البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاستعارة المعجمية في القرآن الكريم من منظور استشراقي، آرثر جيفيري نموذجاً

الباحث :  الدكتور عبد العالي احمامو
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  23
السنة :  صيف 2020م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 20 / 2020
عدد زيارات البحث :  389
تحميل  ( 653.152 KB )
المقدمة
شكّلت ألفاظ القرآن الكريم مجالًا للدّارسين العرب والمستشرقين[2]، بخاصّة الكلمات والألفاظ الأجنبيّة التي وقع حولها خلاف كبير. فإذا كانت الأبحاث تشير إلى ورود ألفاظٍ وكلماتٍ مستعارة من لغاتٍ أخرى، ففي الجهة المقابلة نقرأ الموقف الدّفاعيّ عن عربيّة القرآن المدعوم بقوله تعالي: (إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ) (سورة يوسف، الآية2)، وقوله: (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) (سورة طه، الآية113)، وقوله أيضًا: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (سورة لقمان، الآية28)، وقوله: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (سورة فصلت، الآية3)، إضافة إلى قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (سورة الشورى، الآية7)، وقوله عز من قائل: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (سورة الزخرف، الآية3)، وقوله أيضًا: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (سورة الشعراء، الآية 195).

وقد ظهرت هذه القضيّة أوّلًا في عصر الصحابة رضي الله عنهم، فأدلى بعضهم بآرائهم تجاهها، ويعدّ الإمام الشافعي (ت 204 هـ) من أوائل من طرقوا هذا الموضوع في كتبهم، فناقشه في كتابه (الرسالة) وعبّر فيه عن رأيه، كما تناوله أحد معاصريه، وهو أبو عبيدة معمر بن المثني (ت209هـ) في كتابه «مجاز القرآن»، ومن أبرز المصنفين الذين جاؤوا بعدهما وتحدثوا في كتبهم حول هذا الموضوع محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) في تفسيره «جامع البيان في تأويل القرآن»، واللّغوي أحمد بن فارس (ت395هـ) في كتابه «الصاحبي في فقه اللّغة العربيّة ومسائله وسنن العرب في كلامها»، والمفسّر الأندلسي عبد الحق بن غالب بن عطيّة (ت542 هـ) في تفسيره «المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز»، وعبد الرحمان بن الجوزي (ت597 هـ) في كتابه «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن»، ومحمد بن عبد الله الزركشي (ت 794 هـ) الذي ناقش هذا الموضوع في كتابه «البرهان في علوم القرآن» وقدّم قائمة للكلمات القرآنيّة التي قيل إنّها أعجميّة[3].
ومن بين أبرز من اهتمّ بهذا المجال ودرسه عبد الرحمن جلال الدين السيوطي (ت911هـ) الذي ناقش هذا الموضوع في ثلاثة من كتبه وخصّ له رسالتين بحث فيها آراء العلماء السابقين حوله وأدلى فيها برأيه، وجمع فيها الكلمات الأعجميّة الواردة في القرآن، فألّف السيوطي رسالته «المهذّب فيما وقع في القرآن من المعرب» وجمع فيها الكلمات ورتّبها ترتيبًا هجائيًّا، كما ألّف رسالته «المتوكلي» التي نسبها إلى الخليفة العباسي المتوكّل على الله ونسَّق فيها هذه الكلمات حسب اللّغات التي وردت فيها. أمّا كتبه الثلاثة التي ناقش فيها هذا الموضوع بالتفصيل فهي: «الإتقان في علوم القرآن» و«معترك الأقران في إعجاز القرآن» و«المزهر في علوم اللغة وآدابها».

وينسب إلى بعض الصحابة وبعض من تلاميذهم القولُ بأنّ القرآن يضمّ كلمات أعجميّة، فيُروى عن عبد الله بن عبّاس (ت68هـ) وأبي موسى الأشعري (ت44هـ) رضي الله عنهما أنّهما نسبا العديد من كلمات القرآن كالسجيل، والمشكاة، واليم، والطور، والأباريق، والاستبرق، وغيرها إلى لغاتٍ أخرى[4]، وقد نقل ابن الجوزي في «فنون الأفنان» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «في هذا القرآن من كلّ لسان»[5]، كما نقل عن تلميذين لابن عبّاس عكرمة بن عبد الله (ت105هـ) ومجاهد بن جبر (ت104هـ) قولهما: «إنّ في القرآن من غير لسان العرب»[6]. ومن التابعين الآخرين الذين أيّدوا وجود كلمات أعجميّة في القرآن سعيد بن جبير (ت95هـ) الذي نقل ابنُ الجوزي قولَه: «ما في الأرض لغة إلّا أنزلها الله تعالى في القرآن»[7].
ونقرأ عند ثمامة فيصل[8] أنّ بالاستناد على أقوال هؤلاء العلماء وآراء بعض المتأخّرين الذين نقلوا عن ابن النقيب قوله: «من خصائص القرآن على سائر كتب الله المنزلة أنّه نزل بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الرّوم والفرس والحبشة شيء كثير»[9]، كما استند السيوطي على قول عبد الله بن يوسف الجويني (ت438هـ) الذي قال: «إن قيل إنّ استبرق ليس بعربي، وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة، فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة، ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك»[10].

أمّا بداية الدراسات الاستشراقيّة حول هذا الموضوع فتعود إلى القرن التاسع عشر الميلادي؛ فمن أوائل المستشرقين الذين تناولوه المستشرق ألوييز سبرنجر (Aloys Sprenger)، والمستشرق الألماني سيغموند فرانكيل (Siegmund Fraenkel) الذي ألّف كتابًا بعنوان: «الكلمات الأجنبيّة في القرآن»، ورودولف دووراك (Rudolf Dvorak) الذي صنّف كتابًا حول الكلمات الفارسيّة المستعملة في القرآن، وثيودور نولدكيه (Theodor Noldeke) الذي صنّف كتابه المعروف «تاريخ القرآن» وناقش فيه وفي كتاباته الأخرى هذا الموضوع. واستمرّت عناية المستشرقين بهذا الموضوع؛ حتى جاء الباحث المستشرق آرثر جيفيري (Arthur Jeffery) الذي ألّف كتابًا بعنوان (the Foreign Vocabulary of the qur’an)؛ حيث نال هذا الكتاب قبولًا واسًعا لدى المستشرقين، وقد بنى  جيفيري دعواه التي قدّمها في هذا الكتاب على كتابات الإمام السيوطي التي سبق ذكرها في هذا العمل، وأضاف إلى الكلمات التي أوردها السيوطي وغيره عددًا آخر من الكلمات، ووصل بها إلى نحو 256 كلمة، وادعى أنها ليست عربية الأصل استنادا على البحوث اللغوية والدراسات التاريخية والأثرية الحديثة[11].
وسنعمل في محاور هذا العمل على تتبع الكلمات المستعارة في القرآن الكريم بحسب قائمة جيفيري، معتمدين في ذلك على دراسةٍ مهمّة قدّمتها كاثرين بيناتشيو[12] (Catherine Pennacchio) الموسومة ب «الاستعارة المعجميّة في القرآن، الجوانب الإشكاليّة لقائمة آرثر جيفيري»، والتي تتناول فيها الجوانب الإشكاليّة لعمل جيفيري، حيث تطالب بضرورة مراجعة القائمة والافتراضات المتعلّقة بأصول الكلمات المستعارة وتحديدها في مستويين: المستوى الأوّل يتعلّق بإدراج المعارف اللّغويّة الجديدة المتعلّقة باللّغة الأوغاريتيّة، ونقوش العربيّة الشماليّة والعربيّة الجنوبيّة، أمّا المستوى الثاني فيجب فيه وضع هذه الكلمات في سياقاتها السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة. فهذا التجديد في البحث مهمّ؛ لأنّ الكلمات المستعارة في القرآن تشكّل الآثار التاريخيّة للاتّصالات القديمة بين السكّان العرب وجيرانهم، حيث التعرّف على أصول الكلمات المستعارة يساهم في فهم النّصّ القرآني بشكل أفضل، وبداية اللّغة العربيّة بشكل عام. كما تؤكّد كاثرين على أنّ كميّة المصادر المذكورة في دراسة جيفيري يمكن اعتبارها بدون فائدة أو ضارة إلى حد ما؛ خاصّة أنّه على مدار القرن الماضي، كانت المفردات الأجنبيّة للقرآن تعتبر عملًا قاطعًا وحاسمًا، في حين أنّ نيّة المؤلّف كانت ببساطة جمع كلّ ما كتب عن هذا الموضوع. وإذا كان من المفترض أن يكون عمل جيفيري نقطة انطلاق لمزيد من الدراسات، إلّا أنّه لم يتم إجراء أيّ دراسات إضافيّة في هذا المجال، وهذا يحيل على أنّ بالرغم من قدم قائمة جيفيري إلّا أنّ ذلك لا يجعل منها متجاوزة، بل أرضيّة لدراسات حديثة أكثر عمقًا[13].

1. مصادر متنوّعة وأغراض متباينة
اعتمد صاحب «المفردات الأجنبيّة في القرآن الكريم» على العديد من المصادر المتاحة لكلّ حالة من الحالات المدروسة؛ حيث اقتبس من الجواليقي مؤلّف كتاب «المعرب والدخيل»، إضافة إلى السيوطي الذي ألّف العديد من الكتب حول الاقتراض اللّغوي، كما أشار جيفيري إلى العديد من المستشرقين أبرزهم: أبراهام جيجر (Abraham Geiger) الذي كان أوّل من أشار إلى  أربع عشرة كلمة مستعارة من العبريّة، ورودولف دفوراك (Rudolf Dvorak) الذي كان أوّل من خصّص عملًا كامًلا في علم اللّغة للاستعارة المعجميّة في القرآن الكريم (1885) حيث تمّ تقديم عشر كلمات غير عربيّة في القرآن الكريم، كما استشهد جيفيري أيضًا بثيودور نولدكيه (Theodor Noldeke) من خلال عمله «إسهامات جديدة في اللغويّات السامية» (Neue Beiträge zur semitischen Sprachwissenschaft) (1910)، والذي خصّص فيه فصلًا كاملًا لدراسة «الكلمات المقترضة في الإثيوبيّة ومنها (Lehnwörter in und aus dem Äthiopischen)، إضافة إلى ألفونس مينغانا الذي جرّد المصطلحات الدينيّة المستعارة من السريانيّة في القرآن الكريم من خلال عمله «التأثير السرياني على أسلوب القرآن» (Syriac Influence on the Style of the Kur’an” (1927))، إضافة إلى جوزيف هورفيتز (Joseph Horvitz) الذي نشر «أسماء العلم والمشتقات اليهوديّة في القرآن» (Jewish proper names and derivatives in the koran)  (1925)، أضف إلى ذلك كلّ من: ثيودور نولدكيه من خلال عمله «تاريخ القرآن Geschichte des Qorans» (1860)، وسيغموند فراينكل؛ صاحب «الكلمات الأجنبية الآرامية في اللغة العربية Die Aramaïsche Fremdwörter im Arabischen (1886)»، وهينريش زيميرن (Heinrich Zimmern) الذي اشتغل على «الكلمات الأجنبيّة الأكادية دليل على التأثير الثقافي البابلي» (1917)؛ وهذه فقط أهم المصادر التي اعتمدها جيفيري في دراسته، وهذا ما يجعل القارئ يحسّ أنّ جيفيري تعامل مع كلّ مصدر بدقّة للحصول على نتائج علميّة[14]. لذلك نجده في المعجم يذكر جميع اللغات التي استعارت منها العربيّة كلماتها المذكورة في القرآن الكريم، حيث يتم تقديم كلّ كلمة مستعارة في شكلها الأصلي وبلغتها الأصليّة، وفقًا لنظام الكتابة الخاصّ بها، وذلك من خلال تقديم ما مجموعه ست وخمسين لغة (العبريّة – الآراميّة – السريانيّة – اليونانيّة – الفارسيّة – الإثيوبيّة (الحبشية) الجنوب عربيّة – السنسكريتيّة...).
أمّا منهجيًّا، يتمّ تقديم الكلمات المستعارة بطريقةٍ منهجيّةٍ ودقيقةٍ؛ حيث يقوم جيفيري أوّلًا بتحليل جذر كلّ مصطلح صوتيًّا ودلاليًّا قبل تقديم وجهات نظر النحويين العرب حول هذه المسألة (الظاهرة)، وبعد ذلك ينقل آراء المستشرقين ويحاول استنتاج الأصل المحتمل للكلمة، وفي الأخير يشير جيفيري إلى إمكانيّة العثور على الكلمات المستعارة في الشّعر الجاهلي من أجل التحقّق من تاريخ الاستعارة؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإنّه يقتبس نقوش العربيّة الجنوبيّة والعربيّة الشماليّة التي تظهر فيها الكلمة[15]. فهذه الدّراسة، حسب كاثرين، توفّر ثروة من المعلومات بناءً على المصادر المعتمدة، كما يمكن اعتبارها نقطة انطلاق جديدة للبحث في هذا الموضوع.

