البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

علم النجوم أم علم الهيئة أم علم الفلك؟ صعوبات التأريخ لعلم عربي

الباحث :  مهدي سعيدانͯ
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  23
السنة :  صيف 2020م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 20 / 2020
عدد زيارات البحث :  240
تحميل  ( 963.457 KB )
توطئة
نريد في هذا المقال أن نتطرّق إلى صعوبات التأريخ للعلوم العربيّة[1] عامّة وبوجه خاصّ التأريخ لما يمكن أن نسمّيه مبدئيًّا بعلم الفلك. وسننطلق في مقاربتنا لهذه المسألة من تحديد الموقف العام الذي غلب على الدّراسات الاستشراقيّة في القرن التّاسع عشر، وبيان المنطلقات النّظريّة والمنهجيّة التي حدّدت التّصوّر لمنزلة علم الفلك العربي في تاريخ علم الفلك عامّة، ثم نسعى إلى الكشف عن الخلفيّات الأيديولوجيّة التي أدّت إلى هذا الموقف. وسنحاول في مرحلة تالية رسم الإطار العام الذي ينتمي إليه العلم الذي نريد أن ننظر في تاريخه أو، بشكل أدقّ، في التأريخ له، ثمّ، واعتمادًا على هذه المعطيات الأوّليّة، سنحاول أن نستكشف بعض الصعوبات التي تعترض التأريخ لما يسمّى بعلم الفلك. وسننظر في المشكل المتعلّق بتسمية العلم الذي نريد أن نتناوله ثم نأتي إلى الحديث عن الصعوبات المتعلّقة بعمل المؤرّخ للعلوم. وإن كنّا هنا نحترز من استعمال مصطلح علم الفلك للدلالة على ما نريد التّطرّق إليه؛ فذلك لأنّنا لا نستعمل هذا المصطلح إلا من باب السّعي إلى الاعتماد على ما هو مريح ومناسب؛ لأنّه مفهوم لدى الجميع. لكن لا نبالغ إذ نقول إنّ هذا الاسم، مع ألفته ووضوحه، يطرح مشكلًا يمكن أن يلخّص كلّ القضيّة التي نريد أن نتناولها هنا. فما معنى علم الفلك وبشكل أخص ما معنى الفلك؟ عندما نحاول أن نعثر على المعنى الذي يفهمه العلماء العرب القدامى من كلمة فلك نقع في المناسبة نفسها على السّمة الأساسيّة التي تسم هذا العلم عندنا اليوم، والتي تعطينا الفكرة العامّة عنه، وهي أنّه علمٌ يقوم على مسلّمات هي في مجملها عندنا خاطئة ولا أساس لها من الصّحّة.

موقف مستشرقي القرن التّاسع عشر من علم الفلك العربي
معلوم أنّ الإرث العربيّ الإسلاميّ، خاصّة منه المتعلّق بالعلوم العقليّة (في مقابل العلوم الشرعيّة)، قد تعرّض إلى نكباتٍ عديدةٍ، بعضها ناتج عن الصّراعات السياسيّة (الفتن والحروب)، وبعضها ناتج عن الصّراعات المذهبيّة (الرقابة والتعصّب)، والبعض الآخر عن الضّعف والتخلّف الحضاري (الإهمال والنسيان). وقد أدّت جميع هذه العوامل إلى إتلاف العديد من الأعمال والكتب وضياعها أو إلى بقائها منسيّة في خزائن المخطوطات. فعندما نقارن بين ما تذكره كتب البيبليوغرافيا، من قبيل كتاب الفهرست لابن نديم، وكتاب مفتاح السعادة لطاشكبري زاده، وكتاب كشف الظنون للحاجي خليفة، وبين ما هو متوفّر للمؤرخين فعليًا من مواد لدراسة علم الفلك عند المسلمين، نقف بسهولة على الفرق الشاسع بين إنتاج المسلمين القدامى في مجال علم الفلك وبين ما هو متوفّر للدراسة التاريخيّة. فمن جملة الأعمال التي تعدّ بالمئات، والتي تذكرها كتب البيبليوغرافيا، لا نملك اليوم إلا بضع عشرات.
وقد توجّه المؤرّخون، بناء على هذا الكمّ المحدود من المعطيات المتوفّرة لدينا عن نشاط علماء الفلك في الماضي، إلى تكوين فكرة عن الإشكاليّات التي سعى القدامى إلى حلّها. وأغلب الظّنّ أنّ هذه الإشكاليّات لم توحِ بها المعطيات المتوفّرة عن الماضي، بقدر ما كانت محدّدة انطلاقًا من المعنى الذي يعطيه المؤرّخون لطبيعة عمل العلماء المسلمين. والسّمة الغالبة على تأويل المؤرّخين كانت في البداية هي البحث عمّا يمكن أن يساعد على بيان الدّور الذي لعبه العلم العربي باعتباره وسيطًا بين العلم اليوناني والعلم الأوروبي. لذلك اتّجه التأريخ لعلم الفلك العربي إلى جمع الأعمال الفلكيّة وتحقيق تلك التي تركّز على الإشكاليات النظريّة المتعلّقة بوجه خاص بوصف «هيئة الكواكب»، أي بتحديد النّماذج الهندسيّة الكفيلة بتمثيل حركة الأجرام السماويّة. وسبب التركيز على هذا النّوع من الأعمال واضح. إذ إنّ الدراسة التاريخيّة لعلم الفلك العربي تأخذ في الغالب توجّهًا ارتداديًّا يقرأ ماضي العلم اعتمادًا على مستقبله أي ما آل إليه في الحاضر. وفيما يتعلّق بعلم الفلك، يسعى التأريخ له في العادة إلى بيان كيف كانت النّماذج المقترحة من قبل العرب تطويرًا لفرضيّات بطليموس، وإلى أيّ مدى كانت إعدادًا لعلم الفلك الكوبرنيكي.

إذا اقتصر نظرنا في تاريخ علم الفلك العربي على علم الهيئة الكروي (والذي هو علم الفلك على وجه الخصوص)، كانت مقاربتنا إيّاه قائمةً على جعل جهود العلماء العرب فيه متّجهة إلى حلّ المشكل الذّي طرحه على نفسه العلم اليوناني، والذي تمّت صياغته بعد منذ أفلاطون، إذا أخذنا مأخذ الجدّ ما زعمه سمبلشيوس من أنّ أفلاطون قد حدّد مهمّة الفلكيين الرئيسية في «إنقاذ الظواهر» τα φενοµένα σωζειν بوصفها اعتمادًا على حركة دائريّة منتظمة[2].

ولا شكّ أنّ العرب كانوا معنيين بشكل أو بآخر بهذه الإشكاليّة اليونانية. ونحن نجعل علمهم يدور حول حلّ هذه الإشكاليّة إذا اعتبرنا أنّ علم الفلك العربي قد تأسّس على كتاب المجسطي على وجه الخصوص، وأنّه في مجمله قائم على استعادة ما في كتاب بطليموس من نظريات بترجمتها واستيعابها بشرحها والتعليق عليها وإتمام ما فيها من نقائص بنقدها. ومعلوم أنّ نظريات بطليموس المعروضة في كتابي المجسطي (Μαθηµατική σύνταξις) وكتاب اقتصاص أحوال الكواكب (‘Υποθἐσείς τῶν πλανωµἐνων)  قد قامت في مجملها على جملة من المبادئ لخّصها نصير الدين الطوسي في كتاب التذكرة في علم الهيئة بقوله: «الفلكيّات لا تنخرق ولا تلتئم ولا تنمو ولا تذبل ولا تتخلّل ولا تتكاثف ولا تشتدّ في حركتها ولا تضعف ولا يكون لها رجوع ولا انعطاف ولا وقوف ولا خروج عن حيّز ولا اختلاف حال غير حركتها المستديرة المتشابهة في جميع الأوقات»[3]. وواضح أنّ هذه المبادئ مستوحاة من الفلسفة الفيثاغوريّة الأفلاطونيّة التي تفرض وصف ما في السّماء اعتمادًا على حركات دائريّة منتظمة أو متشابهة، أي تقطع أقدارًا متساوية في أزمنة متساوية. الاستدارة والانتظام هما إذن القاعدتان اللّتان يجب على عالم الفلك أن يلتزم بهما في وصفه لما يُشاهد في السّماء من الظواهر. وكم كان الأمر سيكون مريحًا لو كانت حركة الكواكب تستجيب لمثل هذا الوصف. فلو كانت بالفعل تتحرّك حركةً دائريّةً منتظمةً حول مركز الأرض لاستجابت النظريّات بسهولة لمعطيات الملاحظة والرصد. لكن ما العمل إن كانت عمليات الرّصد تثبت دائمًا أنّ حركة الكواكب لا تستجيب لمثل هذه المبادئ؟ لقد لاحظ القدامى أنّ هذه الحركة لا تعبّر عن الاتّساق و«التّشابه» (οµαλή) وإنّما تشكو من كثير من «الاختلافات ανώµαλη» أي المخالفة لمبدأ الانتظام والاستدارة. إنّ جانبًا كبيرًا من التأريخ لعلم الفلك القديم والوسيط سيكون مركّزًا على الجهود التي بذلها العلماء لحلّ المشكل المتعلّق بالتّوفيق بين المبادئ الفلسفيّة ومعطيات الملاحظة والرصد اعتمادًا على نماذج هندسيّة. وقد كانت النّظريات المعروضة في هذا الصدد في كتاب المجسطي والتي تنحدر أصولها من أعمال سابقة أهمّها فرضيّات هيباركوس (Hipparchus)، تقدّم حلولًا غير مرضّية تمامًا، لكن تم اعتمادها مع ذلك طيلة قرون طويلة. قد قامت هذه الحلول على نظريتين رئيسيتين هما نظريّة فلك التدوير ونظريّة الفلك خارج المركز. وقد نتجت هاتان النظريتان عن ملاحظة أنّ الشّمس لا تتحرّك حركة منتظمة متشابهة باعتبار ما يتم الوقوف عليه من اختلاف طول الفصول، ومن خلال ما تثبته عمليات الرصد من أنّ الشمس لا تقطع مقادير متساوية، على خلفية فلك البروج، في أزمنة متساوية. يقول الطوسي ملخّصًا ذلك «لما تؤمل في أحوال الشمس وجدت حركتها مختلفة في أجزاء منطقة البروج فإن كانت بطيئة في نصف بعينه سريعة في النصف الآخر»[4]. ومن جهة أخرى، اضطرّ القدامى إلى البحث عن تفسير لما تمّت ملاحظته بالرّصد من أنّ الكواكب يحدث لها أحيانًا أن ترتدّ على أعقابها وتتّبع مسارًا عكسيًّا، وما يحدث لها من حالات الوقوف والتّسارع. ولكي يقع ردّ هذه «الاختلافات» إلى «التّشابه» افترض القدامى أنّ الشّمس تتّبع في حركتها فلكًا مركزه نقطة خارجة عن مركز العالم، فكان من ذلك نظرية «الفلك الخارج المركز». كما اضطرّ القدامى إلى افتراض وجود أفلاك مركزها غير مركز العالم لكن يتحرّك مركزها حركة منتظمة حول هذا المركز. ولما كانت حركة الشّمس إذا فرضت حول مركز خارج مركز العالم تبدو مرّة مسرعة ومرّة بطيئة بمقتضى أنّ الأقرب يبدو أسرع من الأبعد، أمكن تفسير الاضطراب في حركتها بالاعتماد على فرضيّة الفلك الخارج المركز. وبالمثل، لمّا فرضت الكواكب الأخرى تتحرّك حركة مركّبة من حركتها حول فلك التدوير وحركتها حول مركز العالم، أمكن تفسير ما يظهر من حركتها أنّها تتّبع أحيانًا مسارًا معاكسًا لمسار الفلك الحامل. وقد لخّص الطوسي هاتين النظريتين في كتاب التذكرة بقوله: «من الأصول كون الحركة متشابهة حول نقطة خارجة عن مركز العالم الذي نحن بقربه لا يخلو من أن يكون المحيط الذي يتحرّك عليه ذلك المتحرّك، وليكن كوكبًا مثلا، حول تلك النقطة إما محيطًا بمركز العالم وإما غير محيط به، والأوّل يسمّى الخارج المركز والثاني يسمى التدوير» [5].

نموذج فلك التدوير حسب ما ورد في المجسطي أين يدور الكوكب الممثل بالنقطة Z حول مركز فلك التدوير الممثل بالنقطة A  الذي بدوره يدور متبعا دائرة الفلك الحامل الذي مركزه E. [6]

وقد اختار بطليموس النموذج القائم على الفلك الخارج المركز لتمثيل حركة الشّمس، متّبعًا في ذلك ما ذهب إليه هيباركوس، وبرّر اختياره بأنّه النّموذج الأبسط، باعتبار أنّه تكفي نقطة ثابتة خارج مركز العالم لتكون مركزًا لحركة فلك الشّمس وتفسّر سرعته وبطأه. وتتمثّل بساطة هذا النّموذج في أنّه يقوم على حركة واحدة، أمّا النّموذج القائم على التدوير فبحركتين، فضلًا عن أّن التّدوير يستلزم مدارًا خارج المركز في حين أنّ خارج المركز لا يستلزم تدويرًا. كلّ هذا أدّى ببطليموس إلى تفضيل الأصل القائم على إثبات نقطة خارج المركز يدور حولها فلك الشّمس تفسّر الاختلاف في حركته. لكنّه بيّن مع ذلك أنّ الفرضيتين ليستا مختلفتين في جوهرهما، على الأقل فيما يتعلّق بتفسير حركة الكواكب، وأنّهما في نهاية الأمر تقومان بالوظيفة نفسها. فإذا ما فرضنا أنّ فلك التدوير يدور حول نقطة تدور حول مركز العالم فإنّ ما يُشاهد من حركة الكوكب يكون هو نفسه إذا ما فرضنا أنّه يتبع مسار فلك خارج المركز أو مسار فلك تدوير يتحرّك مركزه حول نقطة غير ثابتة تدور حول مركز العالم.

