البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التأريخ للعلوم العربيّة بين المنظورين العربي والاستشراقي

الباحث :  ياسين زواكي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  25
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 11 / 2021
عدد زيارات البحث :  57
تحميل  ( 405.337 KB )
ساهم تأسيس مبحث تاريخ العلوم في كشف الغطاء عن جزء مهمّ من تاريخ الإسهامات العلميّة لمختلف شعوب العالم، ونخصّ بالذكر هنا المساهمة العلميّة للشعوب العربيّة الإسلاميّة خلال المرحلة الوسيطيّة من تاريخ الإسلام، التي انبرى إليها مؤرّخو العلوم سواء المستشرقين أو أهل الدار بالدراسة والتحقيق. لكن رغم أهميّة مساهماتهم العلميّة في الكشف عن مجموعة من الحقائق العلميّة المطمورة؛ إلا أنّ بعضهم سقطوا في امتحان الذاتيّة، إذ سجنت رؤيتهم للمرحلة المؤرَّخ لها نظرتين الأولى تبخيسيّة من قبل بعض المستشرقين، والثانية تقديسيّة تمجيديّة من أهل الدار.

الكلمات المفاتيح.
تاريخ العلوم - الاستشراق - الحنينيّة - الذاتيّة - التقليد العلمي العربي - المنهج العلمي.
ظهر مبحث تاريخ العلوم مع بداية القرن السابع عشر في خضم التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة التي عرفها المجتمع الأوروبي، خصوصًا على مستوى الثورات العلميّة التي تحقّقت مع  نخبة من العلماء أمثال: كوبرنيك، وجاليلي، وديكارت، وكبلر وغيرهم. لكنَّ العصر الذهبي لهذا المبحث سيبدأ مطلع القرن العشرين مع نخبة من العلماء من قبيل:جورج سارتون، وألكسندر كويري...، فحظيت المرحلة الوسيطيّة من حضارة العرب بقسط وافر من الدراسات الاستشراقيّة والعربيّة، رغم ما علق بهذه الدراسات من شوائب الذاتيّة والماضويّة، فبرز إلى السطح تيّاران أساسيّان، سمّي الأول بالاستشراق والثاني بالاستشراق المقلوب.

 لذلك سنسعى من خلال هذا المقال إلى تحديد الأهداف العامّة وراء الاهتمام بدراسة تاريخ التقليد العلمي العربي[2] في العصر الوسيط، فالباحث في تاريخ العلوم عموماً، وفي تاريخ العلوم العربيّة على وجه الخصوص، يواجه جملة من التساؤلات أهمّها:

ما مبرّرات الاهتمام بإرث علمي يرتبط بعصر قد ولّى؟ هل هذا الاهتمام ضروري للإفادة منه على مستوى الأبحاث في العلوم المعاصرة، أم أنَّه مجرّد حنين لماضٍ كان موجوداً ولم يعد؟ هل يمكن لهذه الأبحاث أن تفيد في فهم العلاقات والتمفصلات القائمة بين العلوم والبيئة السوسيو-ثقافيّة في العصر الوسيط؟ وما هي أهمّ التوجّهات التي سيطرت على مؤرّخي العلوم العربيّة؟.
يقدّم لنا البحث في التراث العلمي العربي خلال العصر الوسيط، على ضوء التقدّم العلمي الذي عرفه العلم في المرحلة الحاليّة، فكرة مركزيّة تؤكّد الطابع التراكمي للعلوم عبر مختلف العصور والمراحل التاريخيّة، وهو تراكم يقتضي التأكيد على أهميّة الأبحاث التأريخيّة للعلوم، والتي تشير في الوقت ذاته إلى الطابع النسبي للمعارف العلميّة كبناءات مستمرّة في الزمان. فالتأريخ للعلم ليس معناه الوقوف عند سرد إنجازات القدماء، والإشادة بإسهامات الروّاد العلميّة، بل هو عمل إبستمولوجي يساعدنا على فهم الأطر والآليّات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تسمح للإنتاج العلمي بالازدهار في زمان ومكان معيّنين[3].