2. الجوانب الإشكاليّة لمعجم آرثر جيفيري
في مقدّمة كتابه، يأمل جيفيري أن يكون عمله إسهامًا في إنتاج معجم للمصطلحات الواردة في القرآن الكريم، بالاعتماد على المقارنة مع معجم العهدين القديم والجديد، ويضيف جيفيري أنّه «لا يمكن إحراز تقدّم إضافيّ في تفسيرنا للقرآن أو حياة محمد، إلّا بعد إجراء دراسة شاملة حول مفردات القرآن الكريم»[16]، لذلك فهدفه كان جمع مختلف الدّراسات المتاحة حول الاقتراض اللّغويّ أو المعجمي في مختلف المصادر والمجلّات والمقالات المتفرّقة وتقديمها للطلّاب والباحثين، وإن كان يشير إلى أنّ عالمًا فقط مثل نولدكيه (Nôldeke) هو الذي كان بإمكانه معالجة عمل من هذا النّوع. وبالرغم من أنّ جيفيري كان بدراسته هذه يسعى إلى تشجيع إجراء المزيد من البحوث حول هذا الموضوع، إلّا أنّ المهتمّين والباحثين اعتبروه في وقتٍ لاحقٍ عملًا ناجحًا.

تؤكّد كاترين على ضرورة التّعامل مع معجم جيفيري بحذرٍ شديدٍ، بخاصّة أنّ المؤلّف لم يحدّد مفهوم الاقتراض اللّغوي/ المعجمي[17]، حيث يبدو أنّ كلّ كلمة «غير عربيّة» فهي مصنّفة ضمن «الكلمات الأجنبيّة»، إضافة إلى جمع كلّ الأنواع المستعارة وتقديمها بحسب الترتيب الأبجدي. يُقسّم جيفري الاقتراض في القرآن الكريم إلى ثلاثة أنواع[18]:
 1- كلمات أجنبيّة تمامًا؛ ومثال ذلك: «زنجبيل»، و«نمارق»، و«فردوس»، و«جبت»؛ التي يرى جيفيري أنّها لا تتوفّر على جذر في اللّغة العربيّة، بينما يبدو، حسب كاثرين، أنّها مقترضةٌ من الإثيوبية، إضافة إلى كلمة «استبرق» التي تعني (الديباج والملابس الحريرية)، والتي ترى كاترين أنّها فارسية.
2- الكلمات السامية التي يمكن العثور على جذرها الثلاثي في اللّغة العربيّة، ولكن مع ذلك لا يتمّ استخدامها في القرآن الكريم بالمعنى العربي للجذر، وإنّما بالمعنى الذي تطوّر في إحدى اللّغات الأخرى؛ ومثال ذلك: «فاطر»، و«صوامع»، و«درس[19]»، و«بارك». 3- كلمات عربيّة أصيلة ومستخدمة بشكلٍ شائعٍ في اللّغة العربيّة، غير أنّ معناها في القرآن الكريم تأثّر بلغاتٍ أخرى؛ ويعطي جيفيري مثالًا لذلك كلمة «نور» الواردة في قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (سورة التوبة، الآية32)، والتي تعني في القرآن الكريم الدين.
ترى كاثرين أنّ جيفيري لا يقدّم أيّ معلوماتٍ حول طريقة وضع كلّ الكلمات المقترضة في القائمة معًا، فمن ناحية يبدو أنّه جمع كلّ الدّراسات المتاحة حول كلّ كلمة، بينما من ناحية أخرى هناك إشارات إلى أنّ المؤلّف اختار بعض المصادر فقط، إضافة إلى عدم ظهور بعض الكلمات المستعارة المعروفة في لائحة جيفيري، ومثال ذلك: (الحج – المحراب – صاب...)، كما يستثني جيفيري بعض الكلمات التي تمّ تجميعها من قبل السيوطي، وإن كان يشرح سبب عدم إدراجه لهذه الكلمات: فالبعض منها نادرة إلى حد اعتبارها أجنبيّة بسبب ندرتها؛ ومن ذلك «هيت لك» (الأمر من أتى)، وسيد (الزوج)، بينما البعض الآخر كلمات عربيّة ببساطة، سكر، وحرام، وأليم[20].

ويدّعي جيفيري تضمينه جميع الكلمات المستعارة في عمله؛ ولكن كاترين ترى أنّ بعض الكلمات غير واردة في دراسته، وتضيف أنّ أعمال السيوطي على وجه الخصوص تستحقّ البحث؛ فكتبه الثلاثة «المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب» و«الإتقان في علوم القرآن» و«المتوكلي» تشمل ما مجموعه مئة وثمان وثلاثون كلمة مستعارة. فكلمات مثل «الآخرة» و «فوم» يجب أن تراجع تبعًا لكاترين، فهي ترى أنّ الكلمة الأولى «الآخرة» لها المدلول نفسه في اليهوديّة (نهاية الأيام)، أمّا الثانية «فوم» فمعناها غامض[21].

وتؤكّد الباحثة على أنّ المسلمين القُدامى لم يكونوا على درايةٍ باللّغات الأجنبيّة، وكانوا يتقنون لغتهم الأم؛ لذلك ففهمهم لبعض المصطلحات له قيمة عالية. ويجب كذلك مراجعة القائمة التي وضعها جوزيف هورويتز (Joseph Horowitz) الذي يجمع الكلمات المستعارة من اليهوديّة في القرآن الكريم، بما في ذلك أسماء العلم؛ حيث يدرج هورويتز المصطلحات التي ذكرها أسلافه، ويضيف بعض الكلمات المستعارة التي اكتشفها بنفسه، فلائحته تضمّ سبع وخمسين كلمة مستعارة، والتي لم يرد جلّها في دراسة جيفيري. كما هناك دراسة أخرى تستحقّ الدّراسة، والأمر يتعلّق ب»المسيحيّة في الإسلام Christliches in Qoran» (1930) لكارل أهرينس (Karl Ahrens) التي استفاض فيها عن الاقتراض من المسيحية[22].
من جهةٍ أخرى، وفقًا لكاترين، جرّد مايكل كارتر[23] (Michael Carter) كلّ هذه الإضافات؛ حيث صنّف الكلمات المستعارة زمنيًّا وفقًا للّغات المانحة. كما خصّص مارتن زميت[24] (Martin Zammit) فصلًا للكلمات الأجنبّية في القرآن بالتركيز على دراسة جيفيري.

ولا شكّ أنّ هناك الكثير من الكلمات المستعارة ما زالت قيد الدّراسة وتحتاج إلى مزيد من البحث؛ ومثال ذلك كلمة جلاء (الخروج) ğalā الواردة في قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) (سورة الحشر، الآية3)، والتي يبدو أنّها استعارة من gōlā العبريّة –gālūt- وهو مفهوم خاصّ باليهوديّة، كما أنّ الكلمة وردت في القرآن الكريم في سياقٍ يهوديٍّ؛ حول طرد قبيلة بني النضير اليهودية وخروجها من المدينة، وقد أنزل الله في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها. أمّا في بعض الأعمال اللّاحقة[25]، تكتب الكلمة (جلاء أو جلوة) على حد سواء، وتشير اللّاحقة -wa إلى استعارة الهجاء من الآرامية، وهذا نموذجيٌّ في القرآن الكريم، حيث تحدّث بلاشر عن أمثلة أخرى لهذه العمليّة[26]؛ زكوات -صلوات- حيوات. وترى كاثرين في هذه الأمثلة دعامة لفرضيّتها، حتى لو أنّ كلمة جلوة وجدت في أعمال مكتوبة بعد القرآن الكريم، ولم يدرجها لين ولا دوزي ولا كازيميرسكي في قوائهم[27].  

3. مراجعة معجم جيفيري للكلمات المستعارة في القرآن
نصل إلى الدعوة الملحّة التي أطلقتها كاثرين بضرورة إجراء مراجعة شاملة لقائمة جيفيري على ضوء اللسانيّات الحديثة، بخاصة أنّ الباحثين في القرون الماضية لم تتوافر لهم الصرامة الموجودة في المناهج الحديثة. فدراسة الكلمات المستعارة اليوم تنبني على مقارنة قواعد التأثير والتأثّر؛ فعندما تُستعار كلمات من لغات غير سامية، فإنّ بنيتها الصرفيّة أوّل ما يدلّ على استعارتها/ أجنبيّتها؛ لأنّها لا تقدّم الخصائص الصوتيّة نفسها مثل اللّغة المستلمة، وتبعًا لكاترين فهي واضحة في الأمثلة الآتية ( فردوس–زنجبيل) في اللغة العربية، أمّا إذا كان الاقتراض من داخل عائلة اللّغة السامية، فيجب استخدام معايير أخرى لتحديد الكلمات المستعارة، حيث إنّ الصعوبة تكمن في التمييز بين الجذور التي تنتمي إلى الكلمات المستعارة المشتركة داخل هذه المجموعة. بحكم التعريف؛ يُعتبر المصطلح ساميًا إذا جرى على القيم الصوتيّة والدلاليّة نفسها في غالبيّة اللّغات السامية[28]، والمشكلة، حسب كاترين أنّ بعض الكلمات المستعارة: 1– تنتشر في مناطق جغرافيّة واسعة، 2– تحمل، في الغالب، معنًى أساسيًّا واحدًا فقط، 3– تتشكّل من الخصائص الصوتيّة نفسها في جميع اللّغات السامية. ومن ثمّ فالخطر هو اعتبار الكلمات الشائعة بين لغات سامية مستعارة؛ لأنّ ذلك خطأ، فعلى العكس من ذلك لا يمكن تحديد الكلمات المستعارة على هذا النحو، فالمعايير اللغويّة وحدها التي تشير إلى حالات الاقتراض، إضافة إلى المعاني والأشكال السماعيّة التي تكشف الكلمات المستعارة، فتاريخ الكلمات، أو المفاهيم، أو الأشياء المستعارة، لا يؤدّي إلّا إلى استكمال التعريف اللّغوي للكلمات المستعارة، وإن كان اللّجوء إلى التاريخ في بعض الأحيان، يحسم في الأمر بشكل كبير[29].

