البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاستشراق والمرايا المُقعّرة والمحدّبة (الحقل العلميّ وأضداده)

الباحث :  محمّد البشير رازقي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  28
السنة :  خريف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 31 / 2021
عدد زيارات البحث :  102
تحميل  ( 471.682 KB )
المُلخَّص:

يتناول الباحث في هذا المقال دراسة ظاهرة الاستشراق من زاويا متعدّدة ومحاور متنوّعة عبر محاولة فهم لحظات فارقة مرّت بهذا العلم. والإشكاليّة الرئيسة لهذا المقال تبيّن علاقة ولادة مؤسّسة الاستشراق، متناولًا التحوّلات الثقافيّة والعلميّة ونشأة الباراديغمات الفكريّة في العالم، وسياسات وتقنيّات إخضاع الشرق، وأنّها بنظرهم ترتكز على ثلاثيّة التعاطف والمعُونات والأعراف العشائريّة، والسعي الدائم إلى حشر العربي/ المسلم، الشرقي عمومًا، في زاوية الجمود والانحطاط، بل وتولّي الغرب المسؤوليّة عن التاريخ، وذلك يعني أن يتمّ تصوّر الماضي وعرضه وفقًا لما حدث في مقياس أوروبا الإقليمي الضيّق الأفق، وهي في الغالب، إضافة إلى التركيز على جانب من أطروحة إدوارد سعيد حول إمكانيّة تشكيل شرق من قبل الشّرق نفسه أو على الأقلّ ولادة شرق متصالح مع نفسه.

ويشير إلى أهميّة تأسيس مشروع للاستغراب يمكن أن يُمثّل وسيلة لمواجهة «التغريب» وخاصّة احتكار إنتاج المعرفة من قبل الغرب، وهو مشروع حضاري أساسيّ لتفنيد المركزيّة الأوروبيّة، إذ إنّ «مهمّة علم الاستغراب الأساسيّة هي «إعادة التوازن للثقافة الإنسانيّة بدل هذه الكفّة الراجحة للوعي الأوروبي والكفّة المرجوحة للوعي اللاأوروبي»، وتجنّب «الظلم التاريخي» والتحيّز والعنصريّة والتحقير الذي طالما تعرّض له العالم غير الأوروبي من طرف مؤسّسة الغرب العالمة وأهمّها الاستشراق.

المحرِّر

-------------------------
مقدّمة
مثّل الاستشراق ركيزة أساسيّة في بلورة الوعي بكينونة الشرقي/ الشرق سواء في المؤسّسة الأكاديميّة الغربيّة، أو حتّى وعي الشرقي لنفسه ولوجوده. فقد ساهم الفكر الغربي في «صنع» وتشكيل شرق يصعب الفكاك من إسار صوره النمطيّة (Stereotypes) وأشكال وصمه (Stigmatisation) المتعدّدة. سوف نُحاول من خلال هذا المقال دراسة ظاهرة الاستشراق من زوايا متعدّدة ومحاور متنوّعة عبر محاولة فهم لحظات فارقة مرّت بهذا العلم. والإشكاليّة الرئيسة لهذا المقال هي تبيان علاقة ولادة هذه المؤسّسة العريقة أكاديميًّا، وهي الاستشراق، بالتحوّلات الثقافيّة والعلميّة ونشأة الباراديغمات الفكريّة في العالم.

الاستشراق ومرتكزاته
تشكّل الفكر الإمبريالي بطريقة جليّة خلال القرن 19 مع إرسال مشاريع تقاسم العالم[2]. وقد عاشت أوروبا خلال النصف الأول من القرن 19 مخاضًا فكريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا عسيرًا، انعكس جزء منه على البلاد التونسيّة خلال الجزء الثاني من القرن 19. فمن خلال الجدال حوال طبيعة فكرة «حقوق الإنسان» و «القانون المدني» وحقّ الأمم باعتباره متفرّعًا عن «حقوق الأفراد» وتشريح معنى «الاستبداد» مع تحوّل كلمة «إيديولوجيا» إلى «شعار العصر»[3]. وأبرز إيريك هوبزباوم
(Eric Hobsbawm) أنّ تاريخ القرن التاسع عشر قُدّم «باعتباره بناء الأمّة»[4]. فقد تتطلّب القوميّة «كثيرًا من الإيمان بما لم يتحقّق بعد. وكما قال رينان: إنّ الحصول على تاريخ خاطئ لشعب هو جزء من كينونة هذا الشعب»[5]. وقد برز خلال هذا القرن متغيّر القوميّة الذي ساهم في إرساء توازنات سياسيّة واجتماعيّة جديدة، حيث أصبحت الخارطة الاجتماعيّة تتكوّن أساسًا من «الملوك، الشعوب، والقوميّات»[6]. وقد ارتكزت الثورة الصناعيّة أساسًا على الاقتصاد الحرّ والقطن وثورة البخار والسكك الحديديّة، وخاصّة التوسّع الاستعماري خارج القارّة الأوروبيّة[7].

طرحت الذهنيّة الاستعماريّة الفرنسيّة، في الجزائر مثلًا، للنقاش ثلاثة حلول للتعامل مع الجزائريّين، أوّلًا دمجهم مع المشروع الاستعماري، أو ترحيلهم، أو إبادتهم[8]. ولهذا اقترح بعض السياسيّين: «اقتل كلّ الرجال ممّن بلغت أعمارهم خمسة عشر عامًا فما فوق، وخذْ كلّ النساء والأطفال وضعْهم في قوارب وأرسلهم إلى جزر ماركيساس...اقضِ على كلّ من لن يتذلّل عند قدميك كالكلاب»، ولهذا فقد «أحرق الجنود الفرنسيّون المحاصيل وأفرغوا الأهراءات وسرقوا الماشية وقطعوا الأشجار المثمرة وأشجار الزيتون وبالتالي ضمنوا خراب الاقتصاد. لكنّهم سعوا أيضًا إلى تفتيت النسيج الاجتماعي...حرمان الجزائريّين من أيّ حسّ برابطة وطنيّة...وأصبح الإرهاب أهمّ سلاح في يد الجيش في هذا الصراع: أشاعت عمليّات الخطف والإعدامات السريعة والقتل الجزافي والتعذيب والاعتداءات الجنسيّة إحساسًا بخوف فظيع...». وقد كان «المبدأ الجوهري في الحرب هو الاستخدام المفرط للقوّة الماديّة للتغلّب على الأعداء وللهيمنة النفسيّة عليهم بسبب التأثيرات الجانبيّة للعنف والصدمة والفزع»[9]. ولهذا فإنّ «الوسيلة الوحيدة لسحق مقاومة غير نظاميّة هي شنّ حرب على المدنيّين»، وقد قال أحد القادة العسكريّين عن الجزائريّين: «لا يجدر تركهم يفرّون، بل يتعيّن إفناؤهم»[10]، و»بالخوف الذي تُشيعه تُنهي الحرب بشكل أسرع...والسلام لن يحلّ إلّا بعد سحق الجزائريّين بالقوّة العسكريّة»[11].

