البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الرؤية والمناهج الاستشراقيّة في قراءة هشام جعيط للسيرة النبوية

الباحث :  خديجة بن السايح
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  26
السنة :  ربيع 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  May / 18 / 2021
عدد زيارات البحث :  86
تحميل  ( 621.997 KB )
الملخّص:
نروم من هذه الدراسة تقديم رؤية هشام جعيط الجديدة للسيرة النبويّة الشريفة ونقده، من خلال قراءته المعاصرة لتاريخيّة السيرة المحمّديّة وفق مفهوم حداثي، باعتباره مشتغلًا بالتاريخ الإسلامي، ومهتمًّا بقضايا الحداثة، ناقدًا مختلف الرؤى الاستاتيكيّة للتراث الإسلامي وتاريخيّته، مستندًا إلى آليّات استشراقيّة بعيدة كل البعد عن نطاق التداول الإسلامي. ومنه تظهر تناقضات جعيط الفكريّة والازدواجيّة الفكريّة، ومقاربته الناقدة للفكر الاستشراقي من جهة، في حين يبدو متماهيًا معه من جهة أخرى.
ومن الواضح أن مواقف هشام جعيط الناقدة للاستشراق والمستشرقين ناتجة عن توجّسه المفرط من اتّهام قراءته الحداثيّة للسيرة النبويّة وفق خلفيّة استشراقيّة. إذ وردت قراءته الجديدة للسيرة النبويّة على شكل طعون في مختلف جوانب سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الذي أكسبها طابع التشكيك في حقائق نسبه، وتاريخ مولده وبعثته وحتّى وفاته، والطعن في اسمه الشريف، معتبرًا أنّ محمّدًا مجرّد صفة من صفاته استقاها الرسول من التراث السرياني واليهودي.

المحرِّر

الكلمات المفتاحيّة: الاستشراق، القراءات الحداثيّة، السيرة النبويّة.

مقدّمة:
في ظلّ تصاعد المدّ الحداثي في العالم الإسلامي شحذت همم المفكّرين المسلمين وارتفعت أصواتهم من أجل إعادة النظر في مجمل مكنونات التراث الإسلامي، والدعوة إلى ضرورة تجديده، فاتّجهوا نحو تحديثه من خلال قراءة حداثيّة للنصّ الديني (القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة) من أجل صياغة فهم معاصر لها يتلاءم مع مستجدّات العصر.
وعليه تمّ إنجاز هذه المقالة لتسليط الضوء على قراءة هشام جعيط المعاصرة للسيرة النبويّة، التي تناولت الظروف والملابسات التاريخيّة والدينيّة لشخصيّة الرسول وسنّته الطاهرة، زاعمًا التجديد في مجال السيرة المحمّديّة، مؤكّدًا على تقديم طرح مغاير مبني على منهج عقلي تفهّمي، متجاوزًا للسرديّة الاستشراقيّة والرؤى التراثيّة للسيرة النبويّة الشريفة.

أهمّية الموضوع
تكمن أهمّية هذه الدراسة في أنّها تعمل على تسليط الضوء على السيرة النبويّة في ظلّ الفكر الحداثي، من خلال الوقوف على قراءة هشام جعيط المعاصرة لتاريخيّة السيرة المحمّديّة، كما تعمل على إبراز خلفيّته الاستشراقيّة وتناقضاته الفكريّة، إضافة إلى مناقشة مقارباته المتناقضة أثناء تجديده لسيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

الإشكاليّة
تتمحور إشكاليّة هذه الدراسة حول قراءة هشام جعيط لسيرة الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) داعيًا لتحديثها وتجديدها، باعتباره مفكّرًا حداثيًّا متخصّصًا في التاريخ الإسلامي، ناقدًا للفكر الاستشراقي والقراءات الأصوليّة للتراث الإسلامي، وعليه نتطرّق إلى صياغة الإشكاليّة على النحو الآتي:

ما طبيعة الرؤية الاستشراقيّة في القراءة الحداثيّة لهشام جعيط للسيرة النبويّة؟

 أو بعبارة أخرى إلى أي مدى تأثّر هشام جعيط بالمناهج الاستشراقيّة، أثناء تحديثه لتاريخيّة السيرة المحمّديّة؟

الدراسات السابقة:
وفيما يخص الدراسات السابقة المتّصلة بموضوعنا هذا هي:
1- العرابي نجاة: السيرة النبويّة والقراءات المعاصرة هشام جعيط أنموذجًا، رسالة ماجستير، جامعة وهران (2012-2013م).
2- عباسي نوال: الفكر العربي بين الأصالة والتجديد هشام جعيط ومحمد عزيز الحبابي أنموذجًا، أطروحة دكتوراه، المدرسة العليا للأساتذة، الجزائر (2015-2016م).
3- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، الندوة الدوليّة حول الاستشراق، تونس: 08-10-2009م.

منهجيّة الدراسة
اعتمدنا في إنجاز هذه الدراسة على المنهج التحليلي النقدي، من أجل إبراز المنطلقات الفكريّة لمشروع هشام جعيط الحداثي لسيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). والوقوف على خلفيّاته الفكريّة لتوضيح مواقفه من الفكر الاستشراقي، ونقد تناقضاته الفكريّة، ومنطلقاته المنهجيّة في فهمه الجديد للسيرة المحمّديّة.