فقد أخطأ جيفيري وأسلافه في فهم العديد من الكلمات المستعارة، واليوم لسنا في حاجة إلى دراسة إضافيّة لإثبات أنّ الكلمات عربيّة أصيلة، ففي الواقع بعضها ثمرة تطوّر اللّغة العربية نفسها، وهذه حالة (الكاهن) مثلًا؛ من الشخصيّات التي عُرفت ما قبل الإسلام، أما بالنسبة لجيفيري[30] فالكلمة العربيّة (كاهن) قريبة من المصطلح الإنجيلي (kōhēn)، مع العلم بأنّه يتّفق مع نولدكيه في أصل هذه الكلمة المستعارة التي يرجع أصلها إلى الآرامية وتسبق ظهور الإسلام. ويخلص جيفيري إلى أنّ الكلمة تغيّر معناها من «كاهن» أوّلًا إلى معنًى مُكْتَسَب يتمثّل في «رائي – عراف». ومع ذلك فالباحث يشير إلى أنّ فيشر[31] (Fisher) يذكر العكس: «الرائي – العراف› هو المعنى الأوّل، إضافة إلى أنّ (كاهن) ليست كلمة مستعارة. ومن بين من تطرّق للكلمة توفيق فهد الذي كتب مقالًا معنونًا ب «كاهن kāhin» يوضّح فيه أنّ الكلمة مصطلح سامٍ شائعٌ، وربّما كان ل «kāhin» و«kōhēn» أصل مشترك، كما يشير إلى ذلك «khn» في اللّغة الأوغاريتيّة والآشوريّة البابليّة. في هذا الصدد يشير فهد إلى العلاقة بين واجبات هذه الشخصيّة العامّة (الكاهن) ومهمّاتها، والتي، في وقت ما، تباينت في اللغتين العربية والعبرية[32]. فإذا كان القرآن استعار كلمة (كاهن) من العبريّة أو اللّغة السريانيّة فمعناها سيكون (كاهن/ أو قس)، لكن يبدو أنّ معنى (الرائي/ العراف) للكلمة كان موجودًا قبل (kōhēn) في اليهوديّة. وتبعًا لكاترين، ففي الغالب، كلمتا «kāhin» و«kōhēn» متطابقتان في الأصل (كلاهما يعني قيم ديني، أو وصي، أو وسيط الوحي عند الإغريق في معبد أو ملجأ أو مكان مقدّس)، غير أنّ وظائفهما تباعدت فيما بعد؛ ف «kāhin» فقد تدريجيًّا علاقته بالمعبد/ المكان المقدّس، ليصبح فيما بعد مجرّد (عرّاف/ رائي/ مستنبئ)، بينما اكتسب «kōhēn» وظائف كهنوتيّة. ولم يدرج اللغويّون العرب في العصور الوسطى كاهن في قوائم الكلمات المستعارة الخاصّة بهم، ولا حتّى فراينكل (Fraenkel) أو زيمرن (Zimmern) قاما بذلك. وعليه فالكلمة تبدو نتاجًا لتطوّر اللّغة العربيّة نفسها[33].

 هناك كلمات أخرى يبدو أنّها مشتركة وشائعة بين العديد من اللّغات السامية، ومثال ذلك: حبل – معين – خنزير – زيت – تين – عنكبوت؛ ففي القرآن الكريم تعني كلمة حبل كلا من «الحبل» و«الارتباط» بالمعنى المجازي، وبالطريقة نفسها يعبّر المصطلح العبري التوراتي (ḥeḇel) عن «حبل» (Josh 2 :15)، ومنطقة أو مجال أو أرض (Josh 19 :9 and Deut 3 :4). ومن الممكن أن يكون أصل الكلمة العبرية (ḥeḇel) والكلمة الآراميّة والسوريانيّة (ḥbl) من الأكاديّة بمعنى (حبل، فخ)[34]، بالنسبة لجيفيري فكلمة حبل قد يكون أصلها آرامي أو سرياني[35]، وهو على يقين أنّ الكلمة مستعارة؛ لأنّها اشتقاق اسمي[36] (denominative)، ويعتمد جيفيري في ذلك على زيمرن (Zimmern) الذي يشكّ في الأصل الآرامي للكلمة المستعارة[37]. وعلى ما يبدو، تبعًا كاترين، فالفعل الأكادي (h̬abâlu) كان يعني في البداية (قمع أو ظلم، وخدع أو ضلّل شخصًا ما)، ثم تطوّرت الكلمة لتعني «ربط، ونصب شركًا أو فخًا»، ثم لمعنى «التقط، وأخذ»، وأخيرًا للدلالة على «أتلف وأضرّ، أو دمّر»[38]. فكلمة حبل ظهرت في الشعر الجاهلي، مما يدلّ على وجودها القديم في اللّغة العربيّة، هذه الفرضيّة التي تدعهما حقيقة ورود جمع تكسير من كلمة حبل «حبال» مرتين في القرآن الكريم، ومع ذلك فإنّ الاسم المذكّر الأوغاريتي (Ugaritic) «ḥbl حبل، خيط» له شكل المصطلح العربي نفسه، وهو ما قد يعني أنّها كلمةٌ ساميةٌ شائعةٌ بين اللّغات، ولا شيء يثبت استعارتها من الآرامية كما يقترح جيفيري[39].
إذا كان تحديد الاقتراض اللغوي إشكاليّة، فإثبات استعارة المصطلح ليس بالأمر السهل أيضًا، في الماضي كان الاقتباس أو المعنى التوراتي للكلمة كافيًا لإظهار استعارة الكلمة، وهكذا يعتبر جيفيري الصيغة العربيّة الخامسة لفعل «تجلى» بمثابة معنى مستعار من الكلمة السريانية (tğl)، والتي تعني ( لكي يكشف عن نفسه (الله)، وترد الكلمة مرّتين في القرآن الكريم بمعنى (أظهر نفسه): (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) (سورة الأعراف، الآية143)، وبمعنى (أضاء): (والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى)(سورة الليل، الآية2)، وتبعًا لنظريّة مينغانا (Mingana)؛ يقوم جيفيري بترجمتها «تظهر في الكبرياء – العزة - المجد)، وتستند كلمة (تجلى) على الجذر المشترك في اللّغة العربيّة والعبريّة التوراتيّة ĞLW/Y...[40]

لا يقتبس الخبراء، الذين يدعمون عادة اختيار جيفيري للكلمات الأجنبيّة، العديد من الكلمات المستعارة المدرجة في عمله، الشيء الذي يدفعنا للشّكّ حول تلك الكلمات المستعارة، ومثال ذلك الكلمة المؤنّثة (روضة) بمعنى (الخضرة – حديقة)؛ الواردة في قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) (سورة الروم، الآية15)، إضافة إلى الجمع (روضات) بمعنى (المروج المزهرة – أطيب البقاع) التي نقرأها في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ) (سورة الشورى، الآية22)؛ وكلاهما من الجذر روض. في هذه الحالة يشير جيفيري[41] إلى الاقتراض من الفارسيّة اعتمادًا على دراسة كارل فولرز (Karl Vollers) (ZMDG 1896 p. 641)، والذي كان أوّل من أشار إلى إمكانيّة هذه الفرضيّة، فالقرب الدلالي والمورفولوجي بين الجذر RḌ الذي تُشتقّ منه كلمة الأرض والجذر ورض WRḌ التي أخذت منه كلمة روضات (المراعي)، يمكن أن تشير إلى أنّ التّحوّل قد حدث داخل روض RWḌ، وهو الجذر الذي يحمل المعنى نفسه. فتنوّع الحروف داخل الجذر نفسه شائع في اللّغة العربيّة، وفي هذا يشير كوهين (Kohen) إلى أصول متبادلة (réciproquement des renvois)  للجذرين RḌ   وWRḌ، وعلاوة على ذلك يمكن الحديث عن الجذر نفسه على اعتبار مشاركتهما للحقل الدلالي نفسه (الأرض). يتحدّث هنري لامنس[42] (Henri Lammens) عن الرّوضة التي توجد بالقرب من المدينة المنوّرة؛ وذلك من خلال الإشارة إلى معجم البلدان للحموي، وبعد اطّلاعنا عليه وجدنا صاحبه يعدّد الرياض التي ببلاد العرب؛ حيث يقول في ذلك الباب: «...عدّدها مائة وست وثلاثون روضة، روى أبو عبيد عن الكسائي: استراض الوادي إذا استنقع فيه الماء، قال شمر: وإنّما سمّيت روضة لاستراضة الماء فيها، وقال غيره: أراض الوادي إراضة إذا استراض الماء فيه أيضًا، وأراض الحوض إذا اجتمع فيه الماء، ويقال لذلك الماء روضة؛ قال الراجز[43]:

وروضة سقيتُ منها نِضْوِي
ويضيف أيضًا: «وربّما كانت الروضة واسعة يكون تقديرها ميلًا في ميل، فإذا عرضت جدا فهي قيعان وقيعة، واحدها قاع، وكل ما يجتمع في الآخاذ والمساكات والتّناهي فهي روضة عند العرب؛ هذا قول محمد بن أحمد بن طلحة على ما شاهده في بلاد العرب»[44]. فلكي تستحقّ هذا الاسم يجب أن تفي بالشروط الثلاثة الآتية: «وجود الماء، ووجود مساحات خضراء، وامتداد القطعة الأرضيّة المعيّنة».
فلا شيء يوحي بأنّ كلمة (روضة) مستعارة؛ خاصة أنّ السيوطي لم يذكر ذلك، ويمكن أن يكون المصطلح عبارة عن تشكيل مستقلّ في اللّغة العربيّة، بخاصة المصطلحات العديدة التي عرفت بها اللّغة العربية في وصف الصحراء وبيئتها الطبيعية؛ ولأدلّ على ذلك الأبيات الشعريّة المختلفة الواردة في معجم البلدان على اختلاف القبائل والأماكن؛ ومن ذلك[45]:

قال سُدَيف:

حيّ الديّار بروضة النّوّار     بين السراج فمدفع الأغوار

قال منذر بن درهم الكلبي:

لتخرجني عن واحد ورياضه    إلى عُنصُلاء بالزُّميل وعاسِمِ

قال ثمامة بن سواد الطائي:

يا حبّذا لذاذة الهجوع

وهي تَرعْى روضة الوكيع

مبتقلات خضر الربيع

لا تحوج الراعي إلى الترفيع

قال الأخطل:

لها مربعٌ بالروض روض مُخاشن          ومنزلة لم يبق إلا طلولها

قال امرؤ القيس:

وقد عَمُرَ الروضات حول مخطط          إلى اللُّخ مرأى من سعاد ومَسمَعا

قال عمرو بن الأهم:

قفا نبكي من ذكري حبيب وأطلال          بذي الرّضم فالرمانتين فأوعالِ

إلى حيث حالَ المِيثُ في كل روضة          من العنك حواء المذانب مُحلالِ

تمّ تحديد بعض الكلمات المستعارة المدرجة في عمل جيفيري على هذا النحو، على أساس التشابه الصوتي، وليس لأنّها اتّبعت قواعد المقارنة، وعلى سبيل المثال كلمة (دهاقا) الواردة في قوله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا، وَكَأْسًا دِهَاقًا) (سورة النبأ، الآية34) (والتي تعني أكوابًا مملوءة)، ويقارنها فرانكيل (Fraenkel) مع (daḥaqa) العبريّة التي تعني (حزم–قمع–دفع)، ومع اليهودية الآرامية (dḥq) التي لها معنى (دفع-ضغط-قيد)؛ ففي رأيه التحوّل في هذا المصطلح من (الهاء هـ) إلى (الحاء ح) يرجع إلى بلاد ما بين الرافدين، وهكذا ف (كأسًا دهاقا) قد يكون بمعنى «كوب من عصير مضغوط/ معصور» في إشارة إلى العنب المضغوط لملء كأس من الخمر (الإشارة إلى خمر الجنّة). في هذا الصدد لا يقبل زيمرن (Zimmern)  الأصل الأكادي، ومع ذلك يتحدّث كوهين عن جذرين: الأوّل DHQ كما هو الحال في اللغة العربيّة (دهاقا)، والتي يبدو أنّها مأخوذة مباشرة من القرآن الكريم، والجذر الثاني DḤQ كما في dāḥaq باللغة العبريّة التي لها معنى (ضغط – دفع). وعليه فكوهين، لا يقترح أيّ اتّصال بين الكلمات ذات الجذر DḤQ وDHQ[46].

