفكرين في عصر الحداثة بتأكيدهم نشر قيمهم في أرجاء العالم راحوا يعدّون أوربّا من أكثر المناطق تطوّراً وتنويراً في العالم، إذ كانوا يرون أوربّا أكثر تحضّراً من سائر مناطق العالم، وبالتالي تولّدت هذه الفكرة الخطيرة التي ترى ضرورة استعمار سائر الدول والقوميّات لغرض استثمارها وإصلاحها.([13])

إنّ الملاحظة الملفتة للنظر حول هذه المواقف المغرورة لكبار الفلاسفة من أمثال "كانْت" و"هيغل" هي أنّ هذه التصريحات المعلنة وغير المعلنة هيّأت الأجواء لترويج فكرة (محوريّةِ أوربّا)، وساعدت على نشر الاستشراق المتشائم وغير الواقعي؛ لأنّ المستشرق عندما يعدّ أوربّا قمّة الحضارة ويرى وضعه الراهن معياراً لآرائه، عند ذلك يعامل الثقافات والقوميات الأخرى باحتقار، وهو ما نلمسه في كتابات بعض المستشرقين.

3 ـ الحقبة ما بعد التجريبيّة، أو ما بعد الحداثويّة للعِلْم:

إنّ العلم التجريبي ــ كما ورد آنفاً ــ تعرّضَ للأزمة بسبب قبوله بعض المبادىء وتقديمه تعريفاً حصريّاً للعِلم. لأنّ المنهج التجريبي المبني على الاستقراء وكذلك عدم كفاءة الاستقراء الناقص لخدمة العِلم حثَّ الكثير من فلاسفة العلم على تفحّص الأمر، وتبلورت في هذا الحقل الحلول التي قدّمها أمثال "كارل بوبر"([14]) و"لاكاتوش"([15]) و"فايرابند"([16])، إذ تناولوا الأزمة وطرق تجاوزها في العلوم التجريبيّة.

لقد عجزت العلوم التجريبيّة بسبب هذه الأزمة عن تفسير مبادئها تفسيراً علميّاً، وباتت تتغذّى على أصولٍ غير علميّة، وفي هذا المسار أدّت مزاعم العلم التجريبي إلى اختلاط العلم بغير العلم، إذ لمْ يعُدِ العلم معرفةً خالصة، بل امتزج مع قضايا أخرى ومعارف مختلفة تعود لحقولٍ غير علميّة.

اختلف أقطاب ما بعد الحداثة في كيفية تأثّر المعرفة العلميّة بسائر الحقول المعرفيّة، فعلى سبيل المثال يرى "ليوتار"([17]) في الميثولوجيا عاملاً رئيساً في تكوين المعرفة العلميّة، ويرى "دريدا"([18]) أنّ الأمر كامنٌ في الميتافيزيقا، ويرى "فوكو"([19]) (متأثّراً بنيتشه)([20]) ذلك في القوّة الاجتماعيّة، ويؤكّد "غادامير"([21]) بهذا الصدد على "التراث" متأثراً بـ"هايدغر"([22]). لا يمكن أن يكون للعلمِ المبني على أفكارِ ما بعد الحداثة هويّة مستقلّة عن تاريخه وثقافته، إذ لا يتلخّص أثر الثقافة والمعارف المتواجدة في داخل الثقافة بطريقة استعمال المعرفة العلميّة ([23]).

لهذه الأسباب لم يَعُد العِلم في عصر ما بعد الحداثة يزعم اكتشاف الواقع، ولم تعد قضية التطابق مع الواقع ذات أهميّة لديه. إن العلم ما بعد الحداثوي يرتكز على الجدوى العلميّة والائتلاف الداخلي للمعرفة، وبهذا التعريف لم ينفصل العلم عن تاريخ العالِم ولا عن جغرافيته. إذا كان العلم في فترة الحداثة يدّعي الكونيّة واكتشاف الواقع، فإنّه في حقبة ما بعد الحداثة قد حصر نفسه بالجغرافيا والثقافة والتاريخ. إن الآراء ما بعد الحداثويّة قد أدّت إلى نوعٍ من التعدديّة (Pluralism) في المعرفة العلميّة، وانتهت إلى الشَكّ ونسبية الفهم، بل وحتّى نسبية الحقيقة. يجب أن نعدّ حقبة ما بعد الحداثة للعلم نتيجة منطقيّة للحداثة والتنوير؛ لأنّ الطريق الذي تسلكه الحداثة باعتمادها الحسيّة والوضعيّة لا يؤدّي إلّا إلى ما حصل. إنّ ما بعد الحداثويين ينظرون اليوم لمنجزات الحداثة وأهدافها بعينٍ ناقدة، وقد واكبت هذه النظرة النقديّة مجموعةً من السلوكيّات والأفكار، ومن ثمَّ تبلورت حقبةٌ سميّت بـ"ما بعد الحداثة". إنّ المجتمع البشري في عصر ما بعد الحداثة يقابلُ خصائص عصر الحداثة، فغالباً ما يبدو متشائماً، ويحملُ خصائصَ يمكن سردها كالآتي:

الاستهلاك العشوائي، التشاؤم، الابتعاد عن العقلانيّة، اليأس والانتكاس بإزاء فكرة المعرفة المطلقة([24]).

يؤكّد مؤلّف كتاب "من الحداثة إلى ما بعد الحداثة" صعوبة تلخيص معنى ما بعد الحداثة، ويعدّه مفهوماً غامضاً؛ ولكنّه على الرغم من ذلك يذكر خمس خصائص مهمّة لما بعد الحداثة ويعد أربعاً منها من صنف الموضوعات النقديّة، وتتضمن واحدةً جانباً إيجابيّاً.

إنّ ما بعد الحداثة تنقد المضامين الآتية:

1ـ الحضور بإزاء إعادة العرض أو البناء؛ يرى أقطاب ما بعد الحداثة استحالة تصوّر الأشياء والقول بحضورها والنظر لها من دون اللغة والعلامات.

