البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

منهج الشنقيطي في الردّ على شبهات الغربيّين من خلال كتابه "طهارة الغرب"

الباحث :  د. بوها ولد محمد عبد الله سيدي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  25
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 11 / 2021
عدد زيارات البحث :  147
تحميل  ( 419.116 KB )
يتناول الباحث في هذه الدراسة أسلوب وفحوى ردّ أحمد بن الأمين الشنقيطي على كتاب الأمومة عند العرب الذي ألّفه المستشرق الهولّندي (جورج آلكزندس ويلكن)[1]، حيث جاء رد الشنقيطي في شكل كتاب سماه «طهارة العرب» ألّفه سنة 1326هـ بقازان. وتهدف هذه القراءة إلى نفض الغبار عن هذا المؤلّف وإطلاع القارئ على أسلوب الشنقيطي في الردّ على افتراءات المستشرقين، والوقوف على مضامين كتابه. يذكر للشنقيطي أنَّه انفرد من بين الشناقطة في التأليف ردّاً على المستشرقين، وأنَّ كتابه متقدّم نسبيًّا، ويمكن أن يصنّف من ضمن المؤلّفات الرائدة في الردّ على المستشرقين من حيث الموضوع الذي يركّز عليه.
وقد جاءت هذه الدراسة في عدّة فروع هي كالآتي: نبذة عن المؤلف، فكرة الكتاب، الإطار التاريخي، أسلوب الكتاب، خاتمة.

المحرّر
----------------------------------------
أوّلًا: نبذة عن المؤلّف       
صاحب الكتاب الذي بين أيدينا أحمد بن الأمين [2](1280-1331هـ/ 1863-1913م) وهو أحّد أقلام النهضة الحديثة الذين عايشوا بداية الانفتاح على الغرب، وكتبوا عن الإشكالات التي تولّدت عن هذا الاحتكاك. سافر من بلاده الموريتانيّة بعد أن تضلّع بالثقافة المحظريّة، وكان ذا فضول معرفي كبير ما يدلّ عليه كتابه الوسيط المشحون بالأدب والنكت الفقهيّة والمواقع الجغرافيّة والأحداث وغيرها. سافر إلى الحجّ، وزار في عودته مناطق كدمشق وتركيّا وبلاد الروس، وآل به المطاف في القاهرة، له شرح ديوانين، هما ديوان طرفة والشمّاخ، بالإضافة إلى كتابه الوسيط المتقدّم الذكر وكتاب طهارة العرب[3] الذي بين أيدينا وغيرها.

كتب عن ابن الأمين الشنقيطي وترجم له العديد، حتى صار ذكر بعض علماء مصر في القرن التاسع عشر يقترن بذكره، من أولئك السيد محمد توفيق البكري، الذي صحبه ابن الأمين وشرح كتابه صهاريج اللؤلؤ. وكذلك العلّامة أحمد تيمور باشا صاحب الخزانة التيموريّة النفيسة بما تحويه من مخطوطات ومطبوعات ثمينة، وكانت له صلات علميّة بابن الأمين هو أيضًا وغيرهم... إلخ. وممن ترجم لابن الأمين من مؤلّفي المشرق يوسف المرعشلي صاحب كتاب «نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر»[4].

من مؤلّفاته
- الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع (في العلوم العربيّة)
-  طهارة العرب، وهو الكتاب الذي نتناوله في هذه القراءة.
-  شرح المعلّقات العشر وأخبار قائليها.
- الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، وهو من أشهر كتبه.
 - ومما حقّقه وشرحه من الكتب: ديوان طرفة بن العبد، أمالي الزجاجي، «ليس في كلام العرب» لابن خالويه، «الإعلان بمثلث الكلام» لابن مالك، «تحفة المودود في المقصور والممدود» لابن مالك، تصحيح كتاب الأغاني، لأبي فرج الأصفهاني (طبعة الساسي).