تشير كاثرين لبعض الأخطاء التي لاحظتها في الكلمات المستعارة الخاصّة بمعجم جيفيري؛ فلا جيفيري ولا زيمرن توصّلا إلى العلاقة بين حرف (القاف) في اللّغة العربيّة من خلال كلمة (قطران) الواردة في قوله تعالى: (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (سورة إبراهيم، الآية50)، وحرف (العين) في الكلمة الآرامية (عِطران). فوفقًا لجيفيري «من المحتمل أن يكون هناك التباس بين حرف العين والقاف عند استعارة الكلمة»[47]، ويضيف أنّ الشعراء احتفظوا بالعبارة الأوّليّة للآراميّة، بينما تؤكّد كاثرين اعتمادًا على جان كلود هايليوك؛ في الحقيقة (قطران) بالقاف يمكن أن تكون كلمة من الآرامية القديمة[48]، في حين أنّ الكلمة نفسها بالعين قد تكون تنوّعًا لغويًّا للآرامية عندما استخدمت لغة للأمبراطوية[49].
كما تؤكّد كاثرين أنّ بعض إثباتات جيفيري غير مكتملة، كما هو الحال بخصوص (سُلّم) الواردة في قوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) (سورة الأنعام، الآية35)، وقوله عز من قائل: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) (سورة الطور، الآية38)؛ حيث ترى أنّ الباحث تناولها في بضعة أسطر، دون ذكر العلاقة التوراتيّة مع سلم يعقوب، والتي يجب، حسب الباحثة، أن يكون لها أصلٌ مشتركٌ مع الآية القرآنيّة التي وردت فيها الكلمة، كما أنّ جيفيري لم يذكر معلّقة زهير ولا المصادر الأكادية أيضًا، كما أنّه لا يسلّط الضّوء على الاختلافات الصوتيّة للكلمة: sullām باللغة العبرية، وسُلّم باللّغة العربيّة، وswlm بالآرامية من جهة، وsimmiltu في الآكادية[50]، وsebbeltā في السريانية، وsīmeltā في السريانية الجديدة من جهة أخرى.

  يعتقد جيفيري أنّ الكلمة العربيّة (سلم) إمّا مقترضة من sulama الآرامية أو استعارة قديمة من الأكادية[51]، غير أنّ كاثرين تستبعد الفرضيّة الأخيرة اعتمادًا على الجانب الصوتي للكلمة، وعليه ترى الباحثة إمكانيّة اعتبار (سلم) العربيّة كلمة سامية شائعة، خاصّة بوجود الكلمة الأوغاريتية  slm، وهو الأمر الذي يثبت ذلك[52].

4. تحديث المعرفة والمعلومات
يحتاج جزء من البيانات المقدّمة في عمل جيفيري إلى المراجعة، على ضوء البحث المتقدّم في اللّغة الأوغاريتية، والتي تعدّ مساهمتها أمرًا حاسمًا في الدراسات المعجميّة العربيّة، خاصّة في تشابهها الكبير مع اللّغة العربية، وعليه فدراستها لها من الأهميّة ما يفيدنا في باب الاستعارة المعجميّة، فعلى الرّغم من عشرات القرون التي تفصل الآثار المكتوبة باللغتين؛ فالأكيد أنّ تلك المكتوبة بالأوغاريتية تثبت الطابع البدائي للّغة العربية. وفي هذا الصدد يدعونا قاموس غريغوريو ديل أولمو ليت (Gregorio Del Olmo Lete) باللّغة الأوغاريتية إلى إعادة فحص قائمة جيفيري. وإن كانت المعرفة بالنصوص الموجودة في رأس شمرا محدودة في ذلك الوقت، لذا اكتفى جيفيري بذكر الكلمات الأوغاريتية دون التعليق عليها[53].
فقد أخطأ جيفيري وأسلافه في اعتبار جذور الرباعي ذات الصوت الثاني/ ن/ استعارة من الآرامية، غير أنّ نظريّة زيادة/ ن/ في اللّغة العربيّة شائعة لفترة طويلة، وفي هذا الصدد يشير جيفيري إلى أنّ كلمة (عنكبوت) هي في الأصل آرامية بسبب/ ن/ و/ وت/ في نهاية الكلمة. وفي ردّها على هذه الفرضيّة تشير كاثرين في البداية إلى صعوبة تصديق أنّ اللّغة العربيّة استعارت شكلًا مشابهًا للكلمتين الآراميتين (عكوبيتا - عكّابيتا ˁakkūḇītā- ˁakkāḇītā) وصاغت نموذجًا خاصًّا بها بإضافة/ ن/. واعتمادًا على معجم المصطلحات السامية[54] فالكلمة ليست آرامية، ودليل ذلك غيابها في اللّغات الآرامية الأخرى، أمّا فيما يخصّ اللاحقة (وت)، فاللاحقة (ت) في الكلمة العربيّة متوقّعة اعتمادًا على المطابقة القياسيّة، في حين نجد الكلمة العبرية ˁakkāḇīš تتضمّن اللاحقة /š/، فالمرجّح أنّ اللّاحقة (ت) في اللّغة العربيّة جاءت من الآرامية، لكن تبعًا لجوشوا بلاو[55] (Joshua Blau) فالأسماء ذات اللّاحقة (ت) واللاحقة (وت) كانت شائعة بكثرة في اللغة العربية القديمة قبل الإسلام، وعليه يمكن أن تكون اللاحقة (ت) في كلمة (عنكبوت) من بقايا هذا الاستعمال القديم، كما يشير جيفيري إلى أنّ العنكبوت كان معروفًا في الجزيرة العربية، وأنّ الكلمة ظهرت في النّقوش العربيّة الشماليّة، ولم يسجّل السيوطي (عنكبوت) ضمن قائمة الكلمات المقترضة، ولا فراينكل (Fraenkel) أيضًا، وعليه تؤكّد كاثرين على أنّ كلمة عنكبوت ليست مستعارة، كما أنّها ترجع فرضيّة اعتبار الكلمة مصطلحًا شائعًا بين اللّغات السامية[56].

هناك أيضًا حالة كلمة (خنزير)، فحرف (ن) ظهر في الإثيوبية والسبئية؛ لكن جيفيري يعتبر أنّ كلمة خنزير جاءت على الأرجح من الكلمة الآرامية ḥazīra، ثم أضيفت لها (ن) بعد ذلك[57]، كما أشار إلى وجود صيغة ḫnzr في رأس شمرا، فهذا التشابه بين العربية والأوغاريتية يُظهر أنّ كلمة (خنزير) غير مقترضة من الآرامية كما يعتقد جيفيري؛ وتشير كاثرين إلى إمكانيّة اعتبار ḫnzr الأوغاريتية من الصيغ القديمة المهجورة في اللغة العربية أيضًا[58]، وهي الفرضيّة التي يدعمها مانوفسكي[59] (Paul Mankowski)، الذي يؤكّد على استعارة الكلمة العبرية ḥazīr من الأكادية ḫuzīru عبر الآرامية ḥzyr، أمّا التغيير من ḫnzr إلى ḫzr فمردّه إلى إدغام أو إبدال قديمين بين (ن) و (ز)، لكن هذه الفرضيّة تبقى محطّ تساؤلٍ، خاصّة أنّ معجم المصطلحات السامية يعرّف الكلمة الأوغاريتية ḫnzr بأنّها نوع من المهن أو الوظائف الإدارية[60]، ومع ذلك؛ ففي العبرية التوراتية، وفي الأكادية، وفي الآرامية، ليس هناك شدّة ثقيلة Dagesh داخل الحرف (ز). ومع ذلك هناك شكل يهودي آرامي مستمدّ من ḥazīra؛ وهي كلمة (ḥazzērā) بمعنى (قطيع الخنازير) بشدّة ثقيلة؛ والتي يمكن أن تكون دليلًا على الانتقال القديم من ḫnzr إلى ḫzzr مع الإدغام الآتي zz ˃nz . وفي هذا الصدد يؤكّد موشي بار آشر[61] (Moshe Bar Asher) على أنّ الشّدّة الثقيلة في الكلمة العبريّة ḥazzīr التي تمثّل تضعيف حرف (ز) يمكن أن يكون من بقايا إدغام nz˃zz، وعليه فكلمة خنزير باللّغة العربية ليست مستعارة على الأرجح، مثلها مثل معظم أسماء الحيوانات[62].
فالأكيد أنّ الأبحاث، في زمن جيفري، كانت حول شمال الجزيرة العربيّة، والنبطيّة، وجنوب الجزيرة العربية في مراحلها الأولى، وإن كان عمل الباحث يشتمل على سبع وسبعين إشارة إلى الكتابة العربية الجنوبيّة، والتي تعمل على إثبات الوجود القديم لكلمات معيّنة في الجزيرة العربية، فهي تبقى مقتضبة للغاية. ففي الآونة الأخيرة تمّ اكتشاف نقوش توحيديّة أو تهويديّة تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وفي هذا الصدد قام كريستيان روبن[63] (Christian Robin) بجرد المصطلحات المشتركة بين القرآن الكريم وهذه النقوش، وهو الأمر الذي يفتح آفاقًا جديدةً لبحث الاقتراض في القرآن الكريم، خاصّة وأنّ هذه المصطلحات تثبت أنّ الكلمات الواردة من العبريّة أو الآراميّة كانت معروفةً بالفعل في جنوب الجزيرة العربيّة قبل قرنين من الإسلام، كما تدعونا هذه الكلمات إلى مراجعة كاملة للبيانات المدرجة من قبل آرثر جيفيري[64].