تغدو عمليّة التأريخ للعلم، بناءً على ذلك، آليّة من آليّات نشر الثقافة العلميّة في المجتمع، ومن ثمّ الإيمان بكونيّة العلم كبناء حضاري مشترك، فتاريخ العلوم يؤكّد لنا أنَّ المعارف بشتّى ألوانها ودروبها ليست في محصلتها سوى مسارات لتبادل الأفكار وتلاقحها عبر العصور التاريخيّة، إنَّها ببساطة عمليّة أخذ وعطاء، تسليم وتسلّم بين الأمم، مع إدخال بعض التعديلات والإصلاحات التي تقتضيها عمليّة الاحتفاظ والتجاوز من أجل تطوير العلوم وتقنيّاتها لتغدو أكثر إتقانًا[4]، كما يمكّننا حقل تاريخ العلوم من تتبّع مسار انتقال الأفكار العلميّة التي تعكس بدورها تطوّر الذهنيّات.

يفترض البحث العلمي على هذا المستوى معرفة المؤرّخ بالقيم الثقافيّة المهيمنة في الفكر العلمي للمرحلة المؤرّخ لها، بمعنى ربط العلم بشروطه التاريخيّة والمجتمعيّة التي سمحت ببروز المساهمات العلميّة[5]. بيد أنَّ الدراسات التي تعالج الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة لتطوّر العلوم ما تزال قليلة جدًّا، ويفسّر ذلك بحداثة مبحث سوسيولوجيا العلوم من جهة، وشبه انعدام الدراسات العربيّة في موضوع سوسيولوجيا العلوم من جهة أخرى[6].
هكذا يكتسي اليوم مبحث تاريخ العلوم العام أهميّة كبيرة على مستوى مؤسّسات البحث عالمياً، إذ نجد غالبيّة الجامعات الغربيّة تتوفّر على مراكز ومعاهد بحثيّة خاصّة بتاريخ العلوم، خلافًا لجامعات العالم العربي التي يغيب أو يُغيّب عنها هذا التخصّص وإن حضر، فإنَّ حضوره يكون محتشمًا؛ لارتباطه بمبادرات خاصّة لأشخاص ذاتيين أو مؤسّسات غير ربحيّة[7].

يجد الباحث في تاريخ العلوم العربيّة نفسه أمام اتجاهين بارزين أرّخا للعلوم العربيّة، واجَها معًا جملة من الانتقادات؛ لتأثرهما بنزعة التمركز حول الذات، وابتعادهما عن شروط البحث العلمي الموضوعي إلا فيما ندر. يمكن تصنيفهما إلى توجّهين بارزين: الأول تزعّمه العرب (الأنا العربي). أمّا الثاني فقد تزعّمته المدرسة الاستشراقيّة (الغير الغربي). فما مقوّمات هذين التوجّهين؟!.