2ــ المنشأ بإزاء الظواهر: يرى ما بعد الحداثيون بأنّ البحث عن المنشأ هي محاولة للوقوف على ما وراء الظواهر، أو لبلورة نظرة بنيويّة. إنّهم ينكرون ما هو خلف كواليس الظواهر أو أيّ واقعٍ عميق، أو يُظهرون ترديداً حول هذا الأمر.

3ــ الوحدة بإزاء الكثرة: تسعى ما بعد الحداثة في بلورة النشاطات الفكرية بأنّها كثرة، وهي النشاطات التي يعدّها الآخرون "واحداً" أو وجوداً أو مفهوماً منفرداً وتامّاً. إنّ كل شيء مصنوع أو متكون من علاقته بالأشياء الأخرى، فلذلك لايوجد أيّ شيء بسيط ومن دون وسيط أو حاضر تماماً، ولا يوجد أيّ تحليلٍ عن أيِّ شيءٍ يمكن أن يكون نهائيّاً وكاملاً.

4ـ سموّ القيَم بإزاء تقوقعها؛ ثمّة قيمٍ كالحقيقة والإحسان والجمال والعقلانيّة لم تعد مستقلة عن تلك الأنساق التي تهيمن عليها هذه القيم أو تحكم عليها، بل هي نتاج لهذه الأنساق ومن ذواتها؛ أمّا الجانب الإيجابي في ما بعد الحداثة فقد يتمثل في تفعيل فكرة "الآخر البنّاء". تفيد هذه النظرية بأنّ كلّ وحدة ثقافية تحافظ على وحدتها الظاهرية من خلال تقنيّة فعّالة تتضمن الطرد والتقابل والتراتبية([25]).

تعالج ما بعد الحداثة وتنقد فرضيات الحداثة والأفكار التنويرية المبنيّة على الفكرة القائلة بإمكانية معرفة الكون وفق مناهج معتبرة ومحايدة، وتعدّ المزاعم السطحية حول اعتبار العلم مزاعم واهية. إن الدلالة السياسية لمواضع ما بعد الحداثة تشير إلى أن مشروع الحداثة الذي يؤكّد التطور المادي والمساواة والاصلاح واستخدام الأدوات البيروقراطية للنجاح قد انتهى تاريخه. يرى " دون لافي" بهذا الصدد أنّ ما بعد الحداثة هي ردّة فعلٍ بإزاء نخبوية الحداثة ورفضها الواقعيّة، أو هي محاولة لتقديم واقع عيني([26]) .

إنّ زوال الإيمان بالعلم والعقل في ما بعد الحداثة يعني عدم وجود أي وجهة نظر مشتركة أو عقيدة ثابتة وصامدة في العصر الحاضر، وإنّ التلذذ والفردانيّة والعيش في اللحظة الآنيّة هو الميل الغالب وروح عصرنا الحاضر([27]) .

خلاصة القول، واستناداً لما أقرّته ما بعد الحداثة يمكن أن نقول:

1ـ إن عصر الحداثة العقليّة هو في طور العبور.

2ـ لا توجد أيّة فكرة متقنة وشاملة حول الثقافة والمجتمع.

3ـ لا يوجد أيّة قيمة ثقافية ثابتة.

4ـ إن التجربة والواقعيّة هي غير واقعية و(خياليّة).

5ـ إنّ خصائص الثقافة الجديدة هي حديثة النشأة واصطفائية وصادمة وطريفة([28]).

نظراً للتقسيم المتقدّم حول مراحل الاستشراق، واستناداً لما جاء من توضيح حول تطوّر معنى العلم وأدواره التاريخيّة يمكن أن نستنتج أنّ مرحلة الاستشراق الرابعة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية وهي مستمرة إلى الآن تتغذى من نسيج فكري ومعرفي ينتمي لدورةٍ تدعى ما بعد الحداثة، وهي دورة لها ميزاتها الخاصة، وبطبيعة الحال فإن الاستشراق في بيئة ما بعد الحداثة ليس بمعزلٍ عن الانجازات المعرفيّة والمناهج العلميّة المتولّدة في هذا العصر.

ولا بد من الإشارة إلى أن الاستشراق في فترة التنوير حتّى قُـبَـيل الحرب العالمية الثانية قد استمرَّ على هامش التناقض الداخلي الموجود في الحداثة؛ لأنّ الحداثة طرحت شعارات تُعادي الاستثمار والأحكام المُريبة وغير المحايدة، وفي الوقت ذاته صرّحت على لسان فلاسفتها الكبار بأقوالٍ تروج لمحوريّة أوربّا ومركزيتها وتفوّق العرق الأوربي وأصالة الحضارة الأوربيّة.([29]) وقد شهد الاستشراق في مثل هذا الظرف المتعارض نموّاً واضحاً للدراسات والنشاطات الاستشراقيّة التي رافقت في أغلب المواقف أحكاماً غير واقعيّة وأدباً موهناً ومحقّراً الشعوب الشرقيّة.

الاستشراق في فترة ما بعد الحداثة:

كما تمّت الإشارة آنفاً فإنّ الحداثة والتنوير على الرغم من طرحها شعارات كالعينيّة والمساواة والحريّة والعقلانيّة، وعلى الرغم من زعمها بأنّها تبشّر بعالَمٍ أفضل، إلّا أنّها عانت من تناقضات داخليّة، كفِكرة أفضليّة الحضارة الأوربيّة على سائر الحضارات، وعدم عقلانيّة سائر الثقافات والآداب لدى الشعوب الأخرى. إن الشعوب الأوربية وفق هذه الرؤية هي المحور والمركز لتقييم سائر الأعراق والشعوب، وإن عقلانية الانسان الأوربّي والغربي تمثّل المعيار في تقييم عقلانية سائر الشعوب؛ ومن جانبٍ آخر إن المبادىء التي تبنتها الحداثة في الأنطولوجيا ورؤيتها للمعرفة والإنسان اقتربت لدائرة الأفول تدريجيّاً لضعفها في توجيه التجريبيّة و ترويجها.

