البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رؤية دي بور للأخلاق والحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة

الباحث :  د. أحمد عبد الحليم عطيّة
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  30
السنة :  ربيع 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 25 / 2022
عدد زيارات البحث :  203
تحميل  ( 472.110 KB )
الملخّص[1]
نتوقّف في هذه الدراسة عند قضيّة المنهج في دراسات المستشرقين في الفلسفة الإسلاميّة كما يظهر ذلك في مكتبه المستشرق دي بور عن الأخلاق والحياة الأخلاقيّة عند المسلمين، وهو يقصد بالعنوان مجالين من النظر والممارسة، يتناول في القسم الأوّل: علوم الأخلاق ومصادرها في القرآن والسنّة النبويّة وعلم الكلام والتصوّف والفلسفة.

ويتّبع دي بور منهجًا تاريخيًّا يتتبّع فيه الأخلاق والمعتقدات الإسلاميّة ويردّها الى الأمم السابقة على الإسلام وفق مقولة التأثير والتأثّر، فالفلسفة الإسلاميّة تردّ إلى اليونان والدين يردّ إلى المسيحيّة واليهوديّة، وهذا المنهج المفضّل لدى المستشرقين يغفل عن الإبداع الإسلاميّ في العلوم المختلفة، نجده واضحًا لدى كثير من الفلاسفة ومؤرّخي الفلسفة من الغربيّين خاصّة.

تعمد هذه الدراسة إلى تحليل منهج دي بور التاريخيّ الذي يقوم على فكرة التأثير والتأثر الذي يغفل عن ثراء العلماء المسلمين وإبداعهم في مجالات عديدة من الإبداع الأخلاقيّ ومناقشة تحليلاته المختلفة للحياة الأخلاقيّة للمسلمين، وتؤكّد على تمايز الأخلاقيّة الإسلاميّة القرآنيّة عن الأخلاق اليونانيّة واختلافهما ومدى تعبيرها عن التعاملات الأخلاقيّة بين المسلمين بعضهم البعض وعلاقتهم مع غيرهم.

كلمات مفتاحية: أخلاق إسلاميّة، استشراف، النير والتأثّر، الحياة الأخلاقيّة.

المقدّمة
على الرغم من أنّ الأخلاق الإسلاميّة لم تنل ما هو جدير بها من بحث ودراسة وتحليل، أو على الأقلّ لم تقدّم حتّى الآن صورة شاملة لتاريخ الدراسات الأخلاقيّة، وعلومها ونظريّاتها ومشكلاتها والقضايا المتعلّقة بها وبماهيّتها وخصائصها؛ وكذلك الحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة في التجربة اليوميّة المعاشة للإنسان المسلم في واقعه الاجتماعيّ منذ الدعوة الإسلاميّة التي هي في صميمها دين أخلاقيّ وحتّى اليوم حيث يبحث المسلم عن مبادئ أخلاقيّة للسلوك، وإن كانت هناك بعض المحاولات التمهيديّة؛ التي اتخذت من هذا الهدف محورًا لها وهي قليلة تتفاوت في الرؤية والمنهجيّة والغاية. وسوف نعرض لإحدى هذه المحاولات، ونتناولها بالتحليل والمناقشة والنقد، وهي محاولة المستشرق «دي بور De Boer» (1942-1866) الأستاذ بجامعة أمستردام وصاحب الدراسات العديدة في الفلسفة الإسلاميّة، تلك المواد التي كتبها في دائرة المعارف الإسلاميّة عن: ابن سينا، إخوان الصفا والإشراقيّون[2]، وكتابه المهمّ «تاريخ الفلسفة في الإسلام» الذي ترجمه إلى العربيّة الدكتور محمّد عبد الهادي أبو ريدة عام 1938 [3]. بالإضافة إلى عدد آخر من الدراسات[4]، وقد قدّم دي بور، وهذا محور عملنا الحاليّ، دراسة عن الأخلاق والحياة الأخلاقيّة عند المسلمين (Muslim (Ethics and Morality في المجلّد الخامس من موسوعة الدين والأخلاق[5]، نتناولها هنا بالبحث والتحليل، وهي تصلح مدخلًا لمناقشة موقف المستشرقين من منهجيّة دراسة الأخلاق الإسلاميّة.

تاريخ الدراسة ومبرّراتها
هذه الدراسة التي نحن بصددها دراسة مبكرة كتبت في بدايات القرن العشرين، قديمة نسبيًّا كما يتّضح من تاريخ نشرها سنة 1912م. إلا أنّها ما زالت تحتفظ بأهمّيّتها المنهجيّة وموضوعها وقضاياها. وسنوضّح المبرّرات العلميّة والمنهجيّة التي تجعلنا نتوقّف عندها بالدراسة والتحليل والبحث. وهي تنقسم إلى قسمين متداخلين، أحدهما: يتعلّق بالحياة الأخلاقيّة عند المسلمين، يتّخذ بداية لها بعثة محمّد  أو ربّما قبل ذلك في الأخلاق العربيّة قبل الإسلام، حيث يعرض دي بور للأخلاق لدى جميع الشعوب والأجناس في بلدان الإسلام المختلفة على امتداد عصور التاريخ الإسلاميّ حتّى تاريخ كتابة هذه الدراسة، وهي كما نرى فترة طويلة زمانيًّا ومساحة متّسعة مكانيًّا. ويتناول في القسم الثاني: الجهود العلميّة المختلفة التي قدّمها الفقهاء والمتكلّمون والصوفيّة والفلاسفة في الأخلاق، اعتمادًا على القرآن والسنّة والمؤثّرات الفكريّة المختلفة، سواء كانت أديانًا أم فلسفات سابقة. والدراسة كما ذكرنا قديمة نسبيًّا تجاوزتها وتلتها الدراسات الأحدث عهدًا، سواء العربيّة أم الاستشراقيّة، مثل: دراسة «كارا دي فو Carra de Vaux» (1953-1867) في الطبعة الأولى من دائرة المعارف الإسلاميّة، ودراسة «فالتزر Walzer» و«جب Gibb» في الطبعة الثانية[6]، وكتاب «دونالدسون D. M. Donaldson» دراسات في أخلاق المسلمين «Studies in Muslim Ethics» وغيرها. وتظهر هذه الدراسات أهمّيّة الأخلاق الإسلاميّة والجهود الكثيرة التي بذلت من أجل دراستها؛ وبالمقارنة بين هذه الدراسة وغيرها نجد أنّ دراسة دي بور، بالرغم من كونها أوسع إطارًا من الناحية التاريخيّة ما يقرب من 14 قرنًا من الزمان وأكثر تحديدًا من ناحية الموضوع، فهي محدودة للغاية من حيث حجم المعلومات، وبالتالي فهي تقدّم لنا صورة أوّليّة للفلسفة الأخلاقيّة الإسلاميّة مقصورة على عدد قليل من الفلاسفة، ومن حيث المصادر التي اعتمدها، ونلاحظ قلّة النصوص التي رجع إليها دي بور، أنّه اطلع بلا شكّ على أعمال الغزاليّ ومسكويه وإخوان الصفا، بينما تغيب أعمال بقيّة الفلاسفة ولا يعرض لهم أصلًا، مثل: الكنديّ والفارابيّ وابن رشد، وعمل الأخيرين مفقود في العربيّة، إلا أنّه موجود في الترجمات اللاتينيّة والعبريّة[7]، وكذلك أعمال ابن سينا[8] في المشرق، وابن باجة وابن طفيل في المغرب. إلّا أنّ ما يؤخذ على الدراسة، ليس فقط قلّة المادّة العلميّة وغياب النصوص الأساسيّة وعدم اتّضاح صورة الجهود الأخلاقيّة الإسلاميّة، لكنّ تلك المعالجة الوضعيّة التي يغلب عليها النظرة الاستشراقيّة منهجًا وتحليلًا ونتائجًا والتي تقوم على المنهج التاريخيّ، وهو ما نتوقّف لمناقشته في هذه الدراسة، فهو يستخدم المنهج الوضعيّ التاريخيّ؛ الذي يضيق للغاية لينحصر في التأثير والتأثّر الآثير في الدراسات الاستشراقيّة، حيث يردّ هذا المنهج إبداعات الفلاسفة المسلمين ونظريّاتهم المختلفة إلى أصول سابقة عليهم، لدى اليونان وفي الحضارات القديمة الأخرى هنديّة وفارسيّة. كما يردّ قواعد السلوك في الجماعة الإسلاميّة إلى أمم وشعوب وديانات مختلفة سابقة كان للعرب والمسلمين تعامل معهم لأيّ تشابه بين السابق واللاحق، ويتوسّع في ذلك لتشمل هذه المؤثّرات: المسيحيّة، واليهوديّة، والديانات الفارسيّة، والفلسفات اليونانيّة المختلفة (فيثاغوريّة وأفلاطونيّة وأرسطيّة).

