البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تحدي تمثلات الغرب عن الشرق في رواية: «الموريسكي» للكاتب المغربي حسن أوريد

الباحث :  رشيد المنوار
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  23
السنة :  صيف 2020م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 20 / 2020
عدد زيارات البحث :  244
تحميل  ( 462.428 KB )
شكّلت العلاقة بين الشّرق والغرب حكايةً طويلةً ومعقّدةً، كما ذهب إلى ذلك إبراهيم جبرا، تشمل «مثل أيّة قصّة معقّدة جيّدة وممتعة، الكثير من الصراع، والكثير من الحبّ والكراهية»[2]. وقد تحقّق هذا اللّقاء[3]/ المواجهة بينهما خلال ثلاث مراحل أساسيّة عبر التاريخ[4].
وطّد الغرب، خلال مرحلة قوّته وتمركزه حول أناه، سيطرته الماديّة والمعنويّة على الشّرق، لدرجة أصبح معها «وجدانه لا ينفتح على الآخرين إلا بقدر ما يكون هؤلاء مجموعة من العناصر في أفقه الذاتي، فيصعب عليه أن يفهم الأشياء من غير منظاره الخاص، ولا يعطي أيّ اعتبار للآخرين ولاهتماماتهم، الأمر الذي يؤدّي إلى أن يختلط لديه الموضوع بالذات» [5].

قسّمت هذه القوّة الاستعماريّة الغربيّة -بعد أن اكتسبت من القوّة ما جعلها تسيطر على الشّعوب وتقهرها- العالم إلى جزأين مختلفين، تمثّلا في ثنائيّة الغرب والشرق، لتجعل من الصّلة بين هذين المكوّنين «تعكس علاقة القوّة والسيطرة ودرجات متفاوتة لنفوذ مركب»[6].
كما صاغت القوّة الغربيّة من هذه الثنائيّة المتخيّلة «شرق/غرب»، إلى جانب الفارق الجغرافي بين المركز الاستعماري وبين أطرافه، تصوّرات عن التفوّق الغربي ثقافة، وعادات، وتجارب. فتمّ «رسم خطّ فاصل بين قارتين: قارّة أوروبيّة قويّة وظاهرة، وقارّة أسيويّة ضعيفة ونائية»[7]. وهكذا، «شكّلت غرائبيّة الشرق واختلافه، وشهوانيّته الغريبة»[8] تاريخ العالم ووعيه. ففي التاريخ كما في الثقافة، يظهر دائمًا «التّفوّق الأوروبي على التخلّف الشرقي»[9]؛ لأنّ الأوروبيين آمنوا بأنّ المُستعمرات لا يمكنها أن تملك لا تاريخًا ولا ثقافة. ومن ثم، فإنّها أقطار متخلّفة تستحقّ أن يحكمها الأوروبيون[10] الذين كان لهم الفضل في جلب الحضارة إلى تلك الأماكن البربريّة.

أخذ هؤلاء الأوروبيون البيض على عاتقهم، كما يروّجون لذلك، كتابة تاريخ الشّرق وتشييد هويّته. وفي هذا الصدد، لاحظ إدوارد سعيد بأنّ الكتابات الغربيّة تصوّر الشّرق بوصفه غير عقلانيّ، وعاجزًا، ومؤنّثًا (لما تحمله الأنوثة في الثقافة السائدة من سلبية واستسلام)، ومتخلّفًا، الأمر الذي يجعله يختلف عن الغرب العقلاني والقوي والمذكر.
كما أنشأ الغرب مفهوم المغايرة الذي «تحدّد من خلاله الإمبراطوريّة نفسها مقابل أولئك الذين تستعمرهم، وتقصيهم، وتهمّشهم»[11]. فصاغ منه (المغايرة) خطابًا قويًّا من أجل تلقين المستعمَرين بأن ينظروا إلى أنفسهم عبر أعين المستعمِر وأن يتبنّوا إيديولوجيّته؛ لأنّه يشير إلى تشييد الأنا مقابل الآخر الذي جعله (الغرب) يتأسّس عبر تعريف الرعايا، وموقعتهم خارج حدود الأنا (الغربية)، وتمييزهم عبر صور نمطيّة تجعلهم دائمًا في درجة النقيض -كما هي الحالة مع الشرق والغرب- أي، إنّه طريقة من أجل وسْم وضعيّة الفرد وهويّته مقابل إنكار ذلك على الآخر المتمثّل عادة في الشرقي.

ومن ثمّ، فإنّه عبر هذا المسلسل (المغايرة) تقصي مجموعةٌ معيّنة مجموعةً أخرى وتهمّشها داخل سياق اجتماعي أو سيكولوجي. ويتضمّن هذ المسلسل «تولي السلطة- الصوت، ومراقبة الكلمة. أي، ضبط وسائل التأويل والتواصل ومراقبتهما»[12].
وفي هذا الصدد، شيّد الغرب لنفسه -خلال المرحلة الاستعمارية- مكانة الأنا بينما هَمّش البلدان المستعمَرة وأهاليها؛ لأنّهم لم يستطيعوا تحديد وضعيّتهم دون مسلسل المغايرة. فأصبح الأشخاص الذين يشار إليهم باعتبارهم أغيارًا هم أولئك الذين ينتمون إلى مناطق أخرى، ومجموعات مختلفة خارج بنية القوّة المهيمنة الخاضعة للسلطة الاستعمارية الغربية.

تتحكّم التمثّلات النمطيّة بشأن ثقافة الآخر وأرضه، وأناسه، ولغته- كما شيّدها الخطاب الاستشراقي- في سيكولوجية المستعمَر والمستعمِر. ولنا في الأعمال الأدبيّة لتشارلوت برونتيي (جين آير)، وجوزيف كونراد (قلب الظلام)، ودانيال ديفو (روبينسون كروزو)، وتشارل ديكنز (الآمال الكبرى) خير مثال على ذلك، لنتحقّق من طريقة تصوير أغيارهم.
ولهذا، فإنّه من أجل تحدّي الأشخاص الآخرين داخل الأدب الغربي الاستعماري، يقترح إدوارد سعيد «ضرورة قراءة النصوص المعيارية العظمى، وربّما السجل بكامله، للثقافتين الأوروبية والأميركية خلال المرحلة الحديثة وما قبلها بغية إعطاء أهميّة وصوت لمن لا صوت له، أو للذي يحضر بشكل مهمّش أو ممثّل إيديولوجيًا في مثل هذه الأعمال»[13].