التوجّه الأول:
قد يكون من البدهي الزعم بأنَّ تقديم فهم أعمق لأي تراث يمرّ بالضرورة عبر عقول أبنائه بحكم معايشتهم له، وبحكم مسؤوليّة التغيير التي يستتبعها أي فهم جديد له[8]، لكن هذا لا يمنع أهل الدار بحكم حماستهم الزائدة من السقوط في التقديس والحنينيّة.
يذهب أصحاب هذا التوجّه إلى اختزال الفكر والحضارة الإنسانيّة عمومًا لصالح مركزيّة عربيّة إسلاميّة، تنسُب إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة كل ما هو جوهري وتقدمي في التراث الإنساني[9]، فيفضي ذلك إلى روح تقريظيّة وتمجيديّة للماضي، تصل أحيانًا إلى درجة إسقاط المنجزات العلميّة المعاصرة على سياقات البحوث والمنجزات العلميّة الكلاسيكيّة[10]، إذ بالغوا في تقدير الإسهامات العربيّة في مجال العلوم إلى حدّ الزعم بحدوث ثورة علميّة عربيّة تجاوزت إسهامات الأوائل[11]. وحسب هذا المنظور فإنَّ التراث العلمي الإسلامي يتحوّل إلى كتلة كبيرة من الأعمال العائدة إلى الأزمنة العربيّة الماضية التي كان للإسلام فيها إسهامٌ كبير. من هنا يتحوّل التراث العلمي للحضارة الإسلاميّة إلى مخزون معنوي يُستثمر في تهييج المشاعر وأحياناً إثارة العصبيّات، فيصبح تعاملنا مع التقليد العلمي الوسيطي، منذ البداية، تعاملًا منحازًا[12]. بدل أن يكون موضوعيًّا بعيدًا عن الهوى والأيديولوجيا[13].
فالمتفحّص للكتب العربيّة المؤرّخة للعلوم عند العرب، يستشفّ من القراءة الأولى خلوّها من الأسئلة النقديّة التي رافقت الثورة المتعلّقة بالمناهج التاريخيّة في مجال دراسة العلوم، والتي أثارها مؤرّخو العلوم منذ نهاية القرن الثامن عشر؛ لارتكانها في الغالب للأسلوب الإنشائي التقريري، القائم على سرد الوقائع واستعراض الابتكارات وألوان السبق والنبوغ ومظاهر العبقريّة[14]. وعليه، يصبح التأريخ عملًا تقريظيًّا ذا طابع احتفالي مهرجاني يتغنّى بالأمجاد الغابرة، ويبكي على عصر ولّى وانقضى، ويجد في دراسة هذا الماضي بلسمًا شافيًا للتراجع العلمي الذي حلّ بالحضارة العربيّة الإسلاميّة. كما يتحوّل التأريخ للعلوم إلى تاريخ للعبرة والموعظة واستخلاص الدروس لأجل الحاضر، وإن كنا لا ننكر فوائد التاريخ كما عرض لها ابن خلدون. لكن هذا التاريخ الذي كان من المفترض أن يصبح درسًا ابستمولوجيًّا تحوّل مع مرور الوقت إلى درس أخلاقي حضاري ذي حمولة أيديولوجيّة واضحة، فتحضر الأيديولوجيّة بكل ثقلها عندما يعمد المؤلّف إلى انتقاء وحشد كل الاستشهادات التي تخدم المسار التمجيدي، أمّا النصوص التي لا تخدم ذلك فيتمّ السكوت عنها[15].

بناءً على ذلك، نفهم الأسباب الحقيقيّة لتغييب السياق العام الذي أنتجت فيه العلوم، ثمّ الجهل بالشروط الموضوعيّة التي تفعل فعلها في عمليّة تطور المعارف العلميّة. وبذلك نجد أنفسنا في وضع لا يسمح بالتعبير الموضوعي عن آليّات التطوّر العلمي وكيفيّة تأويله وموضعته ضمن السياق العام لتاريخ العلوم[16]. كما نجد داخل هذا التوجّه من يدّعي القول بأنَّ دراسة العلوم في الحضارة الإسلاميّة كانت بخلفيّة دينيّة، وليس بهدف تلبية الحاجات الدينيّة والاجتماعيّة، مما يحجب عنّا الحقائق الموضوعيّة وراء الاهتمام بالعلوم[17]، وهو توجّه يجعلنا نقلّل من مساهمة المفكّرين الغربيين، بيد أنَّ دراسات المستشرقين ساهمت بكيفيّة بنّاءة في فهم تطوّر العلوم وانتقالها إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة[18]، رغم ما اعتراها من نقائص وتحامل.
يضعنا هذا التوجّه أمام حلقة مفرغة يقترن فيها التأريخ للعلوم بالتمجيد والحنينيّة وبالإسقاط[19]. وقد برزت مجموعة من المحاولات الجادّة لدراسة التراث العلمي العربي، أبرزها: أعمال عبد الحميد صبره، ورشدي راشد، وخالد جاويش، وأحمد جبار، وفؤاد سيزكين، وأحمد سليم سعيدان، وأحمد يوسف الحسن، وجورج صليبا، وغيرهم من الباحثين الذين يشتغلون بمراكز البحث العلمي العالميّة والوطنيّة، ممّا يجعل المؤلّفات التي تنطوي على إشارات منهجيّة قليلة ومعدودة على رؤوس الأصابع[20].