وقد جاء تقسيم الدراسة على النحو الآتي:
تتألف هذه الدراسة من مقدّمة (كتوطئة للموضوع) ومبحثين، تطرّقنا في المبحث الأوّل إلى ضبط موقف جعيط من الاستشراق والمستشرقين، ناقشنا من خلاله ثلاثة مطالب تناولنا فيها مفهومه للفكر الاستشراقي، ونقده لأطروحات المستشرقين في مجال التراث الإسلامي، وادعاءه للتجديد في تناوله للسيرة النبويّة. أما المبحث الثاني فعالجنا ضمنه قراءة جعيط لتاريخيّة السيرة المحمّديّة والحديث الشريف، إذ تطرّقنا إلى كشف الرؤية الاستشراقيّة التي سقط فيها جعيط في تحليله لنسب الرسول، وتاريخيّة مولده وأكذوبة قثم كاسم للنبي. كما ناقشنا قراءة جعيط للحديث الشريف، ثم توصّلنا إلى خاتمة ومجموعة توصيات.

موقف هشام جعيط من الاستشراق والمستشرقين
مفهوم الاستشراق عند هشام جعيط
لقد كان تخصّص هشام جعيط في مجال دراسات التاريخ الإسلامي سببًا جوهريًّا في اصطدامه بالاستشراق، الذي طالما اعتبره المستشرقون حكرًا عليهم على حسب رأي جعيط، الذي قرّر الاهتمام بالفترة الإسلاميّة الأولى منذ أواسط الستينيّات[2]، وهكذا عمل هشام جعيط على التفوّق على الطرح الاستشراقي في مجال التاريخ الإسلامي، إذ كان تعامله بالفعل مع الاستشراق من خلال كتابه الكوفة نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة. إذ أولى له بابًا بعنوان الاستشراق والمدينة الإسلاميّة. ثم قرّر بعدها الغوص أكثر في أعماق الاستشراق، وتحليله للبنى الاستشراقيّة وفهمها، فخصّص فصلًا بعنوان سيكولوجيّة الاستشراق، في كتابه الشهير أوروبا والإسلام، الذي عبّر فيه عن جملة مفاهيمه عن الفكر الاستشراقي.

- يكمن مفهوم هشام جعيط للاستشراق في أنّه حركة فكريّة ظهرت في أوروبا ترتكز على خلفيّتين أساسيّتين: أوّلها الخلفيّة المسيحيّة، وثانيهما النزعة الأوروبيّة دون أن يغفل عن العلمانيّة الأوروبيّة، والهدف من هذا كلّه في نظره هو خدمة الأساس الفكري للاستشراق، المتمثّل في توجيه العداء للإسلام والمسلمين. إذ أكد جعيط على الخلفيّة المسيحيّة للاستشراق، باعتبارها محرّكًا رئيسًا للفكر الاستشراقي، فيقول: (إنّ أوروبا التي يرجع إليها الاستشراق هي أوروبا المسيحيّة القروسطيّة)[3]، ذلك أنّ المسيحيّة تمثّل الغرب برمّته في نظر جعيط، إضافة لتأكيده على العلمانيّة، باعتبارها نتاجًا غربيًّا، وبذلك يصبح الاستشراق في نظر هشام جعيط موجّهًا للعداء نحو الإسلام، باعتباره يمثّل عقدة المغايرة للآخر، إذ يقول: (وكأنّ تلك الصلة المطوّلة مع ثقافة أخرى تعيد له وعيه الحاد بتميّزه الذي يؤكّد عليه خوفًا من فقدانه أو ذوبانه. هناك دومًا مأساة الاتصال الثقافي...تعميمه يهدّد بتفكّك الأنا، وتفجير انسجامه)[4]. لذلك ركّزت الأيديولوجيّة الاستشراقيّة على الخلفيّة المسيحيّة، باعتبارها تمثّل الغرب على الرغم من الرؤية العلمانيّة له، كلّ ذلك كان الغرض منه النيل من الإسلام إذ يقول جعيط: (استخدم الاستشراق المسيحيّة والعلمنة المعاصرة، كلًّا بدورها؛ لاتّهام الإسلام اعتباطًا إمّا بنقص في الروحانيّة، وإما بالجمود التيوقراطي)[5].

كما يرى جعيط أنّ الاستشراق تعامل مع الشرق الإسلامي وفق النزعة الأوروبيّة أثناء تعاطيه مع الإسلام وتاريخه وحضارته، فالنرجسيّة الأوروبيّة للاستشراق كانت واضحة خلال مقارنات غير عادلة للشرق الإسلامي.
كما ورد على لسانه (أن يقوم العالم الغربي الصادق، والمؤرّخ الكلاسيكي بقوّة ضدّ بعض التأكيدات الجازمة النابعة من مانويّة ساذجة تقارن بين غرب ديناميكي، وشرق ملعون)[6]. ويتّضح جليًّا إصرار الفكر الاستشراقي على تقديم الشرق الإسلامي وتصنيفه في خانة المحدوديّة والركود والهامشيّة، مقارنة بالغرب المسيحي الذي يعتبر الحلقة الأقوى في هذه المقارنة. وتماشيًا مع الموقف الاستشراقي يعتبر جعيط أنّ الاستشراق قد فقد طابع الموضوعيّة بشكل كلّي نتيجة تضاعف الشعور بالأنا الأوروبي، قائلًا: (إنّ الاستشراق المتطرّف مع تأكيده بقوّة على أوروبيّة جماعيّة، يضع نفسه خارج ما هو عالمي وخارج ديناميكيّة الاتصال...حتّى الاستشراق الجدّي...لم ينجح في إيجاد النقطة الحسّاسة التي يتمّ من خلالها الوصل بين داخليّة الثقافة وخارجيّتها)[7]. والقصد من ذلك كلّه المحافظة على الأسس الفكريّة للاستشراق، التي لم يغيّرها عبر مسيرته، وفق رأي جعيط. فالرؤية الاستشراقيّة حسبه تنطلق من معاداة الإسلام والمسلمين وللنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) معتبرين (نبوّته الكاذبة أوقفت تطوّر الإنسانيّة باتّجاه المسيحيّة)[8]. فظهر الاستشراق كما لو كانت مهمّته الأساسيّة تشويه الإسلام، ومركّزًا  على عجزه. (... إنّ رؤيتها لسيكولوجيّة الإسلام هي رؤية جامدة، أنماط إنسانيّة بسيطة وثابتة تنصبّ أمام أعيننا: العربي، المسلم، البربري، التركي ذو صفات ثابتة جدًّا دون شكّ)[9].