إنّ التجريبيّة التي حصرتْ المعرفة العلميّة في المعرفة التجريبيّة، وموّهت الأفكار بزعمها تشذيب المعرفة الإنسانيّة عن أي معرفة غير تجريبيّة علمتْ فجأةً وعلى إثر دراسات الفلاسفة وعلماء الاجتماع بأن المعارف غير التجريبيّة قد أحاطت بالمعرفة التجريبيّة ودخلت فيها.

كما تمّت الإشارة آنفاً إن ليوتار عدَّ الميثولوجيا عاملاً رئيساً في تكوين المعرفة العلميّة، ودريدا عدّ الميتافيزيقيا لذلك، وميشيل فوكو تأثّر بنيتشه وعدّ القوّة الاجتماعيّة لهذا الأمر، وقدّم غادامير التراث كعاملٍ رئيس في تكوين المعرفة متأثراً بهايدغر. إن هذه النظرة للمعرفة أدّت إلى تحولات واسعة في ميدان حقول العلم والسياسة والثقافة، يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1ـ إن الحداثة التي زعمت بأنّها شموليّة وكونيّة، وعدّها بعضٌ رجحاناً، وإن سائر الشعوب رضخوا لجبر التاريخ واستفادوا من مصلها الشافي وأصبحوا حداثويين؛ إن هذه الحداثة لم تعد راجحة بعد ودخلت في وضع متأزّم.

2ـ إنّ العقلانيّة الأوربيّة والغربيّة التي اعتمدت نموّ العلم التجريبي ونجاحاته الظاهرية وأصبحت معياراً لمعرفة العقلانيّة تراجعت لاحقاً عن مزاعمها، إذ تبلورت تدريجياً بين العلماء في شتّى الحقول المعرفيّة فكرةٌ تقول: إنّ دراسة كل شعب وعِرقٍ بالمنهج العقلي يجب أن يكون حسب مقتضياته البيئيّة والمعرفيّة.

3ـ بدأت تدريجياً عمليّة استقلال الدول والشعوب من الهيمنة الغربية، وكما هو واضح فإن وتيرة استقلال الدول تزايدت بعد الحرب العالميّة الثانية، وتحديداً في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا ما يواكب نشوء حقبة ما بعد الحداثة في تاريخ العلم التي نضجت في النصف الثاني من القرن العشرين.

4ـ توجّه سيل الانتقادات نحو نتاجات الحداثة والعقلانيّة وسياستها وثقافتها، ونادراً ما يوجد نتاج لم يتعرض للنقد، وقد مارست المدرسة النقديّة الألمانية والفرنسيّة جلّ الانتقادات الموجهه للحداثة وشعاراتها.

5ـ توجّهتْ الشعوب والأديان الشرقيّة كالإسلام نحو احياء هويتها التاريخية وإقصاء تحديات الحداثة وهيمنتها، وفي هذه الفترة تحديداً ظهرت أغلب الدراسات الإسلاميّة حول أعمال المستشرقين، إذ نضج التوجه النقدي لفكر المستشرقين.

6ـ إن المفكرين الأوربيين نظروا للشعوب الأخرى ولثقافتها بطريقة متفاوتة، وتناولوا دراسات المستشرقين خلال حقبة الحداثة، وكان ذلك بسبب الجو والبيئة الجديدة والمنظومة الاصطلاحية الجديدة التي كونتها حقبة ما بعد الحداثة؛ فعلى سبيل المثال برز في هذه الفترة "إدوارد سعيد" بصفته باحث غير مسلم واعتمد نتاجات أفكار ميشيل فوكو وأدوات خطاب العلم والقوّة ليشرع بدراسته النقديّة للاستشراق، وبهذا نشأت أدبيات جديدة عرفت فيما بعد بدراسات ما بعد الاستعمارية (Postcolonialism).

7ـ نظراً لتراجع الهيمنة الغربيّة والحداثة وعولمتها ما اقتصر المفكرون المسلمون والشرقيون على نقد آراء المستشرقين، بل هيئوا الظروف لنشوء استشراقٍ معكوس؛ ففي هذا النوع من الاستشراق يدرس المفكّر الشرقي الغرب بصفته "الآخر" و"ذاته" في مرآة الغرب؛ عندها تكون الأصالة لذهنيّة الفرد الشرقي ولأولوياته ومتبنياته الذهنية، وبعبارةٍ أخرى تكون الدراسة ضرباً من الاستغراب أيضاً.

الدراسات ما بعد الاستعماريّة (Postcolonialism):

كما تمّت الإشارة آنفاً فإنّ الاستشراق في حقبة ما بعد الحداثة، وتحديداً بعد الحرب العالميّة الثانيّة تبلور في هيأة الدراسات ما بعد الاستعماريّة، وعمل على جرْح الاستشراق الحداثوي وتعديله، وقد تبنّى الشرقيّون مثل هذه الدراسات النقديّة ما بعد الاستعماريّة التي نقدتها السلطة الامبرياليّة؛ ومثّلت هذه الصورة برمّتها ردود أفعال بإزاء المنهج السلطوي الذي تبنّاه الاستشراق الحداثوي من قبل.

نظراً لظروف نشأة الدراسات ما بعد الاستعماريّة وماهيّة موضوعاتها فإنها تصطدم بالعلوم المترسّخة الموجودة؛ لاسيما وأن هذه الدراسات تعمل على تغيير وإزاحة البُنى التاريخية المولّدة للعلم والمتجذّرة في تاريخ الحداثة و جغرافيتها المتعددة. إن هذه الدراسات تبحث عن علاقة مفهوم القمع والمقاومة والعِرق والجنس والاختلاف والتشرّد والهجرة مع خطابات الغرب المهيمنة على صعيد التاريخ والفلسفه والعلم واللسانيات([30]).