ثانيًا: فكرة الكتاب
يعتبر كتاب «طهارة العرب» أنموذجًا سبّاقًا في الردّ على افتراءات المستشرقين بحقّ تاريخ العرب ونسب نبيّ الإسلام، وقد ألّفه ابن الأمين الشنقيطي عندما كان مقيمًا بقازان، حيث أطلعه أحّد المسلمين هناك على كتاب «الأمومة عند العرب» للمستشرق الهولّندي (ج.أ. ويلكن)، ولم يوجد بين علماء روسيا من يتصدّى لما تضمّنه من تهم وتلفيقات، لكن ابن الأمين دفعته الحميّة لنبيّ الإسلام للردّ عليه، والذي نفى فيه نفيًا باتًّا، معتمدًا التاريخ والمنهج العلمي، كلّ التهم الموجّهة إلى للعرب والمسلمين، والطعن في قيمهم وأخلاقهم، كالقول باشتراكهم في الفروج والازدحام على النسوة، وكذلك ما رمى به العرب من اضطراب في الأنساب، وعدم تماشيهم مع المثل الإنسانيّة، حتى قال المهاجم «إن العرب أخسّ من الكلاب...». 
فجاء ردّ ابن الأمين مزكيًّا أنساب العرب عمّا رماهم به المستشرق، مستعينًا بذخائر التراث العربي القديم الغنيّ بالقصص والأحداث والأمثال الدالّة على عناية العرب بالنسب، وخطورة الاقتراب من الحريم أو الخوض في الأعراض. وقد اعتمدنا على النسخة الأصليّة من الكتاب، والتي قدّم لها الأستاذ موسى جار الله، بطبعتها الحجريّة من الحجم المتوسط.                                                            

وقد أورد  ابن الأمين في مقدّمة كتابه أنَّ المستشرق لم يعتمد في تأليفه المنهج العلمي، ولم يستقصي الأخبار من مصادرها، وإنَّما نقل عن سائح يوناني مجهول، لا يعرف له ذكر ولم يزر البلاد العربيّة. واعتبر ابن الأمين أنَّ الطعن في أنساب العرب جاء مع كتاب «مثالب العرب» لزياد بن أبيه، الذي جمع فيه ضعيف الأقوال، وبأسلوب المتحامل، وهذا الكتاب لا يعتمد في مجال، ولم يلقَ ما يستحقّ من تفاعل وتدارس من قبل الباحث، فهو رائد في مجاله، ومتقدّم نسبيًّا من حيث تأليفه، وإذا تمّ تصنيفه سيكون من جملة الكتب الأولى في الردّ على المستشرقين.

ثالثًا: الإطار التاريخي
خرج ابن الأمين الشنقيطي إلى الحجّ، وزاده رصيد علمي يمثّل جملة المعارف التي تدرّس في بلده شنقيط، حاله في ذلك حال كثيرين ممّن خرجوا للحج، وطلب الاستزادة من المعارف، ومذاكرة علماء الأمصار الأخرى. خرج من بلده البعيد جغرافيًّا عن المشرق في ظروف صعبة، قاطعًا فيافي الصحراء مع ركب قوافل الحجيج، وهناك عرف المسالك وتعرّف إلى أهل الممالك، فلم يدع مجلسًا علميًّا من المجالس المعروفة إلا وزاره وعرف مبلغ علم أهله وقرأ نوازل علمائه، حتى رمى عصا الترحال في القاهرة.
كان ابن الأمين يهتمّ بشؤون المسلمين ويسأل عنهم، ويطالع ما يكتب عنهم، حيث كانت تلك الفترة فترة استعمار وصراع فكري محتدم، خاصّة في الأقطار غير العربيّة التي أشاع فيها المستشرقون شبهًا حول الإسلام والظروف التي ظهر فيها، والترويج لادعاءاتهم قصد الانتقاص من الحضارة العربيّة التي كانت حاضنة هذا الدين.