على الرغم من ذلك يرى جعيط أنّ الاستشراق أخذ الطابع العلمي، باعتباره قسمًا من أقسام المعرفة العلميّة، خصوصًا في مجال اللغات والفيلولوجيا والتاريخ والجغرافيا والأدب والسيرة، إلى جانب التنقيب عن النصوص القديمة ونشرها وتحقيقها تحقيقًا علميًّا[10]. كما يؤكّد جعيط على أنّ هدف المستشرقين الحقيقي من وراء هذا البحث ليس العلم فقط، بل من أجل تنافسهم على المناصب العليا في الجامعات الأوروبيّة[11]. كما صرحّ جعيط أنّ الاستشراق قد احتكر لنفسه كلّ ما يخصّ البحث والعلم والمنهجيّة، دون غيره من الدراسات والبحوث، خصوصًا ما كتب باللغة العربيّة وما كتب في منطقة الشرق والعالم الإسلامي. وقد استمرّ هذا الأمر حتّى الوقت الحاضر تقريبًا[12]، على حدّ تعبير جعيط، فالاستشراق ينسب لنفسه التفوّق العلمي والبحث الممنهج دون غيره.

وفي خضمّ تحليل هشام جعيط للظاهرة الاستشراقيّة وتتبّع صيرورتها، صرّح بوضوح عن أفول الاستشراق وموته بعدما امتدّت مسيرته لقرون. إذ كانت بدايته، حسب رأي جعيط، خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر[13]، ثمّ واصل مسيرته حتّى الفترة المعاصرة فأخذ تسميته (الاستشراق الجديد)[14] على حدّ تعبيره، الذي قضى بزوال الفكر الاستشراقي، بفقدانه لرونقه ومكانته بشكل نهائي، (فتحدّث هشام جعيط عن استشراق يحتضر ثمّ يموت)[15] ويرجع ذلك في نظره لأسباب أهمّها:

- اندثار وموت أغلب رجال الفكر الاستشراقي، وأكثرهم معرفة وتضلّعًا واطّلاعًا على المصادر كجوزيف شاخت وبرنارد لويس وغيرهما.
- فقدان أوروبا لمركزيّتها وهيمنتها على العالم، خصوصًا بعد انتشار المدّ التحرّري من حركات الاستعمار الغربي، الأمر الذي تسبّب في تقلّص الاستشراق على اعتبار أن الاستعمار والامبرياليّة كانا وجهًا من أوجه الاستشراق المهمّة، الباعثة للبحث والدراسة وفق مفهوم جعيط.
- فقدان الاستشراق لتوهّجه العلمي، نتيجة ظهور حقول علميّة جديدة، أكثر فاعلية وعلميّة ومنهجيّة، كالعلوم السياسيّة والاجتماعيّة لدراسة الشرق الإسلامي العربي، من وجهة تاريخيّة تتضمّن تاريخ الأديان[16]. كما فعلت الجامعات الكبرى في الغرب كالجامعات الأمريكيّة، الأمر الذي أدّى إلى تراجع الحركة الفكريّة الاستشراقيّة والانصراف عنها.

1-2- المستشرقون في نظر جعيط:
- لا تختلف نظرة جعيط للمستشرقين كثيرًا عن نظرته للاستشراق، ذلك أنَّ المستشرق قد استقى أيديولوجيّته من مرتكزات الفكر الاستشراقي، القائم على النزعة المسيحيّة من جهة، والمركزيّة الأوروبيّة من جهة أخرى، إذ يقول: (...فالمستشرق يؤكّد على نموذجيّة مصير أوروبا)[17]، حيث عمل المستشرقون على تصدير نموذج الغرب الأوروبي المسيحي كمثل أعلى يحتذى به. كما يؤكّد جعيط أنّه لا يوجد فارق بين نمط المستشرق الكلاسيكي والمستشرق المعاصر، فهناك نقطة تلاق تجمع بينهما تكمن في إيمانهما بنفس المنطلقات الفكريّة القائمة على (الغربيّة اليائسة والمسيحيّة بشكل خاصّ تنفتح على التسامي العالمي)[18] وفقًا لتعبير جعيط، الأمر الذي يدفع المستشرق إلى الدخول في مقارنة بائسة بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، مثل المقارنة بين شخصيّة محمّد وشخصيّة المسيح[19]، وهذه مقارنة تفتقد للعدل تمامًا إذ يظهر النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة غير لائقة تمامًا مقارنة مع شخصيّة المسيح.