التوجّه الثاني:
إذا كان التوجّه الأول قد أعلى من قيمة العلم العربي إلى حدّ الحديث عن مركزيّة عربيّة إسلاميّة، فإنَّ التوجّه الثاني، في عمومه، والذي تزعّمه بعض المستشرقين، يُصنّف ضمن مركزيّة غربيّة تحطّ من قدر الإسهام العربي الإسلامي في مجال العلوم العقليّة، إذ تعتبره مجرّد محاكاة مخلّة للأنموذج اليوناني[21]. بفعل غلبة الرؤية التجزيئيّة التي سعت إلى إرجاع كلّ ما يوجد في التراث العلمي العربي الإسلامي إلى الأصول اليونانيّة أو الهندوأوروبيّة. يقول محمد الجابري في هذا السياق: «المستشرق المغرم بالتحليل الفيلولوجي، فهو عندما يتجّه إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة، بنظرته التجزيئيّة، لا يعمل على ردّ فروعها وعناصرها إلى جذور وأصول تقع داخلها، أو على الأقل مقروءة بتوجيه من همومها الخاصّة، بل هو يجتهد كلّ الاجتهاد في ردّ تلك الفروع والعناصر إلى أصول يونانيّة، أو عندما تعوزه الحجّة إلى أصول هندوأوروبيّة، الشيء الذي يعني المساهمة، ولو بطريقة غير مباشرة، في العمليّة نفسها، عمليّة خدمة «النهر الخالد»، نهر الفكر الأوروبّي الذي نبع أول مرة من بلاد اليونان»[22]. لقد تعدّدت الأسباب وراء تكريس مفهوم خاطئ هو مفهوم «العلم الغربي» يترسّخ في تاريخ العلوم[23].
ومع ذلك لا يجب تصنيف التوجّه الاستشراقي ضمن خانة واحدة، فبفضل بعضهم تمّ الكشف عن جزء مهمّ من تاريخ العلوم لدى العرب والمسلمين، ونفض الغبار عن مجموعة من النصوص العلميّة، من خلال عملهم على تحقيقها وفهرستها، والتنبيه على الموجود منها أو المفقود.

 لكن معظم أصحاب هذا التوجّه تجاهلوا علوم الشعوب غير الأوروبيّة، إذ سجنت نظرتهم المتحيّزة شعوب العصر الوسيط في حقبة مظلمة، فكان التراث العربي الإسلامي في أحسن الأحوال مجرد اجترار أو نقل للعلم اليوناني، وتُرجمت هذه النزعة فيما يسمى المركزيّة الأوروبيّة أو نزعة التمركز حول الذات[24].

من بين النماذج التي تمثّل هذه النزعة نذكر: «والتر بريان» (Walter. W. Brayant)، الذي ألّف كتاباً عن علم الفلك وتطوّره بأوروبا الحديثة وما قبل – الحديثة، وكان من بين النتائج التي توصّل إليها، أنَّ علم الفلك شهد تطوّرات مهمّة  في الحضارات القديمة، لكنه لم يعرف أيّ تطوّر يذكر في الحضارة الإسلاميّة، فالتعديلات التي أدخلها العلماء المسلمون على المعارف الفلكيّة الموروثة عن بطليموس لم تتجاوز عتبة السطحيّة، ولا تستحق تصنيفها ضمن خانة المستجدّات العلميّة[25].