غرضنا هنا، طرح تساؤل حول المنهج الذي اتبعه، والنتائج التي توصّل إليها دي بور، ومناقشة تحليلاته وأصول منهجه، وتمثّل الإجابة عنه الغاية من هذه الدراسة، وهذا التساؤل، هو: هل يمكن أن نصل إلى النتائج نفسها التي توصّل إليها دي بور، إذا فحصنا الموضوعات نفسها عبر وجهة نظرنا العربيّة الإسلاميّة المعاصرة؟ وهو ما يطرحه علينا في نهاية بحثه، وهل يتّفق ما توصّل إليه من نتائج مع طبيعة الأخلاق المستمدّة من المصادر الإسلاميّة المعروفة؟ وهل تجد حياة المسلمين الأخلاقيّة في هذه المبادئ حلًّا لها[9]؟ وفي الحقيقة، إنّ اختلاف موقف الباحث الاستشراقيّ من جهة، ومنهجه في التحليل، والمادّة المتاحة أمامه قد تؤدّي إلى نتائج مختلفة، عن الباحث الذي يملك ناصية لغته وتتوفّر لديه النصوص ويتعمّق موضوع دراسته. ومن هنا، علينا أوّلًا الإشارة بإيجاز إلى ما قدّمه دي بور ومناقشته فيما قدّم في عمله، من حيث: الموضوع، والمنهج، والنتائج.

الأخلاق والحياة الأخلاقيّة عند المسلمين
يقدّم لنا دي بور في دراسته «الأخلاق والحياة الأخلاقيّة عند المسلمين» في عشر فقرات تشير إليها بإيجاز في موضعين موضوعها تمهيدًا لمناقشتها، وهي تشمل على التوالي: محمّد  والقرآن (الفقرة الأولى)، ويعرض فيها دي بور الأفكار الأخلاقيّة عند العرب، وتأثير القرآن في تغييرها، فالأخلاق العربيّة القبليّة السابقة، ذات روح دنيويّة تسعى للمتع الحسّيّة والمصالح المادّيّة وأقرب إلى ما يسمّيه نيتشه «أخلاق السادة»، ويتحدّد المثل الأعلى الأخلاقيّ العربيّ في حياته القبليّة، كما يظهر في الأقوال الشعريّة المتناثرة في الصبر على الفاقة والحرمان، والانتماء إلى القبيلة، والشجاعة، وكرم الضيافة. ويظهرنا الشعر العربيّ قبل الإسلام على طبيعة هذه الأخلاق كما يظهر في المدح والغزل وشعر الصعاليك.

1. الأخلاق القرآنيّة: وقد أكّد القرآن الذي يمثّل أساس الأخلاق الإسلاميّة ودعامتها الأولى على ضرورة الإيمان الشخصيّ والأخلاق الشخصيّة، وأكّد القرآن أيضًا على ضرورة التوبة والهداية وصلاح القلب ونقاء النفس، وعلى الإيمان والعمل الصالح، خاصّة الزكاة، التي لا تمثّل فقط مساعدة الآخرين، بل إنكار الذات دون انتظار مقابل، فهي تعبير إراديّ عن الحبّ، ويقدّم «دي بور» الوصايا الأخلاقيّة الإسلاميّة من القرآن، حيث يعرض للآيات (23: 40) من سورة الإسراء التي تبيّن أنّ إرادة الله تعالى هي الفيصل بين الخير والشر.

إنّ من المهمّ للغاية إشارة دي بور إلى القرآن كمصدر للأخلاق الإسلاميّة، وهي إشارة مهمّة،  حيث تتمايز الأخلاق في الإسلام؛ بالأخلاق القرآنيّة عن غيرها من حيث المصدر وطبيعة المشكلات، حيث كان دي بور من أوائل من دعا إليها. وقد ظهرت عدّة دراسات حديثة تسعى لتناول الأخلاق في القرآن منذ كتب عبد الله دراز رسالته بالفرنسيّة «دستور الأخلاق في القرآن». منها دراسة محمّد أركون «الإسلام: الأخلاق والسياسة» الذي يحدّد لنا هدفه في بداية الفصل الأوّل عن نظريّة القيم القرآنيّة، بقوله: «نحن نريد استخراج النظريّة الأخلاقيّة القرآنيّة التي وجّهت حتّى يومنا هذا ممارسة الفكر العربيّ - الإسلاميّ طيلة تاريخه الطويل»، وهو يقصد بالنظريّة الأخلاقيّة القرآنيّة: المبادئ المحوريّة الخلقيّة التي رسّخها القرآن.

ولقد ظلّ أستاذنا (رحمه الله) الدكتور يحيى حامد هويدي؛ يدعو طيلة حياته للأخلاق القرآنيّة محدّدًا طبيعتها مميّزًا بينها وبين غيرها من أخلاقيّات، فما تعارفنا على أنّه الأخلاق الإسلاميّة، وظللنا طوال السنوات المائة السابقة أو يزيد ندرسها باعتبارها كذلك التي نجدها لدى الكنديّ والفارابيّ وابن سينا والعامريّ ومسكويه ويحيى بن عدي وابن باجه وابن رشد؛ وهي في الحقيقة نظريّات الأخلاق التي نقلها الفلاسفة العرب المسلمين من الفلاسفة اليونان، بينما الأخلاق القرآنيّة التي ما زالت في حاجة إلى تحديد معانيها تختلف تمامًا عن ما يطلق عليه الأخلاق الإسلاميّة. وهنا، نجد أهمّيّة دي بور في الإشارة إلى المصدر القرآنيّ للأخلاق الإسلاميّة، وإن كانت تلك الإشارة تحتاج إلى التوسّع فيها والتعمّق. ويطرح الأخلاق القرآنيّة نقاط متعدّدة للبحث، سوف نعرض لها ونناقشها.

2. الأخلاق في السنّة: ويتناول دي بور في الفقرة الثانية: محمّد  والسنّة، حيث يوضح أنّ المؤمن الحقيقيّ يشعر بالتزامه باتباع السنّة الصحيحة، مؤكّدًا أنّ الإيمان في الإسلام مرتبط بالعمل، فالسنّة تحوي الكثير من العناصر الأخلاقيّة، ومع هذا، فإنّ دي بور لا ينسى أن يشير متعمّدًا إلى أنّ الحياة اليوميّة للمسلمين لم تكن على درجة كبيرة من الاتّفاق مع السنّة. وعلينا في مقابل ما يطرحه دي بور أن نميّز بين مستويات الأخلاق التي  يدور حولهما عمل دي بور، هما: مستوى الأفكار والقيم الأخلاقيّة التي يمكن أن نستخلصها من كتب السنّة المختلفة، ومستوى تحقيق هذه القيم في حياة الجماعة الإسلاميّة، ثمّ نبحث في أسباب تحقّق أو عدم تحقّق هذه القيم في الواقع الإسلاميّ المعاش، وبالفعل، فنحن في حاجة إلى إنجاز مثل هذه المهمّة من خلال دراسة مفصّلة للآداب الإسلاميّة كما جاءت في صحيح السنّة، رغم وجود عدّة محاولات في هذا المجال، مثل: ما قدّمه محمود قراعة في كتابه: «الأخلاق في الإسلام من أحاديث الرسول[10]»، ود. أحمد عبد الرحمن إبراهيم «الفضائل الأخلاقيّة في الإسلام» الذي يقول: إنّ الفضائل الخلقيّة الإسلاميّة، وكذلك الغاية القصوى لها والمعيار العامّ الذي يضبطها، هي حقائق دينيّة مقرّرة في الكتاب والسنّة[11]، ود. أبو اليزيد العجميّ في مقدّمة تحقيقه لكتاب الراغب الأصفهانيّ (ت: 502م) «الذريعة إلى مكارم الشريعة»؛ الذي يرى أنّ القرآن يتضمّن أطرًا محدّدة للشخصيّة الخلقيّة ولمعايير السلوك وغيرهما من المفاهيم التي اصطلح عليها، وما ينطبق على القرآن نجده أيضًا في السنّة[12]. نحن إذن، أمام مصدر مهمّ من مصادر الأخلاق الإسلاميّة علينا التأكيد عليه.

3. الأخلاق والفقه: ثمّ يعرض في الفقرة الثالثة للأخلاق في الفقه، بعنوان: «تطوّر الشريعة» (ونضيف: وأصول الفقه)، ففي الإسلام؛ القانون الدينيّ والدنيويّ شيء واحد، ويحيلنا دي بور إلى أعمال: جولدزيهر (Goldziher)، الذي ينقل عنه كثيرًا، وسنوك هرجرونيه في الفقه، فالفقه يحتوي على مفاهيم أخلاقيّة، فالأحكام الفقهيّة تشكّل سلّمًا للقيم تبدأ بالفرض أو الواجب، والمندوب أو المستحبّ، والجائز أو المباح، والمكروه، والحرام. وقد ميّز الشرع بين الخطايا أو الكبائر وبين الصغائر. الخطايا، مثل: القتل، الزنا، السرقة، الربا، عدم أداء الزكاة، ومن قبيل الصغائر: اللهو والمجون، والاستماع إلى الفنون الهابطة[13]، وليس الفقه فقط، بل أيضًا «علم أصول الفقه». أي إنّ قواعد الأخلاق، كما يذكر باحث معاصر، هي نفسها قواعد التشريع، ولا فرق بين سلوك الفرد وهو خاضع لقواعد قانونيّة أو قواعد أخلاقيّة؛ لأنّ الغرض والقصد من وضع الشريعة هو تنظيم الحياة الاجتماعيّة[14]. ويكمن الجوهر الأخلاقيّ لأصول الفقه في فكرة المقاصد، فإنّ الفضل يرجع إليها في إبراز الجانب الأخلاقيّ لعلم أصول الفقه، فما هو قانونيّ من وجهة نظر علماء أصول الفقه جعلته هي أخلاقيًّا[15]، ومثال ذلك: الشاطبي، الذي حوّل علم أصول الفقه من علم تطبيقيّ قانونيّ إلى علم أخلاقيّ تهذيبيّ بالمعنى الصحيح[16].