- كما تعتبر نظرة هشام جعيط للمستشرق نظرة راديكاليّة، إذ صوّره مهزوزًا تائهًا ومتشرذمًا عاجزًا عن تحديد وجهته ومواقفه فيقول: (المستشرق الذي لا يعرف في نهاية المطاف إلى أي جمهور يتوجّه...)[20] وهكذا بدا الفصام واضحاً لدى المستشرقين الذين لم يتمكّنوا من تحديد وجهتهم، وأي فريق يخاطبون، الغرب الأوروبي المسيحي أم الشرق الإسلامي. ثمّ اتّجه جعيط إلى أبعد من هذا بكثير، إذ وصل به الأمر إلى التقليل من شأن البعض من المستشرقين؛ لأنّهم لم يحظوا في نظره على الشهرة في بلدانهم الأصليّة، التي لم يكونوا معروفين فيها فيقول جعيط: (...كان لديه عدة مفكّرين كبار لم يعرفوا في مجتمعهم أمثال غولدزيهر وبيكر وفلهاوزن وماسنيون ...)[21] فكيف يمكن لهؤلاء الخوض في الحضارة الإسلاميّة وتراثها العريق، وهم ليسوا على قدر هذه المسؤولية؟.

- بعدما قام جعيط بتحليل سيكولوجي للاستشراق والمستشرقين، خلص إلى تصنيفهم على النحو الآتي:
مستشرقون شديدو التعصّب للمسيحيّة مثل رينان ودوزي ولامانس.
مستشرقو الفترة الاستعماريّة مثل غولدزيهر وبيكر وسنوك هرغرونج[22].

بالنسبة للصنف الأوّل من المستشرقين فهم يمثّلون (أسياد الجريمة رينان لامنس ودوزي)[23]. وفقًا لرأي جعيط الذي لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة ظلمهم وتجنّيهم على الحضارة الإسلاميّة، ومواقفهم التعسفيّة إزاء التاريخ الإسلامي. أمّا بالنسبة لرينان فيدخل ضمن المستشرقين العنصريين تجاه الإسلام والمسلمين، فهو لم يتوان من التقليل من شأنهم فيقول: (...عبوديّة الفكر الشرقي وعن صدّ تطوّر العلوم في بلاد الشرق)[24] فالمستشرق رينان كان قاسيًا وغير عادل في مسألة التعامل مع الإسلام، في مجال تطوّره الثقافي[25] والفكري للمسلمين، وحصر كل ماله علاقة بالإنتاج العلمي والفكري داخل دائرة الغرب. أمّا بالنسبة للمستشرق لامنس، فاعتبر جعيط أنّ تعامله مع الإسلام تميّز بمكر واسع لا يقل خطورة عمّن سبقه، وشرح جعيط هذا التصرّف في قوله: (نفى الإسلام خارج ذاته)[26] وبذلك يحصر الإسلام داخل الصحراء والبادية باعتبارها حدودًا له، كما كان لامنس متعاطفًا مع القوى المعادية للإسلام كما ورد في قوله: (على غرار الأمويين ممثّلي الأرستقراطيّة المعادية للإسلام)[27]. ذلك أنّ انتصار الإسلام ينعكس بشكل سلبي على الامتداد المسيحي في الشرق الإسلامي، وهذا الموقف ينمّ عن عداء واضح للإسلام.

أما بالنسبة للمستشرق الهولندي دوزي فأعاب عليه جعيط قضيّة مقتلة الحرّة باعتبارها (رد فعل المبدأ الوثني ضدّ المبدأ الإسلامي)[28] إذ يحلّل قمع أهل المدينة من طرف معاوية، وتبرز الإسلام وفق صورة همجيّة دمويّة.
أما الصنف الثاني من المستشرقين الذين ينتمون للفترة الاستعماريّة، أمثال المستشرق المجري غولدزيهر، فيؤكّد جعيط على سلبيّة مواقفه تجاه الإسلام، من خلال كتاباته التي روّجت لصورة قاتمة عن الدين الإسلامي، الذي وصفه بالعدوانيّة والتطرّف خلال مسيرته التي خاضها، ويرى أنّ السبب وراء تطرّف الإسلام يرجع إلى طبيعة العقليّة العربيّة، والفكر العربي القائم على العدوانيّة باعتباره دين حرب[29]، يعمل على تحقيق الطموحات السياسيّة وفق حدّ السيف، مما جعله يأخذ طابع الدمويّة والتطرّف.

ولم يختلف المستشرق الهولندي سنوك هرغرونج عن نظيره غولدزيهر، حسب رأي جعيط، فتتلخّص آراؤه حول الإسلام كدين سياسي (ذو مزاج عصبي حسّاس منحرف)[30]، بقصد إبراز الإسلام كدين قائم على الصراع والتعصّب.
كما يرى جعيط أنّ المستشرق بيكر كان مجحفاً حين (قلّص الثقافة الإسلاميّة إلى هيلينيّة آسيويّة شيئًا فشيئًا)[31].
إضافة إلى التطرّق إلى العديد من المستشرقين، حتّى مستشرقو الفترة المعاصرة لم يخرجوا من دائرة التشويه والهرطقة أثناء تعاطيهم مع تاريخ الحضارة الإسلاميّة وتراثها الفكري والديني.

- وعلى الرغم من ذلك استثنى جعيط المستشرق الفرنسي جاك بارك من دائرة الاهتمام تلك؛ لاعتباره مستشرقًا مختلفًا تمامًا، لا ينتمي للفئات السابقة، ويستحق الإعجاب والتقدير والاحترام، إذ تعبّر أفكاره عن عقل كبير وفكر متفتّح، الأمر الذي جعله يحظى بكم كبير من الإطراء والتمجيد من طرف جعيط، فيقول: (... الرجل أنتج الكثير، ومجالات اهتماماته قد اتّسعت لتشمل أقصى المغرب إلى أقصى المشرق... إنّه عمل رائع ومجدٍ أيضًا للفكر الاستشراقي)[32]، يعتبر جعيط أنّ بارك أنتروبولوجي وسوسيولوجي، ليكون بذلك قد تجاوز الاستشراق الكلاسيكي الحاقد على الإسلام، لأنّه اتّجه إلى دراسة الحقبة المعاصرة التي شهدت المدّ الاستعماري[33]، ويمكن تفسير إعجاب جعيط بشخصيّة جاك بارك؛ لابتعاده عن مجال مقدّسات الإسلام، من قرآن كريم وسنّة نبويّة، باعتبارها خطوطًا حمراء وجب مراعاتها، وبذلك يكون قد استثنى نفسه من المستشرقين الحاقدين على الدين الإسلامي أمثال شاخت وغولدزيهر وغيرهما.    