نموذج يُبيّن أنّ فرضيّة الفلك الخارج المركز، والممثلة بالدائرة التي مركزهاΘ، وفرضيّة فلك التدوير، الممثلة بالدائرة التي مركزها Β، تؤدّيان إلى النتيجة نفسها بالنسبة لحركة الكوكب المرموز إليه بحرف Z .[7]
وقد تبيّن للعلماء، بعد وضع فرضيتي خارج المركز والتدوير، أنّ لا غنى عن كليهما وأنّه يجب التأليف بينهما لحلّ مشكل الاختلافات الكثيرة، المشاهدة في حركة الكواكب. فلم يكن عليهم في نهاية الأمر اختيار واحد من الأصلين، وإنّما كان عليهم التأليف بينهما. ولما كان من الممكن تمثيل الاختلافات جميعًا (السرعة والبطء والرجوع والوقوف) الملاحظة في حركة الكواكب كلّها (الداخلية والخارجية) اعتمادًا على أصل التدوير في حين أنّ أصل الفلك الخارج المركز لا يصلح إلّا للكواكب الثلاثة الخارجية (أي المريخ، زحل، المشتري)، تركت نظريّة خارج المركز مكانها شيئًا فشيئًا لنظريّة فلك التدوير. لكن الانزياحات عن الأصول النّظريّة التي تمّ وضعها في الفلسفة الأفلاطونيّة، وفيما بعد، في طبيعيّات أرسطو، لم تقف عند هذا الحدّ. فرغم ما كان لنظريتي الخارج المركز (الثابت والمتحرك) ونظرية التدوير من «مزايا» في تمثيل حركة الكواكب وحركة النيرين تمثيلًا هندسيًّا مقبولًا، إلّا أنّهما لم يمكّنا من تفادي كثير من «الاختلافات» التي يتمّ تسجيلها اعتمادًا على الرّصد والحساب خاصّة فيما يتعلّق بحركة القمر. فقد أدّت عمليّات الرّصد التي تمّت في زمن بطليموس إلى الوقوف على ما في النماذج الفلكيّة المعتمدة لوصف حركة القمر وأوضاعه وكسوفاته من نقائص وغياب للدّقّة، ودفعت هذه النقائص ببطليموس إلى السعي إلى تعديل النّظريّة المتعلّقة بحركة القمر. فعمد، في سياق هذا التعديل، إلى إدخال مفهوم جديد يحاول به تفادي نقائص النّماذج القديمة القائمة على نظريّة فلك التدوير. فافترض، لتفسير حركة القمر، أنّ مركز فلك التدوير الخاص به لا يتحرّك حول مركز العالم (الأرض) وإنّما حول نقطة (وهمية) تبعد عن هذا المركز بمقدارٍ مساوٍ ومقابل لما يبعد به عنه مركز الفلك الخارج المركز. وقد سمى هذه النقطة «معدل المسير». ونحصل بموجب إدخال فرضيّة معدّل المسير على حركة «متشابهة» إذا أخذنا بالاعتبار هذه النقطة المفترضة. وتُعتبر نظريّة معدل المسير المساهمة الرئيسية لبطليموس في علم الفلك المتعلّق بالحركة الدائرية للكواكب. إذ لم يسبقه إلى هذه الفكرة أحد. وإن كان وضع هذه النظريّة كان في الأصل لحلّ الإشكاليات المتعلّقة بحركة القمر على وجه الخصوص إلا أنّ ثبوت صلاحيتها الحسابية أدّى إلى تعميمها، واعتُمدت لوصف حركة بقيّة الكواكب الداخليّة والخارجيّة.

نموذج بطليموس لتمثيل حركة الكواكب الخارجية المشتري، زحل والمريخ وحركة كوكب الزهرة. وفيه مركز فلك التدوير ممثل بالنقطة C يتحرك على الاستدارة على الفلك الحامل الذي مركزه T، لكن قيس طول القسي يكون في أزمنة متساوية إذا قيست الحركة على الاستدارة حول معدل المسير الممثل بالنقطة E عوضا عن مركز الحامل T. [8]
وقد لخّص الطوسي وظيفة هذه الفرضية في التذكرة بقوله «وتكون النقطة التي تشابه حركة مركز التدوير وحركة الحامل حولها أبدا عند منتصف هذا البعد على القطر المار بهما ويسمّى مركز معدل المسير ويتوهم حولها دائرة بقدر منطقة الحامل وفي سطحها ويسمى فلك معدل المسير. فإن مركز التدوير يقطع مع محيطه في أزمنة متساوية قسيا متساوية كان خطا خرج من مركز معدل المسير إلى مركز التدوير ليديره حركة متشابهة.»[9] وتعتبر فرضيّة معدّل المسير الإسهام الرئيسي لبطليموس في علم الفلك الرياضي، في حين مثّلت النظريات المعروضة في المجسطي استعادة لما ورثه بطليموس عمّن سبقه. وقد كانت النتيجة الرئيسية من إدخال هذه الفرضيّة في علم الفلك إثبات التّباعد بين ما يوضع من نظريات رياضيّة ونماذج هندسيّة لوصف حركة السّماء على مستوى الفكر والنّظر وبين ما يزمع أن تكون عليه السّماء على مستوى الحقيقة والوجود. فنماذج العلماء لا تزعم أنّها تعبّر عمّا عليه الكواكب وإنّما تقترح أشكالًا تسمح بحساب مواقعها. إنّ هذا الفصل بين علم الفلك الرياضي وعلم الفلك باعتباره نظريات في فيزياء سماوية يجد التعبير الأوضح له في الاختلاف الحاصل بين مؤلّفي بطليموس الرئيسيين: المجسطي والذي عنوانه الأصلي «المؤلف في الرياضيات» (Μαθηµατική σύνταξις) وكتاب اقتصاص أحوال الكواكب(‘Υποθἐσείς τῶν πλανωµἐνων). ولعلّ هذا التّباعد بالذّات هو الذي جعل علم الفلك العربي يضع موضع شكّ ومراجعة جملة أعمال بطليموس الفلكية. لكن قيمة هذه المراجعة هي التي مثّلت محور الخلاف حول منزلة علم الفلك العربي في تاريخ علم الفلك عامة.

إنّ الذي تمّ الاتّفاق حوله بين المستشرقين، المؤرخين لعلم الفلك، هو أنّ علم الفلك اليوناني قد وجد في التقليد الإسلامي حاضنًا له. فعناية المسلمين بكتب بطليموس، ترجمةً وتلخيصًا وشرحًا ونقدًا، هي التي كانت السبب الرئيسي في حفظ علم الفلك اليوناني والإبقاء على جذوته بعد أن انطفأت طيلة الفترة البيزنطية. لكن، وإن تمّ الاتّفاق حول عناية العلماء المسلمين بالإرث اليوناني، فإنّه يوجد اختلاف حول قيمة العلم الإسلامي مقارنة بعلم الفلك البطليموسي. ولا شكّ أنّ لحفاظ العلماء المسلمين على نموذج علم الفلك البطليموسي القائم على فكرة مركزيّة الأرض أهميّةً في تحديد قيمة العلم العربي. حيث اعتبر أغلب المتقدّمين من المؤرّخين لعلم الفلك أنّ المساهمة الإسلاميّة في تطوّر هذا العلم لم تكن بالشيء الذي يستحقّ الذّكر. فما قام به العلماء في الفترة الوسيطة لم يتجاوز عندهم مجرّد التلخيص والتعليق على منجزات العلم اليوناني. لذلك درج هؤلاء المؤرخين على القفز قفزة كبيرة، متجاهلين القرون الطويلة الفاصلة بين العلم اليوناني وبين علم الفلك الكوبرنيكي، معتبرين أن لا شيء جدَّ في الفترة الفاصلة بين هذين العلمين. وقد أجمع مؤرّخو القرن التاسع عشر لعلم الفلك على أنّ بقاء العلماء المسلمين سجناء فكرة مركزية الأرض جعلهم يبقون أسرى إشكاليّة علم الفلك اليوناني المتمثّلة في إيجاد نماذج تعتمد على الحركة «المتشابهة» والدائرية لتمثيل حركة الكواكب.
في ظلّ عدم قدرة هؤلاء المؤرّخين على الاطّلاع على التّراث العربي في مجال علم الفلك نتيجة لعدم توفّر المراجع الكافية، ولعائق اللّغة أحيانًا، وللقصور عن فهم وجوه الجدة في المؤلّفات العربيّة أحيانًا أخرى، كان حكمهم على العلم العربي يتّجه غالبًا إلى جعله في مرتبة دنيا مقارنة بالعلم اليوناني (بطليموس) والعلم الأوروبي (كوبرنيكوس). ومن بين الممثلين لهذا التّوجّه في قراءة تاريخ العلم عامة وعلم الفلك على وجه الخصوص نجد بول تانيري (Paul Tannery) في كتابه أبحاث في تاريخ علم الفلك القديم[10]، أين لا يذكر شيئًا عن العلم العربي، ويكتفي بأن يذيل كتابه هذا بملحق تضمّن أحد فصول كتاب التذكرة لنصير الدين الطوسي ترجمه كارا دي فو (Carra de Vaux). وقد أكّد هذا الأخير، في مقدمة هذه الترجمة، على أنّ العلم العربي تنقصه «قوّة العبقريّة» مما جعله يبقى دون العلم اليوناني.[11]  ويمثّل الفصل، الذي تجشّم كارا دي فو عناء ترجمته، في الحقيقة، محاولة من نصير الدين الطوسي (ت1274) لتجاوز الصعوبات التي توجد في كتاب المجسطي في التوفيق بين الملاحظة والنظرية، وهو يقترح حلًّا بديلًا عن نظريّة معدل المسير لتفسير ما يوجد من «اختلافات» في حركة الكواكب. وتعتمد نظرية الطوسي على فكرة جعل حركة الكواكب ممثلة اعتمادًا على دائرتين، قطر إحداهما مساو لنصف قطر الأخرى، فإذا فرضتا متماستين على نقطة وتتحرك الصغيرة داخل الكبيرة بضعف سرعة الكبيرة في اتّجاه معاكس لاتّجاه حركة الكبيرة، فإنّ من شأن هذه الفرضية أن تحلّ بشكل مرض مشكل اختلاف حركة الكواكب. وقد تم تبنّي هذا النموذج، الذي اصطلح فيما بعد على تسميته «بمزدوجة الطوسي»، من قبل اللاحقين من علماء الفلك بما في ذلك كوبرنيكوس[12].



نموذج ما أصبح يعرف بمزدوجة الطوسي في تمثيل حركة القمر[13]
 لكن، رغم ما في نظريّة الطوسي هذه من جدة مقارنة بمن سبقه، اعتبر المترجم هذا الجهد في حلّ الإشكالات المتعلقة «بهيئة أفلاك القمر»[14] علامة «تجعلنا نشعر بما في علم المسلمين من ضعف وسخف عندما يريد أن يكون مجدّدًا»[15] فمحاولة الطوسي لا تمثّل في رأيه سوى «لمسات تضيف للمجسطي ولا تغيره، القصد منها إتمامه لا تقويضه»[16].
وبمثل هذه النظرة التي لا ترى في علم الفلك العربي جدّة تستحق الذكر، حكم بيار دوهيم (Pierre Duhem) على عمل العلماء العرب، واعتبر أنّه ينقصه ما كان لليونان من قدرة على الإبداع وقال إنّه لم يكن لهم ما كان لليونان من عبقريّة في مجال الهندسة ومن دقّة في مجال التفكير المنطقي، لذلك لم يقدّموا سوى إضافة هزيلة لعلم الفلك اليوناني؛ إذ إنّهم ظلّوا سجناء تفكير حسّي ولم يقدروا على الارتقاء إلى مستوى الفكر اليوناني المجرّد. بل إنّهم، حتى في مقارباتهم هذه المعتمدة على الخيال، لم يفعلوا شيئًا سوى أنّهم قلّدوا بطليموس واقتصروا على «نسخه».[17] وفي مثل هذا التّوجّه الذي يجعل العلم العربي مجرّد وسيط سلبي بين العلم اليوناني وبين العلم الأوروبي سار المؤرّخ لعلم الفلك جون لويس إميل دراير (J.L.E. Dreyer) في كتابه الذي ألّفه سنة 1906 عن تاريخ علم الفلك، والذي أعيد نشره سنة 1953. فقد خصّص دراير الفصل الحادي عشر من كتابه لمن سمّاهم «بعلماء الفلك الشرقيين» (Oriental Astronomers) وجمع فيه بين العلماء العرب والهنود والصينيين وبرّر عدم التوقّف عند أعمال هؤلاء العلماء والاكتفاء بصفحات قليلة لتناول أعمالهم بأنّهم «وإن كانت لهم عند الأوروبيين مزية إبقاء جذوة علم الفلك حيّة، فإنّه لا يمكن أن ننكر أنّهم تركوا علم الفلك إجمالًا مثلما وجدوه... وأنّهم لم يقدّموا إسهامًا واحدًا في تطوّر النّظريات المتعلّقة بالكواكب.»[18]

والأرجح أنّ ما أشرنا إليه من نقص لدى هؤلاء المؤرّخين في المادة الكفيلة بإدراك القيمة الفعلية لإنجازات العرب في مجال علم الفلك هو الذي أدّى إلى الحكم عليه بالدونيّة. فدوهيم لم يعرف الآثار العربية إلا عبر وساطة الترجمة اللاتينية، أما كارا دي فو فمعرفته بالعربية كانت مقترنة بعدم قدرته على إدراك وجه الجدة في الطرح الذي قدّمه الطوسي في التذكرة. أما دراير فلم يعرف من علم الفلك العربي إلا عموميات لا تبلغ تفاصيل التطوّرات التي حصلت في علم الفلك على أيدي العلماء العرب.