يجب أن ينظر إلى الفكر البشري ككائن ينمو ويتطوّر، ولهذا سيكون التاريخ حلقات متتابعة. قام اليونان بالدور الأوّل، وتلاهم العرب، ثمّ الغرب من بعدهم. وقد عزّزت المستشرقة «زيغريدهونكه» (Sigrid Hunke) هذا الطرح بتأكيدها على أهميّة الحضارة العربيّة الإسلاميّة كرافد أساسي من روافد تقدّم العلوم، إذ قامت بعمل إنقاذي كبير للتراث العلمي الذي نقلته عن الحضارات الأخرى[26]. فكثير من المخطوطات ما كانت لتصل إلى الغرب لولا العرب، ككتب جالينوس في علم التشريح، وهيرون وفيلونوميلانوس في مجال الميكانيكا والرياضيّات، وبطلميوس في البصريات، ومخطوطة لإقليدس في علم التوازن[27].

عبّر مؤرّخ العلوم رينيهتاتون في هذا السياق بوضوح عن موقفه من التراث العلمي العربي وقيمته بالنسبة إلى التاريخ العام للحضارة، معتبرًا أنَّ العرب أثاروا مسائل جديدة في العلوم لم تكن معروفة من قبل، «وشرعوا في تمحيص المفاهيم اليونانيّة بالتجربة وميلهم الحديث جداً إلى تطوير التقنيّات والتطبيقات العمليّة، قد ساعدهم كثيراً»[28]. هذا الموقف تحدّث عنه حافظ طوقان في كتابه تراث العرب العلمي في الرياضيّات والفلك». فبالإضافة إلى الدور المهمّ للعلماء المسلمين في نقل التراث العلمي القديم وحفظه، فإنهم أضافوا إليه فروعًا ومعارف علميّة جديدة ساهمت بكيفيّة فاعلة في تقدّم العلوم، خصوصًا بتطويرهم للمناهج العلميّة، كالاستقراء، وتطهير علم الفلك من أحكام التنجيم التي لا تقوم على منهج علمي صارم ومضبوط[29].
بناءً على ما سبق، يظهر لنا جليًّا أنَّ أصحاب التوجّهين السابقين قد دافعا عن دعوتين متعارضتين بخصوص دور علماء الحضارة العربيّة الإسلاميّة في تقدّم العلوم العقليّة خلال العصر الوسيط، ويعزى السبب الرئيس في هذا التناقض إلى تباين المنطلقات الأيديولوجيّة لكل توجّه على حدة، باستثناء بعض الدراسات الموضوعيّة المعزولة التي يظهر أنَّها أقل تأثيرًا. لذلك؛ يجب على الباحث في تاريخ العلوم العربيّة فحص هذه الدعاوى من أجل إعادة تأويل وفهم المسار الحقيقي لتطوّر العلوم، خاصّة العقليّة،  في الحضارة الإسلاميّة الوسيطة.

وخير ما يمكن أن نقوله في هذا الباب مقولة للفيلسوف الإنجليزي توماسهوبز (1588-1679)، في موضوع خطورة الاعتماد على قواعد خاطئة وزائفة في بناء المعرفة.»إنَّ جهل الأسباب والقواعد لا يخرج البشر عن مسارهم إلى الحدّ الذي يفعله الاعتماد على قواعد زائفة، وأخذ ما ليس سبباً لما يطمحون إليه- بل هو بالأحرى من أسباب نقيضه.على أنَّه كذلك»[30].

ويبقى الحياد في نظرنا مقوّمًا أساسيًّا في تاريخ العلوم، فهو الكفيل بجعلنا نبتعد عن كل تمركز إثني أو ديني أو لغوي أو حضاري؛ بمعنى الابتعاد عن الاصطفاف مع حضارة دون أخرى، فالعلم لا وطن له تساهم فيه البشرية جمعاء، وإن اختلفت درجة المساهمة من حضارة لأخرى، فالكفيل بإعطائنا صورة صحيحة عن وضعيّة العلوم في الحضارة العربيّة الإسلاميّة هو الارتكان والتسلّح قدر الإمكان بالمنهج العلمي الرصين الذي سيبعدنا لا محالة عن التفسيرات الماهويّة التي جعلت العلم يوسم من قبل بعض الدارسين بمفهوم «العلم الغربي»، وكأنَّ العلم خاصيّة إنسانيّة أوروبيّة، في حين أنه من إنجاز شعوب وحضارات إنسانية مختلفة، منتمية لمختلف القارات.


