البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الجزائر في أدبيّات الرحّالة الفرنسي ألفونس دوديه Alphonse Daudet

الباحث :  أ.د. بغداد عبد الرحمن
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  25
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 11 / 2021
عدد زيارات البحث :  70
تحميل  ( 488.145 KB )
لقد أكثر الفرنسيّون من حركة رحلاتهم ورحّالتهم إلى الأقطار الإسلاميّة والعربيّة، وكان للجزائر نصيب وافر من حركة الرحّالة هذه، إذ وفد إليها الكثير من الباحثين والأدباء الفرنسيين بهدف الاطّلاع والكتابة عنها، وعن مدنها، وعن طباع السكان وتقاليدهم التي كانت مجهولة لديهم؛ ولهذا أطلقوا العنان لأقلامهم وألّفوا أغزر الكتب والمصنّفات. ولعلّ أسباب ودوافع الاهتمام تكمن في: «رغبة التعرّف على شعب عربي وقع في قبضة الحضارة الأوروبيّة، وكانت هذه الحضارة تحمل معها إلى الجزائر كلّ أدوات الغزو الفكري والاستلاب الحضاري». أما ألفونس دوديه، فإنَّ ما حفّزه إلى الرحلة -بحسب تتبّع ما كتبه واهتمّ به- هو حبّ المغامرات الخارقة، واستكشاف المجهول الذي كان يفتقر إليه كثيرًا. وقد امتازت مدوّنات رحلة ألفونس دوديه عن الجزائر؛ أنَّه كان يعبّر بصدق عن مشاعره، ويبدي آراءه بصراحة في الأوضاع السائدة في الجزائر، ويُعرب عن موقف متفهّم لميول الشعب الجزائري وخصائص طبقاته وأطيافه، وتمتاز أيضًا بما احتوت عليه من غرابة في الخطابات وعجائبيّة في المرويّات التي أعادت بناء صورة جديدة عن أحوال بلاد الجزائر الجغرافيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة في مخيّلات القراء وأذهانهم. وهذا ما سمح له بتجاوز النظرة السطحيّة لدى غالبيّة الرحالة الفرنسيين التي تحكم على ظاهر الأشياء.

المحرّر
---------------------------------------
* الكلمات المفتاحيّة: أدب الرحلة؛ ألفونس دوديه؛ الجزائر؛ الطبائع؛ الفانتازيا؛ النمط البشري.

المقدّمة
تَطْرح هذه الورقة البحثيّة العديد من التساؤلات حول مدى التفاعل الحضاري والفكري بين الأنا والآخر، ويأتي في مقدّمة تلك الشراكة، الحضور القوي للعديد من الكتابات الأدبيّة التي تجلّتْ من خلالها صورة الآخر في النصّ الأدبي نتيجةَ تفاعلِ مجموعة من الوسائط التاريخيّة والسياسيّة والثقافيّة.

ويُعْتبر أثر الجزائر في السَّرْد الفرنسي خيرَ دليل على مثل هذا الحضور. فقد كان للجزائر بالغُ التأثير في طبقة الأدباء الفرنسيين، حيث ظهر هذا التأثير في العديد من الأعمال القصصيّة للأديب الفرنسي ألفونس دوديه Alphonse Daudet نذكر منها: «تارترين دي تارسكون Tartarin de tarascon» و «رسائل من طاحونتي Lettres de mon moulin» و «حكايات الاثنين Les Contes du Lundi» التي رسَمَ فيها جوانبَ مهمّة من صور الحياة العامّة في الجزائر مُعْتمداً في ذلك على مشاهداته وانطباعاته عن المدينة وسكّانها، وهذه الملامح على سبيل التمثيل وليس الحصر هي التي سأنطلقُ منها في عرْض مستوى حضور الفكر والثقافة الجزائريّة في إبداعات دوديه.

وقد قسّم البحث إلى مقدّمة وثلاثة فصول وخاتمة، فكانت المقدّمة عن أهميّة الجزائر في عيون الرحّالة الفرنسيين. والفصل الأول عبارة عن ترجمة وتعريف بالرحال ألفونس دوديه، والفصل الثاني كان عن خط سير رحلته، أما الفصل الثالث فقد رصدت فيه صور الحياة في الجزائر، وأهم المظاهر الاجتماعيّة والأخلاقيّة والعمرانيّة التي دوّنها دوديه أثناء رحلته. ثم خاتمة أجملت فيها أهمّ النتائج التي توصلت إليها.

الجزائر في عيون الرحّالة والمستشرقين الفرنسيين
ظل القرن التاسع عشر يشكّل قرن الرحلات بدون منازع، ويعود ذلك إلى وفرة: «الإنتاج الثقافي والأدبي الذي يرتكز بالأساس على يوميّات الرحلة ومخاطرها، وإن كانت هناك رحلات سبقت هذا الزمن بكثير، إلا أنها لم تكن معبأة بهذا القدر من الإنتاج المكتوب لأسباب عديدة[2]». ومع حلول ثلاثينيّات القرن التاسع عشر، تزايد الاهتمام بالجزائر رغبة من فرنسا في التوسّع الاستعماري وتحقيق النمو والتطوّر لشعبها، وبذلك شرعت في البحث عن الأسواق الخارجيّة والمواد الأوليّة، فكان لها ذلك إثر احتلالها للجزائر عام 1830. وبعد أن تمكّنت من توسيع مجال ذلك الاحتلال، سنحت الإدارة الفرنسيّة للكثير من الباحثين والأدباء الفرنسيين فرصة القيام برحلة إلى الجزائر والاطّلاع والكتابة عنها، وعن مدنها، وعن طباع السكّان وتقاليدهم التي كانت مجهولة لديهم. فتزايد شغفهم تجاه هذه المنطقة، وأطلقوا العنان لأقلامهم وألّفوا أغزر الكتب والمصنّفات. لكن لم يكن من دواعي تلك الكتابات: «ذات الموضوعات الجزائريّة الكشف عن جزائر حقيقيّة، ما خلا حالتين أو ثلاث، إنما تتّبع مغامرة غرائبيّة في جنس أدبي كان على الموضة[3]».

ومن ثمّ - وعلى مدى امتداد سنوات هذا القرن- تضاعفت الكتابات الفرنسيّة حول أوضاع الجزائر والدول المحيطة بها، إذ حقّقوا ونشروا العديد منها، وذلك خدمة لغايات مختلفة، فمنهم ما كانت غايته حبّ المغامرة، وآخرون مشاهدة بلدان شمال إفريقيا، وتحديدًا المغرب والجزائر وتونس، وغيرهم أوفدوا إلى المنطقة من قبل جهات رسميّة سياسيّة وتاريخيّة ودينيّة لتحقيق مصالح فرنسا[4].
ويلاحظ أن هؤلاء الأدباء الرحّالة الفرنسيين قد تنوّعت وظائفهم في تلك الفترة، فمنهم الطبيب مثل: جان أندريه بسونيل (Jean-André Peyssonnel)، ومنهم الرسّام مثل أوجان دي لاكروا (Eugène Delacroix) وأوجين فرومنتين (Eugène Fromentin)، ومنهم الفيلسوف مثل أليكسيس دي توكوفيل (Alexis de Tocqueville)، ومنهم الجغرافي هنري دوفيري (Henri Duveyrier)، ولكنَّ غالبيتهم كانوا من الأدباء مثل بيار لوتي (Pierre Loti) وتيوفيل غوتييه (Théophile Gautier) وألكسندر دوماس (Alexandre Dumas) والأخوان إدموندEdmond) ) وجول (Jules) دي غونكور (de Goncourt) وغوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) وجي دي موباسان (Guy de Maupassant) وأندريه جيد (André Gide). وقد اقتصر هؤلاء الرحّالة على وصف الجزائر العاصمة وأهم مدنها، من الناحية الاقتصاديّة والعمرانيّة والاجتماعيّة، بكثيرٍ من العمق والتحليل -وإن كانت معظمها لا تخلو من روح التعصب والتعالي- وعليه يمكن القول أن هذه الكتابات كانت -ولا تزال- تشكل الجزائر فيها: «مادة وفيرة ممّا يهمّ المؤرّخ والجغرافي وعلماء الاجتماع والاقتصاد ومؤرّخي الآداب والأديان والأساطير[5]».‏

وإذا استعرضنا أسماء الرحّالة الفرنسيين على اختلاف اختصاصهم من جغرافيّين ومؤرّخين وأدباء ومستشرقين، الذين زاروا الجزائر في القرن التاسع عشر، سنجد على رأسهم الرحّال جان أندريه بسونيل (Jean-André Peyssonnel) (1694-1759) الذي يعدّ من أوائل الرحّالة المسيحيين الذين تفسّحوا في أرجاء الجزائر في أوائل القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1725، إذ سجّل في كتابه «رحلة في نواحي تونس  والجزائر (Voyages dans les régions de Tunis et d’Alger) ملاحظاته عن الرحلة، واصفًا العادات والأعراف الاجتماعيّة بالإضافة إلى جرده للعديد من أسماء الأحجار والنباتات والحيوانات. وفي مطلع عام 1832 توجّه أوجين دي لا كروا (Eugène Delacroix) (1798-1863) بجولة قصيرة لشمال إفريقيا قادته إلى مدينة طنجة في البداية، ثم حطّ الرحال في يوم 18 جوان بوهران ليرتحل بعدها إلى الجزائر العاصمة. وقد خلّد زيارته للجزائر من خلال العديد من لوحاته الفنيّة المشهورة، ومن أشهرها: لوحة الجزائريّات أو Femmes) d’Alger dans leur appartement) التي رسمها عام 1834 [6].
كما تجوّل أليكسيس دي توكوفيل (Alexis de Tocqueville) (1805-1859) في الجزائر بصحبة زوجته عام (1841)، وسجّل انطباعاته عن المدينة في كتبه: رسالة حول الجزائر (Lettre sur L’Algérie) (1837)، وملاحظات عن رحلة إلى الجزائر (Notes du voyage en Algérie) (1841) وتقارير عن الجزائر Rapports) sur l’Algérie) (1847). وفي السنة نفسها (1841) قام بزيارة الجزائر لويس فويو (Louis Veuillot) (1813-1883) برفقة الجنرال بيجو (Bugeaud) وكان واحدًا من الرحّالة الأدباء الفرنسيين القلائل الذين ندّدوا بالاحتلال الكولوني للجزائر، وسجّل ملاحظاته القيّمة عنها في كتابه: الفرنسيّون في الجزائر (Les Français en Algérie) الذي طبعه سنة 1853 [7].