يقول أحد العسكريّين البريطانيّين خلال القرن 19 متحدّثًا عن سياسات وتقنيّات إخضاع الشرق أنّها ترتكز على ثلاثيّة «التعاطف والمعُونات والأعراف العشائريّة»[12]. وقد أبرز لنا جوزيف مسعد أنّه «احتدمت منذ القرن التاسع عشر، وفي ظلّ الحملات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة التي شنّتها أوروبا الاستعماريّة على ما أصبح يُسمّى بالعالم العربي، معركة فكريّة وعلميّة دارت رحاها حول مفهوميْن أوروبييْن حديثيْن عرّفا الغزو الاستعماري، وهما الثقافة والحضارة...لم تكن تلك المعركة منبتّة الصلة عن المعارك السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة المحتدمة...وبموجب المكانة المركزيّة التي احتلّها الاستشراق في الحملة الاستعماريّة، فقد طالت مزاعمه تعريف هويّة الشعب الذي سيخضع للاحتلال وكنه ماضيه ومضمون ثقافته ومكانته في التراتبيّة الحضاريّة والثقافيّة والعرقيّة التي روّج لها الفكر الاستعماري»[13]. وتشابك مع كلّ هذه الرهانات وعي حادّ بأهميّة حشر العربي/ المسلم، الشرقي عمومًا، في زاوية الجمود والانحطاط، وأردف مسعد أنّ «تصوير تاريخ العرب وثقافتهم...إنّ ثنائيّتي الانحطاط/ النهضة والتقاليد/ الحداثة سوف تُحدّدان ذلك التصوير باعتبارهما الأساس الذي يقوم عليه مفهوم للتاريخ الثقافي يعكس بطبيعة الحال التفسير السياسي الأوروبي لتيّار التطوّر التاريخي في القرن التاسع عشر. وقد كان استلهام تلك المعرفة (الأبستمولوجيا) الزمانيّة وثيق الصلة بالاستعمار وقرينه الاستشراق، إذ كان الأوروبيّون هم من اكتشف انحطاط العرب»[14]. ولهذا برزت «نبرة تعتبر الرأسماليّة مهمّة حضاريّة تهدف إلى التقدّم والتمدّن بعد أن كانت استعمارًا، أو تعتبرها تطوّرًا أو تنمية، بعد أن كانت استعمارًا جديدًا، أو أخيرًا تعتبرها ديمقراطيّة بعد أن كانت تسمّى عولمة»[15]. كما لاحظت جايتاريسبيفاك أنّ «فكرة حقوق الإنسان...قد تحمل في طيّاتها أجندة لنوع من الداروينيّة الاجتماعيّة، الأصلح يجب أن يحمل على عاتقه مهمّة الأذى عمّن هو أقلّ صلاحًا، كما تحمل ذريعة تبرّر بها خطابها....تمامًا كما أنَّ فكرة عبء الرجل الأبيض، الذي يحمل على عاتقه مهمّة الحضارة والتطوّر، هي مجرّد نوع من أنواع الاضطهاد»[16].

برز الوعي لدى السلطات الاستعماريّة بأهميّة الاعتناء بالموروث الشعبي وتسجيل وحفظ المعارف المحليّة ودراستها[17]. حيث ارتبطت المعارف المحليّة برهانات تشكّل الهويّة والذاكرة والتصنيف سواء منه التحقيري أو التفضيلي[18]. وقد ارتبط بروز الاهتمام بالفنون الشعبيّة بمجموعة من الظرفيّات، منها ترسّخ مؤسّسة الدولة القوميّة ذات السيادة الباحثة دائمًا عن الشرعنة والذاكرة المؤسّسة، ومنها أيضًا طغيان مظاهر الحياة الحديثة الاستهلاكيّة المكرّسة لظاهرة الإنسان ذي البعد الواحد[19].

أشار جاك غودي (Jack Goody)  أنّ الغرب يتولّى «تفوّقًا (كان قد ظهره بوضوح في بعض المجالات منذ القرن التاسع عشر) وهو يسقط ذلك التفوّق ويمدّه إلى الوراء في الزمان، خالقًا بذلك تاريخًا غائيًّا...الغرب ينظر إلى أولئك الآخرين بوصفهم عاجزين عن تغيير أنفسهم من دون مساعدة من الخارج»[20]. وقد تشابك الفعل الاستعماري خلال القرن 19 «مع دعم المؤسّسات الدينيّة والتعليميّة والقوميّة»، مع شرعنة وإضفاء الطابع الأخلاقي على هذا الاستعمار[21]. فقد كان «الدين مهمًّا في تكوين الدولة والأمّة في بريطانيا والهند على حدّ السواء»، كما أنّ «عمليّات بناء الأمة في هذين البلدين ارتبطت من خلال الإمبراطوريّة»[22]. كما شكّل معيار العرق وسيلة مهمّة للتصنيف والتحقير وصياغة الصور النمطيّة وشرعنة الظلم، ولهذا مع «توسّع التنفيذ الاستعماري الأوروبي» وُظّفت النظريّات العرقيّة لإرسال تعريفات لـ «الأمّة والإيمان والإمبراطوريّة» أي ترسيخ «القراءة العرقيّة للإمبراطوريّة»[23]. كما تعاضدت القوميّة خلال القرن 19 مع «مسألة العرق واللغة والدين والأرض والتاريخ والثقافة وباقي الأشياء»، ولهذا قال سياسي إيطالي خلال القرن 19 «لقد صنعنا إيطاليا، والآن علينا أن نصنع الإيطاليّين»، وقال أحد السياسيّين المساهمين في حرب التحرير البولنديّة خلال القرن 19: «إنّ الدولة هي التي تصنع الشعب، وليس الشعب هو من يصنع الدولة»[24].
شهد القرن 19 تحوّلات عديدة اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة، حيث كان عصر تغيّرات بامتياز. فقد نشأت الثورة الصناعيّة متشابكة مع ترسّخ الدولة القوميّة خاصّة بعد نهاية الحروب النابليونيّة. طبيعة الدولة ذات السيادة المُدعّمة باحتياجات ثورة صناعيّة (في بريطانيا وفرنسا خاصّة) أنتج منطقًا رأسماليًّا يحتاج لترسيخ وجوده إلى مواد أوليّة ومجال حيويّ لتصدير البضائع. وضمن هذه السياقات يمكن لنا أن نفهم تأسيس المستعمرات الأوروبيّة في أجزاء واسعة من العالم، وخاصّة في القارّة الإفريقيّة[25]. وقد استند العصر الإمبريالي على القوّة العسكريّة والتقنيّة والاقتصاديّة، وخاصّة قوّة السّرد[26]. وهنا حظر المستشرق كفاعل اجتماعيّ مُنتج للمعرفة والوصم والصور النمطيّة. وقد احتاجت الدول الاستعماريّة للاستشراق من أجل معرفة الآخر المجهول، وخاصّة لشرعنة وتبرير اللحظة الاستعماريّة في سبيل «المهمّة الحضاريّة» و «عبء الرّجل الأبيض».

يحتاج الفعل الاستعماري إلى تسويغ وشرعنة، ودواعي التسويف هي «اقتصاديّة، سياسيّة، عسكريّة، أيديولوجيّة أو إنسانيّة»، أي «غزو أراض جديدة لتوطين الفائض من السكّان عندنا، إيجاد أسواق جديدة لمنتجات مصانعنا ومناجمنا والمواد الأوليّة لصناعتنا، غرس لواء الحضارة في وسط الأعراق السفلى والمتوحّشة»[27].

فشبكات الهيمنة ضمن السياسات العرقيّة الاستعماريّة ترتكز أساسًا على ثلاثيّة الثقافة، الدّين والبيولوجيا، ولضمان فعاليّة عمل هذه الثلاثيّة، يتمّ التركيز على السياسات التصنيفيّة وخاصّة التحقيريّة منها، وهي التصنيف، التفريق، الترتيب والمفاضلة. أمّا منطق تنزيل السياسات العرقيّة على الأرض، فيعتمد على ثلاثيّة نظريّة وهي العرق، البيروقراطيّة والتجارة، وهذا النظري متشابك مع ثلاثيّة تطبيقيّة وهي الأرض، السكّان والإقليم[28].