ذهب إدوارد سعيد بعيدًا في هذا الاتّجاه من أجل إظهار بأنّ الاندماجات الدنيويّة لإنتاجات الثقافة الحواضرية يمكن أن تكون ذات أهميّة من خلال «تحليل بنيات الاتّجاه والمصدر وعبر ممارسة القراءة الطباقية، التي تتوقّف على النّظر إلى السّجل الثقافي بوعي متزامن بشأن التاريخ الحواضري المسرود وإلى تلك التواريخ الأخرى كذلك»[14].
فإذا كان إدوارد سعيد قد ركّز في نظريّته -كما تجلّت في كتابه المفصلي في تاريخ النّظريات الأدبيّة «الاستشراق»- على تطبيقها في رسم صورة الغرب للشرق كما تجلّى ذلك في الكتابات الغربية وفي سجلّاتها التاريخيّة،  فإنّنا سنجرّبها -من خلال دراستنا لرواية «الموريسكي» لحسن أوريد- بشأن رسم صورة الهامش للمركز، أي صورة الشّرق للغرب.

ومن خلال هذه المحاولة، التجريبيّة، نُريد أن نجعل «الخاضع يتكلّم»[15] عبر نصّ (رواية الموريسكي) أنتجه هو، والذي اعتبرناه شكلاً من أشكال «خطاب مضاد» لخطاب الإمبراطورية التي ظلّت تتكلّم باسمه، وتصوّر أهل موطنه -شرقه- بصور متخيّلة ومُصطنعة ولم تقدّمه شرقًا كما هو في الواقع المادي الجغرافي الحقيقي، كما أشار إلى ذلك إدوارد سعيد. وبذلك، نريد أن نسائل صدقيّة الصّور النّمطيّة التي طالما ارتبطت بـالشّرق الذي دمّر الغرب أسس حضارته، بشبه الجزيرة الإيبيرية، وأباد أهله، ورحّلهم خارج الحدود في سفن مملوءة بالبشر، محاولاً، كذلك، طي صفحة تاريخ إنجازاته هناك، ومحو معالم أي إسهام يمكن أن يُنسب إليه.

موضوع الرواية:
الموريسكي[16] هي ثاني عمل روائي يصدره الكاتب المغربي حسن أوريد[17] بعد «الحديث والشجن» (1999)، التي تحكي عن الانفصام الثقافي في المغرب. وقد صدرت الطبعة الأولى لهذا العمل، الذي يضمّ 219 صفحة من القطع المتوسّط، باللغة الفرنسية عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر سنة 2011. 
وضع أوريد قارئ روايته أمام موضوعها منذ العتبة الأولى لنصّه من خلال عنوان معبّر (الموريسكي)، وصورة أكثر دلالة لسفينة شراعيّة تغصّ بركاب فارين من جحيم التعصّب الأعمى للمسيحيين، ممن آمنوا بضرورة النّقاء العرقي لدمّهم، وبالصفاء العقدي لملتهم، وهي أسطورة كانت تؤسّس، بشكل أو بآخر، للمركزية الأوروبية كما تبلورت بعد ذلك.
أسّس الكاتب هذه الرواية، التي نحن بصددها، على طرز «ناصر الدين على القوم الكافرين»[18]، وهي رحلة لأفوقاي الحجري أو شهاب الدين أحمد بن قاسم الحَجْرِي[19]، كما تُعرّفه الكتابات التاريخيّة. تنقل لنا هذه الرحلة، التي جاءت في ثلاثة عشر بابًا، أطوار هجرته إلى الله ورسوله، وهروبه من مُلاحقات محاكم التفتيش سنة 1597 ميلادية من أحواز غرناطة  قاصدًا المغرب بعد أن دخله مُتنكّرًا رفقة أحد أصدقائه، في جُبّة راهب.

عرضت هذه الرحلة، التي كتبت تطوّرات الأوضاع التي دفعت المسلمين المورسكيين إلى مواجهة السّلطة القشتاليّة تصدّيًا لحملة التنصير التي أُجبروا عليها، وكيف أدّت لاندلاع ثورتهم الكبرى في غرناطة، بالإضافة إلى الحيل التي لجأوا إليها للتخفي من محاكم التفتيش، التي استهدفتهم وأنزلت بهم أشدّ صنوف العذاب. تلتها رحلة أفوقاي في وصف لاهاي بين 1611- 1613 ميلادية، وهي تروي عن زيارة الرحالة لبلاد الهولنديين، يصف فيها لاهاي وأمستردام. وقد انشغل في هذه الرحلة بمحاورة الفرنسيين والهولنديين من أجل عرض القضيّة الموريسكية.
تتّسم هذه الرحلة بأهميّة خاصّة؛ لأنّها كُتبت خارج بلاد الأندلس من لدن واحد من أبناء الدار ممن شاهدوا، وذاقوا مرارة مضايقات زبانية محاكم التفتيش وعيونهم تجاه الموريسكيين. وهي بذلك تمثّل وثيقة تاريخيّة بالغة الأهميّة وصوتًا لمن أريد لصوته أن يصمت ولإشعاعه الحضاري أن يندثر، وتلك غايات غطّت عن نواقص هذا المخطوط الذي جاء مليئًا -كما أشار إلى ذلك مُحقّقه محمد رزوق-  بالأخطاء اللّغويّة، وبالألفاظ العاميّة، وبالصيغ المترجمة. ويمكن ردّ هذه الهفوات اللّغويّة إلى كثرة التحرّشات وتتالي المضايقات التي جعلت من تعلّم اللغة العربيّة يتمّ سرًّا في بلد أضحى يُعاقب بداخله كلّ من تُضبط لديه وثيقة مكتوبة باللّغة العربيّة، أو من يأتي بعمل يشي بكونه عربيًّا.

كان تاريخ الموريسكيين، خلال تلك الفترة الدمويّة من تاريخ الماضي الأوروبي، يُكتب، في أغلب الأحيان، وفق ما يخدم سياسة الكنيسة ويعزّز استراتيجياتها لتخليص شبه الجزيرة الإيبيرية من «الأراذل» الذين غدت صورهم تُقدّم بشكل مُشوّه، كأقليّة غير مُتحضّرة، وثائرة، ورافضة للاندماج الحضاري، مُصّرة على التشبّت بثقافتها العربيّة الإسلامية التي تعود لزمن جديهما الفاتحين طارق ابن زياد وموسى بن نصير.
أعاد أوريد صياغة شخصيّة أفوقاي، كما أشرنا لأصلها فيما سبق، ذات الوجود التاريخي الحقيقي[20]، بأسلوب روائيّ معاصر معتمدًا على التاريخ وثيقة، وعلى الخيال صنعة؛ «لملء الفراغات والبياضات ليحصل هذا التوليف والمزج  في رواية تقف عند مأساة الموريسكيين التي تختلط في أذهان الكثيرين ممن رحلوا بعد سقوط غرناطة مباشرة أو قبلها»[21].