ثم قدم تيوفيل غوتييه (Théophile Gautier) (1811-1872) الجزائر سنة 1845 وحطّ الرحال بقسنطينة حيث ألّف روايته «يهوديّة من قسنطينة La juive de Constantine». وفي صيف 1865 عاد مرة أخرى إلى الجزائر كعضو شرفي لتدشين خط السكّة الحديدي بين الجزائر والبليدة، حينها أصدر كتابه: «رحلة رائعة إلى الجزائر Voyage pittoresque en Algérie». وفي مطلع سنة 1846 أرسل ألكسندر دوماس «”Alexandre Dumas (1813-1883) إلى الجزائر بطلب من وزارة التعليم، وبغرض الدعاية للمعمّرين بالمجيء إلى الجزائر، إذ أثمر سفره الذي دام شهرًا ونصف الشهر عملًا أدبيًّا يمكن تنزيله ضمن أدب الرحلة تحت عنوان «رحلة من قادس إلى تونس أو Le Véloce». في حين يعدّ «أوجين فرومنتين» Eugène Fromentin (1820-1876) أحّد الرحّالة الأكثر زيارة للجزائر، فقد قام بثلاث جولات: الأولى خلال شهريْ مارس وأفريل من عام (1846)، الثانية ما بين سبتمبر (1847) وماي (1848)، والثالثة من نوفمبر (1852) إلى غاية أوت (1853). وقد سجّل انطباعاته عن هذه الزيارات في: «صيف بالصحراء» Un été au Sahara (1857). وبدعوة من باي قسنطينة آنذاك، زار «تيودور شاسيريو» (Théodore Chassériau) (1819-1856) الجزائر في عام 1846، حيث وثّق زيارته في العديد من لوحاته الفنيّة من أشهرها: معارك الفرسان العرب Combat de cavaliers arabes، ويهوديّات الجزائر على الشرفة Juives d’Alger au balcon. ثلاث سنوات بعد ذلك (1849) سافر الأخوان إدموندEdmond (1822-1896) وجول Jules (1830-1870) دي غونكور de Goncourt إلى الجزائر، ودوّنا معلوماتهما في مذكّرات جاءت تحت عنوان: ملاحظات بقلم الرصاص Notes au crayon. ومن هؤلاء الرحّالة الذين سحرتهم أرض الجزائر بعراقتها وتاريخها، نجد غوستاف فلوبير Gustave Flaubert (1821-1880) الذي قدم شمال إفريقيا سنة 1858 ضمن رحلة قادته إلى مدينة قرطاج مرورًا بالجزائر، حيث كتب فيها رواية «سالمبو Salammbô»، لكنَّ مشاهداته عن المنطقة وعن سكّانها وثّقها في عمله الأدبي «مراسلات Correspondances». كذلك شهدت الجزائر في عام 1859 مجيء هنري دوفيري Henri Duveyrier (1840-1892) مستكشف الصحراء، الذي اهتمّ بجماعة الطوارق في كتابه: طوارق الشمال Les Touareg du nord. ونجد بعد ذلك من وفد إليها بغرض التداوي والنقاهة مثل ألفونس دوديه Alphonse Daudet (1840-1897) الذي زارها، وهو لم يتجاوز الواحد والعشرين من عمره، ما بين سنتي 1861-1862 ليمضي فيها شهرين، لتترك تلك الرحلة فيه أثراً تبدّى في أعماله القصصيّة الشهيرة مثل (Tartarin de Tarascon) أو «رسائل من طاحونتي Lettres de mon moulin» و «حكايات الاثنين Les Contes du Lundi» وغيرها.
وخلال المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، تزايد شغف الرحّالة الأدباء الفرنسيين بالجزائر، ونظروا إليها على أنَّها مادة فنيّة ذات أهميّة تسع إبداعاتهم، ومن أشهر هؤلاء الرحّالة، بيير لوتي Pierre Loti (1872-1913) الذي زار الجزائر ما بين 1869–1880، ونشر وقائع رحلته في عملين قصصيّين هما: سيّدات القصبة الثلاث Les trois dames de la Kasbah وسليمى Suleïma. وفي السادس من شهر جويلية 1881، وفد جي دي موباسان Guy de Maupassant (1850-1893) على الجزائر، وهو في أوج عطائه الأدبي، حيث أنتج قصّته الشهيرة: رحلة إلى الشمس Au soleil، ومجموعته القصصيّة القصيرة: رسائل من إفريقيا، الجزائر وتونس Lettres d’Afrique, Algérie, Tunisie، حلومة [8] Allouma.

وفضلًا عن ذلك، وصل الرحّال الأديب أندريه جيد (André Gide) (1869-1951) الجزائر عام 1893، واستقر به المقام في مدينة بسكرة للعلاج من داء السل، حيث وثّق انطباعاته عن رحلته في كتابه: من بسكرة إلى توقورت de Biskra à Touggourt ، وتبعه الرحّال جان لوران Jean Lorrain (1855-1906) الذي زار الجزائر عام 1894 وألّف كتابه: أنماط من بسكرة Types de Biskra، وفي السنة نفسها (1894) حطّ الرحّال بيار لويس  Pierre Louےs رحاله بالجزائر ثم بسكرة، وأخيرًا في عام 1897 قام الرحّال لويس برتراند Louis Bertrand (1866-1941) بجولة إلى مدينة عنابة بصحبة والدته، حيث سجّل ملاحظاته وما شملت عليه رحلته في كتابه: ليل الجزائر Nuits d’Alger [9].

إذًا، كثيرون هم الأدباء الفرنسيّون الذين زاروا الجزائر في القرن التاسع عشر، وقد تعدّدت دوافع هؤلاء وتشعّبت أهدافهم، خاصّة إذا علمنا أنّ من بينهم من جاء ضمن بعثة ثقافيّة في مهمّة دعائيّة للحكومة الفرنسيّة قصد التعريف بالجزائر التي ظلّت مجهولة لدى الفرنسيين، ومن ثمّ تحفيزهم على المجيء إليها (تعميرها). وقد اكتفينا في هذا المقام بذكر هذه الأسماء وأثرها في فتح الأعين على الجزائر في تلك الآونة لا يمكن تجاهله، وأنَّ دورها في تشكيل صورة عن هذه المستعمرة الفرنسيّة لا يستهان به، حيث أقاموا بالجزائر زمناً كافياً للكتابة عنها، ولأنَّها -أخيرًا- تنتظم ضمن رؤية تكاد تكون عامّة، وهي ترسيخ رؤية كولونياليّة كرّستها فكرة نابليون الثالث الذي صرّح: «الجزائر ليست بحاجة إلى غزاة بل إلى معلمّين».

»Ce qu’il faut à l’Algérie, ce ne sont pas des conquérants, mais des initiateurs»[10].

1. ترجمة الكاتب:
ولد لويس ماري ألفونس دوديه Louis-Marie-Alphonse Daudet في مدينة نيم Nîmes بإقليم اللوغدوك Languedoc يوم 13 ماي من عام 1840، من عائلة برجوازيّة كاثوليكيّة، كان والده فانسن Vincent مدير معمل لتصنيع الحرير وتاجراً مغامراً. تزوّج من أدلين رينو Adeline Reynaud عام 1830 وأنجب منها خمسة عشر ولداً لم يبق منهم سوى أربعة: هنري Henri، إرنست Ernest، ألفونس Alphonse، وآنّا Anna. وفي هذا الجوّ الأسري، افتقد دوديه الحنان والاهتمام، مما اضّطره إلى الإقامة بصفة متكرّرة عند عائلة ترينكي Trinquier بمدينة بوزوغ Bezouge بمنطقة البروفنس جنوبي فرنسا. وفي عام 1850 يحصل دوديه على منحة تسمح له بمزاولة دراسته بثانوية أمبير Ampère بمدينة ليون Lyon إلى غاية 1856. وبسبب تدهور أوضاع أسرته الاقتصاديّة لم يتمكّن من متابعة تعليمه، واضطر للعمل مساعداً للتلاميذ في مدرسة ألس Collège d’Alès [11].