ركّز الغرب من ناحية أخرى على ثيمة الإثنومركزيّة وهي تعني تولّي الغرب «المسؤوليّة عن التاريخ، وذلك يعني أن يتمّ تصوّر الماضي وعرضه وفقًا لما حدث في مقياس أوروبا الإقليمي الضيّق الأفق، وهي في الغالب أوروبا الغربيّة، ثمّ يُفرض التصوّر بعد ذلك على بقيّة العالم»[29].

لحظة إدوارد سعيد من خلال مذكّراته «خارج المكان»
يعتبر فكر إدوارد سعيد من أهمّ المنتجات الثقافيّة والمعرفيّة في القرن العشرين[30]، أصالة هذا المنتوج المعرفي أثارت جدلًا واسعًا حول منابعه وأصوله وسياقاته الحضاريّة التي نشأ فيها. فنجد ربطًا كثيفًا بين سعيد وميشال فوكو وجمباتيستا فيكو وغرامشي وماركس[31].
يتميّز فكر إدوارد سعيد بالثّراء والتنوّع. من ناحية يمكن أن نقول إنّ الغرب صنع شرقًا يصعب الفكاك من إسار صوره النمطيّة (Stereotypes) وأشكال وصمه (Stigmatisation) المتعدّدة، وهذا ما يبرز من خلال تشاؤمه المفرط فيه أحيانًا في مذكّراته «خارج المكان. من ناحية أخرى، تُبرز لنا أعمال أخرى لسعيد إمكانيّة تشكيل شرق من قبل الشّرق نفسه أو على الأقلّ ولادة شرق متصالح مع نفسه مغاير معاد للغرب، وهذا ما نستشفّه في كتابه «القضيّة الفلسطينيّة والمجتمع الأمريكي» أو كتاب «الأنسنة والنقد الديمقراطي».
كتب إدوارد سعيد مذكّراته بعد أن عرف أنّه مصاب بسرطان الدم. وبدأ الكتابة سنة 1994 «خلال فترة نقاهة على إثر ثلاثة وجبات أولّيّة من العلاج الكيميائي لمرض سرطان الدم». وقد استغرقت الكتابة خمس سنوات[32]. وأمّا الدافع الرئيس لكتابة هذه المذكّرات فهي «حاجتي إلى أن أجسر المسافة في الزمان والمكان بين حياتي اليوم وحياتي بالأمس»[33]. يعرّف سعيد مذكّراته بأنّها «سجل لعالم مفقود أو منسي»[34]. وأشار إلى أهمّية تدوين أحداث الماضي لتخليد الحدث، ولقد «أدركت مجدّدًا مدى هشاشة وقيمة وزواليّة التاريخ والظروف التي تمضي من غير رجعة ولا تجد من يستعيدها ويدوّنها»[35]، «فوجدتني أروي قصة حياتي على خلفيّة الحرب العالميّة الثانية، وضياع فلسطين، وقيام دولة إسرائيل، وسقوط الملكيّة في مصر والسنوات الناصريّة، وانطلاق حركة المقاومة الفلسطينيّة، والحرب الأهليّة اللبنانيّة، واتفاقية أوسلو. كلّ هذه الأحداث موجودة ضمنًا في مذكّراتي، ويمكن أن تبيّن حضورها العرضي هنا وهناك»[36].

نلاحظ أنّ مذكّرات سعيد تُحيل خفية إلى علاقة الشرق بالغرب، وهي علاقة مُغالبة لا مُصالحة. فهو يتمتّع بهويّتين مختلفتين، بل متناقضتين أحيانًا مثل الشرق والغرب. فهو يتحدّث عن التوتّر الذي نشأ عنده من استعمال لغتين فـ «لم أحظ بلحظة راحة واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين عليّ، ولا نعمت مرّة بشعور من التناغم بين ماهيتي على صعيد أوّل وصيرورتي على صعيد آخر. وهكذا فالكتابة عندي فعل استذكار، وهي إلى ذلك فعل نسيان، أو هي عمليّة استبدال لغة قديمة بلغة جديدة»[37]. وثنائيّة اللغة تحيل سعيد إلى مفهوم الهويّة، ويشير إلى «ارتباك الهويّة» الذي يتخلّل الكتاب. كما عانى سعيد من اسمه المتناقض المحيل إلى ثقافتين مختلفتين، و»كنت أتجاوز إدوارد وأؤكّد على سعيد تبعًا للظروف، وأحيانًا أفعل العكس، أو كنت أعمد إلى لفظ الاسمين معًا بسرعة فائقة بحيث يختلط الأمر على السامع»[38]. طرق سعيد هنا حقلًا بحثيًّا مثيرًا للجدل، خصوصًا في الدراسات مابعدالكولونياليّة وهي علاقة اللغة بالهويّة، واللغة الهجينة. من هنا نتحصّل على شخصيّة مضطربة هويّاتيًّا للفرد الذي تعرّض للتجربة الاستعماريّة، فالشيء «الوحيد الذي لم أكن أطيقه، مع اضطراري لتحمّله، هو ردود الفعل المتشكّكة والمدمّرة التي كنت أتلقاها: إدوارد؟ سعيد ؟»[39] وإلى جانب هاجس اللغة عايش سعيد منذ الطفولة الآثار المدمّرة للحروب، ففي «عالم طفولتي، تلك الطفولة التي دمّرتها أحداث العام 1948 والثورة المصريّة والاضطرابات الأهليّة اللبنانيّة التي بدأت عام 1958»[40]. ولا يمكن أن يخفى علينا هنا علاقة الحضارة الغربيّة بالحروب والنكسات التي عايشها المجتمع العربي ومن ضمنهم إدوارد سعيد. ولهذا بعد أن يُشير إدوارد سعيد إلى أنّ تكوينه الأكاديمي المتين والثري، السياسي والجمالي والنثري والفني «قد غذّت هذه المذكّرات بروافد خفيّة»[41]، يتحدّث عن فلسطين: فما «كان شبكة من البلدان والقرى عاش فيها أبناء عائلتي الموسّعة ذات يوم...أضحت الآن مطارح إسرائيليّة تعيش فيها الأقلّيّة الفلسطينيّة تحت السيادة الفلسطينيّة»[42].

كما أنّ قلق وتوتّرات العلاقة بين الغرب والشرق يبرز لنا بوضوح في شخصيّة سعيد نفسه، إذ يُركّز على الجانب الكوزموبوليتاني من شخصيّته، فقد «امتلكني هذا الشعور المقلق بتعدّد الهويات ومعظمها متضارب طول حياتي»[43]. وهذا الجانب الكوزموبوليتاني في شخصيّة سعيد يبرز أيضًا من خلال تعدّد المدن التي سكنها والمدارس والجامعات التي تلقّى تكوينه فيها، من فلسطين إلى القاهرة إلى أمريكا، وخاصّة نيويورك الرمز العالمي للكوزموبوليتانيّة. كما عانى سعيد منذ صغره من رغبة الغرب والغربي في الهيمنة وتشكيل الشرق حسب إرادته باعتبار ذلك «عبء الرجل الأبيض». فقد عايش سعيد عدّة صعوبات منذ المرحلة الابتدائيّة مع معلّميه الذكور الإنجليز، فالمدرسة «زوّدتني بأوّل اتّصال مديد مع السلطة الكولونياليّة من خلال الإنكليزيّة القحّة لأساتذتها»[44]. فقد تعرّض في أحد الأيام إلى «فلقة» من أحد الأساتذة الإنجليز، أيضًا عايش «مواجهة كولونياليّة أشد حدّة وسفورًا»، إذ زار سعيد وهو تلميذ «نادي الجزيرة» بالقاهرة فاعترضه رجل إنكليزي لكي يمنعه من التواجد في ذلك المكان وقال له «غادر المكان...ممنوع على العرب ارتياد هذا المكان...أدركت مباشرة آنذاك أنّ معنى النعت (أي العربي) مفقد للأهليّة حقًّا»[45]. من هنا نجد لدى سعيد في بقيّة حياته الأكاديميّة احتراز من كلّ سلطة أبويّة. فطفولة سعيد تفرّقت بين عالم «القاهرة الكولونياليّة» و «مواقف بريطانيّة كولونياليّة تمثّل الأسياد وسواد البشريّة التي يحكمها هؤلاء الأسياد»[46]. ولهذا فقد «طغى على كتاباتي كمّ من الانزياحات والتغايرات والضياع والتشوّه...فالذي عشته صبيًّا في البيت مع شقيقاتي وأهلي مثلًا اختلف كليًّا عمّا قرأته وتعلّمته في المدرسة. تلك الانزلاقات والانزياحات هي قوام هذا الكتاب، وهي السبب الذي يحدوني إلى القول أنّ هويتي ذاتها تتكوّن من تيّارات وحركات لا من عناصر ثابتة جامدة»[47].