4. الأخلاق في علم الكلام: ويعرض دي بور في الفقرة الرابعة لعلم الكلام، تحت عنوان: «تطوير المذهب»، حيث يتناول الأخلاق عند الفرق الإسلاميّة المختلفة: المعتزلة، أهل العدل الإلهيّ، والمرجئة، ثمّ الخوارج. والحقيقة أنّ علم الكلام الذي يدور حول الله وذاته وصفاته وأفعاله في علاقتها بالإنسان يمثّل بشكل ما أساس علم الأخلاق الإسلاميّ، لذا، فمن الطبيعيّ التسلسل الذي يسير عليه دي بور، الذي ينتقل من علوم القرآن وعلوم الحديث والسنّة وأصول الفقه، حتّى يصل إلى علم الكلام أو علم التوحيد، الذي يعدّ علم الأخلاق الإسلاميّ الذي يتناول الحسن والقبح أو الخير والشرّ بلغتنا. ويمكن القول: مقابل محاولة د. حسن حنفي في إعادة بناء الكلام باعتباره نظريّة في العلم ونظريّة في الوجود (العقليّات)؛ أن نؤكّد أنّ علم التوحيد أو علم الكلام هو علم أخلاقيّ في المقام الأوّل، بل إنّ سعي حنفي لتأكيد أنّ الإلهيّات في علم الكلام تعبير عن الواقع الإنسانيّ يؤكّد حقيقة علم الكلام، الذي يعكس واقع حياة الإنسان في فعله وسلوكه، إرادته واكتسابه، وذلك خلال علاقة الإنسان مع الله.

وقد قدّم الباحثون العرب المعاصرون، دراسات عديدة حول الأخلاق في علم الكلام، مثل: «قضيّة الخير والشرّ - دراسة لمسؤوليّة الإنسان في الإسلام» د. محمّد السيد الجليند الذي يقول: وتتبنّى المعتزلة قضيّة الدفاع عن حرّيّة الإنسان، وانتقلوا ببحث مشكلة الخير والشرّ من مستواها الميتافيزيقيّ إلى المستوى الإنسانيّ من قضيّة الخير والشرّ والتزامه بالواجب العقليّ قبل ورود الشرع؛ لأنّ شريعة الأخلاق عندهم سابقة على شريعة العقائد الدينيّة[17]، ودراسة الدكتور أحمد محمود صبحي «الفلسفة الأخلاقيّة في الفكر الإسلاميّ» التي تناقش قضيّة النظر والعمل بين المتكلّمين والصوفيّة[18].

5. الأخلاق والتصوّف: ويمكننا التأكيد، وهو ما لم ينتبه إليه دي بور، أن نعيد النظر في المؤلّفات الصوفيّة التي يمكن أن تقدّم لنا نظريّة متكاملة في القيم الإسلاميّة. ويكفي أن نذكر في هذا السياق، كتاب القشيريّ «نحو القلوب»، وكذلك الشروح المختلفة التي قدّمت حول منازل السائرين، وتظهر فيها هذه المنازل قيمًا إسلاميّة واقعيّة.

وتمثّل الأخلاق الصوفيّة الفقرة الخامسة من دراسة دي بور، ومن المعروف أنّ التصوّف هو علم الأخلاق الإسلاميّة، فإذا كان الكلام يمثّل القاعدة والقانون الأخلاقيّ الإسلاميّ، فإنّ التصوّف يمثّل الضمير الأخلاقيّ اليقظ في الإسلام، وما الأحوال والمقامات إلّا سلّمًا لارتقاء «الحياة النفسيّة الخلقيّة لدى المسلمين». «وفي كلّ صورة من صور الحديث عن المتصوّف والصوفيّ لا تكاد تخطئ العناصر الأخلاقيّة، إمّا بارزًا بطريقة صريحة، وإمّا مفهومة بطريقة ضمنيّة، وليس ذلك إلّا لما للأخلاق من اعتبار خاصّ في التصوّف، يكاد يصبغ كلّ ناحية من نواحيه وكلّ وجه من وجوهه، حتّى يكاد التصوّف من شدّة ملابساته أن يعرف به[19]».

6. الأخلاق في الفلسفة: وبعد تناوله القرآن والسنّة والفقه والكلام والتصوّف، يتوقّف دي بور في الفقرة السادسة لتناول الأخلاق الفلسفيّة، حيث يعرض للأدب الأخلاقيّ الإسلاميّ، سواء في مرايا الحكّام، حيث يتوقّف أمام تأثير الأدب الفارسيّ، وجهود عبد الله بن المقفّع الأخلاقيّة[20]، ويتناول الترجمات العربيّة للأخلاق اليونانيّة، خاصّة «جمهوريّة أفلاطون» التي تمثّل المصدر الرئيس لنظريّة التقسيم الثلاثيّ للنفس عند المسلمين، وإن كان لا يتعرّض لتأثير الأخلاق الأرسطيّة على الفلاسفة المسلمين إلا بشكل عابر، وهو تأثير كبير للغاية، فلا نعلم فيلسوفًا عربيًّا، سواء الفارابي أم يحيى بن عديّ أم ابن سينا أم ابن باجة وابن رشد، إلا وقد نهل من الأخلاق النيقوماخيّة لأرسطو، هو لا يعرض لهم ولا لجهودهم، وهي مسألة تقتضي توجيه النقد إلى دي بور؛ لتجاهله هذا المصدر الأخلاقيّ[21]. ويتناول بعد ذلك بشيء من التفصيل، الأخلاق عند إخوان الصفا[22] ومسكويه[23]. والسؤال الذي يمكننا طرحه هو حتّى إذا وافقنا على هذا الفهم التقليديّ للأخلاق، هو: هل مسكويه وإخوان الصفا هما من يمثّلان الأخلاق الفلسفيّة الإسلاميّة؟ نحن في حاجة ملحّة لوضع الأخلاق الفلسفيّة لدى الفلاسفة المسلمين كعنصر واحد من مصادر الأخلاق في الإسلام، مثلما نحن في حاجة إلى تقديم قراءة عربيّة إسلاميّة للأخلاق اليونانيّة.

ويخصّص دي بور في إطار الأخلاق الفلسفيّة؛ فقرة مستقلّة لأخلاق الغزالي، هي الفقرة السابعة، فالأخلاق عند الغزالي كما يرى دي بور؛ هي تركيب للمذاهب المختلفة السابقة اعتمادًا على كتبه: «ميزان العمل»، و«مناهج العابدين»، و«إحياء علوم الدين». والحقيقة أنّ الغزالي في هذا السياق يمثّل عند بعض الباحثين الأخلاق اليونانيّة كما ظهرت في الفلسفة الإسلاميّة، ما يجعلنا نتساءل: لماذا خصّص تلك الفقرة الطويلة للغزاليّ؟ وما مبرّرات هذا الاهتمام الذي نجده لدى دي بور وغيره من الباحثين بالغزاليّ، خاصّة في مجال الأخلاق؟[24].

وتدور الفقرة الثامنة حول فترة ما بعد الغزالي، حيث يتوقّف دي بور أمام نوعيّة أخرى من الكتابات الخلقيّة، قد تكون وجدت قبل الغزالي، إلا أنّ تأثيرها لا يزال مستمرًّا، مثل: «أدب الدنيا والدين» للماورديّ، ثمّ يتناول الاتجاهات الإصلاحيّة المعاصرة في الإسلام، فيعرض للأخلاق عند الوهّابيّة، والبابيّة، التي من المشكوك فيه أنّ دواعيها لها القدرة على فعل أيّ شيء، وحركة سيّد أمير علي في الهند -والتي لا تطرح إلا القليل من التعاليم المتّفقة مع الإسلام- وفي هذه الفقرة وما يليها يتحوّل ثانية إلى دراسة الحياة الأخلاقيّة عند المسلمين، حيث يعرض للأخلاق المعاصرة؛ التي نتجت عن التقاء الإسلام بالحضارة الغربيّة التي شقّت طريقها إلينا عبر التعليم والصحافة[25]. أي أنّنا بدأنا ننتقل من العلوم والمصادر المعرفيّة والنظريّات الأخلاقيّة إلى الحياة الخلقيّة.