إنّ التوجّه المذكور يلوم القيم والمناهج والأدبيات الغربيّة لتبنيها نوعاً من القوميّة القمعيّة، إذ أن النماذج الفكرية الغربيّة وكذلك أدبياته هي المهيمنة على ثقافة العالم، وتُقصي أو تتجاهل سائر التقاليد والصور الثقافية غير الغربيّة. ولكنّ المَلْحَظ المهم حول الدراسات ما بعد الاستعماريّة هو أن هذا المصطلح لا يعني بأنّ الاستعمار قد انتهى أمده؛ يقول "ضياء الدين سردار"([31]) بهذا الصدد: ( إنّ الاستشراق أدّى إلى بروز العديد من الدراسات النقديّة والأمر أشبه ما يكون بنموّ الفطريات، إذ حصل ذلك بمختلف الأشكال كالدراسات ما بعد الاستعماريّة والخطاب ما بعد الاستعماري. إن مصطلح ما بعد الاستعماريّة لا يدلّ بالضرورة على فترةٍ تكون بعد غياب الاستعمار؛ بل إن هذا المصطلح يتناول كيفية استمراريّة الواقع التاريخي المتمثّل بالاستعمار الأوربي وطبيعة علاقته مع الحضارات والشعوب غير الغربيّة بعد أن فقد مستعمراته القديمة بسبب استقلالها.)([32])

ثمّة باحثون يصنَّفون ضمن الجيل الذي عمل على تطوير ونشر الدراسات ما بعد الاستعماريّة، ويكون في مقدمتهم "إدوارد سعيد"([33]) و"إعجاز أحمد"([34]) و"سبيفاك"([35]) و"هومي بابا"([36])، و"كورنيل ويست"([37])، و"بيل هوكس"([38]) و"ليلى غاندي"([39]) وغيرهم. من الملفت للنظر إنّ غالب هذه الشخصيات هم من الغربيين السود أو لهم أصول شرقيّة، فمثلاً سبيفاك هي ناشطة هندية في مجال حقوق المرأة وأحد أعضاء جمعية "دراسات المضطهدين"، وهي من أهم المنتقدين المنتمين للمدرسة ما بعد الاستعماريّة. تؤكد سبيفاك أنّ العالم الثالث هو من نتاج الغرب، والهدف من وراء ذلك هو اخضاع الثقافات غير الغربيّة في إطار الامبراطوريّة الغربية، وفي سياق آخر نرى "بول هوكس" الكاتب الأمريكي من أصول أفريقية، يرى أنّ اشكالية هوية السود واستلابهم هويتهم التي عمل عليها المستعمرون قد حفزّته على البحث والقراءة والكتابة و... وليلى غاندي حفيدة مهاتما غاندي زعيم الحراك الشعبي المناهض للاستعمار في الهند، نراها متخصصة في الدراسات ما بعد الاستعماريّة، وتحديداً في الأفكار الغربية والتوجه الناظر للمستعمرات القديمة، وكذلك تعمل على دراسة أعمال المفكرين الشرقيين الذين درسوا الأفكار الغربية من وجهة نظرهم.([40])

ولمعرفة مكانة الاستشراق في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي عُرفت بفترة ما بعد الحداثة، نسلّط الضوء على أعمال مفكرَين متخصصين في مجال الاستشراق، مع الاشارة إلى منهجيتهم في التعامل مع نتاجات المستشرقين و إرثهم، مبينين منهجيتهم في ضوء الوضع الجديد أو أجواء ما بعد الحداثة.

ادوارد سعيد ومنهجيته الحوارية في تناوله الاستشراق:

إن كتاب "الاستشراق" لـ"ادوارد سعيد" هو الكتاب الأمثل والشهير في حقل الدراسات ما بعد الاستعمارية، إذ يوضح بدراسة نقديّة مكانة الشرق وطبيعة صورته في الغرب. يعتمد "سعيد" أسس "ميشيل فوكو" في تحليل الخطاب المعتمدة في دراسات ما بعد الحداثة، ويقدّم منهجية حواريّة في دراسته الاستشراق وإشكالية اعادة انتاج الشرق في الغرب. يتفق "فوكو" مع "نيتشه" على أن لمبدأ القوّة الدور الرئيس في كلّ دراسة اجتماعية. يؤكد فوكو عند دراسته ماهية العلوم الانسانيّة ــ إذ عبّر عنها بنظام العلوم الانسانيّة ــ على أنَّ هذا النظام هو تبلور للثقافة المهيمنة في ذلك العصر، ويرى في هذا الصدد بأن الحقيقة والقوّة متلازمتان دوماً؛ إنّه يرى أن الحقيقة ليست خارجة عن إطار القوّة، أو ليست فاقدة لها، وهي ليست مكافئة للأرواح والنفوس الحرّة، وليست ابنة الخلوة والعزلة الطويلة، ولا هي جائزة لمَن نجح في انقاذ نفسه. إن الحقيقة هي شيء من سنخ هذا العالم، وهي مجرد نتاج لمصاديق الالزام والإجبار. إن لكلّ مجتمع نظامه الخاص بالحقيقة، أي أنواع الخطابات التي يتقبلها نظام الحقيقة ويسمح لها كي تؤدّي دور (الصحيح)، وهي مجموعة من الآليات والنماذج التي تمكّن الفرد من التمييز بين الصِدق والكِذب... ويرى فوكو أيضاً أنّ طبيعة العلاقة المتقابلة بين الحقيقة والقوّة متفاوتة على مدى التاريخ، ولا يمكن الوقوف على هذا التفاوت إلّا بوساطة الجينالوجيا([41])، ([42]).