تتلمذ على الشنقيطي طلاب من بلدان مختلفة، من بينهم طلاب من بلاد روسيا التي ألّف فيها ابن الأمين كتابه.
وقد عرف قرن ابن الأمين ميلاد القوميّات في أوروبا، وما كان لها من انتشار بفضل روّاد الفكر من أدباء وفلاسفة سعوا إلى إحياء الآداب القوميّة، ودفعوا حركة التأليف في هذا الصدد قصد تمجيد تاريخ قوميّاتهم وبعث الروح في ثقافتها. وقد دفعت هذه الأحداث المستشرقين والكنسيين إلى التركيز أكثر على إثارة الشبه حول العرب والمسلمين ونشرها. إذ بلغ الاستشراق في هذا القرن بالذات ذروته لما حظي به من دعم متزايد من قبل الحكومات الغربيّة التي كانت توفّر له الوسائل والأسباب المعينة على دراسة أنثروبولوجيا العالم العربي والإسلامي، وذلك لما يقدّمه الاستشراق من خدمة للمشروع الاستعماري في هذه البلدان[5].

وفي روسيا التي ألّف فيها ابن الأمين كتابه، وخلال القرن 19م نشر المستشرق (رامل) كتابين: أحّدهما «تأّمّلات عن العرب»، والثاني عن شخصيّة الملك العالم «أبي الفداء»، ونشر المستشرق (فرين) طبعة جديدة من القرآن الكريم كما طبع بعض الحكم العربيّة[6].
وقد طلب من ابن الأمين أحّد مسلمي روسيا أثناء إقامته بقازان أن يردّ على كتاب  «الأمومة عند العرب»  للمستشرق الهولّندي (جورج آلكزندس ويلكن) الذي يطعن من خلاله بنسب نبيّ الإسلام والعرب بشكل عام، إلا أنَّ أحّد دعاة النصرانيّة هناك ترجمه إلى لغة القوم.

وحقيقة إنَّ فكرة الانتساب إلى الأم في المجتمعات القديمة ظهرت عند بعض الرحّالة والأنثروبولوجيين أمثال (ماكلينان) في كتابه الزواج البدائي سنة 1865، والذي يعتبر أنَّ فكرة الأمومة نشأت لعدم معرفة الأب، وقد تأثر بماكلينان المستشرق الاسكتلندي (وليم روبرتسون سمث) (1846-1894) الذي حاول إسقاط هذه النظريّات على القبائل العربيّة القديمة في جنوب الجزيرة العربيّة، وتبعه في ذلك المستشرق الهولّندي (ويلكن) في كتابه «الأمومة عند العرب» الذي جاء الكتاب الذي بين أيدينا للردّ عليه.
هذا الاهتمام الذي أولاه المستشرق الهولّندي وغيره من المستشرقين للمعارف العربيّة والإسلاميّة، والبحث في تاريخ وتراث هذه الأمة، له ما يفسّره من تطوّر للحضارة الإسلاميّة وازدهار معارفها، خاصّة في فترة العصور الوسطى، وهو ما شهد به المستشرق  الفرنسي البارون (كرّا دي فو[7]) إذ يقول: «والسبب الآخر لاهتمامنا بعلم العرب هو تأثيره العظيم في الغرب، فالعرب ارتقوا بالحياة العقليّة والدراسة العلميّة إلى المقام الأسمى في الوقت الذي كان العالم المسيحي يناضل نضال المستميت بالإعتاق من أحابيل البربريّة وأغلالها، لقد كان لهؤلاء العلماء (العرب)، عقول حرّة مستطلعة»[8].

فتأليف المستشرق الهولّندي إذن ليس اعتباطًا، بل تشويه متعمّد أريد به النيل من الحضارة الإِسلاميّة من خلال تشويه تاريخ العرب وتاريخ الإسلام بشكل عام، وهو ما حاول ابن الأمين من خلال كتابه «طهارة العرب» أن يردّ عليه بدحض مافيه من ادّعاءاته.

رابعًا: أسلوب الكتاب
وظّف ابن الأمين ثقافته الأدبيّة في الردّ على المستشرق بشكل سردي، فبدل أن يردّ عليه من صريح القرآن وصحيح الحديث، اختار أن يركّز ردّه على فترة وردت ادّعاءات المستشرق فيها ما كان للعرب فيها من قصص تُعلي من مكانة المرأة في المجتمع العربي الجاهلي، وما عرفته من أحداث واقتتال صونًا لأعراضهنّ، فمن باب أحرى الحديث عن مكانتها التي بوأها الإسلام مصانة، عفيفة، وهو ما وجد له المقصد ووفّق فيه إلى حدّ كبير.

