البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

البشر والحجر في الإيالة التُّونسيَّة

الباحث :  خالد رمضاني
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  38
السنة :  ربيع 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 13 / 2024
عدد زيارات البحث :  818
تحميل  ( 688.866 KB )
ملخّص
انتشر المستكشفون والرَّحَّالة الأوروبيِّون خلال منتصف القرن التَّاسع عشر عبر العالم لوصف مختلف البلدان وشعوبها، ودوَّنوا رحلاتهم، ومغامراتهم، ويوميَّاتهم بكلِّ تفاصيلها. لقد ارتبطت هذه المؤلَّفات بخلفيَّاتها الفكريَّة، والمسارات المستقبليَّة لكلِّ كاتب، وبنظام، وبعصر، درجت فيه سرديَّات معيَّنة لغايات محدَّدة.
لقد نُشرت كتابات تصوِّر التُّونسيِّين بطريقة فيها كثير من الاحتقار والدُّونيَّة، فساهمت في نقل الكثير من القوالب النَّمطيَّة، لكن يبدو أنَّ هناك شيئًا من الغلوِّ، والحساسيَّة الزَّائدة في الحديث عن هذا الاستعلاء الأوروبِّي، أي التَّسليم بتفوُّق الأوروبيِّين، وتخلُّف غيرهم. فعلى الرَّغم من هذه السَّرديَّات الاستعماريَّة، إلَّا أنَّ بعض الأعلام الأوروبيِّين انصفوا العرب المسلمين من خلال «اكتشاف» تونس بجانبها المضيء.

الكلمات المفتاحيَّة: الإيالة التُّونسيَّة، هنري دونان، أرنست بيليسيي، الرَّحَّالة، سرديَّات.

مقدِّمة
انتشر المستكشفون، والرَّحَّالة الأوروبيِّون خلال منتصف القرن التَّاسع عشر عبر العالم لوصف مختلف البلدان وشعوبها، ودوَّنوا رحلاتهم، ومغامراتهم، ويوميَّاتهم بكلِّ تفاصيلها. لقد ارتبطت هذه المؤلَّفات بخلفيَّاتها الفكريَّة، والمسارات المستقبليَّة لكلِّ كاتب، وبنظام، وبعصر، درجت فيه سرديَّات معيَّنة لغايات محدَّدة. لفهم هذه السَّرديَّات، وغاياتها سنعرج قليلًا على ما يُسمَّى بنظريَّة «ثلاثة C». هو نموذج توضيحي يبيِّن غايات المستكشفين في القرن التَّاسع عشر، ووضع أسس الإيدولوجيا الاستعماريَّة، للدَّلالة على الثَّلاث مصطلحات

civilisation- commerce- christianisme الحضارة، والتِّجارة، والمسيحيَّة[2]. أمَّا بالنِّسبة لبعض الباحثين، تصبح العناصر الثَّلاثة خمسة: «الفضول، والحضارة، والتَّنصير، والتِّجارة، الاستعمار»[3].

Curiosité, Civilisation, Christianisation, Commerce, Colonisation.
وبالنِّسبة للكتابات حول الإيالة التُّونسيَّة، فإنَّها لم تشذَّ عن هذه النَّظريَّات، فمن الرَّحَّالة من كانت غايته تجاريَّة، وحتَّى فضوليَّة، وبخاصَّة استعماريَّة، لنشر قيم الحضارة الأوروبيَّة، واخترنا أن ندرس مؤلّفَيْن اثنين، لكلٍّ منهما سيرته الذَّاتيَّة الَّتي طُبعت في أذهان النَّاس. الأوَّل هو السويسري هنري دونان[4] وكتابه «مذكَّرة حول إيالة تونس»، الَّذي وُصِف فيه الإيالة التَّونسيَّة، ودوَّن ملاحظات عن الأحوال المعيشيَّة للسُّكَّان، وعن المهمَّشين، والمقصيِّين من السُّكَّان. تكمن أهمِّيَّة الكتاب في ما «تضمَّنته من نزاهة ودقَّة في العرض والتَّحليل. فلم يكن متجنِّيًا في وصفه، بل كان محايدًا، معطيًا لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه».

أمَّا الثَّاني، فهو العسكري، والقنصل الفرنسي أرنست بيلييسيي دي راينو[5]، الَّذي كان موسوعيَّ الفكر، طوَّع المعلومات الَّتي جمعها وفقًا لمصلحة عليا هي المصلحة الفرنسيَّة وأطماعها، من خلال تقديم أبحاثه على طبق للسِّياسيِّين، والعسكريِّين، وتحديدًا في كتابه «وصف إيالة تونس»[6]. وعلى الرَّغم أنَّ هذا الكتاب اكتسى طابعًا علميًّا بفضل ما تضمَّنه من معلومات مكثَّفة، لكنَّه لم يعد خافيًا على أحد أنَّه كان عملًا ساهم في جوانب كثيرة في التَّمهيد لاحتلال الإيالة التُّونسيَّة، سواء من ناحية خلفيَّة الكاتب العسكريَّة، أو المعلومات الدَّقيقة عن المدن، والقرى، والجبال، والسُّهول، والسُّكَّان، وعددهم، وانتشارهم أواسط القرن التَّاسع عشر، بالإضافة إلى المعلومات المكثَّفة حول الآثار القديمة، وبخاصَّة النَّقائش الرُّومانيَّة لإضفاء نوع من الشَّرعيَّة التَّاريخيَّة لاستكشافاته حول أيِّ عمليَّة هيمنة استعماريَّة مستقبلًا، ولا يفوتنا أن نذكر أنَّ البحوث الَّتي تتمحور حول دراسة الإمبرياليَّة، والهيمنة الاستعماريَّة خلال حول القرن التَّاسع عشر، خلصت أنَّ مثل هذه الاستكشافات كانت نتيجة طبيعيَّة للغزو الاستعماري، أو هي مقدِّمة له.

لقد اخترنا هذين الكتابين لأنَّهما متزامنين تقريبًا، فقد نشرا في خمسينيَّات القرن التَّاسع عشر، واعتمدنا على ترجمتهما العربيَّة الَّتي قام بها محمَّد العربي السَّنوسي[7]. وفيهما، أدلى كلُّ كاتب بدلوه حول الإيالة التَّونسيَّة، وشعبها، وتاريخها، ودوَّن ما يخالجه حسب خلفيَّته الفكريَّة، والإيديولوجيَّة، وطرح أفكاره، ورؤيته للعالم كما هو، وكما يجب أن يكون، من زاوية رؤيته طبعًا.

كتابان ومنهجان، الفرنسي والسويسري
تعرَّف بيليسيي على عادات السُّكَّان من خلال التَّنقُّل، والاحتكاك المباشر بهم، وقد بيَّن المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها عند ترحاله في كامل الإيالة: «هذه هي الطَّريقة الَّتي أشغل بها أيَّام مسيرتي: أسير عند طلوع الفجر، إذ إنَّني أتنقَّل لمشاهدة كلَّ شيء، فلا يمكنني السَّير في اللَّيل، وأقوم برفع قياسات الأماكن المتَّبعة بالبوصلة، وباحتساب المسافات بحسب خطوات الحصان والتي قدَّرتها بمائة متر في الدَّقيقة، وأرسـم كلَّ النِّقاط العالية المتماثلة أمامي، وأسجِّل باللُّغة العربيَّة أسماء كلِّ القرى، وأتوقَّف عند الوقت المناسب في القرى الَّتي تستحقُّ ذلك، وأنهي يوم السَّير، بقدر المستطاع، بين منتصف النَّهار والسَّاعة الثَّانية. ولو كنت في دوار، أنصب خيامـي، وإن كنت في مدينة، أو قرية يوفِّران لي بعض ضمانات النَّظافة، أقيم في أحد المنازل، وما إن تتمُّ الإقامة، ويمسى الطَّبَّاخ يعمل، والخيول مربوطة، حتَّى أتنقَّل على الأقدام لزيارة القرية، ومساءلة السُّكَّان للحصول على معلومات تكون بالنِّسبة إليَّ ضروريَّة، وبعد العشـاء، أجلس أمام خيمتي، حيث لا أتأخَّر في الحصول على عديد الزِّيارات. وفي كلِّ ليلة، أسجِّل يوميَّات رحلتي، وأرسم في دفتري رسم الطَّريق على سلم1/ 200,000 ، وهو سلَّم كافٍ لنوعيَّـة عملي، والَّتي قمت أيضـا إلى تقليصها إلى سـلم 1/ 800,000 في الخريطة المرافقة لهذا التَّأليف»[8]. لقد اعتبرت الخرائط عنصرًا للاكتشاف والمعرفة. وكانت التَّتويج المنطقي لرحلات الاستكشاف، والَّتي أصبحت جزءًا من آفاق الاستعمار المحتمل للإيالة التُّونسيَّة[9]. ولقد تبنَّى بيليسيي تجربة التَّفاعل مع الأهالي، وقد أفرحه أن يراهم حوله، فتحدَّث عن الحشود الَّتي تتشكَّل حوله عند وصوله إلى القرى، أحيانًا يفرح وأحيانًا ينزعج، وعمل على التَّأثير في السُّكَّان من خلال قراءة الجرائد لهم، الَّتي اعتبرها وسيلة قوِّيَّة التَّأثير المعنوي رغم أنَّ الإدارة الفرنسيَّة لم تستعملها في الجزائر من قبل، وكانت يمكن أن تجنِّب الكثير من الثَّورات.

في المقابل، مكث السويسري هنري دونان في الإيالة التُّونسيَّة بين سنتي 1856 و1857. وقد مثَّل الكتاب الَّذي ألَّفه مرجعًا هامًّا حول الإيالة التُّونسيَّة لما اتَّسم به بالحياد، والموضوعيَّة، ولم يكن متجنيًّا في ملاحظاته حول الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة. ورغم أنَّ هذا الكتاب لم يعرف الرَّواج الَّذي عرفه كتابه الآخر حول الحرب الفرنسيَّة النمساويَّة بسولفيرينو سنة 1859، إلَّا أنَّه يعتبر مصدرًا محايدًا عن الأوضاع في تونس منتصف القرن التَّاسع عشر. إذ تقدِّم لنا المذكرة صورة عن التَّعايش بين مختلف الجنسيَّات الموجودة في البلاد والتَّسامح بينها.

كأي مؤلِّف سيتطرَّق الكاتب إلى المجتمع الَّذي زاره، وأحوال النَّاس، وعاداتهم، وتقاليدهم، أي أنَّ الملاحظة، والوصف، وربَّما الدِّراسة، تكون أدوات الكاتب في إخراج مؤلَّفه للعموم، لقد عاين مباشرة المجتمع التونسي مع إبراز أفكاره، ومعتقداته، وأنشطة أهله، ووصف حياتهم من دون إصدار أحكام قطعيَّة بناء على ثقافته، وخلفيَّته الدِّينيَّة. وتبرز هنا نقطة منهجيَّة هامَّة وهي عدم الحكم على الأشياء من منظور الباحث العقائدي، أو الحضاري، وإنَّما ضرورة وصف الأشياء على ما هي عليه. وبمعنى آخر، سعى إلى تقديم صورة واقعيَّة، وتقريريَّة للأمور الحياتيَّة للمجتمع التُّونسي في منتصف القرن التَّاسع عشر[10].