تُستهلّ هذه الرواية (الموريسكي) بمشهد لفارس من فيلق النخبة يتوجّه راكضًا نحو دييغو (قاسم)، الذي كان مُنشغلاً في أعمال الفلاحة رفقة ابنه أحمد (بيدرو)، ليستفسره عن حمّالين ظنّ أنّهم مرّوا من أمام بيته قائلاً: «لقد تمّ العثور على جثّة بلا رأس وعارية في طريق بورغوس على مقربة من سيلادا. إنّه من عمل أولئك الموريسكيين الملاعين. فإذا رأيت واحدًا من أولئك الحمّالين في الناحية أخبرنا بذلك»[22].

إنّ وجود جثّة عارية ومقطوعة الرأس بطريق بورغوس، بالقرب من سيلادا، كاف ليجعل أصابع الاتّهام تُشير إلى أنّ ذلك الفعل لن يكون إلّا من عمل الموريسكيين، لتصبح الأفعال السيّئة لصيقة بهم رغم عدم كفاية أدلّة الإثبات. ورغم إسلامه، رسم قاسم (دييغو)، ربّ الأسرة، وابنه أحمد (بيدرو) إشارة الصليب وهما يودّعان فارس النّخبة الذي أمرهما بالتبليغ عند رؤية الحمالين.
كان هذا الحدث كافيًا، ليجعل من دييغو، عالم الدين الذي لبس جبّة فلاح تنكّرًا، يُولي ظهره شطر منزله، النائي المحاذي لجبال البشارات، ليحكي ذلك لزوجته فاطمة، التي امتعضت من هذه المضايقات، وابنته البكر زهراء (إيناس) التي تفاجأت بسبب هول الكارثة وكأنّها تعلم عواقبها، ليرسم لهم جميعًا خارطة طريق لحفظ دينهم وحماية أرواحهم. وفي ذلك يقول: «لا شيء يجب أن يدفعنا إلى التخلّي عن عقيدتنا الإسلاميّة: نذهب للقدّاس، لا نعمل أيام الآحاد، نعمل يوم الجمعة، نلتزم بكلّ المحرمات التي أقرّتها الكنيسة والمرتبطة بأعيادنا وألبستنا ولغتنا»[23].

عاشت هذه الأسرة التي تمثّل لمعاناة الموريسكيين حياةً مضطربةً بسبب ضغوطات المسيحيين المتكرّرة. وبسبب ذلك، تكلّف الأب دييغو بتلقين زوجته وابنيه خطّة عمل تحفظهم جميعًا من بطش المسيحيين حتى ينجوا على الأقل بأرواحهم. كما وضع على كاهله تعليم ابنه الثقافة الإسلامية بشكلٍ سريّ للحفاظ على إرث الموريسكيين والإبقاء على ذاكرتهم. وفي ذلك يقول أحمد مُتذكّرًا: «كان أبي يوقظني في الصباح الباكر لكي يغرس في أسس ما ينبغي أن يكون ضمانة هويتي(...) لقد ألقى علي بجسامة المسؤولية الثقيلة كلّها لاستمرار مَهمّة الفقيه. ولا شيء كان يكرهه رجال الكنيسة مثلما يكرهون الفقهاء الذين كانوا يؤثّرون في الموريسكيين تأثيرًا بالغًا ويشوّشون على صدق تحوّلهم للديانة المسيحيّة»[24]. فعلم، عندما بدأ يكبر، بأنّ الإسلام واللّغة العربية هما، إلى جانب محدّدات أخرى، تعبيران عن مأساة جماعيّة، عرضة للنهب والقتل، وضربت عليها اللّعنة، كما يقول الكاتب على لسان أحمد.
اشتغل الابن (أحمد) بالترجمة بداخل قرية الحجر الأحمر وخارجها بمحض الصّدفة. ناول رئيس الأساقفة السينيور خافيس رقًا مكتوبًا باللّغة العربيّة وجدوه تحت أنقاض صومعة من أجل فكّ رموزه لمعرفته باللّغة العربية نظرًا لتقدّم سنّه. لم يوفق خافيس في هذه المهمّة، لينقل الأسقف الدور إلى أحمد بعد سؤاله له عن سبب تواجده بالمكان. فشفع له، من سوء العاقبة، تشبّثه بمبرّر قراءة الموسوعة الجغرافيّة للإدريسي«نزهة المشتاق في ارتياد الآفاق» التي لم تكن قراءتها محظورة. توفّق في فكّ ألغاز ذلك الرّق، ليكون ذلك فاتحة ترجمات أخرى لصالح الكنيسة التي كان يتلقّى مقابلاً عنها.

لم تكن زهراء، وفق الرواية، مواظبة مثل أخيها على تعلّم أسس الثقافة الإسلاميّة، ولم يكن الأب يُبدي أيّ حماس تجاهها في هذا الشأن. خرجت ذات يوم ولم تعد، ليكتشف رجال الشرطة جثّتها التي تعرّضت للتشويه والتمثيل ملقاة غير بعيد عن النّهر دون أن يعرفوا هويّة قاتلها. لقد فارقت الحياة ولها رغبة كبيرة في اعتناق المسيحيّة كي تعيش حياتها، كما أسرّت لأخيها، لأنّ الإله نفسه «والمسلمون والمسيحيون يعبدونه بطريقة مختلفة»[25]. فلو بقيت حية، كما يقول بطل الرواية، «فلربّما تغيّرت أشياء كثيرة: الدعوة إلى المحبّة كما هي مبثوثة في تعاليم الديانة المسيحية، الشغف بالعدالة لدى الإسلام، رقّة الأولى وزهد الثاني. لكن زهرة قتلت»[26]، وسَيُلقي كلّ طرف باللائمة على الطرف الآخر، وسوف لن يروا في بعضهم البعض غير المناحي السلبيّة والقبيحة. وبعد بضعة شهور، توفي قاسم بسبب حزنه العميق على ابنته زهراء، وانزوت زوجته فاطمة في دير للدومينيكان ثم شدّدت على ابنها كي يغادر مسقط رأسه بعد أن أصبح واقعه لا يُطاق.
هاجر أحمد رفقة خايمي من سانتا كروز إلى مدينة البريجة بالمغرب التي كانت وقتئذ مُستعمرة برتغاليّة مُتنكّرين في صفتي قشتاليين مسيحيين. تمكّنا بفعل دهائهما وذكائهما من أن يفلتا من قبضة عساكرها بعد أن قضيا بداخل قلعتهم ليلة واحدة، فوقعا في قبضة فلاحين بالقرب من أزمور وهم في طريقهم إلى أحد الفدادين بعد أن ظنّوهم مسيحيين يريدان اختطاف المسلمين وبيعهم عبيدًا للبرازيل، كما حدث ذلك مرارًا وتكرارًا. لكن وما إن نطق أحمد بالشهادة حتى تغيّرت المعاملة، وجاؤوهما بالتّمر والحليب، ومأكولات أخرى من طعام أهل البلد. وبعد ذلك، تمّ التوجّه بهما عند قائد المدينة حيث وجداه في انتظارهما رفقة قاض بدّدت أسئلته وأجوبتهما الشكوك التي حامت حول هويّتيهما قبلئذ؛ لأنّ الاعتقاد الأوّل كان يُرجّح فرضيّة كونهما إما جاسوسين أو لصين.