يتلقّى دوديه في عام 1857 دعوة من أخيه الصحافي إرنست Ernest للّحاق به إلى باريس، حيث يلتقي هناك بالشابة ماري ريو Marie Rieu التي يرتبط بها لعدة سنوات. أولى محاولاته الأدبيّة بدأت بنظمه لديوان العاشقات Les Amoureuses عام 1858 الذي نال به شهرة كبيرة لدى الإمبراطورة أوجيني Eugénie التي عيّنته دوقاً. نشر عام 1859 عدداً من الحكايات العجائبيّة في صحيفة الفيغارو Figaro [12].
التقى دوديه في شتاء عام 1860 بفريدريك ميسترال Frédéric Mistral محيي اللغة البروفنساليّة langue provençale وأدبها في القرن التاسع عشر، مما أيقظ في نفسه الحنين الكامن إلى الجنوب الذي شكّل الخلفيّة الأساسيّة في أعماله، فجاءت قصصه ورواياته التي نشرها في صحف كباري جورنال Paris Journal والعالم المتألق Le monde illustré تصوِّر اتجاهه الأدبي الذي نلمح فيه ميلاً إلى الواقعيّة والجاذبيّة، والتشبُّه بالطبيعة، والدعوة إلى البساطة [13].

وقدِّم دوديه بمسرح الأوديون l’Odéon الشهير في باريس أولى مسرحياته بعنوان «المعبود الأخير» La Dernière Idole عام 1862 التي نالت نجاحاً كبيراً، تبعتها مسرحيّة القرنفلة البيضاء L’œillet blanc بالاشتراك مع الكاتب إرنست ليبين Ernest Lépine في عام 1867، ثم كتب بمفرده الغائبون Les Absents وصافو Sapho. واضّطر مع بوادر إصابته بالسل إلى التنقُّل إلى الأماكن الأكثر دفئاً، فرحل إلى كل من الجزائر وكورسيكا، من دون أن يغيّر في أسلوب حياته، إلى أن التقى بالكاتبة جوليا آلار Julia Allard، التي أحبّها وتزوّجها عام 1867. ربطته بجوليا علاقة شراكة أدبيّة حقيقيّة فضلاً عن الحبّ، فكانت ناقدة تُصحّح أعماله وكتاباته. وعندئذ، توالت كتبه، فظهرت روايته «الشيء الصغير» Le Petit Chose (1868)، وقصص «رسائل من طاحونتي» Lettres de mon moulin (1869)، وروايتا الأرلزيّة L’Arlésienne (1871) والمغامرات العجيبة لتارتاران دي تاراسكون Les Aventures prodigieuses de Tartarin de Tarascon (1872)، والمجموعة القصصيّة «حكايات الاثنين» Les Contes du lundi (1873) ورواية «فرومون الشاب وريزليه البكر» Fromont jeune et Risler aîné (1874).
تعرّف دوديه إلى إميل زولا وغوستاف فلوبير وإيفان تورغينيف وإدموند دي غونكور، وخلقت تلك اللقاءات الأدبيّة لديه رغبة جامحة بالكتابة فكانت أعماله: جاك Jack (1876)، والنباب Le Nabab (1877)، ثم نومه رومستان Numa Roumestan (1881).

لا تستجيب قصص دوديه الأخيرة كثيراً للصورة التي كُوّنت عنه ككاتب للشباب. فبدءاً من الإنجيليّة L’Evangéliste (1883) إلى الأبرشيّة الصغيرة La Petite Paroisse مروراً بـ سافو Sapho (1884)، وروز ونينيت Rose et Ninette (1892) التي ضمتْها مجموعةُ أعراف باريسيّة Moeurs parisiennes، اختفى المرح والدعابة لتحلّ محلّهما السخريّة اللاذعة. أما مذكّراته «ذكريات أديب» فقد كتبها عام 1888. في حين قامت جوليا بجمع ملاحظاته ونشرها بعنوان «أبناء وأمهات» (1889). في ذلك الوقت وهو يصارع الموت، وللمفارقة، كتب قصةً بعنوان «صراع من أجل الحياة» La lutte pour la vie عام 1889. توفّي في 16 ديسمبر عام 1897 عن عمر يناهز 57 سنة.

إذا كان دوديه قد افتقر إلى خيال بلزاك الخلّاق، وقوّة زولا، وعبقريّة موباسان، واهتمامات فلوبير الأسلوبيّة، فقد استطاع في مجتمع مادي توطّدت تياراته الواقعيّة والطبيعيّة، أن يرسم لنفسه شخصيّة متميّزة مليئة بالحساسيّة والعطف [14].

2. خط سير رحلة دوديه:
ما من شكّ أن لعامّة الرحّالة الأوروبيين أسبابًا كثيرةً دفعتهم إلى الاهتمام بالجزائر، لعلّ في مقدّمتها: «الرغبة في التعرف على شعب عربي وقع في قبضة الحضارة الأوروبيّة، وكانت هذه الحضارة تحمل معها إلى الجزائر كل أدوات الغزو الفكري والاستلاب الحضاري»[15]. أما عند ألفونس دوديه، فما كانت الدوافع والأسباب التي حملته على السفر إلى الجزائر؟ أكانت وراء هذه الرحلة مهمّة رسميّة سياسيّة أو دينية أم أنَّها مجرّد مغامرة شخصيّة؟ إنَّ قراءة دقيقة لكتب ألفونس دوديه بين قصة ورواية ومسرحيّة أمكنتنا أن تسلّمنا أول الخيط لإدراك الدوافع التي وقفت وراء رحلته الجزائريّة. فلطالما كان يحلم دوديه الصغير باقتحام المجهول، والاستعداد لمواجهة المفاجآت، ثم أنَّه اتخذ من هذا الارتحال وسيلة للاستشفاء والبعد عمّا كان دائمًا يذكّره بأزمة داء السل[16].

لكن مهما كان السبب، فإنَّ ما حفّز ألفونس دوديه -في نظرنا- إلى الرحلة هو حبّ المغامرات الخارقة، كالتي ذكرها في ترتران دي تاراسكون، وذلك من خلال استكشاف المجهول الذي كان يفتقر إليه كثيرًا، واستباق إقامته بأراضي الجزائر والتمتّع بمناظرها ومعاشرة أهلها، وما يوحي له ذلك كلّه من فانتازيا رفيعة لطالما أسرت قلبه [17].
وفي الأخير، أيًّا كانت الدوافع وراء رحلة دوديه، فإنَّ شخصيّته لم تكن تنطوي على شيء من السذاجة بل على العكس من ذلك، كان شخصيّة ذكيّة مقتدرة، ومتأكّدة من قدراتها، ولعلَّ كتابه ترتران دي تاراسكون Tartarin de Tarascon الذي هو جوهر هذا البحث يُعتبر، بحقّ، وثيقة فريدة من نوعها عن أحوال الجزائر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فضلًا عن قيمته كأثر أدبي لا يخلو من طرافة وسخرية.

أما بخصوص مصادر هذه الرحلة، فقد اعتمد دوديه على أخبار العسكريين، وقصص المغامرين والجغرافيين والعلماء الذين زاروا المنطقة قبله. كما وقف كثيرًا على كتب الجنرال دوماس Daumas التي ضمّت معلومات شاملة وواسعة النطاق عن المنطقة وأحوالها، لا سيّما في كتبه: أخلاق وعادات الجزائر (Mœurs et Coutumes de L’Algérie) (1853)، الصحراء الكبرى (Le Grand Désert) (1857)، والحياة العربية والمجتمع الإسلامي (La Vie arabe et la (Société musulmane (1869). وأخيرًا، رجع إلى كتابات الرحّالة الفرنسيين حول الجزائر التي ما فتئت تصدر بداية من عام 1848، من مثل[18]:

- رسائل حول الجزائر Lettres Sur l’Algérie لغزافييه مارمييه Xavier Marmier.
- واحات في الجبال Les Oasis dans la montagne لأوديت كون Odette Keun.
- ملاحظات على الطريق Notes de route: Maroc-Algérie-Tunisie لإزابيل إبيرهارت Isabelle Eberhardt.
- دراسة حول الجزائر Etude sur l’Algérie لإرنست فيدو Ernest Feydeau.
وفوق ذلك كلّه، يبقى ألفونس دوديه من الأدباء الرحّالة الفرنسيين النادرين الذين اعتمدوا على تجاربهم الشخصيّة وعلى ما سمعه من أفواه الجزائريين كمنهج عمل، فهو بهذا شاهد عيان فيما يخصّ الأحداث التي عاشها، والشخصيّات التي التقى بها، والأماكن التي زارها [19]. كما ذهب أناتول فرانس Anatole France إلى القول: كان وصفه للأشياء وفق سجيّته هو الطريقة الوحيدة في تدوين ملاحظاته الخاصّة في يوميّاته في حينها. في حين اعتبره جول لومتر Jules Lemaître أفضل روائي نقل لنا ما رآه وما رُوِيَ له[20]. ولعلّ هذا ما حمل أيضاً الكاتب بيار دي لابريول Pierre de Labriolle على أن يصف كتاباته بأنها تمتاز بالواقعيّة والصدق[21].