بناءً على ما تقدّم نرى أنّ رأي فوكو عن الحقيقة يخالف آراء عصر التنوير. إنّ الآراء التنويريّة والحداثويّة تعد الحقيقة أمراً عينيّاً فارغاً عن القوّة، وغالباً ما تعرّف القوّة بالتقابل مع الحقيقة؛ في حين نرى فوكو يخالف آراء عصر التنوير ويعد الحقيقة والقوّة في نسيج واحد ويعدّهما قضيّة متعلّقة بهذا العالم، إذ تتبلور في ضوء العلاقات المتقابلة للقوّة، وهذه هي رؤية ما بعد حداثويّة للحقيقة والمعرفة.([43])

يرى فوكو أنّ الخطاب يمثّل الصورة اللغويّة للعلم والقوّة، والعلاقة المتماسكة بينهما، أي إن الخطاب هو الحقيقة المرتبطة بالقوّة، الأمر الذي اعتمده (ادوارد سعيد) في تناوله (الاستشراق)، إذ لا يعدّ الأمر خطاباً فحسب، بل يحلّل القوّة والمعرفة الكامنة خلفه بصفتها معرفة الشرق. يقول فوكو بهذا الصدد: "إنّ العلم ليس مجرّد انعكاس للواقع، بل إنّه بُنية خطابية، وثمّة أنظمة معرفيّة متعددة تميّز بين الصادق والكاذب." هناك مبدأ مشترك في تحليل الخطابات في الوقت الحاضر، يتمثّل بالرؤية النقدية للمعرفة البديهية؛ فوفق هذا المبدأ يخضع كلّ ما يعدّه الأفراد معرفة بديهية للتحليل المعتمد من قبل منهجية فوكو؛ ففي بادىء الأمر تخضع بديهيّة الأمر للنقد،  ثُمَّ تدرس وتحلل طريقة انتاج وتكوين هذه المعرفة. إنّ غالب المناهج المتخصصة في تحليل الخطاب تعتمد قراءة فوكو للخطاب، إذ تعدّ منهجيته مجموعةً مقننة من الأسس والمعطيات التي تضع حدوداً على معاني رسائل الخطاب([44]).

يوضّح سعيد في كتابه (الاستشراق) الخصائص الخطابية لذلك الصنف من المعرفة الذي تبلور في القرن التاسع عشر على يد المتعلمين والرحالة والشعراء والروائيين، وهي معرفة لا تعدّ الشرق ثقافةً أو مجتمعاً يعمل وفق ظروفه، بل تعدّه كمخزن للمعرفة الغربيّة. إنّ سعيد على غرار فوكو يعدّ الخطاب الصورة اللغويّة للمعرفة والقوّة، ويؤكّد على أن الغربيين ـ تاريخياً ـ استعملوا آليّة القوّة لنشر قراءتهم للشرق؛ وهي قراءات أصبحت مصدراً لمعرفةٍ واسعة وكبيرة حول الشرقيين. يرى سعيد أنّ الاستشراق لم يعكس صورة البلدان الشرقيّة كما هي عليه، بل باتَ خطاباً اعتمدته الثقافة الأوربيّة من أجل إدارة الشرق والهيمنة عليه، وحتّى اعادة انتاجه على الصعيد السياسي والاجتماعي والعسكري والايديولوجي والعلمي والتخيّلي طوال فترة ما بعد التنوير؛ إذ نتج شرقاً معقّداً مناسباً للدراسات والبحوث الجامعيّة، وللعرض في المتاحف ولتوصيفه نظريّاً في الرسائل الجامعيّة المتخصصة بالانثربولوجيا والبيولوجيا واللسانيات والتاريخ... إنّ لهذا النوع من القوّة علاقة وثيقة مع المعرفة والمناهج التي عبّر عنها فوكو بثنائية (القوّة ــ المعرفة).

إن دراسة إدوارد سعيد حول الاستشراق تشابه كثيراً مبحث فوكو عن ثنائيّة (القوّة ــ المعرفة). إنّ الخطاب الذي يعتمد مناهج متفاوتة في التحليل والتفسير يولّد معرفة حول الآخر، وقد تمتاز بالعنصريّة، والتي تدخل صلب أنشطة سلطة الإمبرياليّة. يرى سعيد بهذا الصدد بأنّ النصوص الاستشراقيّة دُسَّت في الوعي الغربي من خلال أجندة السلطة؛ إذ تصبح توجهاتهم الايديولوجيّة حقائق عينيّة مبنيّة على الفجوة الكبيرة بين الغرب والشرق. يعدّ سعيد الشرق "الآخر المتحضّر" الصامت بإزاء الغرب، وإن الموقع الأدنى الذي ينسبه الاستشراق للشرق يصبُّ في صالح الغرب وهيمنته.

إنّ التعبير عن الشرق بوصفه عاطفيّاً وفاقداً للعقلانيّة وبدوياً ومتعجرفاً يولّد غرباً عقلانيّاً ديمقراطياً ومتطوراً. لطالما كان الغرب يعمل في المركز والشرق هو "الآخر" المهمّش الذي لا فائدة من وجوده إلّا تأييد الغرب ومركزيته. بهذا الوصف يكون ادوارد سعيد من أبرز الوجوه العلميّة والثقافيّة في الاستشراق ما بعد الحداثوي الذي نقد المنهجيّة الحداثويّة في الاستشراق وعمل على تحليل الاستشراق في ضوء علاقة القوّة الأوربيّة بالعلم. وعلى الرغم من أنّ جهود ادوارد سعيد تُعَد خطوة في طريق نقد النظرة غير الانسانيّة وغير الواقعيّة للغرب بإزاء الشرق، غير أنَّ بعض الباحثين كـ"إعجاز أحمد" و"ضياء الدين سردار" اتّهموه بالمساهمة في تثبيت النمط الأوربي المهيمن الذي يمنح المركزيّة والتسيّد للانسان الغربي، وهو أمرٌ خارج عن حيّز هذا البحث ([45]).