5. أصل الكلمات المستعارة
يتعلّق أصل الاقتراض في القرآن الكريم بفترةٍ طويلةٍ، من الإمبراطوريّة الآشوريّة إلى البيزنطيّة، كما ينتشر على مساحة لغويّة واسعة بما في ذلك جميع اللّغات المستخدمة في الأراضي المجاورة للعربيّة: الأكادية، والآرامية، والعبرية، والسريانية، والإثيوبية، والنبطية، وجنوب الجزيرة العربية (وكلّها لغات سامية)، إضافة إلى اللّغات غير السامية؛ اليونانية، والرومانية، والفارسية[65]. وستختصّ المحاور التالية بدراسة الاقتراض من الأكادية والآرامية، ومن العبرية والسريانية.

1.5 الاقتراض من الأكادية والآرامية
يسبق الاقتراض من الأكادية والآرامية الإسلام، حيث اقتُرضت أسماء الأشياء التي اندمجت في الثقافة الجديدة، والتي لا علاقة لها بالإسلام، فالاقتراضات العربية من الأكادية قليلة ولكن وجودها يبدو منطقيًّا: حيث تشير المصادر إلى أنّ العرب الأوائل كانوا معاصرين للإمبراطورية الآشورية[66]، والأكيد أنّ هناك فجوةً زمنيّةً كبيرة تفصل القرن الثاني الأكادي المصادق عليه ولغة القرآن العربية في القرن السابع، ومع ذلك فإنّ اللّغتين قريبتان للغاية؛ لأنّ اللّغة العربيّة قادرة على الحفاظ على الأشكال اللغويّة القديمة. ففي كثير من الأحيان كان يُعتقد أنّ الاقتراض من الأكادية يتمّ بطريقة غير مباشرة عن طريق الآرامية[67]، غير أنّ في بعض الحالات يبدو الاقتراض من الأكادية مباشرًا؛ ومثال ذلك: (فخار–فرات–سوق–أساور)، وفي هذا الصدد، واعتمادًا على زيمرن (Zimmern) بشكلٍ أساسيّ، يذكر جيفيري الأكادية 84 مرّة.

 لا يشكّك جيفيري في مصدر الكلمات المقترضة؛ حيث يرى أنّها في أغلب الأحيان تأتي من الآرامية، بل أكثر من ذلك فهو لا يخشى القول بأنّه يخاطر قليلًا باختيار المصدر الآرامي لكلمة (نحاس): «من الواضح أنّ الكلمة ليس لها أصل في السامية، ولذا قد يحكم المرء على أنّها استعارة من الطبقة اللغويّة ما قبل السامية؛ فقد تكون الكلمة العربية قد جاءت مباشرة من هذا المصدر، لكن بالنّظر إلى الصعوبات التي واجهها علماء اللّغة بخصوص هذه الكلمة، فيجب أن نحكم عليها أنّها استعارة من الآرامية»[68]. فالملاحظ غياب المنهج العلمي عند آرثر جيفيري في بعض الأحيان، بل يتسرّع في الوصول إلى نتائج بغية إقرار استعارة الكلمات من لغات أخرى أو من الديانة اليهودية أو المسيحية.
يعتمد جيفيري في الغالب على فرانكيل (Fraenkel)، لكن تجدر الإشارة أنّ الثاني يعرف فقط الآراميّة ولا يستشهد بالأكادية في عمله، لذا قد يكون الأصل الآرامي للكلمات المقترضة مبالغًا فيه، ومن ناحية أخرى يُرجع زيمرن الكلمات المستعارة إلى الأكادية، ومرّة أخرى قد يكون هذا التأصيل مبالغًا فيه، وفي هذا يشير ستيفن كوفمان إلى أنّ هذه الأعمال تعود إلى حقبة أخرى، ومع ذلك فلها أهمّيتها باعتبارها مرجعًا في هذا المجال، كما يعتقد بول مانكوفسكي (Paul Mankowski) أيضًا أنّ زيمرن يربط الكثير من الاستعارات الموجودة بالتوراة بالأكادية.

وارتباطًا بما سبق تتساءل الباحثة عن كيفيّة تحديد هذه الاستعارات؟ لأنّ الكلمات إذا كانت متطابقة تمامًا بين لغات تنتمي إلى العائلة نفسها، فمن الممكن أن لا يهتمّ بها أحد، إلّا إذا ظهر عنصر خارج علم اللغويات لكشفه، كما هو الشأن بالنسبة لكلمة (جلاء) التي، ترى كاثرين، أنّها من اللّغة العبريّة، واستطعنا التعرّف عليها بفضل السياق اليهودي المستخدم في الآية. كما يمكن تحديد الاقتراض اللّغوي من خلال تباين صوتي بسيط بإحدى اللغات السامية[69].

2.5 الاقتراض من العبريّة والسريانية
ترى كاثرين أنّ الاقتراضات من العبرية والسريانية تتعلّق باللغويات التقنيّة الخاصّة بالمعجم الديني، غير أنّ جيفيري لا يزال عالقًا في نقاش المصادر اليهودية أو المسيحية للقرآن؛ لأنّه يسعى في كثير من الأحيان إلى التأكيد على الأصل اليهودي أو المسيحي للكلمات المقترضة في القرآن الكريم، وفي هذا يقول: «من الصّعب بالطبع تحديد ما إذا كان الأصل يهوديًّا أم مسيحيًّا»[70]، وإن كان في كثير من الأحيان يدعم الباحث الاختيار المسيحي أو السرياني دون أدلّة داعمة حقيقيّة، وكمثال على ذلك كلمة (أبّا)[71]، والتي ترى فيها كاثرين أنّ الاحتمالات تبدو لصالح مجيئها من السوريانية[72].

يتذرّع جيفيري، في كثير من الأحيان، بحقيقة أنّ الكلمات المقترضة في العربية أكثر شيوعًا في اللّغة السريانيّة، وعليه فأصل تلك الكلمات سرياني، ومثال ذلك كلمة (أجر): «يمكن أن تكون الكلمة آرامية، وانتقلت إلى اللّغة العربية في فترة مبكرة جدًا، وبما أنّ الكلمة تُستخدم على نطاق أوسع بكثير في السريانيّة منها في الآرامية اليهودية، فمن المحتمل أنّنا على صواب في اعتبارها استعارة من السريانية»[73]، وعلى المنوال نفسه، وبما أنّ الآرامية والإثيوبية جاءتا من السريانية؛ فمن المحتمل أن يكون أصل اللّغة العربيّة منها أيضًا وفقًا لجيفيري. فكلمة (سبيل) مثلًا؛ ففي واقع الأمر الكلمة العبرية (šḇīl) والكلمة الآرامية šḇīl لهما معنى الطريق وطريق الحياة، بالضبط كما في السريانية šḇīl، غير أنّ الكلمة السريانيّة كان لها استخدام واسع وتمّ اقتراضها إلى الآرامية šavił، وعلى هذه الطريقة أصل الكثير من الكلمات المقترضة[74].
ومن بين الأمثلة الأخرى كلمة (صدقة)؛ فبالنسبة إلى هيرشفيلد يبدو أنّها جاءت من الأصل العبري ṣədāqā، بمعنى صدقة أو صدقات الذي يعتبر مفهومًا مركزيًّا في اليهودية. وهنا مرّة أخرى؛ يفضّل جيفيري الأصل المسيحي، على الرغم من أنّه يعارض القواعد الصوتيّة؛ «حيث يبدو اشتقاق/ ص/ من/ ز/ مصيريًّا في الكلمة السريانية  zdq التي تعود إلى أصل مسيحي، غير أنّنا نجد في اللّهجة المسيحيّة الفلسطينيّة ṣdq التي تترجم إلى ελεημοσυνη (صدقات) شائعة الاستخدام في أشكال عدّة؛ مما يحيل على إمكانيّة وجود مصدر الكلمة العربية في تلك الصيغ»[75]. وبالرغم من أنّ الأصل العبري يبدو أكثر وضوحًا، فالباحث يجد صعوبة في الإقرار بذلك؛ حيث نجده مرّة أخرى يفضّل الأصل الآرامي كما في حالة كلمة (سبت) Shabbat: «لا شكّ أنّ الكلمة جاءت إلى اللّغة العربية من الآرامية، وربّما من اليهوديّة שבתא بدلًا من السريانية»[76].

 تستند إشارة جيفيري إلى السريانيّة على ألفونس مينجانا Alphonse Mingana (1878–1937) من خلال «التأثير السرياني على أسلوب القرآن» (1927)؛ والذي تمّ الاستشهاد به 77 مرّة. ومن المعروف أنّ مينجانا اشتهر بجمعه للعديد من المخطوطات العربية والسريانية التي تشكّل «مجموعة مينغانا» المحفوظة في جامعة برمنغهام، ومع ذلك لم يجذب مينجانا انتباه أجيال العلماء الذين تبعوه، باستثناء كريستوف لوكسنبرغ[77] (Christoph Luxenberg) الذي توصّل إلى استنتاجه المشهور والمتطرّف، الذي فضّل نشره تحت اسم مستعار، والقائل بأنّ القرآن مبنيٌّ على كتابات سريانية.

تشير كاثرين إلى صعوبة تحديد أصل المفردات الدينيّة في القرآن، وتتساءل كيف يمكن للغوي أن يعتمد على نصوص تترجم التوراة أو تعلّق عليها بلغاتٍ قريبةٍ من بعضها البعض؟ وكيف يمكن أن يعتمد على مجرّد المفاهيم التي تتقاسمها في الغالب الأديان التوحيديّة المختلفة التي تنشأ عن اليهوديّة أوّل ديانة توحيديّة[78]؟
فقبل ظهور الإسلام لم تكن هناك ترجمة عربية للإنجيل، وكان بإمكان المرء أن يقرأ التوراة، والترجوم، والبيشيتا، أو السبعينية باللّغة اليونانية، ولم تعرف مخطوطات التوراة بعد مساهمة الماسوريين الذين قاموا بإصلاح النّطق، والنبر وعلامات الترقيم؛ وهو الشيء الذي يجعل أيّ مقارنة بين المصطلحات العربيّة والعبريّة معقّدة إلى حدّ ما. إضافة إلى أنّ البيشيتا جاءت مباشرة من العبريّة، بينما عناصرها اليهوديّة تلقي بظلال الشّكّ على تأليفها المسيحي؛ وربّما وجدت أصلها في مجتمع يهودي في عمليّة التحوّل إلى المسيحية (التنصير)[79]، الشيء الذي يجعل تحديد الكلمات اليهوديّة والمسيحيّة أكثر تعقيدًا[80].