الشرق والإنتاج الذاتي للاستشراق
اهتمّ الغرب بداية من القرن 19 بتدوين ودراسة الموروث العربي/ الإسلامي بالجمع والتحقيق والنشر. وصدرت، كنموذج على ذلك، صحيفة جديدة بباريس تُعرّف بنفسها بكونها تهتمّ بـ «الأحوال السياسيّة ببرّ الشرق: شأن هذه القزيطة المدافعة عن الحقوق الأكيدة التي للأمم الصغيرة القويّة والموجودة في حالة الحياة التي تنبت مستندة على الأصول القانونيّة في وسط دول المشرق القديمة المحرومة التي حالتها السكون، وشأنها ردّ دعاوى الدول العثمانيّة على الأمم المذكورة، فنتكلّم على تونس وبرّ القريق (اليونان) والصرب وبرّ مصر، ونقف في مصالحهم ونتكلّم بالخصوص على تونس ونجعلها مثالًا عجيبًا، فإنّها أظهرت بديهة آثار التقصير بنوع غريب وفريد، ونبذل غاية جهدنا لنُحسّن أخبار أوروبا عليها ونُعلمها بأحوالها حتّى أنّها تتعرّف بوجوب مكافأة سعي ملكها العظيم بواسطة إشهاد استقلالها السياسي الذي جاهدت في الحصول عليه، هذا وإنّ الأنفار الذين يكتبون في القزيطة المذكورة مأخوذون من دار العلم ومن السناتو (مجلس النوّاب) ومن أصحاب القوازط (الصحف) الباريسيّة وساير الرجال الذين لهم شهرة ومعرفة بأحوال برّ الشرق سواء كان من جهة معرفة اللغة أو التاريخ يكون لهم تعلّق بالقزيطة (الصحف) المذكورة»[48].
أبرزت لنا الرحّالة والأنثروبولوجيّة وينيفريد بلاكمان حين زيارتها لمصر بداية القرن العشرين الاستمراريّة والثبات الذي تميّزت به العادات والموروثات في صعيد مصر، سواء على مستوى طقوس العبور (الولادة، الزواج، الختان...)، أو الصنائع والمهارات والمعارف الفلّاحية والغذائيّة[49].

لعبت إذاً الصور النمطيّة (Stereotypes) التي أُنتجت حول الشرق دور «التواريخ المعلّبة، المكبسلة»[50]. وتعتبر الصور النمطيّة (Stéréotype) من أهمّ تجلّيات جدليّة الداخلي والخارجي من جهة، ومن جهة أخرى تعتبر هذه الصور منتجًا مهمًّا للسرديّات والكتابات التي يمكن أن تكون رصيدًا غنيًّا للباحث لتكوين مدوّنته المصدريّة. تنضوي هذه الممارسة ضمن إطار سيميولوجي كامل كما أكّد على ذلك هنري بوير (Henri BOYER)، هذا إلى جانب “ترسيخ الشعار” (embléme) و”الأسطورة”. إذاً الصور النمطيّة والشعار أو الوصمة والأسطورة ترتكز على آليّة التصنيفcatégorisation) ) والترميز (symbolisation)[51].
تتنوّع الصور النمطيّة من صور نمطيّة اجتماعيّة ووطنيّة وإثنيّة وطبقيّة، هذا دون إغفال الأبعاد الالتفافيّة والإثنومركزيّة والإقصائيّة، أيضًا معاداة الساميّة (antisémitisme) وكراهية الأجانب (xénophobie) والإسلاموفوبيا كظواهر حديثة لظاهرة الصور النمطيّة. هذه السرديّات تساهم في بناء ذهنيّة جماعيّة تستبطن مجموعة من التمثّلات تجاه الآخر[52].وتعترض الباحث في تعامله مع السرديّات التي تنتج الصور النمطيّة مثل سرديّات الرحّالة أو أنثروبولوجيّي القرن التاسع عشر مجموعة من المصاعب، منها زخم الرهانات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تتخلّل هذه الكتابات، والعدد الكبير من الأحكام القيميّة والتصنيفات التحقيريّة أو التفضيليّة التي تخترقها. أيضًا يمكن للباحث في حدّ ذاته أن يستبطن هذه الأحكام المسبّقة والممارسات التصنيفيّة، سواء من خلال سيرورته التعليميّة من ناحية تكوينه الأكاديمي، أو اكتفائه بالوثائق المتاحة إليه وعجزه أو عدم رغبته في الاطّلاع على وثائق متنوّعة المصدر.

تبرز لنا على مستوى العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، ومن ضمنها علم التاريخ، سرديّات الرحّالة باعتبارها من أهمّ مولّدات الصور النمطيّة، كما أكّد على ذلك جيل برتران (Gilles Bertrand) في مقاله عن «خطاب الرحّالة: بعض عناصر لمنهج مقارن للصور النمطيّة لشعوب أوروبا عصر التنوير»، حيث يتقابل التراكم التاريخي بالسياق السياسي وتوازنات القوى والتطوّر الاقتصادي والتقني بإرادة اكتشاف الآخر. هنا السياقات والرهانات ساهمت في إنتاج سرديّات وكتابات وفّرت للباحث إمكانيّة تكوين مدوّنة مصدريّة مهمّة[53].

إذاً في ظلّ حضور رهانات السرديّات المنتجة المكوّنة للصور النمطيّة (مثل الرحّالة) على الباحث الذي يريد بناء مدوّنته المصدريّة ألا يكتفي بمصدر واحد، بل عليه بناء مدوّنة صارمة، أي تتكوّن من كلّ شيء ممكن، أيضًا عليه اتّباع تقنية المكافحة بين المعلومات والمصادر، وعلى الباحث أن يُمَوْضِعَ معلوماته التي جمعها في سياقاتها المختلفة التي أنتجت فيها والمناخات الثقافيّة التي ولدت فيها. وعلى الباحث عند بنائه لمدوّنته أن يمارس مبدأ تداخل الاختصاصات كآليّة من آليّات التفهّم، إلى جانب تقنيّات بحثيّة أخرى كالتحليل والوصف والمقارنة.
برز من ناحية أخرى توجّه علميّ وحقل بحثيّ ذو هواجس بالاستشراق، ألا وهو الاستغراب. فالاستغراب هو الاستشراق معكوسًا. من المهمّ إبستيمولوجيًّا أن يتمّ إنشاء وتأسيس علم للاستغراب يحاول أن يُعدّل الكفّة مع مؤسّسة الاستشراق، وهذا الأمر كان محور تفكير الأستاذ حسن حنفي في كتابه «مقدّمة في علم الاستغراب»، وهو الأمر نفسه مع مجلّة «الاستغراب» وهي فصليّة من إصدار المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة.