ثقافة التُّونسيِّين وطباعهم
تعرض دونان على أصول التُّونسيِّين العرب منهم والأمازيغ، إلى جانب «أجمل جنس من السُّكَّان الأندلسيِّين»، وهم من عرب إسبانيا، وعرب صقلية. وينحدر بعض الأهالي من الأتراك، والكوروغوليَّة، بالإضافة إلى الأصول الأوروبيَّة، والآسيويَّة للبعض منهم. ومن البحارة، والعبيد الأسبان، واليونانيِّين، والإيطاليِّين، والشركس بعد أن اعتنقوا الإسلام. ذكر الكاتب أنَّ الأندلسيِّين لا يريدون مصاهرة البدو كما أنَّ البدو لا يريدون تزويج بناتهم من أندلسي. لأنَّهم «مدنيِّون، وقورون، وهادئون، لهم أنفة، ومعتدُّون، ومعجبون بأنفسهم، وأحيانًا متعالون ومتأنِّقون، رغم أنَّهم دومًا شديدو الأدب واللُّطف».

كدونان، ذكر بيليسيي الترَّكيبة العرقيَّة للتُّونسيِّين، ولم يفوت الفرصة لذكر بقايا العنصر الأوروبي المنحدر من الحضور الرُّوماني قديمًا الَّذي لم يضمحل نهائيًّا بمفعول الهجرة إثر «الغزو» الإسلامي، وكلُّ ما تبقى لـم يندمج إلَّا بصورة بطيئة في صلب السُّكَّان المسلمين. وما زال العنصر البربري موجدًا في جبال الشَّمال والجنوب من الإيالة، بالإضافة إلى عدد قليل من الأتراك، غير أنَّ الكراغلة المنحدرين من أتراك ونساء محليَّات، هم فيها، مثلمـا هم في الجزائر، بعدد لا يستهان به. ومثلما هو في كلِّ مكان، مجموعة ضخمة من اليهود[11]. ولعلَّ من المفيد أن نذكر وصف القبيلة من قبل بيليسيي الَّذي اعتبرها هي نفسها القبيلة الجزائريَّة، وقد لخَّصها في «حياة الخيمة، والدَّوار، والشَّيخ، وكلِّ ما ينجر عن ذلك»[12].
أمَّا السويسري، فقد أورد السويسري بعض الصِّفات حول الأندلسيِّين، الَّذين حافظوا على ميزات الفروسيَّة، ويحبِّون إعانة، وإظهار الكثير من الاهتمام للأجانب[13]. وناهيك عن ذلك، تحدَّث عن بعض الصِّفات الحميدة الَّتي يتمتَّع بها الأندلسي، والعربي مثل التَّأدُّب، واحترام العائلة، إذ يحترم الأبناء آباءهم، وإخوتهم الكبار حيث يمتنعون عن التَّدخين أمامهم. ويكنون احترامًا كبيرًا للأجداد، على عكس الأوضاع في أوروبا، فقلما يعرفون أجدادهم إلى أكثر من ثلاثة، أو أربعة أجيال، لكن يحافظ المسلمون على ذكر أجدادهم في الماضي البعيد[14]، اعتبر أنَّ العربي الأصيل لا يعرف الاعتدال في الحبِّ، أو في الكراهيَّة. لم يكتف بذكر طباع العرب المسلمين، فلم يغفل عن التَّطرُّق إلى حضور اليهود في تونس، الَّذين اشتغلوا أساسًا في التِّجارة، والبنوك، والسَّمسرة، أمَّا الطَّبقة الوسطى منهم، والسُّفلى فإنَّها تمتهن الخياطة، والتَّطريز، والحياكة، والعطريَّة، وصناعة الفراء[15]. وفي علاقة بتعامل المسلمين معهم، كان ثابتًا لدى الكاتب أنَّ المسلمين أظهروا إنسانيَّة أكثر من المسيحيِّين اتِّجاه اليهود بعد تهجيرهم من الأندلس، ووصفهم بأنَّهم شعب مسكين، ونعتهم بالجبن، والطَّمع، وبخلاء، ويريدون تصنع الفقر لكنَّهم ماهرون، وأذكياء، وفطنون.

في مقابل دونان، ذكر بيليسيي طبيعة الحياة الاجتماعيَّة في كيفيَّة كسب القبائل لقوتها، وبخاصَّة تلك الَّتي تتنقل بين جنوب، ووسط البلاد، وشمالها. وبيَّن أهمِّية منطقة باجة للكثير من القبائل التُّونسيَّة: «ويطلق العربان على نواحي باجة، والأودية الَّتي تجمعها بحوض مجرَّدة، وهذا الحوض بالذَّات، تحت الاسـم الانطباعي إفريقيَّة، أي إفريقيا بأتمِّ معنى الكلمة، فهي مثلما نرى ذكرى لمقاطعة إفريقية الرُّومانيَّة...»[16]. بالغ بيليسيي في الحديث عن القبائل، وتنقُّلاتهم، ورأى أنَّه من الضَّروري مراقبتهم خوفًا من تهريبهم السِّلاح إلى الحدود الجزائريَّة. وهو نفسه الَّذي أراد أن يوسِّع صلاحيَّات قنصليَّة سوسة الَّتي كان يديرها، إلى ما وراء منطقة السَّاحل، أي إلى صفاقس، وحتى جربة. لقد كان لدى القنصل، وممثِّليه شبكة من المخبرين تتكوَّن من التُّجَّار الفرنسيِّين، والوسطاء المحليِّين الَّتي تبلغ المصالح القنصليَّة بأي عمليَّات يشتبه في أنَّها تدعم المقاومة الجزائريَّة[17].

وحري بنا التَّطرُّق لموقف بليسيي من القبائل القريبة من الحدود الجزائريَّة، ونذكر تحديدًا قبائل خمير، الَّتي هدَّدها بسبب ما اعتبره أعمال النَّهب الَّتي تقوم بها ضدَّ صيَّادي المرجان. وقال «ستجلب إليها آجلًا أم عاجلًا عقابًا صارمًا من قبل جيشنا، ومن المتوقَّع أن يجعلها تفقد هذه الحرِّيَّة»[18]. فهو بذلك اعتبر مبكرًا أنَّ الإيالة التُّونسيَّة فضاء سيادة مستقبلي لفرنسا. فسعى وفق لذلك، إلى وصف ما يمكن أن تكون عليه «طرق الاختراق»، لاحتلال الإيالة التُّونسيَّة[19].
على الرَّغم من نظرته القاسية اتِّجاه القبائل، لكنَّه أثنى على المثاليث الَّذين «يعيشون تحت الخيام، وليس لهم قرى مستقرَّة، ولكن عاداتهم أكثر اجتهادًا وأقلَّ تسكُّعًا من بقيَّة الرَّحَّل. ويمكن أن يكونوا، تحت إدارة حكيمة، من أحسن السُّكَّان الفلاحين»[20].
ونادرًا ما كان يذكر محاسن القبائل في ما يتعلَّق بالتَّنظيم، والنَّظافة، ونجد هذا في حديثه عن عروش دريد: «تخضع عروش دريد لقايد، يتجمَّعون حوله في أعداد كبيرة عند اقتراب وقـت التَّنقَّل إلى الجريد. عندها يحصـل هذا القايد على ألف وخمس مائة خيمة حول خيمته، وحتَّى في الأوقات العاديَّة، فإنَّ زمالته لا تعـدُّ إطلاقًا أقلُّ من ثلاث مائة خيمة. إنَّه أروع دوار عربي شاهدته في حياتي، سواء من حيث مظاهر الثَّروة الَّتي يبديها، أو من حيث النَّظافة، والنِّظام السَّائدين، أو حتَّى بشـدَّة جمال الرِّجال، والنِّسـاء القاطنين فيه»[21].

وصف الفرنسي خِلقة سكان الصَّحراء وخُلقهم مثلًا، ولاحظ امتزاج السُّكَّان بالجنس الأسود، «ولم يعد هناك عرق جميل، فقد تبيَّن لي بأنَّ النِّسـاء قبيحات دميمات المنظر، ومهملات من حيث الهندام، إنَّهنُّ يخلعن عـن الواحات الصِّفة الشِّعريَّة، عندمـا تُرغم على لقائهنَّ». وبغضِّ النَّظر عن هذا الوصف الخلقي، فإنَّه مدح وداعتهم، ومثابرتهم، وتسامحهم، وإتقان تكلُّم اللُّغة العربيَّة. وفسَّر هذا الوضع بإقبالهم على الدِّراسات الأدبيَّة[22]. أمَّا بخصوص نمط عيشهم، وتأثيرهم على طباع التُّونسيِّين، فقد تطرَّق مثلًا، إلى تأثير الاستقرار على طبائع سكَّان السَّاحل، والسَّهل السُّفلي لمجردة وقرى أخرى، أنَّها جعلت عاداتهم هادئة ونزيهة، لكن يمكن أن تقترن بها بعض العيوب من الضَّعف وقلَّة البأس والنَّشاط[23].

تطرَّق كلا الكاتبين إلى حضور الجاليات الأوروبيَّة في الإيالة التُّونسيَّة، وظروف استقرارهم، واعتبر دونان أنَّهم يتمتَّعون بحرِّيَّة كاملة في ممارسة نشاطاتهم اليوميَّة في ظلِّ وجود حماية من القنصليَّات الأجنبيَّة، وبخاصَّة الفرنسيَّة والإنجليزيَّة، حتَّى أنَّ الأوروبيِّين الَّذين ليس لديهم قنصل رسمي يمكن لهم أن يختاروا قنصلًا لحمايتهم. بالإضافة إلى وجود أنشطة للتَّرفيه كالمنتديات أوروبية مثل Circolo Europeo Di Tunis. ووجود عروض موسيقيَّة ومسرح، حيث تعرض فرقة موسيقيَّة، ومسرح، وعروض أوبرا، ومسرحيَّات، ومكتبة[24]. واستعرض أسماء الدِّيبلوماسيِّين الأوروبيِّين، وعدد عشرين طبيبًا من عشر قوميَّات[25].
أمَّا بيليسيي، فقد رأى وضع الجاليات الأوروبيَّة بعد احتلال الجزائر من وجهة نظر المنظِّر الاستعماري، فلكلِّ القوى الأوروبيَّة، والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة قناصل عامين في تونس. ويقيم فيها المسيحيِّون، في كنف الأمن التَّامِّ، وهم محلُّ احترام شديد، ولم يكن وضعهم جيِّدًا قبل احتلال الجزائر، «فقد كان وجودهم خاضعًا لشروط قاسية ومهينة، مثلما هو الشَّأن في كلِّ المنطقة البربريَّة... وأخيرًا، أزاحت فرنسا عن أوروبا هذا الخزي. ومنذ ذلك الحين، تغيَّرت الأدوار في تونس. وكأنَّما المسيحيِّون أصبحوا الآن أسياد البلاد»[26].