لم يشأ الشنقيطي أن يقتصر كتابه في ردّ على مستشرق متحامل، بل أراد أن يكون بحثًا شبه مستقلّ في موضوعه، مع أنَّه دحض كلّ مزاعمه، واقتصر ذكره للمستشرق في كامل الكتاب على جملتين في قوله: (وقال المعترض) والثانية في قوله: (كما زعم المتحامل).
وإن كان الشنقيطي اعتمد على حفظه الشواهد التي اعتمدها الشنقيطي مثبتة في مصادرها، فلم يخرج في القصص التي أوردها عمّا هو متواتر في كتبها، والحكم والأمثال في جوامعها، والأشعار في دواوينها، ومن قوّة حفظه «رحمه الله» أنَّه استطاع أن يستظهر كلّ هذه المادة العلميّة الضخمة، وينظّمها في شكل كتاب، مستعينًا على قوّة حفظه، كما هي عادة الشناقطة في التأليف والتدريس.

وقد وظّف لهذا الغرض القصص والأمثال والأشعار والحكم من التراث العربي، وهو ما كان كافيًا لدحض افتراءات  المستشرق. فكان توظيف القصص على قسمين: قسم دالّ على عفّة النساء وصونهنّ في الجاهليّة قبل الإسلام، وقسم دالّ على علو همّتهن وترفّعهن عن سفاسف الأمور، وما كنّ فيه من اعتزاز حتى لا يتزوّجن من ليس بكفء. وهنا سنقف على نماذج نلخّص فيها ردود الشنقيطي في الكتاب:

1- قصة طسم[9] وجديس[10]: (العرب البائدة)
حاول المؤلّف أن يستعرض من خلال هذه الواقعة التاريخيّة خطورة الحريم عند العرب وشدّة الحساسيّة تجاه قضيّة المرأة عمومًا، وذلك أنَّ طسمًا وجديسًا كانوا قد تفانوا وانقرضوا، وسبب انقراضهم أنَّ ملكهم عمليقًا استنجدت به امرأة من جديس اسمها هزيلة عندما طلقها زوجها وأراد أن ينزع منها ولدها، ولكنَّ الملك قضى بنزع ولدها منهما معاً، فهجته المرأة ببيتين استفز لهما، وأمر أن لاتزوج من جديس فتاة إلا افترعها، حتّى أراد فعل ذلك بشموس، فحرّضت قومها عليه بقولها:

لا أحد أذل من جديس... أهكذا يفعل بالعروس!
يرضى بهذا، يا لقومي. حر!... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لأخذه الموت كذا لنفسه... خيرٌ من أن يفعل ذا بعرسه
وقالت تحرّض قومها:

أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجالٌ فيكم عدد النمل؟
وتصبح تمشي في الدماء صبيحةٌ ...   شميسةٌ زفّت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضــــبوا بعــد هذه ...   فكونوا نساءً لا تغب عن الكحل!
ودونكم طيب العروس، فإنــما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فلو أننا كنا رجــــالاً وأنتـــم ... نساءٌ، لكنا لا نقيم على الذل
فبعداً وسحقاً للذي ليس دافعاً ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فموتوا كرامًـــا أو أميتـــوا عدوكـــم ...      ودنوا لنار الحرب بالحـطب الجــزل[11]

ثم إنَّ أخاها الأسود احتال مع بني قومه؛ لإبادة بني طسم في حادثة شهرة[12].
ويستشفّ ابن الأمين من هذه الحادثة عدم وجود الاشتراك في نسوة العرب قديمًا، بدليل أنَّه لو كان موجودًا لاستدلّت هزيلة في بداية القصّة على الرجل بأنَّ الغلام ليس منه، وإنَّما من غيره، ممن يشتركون ويتزاحمون عليها في الفراش.