خلفيات هذه القراءة الاستشراقية لعلم الفلك العربي
يعتبر موريلون (R. Morelon) أنّ أصول الحكم المسبق الذي حدّد موقف مؤرّخي العلم تجاه العلم العربي تعود إلى أعمال دولمبر (Delambre) الذي كرّس، من خلال كتابه حول تاريخ علم الفلك الوسيط،[19] الموقف العام من علم الفلك العربي الذي ساد لدى مؤرّخي العلم في القرن التاسع عشر.[20]  وقد تطرّق دولمبر في كتابه هذا إلى عدد محدود من علماء الفلك العرب لم يتسنّ له الاطّلاع على أعمالهم إلا بطريقة غير مباشرة، وذلك فقط من خلال الترجمة اللاتينية، واقتصر في دراسته على جملة من المؤلفات التي هي في أغلبها شروح وتبسيط لعلم الفلك البطليموسي. والحقّ أنّ دولمبر قد اعترف منذ بداية تناوله لعلم الفلك العربي بأنّه تعوزه المعرفة الدقيقة والكاملة لهذا المجال، وأنّه في انتظار استكمال الوثائق الكفيلة بتكوين فكرة أوضح عن المساهمة العربية في مجال علم الفلك، يمكن الاقتصار على ما هو متوفّر من خلال الترجمات اللاتينيّة.

ولقائل أن يقول، إنّ المواد المتوفّرة لدينا عن ماضي النّشاط العلمي عند المسلمين في مجال علم الفلك كافية لتكوين فكرة عامّة عنه، والذي نجده مشتركًا بين الكتب المؤلّفة في هذا العلم هو أنّها جميعًا إمّا ترجمة للكتب اليونانيّة أو هي تلخيص لها أو تعليق عليها. وبالتالي فإنّ علم الفلك عند المسلمين في مجمله لم يفعل شيئًا سوى أنّه استعاد، بلغة عربية، منجزات العلم اليوناني. تقف مزيّة هذا العلم إذن عند كونه مجرّد ناقل محايد للإرث اليوناني إلى التقليد الأوروبي الذي سيتولّى بداية من عصر النهضة تطوير علم الفلك بعد أن تسلّمه عبر قناة الترجمة اللاتينية للتراث العربي الإسلامي. لكن ما لم ينتبه إليه هذا التّوجّه في قراءة تاريخ العلم هو أنّ الفكرة العامّة التي كوّنها عن منزلة العلم العربي انطلاقًا، بزعمه، من المعطيات المتوفّرة، لم تتكّون بناء على هذه المعطيات وإنّما هي موجودة لدى المستشرقين قبل جمع هذه المعطيات أو هي، بشكل أدق، تقود جمعهم لها.

فإن كنّا نعتقد، مثلما اعتقد دوهيم، أنّ العلماء المسلمين يفتقرون إلى ما يكفي من النّبوغ والعبقريّة لإنشاء نظريات جديدة غير تلك التي وجدوها عند اليونان، فإن اشتغالنا على مؤلّفاتهم سيتمثّل أساسًا في بيان مدى نجاح المسلمين في نقل العلم اليوناني إلى لغتهم، وإلى بيان مدى ما تكشفه شروحهم لكتب اليونان من قدرة على فهمها. وأغلب الظّنّ أن توجّه كارا دي فو لدراسة التّراث الإسلامي كان محكومًا بنظرة مسبقة أوحت له بها ما سبق أن حاول إثباته أرنست رينان (Ernest Renan) من أن المسلمين، والجنس السامي على العموم، غير قادرين على تطوير العلوم العقليّة بموجب سمة تحدّد عقليّتهم.[21] والغالب على الظنّ أيضًا أنّ جذور هذا التمييز بين الأعراق والأجناس، بقطع النّظر عن توجّهه العنصري الذي يسعى إلى تبرير المطامع الاستعماريّة عند الدّول الأوروبية، له جذور في التّوجّه الوضعي على العموم. فليس من المستبعد أن تكون الثّقة المطلقة في الفكر العلمي، والتي تبدو بوضوح في كتاب مستقبل العلم الذي كتبه رينان سنة 1890، هي التي تمثّل الإطار العام الذي يجب أن يفهم ضمنه الميل إلى اعتبار الفكر السامي، والإسلامي على وجه الخصوص، فكرًا «من درجة ثانية»، تغلب عليه العاطفة وتنقصه الدّقّة والصرامة. فالسّعي إلى التمييز بين الخطاب العقلاني وبقيّة الأشكال الأخرى من الخطاب (الشعر، الفن)، وإلى التمييز بين العلم وبقيّة الرّؤى الأخرى للعالم (الدين والأسطورة والسحر)، وهو جوهر الأطروحة الوضعية، أدّى بشكلٍ ما إلى اعتبار أنّ غلبة شكل من أشكال الوعي يمثّل سمة مميّزة لعرق من الأعراق. ومن ثمة يمكن أن نذهب إلى أنّ غلبة جانب من الجوانب الثّقافيّة على حضارة ما يمثّل السّمة الرئيسية التي تحدّد فكر شعوب هذه الحضارة، حتى وإن اختلفت أجناسهم. فغلبة الفكر الديني على الحضارة الإسلامية تجعلنا بهذا المنطق نعتبر أنّ العرب ليسوا قادرين على فهم العقل العلمي فضلًا عن تطويره. ورغم أنّ المسلمين ليسوا عربًا في أغلبهم، ورغم أنّ عنايتهم بالعلوم العقليّة تضاهي اهتمامهم بالعلوم النقليّة، ورغم ما يوجد لدى المسلمين من تسامح تجاه العلماء لم يوجد مثله في الحضارة الغربية، فإنّ هذا لم يمنع من الحكم على الفكر الإسلامي حكمًا قاسيًا يجعله في درجة أدنى من الفكر اليوناني والفكر الأوروبي. إنّ الثّقة المطلقة في الفكر العلمي غالبًا ما تجعلنا نحرص على جعله مستقلًّا عن كافّة أشكال التفكير الأخرى. وبضرب من التّوجّه المثالي الاختزالي نعتقد أن لا وجود لفكر علمي لدى من توجه أفعاله ونشاطاته اعتقادات دينيّة. والحقّ أنّه مثلما يوجد أصوليون متعصّبون للدين يوجد أيضًا أصوليون متعصّبون للعلم. ومثلما يمكن للتعصّب الدّيني أن يأخذ أشكالًا تتنافى مع روح التّسامح الدّيني، يمكن للتعصّب للعلم أن يأخذ أشكالًا تتنافى مع الموضوعيّة العلميّة.

إنّ فهم التّاريخ على أنّه تاريخ تحقّق الفكر العلمي بإقصائه كافّة أشكال الوعي الأخرى (الفكر الأسطوري والفكر الميتافيزيقي) يؤدّي إلى عدّ أشكال الوعي غير العلميّة عوائق للعقلانيّة أو علامات تدلّ على غيابها أو على عدم القدرة على تطوير النظريات العلميّة. وبناء على هذا التّصوّر لتاريخ العلم وعلاقته بثقافة الشعوب توجه مستشرقو القرن التاسع عشر إلى التّراث الإسلامي يبحثون فيه عمّا يمكن أن يكون صدى للعلم اليوناني ومجرّد وعاء سيغرف منه فكر عصر النهضة الأوروبية ليأخذ منه ما رسب فيه من علوم لم يتسنّ له أخذها مباشرة عن اليونان. وبمجرّد أن يتمّ استخلاص هذه العلوم من حاملها اللّغوي العربي، يعود الدرّ إلى معدنه ويمكن للعلم أن يواصل مشواره على يد أصحابه الذين أبدعوه والقادرين على إحيائه وتطويره بعد أن قضى فترة من الجمود في أرض غريبة عن الرّوح العلميّة لدى أناس احتفظوا به دون أن يكونوا قادرين على فهمه فضلًا عن تطويره والتّقدّم به. على أساس هذا الفهم لتاريخ العلم نجد إميل دراير (J.L.E. Dreyer) يعنون الفصل المتعلّق بعلم الفلك في عصر النهضة «بإحياء علم الفلك في أوروبا (The revival of Astronomy in Europe)»[22] مضمرًا أنّه قبل هذا العصر كان هذا العلم في فترة موت وخمود.

هذه هي الصّورة التي تخيّل بها المستشرقون في القرن التاسع عشر الفكر العلمي في الإسلام الكلاسيكي، وبناء على هذا الحكم المسبق اعتقدوا أنّه ينبغي أن يتمّ التّوجّه إلى دراسة تاريخ هذا الفكر باعتباره فترة انتقاليّة. فالعلم العربي هو فترة كمون وركود للعقل العلمي تقع بين ولادة لدى اليونان، وانبعاث وعودة إلى النشاط لدى الأوروبيين في عصر النهضة. إنّ فكرة تاريخ علم الفلك عند المسلمين باعتباره فترة «بين- بين» هي التي تقود أعمال مؤرّخين أمثال فرونسوا نو (François Nau) الذي رأى في أعمال أبي الفرج بن العبري الفلكية نموذجًا لأعمال علماء الفلك العرب عامّة والذين يظلّون بزعمه مجرّد «شارحين ومنجّمين هواة، لا نعجب بهم إلّا لأنّنا لا نعرف الأعمال اليونانيّة، مثلهم الأعلى.» وبناء على هذا الحكم يعتبر فرانسوا نو أنّ عمل ابن العبري مجرّد «تلخيص لأعمال بطليموس (مع بعض الإضافات العربية)»[23].

إعادة النّظر في قيمة علم الفلك العربي
يكفي أن ننظر في التقنيات التي اعتمدها العرب لترجمة التّراث اليوناني حتى ندرك بسهولة أنّ عمليّة الترجمة هذه كانت قائمة على فهمٍ دقيقٍ لمضامين الكتب التي تمّ نقلها إلى العربية، وأنّ المترجمين المنتمين للحضارة العربية الإسلامية ما كانوا ينقلون بشكل حرفي ما وصل إليهم من الإرث اليوناني، وإنّما كانوا على علم بالعلوم التي يعملون على نقلها.[24] ويكفي لإثبات ذلك أن نأخذ مثالًا واحًدا هو حنين بن اسحق. ومعلوم أنّه شارك في عمليات الترجمة التي نشطت في بغداد منذ النّصف الأوّل من القرن الثالث للهجرة. وقد ترك كتابًا يصف فيه التقنية التي اعتمدها للترجمة يقول فيه إنّه لا يترجم كتابًا إلّا بعد أن تجتمع لديه نسخ يونانيّة عدّة منه، فيقابل بعضها ببعض حتى تصحّ منها نسخة واحدة، ثم يقول «وكذلك من عادتي أن أفعل في جميع ما أترجمه.»[25] فكيف يمكن أن نزعم أنّ القائمين على ترجمة الإرث اليوناني كانوا غير مدركين لأبعاده وإشكالياته والحال أنّهم يعتمدون على فهم واضحٍ ودقيق لمضامينه؟ يقول حنين عن نفسه: «وكنت شابًا من أبناء الثلاثين سنة أو نحوها وكانت قد التأمت لي عدة صالحة من العلم في نفسي وفيما ملكته من الكتب»[26]. فبيّن من قوله هذا أنّ المترجم يقبل على الترجمة بعد أن يكون قد اكتسب على الأقلّ مبادئ العلوم التي يشتغل عليها.

ولم يكتفِ العرب بترجمة كتب علم الفلك اليوناني، وإنّما عمدوا إلى شرحها والتعليق عليها، ثم في مرحلة أخرى نقدها وبيان نقائصها، وأخيرًا اقتراح البدائل. ولا شكّ أنّ العرب قد سلكوا طريقًا وسطًا تجاه التّراث اليوناني يدلّ على أنّهم، بعكس ما زعمه بعض المستشرقين، أقرب إلى الرّوح العلميّة وإلى العقلانيّة من غيرهم من المتعصّبين لثقافتهم ودينهم. فلم يقفوا إزاء هذا التّراث موقف الرّافض الطاعن في قيمته من غير معرفة ودراسة، فلم يهملوه ولم يتركوا الاشتغال به كما فعل البيزنطيون الذين طوى النسيان عندهم علم القدامى، بل أولوه حقّه من العناية. كما لم يجعلوا من هذا التّراث موضع إجلال وتقديس تضعه فوق النّقد. لقد اعترف المستشرق كارا دي فو «بأنّه لم يكن لبطليموس على العلماء العرب أو الفرس سلطة غير قابلة للنّقاش»، وبأنّه كان «لفكرهم كلّ الحرية اللّازمة لتطوير العلم القديم وتغيره».[27]  ولم يحمله على هذا الاعتراف إلا الوقوف على المنحى النّقدي في أعمال العلماء في الحضارة العربية الإسلامية وما اجتهدوا فيه للكشف عن الإشكالات التي تضمنتها نظريات بطليموس.

وقد تجلّى هذا المنحى النّقدي من خلال توجهين مختلفين. سعى أحدهما إلى تجاوز علم الفلك البطليموسي بالتّخلّي عن نظرية فلك التدوير والعودة إلى النماذج القائمة على الدوائر الأحادية المركز وذلك لتفادي مناقضة علم الفلك لمبادئ العلم الطبيعي. وقد كرّس هذا التّوجّه بوجه خاصّ علماء الغرب الإسلامي. إذ يذكر ابن رشد وكذلك البطروجي أنّ لابن طفيل نظريّة هامّة في علم الفلك تساعد على حلّ الإشكالات المتعلّقة بحركة الكواكب بشكل مغاير لما يوجد عند بطليموس.[28] وفي تفسير ما بعد الطبيعة نعثر على قول لابن رشد يؤكّد فيه هذا التّوجّه لعلماء الفلك للانفصال عن نظريّة فلك التدوير: «القول بفلك خارج المركز أو بفلك التدوير أمر خارج عن الطبع، أمّا فلك التدوير فغير ممكن أصلًا وذلك أنّ الجسم الذي يتحرّك على الاستدارة إنّما يتحرّك حول مركز الكلّ لا خارجًا عنه إذ كان المتحرك دورا هو الذي يفعل المركز، فلو كان ها هنا حركة دورا خارجة عن هذا المركز لكان ها هنا مركز آخر خارج عن هذا المركز، فيكون هنالك أرض أخرى خارجة عن هذه الأرض وهذا كله قد تبين امتناعه في العلم الطبيعي»[29].