الاستشراق عند ضياء الدين سردار:

الباحث المهم الآخر في مجال نقد الاستشراق هو "ضياء الدين سردار" المفكّر البريطاني ذو الأصول الباكستانيّة. إنّ سردار على الرغم من نظرته المختلفة للاستشراق، ولكنّه لا يغفل عن نطاقات عالَم ما بعد الحداثة. يقدّم سردار نفسه ناقداً ملتزماً بالتراث، وينظر للاستشراق من وجهةٍ غير غربيّة؛ فضلاً عن ذلك فإنّه لا يعد الاستشراق محايداً غير متفاعل، بل يرى أنّ ما يجعل عملية تشريح هيكلية الاستشراق وعرضها أمران يتطلبان الكثير من الدقة والحيلة، حقيقة وجوده الفعلي. ولأنّ الاستشراق موجود فإنّ لدينا عالماً نعي فيه الواقع بصورة مختلفة، ونعبّر عنه ونختبره من خلال عدد لا يُحصى من طرائق الفهم المتبادلة. لكي يناقش المرء الاستشراق فإنّ عليه أن يحثّ الناس على تجاوز هذا النوع من سوء الفهم لكي يكون في مقدورهم رؤية ما جرى إخفاؤه؛ ليميزوا الحدود المختلفة للصورة التي جرى تشويهها لقرونٍ خَلَت من الرؤية قصيرة النظر ([46]).

يتحدّث سردار عن غايته من تأليف كتاب الاستشراق قائلاً: "إنّ مهمة هذا الكتاب تتمثل في تقويض هذه الفرضية والتقليل من شأنها، وفي الوقت نفسه تبيان أن الاستشراق، رغم كون صلاحيته قد انتهت، بدأ يحتلّ أراضي جديدة. فبعد أن تراجع ليصبح مجرّد تخصص وخيال أدبي، ها هو يهاجم ليحتلّ عالم الأفلام والتلفزيون والأقراص المدمجة. ليس موضوع الاستشراق محصوراً، هذه الأيّام، في ما تعارفنا عليه بوصفه "الشرق"، بل إنّه يشمل أوروبّا نفسها، موطن الاستشراق وأصله([47]).

بعد أنْ يقرّ سردار بالحريّة المقبولة التي وفّرها عالم ما بعد الحداثة في مجال الفكر النقدي والآراء الجينالوجيّة في مجال العلوم والنظريّات، يؤكّد على أنّ الاستشراق لم يكن نظرةً نحو خارج الغرب وصوب أشياء أو موضوعات (object) ثابتة معينة. بل إنّ الاستشراق هو ضربٌ من التأمّل الباطني، ومجموعة من الهموم الفكريّة والمخاوف والأهواء الغربيّة رُسِمَت في (موضوع/object) مصْطَنَع سمّيَ بالشرق. إنّ ماهية الشرق هي مجموعة متحوّلة وملأى بالمبهمات، وهو شيء مرادف أو ذلك المعنى الذي يقصده الكاتب أو الشاهد المُفْتَرَض.

إنّ تاريخ الاستشراق في الأساس هو تاريخ بعث الحركة في الغرب، أو بعبارةٍ أدقّ إنه ليس تاريخ حركة الغرب لاقترابه من الشرق والاشتراك معه، أو دركه، فهذه الجزئيات هي أمور معدودة. إنّ شرق المستشرقين هي آلية مصطنعة يوضّح الغرب من خلالها همومه واهتماماته الفكريّة، ويثبتها.

يصرّ سردار على أن الاستشراق هو تأمّل باطني، ويعدّ التخيل مركزاً للفكر الاستشراقي. فعلى سبيل المثال يقول في معرض حديثه عن اللذة الجنسيّة لدى الغربيين: "إن ضمير الفرد الكاثوليكي يفترض بأن الحياة التي يكتنزها الكمال هي حياة العزوبيّة، وإن في العلاقة الجنسية اشارات للذنب والوسوسة. إذن فإن العلاقات الجنسية دخيلة في البنية الدينية للاستشراق، وإن العين الغربية ترى في الشرق لذات عجيبة تشوبها الخطيئة الجنسية، ملفوفة في الألغاز المعقّدة([48]).

من هنا نرى المرأة الشهوانية والمطيعة الشرقيّة والرجل العنيف والقوّي والقاسي الشرقي موجودين في مركز أدبيات المستشرقين، وهذا ضربٌ من الخيال، إذ كانوا يلبّون من خلاله رغباتهم الجنسية المكبوتة التي كانت أغلبها نتاجاً لعوامل دينية. يقول سردار بلغة ذات أدبيات ما بعد حداثويّة وهي بمثابة نهاية السرديات: "إذا اعتبرنا الاستشراق نوعاً من السرديات سيكون المستشرقون كقطيعٍ من الذئاب تُريد تمزيق الدين الاسلامي وثقافته وحضارته؛ وإن الاستشراق يقدر بسهولة على أن يخطط لمؤامرة عظيمة ضدّ الاسلام وكلّ الثقافات غير الغربيّة"([49]) .

إن ما بعد الحداثة وانتشار الدراسات ما بعد الاستعماريّة على الرغم من أنها نتاج لحريّةٍ ظاهريّة تمتعت بها الشعوب الشرقية وتخلّصها من الهيمنة المباشرة للاستعمار، و على الرغم من أنها تعطي فرصةً للمفكرين الشرقيين ليهتموا بالتأمّلات النقديّة، ولكن سردار لا يتفاءل بهذا الوضع. إنّه يرى أن التغييرات الجزئية الحاصلة في الاستشراق كانت في أُطُرٍ معينة ومُعَدَّة مسبقاً، ويؤكّد على أن الاستشراق سيستمر في ظلّ ما بعد الحداثة بأداء دوره ويبقى يؤدّي دور رسام الكاريكاتور والقامع لايديولوجيات الحضارات الآسيويّة. وإنّ هذا المَدّ يمكن أنْ نتلّمسه في الكم الهائل من المنتوجات في عصر ما بعد الحداثة من قبيل الألعاب الالكترونيّة والشبكيّة، والتي تستند غالباً إلى أفلام هوليوديّة([50]) .

يرى سردار بهذا الصدد أنّ محوريّة أوربّا في حقبة الاستشراق المتصرّمة قد استُبدلت بالولايات المتحدة، ويؤكّد على أنّ أوربّا ذاتها أيضاً تُعرَّف من نافذةٍ أمريكية، وهذا ما يدّل على اتساع حدود النهج الاستشراقي نحو أوروبّا ([51]).