وقد ورد مقتضى هذه القصّة في كتب الإخباريّين، حيث أنَّ: «طسمًا وجديسًا سكنتا اليمامة معًا، وهي من أخصب البلاد وأعمرها، ثم انتهى الملك إلى رجل ظالم غشوم من (طسم) يقال له (عمليق) أو (عملوق)، استذل (جديسًا) وأهانها، فثارت (جديس) وقتلت (عمليقًا) ومن كان معه في حاشيته، واستعانت (طسم) بحسّان بن تبع من تبابعة اليمن، فوقعت حرب أهلكت (طسمًا) و (جديسًا)، وبقيت اليمامة خالية فحل، بها بنو حنيفة الذين كانوا بها عند ظهور الإسلام»[13].

وقد جاء ذكر طسم في شعر للحارث بن حلزة، إذ يقول:

أم علينا جرى إياد كمـا
قيل لطسم أخوكم الأبّاء
وقد ذهب المستشرقون إلى التشكيك بوجود طسم من حيث الأصل، ووصفوهم بالشعوب الخرافيّة التي ابتدعها الإخباريّون، وهذا الرأي لا يستبعد منهم، والواقع أنَّه ليس من المستبعد أن يأتي يوم يعثر فيه على أخبار عن هؤلاء القوم، تؤكّد ما تناقلها الإخباريّون، خاصّة بعد العثور على أثر يوناني في «صلخد»، يعود تاريخه إلى سنة (322م) وردت فيه كلمة «أنعم طسم»[14].

2- قصّة: (إخاء) و (آكل المرار)
ومن الحوادث التاريخيّة التي استعان بها الشنقيطي لنفي فرضيّة المتحامل قصة (إجاء بن عبد الحي) الذي عشق امرأة  يقال لها سلمى، فلمّا أنذر بذلك أخوتها وزوجها لحقوا بهما، حيث قتلوا سلمى على جبل سمّي بها بعد ذلك، ولحقوا (إجاء) في جبل آخر فقتلوه وسمّي به. وهذا يدلّ على الحرص الشديد في نظافة العلاقة الزوجيّة وأسلوب التعايش الشخصي، خاصّة إذا نظرنا إلى أنَّ الجناة كانوا من أقرب الناس إلى الضحيّة.

3- قصّة فاطمة الأنماريّة:
ومن حسن توظيف ابن الأمين للوقائع التاريخيّة ما أورده عن عفاف العربيّات وحمايتهنّ لأعراضهنّ من دنس الرذيلة، ومن ذلك ما ذكر من فعل فاطمة الأنماريّة[15] التي ورد عليها ضيف فأكرمته وأحسنت قراه، فراودها عن نفسها فزجرته، فلما أسر على خبثه أمرت عبيدها فكتّفوه إلى أن شار عليها ابنها الأكبر بقتله، لكنَّ ابنها الربيع اعترض بقوله: «إن قتلناه قال الناس فعل بأمّهم، فاستحسنوا رأيه وأطلقوا سراحه»[16].

4- الأمثال:
ونجد ابن الأمين يستطرد في ذكر الأمثال الشائعة لدى العرب، والتي تشير أو تصرّح بحرمة المرأة وخطورة الدنو من حريمها، فهي سرّ القبيلة ومكمن حساسيّتها، وهي الجرح الذي لا يندمل ولا يبرأ، حتى قالوا في المثل: وكلُّ شيءٍ مَهَهٌ ومَهاهٌ ومَهاهَةٌ ما النِّساءَ وذِكْرَهُنَّ. وفي هذا السياق قصص النعمان مع زوجته المتجرّدة، وكذلك قصّة جدع بن سينان، ثم قصّة  محاولة استخدام أمّ عمرو بن كلثوم من طرف والدة عمرو بن هند[17]، وهلم جرا.

5-  ظاهرة الحجاب... مظهر الصيانة والعفاف:
وقد استخدم المؤلّف في استفاضة معهودة له، في سياق ردّه ماعرف قديمًا عن عرب الجاهليّة من الحجاب، فكانت إذا بلغت الجارية مبلغ الحجاب يدخلها أهلها دار الندوة فيكسوها رجل من بني عبد الدار ذلك الستر .