لقد تطوَّر حضور الأوروبيِّين في الإيالة التُّونسيَّة خلال القرن التَّاسع عشر سواء من ناحية خلفيَّتهم المهنيَّة من عمَّال، وتجَّار، وأطبَّاء، أو الدِّينيَّة يهود، أو مسيحيِّين. وقد نجحوا في بناء إطار عائلي متشابك الجنسيَّات استطاع أن يفرض حضوره، ويدافع عن مصالحه في ظلِّ ظرفيَّة القرن التَّاسع عشر الَّتي عرفت إصلاحات دافعت عن مصالح الجاليَّات الأجنبيَّة[27].

أطنب الكاتبان في الحديث عن أصول التُّونسيِّين، وأعراقهم، وتوزُّعهم على القبائل وفي المدن والبوادي، وذكروا طباعهم، وسماتهم الخِلقيَّة، والخُلقيَّة، وتأثير حياة المدينة، أو البداوة على هذه الصِّفات. كما لم يغفلا عادات التُّونسيِّين في ما يتعلَّق بالموارئيَّات، وحضورها في تكوين شخصيَّتهم، سواء مسلمين أو يهود.

المادِّي واللَّامادِّي في الحياة اليوميَّة للتُّونسيِّين
لطالما انتشرت عقليَّة التَّطيُّر، واستعمال السِّحر منذ قرون في المجتمع التُّونسي، وتمَّت صياغة جملة من الأدوات الَّتي تترجم هذه الممارسات والذِّهنيَّات. ولم يكن عسيرًا على دونان ملاحظة وجود بعض الحيوانات المبجَّلة عند المسلمين مثل اللُّقلق، والخطاف، والحيَّة الَّتي يعتقدون أنَّها تجلب الثَّروة، والرِّزق للبيت[28]. وذكر الكاتب عديد الأمثلة الَّتي تبيِّن إيمان عامَّة سكَّان تونس بالسِّحر، والسَّاحرات الَّذين يطلقون عليهم تسمية «تقازة»، والاستنجاد بهم خوفها من المجهول، أو من الحظِّ العاثر: و«في العادة يكن عجائز يدَّعين معرفة المستقبل بمشاهدة الكواكب، والورق واليد. بالإضافة إلى وجود مشعوذين، وزهَّاد، وروحانيِّين يستعملون العديد من الأساليب مثل الأدعية، وشراب سحري، والتَّمائم، والطَّلاسم»[29]، فالمجتمع التُّونسي بطبعه شديد الإيمان بالجنِّ والعفاريت[30].
وبطبيعة الحال، لم يغفل عن الحديث الأولياء الصَّالحين في تونس، وما أكثرهم، فهم قبلة الأهالي للتَّعبُّد، وأخذ البركة، فأورد «كرامة» حول الولي الصَّالح عمر عبادة الَّذي له معجزات ذائعة الصِّيت. وذكر أنَّه خلال حرب القرم بين الرُّوس والعثمانيِّين، أنَّ هذا الولي الصَّالح قد قال إنَّه لن تتمَّ السَّيطرة على مدينة سيفاستوبل الرُّوسيَّة إلَّا عند وصول المدفعين الَّذي أرسلهما أحمد الباي، إذ سيخلق هذين المدفعين المعجزات. وبصدفة مذهلة تمَّت السَّيطرة على المدينة حين وصول المدفعين هناك[31]. نقل دونان هذه الحادثة وبيَّن عبرها أنَّ «زمن الأزمة يرسِّخ الإيمان بالخوارق»[32].

ومن جهَّة أخرى لاحظ دونان طقوس الحزن عند التُّونسيِّين، واعتبر أنَّ لهذه التَّقاليد دور في تكريس العادات. واعتبر «أنَّ كلَّها تقريبًا لها جانب محترم»، مثل مواكب الدَّفن، وما يتمُّ فيها من أعمال، وأناشيد حزينة تعبِّر عن وقار، وتعظيم للمناسبة، وما يتبعه من «أعمال خيريَّة» مثل حفرة في القبر للمحافظة على مياه الأمطار للعصافير الصَّغيرة[33]. ولم يفوِّت السويسري فرصة وصف مشاهد النِّساء وهن يزرن المقابر، ويبالغن في البكاء، والنُّواح، والنَّدب، «وإلى يأس بلا حدود، وتقلع شعرها، وتغرس أضافرها في وجهها، ويكون الرِّجال أكثر صبرًا، حتَّى وإن كان حزنهم عميقًا، فهم لا يظهرونه»[34].
كما تحدَّث الكاتب السويسري عن تطيُّر اليهود، وهو الَّذين أورد لهم بابًا في مؤلَّفه، حيث «إن كانوا خائفين من أذى شخص فإنَّهم يحرقون قطعة من ملابسه حتَّى يردُّوا كلَّ أذى قد يصدر من هذا العدو المفترض، بالإضافة أنَّهم يضعون على أبواب منازلهم صور يد بأصابعها الممدودة، وتكون «الخُمسة» من حديد، ومن ورق، ومن خشب، أو مطليَّة على الحائط، أو على الباب، أو على الدُّكان. فهي تحمي من أذى عين الحسد، كما يعتقد ذلك الإيطاليِّين وهي عادة كلِّ الأهالي. ويتلفظون بعبارة «الحوت عليك»، أو «يوسف»، وهذا يعني «لتكن روح يوسف ابن يعقوب معك»، كما يضعون في منازلهم ذنب سمكة حقيقيَّة[35]، وتكون عادة سمكة تن[36].

أمَّا الفرنسي، فلم يكن مُقصِّرًا في ذكر الأساطير، و»الكرامات» المتعلِّقة بالأولياء الصَّالحين، مثل سيدي فتح الله الَّذي يستطيع جعل النِّساء قادرات على الإنجاب من خلال انزلاقهنَّ منحنيات على مسلك مائل مثلما يلعب الأطفال، لكنَّه شكَّك في هذه الأسطورة، واعتبر أنَّ الحمل يتمُّ بفضل بعض المعدَّات الَّتي لم يسمِّها. بالإضافة إلى حديثة عن للة منوبية، الَّتي استطاعت أن تحوِّل زوجها إلى امرأة، ولم ترجع له ذكورته إلَّا عندما وقَّع على وثيقة الطَّلاق[37].

وحيث إنَّ الثَّابت محافظة التُّونسيِّين على زيارة الأولياء الصَّالحين من أجل العلاج، أو طلب الرِّزق، والبركة، أو الحمل[38]. لاحظ بيليسيي كثرة الأولياء الصَّالحين من النِّساء مثل للّة الصَّبية، وللّة السَّيِّدة، أي السَّيِّدة العذراء، والسَّيِّدة السَّعيدة بحسب تفسيره. «هذا الكمُّ من النِّساء اللَّاتي توفِّر لهنَّ المعتقدات الشَّعبيَّة السَّعادة السَّماويَّة، تؤكِّد مرَّة أخرى أنَّ الإسلام لم يكن بالغباوة المقرفة الَّتي ترفض روحًا إلى أهمِّ نصف من الجنس البشري. ألا يمكن لنا أن نستنتج أيضًا بأنَّ هذه الصِّفة اللَّطيفة بالعذراء الَّتي تمنح لإحدى القدِّيسات، والأسطورة الغريبة للّة منوبية، أليس الزُّهد عن ملذَّات الجسد، بمعنى انتصار العقل على المادَّة، لدى هذه الشُّعوب ذي الأخلاق الشَّبقيَّة، يعدُّ نوعًا من أعظم درجات النذَبل لاحترام العامَّة»؟[39].

العائلة التَّونسيَّة ومكانة المرأة
تحدَّث السويسري عن مؤسَّسة الزَّواج وذكر ما يسبقها، والعادات الاجتماعيَّة الَّتي تميِّزها. ذكر أن البَلْدي من مدينة تونس يتزوَّج وهو في السَّادسة عشرة، أو الثَّامنة عشرة من العمر، وأحيانًا في الرَّابعة عشرة، أو الخامسة عشرة، وتتزوَّج الفتيات انطلاقًا من سنِّ العاشرة. ولا يمكن للبلدي مشاهدة خطيبته قبل الزَّواج. ورغم ذلك، يمكن له أحيانًا أن يهيم بها اعتمادًا على وصف لبعض العجائز الخطَّابات. فيصاب بالزَّهو، ويصير عاشقًا، ولهانًا كلُّه ثقة. وهكذا، فإنَّ البلدي العاشق لخطيبة مجهولة، أو لفتاة جميلة صار أسيرًا لها، يقوم بأمور صعبة للغاية، وخطيرة، وغريبة حتى يظهر لها حبَّه: فيذهب مسافات بعيدة بحثًا عن مصوغ، ومنديل، وثمرة كانت اشتهتها، ويعرِّض نفسه للمخاطر، إذ لا يترك عملًا إلَّا ويقوم به، للحصول على إعجابها. مثلًا، يحترق بكلِّ ما يوجد من بطولات في العالم لأجلها: فيأخذ قطعة نقديَّة من بوخمسة (قطعة نقديَّة كبيرة أو ريالين)، ويجعلها تصير حمراء فوق النَّار، ويضعها بشجاعة فوق ذراعه، أو معصمه، ويتركها، من دون أن يحرِّك جفنًا، تحرق له جلده، قائلًا لها فقط لفرط عشقه لها أن تشهد، متخمِّرة أم لا، هذا العربون من الهيام: انظري، كم أنا أحبُّك. ولم يتزوَّج العديد من الأعيان، والأثرياء، رغم إجازة القرآن، إلَّا امرأة واحدة يكنُّون لها كلَّ محبَّتهم[40].

ولتكريس هذه النَّظرة الإيجابيَّة حول العائليَّة التُّونسيَّة، رأينا أن نستعين برأي باحث فرنسي أجرى دراسة حول طبائع السُّكَّان المحليِّين بعد الاستعمار، وفيها ثناء كبير على العائلة التُّونسيَّة، واعتبر أنَّ كثيرًا من المغالطات تشوِّه الصُّورة الواقعيَّة لهذه المؤسَّسة في علاقة باضطهاد الزَّوجة، وسلطة الزَّوج المطلَّقة، وعلاقة الأطفال بوالديهم: «تحسد زوجة العربي المسلم على الظُّروف الَّتي تعيش فيها، هي تعمل فقط في الكماليَّات، والهوايات، وهي مزيَّنة، وجميلة، ومدلَّلة، ولا تخرج لكنَّها لا تشعر بالحاجة لذلك[41]، لكن هناك من صوَّر المرأة المسلمة بصورة غامضة لأنَّها منعزلة، فنتخيَّلها أكثر منا نراه ممَّا نراها، نحلم بها، ونشفق عليها، أو نخافها. ولا مهنة سوى «أن تجعل نفسها جميلة في عيني زوجها»[42].
لقد أقرَّ الباحث الفرنسي بالمبالغة، والمزاجيَّة في تقديرهم للسُّلطة اللَّامحدودة المخوَّلة للزَّوج، على الرَّغم من أنَّها سلطة مطلقة لربِّ الأسرة، إلَّا أنَّه اعتبر أنَّها لا تلغي المشاعر الإنسانيَّة، وخلص أنَّ روابط الدَّم ليست أقلَّ قوَّة بين المسلمين منها بين المسيحيِّين[43].