الاستنتاج

تناولت هذه الدراسة أسس الاستشراق ونتائجه فی عصر ما بعد الحداثة، وافترضتْ بأنّ تطوّر معنى العلم في القرون الأخيرة ترك أثراً واضحاً في الظواهر الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة كافّة. إنّ العلم الحديث يؤدّي إلى تكوّن عالَم تكون فيه الثقافة (الغربيّة ــ الأوربيّة) هي ثقافة المعيار، والعقلانيّة والتطوّر والقيَم كلّها يجب أنْ تكون مطابقة لنسخة الفكر الغربيّة ــ الأوربيّة، ويجب اصلاح سائر الشعوب، أو الرضوخ للنموذج الغربي في الحياة. بناءً على هذا تهيمن على العالم أنظمة استعمارية ويتم فرض الثقافة الغربيّة بكلّ أدواتها في أرجاء العالم. لقد كان الاستشراق طوال هذه الفترة مجموعة من الادعاءات المطلقة والمبالغ فيها وحافلة بلغة تهميشية لسائر الشعوب الشرقيّة. لقد مثّل الاستشراق في هذه الفترة آلية لإدارة الشرق والهيمنة عليه، إذ لا يوجد فيه رؤية نقديّة وواقعيّة، ولأنّه يستند لأسس الحداثة والعلم الحديث فلا أحد يستطيع التصدي لادعاءاته هو (أي الاستشراق) والعلم الحديث.

إن الروح الغربيّة المهيمنة طوال هذه الفترة جعلت الجميع ـ بما فيهم الشرقيون ـ أنْ يَيْأسوا من نقد الاستشراق والصمود أمامه، ولكن مع بدأ فترة ما بعد الحداثة في مسيرة العلم التي بدأت تحديداً في المنتصف الثاني من القرن العشرين ظهر تأثيرٌ مختلف في شتّى الحقول العلميّة، ولم تعد للحداثة الأولوية كما في السابق، وفقد الغرب آماله السابقة، إذ نهضتْ الشعوب مطالبةً بالاستقلال وخروج المستعمرين من دولهم، وعوملت عقلانية سائر الشعوب باحترامٍ ظاهري، ونتيجةً لموج الانتقادات الموجهة لنتاجات الحداثة فإنّ الاستشراق أيضاً دخل مرحلة من التأملات النقديّة، تعتمد المنظومة الاصطلاحيّة لما بعد الحداثة، وخضعَ الاستشراق لدراسة جنيالوجيّة (Genealogy) وتمَ تحليل منهجيته.

توجهت الدراسات الاستشراقيّة على يد "ادوارد سعيد" نحو نقد نظرة الغرب غير الانسانيّة للشرق، واهتم المفكرون الشرقيون كـ"ليلى غاندي" و"اعجاز أحمد" و"مريم جميلة"، و"ضياء الدين سردار" و"هشام جعيط" بتحليل النصوص والآثار الاستشراقيّة بمنهجية نقديّة معتمدين المناخ الفكري العام لما بعد الحداثة. وقد تطرقت الدراسة لنموذجين من الدراسات الاستشراقية تمثلّت بأعمال "ادوارد سعيد" و"ضياء الدين سردار". وفي الختام نتفق مع ضياء الدين سردار، فعلى الرغم من تفاؤلنا بالحريّة النسبيّة المتوفرة في الغرب، إلّا أنّ الغرب لا يزال يمارس هيمنته على الشرق من خلال التسيّد في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، إذ تراجع عن استعمار الشرق بصورة ظاهريّة فقط، وهذا هو ما يحفّزه على اعادة انتاج الاستشراق وتحديثه من أجل تنفيذ أهدافه التاريخية؛ الأمر الذي يجعلنا نعدّ المستشرقين في فترة ما بعد الحداثة من هذا الصنف، فعلى الرغم من أنّ دراساتهم تتسم بالتواضع وتبدو أنها في خدمة الشرق، إلّا أنّها تسعى لتحقيق أهدافٍ غربيّة.

(*) بحث منشور في مجلة (دراسات في فكر المسلمين المعاصر) الفصليّة، السنة الأولى، العدد الثاني، خريف وشتاء2015م.

(**) أستاذ العلوم الاجتماعيّة في جامعة طهران.

(***) طالب دكتوراه في جامعة المصطفى (ص) العالميّة، فرع المفكر الإسلامي المعاصر. (الباحث المُعِدّ).


*  هوامش البحث  *

([1]) Postcolonialism ما بعد الاستعماريّة هو خطاب نقدي يتناول الآثار الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي خلفتها الاستعماريّة على الشعوب والدّول التي خضعت للاستعمار. دراسات ما بعد الاستعماريّة تشمل مجالات عدّة من الأبحاث أبرزها: الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسيّة. كما يرتكز هذا الخطاب على فكر ما بعد الحداثة الذي يربط ما بين نظريّة المعرفة وعلاقات القوّة في المجتمعات. (المترجم)

([2]) ينظر: د.محمد الدسوقي، الاستشراق والفقه الإسلامي، ص63.

([3]) ينظر: المصدر نفسه، ص61 ـ 62.

([4]) الفلسفة الوضعية (Positivism) إحدى فلسفات العلوم التي تستند إلى رأي يقول أنه في مجال العلوم الاجتماعية، كما في العلوم الطبيعية، فإن المعرفة الحقيقية هي المعرفة والبيانات المستمدة من التجربة الحسية، والعلاجات المنطقية والرياضية لمثل هذه البيانات والتي تعتمد على الظواهر الطبيعية الحسية وخصائصها والعلاقات بينهم والتي يمكن التحقق منها من خلال الأبحاث والأدلة التجريبية. (المترجم)

([5]) حميد بارسانيا، روش شناسى انتقادى حكمت صدرايى، قم، كتاب فردا،1389، ص 44.

([6]) Rationalism (المترجم)

([7]) المصدر نفسه، ص23.