استغرقت رحلة ألفونس دوديه إلى الجزائر شهرين ذهاباً وعودة، وفترة بهذا القصر والاتساع المكاني/ الجزائر، مرّ فيها الرحّال الفرنسي بمراحل ومشاهد ومواقف كثيرة وغنيّة، خاصّة أنَّها تمّت بين أناس مختلفين في اللغة والعادات والتقاليد والعقيدة، ولأماكنَ تختلف في طبيعتها عن بلاده التي كان يعيش فيها. وهذا ما جعل من مدوّنة هذه الرحلة من المصادر المهمّة التي عرّفت بالجزائر وبأوضاع أهلها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وما لا يعرفه مواطنو ألفونس دوديه عن الجزائر كثير يستحق التدوين والتنويه، وإذا دوّن فإنَّه يحتاج إلى وقت وجهد يسترجع فيهما الرحّال ما مرّ به، وهنا يضطر للانتقاء والاختيار. ولا بدّ حينئذ أن يقع في حيرة مبعثها أنَّه يتوجّه بكتاباته إلى عامّة الجمهور -لا إلى خاصّتهم- ثم هو مطالب بإرضاء ذوق هذا الجمهور، ولذا عليه أن يتوسّل في تحقيق ذلك، استخدام الأدوات والأنواع الأدبيّة المناسبة. وقد بدأ ألفونس دوديه رحلته نحو الجزائر أو كما كان يسميها الرحالة الفرنسيّون آنذاك «الشرق الفرنسي L’Orient Français» مبحراً من مدينة مرسيليا Marseille باتجاه الجزائر العاصمة في يوم 21 ديسمبر 1861 [22] وذلك على متن الباخرة التي كانت تحمل اسم Zouave برفقة أحد أبناء عمومته يدعى رينو  Reynaud صيّاد الأسود (الذي سيوحي له ببطل روايته ترتران دي تاراسكون)[23].

وبعد رحلة شاقّة دامت ثلاثة أيام صادفت فيها السفينة في إبحارها هبوبَ رياح عاصفة، أرست بألفونس دوديه وصديقه بميناء الجزائر، حيث يصوّر لنا في إحدى لوحاته الجو السائد لحظة وصوله فيقول: «في جوٍّ حار، أخذت الشمس تلسع فيه أرصفة الميناء، وتحت درجة حرارة قدرت بــ 17 درجة في الظل عند الرابعة مساء، من يوم السبت 21 ديسمبر، تراءت أمامنا ومن فوق هضبة، الجزائرُ البيضاء، بمنازلها الصغيرة المتراصّة ببعضها البعض والملونة بأبيض فاتر، في منظر أخّاذ تملؤه سعة تلك السماء الزرقا[24]».
وبعد النزول من المركب، أخذ الصديقان يتجوّلان في شوارع القصبة في لباس أتراك، بحزام أحمر وشاشيّة، حتى وصلا إلى المكان المخصّص لإقامتهما في فندق أوروبا l’hôtel de l’Europe حيث أقاما فيه يومين فقط؛ لأنه كان يقصّر اهتمامهما على ألا يمكثا طويلاً بالعاصمة، ليمضيا بعد ذلك في اتجاه البليدة Blidah ومتيجة Mitidja، ومن هناك تابعا طريقهما إلى خميس مليانة Milianah والشلف Chéliff التي قضيا فيها عطلة مريحة، تعرّفا من خلالها على أزياء السكان وعاداتهم[25].

ثم قاما بزيارة لبعض شيوخ العرب وخاّصة منهم «سي سليمان وسي عمر» اللذيْن عملا بما جاء في الرسالة التي وجّهت لهما في شأن دوديه، فبادرا بإعطاء الأوامر بتحضير مائدة الطعام، كما جرت عليه العادة عند نزول الأجانب ضيوفاً، وكان نصيب الصديقين في هذه الحالة الأطباق التقليديّة الشائعة في البلاد: دجاج باللوز، الكسكس، كعكات بالعسل والمربّى، القهوة، تصاحبها نغمات موسيقيّة بصوت آلة الدربوكة[26]. وفي يوم 25 فيفري من عام 1862، غادر ألفونس دوديه وابن عمّه الجزائر عائدين إلى فرنسا على متن السفينة Louqsor وهما في أتمّ الابتهاج والسعادة، وسرعان ما أخذ دوديه في عرض بعض من قصصه وانطباعاته عن الرحلة وأحداثها إلى رجال الصحافة، إلى أن أصدرها متناثرة في كتبه بين سنتي 1870 و1872 [27].

3. صور الجزائر في رحلة دوديه:
غالبًا ما يقوم أدب الرحلة على شغفٍ في خوض مغامرة البحث عن الذات وموقعها من الآخر وعالمه، وقياس درجة اتفاقه واختلافه معنا. ولتأسيس الوجود الفعلي لهذه الصورة، لا بد من اعتماد المتخيّل والتمثيل كعنصريْن جوهريّيْن في محاولة للتعرف على الذات ومقارنتها بالآخر، وبقدر ما يضمّ الأول مجموعة واسعةً من الصور والثيمات والمرويّات والخطابات والقيم والرموز التي تمكننا من تحديد صورة واضحة لهويّة الآخر/ الجزائر، يبقى الثاني بمثابة مؤشّر على ما تتمتع به ثقافة الذات/ فرنسا من قوّة وغلبة ومقدرة على إخضاع الآخرين والهيمنة عليهم[28].

وبناءً على ذلك، فإنَّ ما نالته مدوّنات رحلة ألفونس دوديه عن الجزائر من صيت وانتشار واسعيْن إنَّما سببه عاملان هما:
الأول: ما احتوت عليه من غرابة في الخطابات وعجائبيّة في المرويّات التي أعادت بناء صورة جديدة عن أحوال بلاد الجزائر الجغرافيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة في مخيّلات القرّاء وأذهانهم.
والثاني: أن ألفونس دوديه أفلح في استكناه حقيقة ذاته، وتأتّى له ذلك حين دوّن رحلته ونشرها، ومن ثَمّ أصبحت جميع مدوّنات رحلة دوديه وثيقة نفسيّة رائعة، يمكن الاتّكاء عليها في استنباط الحقائق عن النفس البشريّة التي يمثّل الرحّال أحد نماذجها البارزة.
وما يؤكّد لنا هذه الحقيقة، أنَّ قصص ألفونس دوديه الأربعة -وهي المادّة الأساسيّة المشكّل منها متن بحثنا هذا - التي خصّ فيها الجزائرَ- لا تحمل عناوينها اسم الجزائر أو واحدة من مناطقها بالتصريح أو التلميح على عكس الرحّالة الفرنسيين الآخرين، وذلك لأنَّ الرحّال الفرنسي من خلال لجوئه إلى الأسلوب القصصي أراد لأحداث قصصه أن تنفرد بالسرد المشوّق، وبما يمكن أن تقدّمه من متعة ذهنيّة كبرى[29].

إذًا، خلال إقامة دوديه بالجزائر وضواحيها، ضمّن رحلتَه في كتبه الآتية:

1. «رسائل من طاحونتي» Lettres de mon moulin – 1869.
2. «ترتران دي تراسكون» Tartarin de Tarascon – 1872.
3. «حكايات الاثنين» Les Contes du Lundi – 1873.
4. «روبيرت هيلمون: دراسات ومناظر» Robert Helmont: Etudes et Paysages – 1874. وهذه المصنّفات كانت كافية لتطلعنا على أحوال الجزائر عمرانيًّا وبشريًّا واجتماعيًّا، وعن مدى تعلّم الكاتب من لغة أهلها، ومعرفته بطباعهم وتقاليدهم[30]. لكن ما يلفت الانتباه في أحداث هذه القصص أن ألفونس دوديه انفعل بها وتفاعل معها، مما جعلها تمتاز بالحيويّة وإثارة العاطفة[31]. وإذا جاء حظ الجزائر كبيرًا في هذه الأعمال القصصيّة، فإنَّ القصص الواقعيّة منها، والعجيبة المصوّرة للجزائر، غير مدوّنة بشكل منظّم -كما يذهب إلى ذلك جون كايات- بل إنَّها مستلهمة من قصص الرحّالة الفرنسيين الذين سبقوه، وفي مقدمتهم فرومنتين Fromentin [32]. ولكن مع ذلك ترك دوديه بصمات واضحة خلال زيارته القصيرة للجزائر، نراها في وفرة ملاحظاته ومشاهداته التي تعتبر مصدرًا مهمًّا من النواحي الجغرافيّة والحضاريّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والإثنوغرافيّة وهذا ما سوف نقف عنده بالتفصيل.

أ. وصف لمدينة الجزائر العاصمة ومدن أخرى:
نشير في البداية إلى أنَّ كتاب «ترتران دي تراسكون Tartarin de Tarascon» يمثّل المدوّنة الأكثر توثيقًا لملاحظات دوديه في وصفه مدينة الجزائر وأزقّتها. ومن ثمّ يشكّل المُؤلَّف سَرْدًا مُفَصَّلًا ومُرتبًا زمنيًّا عما لقاه بطل القصة تارتران Tartarin يومًا بيوم في رحلته، بدءًا بتجواله في شوارع الجزائر العاصمة التي عدّها من المدن الأكثر جاذبية وبهاء[33]. لكن أي المناهج اتّبع دوديه في تسجيل رحلته؟ أكان منهجه يشمل تدوين تنقّلاته في البلاد وما رآه وسمعه؟ أم عَنِيَ بتسجيل ما سمعه من الرحّالة السابقين عنه والتجّار؟ أم كانت طريقته هي إضافة ما طالعه في كتب غيره إلى مشاهداته الشخصيّة؟!.