7. طبيعة الحياة الأخلاقيّة الواقعيّة: ويناقش دي بور في الفقرة التاسعة، الحياة الأخلاقيّة الواقعيّة وطبيعتها، ومدى انطباقها مع المذهب الأخلاقيّ. ويعترف، وهو محقّ في ذلك، أنّ معرفتنا بهذا الخصوص يشوبها نقص كبير؛ وذلك لسببين، الأوّل: هو طول الفترة التاريخيّة التي يعرض لها، واتّساع المساحة الجغرافيّة للشعوب والأجناس الإسلاميّة المختلفة التي يتناولها من عرب وفرس وترك، وهو لا يترك تلك المسألة من دون الإشارة إلى اختلاف طبيعة هذه الشعوب وتمايزها وتناقضها، بل ويبرز الصراعات بينها وهذا دائب الاستشراق. وهذا هو الوتر؛ الذي يعزف عليه معظم المستشرقين وتدعمه الأنظمة السياسيّة الغربيّة، والحقيقة أنّه بدلًا من أن يبحث سبب التمايز التاريخيّ والثقافيّ لهذه الشعوب، وثقافاتها المتنوّعة يبرز تناقضها ويؤكّد الفرق بينها، نجده يؤكّد أنّ الممارسات الحياتيّة اليوميّة قد تكيّفت بصورة كبيرة بالطابع العرقيّ أو العنصريّ، ويضيف: أنّ «العرب لم ينجحوا في استيعاب الطابع القوميّ للفرس، كما فشلوا فيما بعد مع الترك والمغول، وفي السجال الذي يستدعيه للذاكرة، الصراع بين العرب والفرس في القرنين الثاني والثالث الهجريّين، نجد أنّ كلا الطرفين لم يأل جهدًا في إجازة الأحكام على صفات الطرف الآخر، وكما يمكن لنا أن نتوقّع، فإنّ ذلك كان صادرًا عن تحامل مبعثه الحقد والكراهية المتبادلة». وكما هو واضح، لا يقدّم دي بور، تحليلًا فلسفيًّا، أو حتّى تاريخيًّا؛ ذلك أنّ العلاقات بين الأعراق المختلفة انصهرت تمامًا بسبب اعتناقها الدين الإسلاميّ. فإن صحّ ذلك في فترات سابقة أو تالية، فهو غير صحيح في هذه الفترة.

إلا أنّه يشير إشارة مهمّة، علينا أن نؤكّد عليها ونتوقّف عندها؛ هي ضرورة الاعتماد على مصادر غير تقليديّة، مثل كتب الأدب المختلفة: ألف ليلة وليلة، والأغاني للأصفهانيّ. ويستنتج من هذه المصادر أنّه لا يوجد التزام صارم بالشرع أو الأخلاق الأصيلة، كما يتّضح من حياة الثراء والغنى والجواري والغلمان، ويصف الحالة الأخلاقيّة للإنسان المسلم ويبيّن أنّها تختلف عن الأخلاق العربيّة المعاصرة، وإن كان من الممكن تشبيهها بأخلاق العصور الوسطى في أوروبا[26]. وبالفعل، فإنّه يمكن أن نجد في الأدب الشعبيّ والأمثال الشعبيّة التي تعبّر عن حكمة الشعوب، ما يمثّل نظرتها الفلسفيّة للكون وقيمها الأخلاقيّة المختلفة[27].

8. الحياة الأخلاقيّة الراهنة: ونأتي إلى أهمّ جزء من الدراسة، وهي الفقرة العاشرة، وهي التي يبحث فيها دي بور عن (الحالة الراهنة)، التي يصف فيها واقع الشعوب الإسلاميّة وصفات المسلمين من الأجناس المختلفة، ويقدّم ملاحظات على الحياة الأخلاقيّة، يمكن الاستفادة فيها خلال حاضر المجتمع الإسلاميّ، مثل: أهمّيّة الإسلام بالنسبة إلى أفريقيا: «من المحتمل أنّ انتشار الإسلام بين القبائل الأفريقيّة الأقلّ تحضّرًا والأصول الأكثر تواضعًا، ربّما رفع من أحوالهم الأخلاقيّة إلى مستوى أعلى، ويمكننا مقارنة حكمه هذا مع أحكام بعض الفلاسفة الغربيّين الكبار، مثل: هيجل على الشعوب الأفريقية[28]، وهي نظرة عنصريّة دونيّة نجدها لدى هيجل في فلسفته للتاريخ نرفضها بشدّة؛ لأنّها تقلّل من الإنسان الأفريقيّ، وهي أيضًا يرفضها الإسلام، الذي لا يفاضل بين الأجناس المختلفة. ويشير إلى ظاهرة أخلاقيّة مهمّة تمثّل واقعًا اجتماعيًّا يحتاج إلى تعديل، هو هذا الفساد الرسميّ، إلا أنّه يقدّم انطباعًا جيّدًا عن حياة المسلمين وسلوكهم غير المصطنع وعاداتهم المعتدلة، ويطرح سؤالًا مهمًّا عن أهمّيّة الإسلام بالنسبة إلى المستقبل، ومدى ملاءمته للحياة المعاصرة، وهو كثيرًا ما يتردّد على ألسنة المستشرقين. والحقيقة، أنّ تساؤل دي بور تساؤل إحراجيّ، من قبيل: «إمّا» «أو»، فالإسلام إذًا ظلّ تفسيره حرفيًّا، فقد يفيد البشر في مرحلة أدنى من الحضارة، إلّا أنّه في ظروف أخرى سيكون عائقًا للتطوّر الأخلاقيّ، وهو هنا يصدر حكمًا مسبقًا على قدرة الإسلام على التلاؤم مع حياة الإنسان المعاصر، ومن هنا، فهو يقرّر أنّ الإسلام إمّا أن يتلاشى وينحصر في طائفة، أو يعيد تجديد نفسه ويتكيّف مع الظروف الجديدة، أي أنّه يطالب بالاختيار بين خيارين، إمّا إسلام منغلق ضدّ الحياة المعاصرة، إسلام الدوجما والعداء للآخرين، إسلام العدوان والتطرّف والعنف والإرهاب الذي يرجع بنا إلى ما قبل الدين والوحي. أو تكيّف المسلمين مع الواقع المعاصر دون التقيّد بأسس الإسلام كما تحدّدت في القرآن والسنّة؟ وهو سؤال يجعل من الإسلام واقعة تاريخيّة متغافلًا القيم العليا الإسلاميّة العامّة التي تناسب التغيّرات المختلفة والمشكلات المستحدثة التي توجّه الإنسان المسلم في حياته المعاصرة. وهذا السؤال يمكن أن يصاغ بطريقة أكثر تحديدًا، بالقول: كيف يستطيع الإسلام بأسسه ومبادئه أن يصلح للحياة المعاصرة، ويصحّح المفاهيم الخاطئة، عن كونه رسالة أخلاقيّة تربويّة إنسانيّة للعدل والمساواة، من دون أن يفقد أسسه ومبادئه؟ لأنّه وفق تعبير كانط هو دين العقل. ذلك هو التحدّي الذي يواجه المسلمين الآن.

مناقشة منهجيّة لتحليلات دي بور الأخلاقيّة
تحتاج تحليلات دي بور ومعالجاته للأخلاق الإسلاميّة؛ التي عرضنا لها الآن طرح بعض الملاحظات للمنهجيّة التي اعتمد عليها في تحليله أو الأسس الفلسفيّة التي مثّلت المنهجيّة الموجّهة لعمله، والتي أدّت إلى النتائج التي توصّل إليها، وبداية نؤكّد على إشارتنا السابقة المتعلّقة بمصادر الدراسة والتي يغلب عليها جميعًا الطابع الاستشراقيّ، والتي يتابع فيها أعمال جولد زيهر، وهي مصادر أغلبها ألمانيّة وفرنسيّة تعتمد على الدراسات، وقليلًا ما يرجع إلى النصوص الأخلاقيّة الأساسيّة، باستثناء كتاب الغزاليّ «إحياء علوم الدين» ونصير الدين الطوسيّ «أخلاق ناصري»، ما يجعلنا نميل إلى القول: بأنّ المراجع التاريخيّة التي تعرض للحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة هي السائدة على كتب علم الأخلاق. ونستنتج من ذلك، تأرجح الدراسة بين التناول التاريخيّ للحياة الأخلاقيّة وأسبابها ومدى انطباقها مع قواعد الأخلاق الإسلاميّة، وبين التحليل المنهجيّ لنسق علم الأخلاق، ممّا مال بـدي بور إلى الانهماك في بيان طبيعة المجتمعات الإسلاميّة والسعي إلى تقديم تحليلات اجتماعيّة وسياسيّة للحياة الأخلاقيّة، وهي مسألة مهمّة ربّما لم يتطرّق إليها كثير من الباحثين، إلا أنّ ما يؤخذ عليه في تحليلاته، هو البدء بمجموعة من الأفكار المسبقة التي كوّنها الباحثون الغربيّون عن الإسلام وأصبحت أشبه بالقوالب الجاهزة التي لا تحتاج من وجهة نظرهم إلى نقاش.