وبالعودة إلى هنري دونان، ورأيه في ما يتعلَّق بالطُّقوس الدِّينيَّة الزَّواج لدى اليهوديَّة المضبوطة بالتَّلمود، أو بالأحكام الحاخاميَّة، اعتبرها بأنَّها «جدُّ سخيفة، ومضحكة، دقيقة، وتافهة، إلى درجة أنَّه من الصَّعب تصوُّر أشخاص يتميَّزون ببعض الذَّكاء، وبعض العقلانيَّة يخضعون إليها». وحجَّته في هذه الأوصاف أنَّ الخطيبة تقوم بطهي دجاجة، وإخفائها في أحد الأماكن السِّريَّة بالمنزل، وما على الخطيب إلَّا أن يعثر عليها هو ورفاقه، ومن أسعفه الحظُّ، ووجدها عليه الزَّواج بدون تردُّد خلال سنة[44].

تعبِّر هذه العادات الاجتماعيَّة الإسلاميَّة، واليهوديَّة ذات الخلفيَّة الدِّينيَّة عن فكرة الوديعة، أو بالأحرى ما يسلِّمه الجيل القديم إلى الجيل الجديد للحفاظ عليه من عادات وغيرها، أو ما يودعَ عند جيل للمحافظة عليه، وحمايته، وهذا ما يفسِّر كون الأبناء يقومون بتقاليد أجدادهم، ليس خوفًا منهم بل بدافع المحافظة على تلك الوديعة، والامتثال لما تركه أجدادهم[45]. لم تستطع هذه «المجتمعات الدِّينيَّة» أن تتجاوز هذه العادات الَّتي كبرت معها.
في مقابل دونان، لم يتحدَّث بيليسيي عن طقوس الزَّواج لدى المسلمين، ولا عن حياة المرأة في بيت زوجها، بل عن رغباتها، سواء في إطار مؤسَّسة الزَّواج، أو خارجها، ولقد ذكر تراجع عدد الرِّجال نتيجة ذهابهم إلى الخدمة العسكريَّة، مقارنة بعدد النِّساء بخاصَّة في جهَّة نابل، إلى درجة أنَّه لم يبق سـوى رجل واحد لخمس نساء. وبحسب استنتاجه، تظهر «اضطرابات أخلاقيَّة عظيمة في صفوف النِّساء، وتوتُّر الأعصاب المشين بين العدد القليل من الرِّجـال المطالبين بتعويض الغائبين لدى هـذه المخلوقات الجهنميَّة، اللَّاتي لا تعرفن لمشـاعر الواجب اسـمًا، واللَّاتي لا يمنعهنُّ مـن تفجير رغباتهنَّ الجامعة إلَّا الحضور المستمرِّ لزوج»[46].

من جانب آخر، تحدَّث عن أنَّ النِّساء المسلمات يعشن مع النَّصارى جهرًا، ولا تجد استنكارًا إلَّا من قبل عدد قليل من الشُّيوخ المتديِّنين[47]. وأشار الكاتب أنَّ أكبر جزيرة من جزيرتي قرقنة هي منفى لكلِ مومسات الإيالة الَّتي أثرن غضب السُّلطة. وذلك بعد أن تمَّ إلغاء عمليَّة إغراق النِّساء بتهمة الزِّنا منذ بداية القرن 19 في عهد حمودة باشا[48].

لم يكتف بالتَّركيز على فئة واحدة من النِّساء، وبخاصَّة منهنَّ قليلات الحيلة، بل أفرد حيِّزًا أشاد فيه بامرأة في منطقة العكارة صاحبة نفوذ، وسلطة، وجاه على عكس كلِّ المناطق الأخرى الَّتي يتحكَّم فيها القياد والشُّيوخ. «وكبقيَّة القرى، فإنَّ لهذه البلدة شيخ، ولكن في هذا الحين، هنالك امرأة هي الَّتي تمارس فعليًّا السُّلطة: يدعونها غالية، لقد لعبت هذه المرأة، في عنفوان شبابها وقمَّة جمالها، وآثاره ما زالت واضحة، دورًا نسبيًّا في اضطرابات طرابلس. لقد شـاهدوها أحيانًا، وهي المغوارة مثل الرَّجل، بين الفرسان، مظهرة بوادر شجاعة كبيرة، ولكن، بانعدام أخلاق المرأة الشَّرقيَّة الَّتي خلعت الحجاب، كان لها العديد من العشَّاق، مكَّنها كرمهم من تأسيس ثروة عرفت كيف تحافظ عليها. تزوَّجت إثر استقرارها في جرجيس، برجل هادئ، لا يُعرف إلَّا باسم زوج غالية، وهو مآل كلٍّ من يتزوَّجون نســاء شهيرات. لقد التقيت هذه الأخيرة، الَّتي قدَّمت لي مكارم قريتها، حيث تنعم بنفوذ يمارسه دومًا على العرب عقل منفتح وحازم، مهما كان الجنس الَّذي ينتمي إليه. إنَّ سلوكها مهذَّب، ومتميِّز، وحديثها أخَّاذ، وحصافتهـا مرموقة، وأخيرًا فقد شـدَّت انتباهي، إلى حدِّ أنِّـي أخصِّص لها هذه الأسطر القليلة في كتاب من المفروض أن تجد كلَّ أنواع الملاحظات مكانًا لها فيه»[49].

الإسلام والمسلمون: بين التَّبجيل والتَّحقير
نظر دونان إلى طقوس الدِّيانة الإسلاميَّة باحترام شديد. لن نطيل في ذكر كيفيَّة العبادات، والطُّقوس بقراءة القرآن، والتَّرتيل بالأدعية، والأحاديث فهي معروفة للجميع، لكنَّنا سنركز على نظرته للممارسات المختلفة عن ثقافته، وكيف تقبَّلها، بل واستحسنها. أُعجب دونان بتركيز المسلمين على الفكرة الإلهيَّة في كلِّ الأعمال، وكلِّ الظروف، حيث قال إنَّ هناك شعورًا عميقًا ومؤثِّرًا. وقد نصَّ أنَّ كلَّ تأليف، ومراسلة، أو عقود، أو كلِّ مشاريع مفترضة في المستقبل، أو بفعل عادي مرتبط بيوم الغد، كلِّها تقترن بلفظ «إن شاء الله»[50]. ولم يكتف بذلك، بل ذكر بعض الأمثلة لكتَّاب تونسيِّين يستعملون هذه المفردات في مؤلَّفاتهم مثل محمد بن حسين بيرم، وعبد الواحد بن عاشر الأندلسي، وأثنى على تواضع المسلمين مقارنة بنظرائهم الآريين حيث إنَّهم لا يقرِّون بأخطائهم، وذنوبهم مثل ما يفعل المسلمون. كما ذكر عديد العبارات الَّتي يستعملها المسلمون بحسب حالتهم النَّفسيَّة مثل الغمِّ، والغضب، والإعجاب، وتقبُّل المصائب[51]، أي أنَّه فهم تأثير الدِّيانة الإسلاميَّة على الحياة اليوميَّة للمسلمين. كانت نظرته نظرة احترام عادات المسلمين، وخلفيَّتهم الإسلاميَّة، ولم يحتقر طقوسهم مهما كانت غريبة، أو مختلفة عمَّا يؤمن به، بل اعتبر أنَّ ما يميِّزهم هو «الرُّجوع المستمرُّ للصِّفة الإلهيَّة، والانقياد التَّامُّ، وثقة المسلم في القوانين الأزليَّة»[52]. لقد راقت للسويسري، وشدَّت انتباهه الطُّقوس، والعبادات لأنَّها لم تكن مجرَّد ديانة بل شيء يعيشونه كل َّيوم، إنَّه نمط حياة.

ذكر الكاتب العديد من الآيات القرآنيَّة، وذكر أسباب نزولها وغايتها، وهو ما يجعلنا نتساءل هل أنَّه فعلًا ملمٌّ بمفردات اللُّغة العربيَّة، والقرآن، أو أنَّه استعان بمن يفسِّر له ويعينه؟ وفي كلتا الحالين نستطيع القول إنَّه اتَّبع منهجًا موضوعيًّا عند الحديث عن القرآن، أي أنَّه استعمل التَّفسيرات الَّتي يتبنَّاها المسلمون، وليس التَّفسيرات، الَّتي ترقى أحيانًا إلى التَّشويه، الَّتي قد يتبنَّاها الباحثون الأجانب.

لقد عدَّد الأشهر الهجريَّة القمريَّة، ووصف الاحتفالات، والأكلات الَّتي تتمُّ في الاحتفال بالمولد النَّبوي، وحتَّى أنواع الأكلات من لحوم، وحلويات يتناولها المسلمون خلال أيَّام الصِّيام في شهر شعبان[53]. لم يُغفل الطُّقوس، والعبادات، والأفعال الَّتي تقام خلال شهر رمضان، والَّذي اعتبر الصَّيام فيه صعب وصارم. وقام بوصف دقيق مفصَّل للإفطار، والسَّهر، والتَّجوُّل في الشَّوارع، ولعب الشَّطرنج، والنَّرد في المقاهي. ويصف حتَّى عمل المسحراتي الَّذي يوقظ النَّاس للتَّسحُّر استعدادًا للصِّيام في اليوم الموالي. لقد وصف الاحتفالات الَّتي تلي شهر الصِّيام، وهي احتفالات يوم عيد الفطر، وكما يسمِّيه التُّونسيِّون «العيد الصَّغير»، الَّذي يبدأ بإطلاق قذائف مدفعيَّة مرورًا بلبس ملابس جديدة، وتزاور، وتبادل التَّهاني، والقبلات. فهذا اليوم مخصَّص للاحتفالات، وبذلك «تعوض قسمات الوجوه الحزينة، والكئيبة، وهي من علامات الصِّيام الصَّارم، بالوجوه الفرحة»[54]. يمكن اعتبار هذا الإلمام بالعبادات الإسلاميَّة، دراسة أنثروبولوجيَّة يبين معرفة للشُّعوب وثقافتها. وهو دليل على أنَّ هذا الكاتب، على عكس الكثير من المستشرقين في ذلك الوقت، لم يبقِ «الشَّرق شرقًا» بتغييبه كلَّ منطق عقلاني، ومنهجي في ممارساته وطقوسه[55].

تمثِّل هذه العادات، والتَّقاليد، والفلكلور الموروث الثَّقافي، والحضاري المتناقل عبر الأجيال، دليلًا على ترسُّخ في وعي، وممارسات الأفراد، والمجتمع، وعنصرًا يساهم في تكيُّف الأفراد مع المجتمع الَّذي يعيشون فيه. كما أنَّ هذه العادات، والتَّقاليد هي سلطة معنويَّة يشعر الأفراد بالرَّاحة عند ممارستها، وهي تعبير عن العقل الجمعي الَّذي يحرِّك مجتمعًا له العادات والتَّقاليد نفسها، وحتَّى الخلفيَّة الاجتماعيَّة، والدِّينيَّة، والعرقيَّة[56].
وفي حديثة عن واقع التَّعليم، تحدَّث دونان عن وجود حوالي سبعين مدرسة ابتدائيَّة في الإيالة، يتعلَّم الأطفال فيها الكتابة، والقراءة، والقرآن. كما لا يتمُّ في الزَّوايا تعليم القرآن فقط، بل الحساب، والهندسة، والفلك، والعلوم، والآداب[57]. ولم يغفل عن تعداد المؤلِّفين التُّونسيِّين المشهورين في ميدان الأدب، وعدد مآثر بعضهم مثل حمودة بن عبد العزيز صاحب «الكتاب الباشي» الَّذي أرَّخ فيه لتونس في عهد علي باي. ومحمد بن حسين بيرم، وعايش حكم محمد بن حسين بن علي بين 1756 و1759، ومحمَّد الصَّغير بن يوسف صاحب كتاب المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي التركي. بالإضافة إلى محمَّد بن سعيد مقديش صاحب «نزهة الأنظار في عجائب التَّواريخ والأقطار»[58].
ورغم إقراره بصعوبة اللُّغة العربيَّة، فإنَّ هنري دونان اعترف بجماليَّة حروفها سواء النُّسخيَّة، أو المغربيَّة، أو في ما يتعلَّق بتزويق المخطوطات. ولم يكتف بالأمور الدِّينيَّة فقط ذكر تفصيلات تتعلَّق بالحياة اليوميَّة للتُّونسيِّين، فقد أورد حوالي خمسين من الأمثلة الشَّعبيَّة، وقام بتفسيرها، وتبيان معناها[59].