([8]) Auguste Comte (1798 ـ 1857)

([9]) ستيفن هيكس (Stephen Ronald Craig Hicks) توضيح ما بعد الحداثة، ترجمة خاطره ظهرابي وفرزانه احساني، طهران، نشر بجواك، 1391هـ.ش. ص19و20.

([10]) Achilles، آخيل، أحد الأبطال الأسطوريين في الميثولوجيا الإغريقية. بحسب الكتابات الإغريقية القديمة، ولكي يصبح آخيل من الخالدين (غير الهالكين)، قامت أمه بغمره في مياه نهر سيتكس، إلا أنها وحين غمرته كانت ممسكة بكعبه من الوتر، فكان هذا المكان الوحيد في جسمه الذي لم يغمره الماء، وأصبح ذلك نقطة ضعفه، وأصبح ذكر (قدم آخيل) كنايةً لبيان نقطة الضعف. (المترجم)

([11]) وارد غولن، ما بعد الحداثة، ترجمة قادر فخر رنجبري و ابوذر كرمي، طهران، انتشارات ماهي، 1389هـ.ش. ص21.

([12]) أرنولد جوزف توينبي (Arnold Joseph Toynbee) (1889 ـ 1975)، أهم أعماله دراسة للتاريخ، وهو من أشهر المؤرخين في القرن العشرين. (المترجم)

([13]) المصدر نفسه، ص22

([14]) Sir Karl Raimund Popper (1902ـ 1994)

([15]) Imre Lakatos (1922 ـ 1974)

([16]) Paul Karl Feyerabend (1924 ـ 1994)

([17]) Jean-François Lyotard (1924 ـ 1998)

([18]) Jacques Derrida (1930 ـ 2004)

([19]) Michel Foucault (1926 ـ 1984)

([20]) Friedrich Wilhelm Nietzsche (1844 ـ 1900)

([21]) Hans-Georg Gadamer (1900 ـ 2002)

([22]) Martin Heidegger (1889 ـ 1976)

([23]) حميد بارسا نيا، مصدر سابق، ص33

([24]) وارد غولن، مصدر سابق، ص22.

([25]) لارنس كهون، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ترجمة عبدالكريم رشيديان، ط:السابعة، طهران، منشورات ني، 1388هـ.ش، ص14 ـ 16.

([26]) سيد محمد مهدي زاده، (نظريه هاى رسانه) نظريات أجهزة الاعلام، ط: الثانية، طهران، انتشارات همشهري، 1391هـ.ش. ص289.

([27]) المصدر نفسه، ص291

([28]) المصدر نفسه.

([29]) ليلى غاندي، ما بعد الاستعماريّة، ترجمة مريم عالم زاده وهمايون كاكا سلطاني، طهران، بژوهشکده مطالعات فرهنگی واجتماعی، 1388هـ.ش. ص242.

([30]) سيد محمّد مهدي زاده، مصدر سابق، ص208.

([31]) ضياء الدين سردار، كاتب صحفي وناقد ثقافي وعالم بريطاني من أصل باكستاني، متخصص في مستقبل الإسلام والعلم والعلاقات الثقافية. (المترجم)

([32]) ضياء الدين سردار وبورين فان لون، ترجمة زهراء هدايتي، طهران،1388هـ.ش. ص117.

([33]) Edward Wadie Said (1935- 2003م) مُنظّر أدبي أمريكي من أصول فلسطينية. كان أستاذاً جامعيّاً للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الاستعماريّة. كما كان مدافعاً عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه "روبرت فيسك" بأنه أكثر صوت فعّال في الدفاع عن القضيّة الفلسطينية. (المترجم)

([34]) Aijaz Ahmad مُنظّر أدبي ماركسي ومحلل سياسي هندي. عمل كأستاذٍ زميل في مركز الدراسات المعاصرة، ومتحف ومكتبة نهرو في نيودلهي، كما يعمل أستاذاً زائراً للعلوم السياسية في جامعة يورك في تورنتو. (المترجم)

([35]) Gayatri Chakravorty Spivak ويطلق عليها اختصارا غاياتري سبيفاك، ناشطة ومنظرة وناقدة أدبية أمريكية من أصول بنغالية من مواليد 1942، تشغل منصب أستاذة في جامعة كولومبيا بـ نيويورك. (المترجم)

([36]) Homi K. Bhabha

([37]) Cornel West، واحد من أهم المفكرين الأمريكيين المعاصرين الذين تخطت شهرتهم حدود بلادهم، وهو أكاديمى أمريكى أسود، وصاحب رؤية نقدية ثاقبة استخدمها فى كتبه ومقالاته وأدائه العام.

([38])  bell hooks جلوريا جينز واتكينز (من مواليد1952)، المعروفة بالاسم المستعار بيل هوكس، هي كاتبة نسوية وناشطة اجتماعية أمريكية. (المترجم)

([39]) Leela Gandhi، أستاذة العلوم الانسانية في جامعة براون الأمريكية.

([40]) ليلى غاندي، مصدر سابق، ص11

([41]) ايفن شرت، (فلسفه قاره اى علوم اجتماعى) الفلسفة القاريّة في العلوم الاجتماعية، ترجمة هادي جليلي، طهران، انتشارات ني، 1387هـ.ش. ص217.

([42]) الجنيالوجيا أو علم الأنساب، وهو المصطلح المعتمد في كتاب نيتشه الشهير (عن جنيالوجيا الأخلاق). (المترجم)

([43]) المصدر نفسه، ص218.

([44]) ماريان يورغنسن، النظرية والمنهج في تحليل الخطاب، ترجمة هادي جليلي، طهران، انتشارات ني، 1389هـ.ش. ص36.

([45]) ضياء الدين سردار، الاستشراق، ترجمة محمد علي قاسمي، طهران، پژوهشکده مطالعات فرهنگی واجتماعی, 1386هـ.ش. ص133

([46]) المصدر نفسه، ص13.

([47]) المصدر نفسه، ص2.

([48]) المصدر نفسه، ص13.

([49]) المصدر نفسه، ص85.

([50]) المصدر نفسه، ص164.

([51]) المصدر نفسه، ص166.