وبعد قضاء عشرة أيام في ضيافة القائد، أرسلهما إلى مراكش للقاء السلطان أحمد المنصور الذهبي. فتزامن وصولهما مع عيد الأضحى ليجدا السلطان مُنهمكًا في استقبال الوفود على ضفاف وادي تانسيفت بعد اكتشاف جيوب مرض الطاعون بمدينة مراكش. ولم يأت دورهما للقائه إلا بعد عودته لعاصمته (مراكش)، ليطلق على أحمد اسم شهاب الدين، وعلى خايمي لقب عز الدين. فعيّن الأوّل كاتبًا في البلاط لدى الشاعر الفشتالي، والثاني جنديًا للإسلام في جيش الأندلس التي غادراها بحثًا عن غد أفضل وعن كرامة افتقدت بداخلها؛ لأنّ «البحث عن الكرامة أكثر أهميّة من الارتباط بالأرض أو بذاكرة الأماكن»[27].
شارك عز الدين تحت إمرة جودر باشا «في حركة ضدّ قبائل متمرّدة في منطقة حاحا لم يعد بعدها. إذ أردته رصاصة غادرة قتيلاً»[28]. وقد تزوّج شهاب الدين إحدى محظيات القاضي الركراكي لالة تاجة التي كان له منها: حكم أكبر أولاده، وزينب ابنته المحبوبة، ثم أحمد، آخر العنقود. لبث في قصور السعديين التي اشتغل بداخلها وخارجها تُرجمانًا، وسفيرًا، لينتهي به المطاف في تونس بعد حركات التمرّد التي شهدها المغرب بين الإخوة من أجل السلطة، من جهة، وبين المتمرّدين من أمثال أبي محلي، من جهة ثانية.

جاءت سفارته الأولى خارج المغرب، بعد اثنتي عشرة سنة قضّاها بداخله، ليُفاوض الإفرنج في أمر ودائع بعض العائلات الأندلسيّة التي سرقها بحّارة نصارى أكروهم سفنهم لتُقلّهم هم وأمتعتهم بعيدًا عن الأندلس بسبب قرار الطّرد الذي وقّعه فيليب الثالث «ليجتثّ جرثومتهم الخبيثة»، كما روت ذلك بعض وثائق محاكم التفتيش.

وصلت هذه العائلات إلى المغرب، في أربع سفن، لتجد ما أمّنت عليه البحارة النصارى قد نهُب لتقرّر بعد ذلك رفع الأمر إلى السلطان مولاي زيدان الذي أرسل شهاب الدين رفقة بعض من أصحاب هذه الأمتعة بعد أن أعطاهم كتابًا يقدّمونه لسلطان الإفرنج.
ذهب إلى تونس، ومنها هاجر إلى الحج ثم عاد ليسقترّ بها ليقضي ما بقي من عمره هناك، خصوصًا بعد أن غرق المغرب في الثّورات التي كانت تحدث بين أبناء السلطان الثلاثة (المامون، وأبي فارس، ومولاي زيدان) فيما بينهم من أجل التحكّم في مقاليد السّلطة، أو مع المتمرّدين الذين ثاروا على السّلطة المركزيّة بعد أن دبّ إليها الوهن وأصبح «القابضون» على ما بقي منها يستنجدون بالقوى الخارجيّة ويعطونها من تراب المغرب مقابلاً لخدماتها.

ورغم مبايعة مولاي زيدان بعد وفاة أبيه، «لكن للأسف فإنّ الطبيعة البشريّة ضعيفة، وحبّ الجاه ينسي المرء كلّ الالتزامات التي قطعها على نفسه ويدفعه إلى تجاهل كلّ الاعتبارات الأخلاقية»[29]، كما يقول بطل الرواية.

قسّم الكاتب روايته إلى محطّات بتواريخ مضبوطة، تُحكى جميعها، بلسان البطل، بشكل يختلط فيه التاريخي الموثّق مع الخيالي. وهذه المحطّات هي: بلدة الحجر الأحمر في خاصرة جبال البشارات (1585-1595م)، مراكش (1598-1603م)، أمستردام (1611م)، مراكش (1613م)، سلا الجديدة (1615-1637م)، توزر (1642م).

الغرب في رواية «الموريسكي» لحسن أوريد
يصوّر لنا حسن أوريد في روايته «الموريسكي»، التي نحن بصددها، الآخر، الغربي، في شكل مخلوق دمويّ، وعدوانيّ، وهمجيّ، وناكث للعهود، وهي خاصيات تساوى في الاتّصاف بها صنّاع قرار سلطتيه الزمنية والدينيّة- الذين بحثوا عن مبرّرات لشرعنة ممارساتهم المقيتة، وذلك ما نستشفّه منذ الصفحات الأولى للرواية. ويتمظهر ذلك في الموعظة التي قدّمها الخوري فراي ميكو، أحد أعضاء الجمعية العامة لـمحاكم التفتيش، يوم الأحد الذي تزامن مع مقتل أندري ألونسو. وقد ركّز فيها على الأخطار التي تُحدّق بالمسيحيين جرّاء تسامحهم مع وجود المسلمين بين ظُهرانيهم، فقال: «يجب لمقتل أندري ألنسو أن نفتح أعيننا على المخاطر المحدقة بنا. لن ننعم أبدًا بالطمأنينة والهناء ما دام هؤلاء المارقون يعيشون بين ظهرانينا. لطالما حاولنا دعوتهم إلى أنوار الدين الحنيف، دين المسيح، لكنّهم يرفضون اعتناقه، وعندما يفعلون ذلك يقومون من باب التظاهر أو المصلحة أو الخوف»[30].

وقد أراد هذا الراهب، بذلك التصريح البليغ، تمرير خطاب قاس في دلالته، واستئصالي في أهدافه كي يهيّئ الحضور إلى تقبّل عاقبة رمي موريسكيين في المحرقة. ومن ثم، «فإنّ الرّهان يتجاوز تنفيذ حكم الإعدام في حقّ حقيرين (...) بل وجود الموريسكيين برمّتهم»[31].
وقد اختتم هذا الواعظ خطبته تلك بحلّ يتأسّس على أحد الإجراءين: إمّا الطّرد أو الإبادة ليتسنّى لهم، كما يُضيف، العيش بسلام بعد أن جرّبوا استراتيجيات عدّة: فرض فتح أبواب مساكن الموريسكيين إبان حفلات الأعراس، وفي أيام الجمعة والأعياد، ومنع الزمبرة، ومنع النساء من تخضيب أيديهن بالحناء، ومنع التحدّث باللّغة العربيّة، أو امتلاك كتب مكتوبة بذلك اللّسان، ومنع لباس الأثواب الحريرية، ومنع اتخاذ الأسماء الموريسكية العربية الإسلامية.