أمّا التّوجّه الثاني في نقد علم بطليموس فقد بدأ قبل أعمال علماء الغرب الإسلامي بأكثر من قرن، وكانت علامته المميزة كتاب ابن الهيثم الشكوك على بطليموس الذي بيّن فيه، مثلما يدل على ذلك اسمه، المواقع التي وقع فيها بطليموس، في كتاب المجسطي، في تناقضات. وقد كان هذا العمل منطلقًا لدراسات وأبحاث تسعى إلى تجاوز نظريّات بطليموس حول حركة الكواكب. وإن كان المغاربة من العلماء المسلمين سوف يوجّهون جهودهم ضدّ نظريتي الفلك خارج المركز وفلك التدوير، فإنّ علماء الشّرق الإسلامي قد اعتبروا أنّ نظريّة التدوير «جائزة» وإن لم توافق دقيق الرّصد. لكن الخلل الرئيسي في علم الفلك البطليموسي يتمثّل برأيهم في نظريّته المتعلّقة «بمعدل المسير». وقد وجّه علماء من قبيل مؤيّد الدين العرضي (ت1266م)، ونصير الدين الطوسي (ت1274)، وابن الشاطر (ت1375)، أبحاثهم نحو صياغة نماذج بديلة تصلح ما في نظريّة معدل المسير من عيوب. وقد وقف بعض مؤرّخي العلم منذ النّصف الأوّل من القرن العشرين على هذه الجهود، وساعدت درايتهم بمناهج علم الفلك الوسيط، ومعرفتهم باللّغة العربية، على إدراك القيمة العلميّة للأعمال النقديّة التي تمّ إنجازها على يد العلماء العرب منذ القرن التاسع، والتي توّجت بأعمال ما صار يعرف «بمدرسة مراغة» الفلكية، هذه المدرسة التي تأسّست حول المرصد الذي يعرف بالاسم نفسه في النّصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أسفرت دراسة أعمال هذه المدرسة على نتائج أدّت إلى قلب الموقف من العلم العربي وتغيير التصوّر السّائد لعلاقته بالعلم اليوناني والعلم الأوروبي على حد السواء. ومن الأعمال البارزة التي كرّست هذا التّوجّه المقال الذي نشره فيكتور روبيرتس (Victor Roberts) سنة 1957 حول نظريات ابن الشاطر الفلكية المتعلّقة بحركة القمر والشمس.[30] وقد بيّن فيه أنّ التّماثل بين النظريات المعروضة في كتاب ابن الشاطر نهاية السول في معرفة الأصول وبين تلك التي توجد في كتاب التعليق الصغير (Commentariolus) لكوبرنيكوس، والتي تمثّل تمهيدًا لنظريّاته المعروضة في كتابه في الحركة الدائرية للأفلاك السماوية  (De revolutionibus orbium coelestium) لا يترك مجالًا للشكّ في أنّ لكوبرنيكوس معرفةً بأعمال مدرسة مراغة والنظريات الفلكية المقترحة في إطارها. وفي مقال يواصل هذه الدراسة لأعمال ابن الشاطر المجدّدة في مجال علم الفلك،[31] يعتبر إدوارد ستيوارت كينيدي (Edward Stewart Kennedy) أنّ النّماذج التي يقترحها ابن الشّاطر في نهاية السول تقوم على وصف حركة الكواكب اعتمادًا على قطع مستقيم تربط بين المركز الذي هو الأرض والكوكب المراد تحديد مساره، وعليه فإنّه قد تبنّى نموذجًا مختلفًا عن النموذج المعتمد في علم الفلك البطليموسي والذي يقوم على إثبات وجود مدارات أفلاك خارجة عن المركز. ويقول كينيدي إنّ الاختلاف الحاصل بين نماذج كوبرنيكوس ونماذج ابن الشاطر ليس إلا نتيجة؛ لأنّ نماذج هذا (كوبرنيكوس) قائمة على مركزية الشّمس ونماذج ذاك (ابن الشاطر) على مركزيّة الأرض. ولو لم يكن هذا الاختلاف لكانت نماذجهما متماثلة تمام التّماثل.  لذلك فإنّ افتراض أنّ الفلكي الأوروبي قد عمل في وقت لاحق وهو يجهل تمام الجهل عمل سلفه العربي لهو تعسّف ظاهر.

وابتداءً من هذا الاكتشاف المتعلّق بوجود شبه واضح بين أعمال مدرسة مراغة وأعمال كوبرنيكوس تتالت الدراسات في اتّجاه البحث عن العلاقة بين هذين الطرفين. وقد بيّن نويل مارك سواردلو (N.M. Swerdlow) وأوتو نوغباور (O. Neugebauer) في واحد من آخر الأعمال البارزة حول نظريّة كوبرنيكوس في حركة الكواكب أنّ الشّبه بين هذه النّظرية وما تمّ اقتراحه ضمن مدرسة مراغة الفلكيّة يحتّم علينا أن نكفّ عن طرح سؤال «هل عرف كوبرنيكوس أعمال هذه المدرسة؟»  باعتبار أنّ الإجابة عنه بالإيجاب أصبحت بديهيّة وتفرض نفسها، وأن ننتقل بالتالي إلى البحث عن «كيف؟ وفي أية ظروف عرفها؟»[32]
هكذا نتبيّن عمق الأخطاء التي وقع فيها المستشرقون في القرن التاسع عشر عند تقييمهم لعلم الفلك عند المسلمين. لكن العيب الأساسي للدّراسات الاستشراقيّة المتقدّمة لعلم الفلك العربي لا يكمن في التّحامل الإيديولوجي على هذا العلم، والذي وجّه تفكير المستشرقين في القرن التاسع عشر واستنتاجاته الوجهة الخاطئة، وإنّما، إذا تركنا جانبًا مسألة التعصّب للمركزيّة الأوروبيّة، وافترضنا جدلًا حسن النيّة والرغبة في الالتزام بالموضوعيّة والحياد، هو التسرّع في الحكم على قيمة علم الفلك العربي اعتمادًا على كمٍّ محدود من المعطيات. فلم يكن متوفّر لهؤلاء المستشرقين من الإرث العربي في مجال علم الفلك إلّا النزر القليل لكنّهم اعتبروه كافيًا للحكم على قيمة هذا العلم حكمًا عامًا.

تفكيك القراءة الاستشراقية لعلم الفلك العربي
ولكي يمكن أن نفكّك الموقف الطاعن في قيمة العلم العربي ونفهم أصوله وما يسكت عنه من مصادرات يمكن أن نبادر بتحليل التوجّهات المختلفة للتأريخ لعلم الفلك عند المسلمين من خلال الوقوف على تسميات ثلاث لهذا العلم، وهي: علم النجوم، علم الهيئة، وعلم الفلك. ونفحص الأسباب التي دفعت إلى اختيار أحداها دون البقية. سنبدأ إذن بعلم النجوم وسنسأل ما المشكل في الاعتماد على مصطلح النجوم[33] في تسمية العلم الذي ننظر فيه؟
تكفي درجة دنيا من الثّقافة العلميّة للتمييز بين الأسترونوميا والأسترولوجيا. ويقال عادة إنّ الأسترونوميا هي العلم، أمّا الأسترولوجيا فهي من قبيل العلوم الباطلة. وعلى هذا الأساس يقال إنّ المشتغل بالتنجيم، وهو المنجّم، يشتغل بما يدخل في باب السّحر والعرافة أي بما هو غير عقلاني وبما هو مخالف للعلم وبما هو نقيض له. لكن يجب أن نشير مع ذلك إلى أنّ مصطلح أسترولوجيا لم يدل دائمًا على المعنى الذي نفهمه منه اليوم. فالمصطلحان الذين نعتمد عليهما عادة في التمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي يطرحان مشكلًا من جهة اشتقاقهما واستعمالهما.

ففي التقليد الأرسطي يمكن أن نجد أنّ استعمال مصطلح أسترولوجيا أقرب إلى معنى العلم النظري المتعلّق بالنجوم من مصطلح أسترونوميا، فنقول أسترولوجيا مثلما نقول ميتيورولوجيا. ويبدو مصطلح استرونوميا غير مناسب بالمرّة إذ هو قريب من مصطلح إيكونوميا. فنحن ننظر في النجوم ولنا فيها قول ولا ندبّرها ونفعل فيها. لذلك لا يندر أن نجد أرسطو يستعمل أسترولوجيا للدلالة على العلم النظري الذي يدرس النجوم.[34] وقد مرّت التسمية التي استعملها أرسطو (أي التي لا تميز بين نوعين من دراسة النجوم) بشكل ما إلى التقليد العربي ويبدو أنّها كانت هي المعتمدة في البداية. إذ كان اسم «المنجّم» يطلق على المشتغل بصناعة النجوم بدلالتيها وليس هناك تمييز بين العلمين.[35] ثم تمّ التخلّي عن مصطلح «التنجيم» كمصطلح عام ووقع التمييز بين علم النجوم التعليمي وبين التنجيم، وسمي هذا الأخير بعلم أحكام النجوم. لكن هذا التمييز لا يذهب إلى حد جعل المصطلحين متقابلين بالمعنى الذي نفهمه اليوم عندما نجعل الواحد منهما دلالة على العلم وعلى العقلانية والثاني دلالة على نقيضهما. وأقرب ما يمكن أن نجده من تمييز لدى القدامى إلى هذا التمييز عندنا هو ما نجده عند الفارابي الذي يعتبر أنّ العلم الذي هو علم دلالات الكواكب على ما سيحدث في المستقبل ليس علمًا بالمعنى الدقيق للكلمة وإنما هو من «القوى والمهن».[36] أما ابن سينا فيعتبر أنّ التنجيم فرع من العلم الطبيعي.[37] أما البيروني فيعتبر أن التنجيم هو ثمرة علم الهيئة أو هذا على الأقل ما نفهمه من ترتيب كتاب التفهيم الذي يتضمّن التطرّق للعلمين معًا.[38]

خلاصة القول إنّ مصطلح علم النجوم فيه من الاتّساع ما يسمح بأن يدلّ على علمين ليس هناك اتفاق حول منزلتهما العلمية.
نأتي الآن إلى علم الهيئة، وهي التسمية التي اختارها دافيد بنغري (D. Pingree) للدلالة على ما يعرف باسم علم الفلك.[39] لكن هذه التسمية تطرح صعوبة أساسية. فرغم أنّه تمّ اختيارها من قبل الكثير ممن تناولوا منزلة علم الفلك مثل ابن سينا وغيره إلا أنّ هذا المصطلح يحصر هذا العلم في المجال الرياضي. وقد سبق لبطلميوس في كتابه الذي ألّفه في هذا العلم أن نحا به هذا المنحى: ففضلًا عن أنّه عنون كتابه، الذي سيكون عمدة علم الفلك طيلة قرون عديدة ومرجعيته الأساسية عند المشتغلين به بـ Μαθηµατική σύνταξις أي «المؤلف في الرياضيات»، وهو العنوان الأصلي للكتاب المشهور باسم المجسطي، فإنّه عرض مع ذلك، في الفصل الأوّل منه، التقسيم الثلاثي الأرسطي المشهور للعلوم  النّظريّة، ونزّل العلم المنظور فيه في كتابه ضمن العلم الأوسط أي الرياضيات.[40] ومعلوم أنّ الفارابي قد سار في هذا المسار نفسه، واعتبر أنّ صناعة النّجوم، التي يجب أن تعدّ من العلوم، تنتمي إلى التعاليم.[41] وكذلك فعل ابن سينا الذي جعل علم الهيئة قسمًا من الأقسام الرئيسة في الحكمة الرياضية وضمّه إلى علم العدد والهندسة والموسيقى.[42]
وإن كان للعلم الذي ننظر فيه هنا علاقة واضحة بالرياضيات وبالتعاليم من جهة أنّه يعتمد على علم العدد في حساب كميّة حركة الأجرام السماوية وعلم الهندسة في وصف كيفيّة حركتها، إلا أنّ هذه العلاقة لا تذهب إلى حد اعتبار أنّ علم الهيئة علم رياضي بالمعنى نفسه الذي لكلا العلمين الأوّلين. وذلك لسبب بسيط وهو أنّ معيار الحقيقة في علم الهيئة ليس فكريًّا خالًصا، وإنّما هو مرتبط بالملاحظة والرصد. بمعنى أنّنا لا نعتبر نظريّة في علم الهيئة نظريّة صائبة وصحيحة إلا إذا صدّقتها التجربة والملاحظة. ومن هنا كانت صلاحيّة النماذج المقترحة لوصف حركة الأجرام السماوية لا تُقبل إلا إذا توافقت مع معطيات الرّصد. أو لنقل إنّ النّماذج الرياضيّة لا قيمة لها في علم الهيئة إلا باعتبارها قادرة على وصف الحركة السماوية أو قادرة كما يقول القدامى على إنقاذ الظّواهر أي جعلها معقولة.

نأتي الآن إلى التسمية المألوفة، أي علم الفلك، ولنلاحظ أوّلًا أنّها -وإن كانت الأكثر ألفة في الحاضر- لم تكن تستعمل إلا نادرًا في الماضي. وقد يستعملها القُدامى لا للدلالة على علم النّجوم عامّة وإنّما على قسم معيّن من هذا العلم؛ إذ نجد في فهرست ابن النديم تقسيمًا لمؤلّفات الكندي في الموضوع الذي نحن فيه إلى «نجوميات» و«فلكيات» و«إحكاميات» وعناوين الكتب التي في هذه الأقسام تدلّ على أنّ هناك تمييزًا بين موضوع علم الفلك وعلم النجوم[43].