وقد كانت الفتيات تشبه في منظومة العرب الشعريّة وفي كثير من توظيفاتهم التصويريّة بالكواعب في المقصورات من ذلك قول المضرس:
ويوم من الشعرى كأن ظبائه ....كواعب مقصور عليها ستورها

ومن العبارات التي تكرّرت في هذا الإطار الخدر والخباء. وقد قال امرؤ القيس، وهو شاعر مفحش، لكنَّ فحشه وجسارته على اقتحام المصاعب والمهالك لم يدفعه إلى تجاهل تلك الخدور والحجب المنصوبة حين قال:

وبيضة خدر  لايرام خباؤها

تمتّعت من لهو بها غير معجل

تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا

علي حِراصًا لو يسرّون مقتل

فحالة المرأة العربيّة محاطة بالحرس، وأشكال الأهوال والخطورة، وهو ما أشار إليه ابن الأمين في استذكاره هذه الأبيات.
أما ردّ الشنقيطي على تكرار وصف المرأة العربيّة في القصائد الغزليّة والتي ينتشر فيها الفحش في كثير من الآداب غير العربيّة لحدّ التعرّض للجوانب الجنسيّة والإباحيّة، فيضرب لذلك مثلًا بامرئ القيس -الذي  يوصف في كتب التراث الأدبي بأنَّه ضليل- يكثر من المغامرات العاطفيّة، وقذع في الحديث عن أيامه مع الفحش، حتى قال أبو سلام الجمحي: كان امرؤ القيس ممّن يعهر في شعره، ومع كلّ هذا الحدّ من الفحش نجده يصف النسوة بالعفاف، ويذكر كلّ ما يتلقاه في سبيل هتكه لحرمتهنّ من خطر وأحراس، خاصّة إذا استحضرت أنَّ امرأ القيس كان معجبًا بذاته، وغالبًا ما يستعرض وجاهته عند الغواني وحظوته لديهنّ.

 كما أنّنا نجد في ديوان المديح العربي كثيرًا من تبجيل الممدوحين بمراعاة حرمة البيوت، حتى قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:

لم تره جارة يمشي بساحتها

لريبة ٍ حينَ يخلِي بيتهُ الجارُ

وكقول أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب:

لا يهتك الستر عن أنثى يطالعها

ولا يشدّ إلى جاراته النظر

6-  دقّة السلاسل النسبيّة وحفظها:
تعرّض ابن الأمين بما عنونّاه بهذا العنوان كمعلم واضح من معالم ثبات الأنساب العربيّة طرد أيّ شبه أو تشكيك في صحة هذا النسب أو أحقيّته، ذلك حين كان يردّ على قوم صاحب الاعتراض: إنَّ العرب يستحيل معرفة الشخص منهم بأبيه، وإن الأنساب المعلومة عندهم وضعها ابن الكلب.
ومن الشواهد التي أوردها قصة يزيد بن شيبان الذي صادف شيخًا فقال له حين طلب انتسابه إن كنت في جذم من أجذام العرب لأعرفنّك، إلى أن قال: إن العرب بنيت على أربعة أركان، مضر وربيعة وقضاعة، فمن أيّهم أنت؟ قال: من مضر، قال الشيخ: أمن الأرحام أم من الفرسان؟ قال يزيد: من الأرجاء.. قال: أمن الأرنبة أم من الجمجمة؟ قال يزيد: من الجمجمة.. يعنى الطابخة، ومازال يدخل معه في كلّ فرع وكل ولد حتى عرف بيته، ثم قال له: ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلا كنت في أفضلها حتّى زاحمك أخواك، فإنّهما أن تلدني أمّهما أحبّ إليّ من أن تلدني أمّك. ثم قال: يابن أخي أتراني عرفتك؟ قال يزيد: أي وأبيك أيّ معرفة!...

فالنسّابون العرب إذًا لم تخطئهم كبيرة ولا صغيرة، ولا صبي ولا سقط إلا ضبطوه وذكروه، ولا يمكن أن يحصل هذا مع نسب موضوع، ولا يمكن لادعاءات مبعثرة تشيع الانتساب والتبنّي أن تطعن فيه.

خاتمة
يمكن القول عمومًا إنَّ كتاب «طهارة العرب» كان مليئًا بالردود الجيّدة على كتاب المستشرق الذي ناقش فيه الإشكاليّة المعروفة الأمومة أقدم في العالم أم الأبوّة، وحاول إيجاد قرائن على الأمومة عند العرب بجهله وتحريفه لعاداتهم وتقاليدهم، وهو ما لقي رضًا واسعًا في صفوف دعاة النصرانيّة.