1-3- نفي تهمة السقوط في الرؤية الاستشراقيّة وادّعاء التجديد:
خاض هشام جعيط غمار القراءات الحداثيّة للنصّ الديني، رافعًا شعار التجديد في مجال السيرة النبويّة، وذلك وفق إعادة قراءتها وفهمها فهمًا حداثيًّا معاصرًا، باعتباره مؤرّخًا مختصًا في التاريخ الإسلامي. لكن ما يمكن ملاحظته يكمن في كثرة الوعود التي تعهّد بها جعيط، مؤكّدًا من خلالها على أصالة طرحه وجدّة استنتاجاته؛ لاجتناب مجمل التّهم التي يمكن أن تطاله. إذ يعتبر الاستشراق أولى التهم جاهزيّة وأشهرها على الإطلاق، يحاول مجمل القراء الحداثيين التخلّص منها مسبقًا كنوع من الدفاع عن تميّز أبحاثهم وأصالتها. فعلى غرار جعيط نجد محمّد أركون ينتقد الفكر الاستشراقي مؤكّدًا على هزالة مناهجه في مجال الإسلاميّات التطبيقيّة التي أبدع فيها بعيدًا كل البعد عن أي آراء استشراقيّة، الأمر الذي دفع (بأركون وهاشم صالح بنعت المستشرقين بالتعجرف والوقاحة والثقة المفرطة بالنفس)[34] إلى جانب الجابري الذي سعى هو الآخر إلى التملّص من شبهة الاستشراق رغم إعجابه بالمستشرقين، فيقول: (أؤكّد اليوم كما أكّدت بالأمس، عندما سئلت عن مدى حضور فكر المستشرقين فيما كتبت، أؤكّد أنني أبذل كلّ جهدي، عندما أشرع في التفكير والكتابة في موضوع ما؛ لأنسى جميع ماكتب في الموضوع)[35].

يظهر تملّص هشام جعيط من الاستشراق واضحًا جليًّا في ثلاثيّة السيرة النبويّة، التي عكف على دراستها طوال سنين عدّة، الأمر الذي جعله يسارع في نفي أي صلة يمكن أن تجمعه بالفكر الاستشراقي، ممّا دفعه إلى التنصّل سلفًا من تهمة الاستشراق، فافتتح  مقدّماته لثلاثيّة السيرة النبويّة، وكأنه يُقْسِم على تميّز قراءته على مجمل ما طرح من قبل في مجال السيرة النبويّة؛ إذ أبدى حرصه الشديد على تأكيد أصالة بحثه المتمثّل في مشروع السيرة النبويّة، جازمًا في الوقت عينه أنّه قد تجاوز كل الترّهات الاستشراقيّة، معتمدًا على رؤية خاصّة به لا يمكنها أن تحاكي النموذج الاستشراقي، لا من بعيد ولا من قريب.

ففي الجزء الأول من مشروع ثلاثيّة السيرة الذي أصدره سنة 1999 الموسوم بالوحي والقرآن والنبوّة، عكف جعيط في مقدّمته على تأكيده على تفرّده البحثي والمنهجي، الذي عالج عن طريقه سيرة الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلًا: (ولقد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واعتماد منهج عقلاني تفهّمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أصل السير والتاريخ الحديث، ولا عند المسلمين المعاصرين، وأكثر من ذلك إنّ المستشرقين على سعة اطّلاعهم لم يأتوا ببحث يذكر في هذا الميدان، وتبقى دراستهم هزيلة...)[36]، ثمّ انطلق في مقدّمة الجزء الثاني الموسوم تاريخيّة الدعوة المحمّديّة في مكّة، هذا الجزء الذي تناول خلاله سيرة النبي محمّد قبل البعثة وبعدها، الأمر الذي جعل مقدّمة هذا الجزء كأنها عهد قطعه جعيط على نفسه، واعدًا به القراء والمفكّرين بأنّه سعى لتقديم بحث تطبعه الجدّة والأصالة، نافيًا كلّ صلة يمكن أن تجمعه بالخلفيّة الاستشراقيّة، التي تجاوزها فيقول:(إنّ ما سنحاوله ها هنا هو إعطاء نظرة أنتروبولوجيّة للثقافة العربيّة قبل الإسلام أوّلًا...جاهدين في تجاوز بعض تناقضات المستشرقين...لا تلتزم أعمال المستشرقين بالانسجام المنطقي، فإمّا تنفي قيمة خبر ما، وإمّا تمنحه الثقة الكاملة...وإمّا الدخول في قصص وترّهات)[37]، ذلك أنّ أعمال المستشرقين لاترتقي أصلًا لمكانة البحث العلمي، حسب جعيط، سواء الاستشراق الكلاسيكي ولا حتّى المعاصر، خصوصًا أن جعيط ذكر في مقدّمته في هذا الجزء أنّه تطرّق لموضوع السيرة النبويّة من زاوية لم يتطرّق لها الاستشراق عبر مسيرته الطويلة في دراسته للتراث الإسلامي. مصرًّا على تفرّد طرحه، كما ورد على لسانه (وكم جرحنا من بعض كتابات المستشرقين، الذين سمحوا لأنفسهم أن يسلّطوا الضوء على شخصيّة محمّد من وجهة نظر أخلاقيّة أو دينيّة، ومن بين هؤلاء من هم علماء مثل توراندري، الذي كتب كتاباً معمّقًا قيّمًا عن الرسول، ليختمه بصورة قاتمة عن شخصيّته. ومنهم من كتب من موقع أيديولوجي معيّن كأن يكون مسيحيًّا أو ماركسيًّا)[38]. يرى جعيط أنّ هناك جمعًا من المستشرقين تناولوا السيرة النبويّة بالدراسة والتحليل وفق مجالات مختلفة مثل نولدكه وبلاشير غولدزيهر وشاخت[39]. وعلى الرغم من أنّهم من كبار المستشرقين الإسلاميين إلا أنّ ما قدّموه لا يرتقي لمنهجيّة البحث الصحيح. وينطبق الأمر نفسه على الاستشراق الأكاديمي، الذي أضفى عليه طابع العبثيّة والضيق الفكري، من حيث طرق البحث والطرح، مرورًا بالاستشراق الأنجلوسكسوني، الذي نعته جعيط بالهرطقة لاحتوائه على الخرافات، إلى جانب الاستشراق الجديد الذي حكم عليه بالقصور المنهجي التاريخي[40]. وهكذا يظهر الاستشراق قاصرًا عن تقديم أي معرفة جديّة، في مجال المقدّسات الإسلاميّة، ويفقد بذلك طابع الموضوعيّة في دراسة السبب الذي أدّى بجعيط إلى أن ينأى بنفسه عن دائرة شبهة الفكر الاستشراقي ليبدع الجديد في موضوع السيرة.