وفي مقدّمة هذه الثوابت التي يستند إليها المستشرقون ويتقبّلها دي بور، ردّ الإسلام باعتباره وحيًا إلهيًّا، والقرآن باعتباره كتابًا سماويًّا إلى محمّد  كما يتّضح -وإن كان دي بور لا يعلن صراحة- في الفقرة الأولى والثانية من دراسته ويتعمّد الحديث عن الإسلام مثل كلّ المستشرقين، تحت مصطلح «المحمّدية» والاستشهاد بالآيات القرآنيّة باعتبارها أقوال محمّد وأفكاره، فالإسلام، كما يتّضح من أقواله، ليس دينًا سماويًّا بقدر ما هو واقع تاريخيّ وحركة بشريّة، ويمكننا القول: إنّ الجزء الثاني من هذه العبارة وإن كان صحيحًا، لا ينكر ولا يستبعد إطلاقًا الجزء الأوّل؛ وهو كون الإسلام دينًا إلهيًّا، ومحمّد  هو الرسول والصلة بين الوحي الإلهيّ والبشر.

ومن هذه البداية، يعرض للإسلام وكأنّه امتداد للحياة العربيّة قبل الوحي، ويؤكّد على الاتصال بين الأفكار الأخلاقيّة الإسلاميّة وأصولها عند العرب القدماء. فقد تأثّر الإسلام في نشأته وتطوّره بالأفكار الأخلاقيّة عند العرب القدماء، ورغم أنّ الإسلام يمثّل بلغة التوسير وباشلار قطيعة وانفصالًا مع حياة العرب في الجاهليّة، ودي بور نفسه يفصح عن ذلك، كما يتّضح من قوله: «فالرسول قد نشر دعوته بينهم مندّدًا بخطاياهم، منذرًا إياهم، إلا أنّه لم يلق منهم إلا السخرية. ورغم أنّ حياة العرب تخضع للنظام القبليّ، فالإسلام رسالة كونيّة عامّة يمثّل التراحم والمساواة فيها دورًا بارزًا. ورغم ذلك، فهو يصرّ على ربط الإسلام بواقع الحياة العربيّة، وهو يهدف من ذلك إلى إبراز حقيقتين، الأولى: ردّ ما استحدثه الإسلام على أفكار العرب الأخلاقيّة إلى مصادر أجنبيّة من فلسفات وأديان سابقة عليه، والثانية: إبراز تناقض أساسيّ بين العرب من جهة والشعوب الأخرى غير العربيّة التي اعتنقت الإسلام من جهة أخرى.

تبرز الحقيقة الأولى التي يسعى دي بور لتأكيدها، وهي ردّ مضامين الفلسفة الإسلاميّة إلى نظريّات يونانيّة، والتصوّف إلى أفكار هنديّة، فيثاغوريّة، بل ردّ الإسلام إلى المسيحيّة واليهوديّة، فالإسلام، كما يؤكّد دي بور اعتمادًا على جولد زيهر، في غالبيّة مبادئه الأخلاقيّة يعتمد على المسيحيّة واليهوديّة. «فتلك الاستثناءات التي يتمّ فيها فصل المفاهيم الدينيّة عن العرف والقانون يمكن ردّها إلى التأثّر باليهوديّة والمسيحيّة»، وأداء الزكاة كعنصر من عناصر إنكار الذات الموجود في الإسلام قد تأثّر بقوّة المسيحيّة والديانات الهنديّة... وعندما انتشر الإسلام في المقاطعات المسيحيّة من الإمبراطوريّة الرومانيّة استوعب عناصر كثيرة من الزهد المسيحيّ... وبالنسبة إلى المسلم الحقيقيّ كما هو بالنسبة إلى اليهوديّ المخلص، فإنّ الدين يعني الشريعة... والشريعة المستندة إلى القرآن والسنّة متأثرًا بالفقه والقانون الرومانيّ... وارتبط الزهد بروابط خاصّة مع الأفكار الرهبانيّة المسيحيّة والصوفيّة بملابسهم الرثّة يحاولون أن يبرّروا أسلوب حياتهم هذا باللجوء إلى فقرات عديد من العهد الجديد، وقد أخذت آرائهم في الخلاص عن النظريّات الأفلاطونيّة - الفيثاغورية؛ التي ارتبطت بالتأمّل الهنديّ، والمعتزلة والقدريّة قد أخذوا تحت تأثير الجدل العقائديّ للكنيسة الشرقيّة بمذهب الإرادة الحرّة للإنسان، وتأثّرت مسألة تبرير العناية الإلهيّة عند المعتزلة في مراحلها الأولى بالأفكار الأفلاطونيّة المحدثة. وتأكيد المعتزلة الأوائل على أهمّيّة الأعمال الصالحة، يمكننا مقارنتها بالبلاجيّين في الكنيسة المسيحيّة، وغير تلك الأقوال التي نادى بها غيره من المستشرقين، فإنّنا، ونحن نقرّ بالتواصل الحضاريّ بين الأمم والشعوب، نؤكّد على خصوصيّة تلك التجربة الكبرى في حياة الأمم العربيّة والإسلاميّة، التي وإن تشابهت بعض أفكار علومها أو عناصر طوائفها مع غيرها، فإنّ خصوصيّتها وتمايزها مستمدّ من واقعها الخاصّ الروحيّ والتاريخيّ، ويكفي أن نشير إلى ما أورده ماسينيون في بيان أصالة التجربة الصوفيّة والروحيّة الإسلاميّة تفنيدًا لمزاعم من عدّها ناتجة عن أصول ونظريّات غريبة عنها[29].

تلك هي طريقة دي بور في عرضه للأخلاق الإسلاميّة، فهو في الوقت الذي يؤكّد فيه على قيم المساواة بين المسلمين وعدم تفضيل أجناس على أخرى، يعود مباشرة إلى نفي ذلك، موضحًا عدم الحرص على الفقراء حين استقرّت الدعوة وبدأ ممالأة الأغنياء، والنقد المستمرّ والدائم لدى رجل الاستشراق هو علاقة الرسول مع النساء، وهو ما أفاض عبد الرحمن بدوي في تفنيده والردّ عليه في كتابه بالفرنسيّة «الدفاع عن محمّد».

ويرتبط بمحاولة دي بور ردّ كثير من الأفكار الإسلاميّة إلى أصول غريبة عنها، اهتمامه ببيان القيم والأفكار الدينيّة الإسلاميّة من جهة، وتحقّقها في حياة المسلمين الواقعيّة من جهة أخرى:

1. فمن بين فضائل إنسانيّة عديدة، فإنّ القرآن يؤكّد مرارًا على الإحسان والتصدّق على الفقراء... وقد تجلّت الروح عند الرسول  نفسه، خاصّة في الأعوام الأولى للدعوة في مكّة عندما أكّد على ذلك في حديثه مع الأغنياء، لكن فيما بعد، وعندما أصبح أتباعه يكوّنون مجتمعًا سياسيًّا في المدينة، خفّ -كما يدعي- إعلان الخصومة مع الأغنياء، ومن خلال تأكيد السمات الأساسيّة للإسلام يشير في ثناياها بعضًا من أعمّ الاستشراق وأقوالهم دون بحث أو تحليل، فهو يرى أنّ الحياة اليوميّة لم تكن على درجة كبيرة من الاتفاق مع هذه الوصايا (الأخلاقيّة)، كما لم يكن اهتمام المسلمين منصبًّا على القرآن والسنّة، كما كان في الفترة التي عاشها رسول الله  في المدينة عندما تركّز حبّه للنساء وعدائه لغير المؤمنين وطمعه في ممتلكاتهم... وفي الأعوام الأولى للإسلام، ظهر المؤمنون الأخيار كغزاة للعالم، الذين مهما كانت آمالهم ورغباتهم في ثواب الآخرة، فإنّ ذلك لم يحل بينهم وبين السعادة الطاغية بالمغانم الدنيويّة.

2. الوصايا الأخلاقيّة قصد بها المسلمون ولا تطبع على أتباع الديانات الأخرى إلّا بدرجة محدودة، أمّا بالنسبة إلى المسيحيّين واليهود وأصحاب الكتب الأخرى، فقد كانت سياسة الإسلام تجاههم -في زعمه- هي الحرب المقدّسة. وما يغفل أو نتغافل عنه هو أنّ المبادئ الإسلاميّة تنطبق علي كلّ الأعراق التي اعتنقت الإسلام، ولا يمكن تطبيق الشرائع الإسلاميّة المختلفة على أصحاب العقائد الأخرى، فلهم مصادرهم للتشريع والسلوك.

3. هذا الادّعاء عن العلاقة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى، يلقى هكذا بطريقة عامّة رغم تغافل المستشرقين عن العلاقات الفعليّة في المجتمعات الإسلاميّة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى الذين مارسوا شعائرهم الدينيّة وفق قوانين ديانتهم الخاصّة، مع ضرورة تأكيد ولائهم للدولة التي يعيشون في كنفها.