يُبيّن حسن حنفي أنّ أهميّة تأسيس مشروع للاستغراب تكمن في كونه يمكن أن يُمثّل وسيلة لمواجهة «التغريب» وخاصّة احتكار إنتاج المعرفة من قبل الغرب، وهو مشروع حضاري أساسيّ لتفنيد المركزيّة الأوروبيّة، إذ إنّ «مهمّة علم الاستغراب هو القضاء على المركزيّة الأوروبيّة (Eurocentricity)[54]. ولهذا فإنّ مهمّة الاستغراب الأساسيّة هي «إعادة التوازن للثقافة الإنسانيّة بدل هذه الكفّة الراجحة للوعي الأوروبي والكفّة المرجوحة للوعي اللاأوروبي»، وتجنّب «الظلم التاريخي» والتحيّز والعنصريّة والتحقير الذي طالما تعرّض له العالم غير الأوروبي من طرف مؤسّسة الغرب العالمة وأهمّها الاستشراق[55].

الأكاديميّة الغربيّة وانتقاد الاستشراق
يُبيّن لنا وائل حلّاق من ناحية أخرى، في كتاب حديث له، أنّ مؤسّسة الاستشراق هي مؤسّسة صلبة ومتينة، ولكنّها تُعاني من معضلة وجوديّة وهي تهميش المعطى الأخلاقي. فالاستشراق بحكم كونه مُنتجًا حداثيًّا بامتياز، فقد متح أساسًا من مؤسّسة الحداثة بداية من القرن 16 بما هي مؤسّسة دولة حديثة قوميّة وذات سيادة من ناحية، ومن ناحية أخرى ذات أبعاد رأسماليّة توسعيّة. تشابك الاستشراق إذًا منذ البداية مع وعي الحداثة بإجباريّة توسّعها اقتصاديًّا على حساب «المستعمرات» للمحافظة على الدفق الاقتصادي/ الإنتاجي/ الرأسمالي، وبالتالي تكريس أركان الدولة القوميّة في أوروبا على حساب بقيّة العالم «غير المتحضّر» يمكن إخضاعه لـ «اللحظة الإباديّة» حيث يُعدّ «التحجّر» و «الجمود» و «الثبات» و «التقوقع» من «الأمور الكثيرة التي يلوم الغربيّون الحضارات الشرقيّة عليها»[56].

من هنا نصل إلى إشكاليّة إمكانيّة استمرار الاستشراق كمؤسّسة علميّة منتجة. يُقدّم وائل حلاّق الترياق، ولكن يطرح هذا الحلّ في إطار إشكاليّ وتشكيكيّ. فلا يمكن للاستشراق أن يستمرّ ويتشابك حضاريًّا ووجوديًّا مع العالم العربي والإسلامي بدون تركيز مُعطى «الأخلاق» كمبدأ أساسيّ ووجوديّ. تشكيك وائل حلاق في إمكانيّة المساهمة الأخلاقيّة لمؤسّسة الاستشراق نابع من طبيعة الحداثة نفسها، فقد كانت الحداثة تاريخيًّا وتأسيسيًّا نافية للأخلاق والإنسان حيث سلّعت وشيّأت الوجود، إذ لا يمكن للاستشراق أن يستمرّ «بواسطة التراث الليبرالي أو بصورة حصريّة داخل التشكّلات الخطابيّة للنطاقات المركزيّة، فزرع «المعرفة في إطار أخلاقي» يعني «الالتزام الأخلاقي تجاه النفس والآخر»، وهذا ما يفتقده أساسًا الغرب ومؤسّساته ومن ضمنها الاستشراق[57]، إذ إنّ «دراسة التاريخ والاستشراق والفلسفة والعلم وأيّ مجال آخر من مجالات البحث الفكري هي في جوهرها تدريب في التكوين الذاتي الأخلاقي، أي تقنيّة لجعل الذات أخلاقيّة. هذه هي الغاية الوحيدة التي يمكن تبريرها على أسس أخلاقيّة»[58].

وقد أكمل وائل حلّاق تفكيكه لمنظومة الحداثة والاستشراق من زاوية نظر الأخلاق في آخر كتبه. فالحداثة تُعاني عطبًا مُزمنًا، وهو نفيها للأخلاق من تمثّلات الفاعلين الاجتماعيّين وممارساتهم، وما يستتبع ذلك من نفي للغيبيّات والمثل والمرجعيّات. وهذه هي نقطة الضعف الأساسيّة التي تعترض إمكانيّة استمرار مؤسّسة الاستشراق. فالحداثة «العلمانيّة بحكم تعريفها مناهضة للتعدديّة»، كما أنّ «إفلاس الحداثة الحالي يُسبّبه تحديدًا قطع الرابطة النموذجيّة بين الإنسان والقوّة الأعلى التي أعطته مبرّر وجوده»[59]. إذًا فأمام الاستشراق عائقان مُعجزان: فهو ابن مؤسّسة نافية للأخلاق، ونافية للغيبيّات، خاصّة وأنّ وجودنا اليوم «يتطلّب مفهوم التواصل والاستمراريّة في العلم، إذًا، حمل عبء المسؤوليّة الأخلاقية المرتبطة باستخلاف الإنسان على الأرض واستئمانه عليها»[60].
يتميّز الزمن الاستشراقي بالقدرة على البقاء بسبب ارتكازه على مؤسّسات أكاديميّة وسياسات دول متنفّذة وقويّة. يُبرز لنا الأستاذ حسام محيي الدّين الآلوسي أساليب وتقنيّات «تبدّل الاستشراق»، فهو أكاديمي تارة، وذو رهانات سياسيّة تارة أخرى، بل غطّى الاستشراق مُجمل ميادين البحث العلمي، وقد أصبحنا نجد من أهل «الشّرق يُصنّف كمُستشرق أي ما يُسمّى الاستشراق المعكوس»[61].

بيّن هندريك سبروت (Hendrik Spruyt) علاقة التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة بـ «تأثير المتغيّر الخارجي...ألا وهو التجارة»، و «تأسيس التحالفات السياسيّة»، وأيضًا «التحالفات والمساومات المختلفة»، و «يُعدّ التفاعل بين المجالات الداخليّة والخارجيّة عمليّة ذات مرحلتين. أوّلًا تؤدّي التغيّرات في الوسط الخارجي إلى تحوّلات محليّة في النفوذ النسبي للفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، ومن ثمّ يُعيد أولئك الفاعلون الاصطفاف من أجل تشكيل أنواع مؤسّسيّة جديدة»[62].