المصادر والمراجع:
إسماعيل محمود، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، طور الازدهار 2 العلوم الآداب الفنون ج3، ط1، سينا للنشر، 2000.
 تاتونرينيه، تاريخ العلوم العام، العلم القديم والوسيط، مج1، ترجمة علي مقلد، ط2، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت، لبنان، 2006.
جميل حمداوي، الاستشراق والاستمزاغ والاستعراب والاستغراب،( مقاربة مفاهيميّة)، مجلة دراسات استشراقيّة، العدد19، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتجيّة، العراق، 2019.  ص (100-141). 
دلال أحمد، إصلاح الفلك النظري في المغرب ثورة أم ثورة مضادة. العلم والفكر العلمي بالغرب الإسلامي في العصر الوسيط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 94. تنسيق بناصرالبعزاتي، ط1، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001. ص. 115-131)).
صليبا جورج، العلوم الإسلاميّة وقيام النهضة الأوروبيّة، ترجمة محمود حداد، مراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة،ط1، الدار العربيّة ناشرون، لبنان- بيروت، 2011.
طوقان قدري حافظ، تراث العرب العلمي في الرياضيّات والفلك، سلسلة ذاكرة الكتابة، ط2، إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2010.
عبد الرحمان، عبد الهادي، سلطة النصّ: قراءات في توظيف النصّ الديني، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، 1993.
عقيقي نجيب، المستشرقون، موسوعة في تراث العرب، مع تراجم المستشرقين ودراساتهم عنه، مند ألف عام حتى اليوم، ثلاثة مجلّدات، ط3، دار المعارف، مصر، 1964.
محمد عابد الجابري، (التراث ومشكل المنهج)، المنهجيّة في الأدب والعلوم الإنسانيّة، دار توبقال، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986.
مرحبا محمد عبد الرحمن، أصالة الفكر العربي، ط1، منشورات عويدات، بيروت- لبنان، 1982.
- مصلح أحمد، الرياضيّات في مغرب القرن الرابع عشر، دراسة وتحليل وتحقيق لمخطوط تحفة الطلاب لابن هيدورالتادلي (ت816هـ 1413م)،ط1، دار النشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2018.
معتوق فردريك، سوسيولوجيا التراث، ط1،إعداد شبكة المعارف، بيروت،2010.
مهدي محسن، مقاربات من أجل تاريخ للعلم العربي، موسوعة تاريخ العلوم العربيّة، ج3، ط2، مركز دراسات الوحدة العربيّة، إشراف رشدي راشد، بيروت، 2005. ص(1323-1305)
 نيلينو كارلو،علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، ط2، مكتبة الدار المصريّة للكتاب، بيروت، 1993. ص11.
 هوبس توماس، الليفياتان، الأصول الطبيعيّة والسياسيّة لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، الطبعة الأولى، 2011.
هونكهزيغريد، شمس العرب تسطع على الغرب، أثر الحضارة العربيّة في أوربة، ترجمة فاروق بيضون، كمال دسوقي، مراجعة مارون عيسى الخوري، ط8، دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1993.
 يفوت سالم، مكانة العلم في الثقافة العربيّة، ضمن ندوة العلوم في المجتمعات الإسلاميّة مقاربات تاريخيّة وآفاق مستقبليّة، إشراف محمد أبطوي، مؤسّسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلاميّة والعلوم الإنسانيّة، الرباط،2007. ص (10 – 35).
 يفوت، سالم، نحن والعلم، دراسات في تاريخ علم الفلك بالغرب الإسلامي، دار الطليعة، بيروت، 1995.