- أما الجزء الثالث من سلسلة السيرة النبويّة فكانت بعنوان مسيرة محمّد في المدينة وانتصار الإسلام. إذ واصل هشام جعيط نفي شبهة التأثّر بالفكر الاستشراقي، فلم تخل مقدّمة هذا الجزء من وسم دراسته للتراث الإسلامي بالجدّة، وفق رؤى متفتّحة ومناهج عقليّة تفهّميّة نقديّة، لكنّه لم يصرّح بالأمر مثلما فعل في الجزأين الأوّل والثاني، ففضّل الأسلوب غير المباشر، ليوضّح مقاصده التي يرمي الوصول إليها في الجزء الثالث، قائلًا: (لقد عرضت هنا مخطّطاً عامًا لمسيرة محمّد في المدينة ليتوضّح مقالي، وسأحاول في مجرى الكتاب تحليل وتشريع البنى، ساعيًا إلى جعله مفهومًا بالعقل معوّلًا على المصادر ونقدها...وإخضاعها لقانون الحقيقة الواقعة، مشكّكاً في الكثير من تأكيدها وثوابتها...ففي السِّير هناك خيال دافق وتفاصيل غير مقنعة وفق ذلك غير مجدية لفهم الأمور)[41]. إذ يؤكّد على تقديم قراءة واعدة، تدلّ على طرحه الجدّي والجديد، واختلافه عن كل من سبقه في هذا المجال، ولكنّ السؤال المطروح هنا: هل سيكون هشام جعيط وفيًّا لعهده هذا؟!.

2- أثر الرؤية الاستشراقيّة في قراءة جعيط للسيرة النبويّة والحديث الشريف من خلال مناهجهم:
2-1- تاريخيّة الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) واقع نسبه، وأصل تسميته:
2-1-1- قراءة جعيط لنسب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):
تكلّم جعيط على نسب رسول الله، ولم يختلف كثيرًا مع ما هو موجود في السِّير من حيث تسلسل نسبه الشريف، لكن سرعان ما تغيرت الكثير من الحقائق عندما بدأ بتطبيق ما أسماه منهج الصرامة الذي يدّعيه. هكذا بدأت رؤيته تتّجه نحو ما أنتجه المستشرقون حول السنّة النبويّة الشريفة، إذ قدّم شخصيّة قصيّ جدّ الرسول بصورة باهتة كما فعل نظراؤه من المستشرقين، فهو يرى المصادر قد ضخّمت دور شخصيّة قصيّ لا لشيء إلّا لأنّه جدّ للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)[42]، إذ نسبت إليه أدوار كبرى، معظمها يدخل في نطاق الأساطير، حسب رأي جعيط، الذي أرجع هذا الصّيت الذي حاز عليه قصيّ إلى أّنه جدّ للرسول، فيقول: (ما هو أكثر استغرابًا بالنسبة للمؤرّخ هو أنّ الجدّ الأوّل والحفيد محمّد قاما، الواحد تلو الآخر، بعد مرور قرن ونيف بأدوار تأسيسيّة ذات قيمة عليا)[43]. علمًا بأنّ الحقائق التاريخيّة أثبتت أن قصيّ كان سيّدًا من سادات قريش.

لم يتوقّف جعيط عند هذا الحدّ، بل تطرّق أيضًا لشخصيّة عبد الله والد الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، تلك الشخصيّة التي لم تسلم من منهج جعيط العقلاني والصارم في رأيه. والواضح أنّ أطروحات هشام جعيط لم تختلف عن المنتوج الاستشراقي في مجال السنّة، بل نجده يدور في فلك المستشرقين من حيث التحليل والتركيب، وحتّى الاستنتاجات فيؤكد لنا جعيط أنّ اسم والد الرسول محمّد لم يكن (عبد الله) فالاسم الحقيقي بعيد كل البعد عن هذا، فيقول: (فالراجح عندي أنا أبا محمّد لم يكن اسمه عبد الله، وإنّما له اسم آخر)[44]، ويرجع جعيط السبب إلى القاعدة القرشيّة التي تقول حسب رأيه: (أنّ أسماء الآباء والأجداد والأعمام تتكرّر بين الأجيال، فكلّ الأسماء المقرونة بالآلهة في عائلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عبد مناف وعبد العزى وعبد شمس، أمّا عبد الله فلم يكن في المتداول عندهم)[45].