في حقيقة الأمر، أنَّ الأديب الرحّال دوديه حرص على أسلوب تدوين مشاهداته وانطباعاته الشخصيّة الحيّة، وما جمعه من معلومات عن الجزائر ومدنها، حتى يسهم في تعريف القارئ الفرنسي بموقع الجزائر الجغرافي ومناخها وعادات سكّانها وتقاليدهم، بل وحتى معتقداتهم، إذ أورد مقاطع وصفيّة لمدينة الجزائر العاصمة، مضمّنة في صيغ أدبيّة نثريّة، صيّرها الأسلوب الأدبي، مشبعة بأحاسيس الرحّال. وتبتدئ الصورة التي ينقلها دوديه عن الجزائر بلقطة عن محيطها الطبيعي مستهلاً حديثه عن منازل الجزائر البيضاء بوصف دقيق لها فيقول: «فبعد أن أرسى بنا المركب بالمرفأ لفتت انتباهنا الصورة الجميلة لتلك المنازل البيضاء الصغيرة الحجم، المنتظمة فيما بينها، والمطلّة من فوق هضبة، وكذا تلك المقاهي والمطاعم المجهّزة، ولتسعها طرقات واسعة بمحاذات منازل ذات أربعة طوابق»[34]. نرى من خلال هذا المقطع أنَّ الرحّال ينفعل تمام الانفعال بالمكان/ مدينة الجزائر ويتفاعل معه، كما يسعى إلى ربط: «المكان – وما عليه – بنفسه، ثم بالزمان، ليُخرج لنا موقفاً أو تجربة تستحق الوصف[35]».

وفي زيارته للجزائر العاصمة وتحديداً ليلة وصوله، يصف لنا أعداداً هائلة من الجراد، فيقول: «في هذا اليوم الحار، تراءت لي فجأة سحابة سوداء-تحسبها غمامة صقيع. إنَّه الجراد بحجم الأصبع، يطير في السماء وهو مضموم الأجنحة مشكِّلا كتلة واحدة، تتبع في طيرانها اتجاه الريح، ولكن رغم صرخاتنا، والجهود التي نبذلها لإبعاده إلا أنَّ تقدّمه لا محالة له، فقد التهم كل أخضر مرّ به[36]».

ومن بين أهمّ الأمور التي تحدّث عنها دوديه وصفه لأحياء مدينة الجزائر، إذ ذكر أشهرها كحي القصبة، وشارع باب عزون، المعروفة بأزقّتها غير المستقيمة والضيّقة، والتي يصعب السير فيها بسبب كثرة المارّة، ولوجود عدد كبير من العربات والبغال والحمير[37]. وفي زاوية من زوايا شارع باب عزون، لفت انتباه دوديه تلك الدكاكين الداكنة اللون لتجّار يهود جزائريين، وقد ترصّدوا له، يخيّل إليك كأنها عنكبوت[38].

ولم تكن زيارة مدينة الجزائر هي هدف ألفونس دوديه الوحيد في رحلته، بل قدّم لنا الكاتب وصفًا لمدن جزائرية أخرى مثل: المتيجة، والبليدة، ومليانة، والشلف، إذ أثار إعجابه بالمتيجة الجميلة وبمرتفعاتها التي يمكن للزائر أن يتأمّل بلحظة خاطفة مدى سعة سهلها الذي كان وصقلية الخزان الأساسي للرومان في الحبوب. ناهيك عن أنَّ هذا السهل يعدّ من أكثر المناطق جمالاً، والذي يقصده الأوروبيّون لأخذ قسط من الراحة أو للاستجمام[39].

كما أُخِذَ دوديه بسحر مدينة البليدة وأعجب بها أيّما إعجاب، والتي اجتمع فيها ببعض الضباط الفرنسيين لتناول وجبة الغداء، ثم ذهب الجميع -بعد ذلك- في نزهة تأمليّة في شلالات الشفة المشهورة بأسراب كبيرة من القردة، حيث لم يمتلك دوديه نفسه أمام هذا المنظر الخلّاب، فقال: «كان المنظر جد رائع، على يمينك جبال شاهقة وصخور كبيرة كأنَّها كاتدرائيّة ونباتات شائعة منها: الخروب، النخيل، وأشجار الزيتون[40]». وفي وصف دقيق لمدينة البليدة يبرز اهتمام دوديه بما انطبع في نفسه من مشاهد، كان لها أكبر الأثر على نفسيّته، حين نقل لنا مشهدًا لبساتين البرتقال المنتشرة حول المدينة فيقول: «أتذكر موقعًا لبستان برتقال عند مدخل البليدة، حيث الأوراق الداكنة الملساء والمبرنقة، والفاكهة ذات اللون الزجاجي تداعب النسيم العليل، والأزهار النيرة المحيطة بالمكان[41]».

وفي سياق تجواله بعالم جديد من المدن الجزائريّة التي لم يألفها من قبل، يحطّ الكاتب رحاله بمدينة مليانة المشهورة بمنحدراتها وكثرة بساتينها ومزروعاتها التي زرعت فيها شتّى الأشجار المثمرة من عبّاد الشمس، إلى أشجار التين واليقطين[42]. وحين وصل إلى سهل الشلف، أخذ يصف المكان وصفًا دقيقًا يدلّ على شدّة تأثّره بمناظره، وشعوره بالسعادة والارتياح فيه؛ لما أحيط بالمكان من أزهار الياسمين وأشجار الزيتون[43]، حتى لاحت له مناظر النخيل الباسقة وينابيع المياه المتدفّقة، وفي الأفق تراءى له دخان، وقد انبعث من خيمة أقيمت بالقرب من قبر رجل صالح[44]. ويتضح من هذا الوصف للمدينة، أنَّ الرحّال الفرنسي شغف بالشلف واستراح إلى أهلها واستطاب الإقامة فيها، وأدار في أنحائها عيناً لاقطة وذاكرة حافظة ساعدته فعلاً على أن يقدّم إلينا هذه اللوحة الفنيّة الزاخرة بالألوان.

وفي مطلع الأسبوع الأول من شهر فيفري 1862، عاد ألفونس دوديه إلى الجزائر العاصمة بعد أن زار العديد من المدن والقرى الجزائريّة مدة شهر تقريبًا، باحثًا عن الأسود بدون جدوى، كما كان يزعم بطل قصصه[45]. أما عن مناخ المنطقة، ذكر دوديه أنَّ طول مدة إقامته في الجزائر، وباستثناء بعض الأيام الممطرة (25 ديسمبر- 4 و6 و8 جانفي – من 15 إلى 19 جانفي – من 9 إلى 14 فيفري – 22 فيفري) فقد كان الجوّ معتدلًا، وأنه بسبب قلّة الأمطار تمّ تأجيل موسم الغرس إلى شهر فيفري ولا سيّما بضواحي مدينة مليانة. وفي مقام آخر، عبّر دوديه عن ضيقه من حرارة الجوّ التي لا تطاق[46]، ولعلّ هذا ما يدل على تأثير المناخ على من يقيم في الجزائر.

هذه هي مجمل انطباعات دوديه عن الأمكنة التي زارها، ويبدو بشكل واضح أنَّ المؤلّف كان منصرفًا إلى الاهتمام بملامحها العامّة، الأمر الذي يعكس لنا مدى المغامرة الممتعة التي قام بها الكاتب في: «أمكنة جديدة وبين أناس لم يكن له بهم سابق عهد. فالرحلة إذن ليست سوى تجربة إنسانيّة حيّة يتمرس بها، ويجعل التعرف إلى دقائقها واستكناه خفاياها، فيخرج منها أكثر فهماً وأصدق ملاحظةً، وأغنى ثقافةً وأعمق تأملات[47]».

ب. مظاهر الحياة في الجزائر:
استأثر التركيب الاجتماعي بالجزء الأكبر من رحلة ألفونس دوديه إلى الجزائر، إذ كان همّه كلّه منصرفًا إلى دراسة الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة الداخليّة. كما أنَّه لم ينس، للحظة، أنَّه إنسان يتفاعل مع مجتمع جديد عليه إلى درجة الذوبان فيه، كما أنَّه لا يركّز عدساته على الطبقة العالية فحسب، وإنّما يستهويه أولئك البسطاء العاديّون، وقد لجأ إلى أسلوب النثر في وصف رحلته الواقعيّة التي قام بها، موازنًا بين ذاته وموضوعه، بهدف التواصل مع القارئ والتأثير فيه. فجاءت مشاهداته وانطباعاته صورًا حيّة لواقع أحسّ به إلى حدّ بعيد.

ولعلّ تلك الانطباعات التي جاءت منطبعة بأحاسيس الرحّال الفرنسي، نلحظها في مواقفه الشخصيّة تجاه سكّان العاصمة. فقد لاحظ دوديه أنَّه تعاقبت أجناس مختلفة على الجزائر وامتزجت وانصهرت بسكّان البلاد الأصليين، ونؤثر هنا أن نصاحب الكاتب الرحّال في بعض انطباعاته المهمّة عن هذه الأجناس في قوله: «بالإضافة إلى سكّان الحضر من سكّان مدينة الجزائر، فإنَّ المدينة مأهولة بعدد كبير من الموريسكيّين والسود والمزابيين ويهود الجزائر[48]».

وما نسجّله أيضًا في هذا الجانب، اهتمام دوديه – في كتبه: «رسائل من طاحونتي، وترتران دي تارسكون، وحكايات الاثنين» - بوصفه للوظائف المسندة لهذه الأجناس، إذ لاحظ أنَّ لكلّ واحد منهم اختصاصه: فإذا كان ذكور السود حمّالةً، فإناثهم خادمات وبائعات حلوى، والموريسكيّون أصحابَ مقاهٍ أو تجّار، في حين أنَّ العرب فرسان أو رعاة غنم، وأما البربريّون فزارعو أراضٍ، وأخيرًا اليهود فهم أصحاب دكاكين ومحلّات.