اعتمد الكاتب في أسلوبه على الأحداث والوقائع التاريخيّة، وهو أسلوب جيّد إذا ما وضعنا في الحسبان أنَّ سبب ما وقع فيه المبشّر من الخطأ هو عدم معرفته بعوائد العرب في الانتساب إلى مرضعاتهم، وبالتالي كان يستعمله كدليل على الجهالة التي تحيط بالأبوّة عمومًا، وأنَّه تمظهر من تمظهرات اختلال النظام الاجتماعي في مجتمع العرب.

قدرة المؤلف على استنباط الحجج الدامغة من الوقائع والأحداث التاريخيّة، وتوظيفه بأسلوب ذكي للإشارات التي استنبطها من سرده، كما في قصّة (هزيلة) من قبيلة (جديس) حين طالبت الملك عمليقًا لإبقاء ولدها عندها متعلّلة أنَّها حملته تسعًا، ووضعته دفعًا، وأرضعته شفعًا، فذكر ابن الأمين أنَّه لو كان هناك نظام الاشتراك على النسوة، كما ادّعى المهاجم، لاحتجّت على زوجها بحجّة أخرى، كالقول بأنَّه ليس منه. ومثل هذا الاستنباط نلاحظه في استعمال الشنقيطي لثقافته الأدبيّة والديوانيّة إزاء وصف المرأة كما في تعرّضه لظاهرة الحجب والمقصورات والأستار.
ملحوظة واردة في عدم تعرّض الشنقيطي خلال ردّه على جزئيّات الخطاب المشوّه بالصورة التي تدفعنا إلى الاقتناع بهذه الفكرة أو تلك، مع التعرّض لخفاياها وإضاءة بعض جوانبها المهمّة، حتّى إنَّ المطالع لهذا الكتاب المدافع عن العرب، قد لا يظنّ أنَّه جاء ردًّا مثلًا على كتاب قبله أو يفنّد مزاعم سبقته، بل على أنَّه كتاب مستقل له موضوعه ومنهجه، ولكن هذه الملاحظة عليها بعض الاستثناءات كما رأينا، عندما قام بسرد قصّة الشيخ مع يزيد بن شيبان في انتسابه إلى بعض فروع مضر، إذ نصّ على أنَّ ذلك كان في معرض قول المهاجم إنَّ العرب يستحيل معرفة الشخص منهم لأبيه، وإنَّ الأنساب عندهم وضعها ابن الكلب، والثانية وصفه فيها بالمعترض في قصّة صاحب القارظ لمّا طلب من زميله أن يزوّجه من ابنته إن أخرجه من البئر، فرفض حتى لا يكون تزويجها قسراً، حتّى هلك في البئر. وختم الشنقيطي القصّة بقوله «لا، كما قال المعترض من ابتذالهم لهنّ».

وعمومًا فممّا يشفع للشنقيطي أنّه كان نموذجًا فريدًا وسابقًا في الردّ على أكذوبات بعض المستشرقين أو أعمالهم التي جافوا فيها الدقّة والموضوعيّة وجانبوا الأسلوب العلمي الرصين.

لائحة المصادر والمراجع
أحمد بن أمين الشنقيطي، طهارة العرب، تحقيق الدكتور محمد ولد محمد عبد الله ولد السيد، 1913م.
أنور محمود زناتي، معجم افتراءات الغرب على الإسلام، إخراج موقع نصرة الرسول (ص)، بدون ط، وبدون السنة.
جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جامعة بغداد، ط2، 1993.
سعدون الساموك، الاستشراق في الدراسات الإسلاميّة، دار المناهج، بدون سنة الطبعة.
عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي-القاهرة، 1093.
أبو العرفان محمد بن على الصبان الشافعي، ألفيّة ابن مالك، ج1، دار الكتب العلميّة بيروت-لبنان.
مصطفى نصر السلاتي، "الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين"، دار اقرأ طرابلس، ليبيا، ط1، 1986.
يوسف المرعشلي، نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر، دار المعرفة - بيروت 2006.