وهذه رؤية استشراقيّة بامتياز، إذ ذهب بعض المستشرقين إلى الطعن في حقيقة اسم والد الرسول (عبد الله)، بل كان يحمل اسم من بين الأسماء الوثنيّة[46]، التي أشار إليها جعيط من قبل.
لكن ما ورد في السِّير يوضّح عكس ذلك، إذ أكّدت أنّ عبد الله هو الاسم الأصلي لوالد الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف... [47]، ذلك أنّ اسم عبد الله وجد عند العرب في الفترة الجاهليّة، وكان ضمن الأسماء الواردة في الكتابات الجاهليّة والشماليّة والنصوص النبطيّة[48].

والحجّة الثانية التي اعتمد عليها جعيط في إنكار اسم عبد الله كاسم حقيقي لأب الرسول، هي حجّة استشراقيّة مؤكّدة، فهو يرى أنّ الراجح من أنّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غيّر اسم والده بعد الإسلام للتخلّص من أسماء العهد الوثني كما فعل مختلف الصحابة بعد الإسلام، ذلك أنّ جعيط يستبعد عبد الله تمامًا، فيقول: (وتكون الصدفة كبيرة أن يكون اسم أب الرسول عبد الله، فالمعقول أنّه هو الذي سمّاه بهذا الاسم)[49].
هذه الفكرة نفسها طرحها المستشرقون مشكّكين في حقائق اسم والد الرسول، زاعمين أنّ اسم عبد الله، وهو اسم أطلقه الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على أبيه، فقام بإعادة تسميته إلى عبد الله، ويرجعون ذلك للقاعدة الإسلاميّة التي تعمل على تحويل أسماء الجاهليّة إلى أسماء إسلاميّة[50]، وبذلك يعيد جعيط إنتاج المستشرقين وما ورد لديهم في مجال السيرة، إذ اشتهر المستشرقان «كايتاني» و «شبرنكر» في تزوير حقائق سيرة الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وتشويهها، إذ كانا يعتمدان على رواة السِّير الضعفاء والمتروكين[51]في بناء آرائهم ومواقفهم من أجل الطعن في الرسول ونسبه وتاريخه.

ولم يكن جعيط ببعيد عمّا ذهب إليه من مواقف وأحكام ومناهج وحتّى الاستنتاجات، فلم تصل قراءته الحداثيّة ومناهجه المعاصرة إلى جديد، غير استهلاك الفكر الاستشراقي المشوّه لسيرة الرسول والطعن فيها.

2-1-2- تاريخيّة مولد الرسول «ص» وبعثته:
ممّا هو متداول في السِّير أنّ ميلاد الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كان حوالي 570 و571 م، لكنّ جعيط لم يثق في كل ما ورد من أخبار ميلاد الرسول حول هذا التاريخ، وحتّى ما يتعلّق بهجمة أبرهة، ولم تختلف مزاعم جعيط حول التشكيك في حقيقة مولد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مزاعم المستشرقين، الذين انتقدهم في مواطن سابقة كما وضّحنا ذلك في الحديث عن آراء جعيط حول المستشرقين. ومن الغريب أن نجد هشام جعيط ينحو نحوهم في أرخنة السيرة النبويّة، وهو الذي امتعض من هزالة طرحهم.

يرى جعيط أنّه:(لم يولد محمّد في رأيي قبل 580م أو حواليها أو بعدها، وكلّ ما ذكر عن سنة 570م لا يصمد أمام الفحص)[52]. إنّ مزاعم جعيط هذه لم تأت من فراغ، إذ سبقه إليها عدد من المستشرقين، فقد شكّك المستشرق بروكلمان من قبل في حقيقة تاريخ مولد الرسول رافضًا أخبار السِّير التي ميّزت مولد النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كواقعة الفيل، كما استبعد أن تكون سنة 570م تاريخًا مضبوطًا يحدّد مولده. وقد أحال فكرته هذه إلى المستشرق لامنس[53] الذي طعن هو الآخر في عدد من تواريخ السيرة؛ لغرض التدليس والتشكيك لتضليل حقائقها. إضافة إلى المستشرق منتغمري وات، الذي رفض كلّ الروايات الإسلاميّة المتعلّقة بحياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة؛ لأنّها غير موثوقة في رأيه، ومحرّفة لآراء فقهيّة فيقول: )... القارئ يجد نفسه إزاء أرضيّة مهزوزة لوقائع هذا المدّ الزمني الذي يبلغ ربع قرن بين الميلاد والزواج([54].

لم يذهب جعيط ببعيد عمّا طرحه المستشرقون حول ملابسات ميلاد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ استبعد هو الآخر تزامن مولد النبي مع عام الفيل فيقول: (ولا يوجد أي سبب لكي يولد محمّد على أيّة حال عام الفيل..)[55]. فهو يرى أنّ هذه التواريخ لا تصمد أمام النقد التاريخي.كما شكّك في صحّة التواريخ المذكورة عن عام الفيل إضافة إلى طعنه في حقيقة حدوثها[56]، وهكذا يصبح تاريخ مولد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مبهمًا تمامًا في نظره. وهذا ما أكّده المستشرق وليم موير، الذي رفض أن يكون ميلاد الرسول متزامنًا مع عام الفيل، مقلّلًا من قيمة المصادر الإسلاميّة التي فشلت في رأيه في سَلْسَلة الأحداث قائلًا: (إنّ ما اشتملت عليه المصادر من أخبار هذه المرحلة، ليست له قيمة كبيرة في معرفة صورة محمّد التاريخيّة)[57].