المراجع الأجنبيّة.
Rashed,Roshdi, la notion de science occidentale, dans : Entre arithmétique et algèbre, les Belles Lettres, Paris, 1984, pp.301-318.
Bryant,Walter W,Astronomy before Kepler, in Kepler, London, 1920

--------------------------------
[1]- باحث في تاريخ العلوم - جامعة ابن طفيل- المغرب.
[2]- يتفق المؤرّخون بشكل أكاديمي على أنَّ العلم الذي نما في الفضاء الثقافي العربي الإسلامي يسمّى بـ «العلم العربي» وهو العلم الذي ساد خلال العصر الوسيط، وكتب باللغة العربيّة، وليس العلوم الإسلاميّة لأن لها إحالة دينيّة، لذلك نستخدم مصطلح « العلم العربي» في هذا السياق باعتبارها اللغة العلميّة الرسميّة التي استخدمت في الحضارة الإسلاميّة ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، إما للترجمة وإما للتدوين والبحث العلمي في مجالي العلوم النقليّة والعقليّة، ولا تحيل على أي توجّه إيديولوجي أو نزعة تمركز حول الذات، إنها اللغة الرسميّة لمختلف الأعراق والخلفيّات الدينيّة طيلة مرحلة التاريخ الإسلامي الوسيط.
[3]- صليبا جورج، العلوم الإسلاميّة وقيام النهضة الأوروبيّة، ترجمة محمود حداد، مراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة، ط1، الدار العربيّة ناشرون، لبنان- بيروت، 2011. ص.10؛ مهدي محسن، مقاربات من أجل تاريخ للعلم العربي، موسوعة تاريخ العلوم العربيّة، ج3، ط2، مركز دراسات الوحدة العربيّة، إشراف رشدي راشد، بيروت، 2005. ص.1307-1306
[4]- نيلينو كارلو، علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، ط2، مكتبة الدار المصريّة للكتاب، بيروت، 1993. ص.11.
[5]- مهدي محسن، مقاربات من أجل تاريخ للعلم العربي،م.س،.ص.1319؛ مصلح أحمد، الرياضيات في مغرب القرن الرابع عشر، دراسة وتحليل وتحقيق لمخطوط تحفة الطلاب لابن هيدور التادلي (ت816هـ 1413م)، ط1، دار النشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2018. ص.5.
[6]- دلال أحمد، إصلاح الفلك النظري في المغرب ثورة أم ثورة مضادة. العلم والفكر العلمي بالغرب الإسلامي في العصر الوسيط، منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 94. تنسيق بناصر البعزاتي، ط1، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.ص.119.
[7]- نذكر في هذا السياق: معهد حلب للتراث العلمي العربي الذي يوجد مقرّه بجامعة حلب، وقد أسّسه بمبادرة شخصيّة المهندس أحمد يوسف الحسن وكان أول من أصدر مجلة متخصّصة في تاريخ العلوم العربيّة باللغات العالميّة، ومؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي وهي مؤسّسة غير ربحيّة أسسها «أحمد زكي اليماني»وزير النفط السابق بالمملكة العربيّة السعوديّة سنة 1988م، بهدف تحقيق وفهرسة التراث العلمي الإسلامي المخطوط، إلى جانب معهد التراث العلمي العربي ببغداد، دون أن ننسى مركز ابن البنّا المراكشي للبحث في تاريخ العلوم العقليّة التابع للرابطة المحمديّة للعلماء الذي يوجد مقرّه في الرباط.
[8]-عبد الرحمان، عبد الهادي، سلطة النصّ: قراءات في توظيف النصّ الديني، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، 1993.ص.15.
[9]- إسماعيل محمود، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، طور الازدهار 2 العلوم الآداب الفنون ج3،ط1، سينا للنشر، 2000.ص.30.