استدعى المسيحيون نصوصًا مشكوكًا في صحّة قدسيتها من أجل شرعنة القتل، والترويع، والاضطهاد كما يبيّن ذلك المقطع التالي، الذي يشير إلى أوامر يهوه من خلال صموئيل لـلملك شاوول بإبادة هراطقة أمليك: «اضرب الآن أمليك، أنذرها هي اللعنة هي وما تملك. كن بدون رحمة تجاهها. اقتل الرجال والنساء والأطفال والرضع والثيران والشياه والجمال والحمير»[32].

يُضيف أوريد إلى صور تجليات همجيّة الغرب وقائع أخرى كثيرة، كواقعة إحراق كتب معارف المسلمين، وأساس هويّتهم بإيعاز من المطران سيسنيروس الذي اتّسمت سياسته تجاه المسلمين بالاضطهاد، والإبادة. لقد دفعت همجيّته إلى الأمر «بإحراق المخطوطات، وأرشيف السلاطين الناصريين والمكتبات، ولم تسلم إلا كتب الطب. وقد كان ذلك بمثابة شجرة قطعت جذورها. فبإمكان الجذع أن يبقى صامدًا، لكن الشجرة لا يمكنها أن تنمو من جديد (...) لقد دمّرت ذاكرتنا»[33]، كما يحكي قاسم لابنه أحمد.

أراد هذا الغرب، وفق الرواية، أن يُزيل جميع المحدّدات الثقافيّة الشرقيّة الإسلاميّة التي كانت تقلق وجدانه، بسبب رغبته في صياغة مجتمع على المقاس لا يرى ذاته من خلال غيره، بل عبر نفسه ومن خلالها هي فقط. فهدموا مساجد المسلمين، وحمّاماتهم، وأكرهوهم على أكل لحم الخنزير، وعلى ترك تداول اللغة العربية، وعلى التخلي على نمطهم في اللباس، والتعبّد. كما أرادوا أن يتحكّموا في نسبة خصوبتهم كي لا يتجاوز عددهم نسبة عدد المسيحيين؛ لأنّ نساءهم «الماجنات» أكثر خصوبة من نساء المسيحيين، كما تردّد في الرواية.

حاول هذا الآخر المسيحي، وفق أحداث الرواية، أن يبحث دائمًا عن مبرّر يعتمده بغية تدعيم الإحساس العام بالتجذّر المسيحي داخل شبه الجزيرة الإيبيرية، ونفي فكرة أي تواجد إسلامي، عربي، شرقي بها، رغم إسهاماته الجليلة التي ما تزال شامخة إلى اليوم. ومن أجل ذلك، أعطى الضوء الأخضر للتنقيب عن هياكل بعض القديسين، وتوابيت الحواريين، لدرجة أن أضحت معها إشاعات العثور هنا وهناك على بقايا المقدسين تضبط إيقاع الحياة بالأندلس.
فما كان يتنافس بشأنه هؤلاء المسيحيون من عظام، وتوابيت (...)، يُنقل إلى بابا الفاتيكان الذي كان يبارك ذلك، ويُثني على المستكشفين، ويؤكّد أهمية هذه الموجودات من خلال رسالة بابوية مهيبة، مما يدلّ على متانة الارتباط الرّوحي الذي يضمنه البابا لأتباعه الإيبيريين، وعلى انغماسه، هو بدوره، في سياسة التحريض ضدّ التواجد الإسلامي هناك.
عاش الموريسكيون بداخل شبه الجزيرة الإيبيرية، بعد سقوط غرناطة، حالة اضطراب وخوف. فكانوا يتوقّعون مداهمات أعضاء محاكم التفتيش في أيّة لحظة، مما جعلهم يطوّرون مهارات فريدة للتخفّي. وفي هذا الصدد، يوجّه دييغو، رب الأسرة، خطابه لزوجته (فاطمة) وابنته (زهرة): «فاطمة حضّري لنا المرق بدون كُسكس، لأن الكُسكس مشبوه (...) وأنت يا زهرة امسحي الصليب بخرقة، لأنه مغطى بشبكة عنكبوت. لمعي كل الأيقونات. يمكن أن يدخل علينا الزوار في أية لحظة»[34].

جعل أوريد من أسرة دييغو مثالاً لحياة الموريسكيين بالأندلس، التي دفعتهما همجيّة الغرب وإرهابه إلى تجنّب كلّ ما من شأنه أن يدلّ على انتمائها للحضارة الإسلاميّة والعربيّة حتى ولو تعلّق الأمر بمسألة الأذواق، سواء أكان ذلك في مجال الأكل أم اللباس.

وتجنّبًا لسادية الغرب، أضحت هذه الأسرة تستعيض عن أسس هويّتها بالمحدّدات الثقافيّة للمسيحيين، من تلميع للصليب إلى رسمه على الصدور، بشكل يتنافى مع ما يؤمنون به؛ لأنهم يعلمون أنّ مصير الموقوفين، وفق اجتهاد محاكم التفتيش، يتمثّل في إحدى العقوبات: إما «مصادرة الممتلكات، ملاحقات، مضايقات، وحتى الرمي في المحرقة»[35]، كما يشير إلى ذلك السارد، مهما كان وضع المخالف لـتعاليم الكنيسة المادي والاعتباري والصحي حتى، وتلك حالة مارية رومير التي عاشت في الظلّ مسلمة، وأمام أعين الآخرين مسيحية. وقد اعترفت، بعد سنين عدّة من التّظاهر باعتناق ملّة المسيح، وهي على فراش الموت بأنّها لن تموت إلا وهي على دين محمد، فاقتصّوا، بعد أن وافاها القدر، من جثّتها حرقًا.