لكن رغم ذلك اختار كارلو ناللينو (Carlo Nallino) هذا الاسم[44] كما اختاره أيضًا ريجي موريلون (R. Morelon) [45] للدلالة على ما سمّاه الفارابي وطاشكبري زاده علم النّجوم. وقد برّر ناللينو اختياره لهذه التسمية بورود استعماله في كتاب التنبيه للمسعودي.[46] لكنّه أشار مع ذلك إلى ندرة استعمال هذا المصطلح في القرون الوسطى. فبقي علينا أن نسأل: إن كان استعماله نادرًا، لماذا اختاره وسمّى به كتابه وفضّله عن التسميات الأخرى؟ في غياب توضيح من قبل ناللينو نفسه يمكن أن نسعى إلى إيجاد جواب على هذا السؤال.
يمكن أن نفترض أوّلًا أنّ سبب اختياره هو من باب استعمال ما هو مألوف مثل ما فعلنا نحن في أوّل هذا المقال. ويدخل في هذا الباب الاستعمال المناسب لما يمكن أن يشتقّ من هذه التسمية: فعندما نتحدّث عن علم الفلك يمكن أن نقول إنّ المشتغل به هو الفلكي، وهذا معناه واضح ويمكن استعماله للدلالة على الماضي كما للدلالة على علماء الحاضر. أمّا إذا اخترنا علم النجوم فسيكون المشتغل به هو المنجّم وقد رأينا ما في هذا المصطلح من لُبس. لكن المتأمّل في المصطلح سيجد، فضلًا عن أنّه لا يصلح للتمييز بين المشتغلين بعلم النجوم وبين المشتغلين بأحكام النجوم من القدامى،[47] أنّ اختيار الاعتماد عليه لغاية الجمع في الحديث عن العلم المراد التطرّق إليه بين القدامى والمحدثين، له نتيجة معاكسة تمامًا، إذ لا يصحّ في الحقيقة أن نسمّي علم المحدثين علم الفلك. ذلك أنّنا إذا افترضنا أنّ موضوع العلم هو الذي يعطي العلم اسمه فإنّنا عندئذ لا يمكن أن نقول عن علم المعاصرين إنّه علم الفلك؛ إذ لا فلك هناك عندهم كي يتسمّى به علمهم. إذ ما معنى الفلك؟

معلوم أنّ لفظ الفلك قد استُعمل كترجمة للفظ اليوناني (σφαῖρα) ويفيد الفلك بهذا المعنى الجسم الكروي الشفّاف الذي يحمل الكواكب. ويمكن أن نقدّم هنا تعميمًا يجعل من السّهل أن نفهم وظيفة الفلك في العلم الوسيط. ففي كلّ علم يدرس الظواهر يمكن أن نميّز بين معطيات الملاحظة متعلّقة بالظاهرة وبين النظريّة التي تفسّر الظّاهرة. فإذا كان موضوع علمنا هنا هو حركة الكواكب فهذه الحركة هي ما تتعلّق بها الملاحظة والرصد، والفلك هو أداة نظريّة تأتي لتفسّر هذه الحركة. ويمكن أن نفهم هذه الأداة التفسيريّة على معنيين: إما أن يُفهم بمعنى أنّ الفلك شيء موجود في الظاهرة، وهو جسم شفّاف له طبيعة (خصائص فيزيائية) وحركة تتحدّد بمقتضى هذه الخصائص أو الطبيعة، وإمّا أن يُفهم كعنصر تفسيري، أي على أنّه مجرّد فرضيّة رياضيّة توضع لتمكّن من تصوّر الظّاهرة المدروسة وفق نماذج هندسيّة، وفي هذه الحالة يتمّ الحديث عادة عن دائرة (κύκλος).
وفي الحقيقة لم يتمّ الفصل في العلم القديم والعلم الوسيط بين هذين المعنيين في فهم المقصود بالفلك. فما يوجد في كتاب المجسطي يجمع بين معنى الفلك بما هو فرضيّة رياضيّة والفلك بما هو جسم فيزيائي. ولبطليموس كتاب اقتصاص أحوال الكواكب (‘Υποθἐσείς τῶν πλανωµἐνων) الذي يعرض فيه الفرضيّات الممكنة التي تصلح لتفسير حركتها، لكنّها فرضيات تجمع بين التمثيل الهندسي وبين الالتزام بالوفاء لخصائص فيزيائيّة محدّدة: فليس كلّ حركة تصلح لتمثيل حركة الفلك. وتتحدّد خصائص حركة الفلك في العلم القديم والوسيط بما ورد في كتاب السماء لأرسطو.

إنّ علم الفلك، منظور إليه بهذا المعنى، مطالبٌ بالجمع بين ثلاثة أقطاب تحدّد مضمونه، وتطرح بالمرّة كلّ التّحديات التي تواجهه. وهذه الأقطاب هي: الأداة الرياضيّة التي تصلح لتمثيل الظاهرة السماوية (القطب الرياضي)، المعطيات المتوفّرة عن حركة السّماء بمقتضى الملاحظة والرّصد (القطب التجريبي)، الشروط الما قبليّة التي يجب الالتزام بها في تحديد حركة الأجرام السماوية (القطب الفيزيائي). فحتى يكون علم الفلك منسجمًا مع المعقوليّة العلميّة للعصر القديم والوسيط يجب أن يستجيب لشروط تتعلّق بمقدّمات نظريّة تنتمي لعلم آخر غير علم الفلك هي مقدّمات تنتمي للعلم الطبيعي ثم، وبتوسّط هذا العلم، للإلهيات، أي العلم المبحوث فيه في كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو.

فحركة الفلك، التي تفسّر الحركة الدائريّة للكواكب، يجب أن تفهم على خلفيّة المبادئ العامة للحركة أي على ما وضعه أرسطو من تمييز بين الحركة الإرادية والحركة الطبيعية وبين الحركة المستقيمة والحركة الدائريّة والحركة المنتظمة وغير المنتظمة. والفلك أيضًا جسم وهو يستمدّ خصائصه من المبادئ العامّة للجسم الطبيعي.
إنّ التّوسّع في الحديث عن طبيعة الجسم الذي نعبّر عنه بمصطلح الفلك، وعن عدد الأفلاك، وكيف تفسّر الحركة الظاهرة للكواكب، يمكن أن يأتي على جميع الإشكاليات التي طرحها على نفسه علم الفلك القديم والوسيط. ومن هذه الإشكاليات نشأت فرضيات عبّرت عنها مفاهيم من قبيل «الفلك الخارج المركز»، «فلك التدوير»، «معدل المسير»، وهي تدور في مجملها حول قضيّة أساسيّة: كيف يمكن أن نوفّق بين الأقطاب الثلاثة المذكورة آنفًا (أي معطيات الملاحظة والرصد، والنماذج الرياضية والهندسية والمبادئ العامة المتعلّقة بالأجرام السماوية التي وضعتها الفيزياء الأرسطية)؟

لذلك يمكن أن نقول إنّ الاسم الذي اختاره ناللينو وموريلون يضع العلم العربي ضمن إشكاليّة رئيسة للعلم القديم والوسيط؛ لأنّ مصطلح الفلك هو المقولة المركزيّة التي حدّدت تصوّر القدامى وتصوّر العلماء العرب لحركة الأجرام السماوية وهي الخلفيّة النّظريّة التي تحرّكت ضمنها جميع جهودهم لتفسير هذه الحركة.

صعوبات التأريخ للعلوم العربيّة
نأتي الآن إلى مصطلح رافقنا طيلة تحليلاتنا السابقة دون أن ننظر فيه. هذا المصطلح هو مصطلح العلم. والذي من خلاله سنبدأ في استكشاف الصعوبات التي تعترض التأريخ للعلم الذي نحن بصدد النّظر فيه.
ولنبدأ بالملاحظة التالية: إنّ الاعتماد على اللّغة العربيّة هو الذي من شأنه أن يجعلنا ننتبه إلى هذا المصطلح. ذلك أنّنا عندما نقول «تاريخ علم الفلك» أو «تاريخ علم النجوم»... يظهر مصطلح «العلم» وليس الأمر كذلك في اللّغات الأخرى إذ نقول تاريخ الأسطرونوميا.

ولفظ العلم هو في الحقيقة من الألفاظ المشتركة. بمعنى أنّه يطلق على أشياء عدّة. إذ إنّ ما يمكن أن يعدّ علمًا وما لا يمكن أن يعدّ علمًا يختلف كثيرًا من مجال إلى آخر، ومن موضوع إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ومن سياق إلى آخر. وما يزيد في الطابع الملتبس للفظ العلم هو أنّه يعتقد عادة أنّه يطلق على شيء، وأنّه يستعمل في أحكام الوقائع في حين أنّه ينتمي إلى ما يُستعمل في أحكام القيمة. ومعلوم أنّ أحكام القيمة تختلف من شخص إلى آخر ومن زمن إلى آخر. إذ إنّها أحكام تعبّر عن معاييَر نسبيّة وظرفيّة. ولفظ العلم يمكن أن يعدّ من أحكام القيمة ليس فقط من جهة أنّه يفصّل بين المعرفة المرغوب فيها والمطلوبة لذاتها والمعرفة المتروكة التي لا نختارها ونعرض عنها (الجهل)، وإنّما أيضًا لأنّه يمنح سلّمًا تفاضليًّا للمعارف التي تعدّ علومًا: فهناك علم أفضل من علم وعلم أرقى من علم وعلم أيقن من علم، وعلم أنفع من علم... والتقسيم الوارد في الفصل الأوّل من كتاب المجسطي يجعل العلم الذي هو موضوع الكتاب، العلم الأوسط من جهة موضوعه، لكنّه الأعلى من جهة درجة اليقين فيه.[48] وإن كان الفارابي يجعل التنجيم خارج مجال العلم فإنّ أبا معشر، تلميذ الكندي، يجعله أرقى العلوم.[49] ونحن هنا نقرّر أمرًا بديهيًّا: إنّ المعيار الذي به نحكم على مبحث ما ونقول عنه إنّه علم، ونجعله يختلف عن مبحث آخر نعتبر أنّه ليس هو بالعلم، يختلف من مفكر إلى آخر ومن سياق إلى آخر. وما من شكّ أنّ الموقف من مباحث أصحاب صناعة النجوم في الفكر العربي الإسلامي في العصر الوسيط كان أبعد ما يكون عمّا هو مجمع عليه.[50] لكن هذا في الحقيقة لا يمثّل صعوبة جوهريّة فيما نحن فيه. فالاختلاف الحاصل بين القدامى في تحديد معنى العلم وشروط القول العلمي يمكن أن يكون موضوع دراسة وبحث، ويمكن أن نصل إلى نتيجة فيه ونحدّد ما كان عليه الحال في هذه المسألة عندهم. لكن الصعوبة تتمثّل في أنّ لفظ العلم مشترك بين الماضي والحاضر، ويستعمله القدامى المشتغلون بمباحثهم للدلالة عليها ويستعمله المؤرخ المعاصر للدلالة على مباحثهم. ولا شكّ أنّ المعنى الذي يستعمل به هذا اللّفظ هنا وهناك ليس هو نفسه.

لنبدأ بملاحظة أولى: نحن هنا نشتغل بتاريخ العلوم. ولفظ العلوم يفهم هنا بالمعنى الذي لدينا لا بالمعنى الذي لدى القدامى. وليس أدلّ على ذلك من أنّنا لا ندمج مثلًا العلم الإلهي ضمن المباحث التي نشتغل عليها في تاريخ العلوم. ولو كان بيننا ابن سينا مثلًا لاستعصى عليه أن يفهم مثل هذا الأمر. يصبّ كلّ هذا بطبيعة الحال في جملة الأحكام المتعارف عليها، من قبيل أنّ الميتافيزيقا والفلسفة بشكل عام ليستا من العلوم، وأنّه يجب أن نميّز بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم مثلما نميّز بين تاريخ الأديان وتاريخ الفن... إلخ. لكن كلّ هذا يعتمد في نهاية الأمر على مسلّمةٍ رئيسيةٍ وهي أنّ معيار القول العلمي عندنا ليس هو نفسه معيار القول العلمي عند القدامى. فنحن نطلق صفة «علم» ليس على أي نشاط معرفي كان، وإنّما نشير بكلمة «علم» إلى هذا النّوع من النّشاط المعرفي الذي تتوفّر فيه شروط معلومة لدينا، ونحن، إذ نتحدّث عن تاريخ العلوم، إنّما نتحدّث عن تاريخ هذا النّوع الخاص من المعرفة.

إنّ المؤرّخ للعلم، مثله مثل أي مؤرّخ آخر، يدرس الماضي. وهو لا يدرس الماضي بغير تحديد، وإنّما يبحث فيه عن مسار العلم. لكن العلم بأيّ معنى؟ بالمعنى الذي لدى المؤرّخ أم بالمعنى الذي لدى الذين يُؤرّخ لهم؟
إذا اعتبرنا أنّ المعنى الذي لدينا اليوم للعلم (شروطه منهجه اختلافه عن الأنشطة المعرفيّة الأخرى) لم يكن موجودًا عند القدامى، فإنّ ههنا نتيجتان: إمّا أنّ المؤرّخ للعلم يبحث في الماضي عمّا ليس له وجود فيه ولا وجود له إلا في الحاضر، وإمّا أنّ يعتبر المؤرّخ أنّ القدامى كانوا يشتغلون بالعلم بالمعنى المعاصر دون أن يكون لهم وعي بما يقومون به.
يمكن أن نعتبر أنّنا إلى حدّ هذه النّقطة قد توفّر لنا ما يكفي لننظر في الصعوبات التي تعترض دراسة علم النجوم العربي. وتنبع أهمّ هذه الصعوبات في الحقيقة لا من الموضوع فقط بل من طبيعة الدراسة في حدّ ذاتها. فتاريخ العلوم هو تأريخ، وكتابة التاريخ أمر صعب إذا أخذناه محمل الجدّ أي إذا لم نجعله مجرّد سرد خياليّ أو خطاب إيديولوجي.[51] وقد يكون علينا عندئذ أن نلتزم بجملة من الشروط أوّلها وأهمّها هي الموضوعيّة.