ومن الجوانب الأخرى المهمّة التي أشار إليها الرحّال الفرنسي من خلال زيارته للجزائر الجوانبُ الدينيّة والاقتصاديّة، إذ قدّم لنا معلومات مهمّة في هذا الشأن، ففي الجانب الديني أشار دوديه إلى المساجد والجوامع التي كانت موجودة في الجزائر أثناء زيارته لها، وقد توسّع في وصفها، ولكنَّ وصفه جاء خارجيًّا، أبدى من خلاله إعجابه ببنائها وبعمارتها وبمنارتها المرتفعة، وإعجابه كان أشدّ بصوت المؤذّن الشجيّ الصافي الذي ملأ الأرجاء وهو يرفع الأذان «الله أكبر» من فوق منارة المسجد للتنبيه إلى الصلاة[49]. كما قدّم دوديه وصفًا موجزًا عن نساء الجزائر، ولا سيّما في حديثه عن الحجاب الذي يصفه بذلك الرداء الطويل والواسع الذي يرتدينه سواء أكان حائكًا أو فوطة، إذ يغطّي الجسم من الرأس إلى القدم، فضلًا عن الحلي والمجوهرات الكثيرة التي يرتدينها في المناسبات[50].

وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فقد أشار ألفونس دوديه من خلال مشاهداته إلى بعض الحمّامات العامّة الجميلة والمريحة، التي اعتبرها مكانًا للمواعدة والتلاقي بين النساء، فضلاً عن الخدمات الجيّدة التي تقدّم فيها[51]. أما عند حديثه عن السوق، فقد أشار الرحّال الفرنسي من خلال مشاهداته إلى التنوّع الواضح في البضائع والمنتجات والتي اعتمدت على مواد أوليّة، نباتية وحيوانيّة، ممّا توفر آنذاك بالجزائر من الزيتون الأسود، وقوالب العسل، وأكياس الحبوب، والسجائر، فضلًا عن مآدب الطعام من الخروف المشوي التي أعدّت[52].

استطاع ألفونس دوديه أن ينفذ إلى كثير من العادات والتقاليد لدى سكّان الجزائر، وخاصّة منها صفة الكرم والترحيب بالغريب، إذ يسجّل شهادته بحق أحّد أعيان العرب (سي سليمان) الذي أحسن استقباله وضيافته في قصره الفخم، وتحمّل مصاريف إطعامه، غداء وعشاء، فغالبًا ما كانت الوجبات تضمّ الخروف المشوي والدجاج والكسكس والمربّى واللحم والقهوة. وكثيراً ما كان يشعر دوديه -عندئذ- بالامتنان والشكر تجاه أهل الجزائر لما شاهده من مظاهر الترحيب به في العديد من الولائم و «الضَيْفَات diffas» وما تبعته من خيالة و «غوم goums» كما كان يقول[53].

عُرِفَ عن ألفونس دوديه إعجابه الكبير بالجزائر وبثقافتها ولغتها، ففي واحدة من تصريحاته التي عبّر فيها عن تعاطفه مع الجزائر يقول: «إيه! ها أنا ذا في الجزائر، كأنّي أعيش حياة سلطان من العصور الخوالي[54]». كما لم يُخْفِ ألفونس دوديه ما حفلت به كتبه من مفردات وعبارات فرنسيّة ذات الأصول العربيّة. ولغرض الوقوف على حيثيّات الموضوع، نعرض لبعض تلك الأسماء والتي ارتبطت معانيها بمجالات حياة الإنسان الجزائري، ومنها خاصة الطعام والشراب واللباس ومن هذه الكلمات:

1. اللباس: شاشيّة chéchia[55]، برنس burnous[56] أو beurnouss[57] أو bournous[58]، حايك أو حائك haïck[59]، فوطة fouta [60].
2. الأكل: كسكس kousskouss[61] أو couscouss[62].
3. الإقامة: دوار douar[63]، قوربي gourbi[64]، مَزَار marabout[65]، سوق souk[66].
4. الإدارة: باش آغا bachaga[67]، قاضي cadi[68]، قايد caïd[69]، آغا aga[70]، شاوش chaouch [71]، الحاج hadji[72].
5. الوليمة: ضيفة diffa[73]، مأدبة fantasia[74].
6. أخريات: دربوكة derbouka[75]، عربة corricolo[76]، رومي roumi[77]، لهجة sabir[78]، غوم goum [79]، حكول أو إثمد k’hol أو kohl[80].

ونعتقد أن ألفونس دوديه يبقى واحدًا من أولئك الكتّاب الرحّالة الفرنسيين الذين بدا تأثّرهم باللفظ العامي الجزائري واضحًا في أعمالهم الأدبيّة، هذا التأثير الذي يمكن أن نعزوه -عند دوديه- إلى أسباب كثيرة، منها: أنَّه استعار تلك التعبيرات لخفتها وسهولة نطقها، أو لجدّتها وطرافتها، أو أخيرًا جاء توظيفها على سبيل التلطّف والهزل الذي عرفته كتبه ورحلاته. لكنَّ الحقيقة    -في اعتقادنا- كانت أبعد من ذلك بكثير، فقد استطاع هذا التداخل بين الثقافتين العربيّة والأوروبيّة أن يعكس لنا قوة علاقة الأنا/ فرنسا بالآخر/ الجزائر من خلال ما عجّت به من كلمات لا عهد للقاموس الفرنسي بها (دخيلة)، ومن ثمّ يكون دوديه قد وُفّقَ إلى حدّ كبير في استيعاب الآخر رغم اختلافه معه.

جاءت رحلة ألفونس دوديه كقصّة تماسكت أحداثها التي وثّقت لنا تجربته وقراءاته المتعددة، كما يؤكد ذلك ليون ديجوموا[81]، وهي في الواقع حقيقة يلمسها كلّ قارئ لوقائع الرحلة. ومن ثمّ يكون دوديه قد اقترب كثيراً من أسلوب الأديب الذي يكون: «أسلوبه طوع يديه، أو يستطيع السيطرة عليه -على الأقل- ولذا سيكون أداؤه للحقيقة ميسّرًا، ويصبح همّه ضرورة التأنق والتجويد الشكلي الذي يؤثر على المضمون[82]». ومن يَعُدْ إلى كتبه الأربعة السابقة يلحظ أنَّ الكاتب اعتمد في حكاياته للأحداث التي مرّت به والأشخاص الذين لقيهم على المحاورة المباشرة كقصّة «ترتران - كيخوته وترتران - سانتشو»، ولعلّ هذا دافع إعجاب القرّاء به بعد نشر عمله عام 1872، كما يرى النقاد أنَّ سرّ نجاح دوديه يعود بالدرجة الأولى إلى: «الاسم المتألق الذي حمله الكاتب، وإلى طبعه الفكاهي والهزلي والساخر، وإلى بحثه المتفائل به حول الجزائر[83]».

وهذه الرحلة على قصر مدّتها، فهي مليئة بروح الفكاهة والظرف حتى تكون أبلغ في الوصول إلى الأثر المرجو، فهذا كراتشوكوفسكي يرى أنَّه: «لا يمكن إنكار قيمة الرحلة الأدبيّة وأسلوبها القصصيّ السلس ولغتها الحيّة المصوّرة التي لا تخلو بين آونة وأخرى من بعض الدعابة[84]». وهو الأمر الذي جعل ليو كلاريتي يعتبره في الصف الأول من الرحّالة الأدباء، مصوّرًا ما يجول في نفسه من مشاعر الفرح والغبطة أثناء زيارته للجزائر[85].

كما اشتملت رحلة ألفونس دوديه أيضًا على العديد من المظاهر العجيبة التي جسّدها الكاتب في العادات والتقاليد والمعتقدات والظواهر الطبيعيّة غير المألوفة له ولشعبه، ولو لم تكن كذلك لما نقلها ودوّنها. وقد لجأ الرحّال إلى العجيب في السرد حتّى يبقى المتلقي متردّدًا في تصديق الأحداث أو تكذيبها، وإن كان الرحّال يبذل قصارى جهده في إسناد مرويّاته؛ لينال ثقة المتلقي. أما عن لجوء دوديه إلى الفنتازيا المبنيّة على أساس التخييل، فنجدها تقريباً في شخصية ترتران Tartarin التي تأسست -فعليًّا- في ذهن المؤلف وفق عدّة أجزاء فنتازيّة متعدّدة، من الساخر إلى الغبي إلى الوضيع إلى الذكي إلى الماكر والمخادع[86]. كما توسّل الرحّال دوديه من أسلوب الوصف للتقرب من ذهن القارئ ولا سيّما حين عمد إلى وصف الأمكنة وصفًا دقيقًا (الشوارع، البساتين، الطرقات، المدن، الريف،... إلخ) أين جعل القارئ الفارغ الذهن عن المكان يخرج بصورة كاملة عنه، وينتقل معه ذهنيًّا إلى كلّ الأمكنة التي وطئتها أقدام الرحّال الفرنسي دون حاجة منه إلى الانتقال المكاني.