وُضع الموريسكيون، بحسب أحداث الرواية، في عزلة ماديّة ومعنويّة. إذ جعلهم تقسيم غرناطة إلى منطقتين (منطقة مسيحيّة وأخرى مسلمة) يحسّون بالاختلاف. وفي سؤال استنكاري وجّهه دييغو لابنه، لما كان يشرح له واقع المأساة، وأسبابها، والعهد الذي نقضه القشتاليون بعد أن قطّعوه على أنفسهم، قال: «فمن يعش في معزل عن النّاس يحسّ في النهاية بالاختلاف»[36]. وهي حالة نفسيّة وواقعيّة لم تكن من طبيعة الموريسكيين المنفتحة على الآخر والمُرحّبة بثقافته، بل حالة أملاها تعامل القشتاليين الفظ معهم. كما عاشوا وهُم مقسّمون بين انتماءين: انتماء بالفطرة، وانتماء بالقوّة. يمارسون الأوّل خِفية في منازلهم، والثاني رياءً مرضاة لنزوات القشتاليين المتطرّفة من الذين أرادوا عُنوة أن يجعلوا من مجتمع شبه الجزيرة الإيبيرية كيانًا لا يدين إلّا بملّة المسيح، في زمن أصبح فيه الدّين الإسلامي هرطقة «بمثابة الدودة للفاكهة (...) تأكلها وتنتهي بإفسادها (...) والتسامح آفة (...) وشكل من أشكال الضعف الذي يستفيد منه الهراطقة»[37]،  كما يقول أحد الأساقفة الذي حضر حصّة استنطاق الموريسكيين المتّهمين بالقتل في حق أندري ألونسو.


الشرق في رواية «الموريسكي» لحسن أوريد
قدّم لنا حسن أوريد الذّات الشرقيّة وهي تتصارع مع الآخر الغربي الذي أذاقها مختلف أصناف التضييق والعذاب، بشقّيه المادي والمعنوي، كما رأينا ذلك سابقًا. فلم تكن مواطنتهم كاملة، بل إنّ أصلهم الشرقي، ودينهم الإسلامي، ولغتهم العربيّة كانت، جميعها، محدّدًا لنوعيّة المناصب التي يتولّونها. فما كان من نصيبهم غير نوعين من المناصب: «يحرثون الأرض، ويمتهنون الأعمال الشاقّة»[38]، ليبقى الانخراط في أسلاك مناصب الدولة أو الجيش من نصيب غيرهم.
لم نجد، ونحن نبحث في صفحات هذه الرواية عن مهن الموريسكيين، إلّا لائحة ضيّقة منها كان القشتاليون يتأفّفون من مُزاولتها، ليُصبح امتهانها لصيقًا بـالموريسكيين، كما جاءت في الرواية:
قُبض على موريسكيين من قبل فرقة النخبة الترسيو واقتيدا لرجال الكنيسة للمحاكمة (...) كان أحدهما حمّالاً والآخر بناء[39].
لم يتبقّ للموريسكيين إلّا الأشغال الوضيعة كحرفيين أو فلاحين[40].
أقسم البنّاء بأغلظ الإيمان بأنّه لم يُغادر منطقته (...) أمّا الحمّال، فإنّه أدهش الجمع ببرودة دمه[41].
كانت محاكمة الحمّال والبنّاء الفرصة الأخرى للكنيسة كي تعضد سلطتها[42].
منذ تنفيذ حكم الإعدام على الحمّال والبنّاء، غار والدي في صمته[43].
لقد بالغوا في ابتزازنا وفي تكليفنا بالأعمال الشاقة[44].
يا له من مشهد مُحزن أن ترى هؤلاء الصُنّاع المتفانين في عملهم، المعتزّين بأنفسهم (...) يتسوّلون قطعة خبز لطفل جائع أو امرأة مُرضعة[45].
تناست القرية إدانة الحمّال والبنّاء لكي تتكيّف مع الحياة[46].
اصفرّت سنابل القمح وكان علينا أن نستعدّ للحصاد[47].
هذا مستحيل يا خايمي. متى سننتهي من الدرس[48]؟
لقد تركنا أشغال التقاط سنابل القمح ودرسها وتخزينها[49]
لا يُمكنك أن تصير جنديًّا، والشغل في الفلاحة شاقّ و بلا جدوى[50]
وبناءً على الجرد الذي خصّصناه لمهن الموريسكيين، نلاحظ أنّهم قد أقصوا من المناصب التي يمكن أن تجلب لهم نفعًا ماديًا مُحترمًا، ومكانة اجتماعيّة مرموقة داخل شبه الجزيرة الإيبيرية. ففُرض عليهم امتهان حرف بعينها، وحرمانهم من أخرى، ومن الانخراط في النقابات الممثلة لها، كذلك. ومن أسباب ذلك نذكر ما أورده أحد أعضاء نقابة صانعي الأحذية عندما ساووا في المنع، للانضمام لنقابتهم بين السود والعبيد والموريسكيين بقوله: «لتجنّب الأضرار والنتائج غير المناسبة التي يمكن أن تحدث من جرّاء وجود مثل هؤلاء الأشخاص داخل نقابة صانعي الأحذية، وكذلك لتجنّب العار والسخرية من جانب الشعب عند رؤيتهم مثل هؤلاء النّاس أثناء العروض الدينيّة أو الاحتفالات العامّة، وذلك بسبب النتائج التي تُحدثها رؤية هؤلاء الناس بين الشرفاء ذوي الثياب الحسنة»[51].

قدّم لنا الكاتب الأنا الشرقيّة وهي ترزح تحت بطش الآخر الغربي الذي أراد أن يجتثّ تاريخها من شبه الجزيرة الإيبيرية ليؤسّس لنفسه هويّة نقيّة، وغير مدينة في بناء تاريخها وحضارتها لأحد.

استطاع صاحب «الحديث والشجن» أن يأتي بالنقيض من أجل تحدّي بنيات الخطاب الاستشراقي الذي ارتبط عنده الشّرق بكونه صنوًا للتخلّف، والدمويّة، لغته لسان رعاع، ورسالة نبيّهم هرطقة محمدية. وفي هذا الصدد، يقول بطل الرواية أحمد (أو بيدرو): «استيقظت قرية مسقط رأسي، الحجر، ذات يوم على إشاعة ملحّة بشأن وجود صندوق عُثر عليه في قاعدة صومعة مسجد أمر الأسقف بتدميرها. كان الصندوق مختومًا بشريط رصاصيّ، وبداخله وجد نعش وهيكل عظمي مكتوب باللّغة العربية»[52]. فأرجع جمع المنقّبين والفضوليين وجود هذه الكتابات العربية -على رقّ بداخل صندوق بين البقايا المقدسة التي يريد من خلالها المسيحيون البرهنة على انتفاء الوجود الإسلامي بـ «شبه الجزيرة الإيبيرية»- إلى عمل شيطاني أدهش الجميع.
تكلّف أحمد (بيدرو) بقراءة هذا الرّقّ المكتوب باللّغة العربية التي أخذها خفية عن أبيه (قاسم)  الذي أراد أن ينقل إليه من خلالها تراث آبائه وأجداده بعد أن نالت منه محرقة سيسنيروس بــباب الرملة الكثير. ثم ترجم مضامينه رغم أنّ حروفه كانت مكتوبة «بكتابة مختلفة عن الكتابة الأندلسية الدائريّة والمزخرفة (...) تميل للأشكال المكعبة البسيطة القريبة من الخط الكوفي»[53]. وتقول بشكل ملغز: «يا طالب اللّغز أقرن المعنى، وإن لم تفعل ذلك، فلن تفكّ غوامضه»[54].
توالت الترجمات، وزال الخوف من شرّ العاقبة -الذي كان يقضّ مضجع هذا الفتى- لأنّ كتابة العربية، وقراءتها، والتحدّث بها كانت، جميعها، أمورًا محرّمة، إلى جانب أشياء أخرى، على الموريسكيين.