ركَّز دونان على العادات، والتَّقاليد، والفلكلور في المجتمع المسلم، واليهودي، وانتشار التَّعليم في الإيالة التُّونسيَّة، أمَّا بيليسيي فقد تبنَّى نهجًا مختلفًا، وهو التَّركيز على ذمِّ المسلمين، وتسجيل فشلهم في العديد من الميادين، بالمقابل الإشادة بالماضي الرُّوماني للبلد. مرَّة بسبب سوء استغلال الأرض للفلاحة مثلًا في منطقة طبربة: «ويكون من المهم جدًّا لمصلحة ازدهار الفلاحة، مضاعفة عدد السُّدود على نهر مجردة، بطريقة يكون فيها كلُّ الحوض مرويًا. ويظهر أنَّه وقع فهم هذه الحقيقة في فترات كانت فيها البلاد تدار بأقلِّ حمق من هذا الوقت، إذ نشاهد في قرية الطَّاحونة جنوبي طبربة، ونحن متَّجهين في منحدر نحو الجْديْدة، بقايا أحد هذه السُّدود، والَّذي تركته سلبيَّة المسلمين يتهدَّم. فلا يمثِّل الرَّخاء بالنِّسبة إليهم سوى الاستثناء العابر، والإهمال وحده هو المستديم[60]. وفي حديثه عن التُّربة القاحلة في أغلب مناطق الإيالة، أرجع ذلك إلى عدم استغلالها من قبل المسلمين عكس ما فعله الرُّومان من قبل، فيقول في هذا الصَّدد: «إنَّ الآثار الَّتي تكسوها تشير إلى أنَّ الإنسان المتحضِّر قد تمكَّن من العيش فيها. والآن، وبما أنَّ أبغض إدارة منيت بها البشريَّة قد تسلَّطت عليها طيلة العديد من القرون، فإنَّ السَّكان، وفي تناقض عددهم، تمركزوا في المناطق الَّتي تكون فيها الزِّراعة سهلة»[61].

أراد بيليسيي استغلال الماضي الرُّوماني، وتطويعه، وتصوير نفسها، ودولته كأنَّ الرُّومان هم أسلافهم، وبفضله، وغيره ستعمل فرنسا على الاستفادة من هذه الكتابات لاستغلال تجارة بلد لديه الكثير من الموارد غير المستغلة[62].
مرَّة يدعو بيليسيي إلى إعادة إحياء الماضي المسيحي بخاصَّة بعد فرض اتِّفاقيَّة على تونس بعد احتلال الجزائر. وفيه بند في المعاهدة الموقعة مع تونس، يوم 8 أوت 1830، حصلت بمقتضاه فرنسا على موقع قرطاج الَّذي مات فيه القديس لويس Louis Saint، وأقام عليه الملك لويس فيليب كنيسة، ووقع سنة 1841 تدشين نصب تذكاري من المرمر للبطل المسيحي. دعا بيليسيي إلى بناء الحضارة الأوروبيَّة على أنقاض العالم الإسلامي، «وبحسب التَّمشِّي الأكيد للأحداث، يمكن لمدينة ديدون أن تنهض من ركامها، وبما أنَّ العالم الإسلامي مؤهَّل للانقراض أمام الحضارة الأوروبيَّة، فيكون من الضَّروري إقامة مركز أوروبي كبير في هذا الجزء من المنطقة البربريَّة»[63]. هذا التَّركيز على موقع قرطاج، والدَّفع نحو استغلال هذا المعطى، يؤكِّد طبيعة العلاقة الَّذي تربط الاستكشاف، والاستعمار في ذلك الوقت[64].

مع التَّأكيد أنَّ اهتمام بيليسيي بعلم الآثار التُّونسيَّة كان واضحًا حتَّى من قبل كتابته لهذا المؤلَّف، فقد أنجز قبل تعينه قنصلًا في سوسة مقالًا، وصف فيه الآثار القديمة الموجودة بقيادة سوسة، والمنستير، ورسم خريطة للمنطقة[65].
وبالتَّأكيد لم تغب عن بيليسيي الحفريَّات الَّتي قام بها الدِّنماركي فالب في موقع قرطاج، والَّذي تبيَّن فيما بعد أنَّه كان على ارتباط بالسُّلطات الفرنسيَّة، ويبدو أنَّه شرط لا غنى عنه للعديد من إنجازاته كآثري[66]. ومن الواضح أنَّ أنشطة فالب لرسم الخرائط في تونس في عامي 1831 و1838 تندرج تحت إشراف، أو لنقل مراقبة المخابرات العسكريَّة، ولم تكن وظيفته القنصليَّة سوى غطاء ديبلوماسي[67].

وبالعودة إلى بيليسيي فقد تطرَّق مرَّة أخرى، إلى غياب الابتكار لدى المسلمين عامَّة، والتُّونسيِّين خاصَّة، فلم يعودوا يعرفون القيام بالقليل جدًّا من الأشياء، وكلُّ يوم يشهد اختفاء جزء ممَّا تبقَّى لهم من تقاليد الفنون، والحرف باعتبارها النَّتيجة المباشرة لاعتماد الاقتصاد التُّونسي على التَّوريد بشكل كبير. فقد اقتصرت الصِّناعات على الأنسجة الصُّوفيَّة والجلود، وصارت مدينة ليون توفر كلَّ بضائع التَّرف، والبذخ للمسلمين[68]، لقد صوَّرهم الفرنسي، وكأنَّهم خلدوا لفراشهم منذ قرون ولم يستيقظوا بعد.
لم يكتف بكلِّ هذا، بل ربط أيضًا الإسلام بالعنف: «لقد بدأ الإسلام المقام على القوَّة، يشكِّك في نفسه، منذ خانته بالطَّبع هذه القوُّة»[69]، وقد قرن التَّجديد في العالم الإسلامي بالوصاية عليه من أوروبا وذلك بتلقِّي علومها وفنونها، كما شكَّك في قدرة المسلمين على النُّهوض، وخلق حضارة متميِّزة لا مقلِّدة. حيث أكَّد تخلُّفهم، وعدم قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم[70]، وهو بلا شكٍّ حال من عدم اليقين، وانسداد تاريخي، و»نهاية التَّاريخ» لهذه الأمَّة الَّتي لم تجد من يبعث فيها الأمل لإعادة جزء من بريقها.

لا شكَّ أنَّ كلام الفرنسي قد صدر في ظرفيَّة القرن التَّاسع عشر، على عكس القرنيين السَّابع عشر والثَّامن عشر، الَّذي كان يقودهم فضول المغامرة، والاكتشاف، ولم يكونوا يعرفون أنَّ أوروبا ستبني أنظمة استعماريَّة في المناطق الَّتي كانوا يزورونها[71]، فقد تحرَّك كتَّاب القرن التَّاسع عشر في أغلبهم، وفق الرُّؤية الغائيَّة الَّتي تطمح لاستعمار الدُّول الضَّعيفة.
استعمل بيليسيي مفردات تدلُّ على تعصُّبه للحضارة الغربيَّة، ومن قبلها الرُّومانيَّة، لكنَّه كان أحيانًا منصفًا، ولم يتنكَّر لما رآه. فمثلًا عندما كان في مدينة صفاقس لم يشاهد أيَّ أثر من العصور القديمة فقال إنَّه «مرغم» على الاعتقاد بأنَّ أصل المدينة إسلامي، غير أنَّ الإدريسي ينعتها بالمدينة القديمة[72].

عمل كلٌّ من السويسري والفرنسي على النَّظر من زاويته إلى الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة حاضرًا وماضيًا، فالأوَّل رأى أنَّ لها من التَّاريخ ومن العادات، والتَّقاليد ما يجعلها محلَّ تقدير وثناء، أمَّا الثَّاني فكان رأيه مخالفًا، إذ رأى أنَّها في انحدار، ولم يخف موقفه الدَّاعي إلى أن يكون الأوروبيِّون أوصياء على شعوبها. ورغم هذا التَّناقض في المواقف النَّاتج عن تناقض الخلفيَّات والقناعات، إلَّا أنَّهما أحيانًا كانا على نفس الموقف في بعض المواضيع المتعلِّقة بالإيالة التُّونسيَّة.

السَّبق التُّونسي في إلغاء الرِّقِّ: الحدث وتمثُّلات الكاتبين
احتوى مؤلِّف الكاتب السويسري على فصل كامل ركَّز فيه على العبوديَّة، وقد ترك إلغاء الرِّقِ في تونس انطباعًا إيجابيًّا لديه. قام دونان بدراسة قارن فيها وضع العبيد بين الدُّول الإسلاميَّة، والبلدان المسيحيَّة، وبخاصَّة في الولايات المتَّحدة. وفي سنة 1863 حيَّن الفصل المتعلِّق بالعبودية، وأضاف إليه ملاحظات شاملة ثمَّ نشره تحت عنوان «العبوديَّة لدى المسلمين وفي الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة»[73].

ذكر الكاتب أنَّ إلغاء استرقاق النَّصارى تمَّ سنة 1816 بعد أن أرغم مؤتمر فيانا، البلدان المغاربيَّة على التَّخلِّي عن القرصنة. وفي سنة 1842 وبعد هروب عائلة زنجيَّة إلى القنصليَّة العامَّة لفرنسا بسبب سوء معاملة سيِّدهم، وعندما طلب القنصل عتقهم، وافق أحمد باي على الطَّلب، وأعلن أنَّ كلَّ طفلًا يولد لأبوين عبدين يصبح حرًّا. وبعد ذلك منح هذا «الأمير الطَّيب والحكيم» الحرِّيَّة لكلِّ عبيد بيته[74]. وقد اقتدى كلُّ الأعيان، والأثرياء بعتق عبيدهم اقتداء بالباي، حتَّى تمَّ سنُّ قانون بإلغاء الرِّقِّ بصفة رسميَّة وكليَّة سنة 1846. وبعد أن روى هذا الحدث التَّاريخي بالتَّفصيل، اعتبر هنري دونان أنَّ هذه الخطوة فخر لأحمد باي، ومعرَّة للشُّعوب المسيحيَّة الَّتي ما زالت تتمسَّك بمؤسَّسة العبوديَّة المقيتة مثل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. كما دافع عن المسلمين حتَّى في زمن وجود العبوديَّة، من خلال استعمالهم لمصطلح «خادمي» و»خادمتي» عوض «عبدي». بالإضافة إلى الحرص على حُسن معاملتهم، وعدم فرض أعمال لا يطيقونها، وضرورة إيفائهم حقِّهم كاملًا. كما يعتبر زواجهم شرعيًّا، ويعتبر ابن الزِّنجية من رجلًا حرًّا، حرًّا، ويكون بمثابة الأخ من الوالد. كما يمكن للعبد أن يرث سيِّده بعد وفاته[75]. لقد استند هذا التَّساهل إلى القواعد الإسلاميَّة الكلاسيكيَّة الَّتي تشجِّع على تحرير العبيد[76].