4. اهتمام القيم الإسلاميّة بالشكل دون المضمون، وبالمنفعة دون طهارة النفس، فقد كان من السهل ممارسة السنن الشكليّة، مثل: استعمال السواك والاستنجاء بالماء أو الرمل بدلًا من تطهير النفس من الإثم، والكمّ الكبير من الوصايا الأخلاقيّة كما وجدت في القرآن وخاصّة في السنّة إنّما تحمل بعدًا شكليًّا، وربّما أغامر فأقول طابعًا تجاريًّا، ومن يدرسون العلوم الدينيّة في الأزهر ليس غرضهم أن يصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع، ولكن بغرض الحصول على درجة أعلى في الجنّة. لم يكن دي بور واعيًا بما يطلق عليه اليوم أخلاق الحياة اليوميّة والأخلاق التطبيقيّة والصحّة الجسديّة العامّة التي تظهر في الأمثلة التي يعرضها.

هنا، يلقي دي بور أحكامًا مرسلة ومسبقة تستند إلى خلفيّاته الفلسفيّة ولا تصدق في الغالب، وقد تنطبق على ممارسات وسلوك البعض دون البعض، وهي مسألة يعالجها عبر سوسيولوجيا الدين منفصلة عن القيم المعياريّة الموضوعيّة التي يحرص عليها الإنسان المسلم.

4- انحدار وضعيّة النساء، فهنّ معفيّات من الفروض؛ لأنهنّ لا يستطعن التمييز بين الخير والشرّ، والصواب والخطأ، وهذا القول هو ما نجده يتكرّر اليوم لدى إعادة النسويّة، التي شاعت وذاعت،  وظهر فيها اتجاهات متعدّدة، ومنها: النسويّة الإسلاميّة، والتي يندرج أغلبها في إطار النظر الاجتهاديّ في نظرة الإسلام للمرأة، وهي قضيّة يتوقّف عندها اليوم كثير من الباحثين في الفكر الإسلاميّ، وهنّ -طبقًا للحديث- وقود النار، والرسول ضرب المثل على أنّ النساء تسلية الرجال، ويدين نظام الزواج في الإسلام إمكانيّة تعدّد الزوجات؛ لأنّ له عواقب خطيرة، مثل: سهولة الطلاق الذي نتيجته تعرّض العلاقة المدنيّة والأهليّة للخطر، ويتمّ إهمال تربية الصغار. والخلاصة، أنّه في معظم البلاد الإسلاميّة، فإنّ وضع المرأة هو وضع مزر، والقرآن يعلن بوضوح قوامة الرجال ويؤكّد عليها.

إنّ موقف دي بور من وضعيّة المرأة في الإسلام موقف ليس له ما يبرّره، ولا نجد عذرًا في الصورة التي قدّمها، اللهم إلا أنّه كتب دراسته في فترة مبكرة كانت المرأة المسلمة حبيسة البيت ولم تصل إلى أعلى درجات العلم أو تشارك في الحياة العامّة، وهو أمر مختلف تمامًا في عصرنا هذا من جانب، كما أنّ أمر الزواج والطلاق أمر تحدّده القوانين الدينيّة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، ويمكننا أن نشير إلى منزلة المرأة في الإسلام بالعودة إلى كتب الفقه المختلفة، التي كادت أن تعطيها من المزايا ممّا لم تصل إليه المرأة في الأديان السماويّة المختلفة والمجتمعات المدنيّة الحديثة.

والحقيقة الثانية، تدور حول الوضع الراهن للحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة، وهو تأكيد على التناقض بين الشعوب والأجناس الإٍسلاميّة، فالممارسات اليوميّة في الإسلام كما يلحّ دي بور في دراسته، قد تتكيّف بصورة كبيرة بالطابع العرقيّ أو العنصريّ، فهناك تناقض كبير بين شبه البدو قاطعي الطريق وبين سكّان المدن والحضر... كما لم ينجح العرب في استيعاب الطابع القوميّ للفرس تمامًا، كما فشلوا فيما بعد مع الترك والمغول، وذلك يستدعي للذاكرة الصراع بينهما في القرنين الثاني والثالث للهجرة، حيث يصدر كلّ منهما على الآخر أحكامًا مصدرها الحقد والكراهية المتبادلة.

وهو هنا يزكّي تلك الخصومات القديمة؛ بالإعلاء من شأن بعض الفرق الفارسيّة الحديثة، مثل: البابيّة، التي نشأت في منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، والتي ارتبطت أصولها بالأفكار الصوفيّة القديمة. وقد أخذت البابيّة على عاتقها مؤخّرًا شكلًا ومظهرًا أكثر تقدّميّة، وهي تدافع الآن عن ملكيّة المرأة أو حقّها في التملّك، كذلك تدافع عن مبدأ الأخوّة بين كلّ الطبقات والأديان، إلا أنّه يعود ليقلّل من تأثير هذه الدعوة، حيث يبدو من المشكوك فيه إذا كانت تلك الدعاوى لأنبياء البابيّة لها القدرة على عمل أيّ شيء في مواجهة التحكّم والاستبداد في الشرق لمصلحة أخلاق أكثر حرّيّة وفاعليّة.

وكما ذكرنا، يحتاج الإسلام إلى العودة للتوحيد بمعانيه المتعدّدة، ومنها: المساواة بين البشر رغم أعراقهم المختلفة، وذلك بتجاوز الطائفيّة والتوفيق بين المذاهب الإسلاميّة المختلفة.

مآخذ على آراء دي بور
تلك هي الملامح العامّة التي يقدّمها لنا دي بور، سواء في أقسام دراسته المختلفة، أو في الأفكار المسبقة التي ينطلق منها أو الأحكام الجاهزة التي يطلقها على الأخلاق والحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة، وهي في الحقيقة تمثّل جزءًا من السياق الثقافيّ الذي يتحرّك فيه دي بور والمصادر الاستشراقيّة التي نهل منها، ونحن في تحليلنا السابق نأمل في الحفر في الأسس التي ينطلق منها، فالعمل الذي يقدّمه لنا، له إيجابيّاته وله أيضًا سلبيّاته، بعضها التي أشرنا إليها، وبعضها تفيد الباحث في مجال الأخلاق الإسلاميّة، وإن كان بعض هذه الأفكار يحتاج المناقشة والنقد وبيان حدودها المختلفة ومدى اتفاقها أو اختلافها مع الوضع التاريخيّ للتجربة الإسلاميّة والمبادئ الأخلاقيّة الإسلاميّة ومدى كونيّتها وتلائمها مع غايات الإنسان المعاصر. ويمكن أن نشير إلى المزايا والمآخذ على دراسته على النحو الآتي:

من مزايا هذه الدراسة محاولتها التعرّض ليس فقط للأخلاق؛ أي الأسس الابستمولوجيا لعلم الأخلاق الإسلاميّ، أو قل: الأخلاق الإسلامية القرآنيّة، بل أيضًا للحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة التي أظهرتها التجربة التاريخيّة للأمّة الإسلاميّة، وهو مجال لم يدرس بعد الدراسة الجادّة، حيث يعرض للحياة الأخلاقيّة للعرب قبل الإسلام، والواقع الفعليّ للسلوك الأخلاقيّ في المجتمعات الإسلاميّة منذ البعثة حتّى اليوم، إنّ التنبيه على القيم الخلقيّة العربيّة، والسموّ الروحيّ للأخلاق الإسلاميّة -بصرف النظر عن ابتعاد تطبيقها أحيانًا في الحياة اليوميّة عن مبادئ الإسلام- لهي مسائل ينبغي البحث فيها.

ولم يترك المؤلّف أيّ علم من العلوم الإسلاميّة التي تتناول الجوانب الأخلاقيّة المختلفة إلا تناولها بالبحث، فقد عرض للأخلاق القرآنيّة، والأخلاق في الحديث الشريف (السنّة)، وفي الفقه، والكلام، والتصوّف، والفلسفة، بل لا تخلو مصادره من كتب الشعر والأدب، وإن كان لم يفرد لها فقرة مستقلّة؛ حيث يعتمد على «ألف ليلة وليلة»، و«الأغاني» للأصفهانيّ. ونحن نوافق على هذه المجالات التي يعرض لها، وإن كنا نودّ أن نخصّص فقرة أو عدّة فقرات لدراسة الأخلاق في الأدب العربيّ، حيث نجد كثيرًا من الأدباء قد تناولوا بعض الظواهر الاجتماعيّة الأخلاقيّة وأفردوا لها كتبًا مستقلّة، مثل: «البخلاء» للجاحظ، و«الحمقى والمغفّلين» لابن الجوزيّ، وكتب الحبّ والعشق، مثل: «طوق الحمامة» لابن حزم، و«روضة المحبّين» لابن قيّم الجوزيّة، و«تزيين الأسواق في أخبار العشّاق» للأنطاكي، بل نضيف أيضًا الأدب الشعبيّ والأمثال الشعبيّة التي تصوّر لنا القيم الأخلاقيّة أو الحكمة العمليّة للإنسان العادي في حياته اليوميّة، وأهمّيّة بحث الأخلاق في هذه العلوم والمجالات المختلفة يؤدّي بنا إلى دراسة حقيقة الأخلاق الإسلاميّة الواقعيّة، بعيدًا عن دراستها ممتزجة بالأفكار والنظريّات الأخلاقيّة اليونانيّة إن نحن اقتصرنا فقط على دراسة كتابات الفلاسفة في الأخلاق.