وبالإضافة إلى كثرة إصدارات التوراة وتعليقاتها، يجب أن تثار مسألة اللّغات أيضًا؛ ففي الشرق الأدنى القديم لم تستعمل اللّغات بسبب العادات العرقية فقط، وإنّما بسبب العوامل السياسيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والدينيّة[81]. فالآرامية كانت لها لهجات متعدّدة مرتبطة بجماعات وانتماءات دينيّة؛ وفي هذا الصدد يُعتبر النّصّ التوراتي مثالًا جيّدًا لهذا الأمر؛ فإذا كانت التوراة مكتوبة باللّغة العبريّة التوراتيّة، والميشنا بالعبرية الميشناكية، فإنّ جميع النّصوص اليهوديّة الأخرى تقدّم الاختلافات المتنوّعة للآرامية، أمّا الترجوم (الترجمات) فقد كتبت بالكامل باللّغة الآرامية، أمّا تلمود القدس فهو باليهوديّة الآرامية الفلسطينيّة، بينما التلمود البابلي بالبابلية الآرامية اليهودية، ويمكن تفسير هذه الاختلافات اللغوية بعامل الوقت من جهة؛ حيث تفصل خمسة عشر قرنًا بين أوّل روايات توراتيّة وأوّل مدراشم، وبعوامل جغرافيّة من جهة أخرى متمثّلة في اختلاف آرامية فلسطين عن آرامية بابل، كما يضاف إلى ذلك البيشيتا في السريانية، والتي تعدّ تنوّعًا آخر من الآرامية. وبالرغم من أنّ الاختلافات اللغويّة بين هذه اللّغات ضئيلة جدًا، إلّا أنّها كافية ليتمّ اعتبارها لغات منفصلة[82].
أمّا الصعوبة الأخيرة فتتجلّى في المفاهيم نفسها، وهذا ما يؤكّده موريس غودفروي ديمومينز (Maurice Gaudefroy Demombynes): «إذا نظرنا إلى الأفكار اليهوديّة والأفكار المسيحيّة من وجهة نظر القرآن نجد من السّهل التمييز بينها من الوهلة الأولى أو بمقارنات جزئيّة وغير دقيقة»[83]، أمّا جوزيف هورفيتز (Joseph Horovitz)  فيؤكّد على استخدام الكلمات نفسها لا استخدام المفاهيم نفسها فقط: «في كثير من الأحيان، يصعب تحديد ما إذا كانت الكلمة الأجنبيّة المتبنّاة يعود أصلها إلى الاستخدام اللّغوي لليهود أو للمسيحيين، نظرًا لتوظيف التعبيرات نفسها لعدد كبير من المفاهيم والأفكار»[84].

فعندما يتعذّر على علم الأصوات تقديم الدلائل اللّازمة، يجب على المرء أن يتحوّل إلى علم الدلالة؛ حيث في كثير من الأحيان تظهر الفروق الدقيقة والمعاني المحدّدة عند تبنيها من جانب أو آخر من الموحدين. فعلى سبيل المثال الفعل العربي تاب من الجذر توب، والذي له معنى «يعود إلى الله، يتوب»، فمن الممكن أن يكون أصله من اللغة اليهودية الآرامية، תוב  twbالذي له معنى «يعود» و «يعود إلى الله». إضافة إلى كلمات شائعة بين جميع الديانات التوحيدية، مثل كلمة (مسيح) باللغة العربية، وmāšīa بالعبرية، وmšyḥ بالآرامية والسريانية، بالرغم من أنّ هذه الكلمة استخدمت في القرآن الكريم للدلالة على ابن مريم ممّا يرجّح كفّة المصدر المسيحي، إلّا أنّ هذا لا يمنع أن تكون الكلمة معروفة من خلال اللّغة العبريّة. غير أنّ أصل  بعض الكلمات يبدو مؤكّدًا، فكلمة Shabbat، والتي تعني باللّغة العربية السبت، وبالعبرية šābaṯ، لا يمكن أن تأتي إلّا من اليهودية، وهي حجّة يمكن أن تكون كافية لإثبات الأصل اليهودي[85].
لا يزال العثور على أصل الكلمات المقترضة معقّدًا للغاية، وإن كانت هذه الكلمات مرتبطة بدين معيّن؛ لأنّ العديد من المصطلحات كانت معروفة بالفعل قبل الوحي؛ وهذه حالة كلمة (خاتم)، والتي ذكرت مرّة واحدة في القرآن الكريم (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(سورة الأحزاب، الآية40)، فالقرآن الكريم كتاب واضح، كما تقول كاثرين[86]، ولا يمكن أن يساء فهمه، لدرجة لا يمكن أن تكون هناك حاجة إلى رسول آخر بعده، فبالنسبة لفرينكل (Fraenkel) صيغة فَاعَل غير قياسيّة في اللّغة العربية، أمّا الفعل خَتَمَ فهو اشتقاق اسمي (denominative)[87]، وعليه يبدو الاسم خاتم مستعار من الآرامية، أمّا بالنسبة لهيرشفيلد (Hirschfeld) فقد يكون للكلمة أصلٌ يهوديٌّ بورودها في فقرة من الكتاب المقدّس[88]، وربّما استوحى القرآن الكريم هذه الصورة من التوراة، لكن الكلمة المستعارة بمعنى (الختم) وجدت قبل ذلك بكثير في قصائد امرئ القيس وفي نقش عربي جنوبي. ووفقًا لماكسيميليان إلينبوجن (Maximilian Ellenbogen) فكلمة ḥōtām العبرية مستعارة من المصريّة ḫtm[89]، وهو الجذر الذي لا يوجد لا في الأكادية ولا في الأوغاريتية. ويشير الحرف الأوّل/ خ/ في الكلمة العربية إلى أنّ لها مصدر الكلمة نفسه في اللغة العبرية، وعليه من المحتمل أن يكون أصل (خَاتَم) العربية من المصريّة كما يصرّح بذلك فرانسوا برون [90]Farnçois Bron .

وعطفًا على ما سبق تؤكّد كاثرين أنّ التناقضات هي التي تكشف لنا عن أصل الكلمات المقترضة؛ وهذا هو الحال بالنسبة لكلمة (أسباط) في صيغة الجمع التي تعني قبائل، ومفردها (سبط)، حيث تظهر الكلمة في إشارة إلى القبائل الاثني عشر، وفي هذا يعتقد جيفيري أنّ الكلمة العربيّة مستعارة، لكنّه لا يستطيع تحديد الأصل أمسيحي أم يهودي[91]؟ بحسب جيجر (Geiger) فالكلمة استعارة مباشرة من العبريّة، أمّا بالنسبة لفرنكيل ومينكانا فأصل كلمة šēḇeṭ سرياني. وتعني الكلمة، حسب كاثرين[92]، في معناها الأًصلي (العصا، الصولجان)، كما يوضّح ذلك معناها في الأكادية؛ فكلمة šabaṭu تعني (ضرب، قتل)، وكلمة šibṭu تعني (العصا (الخاصة بالتأديب)، أو الصولجان)[93]. وبعد هذا يمكن للكلمة أن تكون حصلت فيما بعد على معنى (صولجان) -كرمز للسلطة- وحدّدت المجموعة التي تخضع للشخص الذي يحمل الصولجان[94]، وهذا من شأنه أن يفسّر المعنى المزدوج للكلمة العبريّة التوراتيّة (الصولجان) و (القبيلة)، وهو الأمر الذي ينطبق أيضًا على معنى الكلمة في اليهودية الآرامية[95]، بينما في القواميس لا تحمل كلمة (سبط) العربيّة معنى الصولجان أو العصا[96]، ولكنّها تحمل فقط المعنى المحدّد للقبيلة (المتعلّقة ببني إسرائيل)؛ فهذه الاعتبارات الدلاليّة وحقيقة أنّ الكلمة ترد في القرآن الكريم لوصف قبائل بني إسرائيل فقط، تدعم فرضيّة أنّ هذه الكلمة العربيّة تأتي مباشرة من العبرية، خاصّة إذا لم يتم العثور على أيّ أثر من هذه الكلمة في النّقوش العربيّة الشماليّة، أو العربيّة الجنوبيّة، أو النقوش النبطية، ولا في القصائد الشعريّة، ووفقًا للسيوطي فالكلمة مستعارة من العبرية[97].

كذلك الحال بالنسبة لكلمة (أسفار) ومفردها (سِفر)، بمعنى (كتب/ كتاب)، والتي وردت في القرآن الكريم في الآية: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (سورة الجمعة، الآية5)، حيث يشبّه القرآن اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة بالحمار الذي يحمل أسفارًا فيها علم، وهو لا يعقلها ولا ينتفع بها. وبخصوص الكلمة يعتقد السيوطي أنّها مستعارة من السريانية أو النبطية[98]، بينما يرى جيفيري أنّ العرب استخدمت كلمة أسفار لتسمية الكتاب المقدّس اليهودي والمسيحي، وأسفار جاءت من sip̄rā (بمعنى كتاب) باللغة الآرامية أو السريانية[99]، أما في النص الإنجيلي تعني كلمة sēp̄er عادة «خطاب أو وثيقة أو جزء من كتاب أو مخطوطة» والتي ربّما تم استعارتها من šipru الأكادية بمعنى «رسالة»[100]، وعلى الأرجح، تبعًا لكاثرين، فالجذر SFR كلمة سامية قادمة من الأكادية، والتي من خلالها عرفها العرب. أمّا في التلمود –في اليهودية الآرامية– فكلمة sēp̄er تحدّد كتاب القانون بالخصوص كما يصفها بذلك جاسترو[101] Jastrow.
تشير كلمة sēp̄er في التعبير sēp̄er tōrā على «مخطوطات التوراة» أو «البنتاتوك»، وبهذا الخصوص تتساءل كاثرين: لماذا استعمل القرآن الكريم أسفار بدل كُتب؟ ثم تضيف: الجذر «كتب» شائع الاستعمال ويحيل عادة على الكتابات المقدّسة اليهودية والمسيحية والإسلامية، لذلك يبدو أنّ كلمة أسفار، التي وردت في القرآن الكريم في سياق يهودي، قد تم اختيارها لإعادة إنتاج sēp̄er اليهوديّة، وعليه من الممكن أن تكون الكلمة مستعارة من المشنا عندما كان للنبي صلى الله عليه وسلم صلة مباشرة باليهود، كما أنّ يهود المدينة أطلقوا على كتبهم  sēp̄er في المفرد وsp̄ārīm في صيغة الجمع، كما أنّ ورود كلمة أسفار في سورة مدنيّة (سورة الجمعة، الآية5) تدعم وجهة نظر الباحثة.

ومع ذلك فليس كلّ كلمة مستعارة يسهل دراستها وتحليلها بسهولة، حيث اعْتُبرت بعض الكلمات مقترضة من السريانية بالرغم من خصائصها اليهودية، ومثال ذلك: كلمة «ربي» التي وردت بالعربية (ربانيين)؛ حيث نجدها rabbān في العبرية، وραββουνει (rabbunei) باليونانية، وrībbōn باللغة الآرامية في الترجوم، وrbwny في السريانية. بينما في المجتمعات المسيحية؛ فالكلمة شائعة الاستخدام لإظهار الاحترام لكاهن أو راهب[102]، وفي هذا تؤكّد مرّة أخرى كاثرين على أنّ الدراسات والأبحاث الإضافية التي أجريت في علوم اللغة السريانية قد تؤدّي إلى حلّ اللّغز المرتبط بالكلمات المستعارة[103].

خاتمة
كان الاقتراض المعجمي في القرآن الكريم في صلب الدّراسات التي أجراها علماء اللّغة المسلمون، الذين دافعوا عن الطابع العربي للقرآن، والمستشرقون الذين بحثوا في أصل الإسلام، ويبقى عمل جيفيري مصدرًا مهمًّا حول هذا الموضوع، وإن نشرت بعض الدّراسات الاستشراقيّة القليلة في هذا المجال خلال القرن الماضي، فهو يعتبر حتى الآن نقطة انطلاق أساسيّة لمن يرغب في تتبّع الاستعارة المعجميّة في القرآن الكريم، وإن كانت كاثرين تؤكّد على أنّ الأمر ليس بالسهل لتحديد الكلمات المقترضة والبحث في أصولها، ولهذا تدعو الباحثة، من خلال عملها، إلى ضرورة استكمال قائمة جيفيري وتنقيحها بالكامل، فالباحث وأسلافه يعتقدون أنّ بعض المصطلحات كلمات مستعارة بينما في الواقع هي كلمات عربيّة تطوّرت مع مرور الوقت، بينما البعض الآخر كلمات سامية شائعة، لذلك ما زالت الحاجة إلى فحص قائمة الكلمات المستعارة، خاصّة مع إمكانيّة الحصول على كلمات مستعارة جديدة يتعيّن اكتشافها.