[10]- سالم يفوت، مكانة العلم في الثقافة العربيّة، ضمن ندوة العلوم في المجتمعات الإسلاميّة مقاربات تاريخيّة وآفاق مستقبليّة، إشراف محمد أبطوي، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلاميّة والعلوم الإنسانيّة، الرباط،2007. ص. 10 – 35.
[11]- إسماعيل محمود، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي،ج3، م س، ص.24.
[12]- معتوق فردريك، سوسيولوجيا التراث، ط1،إعداد شبكة المعارف، بيروت،2010. ص.11– 12.
[13]-عبد الرحمان، عبد الهادي، سلطة النصّ: قراءات في توظيف النصّ الديني، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، 1993.ص.15.
[14] يفوت سالم، نحن والعلم، دراسات في تاريخ علم الفلك بالغرب الإسلامي، م س، ص.8.
[15]- نفسه، ص.10– 13.
[16]- مرحبا محمد عبد الرحمن، أصالة الفكر العربي، ط1، منشورات عويدات، بيروت- لبنان،1982.ص.22.
[17]- نفسه، ص.23
[18]- لمعرفة الدور الذي لعبه المستشرقون بالنسبة التراث العربي، هناك  دراسة قيّمة تعتبر خير ما كتب في هذا الموضوع باللغة العربيّة. لصاحبها عقيقي نجيب (1982-1916)، معنونة بـ»المستشرقون» وهي عبارة عن موسوعة تضم ثلاثة مجلّدات تقع في أكثر من1400صفحة.تضمّ أهم تراجم المستشرقين ودراساتهم حول التراث العربي في حقول معرفيّة مختلفة، إذ قام بتصنيف العلماء تبعا لبلدانهم ( بريطانيا- فرنسا-ألمانيا- إسبانيا- وأمريكا). للمزيد حول الموضوع انظر:عقيقي نجيب، المستشرقون، موسوعة في تراث العرب، مع تراجم المستشرقين ودراساتهم عنه، مند ألف عام حتى اليوم، ثلاثة مجلّدات، ط3، دار المعارف، مصر،1964.
[19]- يفوت سالم، نحن والعلم، دراسات في تاريخ علم الفلك بالغرب الإسلامي، م. س، ص.22.
[20]- نفسه، ص.16.
[21]- إسماعيل محمود، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، ج3، م س، ص.24.
[22]- محمد عابد الجابري، (التراث ومشكل المنهج)، المنهجيّة في الأدب والعلوم الإنسانيّة، دار توبقال، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986.ص80.
[23]- انظر عن الأسباب التي جعلت مفهوماً خاطئاً هو مفهوم «العلم الغربي» يترسخ في تاريخ العلوم:
R .Rashed, la notion de science occidentale, dans : Entre arithmétique et algèbre, les Belles Lettres, Paris, 1984, pp.301- 318.
[24]- يفوت سالم، نحن والعلم، دراسات في تاريخ علم الفلك بالغرب الإسلامي، م س، ص26؛ جميل حمداوي، الاستشراق والاستمزاغ والاستعراب والاستغراب،( مقاربة مفاهيميّة)، مجلة دراسات استشراقيّة، العدد19، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجيّة، العراق، 2019،  ص107.
[25]Walter W. Bryant, Astronomy before Kepler, in Kepler, London, 1920, p. 9.
[26]- هونكه زيغريد، شمس العرب تسطع على الغرب، أثر الحضارة العربيّة في أوربة، ترجمة فاروق بيضون، كمال دسوقي، مراجعة مارون عيسى الخوري، ط8، دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1993. ص377-483.
[27]- نفسه، ص 384.
[28]- تاتون رينيه، تاريخ العلوم العام، العلم القديم والوسيط، مج1، ترجمة علي مقلد، ط2، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2006، ص516.
[29]- طوقان قدري حافظ، تراث العرب العلمي في الرياضيّات والفلك، سلسلة ذاكرة الكتابة، ط2، إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة،2010.ص68.
[30]-هوبس توماس، الليفياتان، الأصول الطبيعيّة والسياسيّة لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، الطبعة الأولى، 2011، ص56.