اختلاف الصورة اليوم في مجالات الأخلاق
ومقابل الجرأة التي تناول بها دي بور مجال الأخلاق والحياة الأخلاقيّة على امتداد التاريخ الإسلاميّ باتّساع الدولة الإسلاميّة، وتناول الظواهر الاجتماعيّة الأخلاقيّة، السلبيّة والإيجابيّة، من حياة المجون، والفساد الرسميّ، فإنّ دراسات النظريّات الأخلاقيّة لم تحظ بالاهتمام نفسه، كذلك أحكامه التقييميّة على الإسلام كدين تلائم مبادئه الحياة المعاصرة وإنكاره قدرة الدين الإسلاميّ على التعامل مع تعقيدات الحياة الراهنة ومشكلاتها، ومن هنا، يرى ضرورة النظر في المبادئ الإسلاميّة نفسها، وهو ما لا يقبله مسلم. وهذا ينقلنا إلى إيراد بعض المآخذ التي تبدو بسيطة أمام البناء المحكم الذي قدّمه لنا دي بور، وإن كنّا قد أشرنا فيما سبق إلى تبنّي دي بور الأحكام المسبقة حول تأثّر الأخلاق الإسلاميّة بعناصر خارجة عنها.

وتتمثّل هذه المآخذ في البدايات والمنطلقات التي كانت هي الموجّهة لبحثه؛ وهي المصادر والكتب الإسلاميّة التي ترجمت إلى اللاتينيّة حتّى عصره، والكتابات الاستشراقيّة التي تناولت تاريخ وعقائد المسلمين ونصوص الفلاسفة، ثمّ المنهج الأثير في الدراسات الاستشراقيّة، المنهج التاريخيّ، وهو منهج دقيق له أهمّيّته، إلا أنّه يتحوّل في كثير من الأحوال إلى مجرّد تلمّس الأشباه والنظائر لبيان التأثير والتأثّر من الحضارات والأديان السابقة على الإسلام في الفلسفات والأديان اللاحقة التي هي بالضرورة تستمدّ أفكارها ومعتقداتها من السابقين، وأخيرا تلك النتائج التي توصّل إليها دي بور، الذي يتحوّل بحثه في الأقسام النهائيّة ليكون أقرب إلى تقارير حول الحياة الإسلاميّة الواقعيّة والانقسامات بين المسلمين.

ونشير هنا إلى قلّة النظريّات الأخلاقيّة التي قدّمها الفلاسفة المسلمون، فنحن نؤكّد على بعض الفلاسفة الذين لم يتناولهم أو أشار إليهم بإيجاز شديد، وفي مقدّمة هؤلاء: الفارابي، وابن باجة، وابن رشد، وأصحاب النزعة الإنسانيّة في القرن الرابع الهجريّ، أمثال: التوحيديّ، ويحيى بن عدي، وأبي الحسن العامريّ، وابن أبي الربيع وغيرهم، إلا أنّ أهمّ ما ينبغي الإشارة إليه، تلك الأحكام التي يصدرها على امتداد دراسته، والتي تسعى إلى تأكيد ما يشبه الانفصال بين التعاليم الأخلاقيّة الإسلاميّة من جانب، وحياة المسلمين من جانب آخر، وإلى ما يشير إليه ضمنًا من التأثير المحتمل للثقافة والحضارة الغربيّة على حياة المسلمين، ثمّ تساؤله النهائيّ الذي يمثّل تحدّيًا ذا مغزى عن مدى ملاءمة القيم الأخلاقيّة الإسلاميّة في القرآن والسنّة للمستقبل، وهو تساؤل يفرض على الباحث المسلم المعاصر تناول القيم الأخلاقيّة الإسلاميّة التي تستطيع أن تستوعب قيم الحضارة المعاصرة لتنهض ليس فقط بالحياة الأخلاقيّة الإسلاميّة، بل أيضًا بواقع المسلمين المعاصر الذي تحاصره التحدّيات من كل ّصوب. إنّ هذا السؤال الأساس الذي يطرحه دي بور يحتاج إلى دراسة تفصيليّة مستقلّة للردّ عليها؛ ذلك لأنّه يقوم على أساس تاريخيّة الدعوة مثلما لا ينكر أبديّة الوحي، الذي يقدّم لنا مبادئ كلّيّة للحياة الإنسانيّة على اختلاف عصورها ومجتمعاتها. ومن هنا، نطرح تساؤلًا مقابلًا: هل قيم الحضارة الأوروبيّة اليوم التي تقوم على الغلبة التقنيّة، تحقّق للإنسان إنسانيّته؟ أم هي تغييب للجانب الروحيّ الأخلاقيّ وتغليب للجانب المادّيّ الاقتصاديّ؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي طرح مفهوم المركزيّة العرقيّة الدينيّة الغربيّة للسعي في شكل مختلف وكونيّة جديدة تحقّق مسعى الإنسان نحو العيش المشترك في هذا العالم يؤكّد تعدد الثقافات واحترام الخصوصيّات. والذي يمكن لنا تلخيصه في الصيغة الآتية: هل نستطيع أن نقدّم للعالم المعاصر عولمة روحيّة أخلاقيّة مقابل العولمة التقنيّة الاقتصاديّة التي تحياها؟ وهل نستطيع تقديم إسلام المحبّة والعيش المشترك بدلًا من الصور البغيضة التي يسعى البعض إلى إلصاقها بالإسلام، سواء صور العنف أو الكراهية أو رفض الآخر وإقصائه؟


لائحة المصادر والمراجع

ترجمتنا لدراسة لورانس بيرمان عن الأخلاق عند ابن رشد، وشرحه المفقود في العربيّة والموجود في العبريّة واللاتينيّة، وتأثير ذلك على الأدب العبريّ في العصر الوسيط. وقد ترجم حديثًا إلى العربيّة حيث نقله حسن مجيد العبيديّ من الإنجليزيّة، تحت عنوان: «تلخيص السياسة»، دار الطليعة، بيروت 1998، كما نقله أحمد شحلان من العبريّة إلى العربيّة، تحت عنوان: «الضروريّ في السياسة»، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت 1998.
د. أبو اليزيد العجميّ: مقدّمة تحقيق كتاب الراغب الأصفهانيّ «الذريعة إلى مكارم الشريعة»، ط2، دار الوفاء للطباعة والنشر، 1987.
د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم: الفضائل الخلقيّة في الإسلام، دار الوفاء للطباعة والنشر، القاهرة، 1989.
د. أحمد محمود صبحي: الفلسفة الأخلاقيّة في الفكر الإسلاميّ، دار المعارف، القاهرة، 1969. وانظر «الأخلاق في الفكر العربيّ المعاصر»، دار قباء، القاهرة، 1999.
د. عبد الفتّاح عبد الله بركة: في التصوّف والأخلاق، دراسات ونصوص، دار القلم، الكويت، 1983.
د. محمد السيّد الجليند: قضيّة الخير والشرّ في الفكر الإسلاميّ، مطبعة الحلبيّ، ط2، القاهرة، 1981.
دي بور: ابن سينا، الجزء الأوّل من دائرة المعارف الإسلاميّة، إخوان الصفا، الجزء الثاني، والإشراقيّون، الجزء الثالث، دائرة المعارف الإسلاميّة، طبعة دار الشعب، القاهرة.
دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة: محمّد عبد الهادي أبو ريدة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1938.
دراسة د. عبد العزيز عزّت «مسكويه وفلسفته الأخلاقيّة ومصادرها»، مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ وأولاده بمصر، 1946.
دراستنا: الأخلاق عند ابن سينا، مجلّة دراسات إسلاميّة، إسلام أباد، باكستان، عدد خاصّ.
د. فهمي محمّد علوان: القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلاميّ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، 1989.
ماسينيون: بحث في نشأة المصطلح الفنّيّ للتصوّف الإسلاميّ، ط1، باريس، 1922، الطبعة الثانية 1954، والدكتور أبو الوفا التفتازانيّ: مدخل إلى التصوّف الإسلاميّ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، سنة 1993، والدكتور عبد الرحمن بدويّ: تاريخ التصوّف الإسلاميّ، وكالة المطبوعات، الكويت، ط2، 1978.
كاردي فو: الأخلاق، دائرة المعارف الإسلاميّة، الجزء الثاني.
د. ناجي التكريتي: الفلسفة الأخلاقيّة الأفلاطونيّة عند مفكّري الإسلام، ط2، دار الأندلس، بيروت، 1982 (الفصل الخامس) عبد الله بن المقفّع، والدكتور حامد طاهر: الفكر الأخلاقيّ في الإسلام، القاهرة، 1983 (الفصل الأوّل) آداب مجالسه لابن المقفّع، والدكتور ماجد فخري: الفكر الأخلاقيّ العربيّ، الدار الأهليّة للتوزيع، بيروت، ط2، 1986.
محمود علي قراعة: الأخلاق في الإسلام ومن أحاديث الرسول، مكتبة مصر، القاهرة، ط2، 1983.