كما قارن بين حال العبيد في أمريكا وفي تونس، عندما كانت لا تزال العبوديَّة موجودة، ففي الأولى يعامل العبد مجرد فاقد للإنسانيَّة، ولا تقبل شهادته في المحكمة ولسيِّده حقُّ الحياة، والموت عليه. وفي بعض الولايات هناك، يستطيع السَّيِّد قتل عبده عن قصد، أو من دون قصد[77]، كما يتمُّ التَّفريق بين الزَّوج، والزَّوج، والأبناء من دون شفقة، ويتمُّ منع تعليمهم القراءة، والكتابة، ولا يتمُّوا محاكمتهم لمخالفتهم القوانين. ولقد أورد بعض الأمثلة على الظُّلم الَّذي يتعرَّض له العبيد السُّود هناك، ويصل حتَّى للموت من دون أيِّ ردع ضدَّ الجاني[78]. «فأيُّ فرق بين هذا السُّلوك لعديد الأمريكيِّين، والسُّلوك المشحون رقَّة عند أهل القرآن اتِّجاه الملوَّنين. إنَّ كلَّ القوانين لدى المسلمين قد وضعت لفائدة العبيد، بينما في أمريكا، فقد ملآها البخل، والأنانيَّة، وهي تخنقه من كلِّ صوب، وكأنَّه في سجن جدرانه من حديد»[79]. رغم تركيزه على العبيد في أمريكا، إلَّا أنَّه لم ينسَ العامل في مصانع أنجلترا، والفلاح بإيرلندا، والقن بروسيا[80]، وكأنَّه أراد أن يقول إنَّه ليس مجرَّد عمل شاقٍّ، بل عبوديَّة مقَّنعة، واستغلال ينتج ظلمًا لا يمكن تقبُّله.

تغنَّى دونان بشهامة المسلمين في تعاملهم مع العبيد زمن العبوديَّة، وتغنَّى بشجاعتهم عند إلغائها، ولم يشذُّ بيليسيي عن هذا التَّوجُّه رغم أنَّ لم يورد له حيِّزًا كبيرًا كما فعل دونان. لقد تحدَّث الفرنسي عن السَّبق التُّونسي في إلغاء العبوديَّة عكس فرنسا الَّتي كانت تسمح به في الجزائر، وقد أشار أنَّه حتَّى في عهد وجود العبيد كان «استرقاق السُّود لدى المسلمين ليِّنًا جدًّا». حتَّى أنَّ النَّساء الزِّنجيَّات يستطعن أن يصرن زوجات شرعيَّات للبيض، وأنَّ كلَّ أمَّة تحمل من سيِّدها تصير حرَّة قانونًا، ويولد ابنها حرًّا وشرعيًّا. وينتج من هذا الاختلاط عدم وجود أيِّ وجه شبه بين العبوديَّة في المستعمرات الأوروبيَّة، ووضعيَّة الزُّنوج لدى المسلمين، الَّذين يعاملونهم عمومًا بالحسنى، ويظهرون لهم عطفًا أبويًّا»[81].

لاحظ الفرنسي معطى مهمًّا في جهَّة سليانة، وتحديدًا في جبل مزاتة، وهو وجود قايد زنجي:» كان لهم قايدًا زنجيًّا، يسوسهم بكثير من اللُّطف والنَّزاهة. وهذا الرَّجل، هو من الموظفين القلائل الَّذي لم أسمع العربان يتذمَّرون منه»[82].

الكاتبان والواقع المعماري والمديني
أفرد الكاتب السويسري حيِّزًا مهمًّا لتاريخ القديم للمدن، الرُّوماني، أو الفينيقي، والإسلامي أكثر من وصفه لها زمن وجوده. وأطلق تسمية تونس الخضراء، والزَّاهرة، وتونس الشَّاطرة، وتونس المحروسة، وأنصفها بأن قال إنَّها تستحقُّ لقب ملكة المدن المغاربيَّة «إذ تشتمل على الطَّابع الشَّرقي لأقصى الحدود»[83].

قدَّم وصفًا لمدينة تونس، والمدن القريبة منها. وألمح الكاتب لبداية ظهور الحي الأوروبي خارج أسوار المدينة بخاصَّة المقابل لباب البحر، حيث توجد في جانبيه الدَّاخلي، والخارجي ساحات عامَّة[84]. وأطلق تسمية «سيدي المرجاني» على الحي الإفرنجي الَّذي يوجد فيه مقرات القناصل الأجانب. ورغم البنيتين المعماريتين المختلفتين، إلَّا أنَّه لم يستطع فصل المدينة القديمة بمآذنها، وقبابها، وحصونها، وأسوارها، وقصورها، عن الحيِّ الأوروبِّي الَّذي يتميَّز بمساكنه «الَّتي أقيمت بذوق» وبخاصَّة مقرِّ إقامة القنصل البريطاني في منطقة البياصة، فأطلق عليها قسطنطينيَّة إفريقيَّة[85].
تطرَّق السُّويسري إلى المدن التُّونسيَّة، ولم نر وصفًا فيه استنقاص ودونيَّة، حتَّى أنَّه لا يتوانى عن تشبيه بعضها بالمدن في أوروبا مثل ما فعل مع مدينة سيدي بوسعيد حين شبَّهها بلوزان السويسرية عند النَّظر إليها من قمَّة جبل Righi، وشبَّهها بمضيق البوسفور في تركيا. وقد اعتبرها مسرحًا لحكايات ألف ليلة وليلة لما تتميَّز به من طابع شرقي، ومنازل أندلسيَّة جميلة[86]. وقدَّم وصفًا للمساجد، وبخاصَّة جامع الزيتونة، وجامع القصبة الَّذي شبَّهه بكاتدرائيَّة اشبيلية[87]. كثيرًا ما ذكر السويسري الزَّخارف الَّتي تزيِّن الدُّور، والقصور في مدينة تونس، وضواحيها مثل قصر باردو وقصر خير الدين في منوبة ذو النِّصف الشَّرقي، والنِّصف أوروبي، وفيه منع خير الدِّين الخدم، والمرشدون من تلقي أي مقابل نظير استقبالهم للسيَّاح. وقد أشاد الكاتب بهذا الكرم، واعتبره «أمرًا محترمًا بدقَّة متناهية، وهو مثال يجب اتِّباعه في عدَّة مقاطعات في أوروبا»[88].

لم يغفل دونان عن الظَّاهرة الَّتي تحدَّث عنها كلُّ من زار الحاضرة، وهي البنية التَّحتيَّة المهترئة، وبخاصَّة الشَّوارع كثيرة الوحل، والمجاري، وأكوام التُّراب. ولتخفيف حدَّة هذا الوضع المزري، اعتبره عامًا، وتأقلمت معه كلُّ شرائح المجتمع من كلِّ الجنسيَّات، والدِّيانات، وقدَّم صورة شاعريَّة: «إنَّه لمشهد مدهش لأجنبي شرب الشَّاي في الحي الإفرنجي لدى بعض العائلات من المجتمع الأوروبي، وهو عائد إلى المنزل رفقة خادم يحمل فانوسًا كبيرًا، ويعترضه في الطَّريق من يحمل مصابيح صغيرة، من مسلمين موقرين، وضبَّاط متأخِّرين، ويهود مهرولين، وسياح أنجليز، وقناصل محترمين، وتجَّار عديدين، أو نساء أنيقات عائدات من سهرة، وهم يتخطُّون بصعوبة الوحل، والمجاري، وقنوات المياه اللَّزجة، أو أكوام التُّراب، والأوساخ المبعثرة بدون عناية وسط الشَّوارع»[89]. وكأنَّه تساءل بأي تناغم يمكن العيش في هذا الوضع، وخلُص إلى أنَّ على المرء أن يكون واسع الحيلة ليستطيع العيش في هذه البيئة.

لقد كانت المدن التُّونسيَّة متأثِّرة بتاريخها، ومع ذلك فهي مدن على حافَّة القذارة، وذلك لم يمنع دونان من تخفيف وطأة الوضعيَّة المزرية للبنية التَّحتيَّة من خلال ربطها بسلوك المتساكنين، في المقابل لم يكن بيليسيي متحفِّظًا في وصف الواقع، فقدَّم نقدًا حادًّا للبنية التَّحتيَّة في الحاضرة: «يتجمَّع الأوروبيِّون في تونس في أسفل المدينة، وبالتَّالي فهم عرضة للتَّأثير المباشر للخنادق، وللوحل النتن للبحيرة. وإضافة إلى ذلك، يتلقَّى حيهم بانزعاج مياه أمطار بقيَّة المدينة، وهو ما يؤدِّي إلى ظهور بركة شاسعة في فصل الشِّتاء»[90]. وأشاد في المقابل بتنظيم الأسواق ونظافتها، «فهي محلَّات مسقفة على غرار جادَّات باريس، قريبة من الرَّوعة، بالطَّبع، وهي موجودة بكثرة وجميلة جدًّا. أذكر من بينها سوق الباي، وسوق الترْك وسوق العطَّارين»[91].
لم يكن هذا الثَّناء على الأسواق الأنيقة من الخارج ينطبق على العمارة الإسلاميَّة، فعند الولوج إلى الدَّاخل فالنَّظرة الدُّونيَّة هي المهيمنة، حيث تختفي «النَّظرة الشَّاعريَّة تاركة المكان لواقع بشع وبائس»[92]. لكنَّه في المقابل فقد أشاد ببراعة البنَّائين التُّونسيِّين بسبب التَّقاليد الأنيقة للهندسة الإسلاميَّة، رغم قلَّتهم، حيث لم يبق في سنة 1848 حسب بيليسيي إلَّا شخص فقط يستطيع إنجاز نقش حديدة[93]، غير أنَّ هناك من الباحثين الفرنسيِّين من أشاد بالعمارة الإسلاميَّة و«بالمهندسين التونسيِّين»، واستعرض فيها تاريخ مهنة الهندسة منذ القرن السَّابع عشر أي من تاريخ قدوم الأندلسيِّين إلى الإيالة التُّونسيَّة بعد فرارهم. وركَّز على عائلة التونسي سليمان إنيغرو Slimen Ennigro[94] الَّتي تناقلت مهنة البناء على امتداد مئات السِّنين، واعتبر أنَّ للبنَّائين في هذه العائلة لغَّة معمارية متعارف عليها، ويتناقلون هذه الصِّنعة عبر تقليد آباءهم، وأجدادهم، ولم يعتمدوا على نظريَّات العمارة، والهندسة المتعارف عليها في الأوساط العلميَّة[95].