كما وقع ذات يوم على نصّ فريد يتحدّث عن قلاقل سيشهدها الشرق، ويُبشر بميلاد «ملك» سيأتي ستة قرون بعد «ميلاد المسيح» يفرض سلطته على العالم، وسيكتنف الشرّ مسعاه. وتلك هي اللّعنة!. فكان النّصّ كما يلي:

«وملك يبسط سلطانه على الوجود كلّه إلى الغرب،
ودين يتقدّم على حساب من قد أملاه من الغيوب،
والسر يزول عمن غشيه القدر بالذنوب»[55].

كان هذا النّصّ، وفق بطل الرواية، يحمل بُشرى بميلاد رسول المسلمين ونبيّهم رغم ركاكة أسلوبه المكتوب بعاميّة هي أقرب إلى عاميّة أهل غرناطة، كما يشرح ذلك السارد. لكن المترجم ذهب مع الاتّجاه العام الذي ترتضيه الكنيسة وجعل منه نصًّا قديمًا قدم ميلاد المسيح.
إنّ النبوءتان اللّتان يحملهما هذا النّصّ تتمثّلان في ميلاد رسول المسلمين سيدنا محمد، من جهة، والانحطاط الذي سيعرفه المسلمون فاتحين بذلك المجال لتقدّم المسيحيّة وبسط سلطانها الديني، وهو ما تحقّق على الأقل في شبه الجزيرة الإيبيرية.

يريد أوريد، من خلال إيراد ذكر اللقى المكتوبة باللغة العربية، مثلاً، أن يُبرهن على أشياء عدّة: التدليل على التواجد الإسلامي بـ شبه الجزيرة الإيبيرية، من جهة، وعلى سماحة المسلمين الذين شاركوا المسيحيين في كتابة تاريخهم، وقراءته، وصونه، من جهة ثانية. فكان في عهدهم يُبنى المسجد قرب كنيسة أو معبد لليهود، وليس على أنقاضهما كما فعلت الكنيسة بعد سقوط الأندلس.

ومن جهة ثانية، يسعى أوريد إلى تبيان حقيقة أنّ الإسلام ديانة سماويّة بشّر بها كتابهم المقدّس، وليس «هرطقة محمدية» كما تُروّج لذلك الأطروحات الاستشراقيّة.

كما أنّ اللّغة العربية التي كتبت بها هذه المخطوطات هي لغة أساسيّة في الحفاظ على ذاكرة المسيحيين، ولغة كتابه المقدّس وليست لغة رعاع، وقطاع طرق، ومهرطقين يتوجّب منع تداولها، والتضييق على متكلّميها وكاتبيها، كما فعل المسيحيون لمّا منحوا الموريسكيين مدّة ثلاث سنوات من أجل التخلّي عنها.
ولذلك، فإنّنا لم نرَ في ثقافة الموريسكيين إلا ثقافة تسامح، وحوار، كما تعكسه مجادلات شهاب الدين مع أهل الكتاب الذين التقاهم في سفرياته. فجادلهم بالحجّة والدليل، وقدّم لهم صورة مشرقة عن الإسلام (الذي يرتبط بالشرق) الذي طالما التصق في المدونات الاستشراقية «باحتقار العلم وإلغاء المجتمع المدني، إنّه البساطة المروّعة للعقل السامي، التي تحدّ الدماغ الإنساني، وتحول بينه وبين فكرة مرهفة، وكل إحساس رقيق، وكل بحث عقلاني، ولتجعله في خدمة توتولوجية أزلية: «الله هو الله»[56].

ومن خلال شخصيّة شهاب الدين، بطل رواية أوريد، وسلوكات شخصيات أخرى بداخل الرواية، قدّم أوريد للمتلقّي نظرةً إيجابيةً عن ثقافة الشّرق مخالفة، تمامًا، لتلك القابعة في شعور الغرب ولا شعوره والتي تربط بين الإسلام وصفات الإرهاب، والدموية، والهمجية. وهي عناصر أصبحت تشكّل موضوعات للكتابة عن الآخر العربي/ المسلم/ الشرقي.
فمن خلال هذه الرواية، يُعيد لنا حسن أوريد، بأسلوب روائيّ رائع، صياغة قصّة من قصص تاريخ الموريسكيين، تحكي مأساة شعب اضطهد، وقتل، وهُجّر، وشتّت شمله عصبيّة مسيحيّة متشدّدة، وأعضاء محاكم تفتيش قُساة، وساسة يُباركون أفعال هذه المؤسّسات، جميعها.

فلم يكن للموريسكيين من ذنب سوى انتماء جيناتهم للحضارة الإسلامية (العربيّة/الشرقيّة) التي حملت معها لأوروبا عصر الانحطاط ثقافة غنيّة بعلومها، وكتب معارفها، ومتسامحة بفلسفتها. فكان رحمها، كما رأينا ذلك سرديًا، يتّسع لليهودي والمسيحي واللا ديني. لقد رفضت إسبانيا الموريسكيين، وأبقت على الحمراء والخيرالدا، وقصر اشبيلية، ومسجد قرطبة. فكانت بذلك انتقائيّة في سياستها. كان عليها، كما يقول بطل الرواية، «وفق هذا المنطق الطهراني لـمحاكم التفتيش أن ترفض ابن باجة، وابن رشد (...)، هذه المنارات من الفكر الإنساني»[57].

إنّ في إحياء أوريد لمعاناة الموريسكيين، وتقتيلهم  وتدمير أسس حضارتهم تبرئة لذمّة المسلمين من صور صنعها الاستشراق، قديمه وحديثه، وربط فيها الشرق/الإسلام/ العرب بالهمجيّة، وبالإرهاب، وبالدموية، وبالتّطرّف. فمثل هذه الصفات من الحضارة الغربية انطلقت، كما رأينا ذلك في فعل إحراق كتب المعرفة الإسلاميّة، وبمباركة مؤسّسات الكنيسة والمُلك تعزّزت. وما يزال التاريخ شاهدًا على أعمال هؤلاء وأولئك.