نعتقد عادة أنّنا يجب أن نتوخّى في كتابتنا للتاريخ سبيل الحياد ونلتزم بالموضوعيّة. واستجابة لهذا الشّرط قد يقول أحدهم إنّ ما نبحث عنه في تاريخ العلوم هو الممارسة العلميّة لا بمعنى العلم الذي نفهمه اليوم وإنّما بمعنى العلم كما يعرفه القدامى. وذلك باعتبار أنّنا لا يجب أن نسقط معاييرنا وقيمنا على الماضي. فيتعلّق الأمر عندئذٍ بممارسة التأريخ وفق المبدأ المأثور عن ليوبولد فون رانكه (Leopold von Ranke) أن نصف وقائع الماضي «كما حدثت بالفعل» (wie es eigentlich gewesen).

لكن البحث في الماضي لا يمكن أن يكون إلا موجّها بفكرة مسبقة. والبحث التاريخي هو دائمًا عمليّة فرز نتوقّف فيها عند ما نعتبره هامًا ومصيريًّا ونغفل ما نعتبره هامشيًّا وعرضيًّا. ففي تاريخ علم النّجوم نتوقّف عادة عند البيروني وعند ابن الشاطر والطوسي، ونهمل الكندي وأبا معشر البلخي. وعند البيروني نهتمّ بكتاب قانون المسعودي ونهمل كتاب التفهيم. وذلك لأنّ التأريخ ليس فقط مجرّد جمع معطيات وتكديسها كيفما اتّفق، وإنّما جمع المعلومات عن الماضي يكون دائمًا في سبيل فهم عام لمسار التاريخ. إنّنا نكتب التّاريخ للكشف عن معناه، فننتقي المفكّرين والأفكار الذين نعتقد أنّه كان لهم ولها دور مصيريّ في تحديد مجرى هذا التاريخ. وقد أشار دافيد كينغ (D. King) في مطلع أحد مقالاته حول علم النّجوم عند المسلمين إلى أنّ مقاربة المؤرّخين لهذا العلم قد قامت في العادة على إبراز مساهمته في ظهور العلم الأوروبي.[52] وبالفعل فإنّ دراسة تاريخ علم النجوم العربي لا يمكن إلا أن تكون مسكونة بهاجس البحث عمّا يعطيه معنى بالنّظر إلى المستقبل، وذلك إمّا ببيان علامات نجاحه وإمّا بتحديد أسباب فشله. إنّ كتابة التّاريخ لا تتمثّل في سرد أحداث الماضي بغير نظام ولا هدف وإنّما هي تكتسب معناها بسعيها إلى تفسير هذه الأحداث. فننظر مثلًا في العلم العربي للجواب عن سؤال لماذا فشل هذا العلم في تحقيق ما حقّقه العلم الأوروبي،[53] أو نبيّن لماذا انتهى العلم العربي بأن تحوّل من مبحثٍ عقلانيٍّ شبيه بالعلم اليوناني إلى شبه-علم يصبّ في العلوم الخفيّة مثل التنجيم.[54] أو نبيّن بأيّ معنى كان العلم العربي حلقة ضروريّة من حلقات التاريخ الذي أفضى إلى العلم الغربي.[55] أو كيف مثّل العلم العربي استعادة لإشكاليات العلم الهيلينستي.[56]

الكلّ يعلم أنّ كلّ كتابة للتاريخ تتحدّد بأمرين: معطيات نجمعها عن الماضي، وتأويل يقترحه المؤرّخ لهذه المعطيات. ونحن نعتقد عادة أنّ المؤرّخ يلتزم بالحياد طالما أنّ التأويل الذي يقترحه يتحدّد بالمعطيات التي جمعها عن الماضي. بل قد نذهب إلى القول بأنّ المعطيات تنطق بنفسها لتخبر عن حال الماضي وعمّا حدث بالفعل وعمّا فكّر فيه القدامى بالفعل. لكن هذا التصوّر لكتابة التّاريخ يحتوي في الحقيقة على سذاجة خادعة. إذ إنّ مجرّد تفكير بسيط في عمل المؤرّخ من شأنه أن يكشف عن تهافت القول بأنّ ما نجمعه من معطيات عن الماضي هو ما يحدّد تأويلنا لها. إذ التأويل في الحقيقة سابق عن جمع المعطيات. ذلك أنّ فهم المؤرّخ لمسار التاريخ هو الذي يحدّد انتقاءها. إذ معلوم أنّ ليس كلّ ما يتوفّر من معطيات عن الماضي يمثّل بالنسبة للمؤرّخ معطى تاريخيًّا مهمًّا، فأحداث الماضي ليست كلّها أحداث تاريخيّة، كما أنّ شخصيات الماضي ليست كلّها شخصيّات جديرة باهتمام المؤرّخ، وكذلك الأفكار والنظريات والآراء، كلّ ذلك إنّما يتحدّد بما يعرفه المؤرّخ عن حاضره. فمن منظوريّة الحاضر نحكم على ما لدينا من معطيات عن الماضي، فنحدّد ما هو مهمّ وما هو غير مهمّ فيها. ولا يكون هذا ممكنا في الحقيقة إلّا لأنّ المؤرّخ يعتبر أنّه أدرى بقيمة الأفكار والنظريّات التي أنتجها القدامى؛ لأنّه يعرف ما آل إليها أمرها وما أدّت إليه أو ما لم تؤدّ إليه. إنّ تأويل المؤرّخ هو حكم ارتداديّ ينطلق من معرفة الحاضر ليحكم على معطيات الماضي. وبذلك نفهم لماذا يبدو لمؤرّخي الحاضر أنّ الطوسي وابن الشاطر جديران بالاهتمام، وأنّ الوقوف على أعمالهما يمثّل بالنسبة للمحدثين اكتشافًا عظيمًا في حين أنّ اللاّتين، الذين أقبلوا بنهم على ترجمة أعمال الكندي وأبي معشر، كانوا يعتقدون بدورهم أنّهم وقعوا على اكتشاف عظيم. إنّ الأحجار الثمينة ليست ثمينة إلا في عيون من يراها كذلك، وقيمتها تختلف من شخص لآخر ومن ظرف لآخر.

إن كان حضور التأويل في عمل المؤرّخ هو بهذه القيمة فإنّ التأريخ يكشف في نهاية الأمر عن حال المؤرّخ أكثر ممّا يكشف عن حال من يؤرّخ لهم. وهذا الأمر ليس بغريب إذ يمكن أن يعرّفنا عمل المؤرّخ على تصوّر هذا المؤرّخ لطبيعة العلم ومنهجه وموضوعه وغايته بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، من أن يعرّفنا على ما كان عليه علماء الماضي.

الأسباب الممكنة لتحوّل موقف المستشرقين من علم الفلك العربي
إنّ ما يمكن أن نلاحظه اليوم هو تزايد عدد المؤرّخين الذين يعتبرون أنّ للعلم العربي أهميّةً في تصوّرنا لتاريخ العلم عامّة. ولنا أن نتساءل لماذا هذا التحوّل؟ هناك على الأقل أربعة أسباب ممكنة لهذه النقلة.

السّبب الأوّل: تزايد المعرفة بالعلم العربي واكتشاف أعمال العلماء العرب الذين كان لهم أهميّة في تحديد تاريخ علم النّجوم هو الذي جعل المؤرّخين اليوم ينتبهون إلى ما لم يتمّ الانتباه إليه من قبل. لكن السؤال يبقى لماذا لم يتوجّه السّابقون إلى دراسة العلماء والنّظريات التي توجّه إلى دراستها المؤرّخون اليوم. وأغلب الظّنّ أنّ الجواب سيكون أنّ المؤرّخين في الماضي قد أعماهم التعصّب للمركزيّة الأوروبيّة فلم يكن عملهم نتيجة لذلك محايدًا وموضوعيًّا وإنّما كان موجّهًا لغاية إثبات تفوّق الفكر الأوروبي ونجاحه فيما فشل فيه غيره.

لكن عمل الذين أرادوا أن يرجّحوا الكفّة لصالح العلم العربي، من بين المؤرّخين العرب أو من ذوي الأصول العربية مثل جورج صليبا ورشدي راشد، ليس أكثر ممن سبقهم حيادًا باعتبار أنّه موجّه بغاية إيديولوجيّة على حدّ السواء. فإن كنت متّجهًا لدراسة موضوع ما وأنا أضمر أن أثبت فكرة محدّدة، فهناك أمل كبير في أن أعثر عمّا أبحث عنه بشكل أو بآخر، إذ إنّ عمل المؤرّخ في الحقيقة ليس اكتشافًا لموضوعه وإنّما هو إنشاء له.

- السبب الثّاني الممكن لتحوّل الموقف من العلم العربي: تغيّر تصوّرنا للتّاريخ من تصوّر يقوم على الثّورات والقفزات الفجائيّة إلى تصوّر يقوم على التّراكم والتّحوّل التّدريجي. من الملاحظ أنّه بعد نجاح أفكار ألكسندر كويريه (A. Koyré) وغاستون باشلار (G. Bachelard) وتوماس كوهن(T. Kuhn) حول ما يُسمّى بنظريّة «الثورات العلمية»، تتالت الأعمال النّقديّة التي وجّهت ضدّ هذه النّظريّة وظهر تيّار فكريّ ينسّب من قيمتها وفي جدواها وصلاحيتها في جعلنا نفهم مسار العلم في تاريخه.[57] لكن يجب أن نلاحظ أيضًا أنّه، بقطع النّظر عن صحّة ما يذهب إليه هذا الشّقّ أو ذاك، في كلتا الحالتين نحن نجعل من تصوّرنا لتاريخ العلوم قائمًا على جملةٍ من المقولات نستعملها لتبسيط ما نتحدّث عنه واختزاله في نماذج فكريّة مجرّدة. فنموذج الثورة، مثله مثل نموذج التراكم، هو مقولة من المقولات التي ينشئها المؤرّخ ليقرأ من خلالها التّاريخ، وهو لا ينطق في الحقيقة عن حال الماضي وإنّما يعبّر عن خيارات الحاضر ومناهجه. وقد يمكن أن نردّ مقولتي الثّورة والتّراكم إلى مقولات أبسط منها، لكنّها تبقى في كلّ الحالات من إنشاء المؤرّخ وهي جزء من منهجه في مقاربة الماضي. فلا مناصّ للمؤرّخ من تفكيك الماضي وتجزئته والفصل بين معطياته بأوجهٍ عدّة. فمقولات مثل «علمي»، «فلسفي»، «ما قبل علمي»، «معرفة شعبية»، «قديم»، «وسيط»، «عصر النهضة»، «الحداثة»... هي مقولات نسقطها على الماضي ونعتقد أنّ لها صبغةً موضوعيةً، والحال أنّها نماذج تعبّر عن خياراتنا وعن تصوّراتنا، وتعبّر خاصّة عن محدوديّة معرفتنا بالماضي واتّسام هذه المعرفة بالسّطحيّة والتجريد الذي يفقر الماضي ويشوّهه. فنحن نقطّع الفكر الحيّ الذي كان في الماضي إلى أنواع وأصناف وإلى حقب وأزمنة (فنقول قديم، وسيط، عصر النهضة، حداثة...)، وإلى أجناس (فنقول علم اليونان، وعلم العرب، وعلم الفرس، وعلم الهنود، وعلم الصينيين) وإلى مناطق جغرافية (فنقول علم الشرق وعلم الغرب) وندرسه على أنّه سجين هذه المحدّدات، ونعتقد أنّها محدّدات تنبع من طبيعة الماضي والحال أنّها تنطق عن فكرنا نحن وعن كيفيّة تصوّرنا لماضينا.

لا شكّ أنّ وعي المؤرّخ المعاصر بمحدوديّة قدرته على الإلمام بكلّ معطيات الماضي في ازدياد مستمرّ. لذلك نجد عمل المؤرّخ اليوم -إن كان جديًّا- يذهب في اتّجاه التّخصّص. ويفترض التّخصّص ما سمّيناه تفكيك الماضي إلى أجزاء. فموضوع بحث المؤرّخ المتخصّص يجب أن يكون محدّدًا بفصله عن مواضيع أخرى (مثل الفصل بين التنجيم وعلم الهيئة) والمؤرّخ مجبر مع ذلك بحكم قدراته المعرفيّة (لغوية -علميّة- بيبليوغرافيّة) وظروفه الماديّة والاجتماعيّة على تحديد مجال خاصّ لدراسته. لكن من التعسّف أن نعتبر أنّ قدراتنا على قراءة الماضي هي التي تحدّد الماضي.
في العادة، وبطريقة لا شعوريّة، يكره المؤرّخ المجال الذي لا تطاله قدراته المعرفيّة. ومن النادر، إن لم يكن من المستحيل عمليًّا، أن يكون للمؤرّخ جميع المهارات التي تستوجبها دراسة فترة تاريخيّة بجميع تفاصيلها. ومنطقتا البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى، اللّتان تمثّلان المجال الجغرافي للعلم العربي-الإسلامي، هما من الثّراء، ثقافيًّا وحضاريًّا، بحيث يعسر أن يجمع مؤرّخ واحد جميع ما يحتاجه موضوعيًّا لدراسة نشاط فكريّ معقّد مثل علم النجوم. وكُره المؤرّخ للمجالات التي لا تطالها قدراته يجعله يعتبرها هامشيّة ولا قيمة لها. وهو ينفر منها ليس لأنّها تكشف عن عجزه وجهله بما لم يهتمّ به وما لم يشتغل عليه، وإنّما بالأساس لأنّ الوعي بقيمة هذه المناطق التي يجهلها يكشف في الوقت نفسه عمّا في دراسته للمنطقة التي يعرفها من ذاتيّة ومحدوديّة وغياب للموضوعيّة.