وككلِّ الرَّحَّالة في عصره، لم يفوِّت الفرصة لوصف مدينة القيروان، فاعتبر أنَّها فقدت بهائها القديم، لكنَّها حافظت على مآثرها بفضل بناءاتها المحكمة، «فالأسواق بها جميلة، والشَّوارع نظيفـة، ومظهر المدينة أقلُّ خرابًـا مـن أي مدينة أخرى في إيالة تونس»[96].

خاتمة
مثَّل الأثر الاستشرافي مطيَّة، وذريعة لدخول الاستعمار إلى البلدان العربيَّة الإسلاميَّة، ومنها الإيالة التُّونسيَّة[97]، إلَّا أنَّه يمثِّل ثروة معرفيَّة أفادت العديد من البحوث اللَّاحقة، وهي متواصلة إلى يومنا هذا، فلا يمكن أن نحكم عليه سلبًا بالمطلق ونضعه في قفص الاتِّهام، فإنَّ كانت هناك بحوث فيها تجنِّي وتحقير، فقد وجدت دراسات منصفة.
لقد عمل كلٌّ من الفرنسي، والسًّويسري على تصوير واقع الإيالة التُّونسيَّة من وجهة نظره، وبحسب خلفيَّته، وتصوُّره للعالم. لقد وضع بيليسيي تاريخ شمال إفريقيا في زاوية واحدة هي زاوية الضُّعف، والتَّخلُّف والبربريَّة. وارتكزت أوصافه على الجوانب الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والعسكريَّة. وصارت هذه الأوصاف تؤكِّد أهمِّيَّة البلد بالنِّسبة لفرنسا، كما تمَّ تصوير البساطة في العيش، والسَّذاجة الَّتي كان يصف بها أحيانًا البدو، وبذلك يصبح استعمارها عملًا خيِّرًا لإدخالها في المدنية والحضارة، أي التَّسليم بتفوُّق الأوروبيِّين، باعتبارهم متن، ودونيَّة البلدان الأخرى بوصفهم هامشًا.
وكان الغرض الأوَّل من التَّركيز على التَّاريخ الرُّوماني، الَّذي خصَّص له حيِّزًا كبيرًا في كتابه، مكان التَّاريخ الاسلامي خدمة الإيديولوجيَّة الفرنسيَّة الاستعماريَّة، باعتبار أنَّ الرُّومان هم أسلاف الفرنسيِّين، وامتداد لهم.
أمَّا السويسري فقد أراد اختراق السَّائد، واختار عدم الرُّكون إلى نموذج واحد مسبق، وسعى جاهدًا لفهم حضارة مختلفة، على الرَّغم من الأحكام المسبقة الموجودة، والنَّابعة من الخلفيَّة الأوروبيَّة والمسيحيَّة، فكَنَّ للدِّين الإسلامي بطقوسه، وشعائره احترامًا كبيرًا. ويعتبر كتاب دونان بمنزلة عريضة اتِّهام للرَّحالة والكُتّاب الأوروبيِّين الَّذين سلكوا مسلك التَّشويه، والتَّقزيم، وتدعوهم لأن يراجعوا موقفهم، ومعلوماتهم عن العرب والمسلمين، وكأنَه يدعو إلى تفاعل بلا عقد بين الأوروبيِّين، وبلدان شمال إفريقيا.

لائحة المصادر والمراجع
إبراهيم بن جمعة بلقاسم، الاقتصاد والمجتمع في الإيالة التُّونسيَّة من 1861 إلى 1864 من خلال محاضر محاكم الجنايات والأحكام العرفيَّة، كليَّة العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة بتونس، 2002.
أرنست بيليسيي دي راينو، وصف إيالة تونس، ترجمة: محمَّد العربي السنوسي، دار سيناترا، 2010.
حسين محمَّد فهيم، أدب الرحلات، عالم المعرفة، العدد 138، سنة 1990.
سليم عبد الحميد، «الحُوت في أبعاده القدسيَّة والاجتماعيَّة عند أهالي المطويَّة/ المطاوى»، الحياة الثقافيَّة، عدد خاص: التُّراث المادِّي واللَّامادِّي. تأصيلًا للهويَّة وسبيلًا إلى التَّنمية الثَّقافيَّة، تونس، العدد261 ، ماي2015 .
عبد الواحد المكني، «العامَّة وتمثِّل أزمات الطَّقس بالمغارب خلال القرن التَّاسع عشر: ملاحظات أوليَّة»، ضمن: الأزمات في تاريخ المغرب الكبير، جمع البحوث وقدَّم لها: مبروك الباهي، كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بصفاقس، مركز الدِّراسات والبحوث الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، سلسلة الدِّراسات التَّاريخية عدد20 ، تونس، 2011.
محمد بشير رازقي، السَّرديَّات الاستشراقيَّة والتُّراث الثَّقافي في البلاد التُّونسية خلال الفترة الاستعماريَّة: الممارسة والرهانات وإنتاج الصُّور النَّمطيَّة، مجلَّة دراسات استشراقيَّة، العدد 22، جويلية 2020.
هالة محمَّد عبد العال، المرأة والثَّقافة: بحث تحليلي في العوامل المؤثِّرة في تكوين شخصيَّة المرأة العربيَّة، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، 2018.
هنري دونان، مذكرَّة عن إيالة تونس 1856-1857، ترجمة: محمَّد العربي السنوسي، دار سحر للنَّشر، تونس، سبتمبر 2012.

لائحة المصادر الأجنبيّة
André Durand, L’évolution de l’idée de paix dans la pensée d’Henry Dunant, «Actes du Colloque Henry Dunant 1985», édition de la Société Henry Dunant, Genève, 03, 04 et 05 Mai 1885.
Anne Hugon, L’Afrique des Explorateurs. Vers les Sources du Nil. Paris, Éditions Gallimard, 1991.
Anne-Marie Planel, Du comptoir a la colonie : Histoire de la communauté française de Tunisie (1814-1883), IRMC, Rive neuve éditions, Paris, 2015.
Charles Géniaux : Les Musulmanes, P. IX.
Dominique combe, «Théorie postcoloniale, philologie et humanisme. Situation d’Edward Saïd», in, Littérature, N 154, 2009-2 .https://www.cairn.info/revue-litterature-2009-2-page-118.htm
Elikia M’bokolo, Afrique Noire. Histoire et civilisations, tome II, XIXe et XXe siècles, Paris, Éditions Hatier-Aupelf, 1992.
Georges Balandier. Anthropo-logiques, Livre de Poche, Paris, 1985.
Houda Baïr, «Les voyageurs-cartographes en Tunisie au XVIIIe et XIXe siècle», Dynamiques environnementales [En ligne], 39-40 | 2017, mis en ligne le 01 juin 2018, consulté le 10 décembre 2022. URL: https://journals.openedition.org/dynenviron/366
Isabelle Surun, «L’exploration de l’Afrique au XIXe siècle: une histoire pré coloniale au regard despostcolonial studies», Revue d’histoire du XIXe siècle [En ligne], 32 | 2006, mis en ligne le 03 novembre 2008, consulté le 30 septembre 2022. URL: http://journals.openedition.org/rh19/1089
Jabeur Fathally, «Réflexion sur l’interdiction de l’esclavage en droit musulman à partir du témoignage méconnu d’Henry Dunant», CIFILE Journal of International Law (2022), Journal Vol. 3, No.5, Avril 2022.
Kamel JERFEL, Un mémoire inédit sur la région de Sousse et Monastir rédigé par le consul français de Sousse E. Pélissier De Reynaud en 1844, Archive-histoire, numéro 2 et 3, Archive nationales de Tunisie, 2016.
Kamel Jerfel, Une Institution Diplomatique D’exception: Le Consulat Français De Sousse À Travers La Correspondance de ses deux consuls (1842 et 1848), JUSTICE, POLITIQUE ET SOCIÉTÉ, Recueil d’études en hommage à Ali NOUREDDINE, Textes réunis par Mehdi JERAD Présentation de Sadok BOUBAKER, LATRACH EDITION, 2017.
Lucette Valensi, «Introduction», in Jean-André Peyssonnel, Voyage dans les régences de Tunis et d’Alger, Paris, La Découverte, 2001.
Lund John, «Archaeology and Imperialism in the 19th century: C. T. Falbe, a Danish Antiquarian in French Service», Recueil de mémoires et documents sur Le Forez, t. 28, «Aspects de l’archéologie française au XIXe siècle».
Paul Sebag Robert Attal, L’évolution d’un ghetto nord-africain, la Hara du Tunis, Paris, PUF, 1959.
Porch, D, The French Secret Services from the DreyfuS Affair to the Gulf War. New York, 1995.
Roger Durand, Henry Dunant 1828 – 1910, Association Henry Dunant et Gustave Moynier, Éditions Slatkine, GENÈVE, 2010.
Saint-Paul G. Réflexions sur les mœurs et sur le caractère des indigènes tunisiens. In: Bulletins de la Société d’anthropologie de Paris, V° Série. Tome 3, 1902. https://www.persee.fr/doc/bmsap_0301-8644_1902_num_3_1_6045
Saladin Henri, «Une Famille D’architectes Tunisiens Depuis Le XVII Siècle Jusqu’à Nos Jours», L’architecture, 150 Année, Numéro 46, Samedi 15 novembre 1902.
Traki Zannad, «Savoir médical face au vécu culturel», In, C. A. T. P, Tunis, N9, 1987.
Winstone, H.V.F, Woolley of Ur: the life of Sir Leonard Woolley. London, 1990.