وما يمكن ملاحظته أخيرًا، أنَّ ألفونس دوديه من الرحّالة القلائل الذين وثّقوا مذكّراتهم برسوم توضيحيّة ولوحات فنيّة (سعينا إلى إدراج البعض منها في ثنايا صفحات هذا البحث) للمناطق التي قصدها، والأشخاص الذين التقى بهم في رحلته، ولعلّ هذا العدد الكبير من الصور والرسومات أفصح عن الكثير من معالم الجزائر ومظاهرها العامّة بأكثر مما فعله الرحّالة الأوروبيّون من قبله.

لقد عرف باحثون ونقاد كثيرون قدر الرحّال الفرنسي ألفونس دوديه وقيمة كتبه المتعلّقة برحلته، فأثنوا عليه بما يستحق، فجول لومتر Jules Lemaître يراه: «الكاتب الأكثر صدقًا وواقعيّةً... أكرّر هو الأديب الواقعي لا السيد إميل زولا[87]». وليس غريباً – بعد ذلك - أن يعتبره بيراناس Perrens أنَّه: «متفائل إلى درجة يبحث عن الخير في أعماق مخياله وإبداعه حينما لا يجده في الطبيعة[88]». ويعلن غوتييه فيريير Gauthier Ferrières أنَّ: «دوديه هو قبل كل شيء راوٍ وفانتازي في رواياته الجميلة[89]».

الخاتمة:
حاولت في هذا البحث المتواضع الوقوف على الصورة التي قدّمتها كتابات الرحّال الفرنسي ألفونس دوديه عن الجزائر وأهميّتها في معرفة الأوروبيين لأحوال البلاد وطباع سكّانها، وذلك كنموذج لأدب رحلات الأجانب الذي زخر به القرن التاسع عشر، على عكس العصور السابقة. وخلصتُ في نهاية بحثي إلى النتائج الآتية:
1. استطاع الرحّالة الفرنسيّون أن يعتمدوا في كتاباتهم عن الجزائر وأهلها أثناء زيارتها على أنفسهم أولاً، ثمّ استفادوا من الظروف التي كانت تمرّ بها الجزائر خلال فترة الاستعمار، لذلك يمكن اعتماد -بقدر من التحفّظ- تلك المدوّنات كمادّة تاريخيّة تسهم في توثيق الأحداث والأخبار
2. أوضحت كتابات الرحّالة الفرنسيين الأهميّة التي كانت تحظى بها الجزائر من حيث موقعها المتميّز، فضلًا عمّا كان ينفرد به سكّانها من عادات وتقاليد، إضافة إلى ما جاء ذكره عن الجوانب الاقتصاديّة والعمرانيّة والدينيّة.
3. إنَّ هذا التصوّر الفرنسي لملامح الجزائر في فترة الاحتلال ينطلق من نظرة خارجيّة ويعبّر عن موقف عدائي، جعل الدارسين للجزائر وتاريخها وأهلها في موقف حرج، بل في تناقض مع شروط المنهجيّة، سواء من حيث المواصفات أو المعالجة العلميّة. فهم لا يستطيعون بحكم حاجتهم إلى المضمون التاريخي لهذه الكتابات الفرنسيّة أن يستغنوا عنها، كما أنَّهم من جهة أخرى لا يمكنهم قبول توجّهاتها الاستعماريّة أو التسليم بأحكامها المتحيّزة. لذا يتطلّب الأمر على الجميع التسلّح بالمنهج النقدي والأسلوب التحليلي في التعامل مع هذه الكتابات، والتوقّف في الوقت نفسه -بالبحث الموضوعي- عند الكتابات الفرنسيّة وحتّى الأوروبيّة الأكثر موضوعيّة وحيادًا، وخاصّة أولئك الرحّالة الذين لم تكن لهم خلفيّات معادية للعرب والمسلمين، ولم يتأثروا بالمخطّطات الاستعماريّة الهادفة للسيطرة على دول البحر الأبيض المتوسط.
4. خلال مدّة إقامة ألفونس دوديه بالجزائر واندماجه مع السكّان وامتزاجه بمختلف طبقاتهم، وارتياده كثيرًا من المدن والأمكنة، مكّنه ذلك من إدراك الكثير من أحوال هذه البلاد، لذا خصّ وصفه لها أكثر من كتاب واحد، بل قد تجد في كلّ مؤلّفاته ذِكْرًا للجزائر، إمّا إشارةً وإمّا تلميحًا.
5. تُظْهِرُ رحلة دوديه مدى اهتمام الفرنسيين بدول البحر الأبيض المتوسط، وخاصّة منها الجزائر، ورغبتهم في التوجّه لدراسة الأوضاع الطبيعيّة والأحوال الاجتماعية والإمكانات الاقتصاديّة السائدة بها، ممّا وفّر للمعمّرين الجدد -آنذاك- في فترات لاحقة فرصة الاستيطان والتعمير.
6. أهميّة هذه الدراسة تكمن في الكشف عن المخزون التصوّري للأدباء الفرنسيين في القرن التاسع عشر ورؤيتهم لدول المغرب العربي الإسلامي، كما أنَّه يقوم بعرض واسع لرحلات هؤلاء الأدباء وعمليّة إدراكهم وفهمهم للجزائر وبحثهم عن فكّ غموضها وإبهامها وعادات سكّانها وعقليّاتهم.
7. زوّدتْ هذه الدراسة -الأوروبيين- بمادّةٍ إثنوغرافيّةٍ غزيرةٍ عن حياة وعادات الشعب الجزائري في فضاء القرن التاسع عشر، وللظفر بذلك آثرنا ترجمة فصول كثيرة للرحلة ترجمةً شخصيّةً من مصادرها الفرنسيّة.
8. لعلّ الهمّ الأساسي الذي راود ألفونس دوديه وهو يدون ملاحظاته وانطباعاته عن الرحلة، هو عمليّة النقل المباشر للصورة المخالفة والمعارضة في آن للثقافة التي أنتجته، أي نقل المشاهد والحالات الغريبة عليه والتي لم يألفها من قبل. وللحيلولة دون ذلك، كان حريّ به الوقوف عند نقاط التعارض والاختلاف بين الثقافتين الفرنسيّة والجزائريّة بالكشف والفحص؛ ليمنح للقارئ صورة تقريبيّة عن الآخر.
9. كان ألفونس دوديه يعبّر بصدق عن مشاعره ويبدي آراءه بصراحة في الأوضاع السائدة في الجزائر ويُعرب عن موقف متفهّم لميول الشعب الجزائري وخصائص طبقاته وأطيافه، وخاّصة طبائع أهل الريف، وهذا ما سمح له بتجاوز النظرة السطحيّة لدى غالبيّة الرحّالة الفرنسيين التي تحكم على ظاهر الأشياء، وساعده على ما كان يتميّز به الجزائريّون، كما استطاع أن يتلمّس الصلات الأخويّة والروابط الروحيّة التي تجمعهم.

المصادر والمراجع
أوّلًا: المراجع العربيّة
1. بيير جوردا، الرحلة إلى الشرق - رحلة الأدباء الفرنسيين إلى البلاد الإسلاميّة في القرن التاسع عشر – ترجمة: مي عبد الكريم وعلي بدر -دمشق- الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع – ط 1 – 2000.
2. رحلة العالم الألماني ج. أو. هابنسترايت إلى الجزائر وتونس وطرابلس– ترجمة: ناصر الدين سعيدوني – تونس – دار الغرب الإسلامي– ب. ط – ب. ت.
3. حسني محمود حسين، أدب الرحلة عند العرب – بيروت - دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع – ط 2 - 1983.
4. مدينة قسنطينة في أدب الرحلات – رسالة ماجستير – إعداد الطالب: حمادي عبد الله – جامعة قسنطينة – 2007/ 2008 – ص132.
5. نادر كاظم، تمثيلات الآخر– صورة السود في المتخيّل العربي الوسيط – بيروت – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ط 1 – 2004.
6. تاريخ الأدب الغربي لنخبة من الأساتذة – ترجمة: صيّاح الجهيم – دمشق – الهيئة العامة السوريّة للكتاب – ط 1 – 2020 - ج 2.
7. ناصر عبد الرزاق الموافي، الرحلة في الأدب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري – القاهرة – دار النشر للجامعات المصريّة – ط 1 - 1995.
8. أغناطيونس يوليانوفتش كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي – ترجمة: صالح الدين عثمان هاشم – القاهرة – جامعة الدول العربيّة – ج1.

ثانيًا: المصادر الأجنبيّة
1. Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - Ed. C. Marpon et E. Flammarion - Paris - 1889.
2. Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - Ed. Ernest Flammarion - Paris.
3. Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - Bibliothèque Charpentier - Paris - 1905.
4. Contes du Lundi par Alphonse Daudet - Librairie Alphonse Lemerre - Paris.
5. Nabab par Alphonse Daudet - Edition Ebooks libres et gratuits - 2005.
6. Jack par Alphonse Daudet - Edition Ebooks libres et gratuits - 2008.