السبب الثالث الممكن لتحوّل الموقف من العلم العربي: إنّ تغيّر تصوّرنا لشروط الدّراسة العلميّة ولطبيعة المنهج العلمي هو الذي غيّر من تصوّرنا لكيفيّة مقاربة العلم العربي، وبالتالي لمنزلة هذا العلم. لقد كان التصوّر السائد لشروط المعرفة العلميّة يجعلها قرينة المنهج التجريبي. ولطالما دافع المذهب الوضعي على ضرورة اعتماد هذا المنهج في كلّ المجالات التي يدرس فيها العلم الوقائع. لكن الكلّ يعلم اليوم أنّ ادّعاء أنّ العالم يكتفي بتسجيل ما يمليه عليه الواقع هو ادّعاء كاذب. فالعالم لا يكتشف موضوعه بقدر ما هو ينشئه ويبنيه. فضلًا عن أنّ هناك ما يبرّر القول بأنّ الفصل التّام بين الذّات والموضوع، والذي قام عليه التّصوّر الوضعي للمنهج العلمي، أمر غير قابل للتحقيق دائمًا. وهو ما جعل الدّراسات العلميّة تتّجه أكثر فأكثر إلى ملاءمة مناهجها مع مواضيع بحثها. فليس مثلما ندرس الظاهرة الفيزيائية ندرس الظاهرة الحيّة، وليس مثلما ندرس هذه وتلك ندرس الظاهرة الواعية. وما دام لم يتم الوصول إلى تحديد العلاقة بين المادي والعضوي والفكري تحديدًا واضحًا يبقى البحث في مجال الوقائع التي تتحدّد بالقيم والغايات (مجال الأفعال الإنسانيّة) غير مجال الظواهر الفيزيائيّة. وما دام الأمر على هذه الحال تبقى دراسة الظواهر الإنسانيّة أمرًا يستوجب منهجًا غير منهج العلوم الطبيعية. في هذا السياق اعتبر محسن مهدي أنّ المنهج الذي تقترحه التاريخانيّة لمقاربة تاريخ العلوم هو المنهج الذي يلائم الظاهرة الإنسانية المدروسة في هذا التاريخ، وهو أفضل، من هذه الجهة، من المنهج الوضعي؛ إذ إنّه يستجيب لطبيعة هذه الظواهر بما هي ظواهر كليّة تتدخّل في تحديدها الوقائع والقيم معا.[58]

يدرس العلم العربي، من هذا المنظور، لا بالمعنى الحديث للعلم، وإنّما باعتباره رؤية للعالم (Weltanschauung)، أي باعتباره جملة من التّصوّرات تتقاطع فيها معطيات حضاريّة وثقافيّة مختلفة (الدين والأسطورة والسحر والفلسفة والقيم الأخلاقية والاجتماعية إلخ..) ليس على تاريخ العلوم أن «يفسّر» الظاهرة التي يمثّلها العلم العربي، وإنّما عليه أن «يفهمها». ويكون ذلك بوضع هذه الظاهرة في السياق الذي تنتمي إليه، فيدرس العلم العربي في علاقة بالمعطيات التي تتعلّق بعصره، ويأخذ مع ذلك بالاعتبار الظّرف التاريخي الذي ينتمي إليه هذا العلم بما هو ظرف سياسي واقتصادي واجتماعي.
والحقّ أنّ عدم قدرتنا على فهم عقليّة القدامى قد يكون من أهمّ العوائق التي تقف دون دراسة الماضي دراسةً توفيه حقّه. ذلك أنّنا، لكي نفهم ظاهرة إنسانيّة، يجب أن نعيشها. فإن كان الأمر كذلك، فأنّى لعالم أو مؤرّخ أوروبّي ينتمي إلى العصر الحديث (بكلّ قيمه وبكلّ ما له من تصوّرات تخصّ رؤيته للعالم وللمعرفة) أن يفهم عمل عالم ينتمي إلى العالم الإسلامي في العصر الوسيط؟ لقد سبق للمؤرخ إدوارد كار (Edward H. Carr) أن لاحظ أنّ الاهتمام بالعصر الوسيط لم يكن من أولويات مؤرّخي القرن التاسع عشر، وعزا ذلك إلى أنّ عقليّة الإنسان الوسيط بما فيها من سيطرة للفكر الديني والفكر العجائبي لا يمكن أن تستهوي مؤرّخي ذلك القرن (أي التاسع عشر) الذين تكوّنوا على وجه الخصوص في أحضان المدرسة الوضعية.[59] إن كان الأمر على هذه الحال فإنّه يضعنا أمام حقيقة لا مناصّ من التسليم بها، وهي أنّ الفكر الحديث لا يمكنه، اعتمادًا على أطر تفكيره الوضعيّة، أن يفهم العلم القديم والوسيط. فأن ينتقل المؤرّخ المعاصر، بكلّ ما يحمله من قيم وتصوّرات وتوجّهات إيديولوجيّة، لا تتعلّق فقط بمعنى الحقيقة العلميّة ومعنى المنهج العلمي وغاية العلم، وإنّما أيضًا بمعنى التّاريخ ومصير الإنسان وسعادته والنّظم السياسيّة والاجتماعيّة، ينتقل بكلّ هذا ويتوجّه لمعرفة الماضي ويحاول أن يفهم عمل العلماء في الماضي، فإنّه مهدّد لا محالة بالفشل في مسعاه. ولا مناصّ في الحقيقة، لكي يفهم المؤرّخ المعاصر عمل علماء الماضي، من أمرين:

إمّا أن يجرّد المؤرّخ العلماء الذين يدرسهم من قيمهم وغاياتهم ورؤيتهم للعالم، ولا يترك إلّا ما يضمره هو من معنى الحقيقة العلميّة والمنهج العلمي وغاية العلم، مثل أن ينزع عن البيروني مثلًا اعتقاده في التنجيم، وانتماءه للإسلام، وفهمه لطبيعة الحقيقة باعتبارها دينيّةً فلسفيّةً، ومعرفته بالثقافة الهنديّة، ولا يترك إلا ما في أعماله مما يسميه «العلم الصحيح» وهو مصطلح لا يرد البتة عند البيروني.[60] فيكون كمن يجرّد شخصًا من ثيابه ثمّ من لحمه ليبقي عليه هيكلًا عظميًّا فيستطيع بذلك أن يتعرّف عليه لأنّه عندئذ شبيه بالذي ينظر إليه ويدرسه.

وإما أن يتجرّد المؤرّخ من كل ما لديه من قيم وتصورات عن العلم وعن غاية التاريخ ويلبس عباءة علماء الماضي الذين يحاول أن يفهم أعمالهم في سياقها التاريخي. لكن حتى لو فرضنا أن هذا الأمر ممكن، يبقى أن نسأل ما الجدوى من أن نستنسخ وضعية ولّت وذهبت ولا نسعى إلى استخلاص العبرة منها؟ أليست قيمة عمل المؤرخ تتمثل أساسا في الغاية التي يسعى إليها من دراسته للماضي؟ وهذه لا يمكن بأية حال أن توجد ضمن تصور القدامى لإشكالياتهم وأعمالهم؟

هذا يجرنا إلى سؤال نادرا ما يطرحه المؤرخ على نفسه: ما الجدوى من دراسة التاريخ؟ ما فائدة بذل الجهد في التنقيب على أفكار ونظريات ولت وذهبت وظهر بطلانها وما عادت تفيدنا في شيء؟ رغم أن التطرق إلى هذه القضية ليست من مهامنا هنا، لكن نكتفي بأن نشير إلى ما ذكره ناللينو في هذا الصدد. إذ قال في الجواب عن السؤال الذي طرحناه آنفا متوجها لجمهور الطلبة العرب الذين يتابعون محاضراته: «يفتخر الإنسان ونعم الافتخار، بالآباء والأجداد ويحرص كل الحرص على معرفة ما قدموه من المآثر والمكارم، ويسعى سعيا محمودا لإشاعة ذكر أعمالهم المجيدة.»[61] فإذا كان ناللينو يحدد الافتخار كواحد من جملة الدواعي التي تدفع الطلبة العرب لدراسة ماضيهم العلمي فإنه نسي أن يذكر دواعي دراسته هو لهذا العلم، ولا شك أن له غاية أخرى من وراء دراسته للعلم العربي. فلكل بحسب موضعه وتوجهاته غاية في دراسة هذا العلم.
السبب الرابع الممكن لتحول الموقف من العلم العربي: تغيّر مفهوم الحقيقة العلمية وتغير معنى تاريخ العلم بتغير مفهومها، مما يدفع إلى التساؤل عما إذا كان تاريخ العلم هو تاريخ القرب من بلوغ الحقيقة أم تاريخ الوعي بضرورة اليأس من بلوغها؟

إن ثنائية النجاح والفشل التي طالما قرأ العلم العربي على خلفيتها والتي يدرس هذا العلم في إطارها بالبحث فيما إذا كان له قيمة وما إذا كان إنجازا وتقدما بالنسبة لسابقه يجب أن تطرح هذه الإشكالية بتحديد معناها الدقيق. وبالفعل نحن نتساءل عن مدى نجاح العلم العربي أو فشله، لكن نجاحه وفشله في ماذا؟

خاتمة
إنّ الفكرة الرئيسة التي تقود أغلب الدّراسات الاستشراقيّة لعلم الفلك العربي، هي أنّ السّقف الذي وقفت دونه جهود العلماء العرب هو تجاوز فكرة مركزيّة الأرض. وهذا، فضلًا عن أنّه يؤدّي إلى عدّ علمهم باطلًا من أساسه، يجعل من مساهمتهم في تاريخ العلم، بالمعنى الذي يفهمه المستشرقون، تقرب من الصفر. في كلمة واحدة يمكن أن نلخّص تقييم المستشرقين لمعارف العرب في مجال علم الفلك بقولنا إنّها معارف «ما قبل علميّة». إن العلماء العرب بهذا المنظور قد فشلوا. لكن السؤال هو هل فشلوا بالمقارنة مع ما وضعوه لأنفسهم من غاية يتعيّن بلوغها، أم إنّهم فشلوا مقارنة بالعلم الأوروبي الذي بدأ مع كوبرنيك والذي يفترض أنه دشّن العلم الصحيح؟ لكن هل إنّ العلم كما عبّر عنه كوبرنيك علم صحيح؟ إذا قارنّا وضع علم الفلك الكوبرنيكي بعلمنا المعاصر سنجد أنّه باطل جميعه بمثل ما كان علم العرب باطلًا: فلا الشّمس عندنا مركز الكون، ولا وجود لأفلاك تحمل الكواكب، ولا حركة الأجرام السماوية دائريّة منتظمة. وقد يقول القائل إنّ علم كوبرنيكوس يبقى مع ذلك أفضل من علم العرب؛ لأنّه حقّق خطوة حاسمة في تاريخ علم الفلك، ولأنّه بذلك كان أقرب إلى الصّحّة. لكن بأيّ معنى هو أقرب إلى الصّحّة؟ هل بمعنى أنّ العلماء قد اقتربوا، بما أنجزه كوبرنيك، من بلوغ الحقيقة؟ إن كان الأمر كذلك يحقّ لنا أن نسأل: هل إنّ العلم اليوم يطرح على نفسه بلوغ الحقائق بشأن الواقع؟ أم إنّه يكتفي فقط بإنشاء فرضيات وبناء نماذج تفسّر هذا الواقع دون أن تكشف عن حقيقته؟ لقد أشار فارنر هيزنبرغ (W. Heisenberg) في كتابه الجزء والكل إلى أنّ المقارنة بين علم الفلك البطليموسي وبين علم الفلك النيوتني لا تكشف عن فرق جوهريّ بين العلمين؛ إذ كلاهما قد أعطى تمثيلًا رياضيًّا لحركة الكواكب. ويجب أن نعتبر أن علم بطليموس «علم جيّد جدًا»؛ لأنّه يمكّن من توقّع حركة الكواكب بدرجة كافية من الدّقّة.[62] فإن كان الأمر كما يقول فإنّ حال علماء اليوم ليس ببعيد عن حال علماء الأمس. ففي كلتا الحالتين نحن أمام فرضيّات ونماذج تنجح إلى حين في تفسير الواقع. والفرق الذي هو الفرق هو أنّ علماء الماضي كان لديهم وهمُ الحقيقة العلميّة-الفلسفيّة، وهم يعتقدون أنّ نماذجهم الرياضيّة تعبّر عمّا عليه السّماء في ذاتها، أمّا العلماء المعاصرون فقد اقتنعوا تمام الاقتناع بأنّ النّظريّة العلميّة لا تكشف عمّا عليه الواقع، وإنّما هي فرضيات تنجح في تفسيره. فإذا استثنينا هذا الاختلاف، ونظرنا إلى ما كان يبذله القدامى من جهود لبناء نماذج رياضيّة، يمكن أن نقول إنّ دار لقمان على حالها، وإنّ المعاصرين من العلماء لا يفضلون عن أجدادهم إلا بغياب الاعتقاد الزائف في إطلاقيّة النّظريات التي يضعها العلم، ووعيهم أنّ النّظريّة العلميّة لا تنسخ الواقع.

لعلّ هذا ما يجعلنا نقف على الجدوى من دراسة تاريخ العلوم، وهو غير بعيد عمّا لـمّح إليه دوهيم عندما اعتبر أنّ الحوار بين الذين يذهبون إلى جعل العلم نتاجًا لجملة من الأفكار الما قبليّة وأنّه يجب أن يلتزم بشروط محدّدة سلفًا، وبين الذين يزعمون أنّه لا مرجعيّة للعلم سوى التجربة، سيدوم ولا شكّ دوام الفكر البشري،[63] فيكون التأريخ للعلوم متابعة لهذا الحوار الذي لن ينتهي أبدًا. وهو غير بعيد مع ذلك عمّا رسخ في فكر ما بعد الحداثة، من أنّ قول ما كان عليه الماضي أمر غير ممكن، مثل أنّ الكشف عن حقيقة الواقع في ذاته في العلم أمر مستحيل.