يمكن لنا منهجيًّا فهم كلّ أشكال الإصلاح والأفكار الحديثة المنبثقة في العالم العربي قُبيل الاستعمار أو بُعيده «خارج العلاقة الكولونياليّة، لأنّها صنيعة هذه العلاقة، وهي شكل ثقافي جديد تمامًا، وليس مجرّد ردّ فعل بسيط انبثق عن نفسه دون أن يكون قد احتكّ بالدّخيل»[63]. ولهذا فإنّ «تاريخ المجتمعات في بلاد المغارب بصيغة الجمع، وتاريخ الحياة والبقاء على قيدها يوميًّا تحت السيطرة الكولونياليّة، سوف يظلّ غير مرئيًّا طالما تقبّلنا مضامين السّرد الإصلاحي، والذي بالنسبة إليه بالضّبط، يعتبر مثل هذا التاريخ الاجتماعي غير موجود، ونعني بذلك تاريخ الفقراء والمزارعين والعمّال والأميّين والنساء»، ولهذا نلاحظ انشقاقًا بين «الدولة ورموزها المشفّرة وأركان مشروعيّتها...من جهة، والثقافات من جهة أخرى كما يعيشها عامّة النّاس، والتي يقع النظر إليها (أي ثقافة عامّة الناس) من ذلك الأوان فصاعدًا بأنّها غير قادرة على الاضطلاع بالمسؤوليّة الكاملة التي يقتضيها التطلّع إلى مستقبلهم. ليس الغرض هنا وباختصار هو القيام بمحاكمة في حقّ الإصلاحيّين، ولكنّ الغاية المنشودة هو محاولة فهم لعبة القوّة الرمزيّة التي كانوا قد حُشروا فيها سواء أحبّوا ذلك أم كرهوه...إنّ ما أبديناه من الملاحظات قد كان يطمح إلى تحرير الاستوغرافيّة الخاصّة بغائيّة الوطنيّات والتصنيفات العقيمة من قبل: التقليد/ الحداثة، باعتبارها تصوّرات شموليّة وخطيّة في التاريخ. ولذا يمكننا أن نتصوّر هذه التواريخ اليوميّة للحياة والبقاء على قيد الحياة التي تستحقّ أن يُستمع إليها أكثر من أي التواريخ الأخرى»[64].

الخاتمة
تبيّن لنا من خلال هذا المقال تعدّد أوجه الاستشراق، سواء باعتباره حقلًا أكاديميًّا، أو باعتباره تمثّلات وممارسات انتقل بعضها من الأكاديمي للاجتماعي، وساهمت في إنتاج صور نمطيّة راسخة ومؤثّرة إلى اليوم. كيف نُفسّر ظاهرة الإسلاموفوبيا والرّهاب من العرب والإسلام ووصمهم بالإرهاب والتعصّب بدون فهم السيرورة التاريخيّة لعلم الاستشراق؟ أي فهم جينيالوجيّات تشكّله.

اعتمدنا في عملنا هذا منهج تداخل الاختصاصات (Interdisciplinarity)وتداخل المناهج عبر دراسة لحظات مهمّة ميّزت نشأة وترسّخ وتمدّد علم الاستشراق. فقد اعتمد الاستشراق أساسًا على تفوّق أوروبي عالمي سمح له بشرعنة إنتاجه لمعارفه وأحكامه. كما اعتمد الاستشراق على ترسانة من الأفكار، أهمّها الفكر القومي والسياسات الدينيّة والاستعمار والعادات والتقاليد.
درسنا ثانيًا لحظة إدوارد سعيد، وهي لحظة أساسيّة في علم الاستشراق منذ سنة 1978 تاريخ نشر كتاب الاستشراق. فقد بيّن سعيد حسًّا مرهفًا تجاه الغرب وممارساته الأكاديميّة المتحيّزة. وقد تعمّدنا دراسة مذكّراته «خارج المكان» لنتبيّن علاقة نشأة الكاتب بتبلور فكره العالمي ذي الخصوصيّة الرافضة للظلم وللتحيّز.

أخضعنا ثالثًا للبحث إشكاليّة علاقة الشرق بالإنتاج الذاتي للصور النمطيّة والأحكام الاستشراقيّة. فقد تبنّى أوّلًا عدد من العرب والمسلمين الأحكام القيميّة المتحيّزة ضدّ الشرق، بل دعّموها وأكّدوا صحّتها وتبنّوا مُجمل الممارسات التي هي أصلًا مُتخيّلة. ولهذا نشأ علم الاستغراب كمقاومة للاستشراق، وسعيًا لدراسة الغرب كممارسة نضاليّة تجاه كلّ تحيّز معرفي تجاه الشرق. ولهذا خصّصنا الفصل الرابع من العمل لدراسة الوعي الذاتي الناشئ صُلب الأكاديميّة الغربيّة نفسها تجاه الأخطاء المعرفيّة والعلميّة المرتكبة من طرف الاستشراق والمستشرقين. وقد أنتجت هذه المدرسة فكرًا نقديًّا مهمًّا ساهم في تجاوز صور نمطيّة عديدة، أهمّها الكتاب الأخير لوائل حلاّق المعنون «قصور الاستشراق».

نقول أخيرًا إنّه لا يمكن لنا تفهّم الاستشراق كحقل علميّ أو ممارسات وتمثّلات اجتماعيّة مُتخيّلة بدون السعي إلى وضعه في سياقه العالمي والفكري والتحوّلات المعرفيّة، وخاصّة تنويع زوايا النظر والتحليل، ولهذا تبرز لنا أهميّة النظر في المرايا بأنواعها سواء مسطّحة أو مقعّرة أو محدّبة.


لائحة المصادر والمراجع
1- عبد العزيز حمّودة، المرايا المحدّبة: من البنيويّة إلى التفكيك، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد 232، أفريل 1998.
2- ريني غاليسو، «استعمار/ استعماريّة»، ضمن: معجم الماركسيّة النقدي، تحرير: جيرار بن سوسان/ جورج لابيكا، ترجمة: الأمين اليوسفي، دار الفارابي/ دار محمّد علي الحامي، صفاقس/ بيروت، 2003.
3- جون جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي: من الدولة القوميّة إلى الدولة الأمميّة، ترجمة: محمد عرب صاصيلا، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، 2002.
4- إي جي هوبزبوم، الشعوب والقوميّات منذ عام 1780: المنهج والخرافة والحقيقة، ترجمة: مصطفى حجاج، دار الكتب الوطنيّة، أبو ظبي، 2013.
5- بنيامين كلود بروور، صحراء اسمها السّلام: تاريخ الشرق الأوسط المعاصر ومجتمعه. عنف الإمبراطوريّة الفرنسيّة في الصحراء الجزائريّة (1844- 1902)، ترجمة: أمين الأيّوبي، ابن النّديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافيّة ناشرون،الجزائر/ بيروت، 2020.
6- جوزيف مسعد، آثار استعماريّة: تشكيل الهويّة الوطنيّة في الأردن، ترجمة: شكري مُجاهد، مدارات للأبحاث والنشر، مصر، 2019.
7- فتحيّة بلحاج، «الشعر الغنائي الشعبي من خلال بعض دراسات المستشرقين الفرنسيين أثناء الفترة الاستعماريّة بالبلاد التونسيّة»، روافد، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر: جامعة منوبة، العدد 25، 2020.
8- علياء شكري، «أخلاقيّات البحث العلمي في مجال التراث الشعبي: قضيّة وطنيّة»، مجلّة الحداثة، عدد 15- 18: في الفنون الحرفيّة والفلكلور والتراث الشعبي، ربيع- صيف 1996.
9- رشدي صالح، «تاريخ الفنون الشعبية»، مجلّة الحداثة، عدد 27- 28: في اللغة والعادات والأمثال، خريف 1997.
10- جاك غودي، سرقة التاريخ، ترجمة: محمّد محمود التوبة، العبيكان للنشر، الرّياض، 2010.
11- بيتر فان ديرفير، «الدولة الأخلاقيّة: الدين والأمّة والإمبراطوريّة في بريطانيا الفكتوريّة والهند البريطانيّة»، ضمن: الأمّة والدين: وجهات نظر حول أوروبا وآسيا، تحرير: بيتر فان درفير/ هارتموت ليمان، ترجمة: محمود حدّاد/ سعود المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018
12- سوزان بايلي، «العرق في بريطانيا والهند»، ضمن: الأمّة والدين: وجهات نظر حول أوروبا وآسيا، تحرير: بيتر فان درفير/ هارتموت ليمان، ترجمة: محمود حدّاد/ سعود المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018.
13- أميّة كومارباغشي، التخلّف واقتصاده السياسي، ترجمة: عبد الكريم محفوظ، منشورات وزارة الثقافة، سورية، 1988. إريك هوبزباوم، عصر الإمبراطوريّة (1875- 1914)، ترجمة: فايز الصيّاغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011.
14- إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة. السلطة. الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، الطبعة السابعة، 2005.
15- أشيل مبيمبي، نقد العقل الزنجي، ترجمة: طواهري ميلود، ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية ناشرون، بيروت/ الجزائر، 2018.
16- شيلي واليا، إدوارد سعيد وكتابة التاريخ، ترجمة: أحمد خريس وناصر أبو الهيجاء، أزمنة للنشر والتوزيع، 2007.
17- إدوارد سعيد، خارج المكان (مذكّرات)، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، 2000.
18- وينيفريد بلاكمان، الناس في صعيد مصر: العادات والتقاليد، ترجمة: أحمد محمود، دار الشروق، مصر، 2010.
19- إدوارد سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، ترجمة: كمال أبو ديب، (دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 2004).
20- حسن حنفي، مقدّمة في علم الاستغراب، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1992.
21- وائل حلاق، قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة: عمرو عثمان، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت، 2019.
22- وائل حلاق، إصلاح الحداثة: الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمان، ترجمة: عمرو عثمان، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت، 2020.
23- حسان محيي الدّين الآلوسي، «ملاحظات حول الاستشراق ودارسيه»، ضمن: إشكاليّة العلاقة الثقافيّة مع الغرب: بحوث ومناقشات الندوة الفكريّة التي نظّمها المجمع العلمي العراقي، مركز 24- دراسات الوحدة العربيّة/ المجمع العلمي العراقي، بيروت، 1997، صادق جلال العظم، الاستشراق والاستشراق معكوسًا: المفكّر العربي، دار الحداثة، بيروت، 1981.
25- هندريك سبروت، الدولة ذات السيادة ومنافسوها: تحليل لتغيّر الأنظمة، ترجمة: خالد بن مهدي، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2018.
26- جيمس ماكدوكال، «الدولة والمجتمع والثقافة عند مفكّري الإصلاح المغاربيين (الجزائر وتونس: 1890- 1940) أو الإصلاح باعتباره تعلّمًا للتخلّف»، ضمن: الحركات الإصلاحيّة وإصلاح نظم الدّولة في بلدان المغارب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إِشراف: أوديل مورو، ترجمة: خالد بن الصغيّر، دار أبي رقراق، 2014.