---------------------------------------------
[1][*]- دكتور في التَّاريخ والآثار والتُّراث وأستاذ مساعد متعاقد في المعهد العالي للعلوم الإنسانيَّة بجندوبة (تونس).
[2]- Elikia M’bokolo, Afrique Noire. Histoire et civilisations, tome II, XIXe et XXe siècles, Paris, Éditions Hatier-Aupelf, 1992, p. 249.
[3]- Anne Hugon, L’Afrique des Explorateurs. Vers les Sources du Nil. Paris, Éditions Gallimard, 1991, p. 32.
[4]- ولد في جنيف (1828-1910) من عائلة بروتستانتية كالفينية. وفي عام 1853، سافر إلى الجزائر للاضطلاع بمسؤوليَّة المستعمرة السويسريَّة في «سطيف». ومن ثمَّ سافر إلى تونس وقد منحه محمَّد الصَّادق باي نيشان الافتخار. أنجز كتابا حول الإيالة التونسيَّة. وأسَّس الصليب الأحمر سنة 1863. وتكريمًا له لجهوده، مُنحت أوَّل جائزة نوبل للسَّلام سنة 1901 لهنري دونان ومعه الاقتصادي وناشط السَّلام الفرنسي فريديريك باسي. انظر:
André Durand, L’évolution de l’idée de paix dans la pensée d’Henry Dunant, «Actes du Colloque Henry Dunant 1985», édition de la Société Henry Dunant, Genève, 03, 04 et 05 Mai 1885.
[5]- ولد بيليسيي 1798 وتوفي سنة 1868 وشارك في الحملة الفرنسيَّة لاحتلال الجزائر أين عمل هناك، وارتقى بيليسيي إلى رتبة القنصل في سنة 1843، حيث وقع تعيينه في بالمغرب الأقصى، غير أنَّ ملك هذا البلد، مولاي عبد الرَّحمن، رفض السَّماح لضابط الأركان هذا الدُّخول إلى مملكته، فوقع تعيينه في تونس، بموافقة الباي لكي يشغل، فيها بين ماي 1843 وأفريل 1848، منصب القنصل بسوسة. ثمَّ وقع تعيينه في مالطة ولكنَّ السُّلطات البريطانيَّة، الَّتي كانت تولِّي أهمِّيَّة كبرى لهذا الموقع في البحر المتوسِّط، رفضت أوراق اعتماده، فتمَّ تعيينه بالرُّتبة نفسها سنة 1852 في بغداد، حيث توفِّي في سنة 1858. ولهذا العسكري عديد من المؤلَّفات حول الجزائر.
[6]- كما أنجز أيضًا دراسة حول منطقة سوسة والمنستير. والَّتي تمَّ الاحتفاظ بها في حوالي 80 صفحة مكتوبة بخطِّ اليد من الأمام والخلف مرقمة من 97 إلى 140 وزارة أرشيف وزارة الخارجيَّة الشُّؤون في باريس Quai - d’Orsay ثم
Courneuve . انظر:
Kamel JERFEL, Un mémoire inédit sur la région de Sousse et Monastir rédigé par le consul français de Sousse E. Pélissier De Reynaud en 1844, Archive-histoire, numéro 2 et 3, Archive nationales de Tunisie, 2016, p p13- 21, p 13.
[7]- أنجز الأستاذ أحمد الباهي مقالًا صوَّب فيه الأخطاء الَّتي وقع فيها المترجم لكتاب بيليسيي في ما يتعلَّق بالمقابل العربي لأسماء الأماكن، والقبائل. ويبدو أنَّ هذا الإشكال موجود حتَّى في النَّصِّ الفرنسي لبيليسيي نظرًا لتأثُّره باللَّهجات الجزائريَّة. انظر: الباهي، أحمد، «ملاحظات حول ترجمة الأسماء والقبائل في كتاب «وصف إيالة تونس» لبيليسيي».
[8]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص156.
[9]- انظر:
Houda Baïr, «Les voyageurs-cartographes en Tunisie au XVIIIe et XIXe siècle», Dynamiques environnementales [En ligne], 39 -40 | 2017, mis en ligne le 01 juin 2018, consulté le 10 décembre 2022. URL: https://journals.openedition.org/dynenviron/366 .
[10]- فهيم، حسين محمد، أدب الرِّحلات، ص63.
[11]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص18.
[12]- م.ن، ص22.
[13]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس 1856-1857، ص131.
[14]- م.ن، ص132.
[15]- م.ن، ص153.
[16]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص35.
[17]- Kamel Jerfel, Une Institution Diplomatique D’exception: Le Consulat Français De Sousse À Travers La Correspondance de ses deux consuls (1842 et 1848), JUSTICE, POLITIQUE ET SOCIÉTÉ, Recueil d’études en hommage à Ali NOUREDDINE, Textes réunis par Mehdi JERAD Présentation de Sadok BOUBAKER, LATRACH EDITION, 2017, pp 35- 54, p 41.
[18]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص40.
[19]-Houda Baïr, «Les voyageurs-cartographes en Tunisie au XVIIIe et XIXe siècle», Dynamiques environnementales [En ligne], 39- 40 | 2017, mis en ligne le 01 juin 2018, consulté le 10 décembre 2022. P 71 URL: https://journals.openedition.org/dynenviron/366
[20]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص105.
[21]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص141.
[22]- م.ن، ص115.
[23]- م.ن، ص247.
[24]- م.ن، ص165.
[25]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص29.
[26]- م.ن، ص47.
[27]- انظر:
Anne-Marie Planel, Du comptoir a la colonie: Histoire de la communauté française de Tunisie (1814 -1883), IRMC, Rive neuve éditions, Paris, 2015.
[28]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص138-137.
[29]- م.ن، ص161.
[30]- بلقاسم، إبراهيم بن جمعة، الاقتصاد والمجتمع في الإيالة التُّونسيَّة من 1861 إلى 1864 من خلال محاضر محاكم الجنايات والأحكام العرفيَّة، ص155.
[31]- دونان، هنري، مذكَّرة عن إيالة تونس، ص87.
[32]- المكني، عبد الواحد، «العامَّة وتمثل أزمات الطَّقس بالمغارب خلال القرن التَّاسع عشر: ملاحظات أوليَّة»، ضمن: الأزمات في تاريخ المغرب الكبير، صص225-237، ص225.
[33]- دونان، هنري، مذكَّرة عن إيالة تونس، ص133.
[34]- م.ن، ص133.
[35]- للتعمُّق في هذا الموضوع مثلًا، انظر: عبد الحميد، سليم، «الحُوت في أبعاده القدسيَّة والاجتماعيَّة عند أهالي المطويَّة/ المطاوى»، الحياة الثَّقافيَّة، عدد خاص: التُّراث المادِّي واللَّامادِّي. تأصيلًا للهويَّة وسبيلًا إلى التَّنمية الثَّقافيَّة، صص91-101.
[36]- دونان، هنري، مذكِّرة عن إيالة تونس، ص159.
[37]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص54.
[38]- Traki Zannad, «Savoir médical face au vécu culturel», In, C. A. T. P, Tunis, N9, 1987, pp. 53- 61.
[39]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص82.
[40]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص134.
[41]- Saint-Paul G. Réflexions sur les mœurs et sur le caractère des indigènes tunisiens. In: Bulletins de la Société d’anthropologie de Paris, V° Série. Tome 3, 1902, pp. 296-308; p302. https://www.persee.fr/doc/bmsap_0301 - 8644_1902_num_3_1_6045.
[42]- Charles Géniaux: Les Musulmanes, P. IX.
[43]- Saint-Paul G. Réflexions sur les moeurs... op cit.
[44]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص155.
[45]- Georges Balandier. Anthropo-logiques, Livre de Poche, Paris, 1985, p 227.
[46]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص60.
[47]- م.ن، ص251.
[48]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص86.
[49]- م.ن، ص126.
[50]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص95.
[51]- م.ن، ص96.
[52]- م.ن، ص97.
[53]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص107.
[54]- م.ن، ص109.
[55]- انظر:
Dominique combe, «Théorie postcoloniale, philologie et humanisme. Situation d’Edward Saïd», in, Littérature, N 154, 2009 -2, pp. 118- 134 .
https://www.cairn.info/revue-litterature-2009-2-page-118.htm
[56]- عبد العال، هالة محمد، المرأة والثَّقافة: بحث تحليلي في العوامل المؤثِّرة في تكوين شخصيَّة المرأة العربيَّة، ص21.
[57]- عبد العال، هالة محمد، المرأة والثَّقافة: م.س، ص100.
[58]- م.ن، ص102.
[59]- ورجَّح المترجم أنَّه جمعها بنفسه أو استقاها من مخطوط «الأمثلة الشَّعبيَّة السَّائرة بين النَّاس» وهو باللُّغة العامِّيَّة التُّونسيَّة مودع بالمكتبة الوطنيَّة التُّونسيَّة تحت رقم 18513.
[60]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص28.
[61]- م.ن، ص98.
[62]- Lund John, «Archaeology and Imperialism in the 19th century: C. T. Falbe, a Danish Antiquarian in French Service», Recueil de mémoires et documents sur Le Forez, t. 28, «Aspects de l’archéologie française au XIXe siècle», p. 331- 350, p 333.
[63]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص51.
[64]- Isabelle Surun, «L’exploration de l’Afrique au XIXe siècle: une histoire pré coloniale au regard despostcolonial studies», Revue d›histoire du XIXe siècle [En ligne], 32 | 2006, mis en ligne le 03 novembre 2008, consulté le 30 septembre 2022, pp. 21- 39, p 22. URL: http://journals.openedition.org/rh19/ 1089 .
[65]- Lettre à M. Hase, sur les antiquités de la Régence de Tunis, par M. E. Pellissier, ... «Revue archéologique», 2éme année, seconde partie, du 15 Octobre 1845 au 15 mars 1846, Paris A. LALEUX, libraire-éditeur, rue pierre Sarrazin, 9, 1846, pp 495- 499,
[66]- كانت العلاقة بين علم الآثار والإمبرياليَّة، حاضرة لكنَّها لم يبرز إلَّا مؤخَّرًا وتعتبر حال فالب واحدة من أولى الأمثلة الموثَّقة لعالم آثار - أو لاستخدام لغة تلك الأيَّام: أثري - تحوَّل إلى جاسوس، مزيج من مهنتين الَّتي أصبحت فيما بعد شائعة نسبيًّا في البحر الأبيض المتوسِّط، على وجه الخصوص خلال الحرب العالميَّة الأولى. انظر:
Winstone, H.V.F. 1990, Woolley of Ur: the life of Sir Leonard Woolley. London. 59- 80.
[67]- Porch, D, The French Secret Services from the DreyfuS Affair to the Gulf War. New York, 1995 p. 21.
[68]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص264.
[69]- م.ن، ص249.
[70]- م.ن، ص251.
[71]- Lucette Valensi, «Introduction», in Jean-André Peyssonnel, Voyage dans les régences de Tunis et d’Alger, Paris, La Découverte, 2001, p. 8.
[72]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص84.
[73]- Roger Durand, Henry Dunant 1828–1910, Association Henry Dunant et Gustave Moynier, Éditions Slatkine, GENÈVE, 2010, p 65.
[74]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص116.
[75]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص117.
[76]- Jabeur Fathally, «Réflexion sur l’interdiction de l’esclavage en droit musulman à partir du témoignage méconnu d’Henry Dunant», CIFILE Journal of International Law (2022), Journal Vol. 3, No.5, Avril 2022, pp 52- 69, p 54.
[77]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص119.
[78]- م.ن، ص122.
[79]- م.ن، ص125.
[80]- م.ن، ص126.
[81]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص254.
[82]- م.ن، ص148.
[83]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص31.
[84]- لمزيد المعلومات حول حارة اليهود انظر:
Paul Sebag Robert Attal, L’évolution d’un ghetto nord-africain, la Hara du Tunis, Paris, PUF, 1959.
[85]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص35.
[86]- م.ن، ص74.
[87]- م.ن، ص38.
[88]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص43.
[89]- دونان، هنري، مذكرة عن إيالة تونس، ص39.
[90]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص49.
[91]- م.ن، ص46.
[92]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص67.
[93]- م.ن، ص265.
[94]- أمين بناء في الحاضرة، ساهم في ترميم وبناء عديد المعالم في تونس وتوفي في 02 فيفري 1902.
[95]- انظر المقال:
Saladin (Henri), «Une Famille D’architectes Tunisiens Depuis Le XVII Siècle Jusqu’à Nos Jours», L’architecture, 150 Année, Numéro 46, Samedi 15 novembre 1902, P 401- 404.
[96]- دي راينو، أرنست بيليسيي، وصف إيالة تونس، ص251.
[97]- انظر: رازقي، محمد بشير، السَّرديَّات الاستشراقيَّة والتُّراث الثَّقافي في البلاد التُّونسيَّة خلال الفترة الاستعماريَّة: الممارسة والرِّهانات وانتاج الصُّور النَّمطيَّة، صص112-128.