ثالثًا: المصادر الفرنسية

1. L’Algérie dans la littérature française par Charles Tailliart - Librairie Ancienne Edouard Champion - Paris - 1925.
2. Récits et Nouvelles d’Algérie par Alphonse Daudet - Présentation Jean Déjeux -Ed. La Boite à Documents -Paris -1990.
3. Au soleil par Guy de Maupassant - ةdition Albin Michel - Paris - 1925.
4. Précis de la littérature française par Mlle Bertha Schmidt - Friedrich Gutsch, ةditeur - Karlsruhe - 1909.
5. Histoire de la langue et de la littérature française, des origines à 1900 par Petit De Julleville - Armand Colin et Cie Editeurs - Paris, 5, rue de Mézières - 1896.
6. Histoire Sommaire de la Littérature Française au xix siècle par F. T. Perrens - Société Française d’Editions d’Etat - L. Henry May - Paris.
7. Le Voyage d’Alphonse Daudet en Algérie 1861-1862 par Jean Caillat - Revue Africaine - n°64 - Ancienne Maison Bastide - Jourdan - Alger.
8. L’Algérie d’Alphonse Daudet par Léon Degoumois - Ed. Sonor - Genève - 1922.
9. La Revue de Paris - Cinquième Année - Tome Premier - Janvier / Février 1898 - Bureau de la revue - Paris.
10. Histoire de la littérature française par Pierre de Labriolle - Librairie CH. Delagrave - Paris.
11. Histoire de la littérature française par Léo Claretie - Société d’Edition littéraires et artistiques - Paris - 1909 - t 4.
12. Les contemporains - études et portraits littéraires par Jules Lemaître - 2ème série - Société française d’imprimerie et de librairie - Paris - 1897
13؟ La Littérature Française au XIX Siècle par F. T. Perrens - société française d’édition d’Art - Paris -1898.
14. Anthologie des écrivains français du xix siècle - Prose par Gauthier Ferrières - Bibliothèque Larousse - Paris.

------------------------------
[1]*- المركز الجامعي بمغنية ـ الجزائر.
[2]- بيير جوردا، الرحلة إلى الشرق - رحلة الأدباء الفرنسيين إلى البلاد الإسلاميّة في القرن التاسع عشر - ترجمة: مي عبد الكريم وعلي بدر - دمشق - الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع - ط 1 - 2000 - ص9.
[3]- L’Algérie dans la littérature française par Charles Tailliart - Librairie Ancienne Edouard Champion - Paris - 1925 - p.641.
[4]- ينظر: رحلة العالم الألماني ج. أو. هابنسترايت إلى الجزائر وتونس وطرابلس- ترجمة: ناصر الدين سعيدوني -تونس- دار الغرب الإسلامي- ب.ط - ب.ت - ص9.
[5]- حسني محمود حسين، أدب الرحلة عند العرب - بيروت -دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع- ط2 - 1983 - ص6 .
[6]- L’Algérie dans la littérature française par Charles Tailliart - p. 9.
[7]- Récits et Nouvelles d’Algérie par Alphonse Daudet - Présentation Jean Déjeux -Ed. La Boite à Documents -Paris -1990- p.9.
[8]- L’Algérie dans la littérature française par Charles Tailliart - p. 642.
[9]- Ibid. p. 325.
[10]- Au soleil par Guy de Maupassant - ةdition Albin Michel - Paris - 1925 - p. 12.
[11]- Récits et Nouvelles d’Algérie - Alphonse Daudet - Présentation Jean Déjeux - p. 7.
[12]- Précis de la littérature française par Mlle Bertha Schmidt - Friedrich Gutsch, ةditeur - Karlsruhe - 1909 - p. 173.
[13]- Histoire de la langue et de la littérature française, des origines à 1900 par Petit De Julleville - Armand Colin et Cie Editeurs - Paris, 5, rue de Mézières - 1896 - p. 191.
[14]-  Histoire Sommaire de la Littérature Française au xix siècle par F. T. Perrens - Société Française d’Editions d’Etat - L-Henry       May - Paris - 1898 - p. 337.
[15]-  مدينة قسنطينة في أدب الرحلات - رسالة ماجستير - إعداد الطالب : حمادي عبد الله - جامعة قسنطينة - 2007/ 2008 - ص132.
[16]- Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - Ed. C. Marpon et E. Flammarion - Paris - 1889 - p. 19-20.
[17]- Le Voyage d’Alphonse Daudet en Algérie 1861-1862 par Jean Caillat - Revue Africaine - n°64 - Ancienne Maison  Bastide-Jourdan - Alger - 1923 - p. 16- 18.
[18]- L’Algérie dans la littérature française par Charles Tailliart - p. 657.
[19]- L’Algérie d’Alphonse Daudet par Léon Degoumois - Ed. Sonor - Genève - 1922 - p. 13.
[20]- La Revue de Paris - Cinquième Année - Tome Premier - Janvier / Février 1898 - Bureau de la revue - Paris - p. 9.
[21]- Histoire de la littérature française  par Pierre de Labriolle - Librairie CH. Delagrave - Paris - p. 449.
[22]- في حين يذهب ليون دوجوموا Léon Deqoumois في كتابه «جزائر ألفونس دوديه» (ص 173) أنَّ الرحلة باتجاه الجزائر بدأت يوم 1 ديسمبر 1861 .
[23]- Le Voyage d’Alphonse Daudet en Algérie 1861-1862 par Jean Caillat - p. 11.
[24]- Ibid. p. 26- 27
[25]- Ibid. p. 24- 25.
[26]- Ibid. p. 85 -95.
[27]- Récits et Nouvelles d’Algérie - Alphonse Daudet - Présentation Jean Déjeux - p. 17.
[28]- نادر كاظم، تمثيلات الآخر- صورة السود في المتخيّل العربي الوسيط - بيروت - المؤسّسة العربيّة للدراسات و النشر- ط 1 - 2004 - ص39-41 .
[29]- ينظر : حسني محمود حسين، أدب الرحلة عند العرب - ص 8.
[30]- Récits et Nouvelles d’Algérie - Alphonse Daudet - Présentation Jean Déjeux - p. 11.      
[31]- تاريخ الأدب الغربي لنخبة من الأساتذة - ترجمة : صياح الجهيم - دمشق - الهيئة العامة السوريّة للكتاب - ط 1 - 2020 - ج 2 - ص 597.
[32]- Le Voyage d’Alphonse Daudet en Algérie 1861-1862 - par Jean Caillat - p. 11.
[33]- L’Algérie d’Alphonse Daudet par Léon Degoumois - p. 263.
[34]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - Ed. Ernest Flammarion - Paris - p. 113- 126.
[35]- ناصر عبد الرزاق الموافي، الرحلة في الأدب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري - القاهرة - دار النشر للجامعات المصرية - ط1-  1995 - ص36.
[36]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - Bibliothèque Charpentier - Paris - 1905 - p. 276- 277.
[37]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 88 et 114.          
[38]- Ibid. - p. 131.
[39]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - p. 231- 232.
[40]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 232.
[41]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - p. 131.
[42]- Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - p. 144.
[43]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 211- 212.
[44]- Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - p. 182.
[45]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 242.
[46]- Ibid. p. 240 -272.
[47]- ناصر عبد الرزاق الموافي، الرحلة في الأدب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري - ص39.
[48]- Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - p. 122.
[49]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 192.
[50]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - p. 214 -269
[51]- L’Algérie d’Alphonse Daudet par Léon Degoumois p. 73.
[52]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 236.
[53]- Ibid. - p. 234.
[54]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet. - p. 144.
[55]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 90.
[56]- Ibid. - p. 244.
[57]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - p. 269.
[58]- Contes du Lundi par Alphonse Daudet - Librairie Alphonse Lemerre - Paris - p. 148.
[59]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - p. 269.
[60]- Ibid. - p. 269.
[61]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 213.
[62]- Ibid. - p. 194.
[63]- Ibid. - p. 242.
[64]- Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - p. 340.
[65]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 246.
[66]- Nabab par Alphonse Daudet - Edition Ebooks libres et gratuits - 2005 - p. 354.
[67]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 276.
[68]- Ibid. - p. 242.
[69]- Lettres de mon Moulin par Alphonse Daudet - p. 253.
[70]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 244.
[71]- Ibid. - p. 244.
[72]- Jack par Alphonse Daudet - Edition Ebooks libres et gratuits - 2008 -  p. 682
[73]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 244.
[74]- Ibid. - p. 244.
[75]- Trente ans de Paris par Alphonse Daudet - p. 127.
[76]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 131.
[77]- Contes du Lundi par Alphonse Daudet - p. 148.
[78]- Ibid. - p. 167.
[79]- Tartarin de Tarascon par Alphonse Daudet - p. 244.
[80]- Ibid. - p. 152.
[81]- L’Algérie d’Alphonse Daudet par Léon Degoumois - p. 187.
[82]- ناصر عبد الرزاق الموافي، الرحلة في الأدب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري - ص77.
[83]- L’Algérie dans la littérature française par Charles Tailliart – p. 420.
[84]- أغناطيونس يوليانوفتش كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي - ترجمة: صالح الدين عثمان هاشم - القاهرة - جامعة الدول العربيّة - ج1-  ص186.
[85] Histoire de la littérature française par Léo Claretie - Société d’Edition littéraires et artistiques - Paris - 1909 - t 4 - p. 486.
[86]- L’Algérie d’Alphonse Daudet par Léon Degoumois - p. 251.
[87]- Les contemporains - études et portraits littéraires par Jules Lemaître - 2ème série - Société française d’imprimerie et
de librairie - Paris - 1897 - p. 235.
[88]- La Littérature Française au XIX Siècle par F. -T. Perrens - société française d’édition d’Art - Paris -1898 - p. 341.
[89]- Anthologie des écrivains français du xix siècle - Prose par Gauthier Ferrières - Bibliothèque Larousse - Paris - p. 95.