لائحة المصادر بالأجنبيّة
Dominique combe,  «Théoriepostcoloniale, philologie et humanisme. Situation d’EdwardSaïd», in, Littérature,  N 154, 2009-2, in, www.cairn.info/revue-litterature-2009-2-.htm؛Nadia Marzouki, «Théorie et engagement chez Edward Saïd», Mouvements, 2004/ 3 (no33-34),  in,  www.cairn.info/revue-mouvements-2004-3-.htm
Henri BOYER, «Stéréotype, emblème, mythe. Sémiotisationmédiatique et figementreprésentationnel»,  Mots. Les langages du politique [En ligne], 88 | 2008, mis en ligne le 01 novembre 2010, consulté le 06 juillet 2017. URL : http://mots.revues.org/14433.
Jan Berting, «IDENTITةS COLLECTIVES ET IMAGES DE L’AUTRE: LES PIبGES DE LA PENSةE COLLECTIVISTE», in, HERMبS, 30, 2001, in, http://documents.irevues.inist.fr/bitstream/handle/2042/14516/HERMES_2001_30_41.pdf;jsessionid=DAF24F4BE295C297AA6AB0D99CC00144?sequence=1
Gilles Bertrand,  «Le discours des voyageurs. Quelqueséléments pour uneapproche comparative des stéréotypessur les peuplesdansl’Europe des Lumières», in, Le stéréotype: Outils de régulationssociales, Presses universitaires de Rennes, 2004.
Jean Carpentier/ François Lebrun (Sous la direction),  Histoire de l’Europe, Edition du Seuil: Collection Point/ Histoire, Paris, 1990.