المراجع الأجنبيّة
(1953_1867) Baron Bernard carra de vaux.


--------------------------------------
[1]*. أستاذ بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.
-  قام بتعريبه: بندلي بن صليبا الجوزي.
[2]- أحمد بن الأمين بن محمد الأمين ابن عثمان العلوي الشِّنقيطي، وأمه خديجة بنت سالم من قبيلة الأغلال،  عائلته مشهورة بالذكاء والحفظ.
[3]- رسالة جاءت تلبية لرغبة أحّد مسلمي روسيا في الردّ على بعض الأفكار والتلفيقات التي تضمّنها أحّد المبشّرين لكتاب يوناني قديم ناقش فيه صاحبه إشكاليّة علميّة هي أهل الأمومة أقدم أم الأبوّة راجع الصفحة الأولى.
[4]- نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر، ص96. يوسف المرعشلي، دار المعرفة – بيروت 2006.
[5]-  «حركة الاستشراق كانت تسير جنبًا إلى جنب مع التحولات والتغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي سادت العصور التي عاش فيها أولئك المستشرقون فلا يمكن الفصل بين ما شهدته من ظروف سياسيّة واجتماعيّة واقتصادية وغيرها وبين ما أنتجه أولئك المستشرقون من دراساتهم «الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين»، مصطفى نصر السلاتي، ص:8، دار اقرأ طرابلس، ليبيا، ط1، 1986.
[6]- الاستشراق في الدراسات الإسلاميّة، سعدون الساموك، ص163، دار المناهج، بدون سنة الطبعة.
[7]- (1953_1867) Baron Bernard carra de vaux
[8]- معجم افتراءات الغرب على الإسلام، أنور محمود زناتي، إخراج موقع نصرة الرسول، بدون ط، وبدون السنة. ص50.
[9]-  عن طسم ساق الإخباريّون النسب على هذه الصورة وقالوا:طسم بن لاوذ بن أرم، أو طسم بن لاوذ بن سام، أو طسم بن أو طسم بن كاثر... وقد جعلهم بعض أهل الأخبار من أهل الزمان الأول أو من عاد. وقد نسب إلى طسم صنماً سمّوه (كثرى) لعلّه الصنم المذكور الذي أدركه الإسلام وحطّم مع الأصنام الأخرى. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي،جامعة بغداد، ص:-335-334، ط:2، 1993.
«ولعل ما ورد في القرآن الكريم عن عاد وثمود وذكرهما في الغالب معًا، هو ما دفع بالمؤرّخين حتى أخذوا به الحال في شأن طسم وجديس، مع أنّ القبيلتين لم يتطرّق القرآن الكريم لذكرهما، ولعلّهما من أقوام المؤلّف  التي أشار لهم القرآن الكريم». حول العرب والقبائل البائدة، سعود الزيتون الخالدي ص: 7:23، العدد18.
[10]- «قالوا في جديس أنّهم حي من عاد، وهم إخوة طسم أو أنّهم حي من العرب، كانوا يناسبون عادا الأولى، وقالوا إنّهم أبناء جديس بن لاوذ ابن أرم بن سام بن نوح أو أبناء جديس شقيق ثمود بن غاثر ابن إرم بن سام بن نوح» المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، سابق، ص:335-336.
[11]- راجع القصة في كتاب خزانة الأدب، عبد القادر البغدادي (1/250)، نسخة الموسوعة الشاملة.
[12]-  الصفحة: 4، من كتاب طهارة العرب.
[13]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، جامعة بغداد، ص335، ط:2، 1993.
[14]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، سابق ص335.
[15]- فاطمة بنت الخرشب الأنمارية ولدت لزياد العبسي الكملة: ربيعًا الكامل، وقيسًا الحافظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفيّة ابن مالك، أبو العرفان محمد بن على الصبان الشافعي، ج1، ص: 354، دار الكتب العلميّة بيروت-لبنان.
[16]- طهارة العرب، ص7.
[17]- تهددنا وتوعدنا رويداً          متى كنا لأمك مقتوينا