فالمواد المتاحة لدراسة الكلمات المقترضة في القرآن الكريم قديمة؛ ويتوجّب على الباحث الذي يستخدمها أن يدرك هذه الحقيقة: فإحالة فراينكل الكلمات المقترضة إلى الآرامية، وإلى الأكادية من طرف زيمرن فيها إفراط وزيادة، أمّا الإحالة على التوراة أو الإنجيل في القرآن الكريم فليست بالضرورة مصدرًا للاقتباس أو الاقتراض.

ويبقى تحديث قائمة بيانات جيفيري أمرًا ضروريًّا بالاعتماد على المنهج المقارن والدراسات اللّغويّة الحديثة. كما تعتبر الاكتشافات اللّغويّة الحديثة في دراسة اللّغة الأوغاريتيّة والنّقوش الشماليّة العربيّة والجنوبيّة العربيّة، على وجه الخصوص، ذات أهميّة حاسمة؛ لأنّها تسهم في إثبات سِن مصطلحات محدّدة في اللّغة العربيّة. فكما توضّح الأمثلة القليلة الواردة في هذا المقال، فإنّ هذه الاكتشافات تطوّر البحث بشكل كبير في هذا المجال، في حين تبقى مسألة الأصل اليهودي أو المسيحي للقرآن، والتي لا تزال في قلب النّقاش الدائر بين العلماء والطلّاب المستشرقين اليوم، بحاجة إلى مراجعة.

والمعروف عن آرثر جيفيري أنّه كان كثير الطّعن في كتاب الله سبحانه وتعالى، وذلك واضح في  تحقيقه لكتاب «المصاحف» لابن أبي داود السجستاني الذي اعتمد فيه على جمع الروايات التي يسعى من خلالها التشكيك في النّصّ القرآني معتمدًا في ذلك أسلوبي التمويه والإطالة في موضوعاته. فغالبيّة آرائه عن الدين مبنيّة على وجهة نظره الذاتية وخلفيّته الإيديولوجيّة، ناهيك عن افتقاره إلى المقاربة العلميّة، وقد تبيّن ذلك من خلال تسرّعه في اتّخاذ الأحكام أو غياب الأدلّة والبراهين التي يبني عليها هذه الأحكام. وعليه فالدّعوة متجدّدة لضرورة التّعامل مع قائمة جيفيري للكلمات المستعارة بحذر شديد بالرغم من اعتبار عمله مصدرًا مهمًّا للباحثين في الاستعارة المعجميّة في القرآن الكريم.

فقد طرحت كاثرين نقاطًا أساسيّةً يجب البحث فيها والاشتغال عليها؛ ومنها الألفاظ المشتركة بين اللّغات السامية والشائعة فيها، إضافة إلى الكلمات العربيّة القديمة المهجورة في اللّغة العربيّة، أو التي عُثر عليها في اللّغة الأوغاريتية، والملاحظ أنّ جيفيري سعى لإثبات الأصل المسيحي لقائمته المعجميّة، بينما رغبت كاثرين في إبطال هذا الأمر والتأكيد على الأصل اليهودي أو اللّغة العبريّة للكلمات المستعارة في القرآن الكريم، وهذا ما يدعونا للبحث في عربيّتنا على جميع المستويات الفصيحة واللهجيّة. فالقرآن الكريم خاتم الكتب لخاتم الأنبياء والمرسلين؛ فلا غرابة أن يجمع هذه الصيغ والأشكال المختلفة تركيبيًّا ودلاليًّا وأصلًا، لتُعبّر لنا عن ارتباط القرآن الكريم بالسابق والقادم من الأمم، وقدرة الذكر الحكيم على مسايرة جميع العصور.

------------------------------
[1] جامعة ابن طفيل، المغرب.
[2]لا غرابة أنّ العديد من المستشرقين وجّهوا كلّ طاقاتهم لإثارة الشّبهات حول القرآن الكريم، باعتباره المصدر الأوّل والأساسي في شرائع الإسلام وفي رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لذا يستوجب علينا الوقوف موقف المدافع عن كتاب الله عز وجل، وتتبع أعمال المستشرقين والملحدين والمغرضين، والرّدّ على ادّعاءاتهم المتعلّقة بالتغيير والتبديل، أو الزيادة والنقصان، أو التشكيك في مصدر القرآن الإلهي، أو ما تعلق بطريقة جمعه وتدوينه، فتراهم منكبين على الدوام للبحث عن أي شبهة للخطأ فيه، أو التناقض بين آياته، فيقحمون الروايات المشككة في النص القرآني، معتمدين في ذلك أسلوبي التمويه والإطالة الممزوجة بدوافع إيديولوجية مخفية تحت رداء البحث العلمي. فواجبنا تجاه كتاب الله تعالى تتبع تلك الأعمال ووزنها بميزان العلم والعقل، وتثمين ما يوافق فيها المقصدية الإسلامية، والرد على الشبهات والنقائص، ولن نصل إلى كل هذا إلا أذا تضافرت جهودنا جميعا بحثا وترجمة وتحقيقا ونشرا، وهذا سعينا من خلال هذه الدراسة.
[3] للمزيد ينظر: ثمامة فيصل بن أبي المكارم، هل في القرآن الكريم كلمات أعجمية؟ دراسة تحليلية لآراء العلماء العرب والمستشرقين، نسخة إلكترونية. للاطلاع: www.alukah.net/library/0/81053 تاريخ الزيارة: 3 مارس 2020.
[4] أبو المنصور موهوب بن أحمد بن محمد الجواليقي: المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، ط 1، دمشق، دار القلم، 1990، ص102.
[5] أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي: فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، تحقيق حسن ضياء الدين، ط1، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1987، ص 341.
[6] أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي: فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، م.س، ص341.
[7] انظر: عبد الرحمان جلال الدين السيوطي: المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، تحقيق: التهامي الراجي الهاشمي، لا ط، المحمدية، اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي، مطبعة فضالة، ص 61.
[8] انظر: ثمامة فيصل، هل في القرآن الكريم كلمات أعجمية؟ دراسة تحليلية لآراء العلماء العرب والمستشرقين،م.س.
[9]جلال الدين عبد الرحمان السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج1، ص 938.
[10] انظر: السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، م.س، ص 938؛ المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، م.س، ص 63.
[11] انظر: ثمامة فيصل، هل في القرآن الكريم كلمات أعجمية؟ دراسة تحليلية لآراء العلماء العرب والمستشرقين، م.س.
[12]Catherine Pennacchio, «Lexical Borrowing in the qur’an, the problematic Aspects of Arthur Jeffery’s list», bulletin du centre de recherche français à Jérusalem. (En ligne), Consulté le 20 février 2020.
[13] يمكننا تلخيص ملاحظات بيناتشيو بأنّها أثبتت في أكثر من مثال أنّ الكلمة التي اختارها جيفري إمّا أنّها أصلاً عربيّة وليست مستعارة، أو هي من عائلة اللّغات السامية، والمناقشة جديرة بالاهتمام لما نعرفه من غايات المستشرقين. فالمستشرق الذي يحمل همّ إثبات استعارة القرآن من العهد القديم، يهمّه أن ينفي استناد القرآن إلى غيره ليس دفاعًا عن أصالة القرآن، بل تأكيدًا لهيمنة العبريّة، وهذا هو اهتمام بيناتشيو التي تدافع حقيقة عن «عبرية» القرآن بحسبها لا عن عربيّته. لذلك فإنّ من المفيد أن نسلّط الضّوء على محاولات المستشرقين في البحث عن غريب القرآن، وهذا سبب نشرنا للبحث، ولكن مع جملة ضروريّة من الملاحظات.
أوّلًا:  نبدأ بهذه الرواية المهمّة: روى عبد الله بن عمر قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، ثمّ قال: ادعوا لي رجلًا من بني مدلج، قال عمر: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق. وكم لهذه القصص من نظائر في التاريخ، وهذا هو نافع بن الأزرق، لمّا رأى عبد الله بن عباس جالسًا بفناء الكعبة، وقد اكتنفه النّاس ويسألونه عن تفسير القرآن، فقال لنجدة بن عويمر الحروري: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسّرها لنا وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإنّ اللّه تعالى أنزل القرآن بلسانٍ عربيّ مبين، فقال ابن عباس: سلاني عمّا بدا لكم، فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ [المعارج: 37] قال: العزون: الحلَق الرقاق، فقال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:

فجاءُوا يُهْرَعُونَ إليه حتى                  يكونُوا حولَ منبِرْهَ عِزينا 
ثم سألاه عن أشياء كثيرةٍ عن لغات القرآن الغريبة، ففسّرها مستشهدًا بالشّعر الجاهلي. ربّما تبلغ الأسئلة والأجوبة إلى مئتين، ولو صحّت تلك الرواية لدلّت قبل كلّ شيء على نبوغ ابن عباس في الأدب العربي، وإلمامه بشعر العرب الجاهلي حيث استشهد على كلّ لغة فسّرها بشعر منهم، وقد جاءت الأسئلة والأجوبة في الاتّقان. 
من الواضح أنّ المنهجيّة المتّبعة في التّعامل مع المفردات الغريبة، كانت من صدر الإسلام، هي البحث عن الكلمة في لهجات القبائل العربيّة، والشعر الجاهلي، حيث لا يمكن الحكم على كلمة بأنّها أجنبيّة قبل استكشاف لهجات العرب من قريش وغيرها. وهذا أمر عسير حتى على علماء العرب، ولكنّهم تمكّنوا منه وألّفوا فيه.
ثانيًا: يشير محقّق كتاب غريب القرآن السيد كاظم الطريحي إلى ما كانت تعنيه كلمة لغة قريش التي نزل بها القرآن فيقول: اختصّ القرآن بلغة قريش، وقريش يومئذ من أضخم القبائل العربية وأعظمها، وأكثرها زعامة وتجارة وحضارة، فلذا تضمّنت لغتهم بعض الألفاظ العربيّة الأخرى، وغير العربيّة انصهرت كلّها في مجموع ما أنزل من كلمات القرآن ومعانيه، ولهذا الاندماج روعته في البلاغة القرآنية أدرك أثره المعاصرون لزمن الرسول. وهذا النص يعني أنّ تجارة قريش و «رحلة الشتاء والصيف» التي تحدّث عنها القرآن الكريم كانت تدخل إلى مفردات قريش «بضاعة» جديدة أصبحت فيما بعد من الحقل المعجمي والدلالي «لعربية» القبيلة.
ثالثًا: بناء على ما تقدّم فإنّ أيّ مستشرق عرف العربيّة من المعاجم، ليس مؤهّلًا من حيث المبدأ للبحث في غريب القرآن، وإنّما دخل هذا الميدان للتشكيك بأصالة النص القرآني. ومن ناحية الغايات ليست الدراسة الناقدة بأحسن من الكتاب المنقود، ولا غنى لنا عن إعادة نشر ما كتبه العلماء المسلمون في هذا المضمار ودراسته؛ لتفنيد الردود على جيفري وبيناتشيو من نتاج  أهل اللّغة وعلمائها الذين لم يقصّروا في هذا المجال الحسّاس. المحرِّر
[14]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 3.
[15]Catherine Pennacchio, Op. cit.
[16]Arthur jeffery, the foreign vocabulary of the qur’an, leiden – Boston, 2007, p. vii.
[17] تبعًا لكاثرين الاقتراض هو عملية يتم من خلالها أخذ كلمة أو وحدة لغوية من لغة مانحة لاستخدامها في لغة متلقية، ويسمى اقتراض كلمة واحدة بالاقتراض المعجمي، كما لا يمكن تحويل الكلمة المستعارة دون إجراء بعض التغييرات؛ حيث تتكيف الكلمة صوتيا مع لغة المستلم. ففي المستوى الدلالي يختار المقترض الدلالات والاستخدامات التي يعرفها حول الكلمة المقترضة. فالاقتراض ظاهرة لغوية وتاريخية؛ لغوية لأنها عملية يتم فيها استعارة الكلمات والألفاظ، وتاريخية لأنها ناتجة عن الاتصال بين مجتمعين. وتضيف كاثرين أن الاقتراض تسمية خاطئة: فعندما تستحوذ اللغة على كلمة ما لا تكون لديها أدنى نية لإعادتها، بل على العكس من ذلك تأخذها لتقليدها واستخدامها ودمجها، وبالرغم من هذا الدمج، وإن كان جيدا، فهي تحتفظ بسمات غريبة يُسهل التعرف عليها. للمزيد ينظر:
 Catherine Pennacchio “Étude du vocabulaire commun entre le Coran et les Écrits juifs avant l’islam,” Diss. INALCO, Paris, 2011. Print. See “Définitions des emprunts” p. 73-76.
[18]Arthur jeffery, op. cit, p. 39.
[19] تشرح كاثرين كلمة «درس» بمعنى: دراسة الكتاب المقدس، وتضيف أنها مستعارة من اليهودية؛ حيث تعني d'raš: الوصول إلى المعنى الحقيقي للكتاب المقدس من خلال البحث الدقيق والمتحفظ. للمزيد ينظر: Catherine Pennacchio, op. cit, p.4.
[20]Catherine Pennacchio, op. cit, p.4.
[21] تثير كملة «فوم»، حسب كاثرين، مشكلة دلالية؛ حيث يلتبس المعنى بين «الثوم» و«القمح»، حيث أن استخدامها في القرآن الكريم بمعنى «ثوم» مرده اقتراضها من النص التوراتي (11.5)، بينما يري السيوطي أنها تعني «قمح - الحنطة»، وهي مرتبطة بجذر «فَوَمَ» بمعنى خَبَزَ أو صنع خبزا. ويعتبرها السيوطي كلمة عبرية إلا أن كاثرين تشير إلى عدم العثور على أي أثر لها سواء في العبرية أو في المعاجم الآرامية. للمزيد ينظر: Catherine Pennachio (2011), op. cit, p.4.
[22]Catherine Pennachio (2011), op. cit, p.4.
[23] Michael Carter, “Foreign Vocabulary,” in Andrew Rippin (ed.), The Blackwell Companion to the Qur’ān, Oxford, Blackwell Publishing, 2006, p. 120-139.
[24] Martin Zammit, A Comparative Lexical Study of Qurʾānic Arabic (Handbook of Oriental Studies, Section one: The Near and Middle East, 61), Leiden, Brill, 2002, «Loanwords in the Qurʾān», p. 51-61.
[25] تشير كاثرين إلى اعتماد ابن خلدون وتفسير ابن عطية «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» كتابة جلاء وجلوة على حد سواء. للمزيد ينظر: Catherine Pennacchio, op.cit, p.5.
[26]Blachère Régis, and Gaudefroy-Demombynes M., Grammaire de l’arabe classique: morphologie et syntaxe, 3ème édition, Paris, Maisonneuve et Larose, 1975, p. 27.
[27]Catherine Pennacchio, op.cit, p.5.
[28] Cohen David,“Le vocabulaire de base sémitique et le classement des dialectes du sud,” Études de
Linguistique sémitique et arabe, Paris, Mouton, 1970, p. 12.
[29] Catherine Pennacchio, op.cit, p.5.
[30] Arthur jeffery, op. cit, p. 247.
[31] Fisher. A, Encyclopedia of Islam, Leiden, Brill, 1st edition, 1913-1942, vol. 2, p. 665.
[32] Fahd Toufic, La divination arabe, Paris, Sindbad, 1987, p. 92-97.
[33] Catherine Pennachio (2011), op. cit, p.5
[34] op. cit.
[35] Arthur jeffery, op. cit, p. 107.
[36] هي الكلمة المشتقة من اسم، كاشتقاق فعل من اسم، ومثال ذلك فعل: «استأسد» من أسد. انظر: مبارك، مبارك: معجم المصطلحات الألسنية، لبنان، ص 75.
[37] Heinrich Zimmern, Akkadische Fremdwörter als Beweis für babylonischen Kultureinfluss, Leipzig, Hinrichs, 1917, p. 15.
[38] Paul Mankowski,“Akkadian Loanwords in Biblical Hebrew”, Harvard Semitic Studies, vol. 47, Winona Lake, Eisenbrauns, 2000, p. 55-56.
[39] Catherine Pennachio (2011), op. cit, p.6.
[40]Op. cit.
[41]Arthur Jeffery , op. cit, p. 145.
[42] Henri Lammens, Le Berceau de l’Islam, l’Arabie occidentale à la veille de l’hégire, Rome, Pontificii Instituti Biblici, 1914, p. 88.
[43] شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي: معجم البلدان، لا ط، بيروت، دار صادر بيروت، 1993، ج3، ص83.
[44] م.ن.
[45]  للمزيد انظر: م.ن، ص84 – 96.
[46]Catherine Pennachio, op. cit, p.7.
[47]Arthur Jeffery, op. cit, p. 242 ; Zimmern H., op. cit, p. 60.
[48] JeanClaude Haelewyck, Grammaire comparée des langues sémitiques: Éléments de phonétique, de morphologie et de syntaxe, Bruxelles, Safran, 2006, p. 53.
[49]Catherine Pennachio, op. cit, p.8.
[50]Israel Eph’al, The City Besieged: Siege and its Manifestations in the Ancient Near East, Leiden, Brill,2009, p. 69-74
[51]Arthur Jeffery , op. cit., p. 177.
[52]Catherine Pennachio, op. cit, p.7.
[53]Op. cit.
[54]Alexander Militarec. et Leonid Kogan, Semitic Etymological Dictionary, Münster, Ugarit-Verlag, vol. 2: Animal Names, 2005, p. 52.
[55]Blau Joshua., “Arabic Lexicographical Miscellanies,” Journal of Semitic Studies, vol. 17, Issue 2, 1972, p. 182.
[56]Catherine Pennacchio, op. cit, p 7.
[57]Arthur Jeffery , op. cit., p. 126; Fraenkel S., op. cit., p. 110.
[58]Catherine Pennacchio, op. cit, p 7.
[59]Mankowski Paul, Akkadian Loanwords in Biblical Hebrew, Harvard Semitric Studies 47, Eisenbrauns Winona Lake, Indiana, 2000, p. 56
[60]Militarev Alexander, Kogan Leonid, op. cit, p. 150.
[61]Bar-Asher Moshe, “The Tradition of Mishnaic Hebrew in the Communities of Italy” [according to Ms. Paris 328-329], Edah veLashon, 6, Jerusalem, Magnes Press, 1980.
[62]Catherine Pennacchio, op. cit, p 7- 8.
[63]Robin Christian, «À propos de la prière : emprunts lexicaux à l’hébreu et à l’araméen relevés dans les inscriptions préislamiques de l’Arabie méridionale et dans le Coran», dans Prières méditerranéennes hier et aujourd’hui, Études réunies par Gilles Dorival et Didier Pralon, Actes du colloque organisé par le Centre Paul-Albert Février (Université de Provence - CNRS) à Aix-en-Provence les 2 et 3 avril 1998 (Textes et documents de la Méditerranée antique et médiévale, n°1), Publications de l’Université de Provence, 2000, p. 45-69.
[64]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 8.
[65]Op. cit.
[66]Israel Eph’al, The Ancient Arabs: Nomads on the Borders of the Fertile Crescent, 9th-5th Centuries, 1982.
[67]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 8.
[68]Arthur Jeffery, op. cit, p. 278.
[69]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 8.
[70]Arthur Jeffery , op. cit, p. 152.
[71] Op. cit, p. 43.
[72]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 8.
[73]Arthur Jeffery , op. cit, p. 49.
[74]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 9.
[75]Arthur Jeffery , op. cit, p. 194.
[76]Op. cit, p. 161.
[77] Luxenberg Christoph, Die Syro-Aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache [The Syro-Aramaic Reading of the Koran - A Contribution to the Decoding of the Koran], Berlin, Verlag Hans Schiler, 2000
[78]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 10.
[79]Joosten Jan, «La Peshitta de l’Ancien Testament dans la recherche récente», dans Revue d’histoire et de philosophie religieuses, Strasbourg, 76, 4, 1996, p. 385-395, p. 392 ; voir Michael P. Weitzman, From Judaism to Christianity : the Syriac Version of the Hebrew Bible in the Jews Among Pagans and Christians in the Roman Empire, pp. 147-173.
[80]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 10.
[81]Briquel-Chatonnet F. (éd.), Le bilinguisme dans le Proche-Orient ancien, Actes de la Table-ronde du 18 novembre 1995 organisée par l’URA 1062, «Études Sémitiques», Paris, Jean Maisonneuve, 1996.
[82]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 10.
[83]Gaudefroy-Demombynes M., «Charles Cutler Torrey: The Jewish Foundation of Islam», p. 91.
[84]Joseph Horovitz, «Jewish Proper Names and Derivatives in the Koran», p. 186.
[85]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 10.
[86]Op. cit.
[87]Fraenkel S., op. cit, p. 252.
[88]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 10.
[89]Maximilian Ellenbogen, Foreign Words in the Old Testament, their Origin and Etymology, Londres, Luzac,
1962, p. 74.
[90]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 11.
[91]Arthur Jeffery, op. cit, p. 58.
[92]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 11.
[93]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 11.
[94]Köhler L. and Baumgartner W., The Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament, Leiden, Brill, 2000 (abbreviated HALOT), p. 1388.
[95]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 11.
[96]Belot J-B., vocabulaire Arabe-Français a l’usage des étudiants” الفوائد الدرية في اللغتين العربية والفرنسية” , Beyrouth, Imprimerie catholique, 1899, p. 307.
[97] عبد الرحمان جلال الدين السيوطي، المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، م.س، ص 110.
[98]  م.ن، ص 110.
[99]Arthur Jeffery, op. cit., p. 170-171.
[100]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 11.
[101]Jastrow M., op. cit., p. 1017-1018.
[102] Arthur Jeffery, op. cit, p. 136-137.
[103]Catherine Pennacchio, op. cit, p. 11.