------------------------------------
[1]  باحث في الدراسات العامة والمقارنة، جامعة محمد الخامس، الرباط المغرب.
[2] Jabra Ibrahim Jabra, Modern Arabic Literature and the West, Journal of Arabic Literature, Leiden, E. J. Brill, Vol. II, 1971, p. 77.
[3] For further readings about this encounter see: Issa J. Boullata, Encounter between East and West: A Theme in Contemporary Arabic Novels, Middle East Journal, Vol. 30, No. 1 (Winter, 1976), pp. 49-62.
[4] تحقّقت المرحلة الأولى (في القرن الثامن الميلادي) إبان وصول الإمبراطورية العربية الإسلامية بحضارتها، وإنسانيتها، وعلومها إلى أوروبا أيام كانت ( أوروبا) ما تزال غارقة ظلمة الاضطرابات الداخلية ومختلف مظاهر الجهل، وهي الحقيقة التي غيبها الغرب. وقد حدثت المرحلة الثانية إبان وصول جحافل الإنسان الغربي الأبيض إلى الشرق مُستعمراً بجيوشه الكثيرة، ومبشريه، ومؤسساته الثقافية الموازية التي أوجدت لهذا الاستعمار مسوغات أنثربولوجية وثقافية. أما المرحلة الثالثة، فإنها جرت خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، أي خلال مرحلة الحروب الصليبية التي اتخذت طابعاً دينيا مسيحياً، وأظهرت للشعوب الأوروبية بأنها حملات تسعى إلى حماية الحجاج المسيحيين إلى مهد المسيح، وإعادة الأراضي المقدسة (فلسطين) إلى أحضان أهلها المسيحيين.
[5] الحبابي، محمد عزيز: مفاهيم مبهمة في الفكر العربي المعاصر، لا ط، القاهرة، دار المعارف، 1990، ص204.
[6] Edward W. Said, Orientalism, Penguin Books India, 2001, p. 05.
[7] Ibid., p. 57.
[8] Ibid., p. 05.
[9] Ibid., p. 07.
[10] انظر: ميمي، ألبير: صورة المستعمِر والمستعمَر، تعريب: جيروم شاهين، لا ط، بيروت، دار الحقيقة للطباعة والنشر، 1966، ص107.
[11] Bill Ashcroft, Gareth Griffiths and Helen Tiffin, eds, Key Concepts in Post-Colonial Studies, London, Routledge, 2004, p.158.
[12] Bill Ashcroft, Gareth Griffiths and Helen Tiffin, eds, The Empire Writes Back , London, Routledge, 2002, p. 96.
[13]Edward Said, Culture and Imperialism, New York: Vintage Books (Random House), 1993, p. 59.
[14] Ibid., p. 59.
[15]  استعملته في صيغة توكيدية لما ذهبت إليه غاياتري سبيفاك في مقالتها:=
=Gayatri Chakravorty Spivak, Can the Subaltern Speak?, in: Cary Nelson, Lawrence Grossberg, Marxism and the Interpretation of Culture, University of Illinois Press, 1988, pp. 271- 317. 
[16] Hassan Aourid, Le Morisque, Editions et Impressions Bouregreg, 2ème édition, 2011.
[17] تعددت أجناس الكتابة لدى حسن أوريد (1962- )، القادم من أحد قصور الرشيدية إلى الرباط ليلتحق بالمدرسة المولوية ليكون بها زميل دراسة لولي العهد محمد السادس، وتباينت أعماله بين اهتمام بكتابة الرواية، والتاريخ، وقرض الشعر.
[18] للاطلاع على النصوص الكاملة لردود أحمد شهاب الدين أفوقاي على أهل الكتاب، يراجع:
حنشي، محمد عمراني: مدرسة ابن حزم الأوربية في النقد التاريخي للكتب المقدسة (رسالة في التسامح الديني)، ط1، مطبعة توب بريس، 2011.
[19] تُعرفه كتب التاريخ بأنّه رحّالة ومترجم وديبلوماسي موريسكي من مواليد الأندلس سنة 1569 ميلادية. فرّ من إسبانيا النكبات والحروب، قبل قرار الطرد بنحو عشرين سنة، وحل بالمغرب الذي عمل به في خدمة سلاطينه السعديين بدايةً في بلاط كل من أحمد المنصور الذهبي وزيدان الناصر وأبي مروان عبد الملك بن زيدان إلى غاية فترة السلطان الوليد بن زيدان. تعرف على أوائل المستشرقين في جامعة ليدن البريطانية. كما تعرف على المستشرق الفرنسي إتيان هوبير دي اورليان، الذي كان طبيب السلطان المغربي أحمد المنصور في مراكش بين 1598-1601م. ساهم في تنشيط الحركة الثقافية في المغرب إلى أن انقطعت أخباره بتونس سنة 1640 ميلادية، مُخلفاً كتابه في أدب الرحلات المعنون رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب، إلى جانب «العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع» والذي ترجمه عن الإسبانية في 10 ربيع الثاني 1048 هـ، ورسالة ترجمها عن الأسبانية تسمى «الزكوطية» في علم الفلك.
[20] يراجع بشأن فاعلية المعرفة التاريخية في الرواية وأهميتها:
فرو، قيس ماضي: المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربة فلسفية وعلمية وأدبية، ط1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.
[21]أوريد، حسن: الموريسكي، ترجمة: عبد الكريم الجويطي، ط1، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2001، ص7- 8.
[22] Hassan Aourid, op. cit., p. 17.
[23] Ibid., pp. 18- 19.
[24] Hassan Aourid, Le Morisque, Editions et Impressions Bouregreg, 2ème édition, 2000, pp. 35- 36.
[25] Ibid., p. 57.
[26] Ibid., p. 68.
[27] Ibid., p. 76.
[28] Ibid., p. 97.
[29] Idid, p. 157.
[30] Ibid., p. 23.
[31] Ibid., p. 30.
[32] Ibid., p. 31.
[33] Ibid., p. 41.
[34] Ibid., pp. 20- 21.
[35] Ibid., p. 18.
[36]Hassan Aourid, op.cit., p.40.
[37] Ibid., pp. 31-32.
[38] Ibid., p. 26.
[39] Ibid., p .29.
[40]  Ibid., p. 30.
[41] Ibid., pp. 30-31.
[42]  Ibid., p. 33.
[43] Ibid., p. 35.
[44] Ibid., p. 44.
[45] Ibid., p. 46.
[46] Ibid., p. 55.
[47] Ibid., p. 63.
[48] Ibid., p. 64.
[49] Ibid., p: 66.
[50] Ibid., p. 74.
[51] دومينيغيث أورتيث برنارد فينسينت: تاريخ الموريسكيين: مأساة أقلية، ترجمة: عبد العال صالح، المجلس الأعلى للثقافة، 2007، ص173.
[52] Ibid., p. 49.
[53] Ibid., p. 52.
[54] Ibid., p. 52.
[55] Ibid., p. 53.
[56] لوي غارديه ومحمد أركون: الإسلام: الأمس والغد، لا ط، بيروت، دار التنوير، 1972، ص76.
[57] Ibid., p. 267.