---------------------------
[1] أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس.
  نستعمل هنا مصطلح «العلم العربي» أو «العلم الإسلامي» للدلالة على الشيء نفسه، أي على العلم الذي ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية بقطع النّظر عن جنس العلماء المشتغلين بهذا العلم كانوا عربًا أو فرسًا أو غيرهم، وبقطع النّظر عن دينهم كانوا مسلمين أو يهود أو غيرهم.
[2] انظر:
Simplicius, In libro Aristotelis de caelo Commentaria 488. 18-24, 492.28-493.5, in J.L. Heiberg. ed., Commentaria in Aristotelem Graeca, Vol. VII (Berlin: Academia Litterarum Regia Borussica, 1894). Trans. in M.R. Cohen and I.E. Drabkin, A Source Book in Greek Science (Cambridge, Mass.: Harvard Uni. Press, 1948), p. 97. cited by B. R. Goldstein, in “A New View of Early Greek Astronomy” in collaboration with Alan C. Bowen, in Theory and Observation in Ancient and Medieval Astronomy, Variorum Reprints, London, 1985, p. 330.
[3] الطوسي، نصير الدين: كتاب التذكرة في الهيئة، مخطوط، مكتبة الفاتيكان، Mauscript-Vat.ar.319، ص، 4r.
[4] الطوسي، نصير الدين، التذكرة في الهيئة، م.س، ص 15r.
[5] الطوسي، نصير الدين، التذكرة في الهيئة، م.س، ص 10v-r11.
[6] عن كتاب المجسطي لبطليموس:
Ptolemy’s Almagest, Translated and Annotated by G.J. Toomer, Duckworth, London, 1984, p. 145.
[7] عن كتاب المجسطي لبطليموس:
Ptolemy’s Almagest, Translated and Annotated by G.J. Toomer, Duckworth, London, 1984, p. .149
[8] انظر: 
G. Saliba in “The role of Maragha in the development of Islamic Astronomy: a scientific Revolution before the Renaissance”, in Revue de Synthèse, IVe S. N°s 3-4, juil. déc. 1987, p. 367.
[9] الطوسي، نصير الدين، التذكرة في الهيئة، م.س، ص 22r.
[10] P. Tannery, Recherches sur l’histoire de l’astronomie ancienne, Paris, 1893.
[11] انظر:
P. Tannery, Recherches sur l’histoire de l’astronomie ancienne, Appendice VI : M. Carra de
Vaux, «Les sphères célestes selon Nasīr-Eddin Attūsī », Paris, 1893, p. 338.
[12] انظر: بشأن مزدوجة الطوسي وأثرها في تاريخ علم الفلك
E. S. Kennedy, «Late Medieval Planetary Theory» Isisi, 57, 1966, p. 370.
[13] الطوسي، التذكرة في الهيئة، م.س، ص 28v.
[14] انظر: م.ن، الفصل الحادي عشر، ص 28 r وما يليها.
[15]  P. Tannery, Recherches sur l’histoire de l’astronomie ancienne, Appendice VI : M. Carra de Vaux, «Les sphères célestes selon Nasīr-Eddin Attūsī», Paris, 1893, p. 338.     
[16] م.ن، ص 347.
[17] انظر: P. Duhem, Le Système du monde, t. II, Paris, 1914, p. 117-118.
[18] انظر:
J. L. E. Dreyer, A History of Astronomy from Thales to Kepler, formerly titled “History of the Planetary Systems from Thales to Kepler”, revised with a foreword by W. H. Stahl, Second Edition, Dover Publications, INC., 1953, p. 249. 
[19] خصّص جون باتيست جوزيف دولمبر الكتاب الأول من مؤلفه تاريخ علم الفلك في العصر الوسيط (ص، 1-224) لبعض من العلماء العرب هم على سبيل الذكر أحمد بن كثير الفرغاني (ت861م) ومحمد بن جابر بن سنان البتاني (ت929م) وابن يونس المصري (ت1009) وأبو اسحق البطروجي (ت1204م)  أنظ
J.B. Delambre, Histoire de l’astronomie au Moyen Age, Paris, 1819.
[20] انظر:
R. Morelon, «Une proposition de lecture de l’histoire de l’astronomie arabe» in De Zénon d’Elée à Poincaré, Recueil d’études en hommage à Roshdi Rached, édité par R. Morelon et A. Hasnawi, Les Cahiers du MIDEO, Louvain-Paris, 2004, p.237.
[21] انظر: E. Renan, Histoire générale et système comparé des langues sémitiques, Paris, s.d., pp. 8-9.
[22] انظر:
 J. L. E. Dreyer, A History of Astronomy from Thales to Kepler, formerly titled “History of the Planetary Systems from Thales to Kepler”, revised with a foreword by W. H. Stahl, Second Edition, Dover Publications, INC., 1953, p. 281. 
[23] انظر: مقدمة ترجمة كتاب ابن العبري إلى الفرنسية في
F. Nau, Le livre de l’ascension de l’esprit sur la forme du ciel et de la terre cours d’astronomie rédigé en 1279 par Grégoire Aboulfarag, dit Bar Hebraeus, Paris, 1899, introduction, p. XIV, cité par G. Saliba, « The rôle of Maragha in the development of Islamic Astronomy: a science revolution before the Renaissance », Revue de synthèse, IVe S, N°s 3-4, Juil.-déc. 1987, p. 362.
[24] مثلما أشار إلى ذلك جورج صليبا في المرجع المذكور، ص364 وما يليها.
[25] انظر:
G. Bergsträsser, Ḥunain Ibn Isḥāq, über die syrischen und arabischen Galen – Übersetzungen, Leipzig, 1925, p. 5.
[26] م.ن، ص6.
[27] انظر:
P. Tannery, Recherches sur l’histoire de l’astronomie ancienne, Appendice VI : M. Carra de
Vaux, «Les sphères célestes selon Nasīr-Eddin Attūsī», Paris, 1893, p. 337.             
[28] انظر:
S. Munk, «Des principaux philosophes arabes et de leurs doctrines», in Mélange de philosophie juive et arabe, Paris, 1857, p. 412.
انظر أيضًا:
L. Gauthier, «Une réforme du système astronomique de Ptolémée tentée par les philosophes arabes du XIIe siècle», in Journal Asiatique, 1909, pp. 26-27.
[29] ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق: موريس بويج، لا ط، بيروت، 1948، جVII، ص1661.
[30] انظر:
Victor Roberts, “The Solar and Lunar Theory of Ibn ash-Shāṭir: A Pre-Copernican Copernican Model”, in Isis, Vol. 48, No. 4 (Dec., 1957), pp. 428-432.
[31] انظر:
E. S. Kennedy and Victor Roberts, “The Planetary Theory of Ibn al-Shāṭir”, in Isis, Vol. 50, No. 3 (Sep., 1959), pp. 227-235.
[32] انظر:
N. B. Swerdlow, O. Neugebauer, Mathematical Astronomy in Copernicus’s de Revolutionibus, Springer, New York, 1984, p. 47, 295. Cited by G. Saliba in “The role of Maragha in the development of Islamic Astronomy: a scientific Revolution before the Renaissance”, loc. cit., p. 371, n° 22.
[33] ممن استعمل مصطلح علم النجوم نذكر على سبيل المثال الفارابي (339 هـ/950م) في إحصاء العلوم والخوارزمي الكاتب (ت. 387 هـ / 997 م) في مفاتيح العلوم.
[34] انظر مثلًا: السماع الطبيعي 193ب25. وقد ترجم اسحاق بن حنين قول أرسطو
Ἒτι ἡ άστρολογία ἑτἐρα ἢ µἐροςω τῆς φυσικῆς
بقوله: «وأيضا، هل صناعة النجوم غير العلم الطبيعي»؛ انظر: أرسطوطاليس: الطبيعة، ترجمة: اسحاق بن حنين، تحقيق: عبد الرحمان بدوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص90.
[35] انظر: ناللينو، كارلو: علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، أوراق شرقية، بيروت، 1993، ص18.
[36] انظر: إحصاء العلوم، مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، 1991، ص28.
[37] انظر: رسالة في أقسام العلوم العقلية، ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، دار العرب للبستاني، القاهرة، ص110.
[38] انظر: البيروني: كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم، تحقيق: حسن موسى، لا ط، دمشق، دار الكتاب العربي، 2003.
[39] D. Pingree, “ʿIlm al-Hayʾa”, in Encyclopaedia of Islam, Second Edition.
[40] انظر:
Ptolemy’s Almagest, translated and annotated by G. J. Toomer, Duckworth, London, 1984, p. 36.
[41] انظر: إحصاء العلوم، م.س، ص28.
[42] انظر: رسالة في أقسام العلوم العقلية، م.س، ص111.
[43]  انظر: ابن النديم: الفهرست، نشرة رضا تجدد، ص317-318.
[44] انظر: كارلو نلينو، علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، م.س، ص18-19.
[45] انظر:
Régis Morelon, «General survey of Arabic astronomy», in Encyclopedia of the History of Arabic Science, Volume I, Routledge, London - New York, 1996, p. 1.
[46] انظر: كارلو نلينو، علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، م.س، ص19.
[47] معلوم أن أبا معشر البلخي، وهو من أشهر من اشتغل بأحكام النجوم، كان يسمى بأبي معشر الفلكي.
[48] انظر: بطليموس، المجسطي، م.س، ص36-37.
[49] انظر: البلخي، أبو معشر: المدخل الكبير إلى علم النجوم، نشرة فؤاد سزكين، 1985، ص32.
[50] فإذا كان ابن سينا يجعل التعاليم، ومن بينها علم الهيئة، علما وسطا، ويجعل أحكام النجوم فرعا من العلم الأسفل الذي هو العلم الطبيعي، ويجعل جميع ذلك تحت العلم الأعلى الذي هو العلم الإلهي (الإلهيات) المتكفل بتصحيح المبادئ العامة لكل العلوم، (انظر: رسالته في أقسام العلوم العقلية) فإن الغزالي يجعل العلوم العقلية دون العلوم الشرعية منزلة بل هو يلغيها ويعتبر أن العلوم العقلية المحضة «كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم هي بين ظنون كاذبة [...] وبين علوم صادقة لا منفعة لها». انظر: الغزالي: المستصفى من علم الأصول، تحقيق: حمزة بن زهير حافظ، شركة المدينة المنورة للطباعة، د.ت.، ج1، ص3.
[51] السرد الخيالي هو المشاعر التي تتخذ صورة أفكار وآراء، وفي حال التأريخ للعلوم العربية، غالبا ما تمثل مشاعر من قبيل الفخر والاعتزاز والإعجاب والحنين... الخلفية التي تحدد الغاية من دراسة هذه العلوم. والخطاب الإيديولوجي هو برامج عملية ظرفية تعبر عن مشاريع مستقبلية تتخذ صورة أفكار مطلقة أو حقائق محايدة وفيما يتعلق بالعلوم العربية ينظر إلى الماضي على أنه سبيل إلى تحديد توجهاتنا إما بتجاوز أخطاء الماضي أو باستثمار نجاحاته.
[52] انظر:
David A. King, «On the Astronomical Tables of the Islamic Middle Age», in Islamic Mathematical Astronomy, Variorum Reprints, London, 1986, p. 37.
انظر أيضًا:
Muhsin Mahdi, «Approaches to the History of Arabic Science», in Encyclopedia of the History of Arabic Science, op. cit., Volume III, p. 1026.
[53] انظر مثلا: هشام غصيب: «عن الإشكالية النظرية في العلوم الفيزيائية العربية أو لماذا عجزت العلوم العربية عن تحقيق الثورة الكوبرنيكية؟»، ضمن الثقافة العالمية، 192، مارس-أفريل 2018، ص92-103.
[54] هذا ما نفهمه من المسار الذي سارت في مجموعة محاضرات ناللينو عن علم الفلك عند العرب والتي انتهت بالتطرق إلى علم التنجيم عندهم.
[55] وهي الفكرة التي دافع عنها كل من رشدي راشد وريجي موريلون في
Encyclopedia of the History of Arabic Science, Volume I, Astronomy – Theoretical and Applied, Routledge, London and New York, 1996.
[56] انظر:
Pierre Duhem, Le système du monde, Hermann, Paris, 1965, T.II, chap. XI.
[57] مثل أعمال لورانس برانسيب Lawrence Principe  وستيفن شابن Steven Shapin وستيفان فان دام Stéphane Van Damme. انظر أيضًا: جان فرانسوا دورتييه
Jean François Dortier «La révolution scientifique a-t-elle eu lieu ?» in Sciences Humaines, Septembre – Octobre – Novembre 2017, n° 84.
[58] انظر:
Muhsin Mahdi, «Approaches to the History of Arabic Science», in Encyclopedia of the History of Arabic Science, op. cit., Volume III, p. 1038.
[59] يقول إدوارد كار
«Le XIX siècle fut médiocre en histoire médiévale parce que les croyances superstitieuses du Moyen Age et les pratiques barbares qu’elles avaient inspirées lui répugnaient au point de le priver d’une compréhension imaginative des gens de cette époque.» Edward H. Carr, Qu’est-ce que l’histoire ? Traduit de l’anglais par Maud Sissung, Editions La découverte, Paris, 1988, p. 71.
[60] ومن الملاحظ في هذا السياق أن بيار دوهيم مثلا عند تناوله لأعمال علماء النجوم العرب وكيفية تطرقهم إلى الإشكالية التي كانت قد شغلت كل تفكيرهم والتي كانت تتمثل، بزعمه، أساسا في التوفيق بين مسلمات العلم الطبيعي الأرسطي وفرضيات علم الفلك البطليموسي، لم ترد عنده ولا مرة واحدة الإشارة إلى أن علماء النجوم المسلمين كانوا في أغلبهم موقتين في المساجد. وأن اهتمامهم كان موجها بالأساس إلى حل إشكاليات تتعلق بتحديد أوقات الصلاة وظهور الهلال واتجاه القبلة. ولا شك أن وظيفتهم هذه كانت تحدد طبيعة أعمالهم بشكل مباشر. حول وظيفة الموقت وعلاقتها بعلم النجوم. انظر:
David A. King, «Astronomical Timekeeping», in Islamic Mathematical Astronomy, op. cit., Chap. III, p. 342 passim.
[61] ناللينو، علم الفلك، م.س، ص7.
[62] انظر: هايزنبرغ: الجزء والكل، محاورات في مضمار الفيزياء الذرية، ترجمة وتحقيق: محمد أسعد عبد الرؤوف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص51-52.
[63] انظر:
P. Duhem, Le système du monde, op. cit., T. II, p. 62-63.