لائحة المصادر الأجنبيّة

De Medicina Mentis (Von don Arts Razi Mededeelingen der Koninkljke Akademie von wetens chajspen, Afdeeling lettekund deel 53-Serie A Amsterdam 1920, 17.
Zu Kindi und seirer schuile” in stein’s Archiv Fur Geshichte der philosophie x111s. 153ff.
De Boer: Ethics and Morality, Muslim (ودراستنا التي خصّصناها لبيان موقف ابن رشد من المرأة).

-------------------------
[1]*- كبير باحثين - مركز المخطوطات - مكتبة الإسكندريّة.
[2]- دي بور: ابن سينا، الجزء الأوّل من دائرة المعارف الإسلاميّة، ص318: 325، إخوان الصفا، الجزء الثاني، ص452-454، والإشراقيّون، الجزء الثالث، ص415-416، دائرة المعارف الإسلاميّة، طبعة دار الشعب، القاهرة.
[3]- دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة: محمّد عبد الهادي أبو ريدة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1938.
[4]- “Zu Kindi und seirer schuile” in stein’s Archiv Fur Geshichte der philosophie x111s. 153ff.
- De Medicina Mentis (Von don Arts Razi Mededeelingen der Koninkljke Akademie von wetens chajspen, Afdeeling lettekund deel 53-Serie A Amsterdam 1920, 17.
[5]- De Boer: Ethics and Morality, Muslim. (ودراستنا التي خصّصناها لبيان موقف ابن رشد من المرأة).
[6]-  كاردي فو: الأخلاق، دائرة المعارف الإسلامية، الجزء الثاني، ص436-441، فالتزر وجب: الأخلاق، دائرة المعارف الإسلامية، الموضع السابق، ص441-445.
[7]- انظر ترجمتنا لدراسة لورانس بيرمان عن الأخلاق عند ابن رشد، وشرحه المفقود في العربية والموجود في العبرية واللاتينية، وتأثير ذلك على الأدب العبري في العصر الوسيط. وقد ترجم حديثًا إلى العربية حيث نقله حسن مجيد العبيدي من الإنجليزية تحت عنوان تلخيص السياسة، دار الطليعة، بيروت 1998، كما نقله أحمد شحلان من العبرية إلى العربية تحت عنوان «الضروري في السياسة»، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1998.
[8]- راجع دراستنا: الأخلاق عند ابن سينا، مجلّة دراسات إسلاميّة، إسلام أباد، باكستان، عدد خاصّ.
[9]- ترجمتنا لدراسة دي بور.
[10]- في النصّ يذكر محمّد  باعتباره مؤلّف القرآن. ويطلق عليه «المحمّديّة» وهو نفس ما فعله هيجل في الحديث عن الإسلام في كتابه عن فلسفة التاريخ . وبخصوص العلاقة بين القرآن والأخلاق، علينا الرجوع إلى دراسة الشيخ محمّد عبد الله داراز «دستور الأخلاق في القرآن”.
[11]- محمود علي قراعة: الأخلاق في الإسلام ومن أحاديث الرسول، مكتبة مصر، القاهرة، ط2، 1983.
[12]- د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم: الفضائل الخلقيّة في الإسلام، دار الوفاء للطباعة والنشر، القاهرة، 1989، ص12، يقول: «إنّ هذه الدراسة للفضائل لم تدع لدينا أيّ شكّ في أنّ للإسلام نظامه الأخلاقيّ الأصيل وفضائله الخلقيّة المتميّزة... بطبيعة الحال، مصادر هذه الدراسة أساسًا لا بدّ أن تكون من القرآن الكريم والسنّة الشريفة»، المصدر السابق، ص14.
[13]- د. أبو اليزيد العجميّ: مقدّمة تحقيق كتاب الراغب الأصفهانيّ «الذريعة إلى مكارم الشريعة»، ط2، دار الوفاء للطباعة والنشر، 1987، ص11.
[14]- في النصّ الاستماع إلى الموسيقى، ولا نستطيع أن نقرّه على ذلك؛ لأنّ مثل هذه القضايا تستحقّ نقاشًا أعمق.
[15]- راجع: د. فهمي محّمد علوان: القيم الضروريّة ومقاصد التشريع الإسلاميّ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، 1989، ص11.
[16]- المرجع السابق، ص10.
[17]- راجع: د. فهمي محّمد علوان: القيم الضروريّة ومقاصد التشريع الإسلاميّ.
[18]- د. محمّد السيّد الجليند: قضيّة الخير والشرّ في الفكر الإسلاميّ، مطبعة الحلبيّ، ط2، القاهرة، 1981.
[19]- د. أحمد محمود صبحي: الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، دار المعارف، القاهرة، 1969، ص49: 50. وانظر «الأخلاق في الفكر العربي المعاصر»، دار قباء، القاهرة، 1999.
[20]- د. عبد الفتاح عبد الله بركة: في التصوف والأخلاق، دراسات ونصوص، دار القلم، الكويت، 1983، ص56.
[21]- لعل أهمية هذا النوع من الأدب في بيان الفضائل الأخلاقية تجعلنا نعد ابن المقفع، وهو ليس فقط من الشخصيات الأدبية، بل في مقدمة المفكرين، وقد خصصت له كتب الأخلاق العربية الحديثة عدة فصول، كما نجد لدى كل من: د. ناجي التكريتي: الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام، ط2، دار الأندلس، بيروت، 1982 (الفصل الخامس) عبد الله بن المقفع، ص203: 217، والدكتور حامد طاهر: الفكر الأخلاقي في الإسلام، القاهرة، 1983 (الفصل الأول) آداب مجالسه لابن المقفع، ص10-40، والدكتور ماجد فخري: الفكر الأخلاقي العربي، الدار الأهلية للتوزيع، بيروت، ط2، 1986، ص9.
[22]- لا يشير دي بور إلى أي من الفلاسفة الأخلاقيين العرب المسلمين الذين قدموا جهودًا كبيرة في هذا المجال، خاصة الكندي والفارابي وابن سينا وأبو الحسن العامري وابن باجة وابن رشد وابن حزم وغيرهم. وما تعليل ذلك سوى غياب المصادر وقلة النصوص المتاحة أمامه، وأن كنت أشك في ذلك.
[23]- لم تبحث الأخلاق عند إخوان الصفا بحثًا كافيًا، باستثناء ما قدمه د. ناجي التكريتي والدكتور صالح الشماع عن النفس والأخلاق عند إخوان الصفا في كتاب «رسائل فلسفية»، دار الشئون العامة، بغداد، 1989.
[24]- راجع دراسة د. عبد العزيز عزت «مسكويه وفلسفته الأخلاقية ومصادرها»، مطبعة عيسى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1946.
[25]- خصّص دي بور فقرة طويلة للغزاليّ، وهو الوحيد الذي وصفه بوصف فيلسوف، بحيث يوحي إلى القارئ بأنّ الغزالي أهمّ شخصيّة في الفكر الأخلاقيّ الإسلاميّ، وهذا الاهتمام الذي يوليه دي بور يسري لدى الباحثين اللاحقين، حيث لا تخلو معظم كتب الأخلاق الإسلاميّة من تناول الغزاليّ.
[26]- لقد اقتصرت تلك الحركة وهذا التأثير إلى حدّ كبير على العلوم والتقنيّات، والتي لم تستوعب في تلك البلاد إلا بصورة سطحيّة، أمّا بخصوص مدى نجاحها وإثمارها في المجال السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، فضلًا عن الأخلاقيّ، فهذا ما سيجيب عنه المستقبل وحده، وواضح بعد ما يقرب من تسعين عامًا أنّ التوجّه إلى فكر الغرب أصبح هو التيّار السائد في معظم الدول الإسلاميّة.
[27]- يقول: إنّه من حيث الشكل الأخلاقيّ، فإنّ العالم الإسلاميّ حتّى بصورته الحاليّة يمكن تشبيهه نوعًا ما بأوروبا في القرون الوسطى أكثر من تشبيهه أو مقارنته بعالم اليوم.
[28]- فالزنوج في شمال أفريقيا رغم كونه ذوي طباع مستهترة، وأيضًا غير جديرين بالثقة، فإنّهم متعصبّون في أخلاقهم للدين، والبربر وهم -كما يقول- همجيّون أفظاظ من الصعب إخضاعهم وترويضهم، أمّا الفلّاحون المصريّون، فقد اشتهروا بقوّة التحمّل والصبر... ومسلمو الهند شديدو الاختلاف عن الأفغان، والجاويّون شعب هادئ سهل القياد، والأخيين (Achchnese) شعب محبّ للحرب وأعمال السلب والنهب.
[29]- راجع: ماسينيون: بحث في نشأة المصطلح الفنّيّ للتصوّف الإسلاميّ، ط1، باريس، 1922، الطبعة الثانية 1954، ص104-105، والدكتور أبو الوفا التفتازانيّ: مدخل إلى التصوّف الإسلاميّ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، سنة 1993، والدكتور عبد الرحمن بدوي: تاريخ التصوّف الإسلاميّ، وكالة المطبوعات، الكويت، ط2، 1978، ص44-62.