-----------------------------
[1]*- استوحينا بعضًا من هذا العنوان من كتابي الأستاذ عبد العزيز حمّودة الناقد البارز لفكر ما بعد الحداثة. المرايا المحدّبة «تقوم بتكبير كلّ ما يوجد أمامها وتزييفه حسب زاوية انعكاسه فوق سطح المرآة»، أمّا المرايا المقعّرة فهي «تقوم بتصغير الأشياء بشكل مُخلّ يُشوّه حقيقتها». انظر: عبد العزيز حمّودة، المرايا المحدّبة: من البنيويّة إلى التفكيك، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد 232، أفريل 1998، ص6.
**-  زمالة ما بعد الدكتوراه: مدرسة الدكتوراه بكليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس (بداية من نوفمبر 2020)/ متحصّل على الدكتوراه،اختصاص تاريخ وآثار وتراث: كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس. (فيفري 2020) ماجستير في علوم التراث .
[2]- ريني غاليسو، «استعمار/ استعماريّة»، ضمن: معجم الماركسيّة النقدي، تحرير: جيرار بن سوسان/ جورج لابيكا، ترجمة: الأمين اليوسفي، دار الفارابي/ دار محمّد علي الحامي، صفاقس/ بيروت، 2003، صص60- 65.
[3]- جون جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي: من الدولة القوميّة إلى الدولة الأمميّة، ترجمة: محمّد عرب صاصيلا، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، 2002، ص5- 40.
[4]- إي جي هوبزبوم، الشعوب والقوميّات منذ عام 1780: المنهج والخرافة والحقيقة، ترجمة: مصطفى حجاج، دار الكتب الوطنيّة، أبو ظبي، 2013، ص7.
[5]- نفس المرجع، ص16.
[6]- Jean Carpentier/François Lebrun (Sous la direction), Histoire de l’Europe, Edition du Seuil : Collection Point/Histoire, Paris, 1990, pp.313- 325.
[7]- Ibid, p.328- 330.
[8]- بنيامين كلود بروور، صحراء اسمها السّلام: تاريخ الشرق الأوسط المعاصر ومجتمعه. عنف الإمبراطورية الفرنسيّة في الصحراء الجزائريّة (1844- 1902)، ترجمة: أمين الأيّوبي، ابن النّديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافيّة ناشرون، الجزائر/ بيروت، 2020، ص56.
[9]- بنيامين كلود بروور، صحراء اسمها السّلام: تاريخ الشرق الأوسط المعاصر ومجتمعه. عنف الإمبراطورية الفرنسيّة في الصحراء الجزائريّة (1844- 1902)، ترجمة: أمين الأيّوبي، ابن النّديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافيّة ناشرون، الجزائر/ بيروت، 2020،  ص57- 59.
[10]- نفس المرجع، ص75.
[11]- نفس المرجع، ص76.
[12]- جوزيف مسعد، آثار استعماريّة: تشكيل الهويّة الوطنيّة في الأردن، ترجمة: شكري مُجاهد، مدارات للأبحاث والنشر، مصر، 2019، ص191.
[13]- جوزيف مسعد، آثار استعماريّة: تشكيل الهويّة الوطنيّة في الأردن، ترجمة: شكري مُجاهد، مدارات للأبحاث والنشر، مصر، 2019، ص19- 20.
[14]- نفس المرجع، ص22.
[15]- نفس المرجع، ص55.
[16]- نفس المرجع، ص68.
[17]-  فتحيّة بلحاج، «الشعر الغنائي الشعبي من خلال بعض دراسات المستشرقين الفرنسيين أثناء الفترة الاستعماريّة بالبلاد التونسيّة»، روافد، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر: جامعة منوبة، العدد 25، 2020، صص129- 152.
[18]- علياء شكري، «أخلاقيّات البحث العلمي في مجال التراث الشعبي: قضيّة وطنيّة»، مجلّة الحداثة، عدد 15- 18: في الفنون الحرفيّة والفلكلور والتراث الشعبي، ربيع- صيف 1996، صص249- 255.
[19]- رشدي صالح، «تاريخ الفنون الشعبيّة»، مجلّة الحداثة، عدد 27- 28: في اللغة والعادات والأمثال، خريف 1997، صص220- 247.
[20]- جاك غودي، سرقة التاريخ، ترجمة: محمّد محمود التوبة، العبيكان للنشر، الرّياض، 2010، ص432.
[21]- بيتر فان ديرفير، «الدولة الأخلاقيّة: الدين والأمّة والإمبراطوريّة في بريطانيا الفكتوريّة والهند البريطانيّة»، ضمن: الأمّة والدين: وجهات نظر حول أوروبا وآسيا، تحرير: بيتر فان درفير/ هارتموت ليمان، ترجمة: محمود حدّاد/ سعود المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018، صص.25-65، ص46.
[22]- نفس المرجع ص63.
[23]- سوزان بايلي، «العرق في بريطانيا والهند»، ضمن: الأمّة والدين: وجهات نظر حول أوروبا وآسيا، تحرير: بيتر فان درفير/ هارتموت ليمان، ترجمة: محمود حدّاد/ سعود المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018، صص.107- 142، ص114- 116.
[24]- إي جي هوبزبوم، الشعوب والقوميّات منذ عام 1780: المنهج والخرافة والحقيقة، مرجع مذكور، ص45- 46.
[25]- للتوسّع في هذه النقطة انظر: أميّة كومارباغشي، التخلّف واقتصاده السياسي، ترجمة: عبد الكريم محفوظ، منشورات وزارة الثقافة، سورية، 1988، ص61- 162. إريك هوبزباوم، عصر الإمبراطوريّة (1875- 1914)، ترجمة: فايز الصيّاغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011، ص121-172.
[26]- إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة. السلطة. الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، الطبعة السابعة، 2005.
[27]- أشيل مبيمبي، نقد العقل الزنجي، ترجمة: طواهري ميلود، ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافيّة ناشرون، بيروت/ الجزائر، 2018، ص97.
[28]- شيل مبيمبي، نقد العقل الزنجي، ترجمة: طواهري ميلود، ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافيّة ناشرون، بيروت/ الجزائر، 2018،  ص28- 98.
[29]- جاك غودي، سرقة التاريخ، مرجع مذكور، ص15.
[30]- Dominique combe,«Théorie postcoloniale, philologie et humanisme. Situation d’Edward Saïd», in, Littérature, N 154, 2009-2, pp. 118- 134, in, www.cairn.info/revue-litterature-2009-2-page-118.htm؛Nadia Marzouki, «Théorie et engagement chez Edward Saïd», Mouvements, 2004/3 (no33-34), in, www.cairn.info/revue-mouvements-2004-3-page-162.htm
[31]- شيلي واليا، إدوارد سعيد وكتابة التاريخ، ترجمة: أحمد خريس وناصر أبو الهيجاء، أزمنة للنشر والتوزيع، 2007.
[32]- إدوارد سعيد، خارج المكان (مذكّرات)، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، 2000، ص17.
[33]- نفس المرجع، ص22.
[34]- نفس المرجع، ص19.
[35]- نفس المرجع، ص21.
[36]- نفس المرجع، ص21.
[37]- نفس المرجع، ص8.
[38]- إدوارد سعيد، خارج المكان (مذكّرات)، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، 2000، ص25.
[39]- نفس المرجع، ص26.
[40]- نفس المرجع، ص9.
[41]- نفس المرجع، ص19.
[42]- نفس المرجع، ص20.
[43]- نفس المرجع، ص27.
[44]- إدوارد سعيد، خارج المكان (مذكّرات)، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، 2000، ص70.
[45]- نفس المرجع، ص72.
[46]- نفس المرجع، ص43.
[47]- نفس المرجع، ص8-9.
[48]- السلسلة التاريخيّة. الصندوق عدد 71. الملف عدد 847 مكرّر. و63.
[49]- وينيفريد بلاكمان، الناس في صعيد مصر: العادات والتقاليد، ترجمة: أحمد محمود، دار الشروق، مصر، 2010.
[50]- إدوارد سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، ترجمة: كمال أبو ديب، (دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 2004)، 380.
[51]- Henri BOYER, «Stéréotype, emblème, mythe. Sémiotisation médiatique et figement représentationnel», Mots. Les langages du politique [En ligne], 88 | 2008, mis en ligne le 01 novembre 2010, consulté le 06 juillet 2017. URL : http://mots.revues.org/14433.
[52]-  Jan Berting, «IDENTITةS COLLECTIVES ET IMAGES DE L’AUTRE : LES PIبGES DE LA PENSةE COLLECTIVISTE», in,HERMبS, 30, 2001, in, http://documents.irevues.inist.fr/bitstream/handle/2042/14516/HERMES_2001_30_41.pdf;jsessionid=DAF24F4BE295C297AA6AB0D99CC00144?sequence=1
[53]- Gilles Bertrand, «Le discours des voyageurs. Quelques éléments pour une approche comparative des stéréotypes sur les peuples dans l’Europe des Lumières», in, Le stéréotype: Outils de régulations sociales, Presses universitaires de Rennes, 2004, p. 245-260.
[54]- حسن حنفي، مقدّمة في علم الاستغراب، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1992، ص28.
[55]- نفس المرجع، ص30- 33.
[56]- وائل حلاق، قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة: عمرو عثمان، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت، 2019، ص241- 242.
[57]- نفس المرجع، ص390.
[58]- نفس المرجع، ص394.
[59]- وائل حلاق، إصلاح الحداثة: الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمان، ترجمة: عمرو عثمان، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت، 2020، ص362.
[60]- نفس المرجع، ص361.
[61]- حسان محيي الدّين الآلوسي، «ملاحظات حول الاستشراق ودارسيه»، ضمن: إشكاليّة العلاقة الثقافيّة مع الغرب: بحوث ومناقشات الندوة الفكريّة التي نظّمها المجمع العلمي العراقي، مركز دراسات الوحدة العربيّة/ المجمع العلمي العراقي، بيروت، 1997، صص59- 104؛ صادق جلال العظم، الاستشراق والاستشراق معكوسًا: المفكّر العربي، دار الحداثة، بيروت، 1981.
[62]- هندريك سبروت، الدولة ذات السيادة ومنافسوها: تحليل لتغيّر الأنظمة، ترجمة: خالد بن مهدي، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2018، ص36- 38.
[63]- جيمس ماكدوكال، «الدولة والمجتمع والثقافة عند مفكّري الإصلاح المغاربيين (الجزائر وتونس: 1890- 1940) أو الإصلاح باعتباره تعلّمًا للتخلّف»، ضمن: الحركات الإصلاحيّة وإصلاح نظم الدّولة في بلدان المغارب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إِشراف: أوديل مورو، ترجمة: خالد بن الصغيّر، دار أبي رقراق، 2014، صص369- 403، ص378.
[64]- نفس المرجع، ص399- 400.