وتتواصل هرطقات جعيط الاستشراقيّة في مجال السيرة لتعبّر عن فكره المتناقض، الرافض الناقد للاستشراق، والمتأثّر به في الوقت ذاته. فنجده يؤسّس لفريّة استشراقيّة، ويؤكّدها من خلال ما توصّلت إليه قراءته الحداثيّة للسيرة النبويّة؛ إذ زعم جعيط أنّ تاريخ بعثة الرسول لم تكن في سنّ الأربعين، إلّا أنّ هذا الرأي يتناقض حسب طرحه مع الصرامة التامّة للمنهج، والسبب في رأيه هو أنّ سنّ الأربعين هي سنّ الشيخوخة وليست سنّ الكهولة في ذلك الزمن[58]، على الرغم من وجود آية صريحة تدعم صحة الخبر لقوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ)[59] (الأحقاف، الآية15)، إلّا أنّه يرى أنّ هذه الآية دليل غير كاف للجزم على صحّته، فقراءته النقديّة لتاريخيّة السِّير أحالته إلى سبب أكثر منطقيّة وواقعيّة في نظره، إذ يرجع الاعتقاد بسنّ الأربعين يكمن وراءه اعتقاد من معنى ديني سحري لدى الساميين[60]، مستغربًا من إشارة القرآن لهذا الرقم العمري، وهذا تلفيق بيّن إذ يقول: (رأيي أنّ كتب السّير زيادة على ما شحنت به من سنّ الأربعين معنى ديني سحري)[61]، ومن الواضح أنّ منهجيّة جعيط في هذا الصدّد هي اعتماد صريح على توفيد استشراقي متمثّل في المنهج الفيولولوجي، إذ صرّح أنّه اعتمد على هذه الآية، لكي يبرّر موقفه: (قَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)[62] (يونس، الآية16)، ثم بدأ يحلّل ويفكّك كلمة العمر التي أرجعها وفسّرها تفسيرًا فلسفيًّا نسبة لآراء هيراقليطس، بالرغم من الفرق الكبير بين البيئة اليونانيّة والبيئة القرشيّة المكيّة. كان الغرض من ذلك الطعن في صحّة سنّ الأربعين لكي يقرّر جعيط أنّ النبي محمّد بعث في سنّ الثلاثين، نسبة إلى المسيح الذي بعث في الثلاثين أيضًا[63]، علمًا بأنّ هذه النتائج التي توصّل إليها جعيط عبر دراسة وتمحيص، كما ورد في تصريحاته، قد سبقه إليها المستشرق لامنس، الذي نقض النصّ الشرعي فيما يخصّ عمر النبي أثناء الدعوة، فيرى أنّ محمّدًا لم يبعث في سنّ الأربعين، ورجح أنّ عمر النبي الحقيقي أثناء البعثة كان ثلاثين سنة، ويقول: (...ويخرج إلى القول أنّه مادام الأنبياء يبعثون على رأس الأربعين، ومحمّد قد صدع بالدعوة على رأس الثلاثين، فمحمّد ليس نبياً)[64].

ثم يصل جعيط بعد شرحه المتواصل في نقض النصّ الشرعي في هذه المسألة إلى النتيجة التي تتّفق مع لامنس في قضيّة سن بعث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول جعيط: (رأيي أنّ محمّدًا بعث في الثلاثين أو حتّى قبل ذلك، ولم يولد إلّا حوالي 580 م، ولم يعش إلا خمسين سنة ونيّف)[65].
وهكذا يتّضح جليًّا أن هشام جعيط لم يأت بجديد في قراءته لتاريخ السيرة النبويّة الشريفة، وكلّ ما قام به هو إعادة إنتاج للفكر الاستشراقي المجحف؛ لتدليس السيرة المحمّديّة، على الرغم من انتقاداته المتواصلة للمنهج الاستشراقي والرؤية الاستشراقيّة.

وقد ورد في المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة أنّ بعثة الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت في سنّ الأربعين[66]، فقد تواردت مختلف السِّير والأخبار مسألة عمر النبي وقت البعثة، فأجمعت كلّها على هذا الخبر لأنّه مؤكّد شرعًا، أمّا فيما يخصّ مسألة أنّ عمر الأربعين المقترن بالشيخوخة على حسب مزاعم جعيط، فهذا طرح غير مقبول تمامًا؛ لأنّه سنّ يبلغ فيها الإنسان أشدّ قوته، كما أشار إليها القرآن الكريم.

2-2- أكذوبة قُثم:
خرج هشام جعيط على العالم الإسلامي في الألفيّة الثالثة؛ ليطرح إبداعاته وجديد قراءته المعاصرة للسيرة النبويّة، زاعمًا أنّه أحدث فتحًا مستحدثًا في تاريخيّة حياة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ صرّح بكلّ ثقة أن قُثم هو الاسم الأصلي للرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي سمّي به، والسؤال المطروح هنا كيف يجرؤ السيّد جعيط أن يقدم على هذا التصرّف دون بحث وتمحيص؟! ذلك أنّ حقيقة الأمر أنّ ما قدّمه جعيط ما هو إلّا أكذوبة استشراقيّة وطرح استشراقي متعنّت. إذ قام الباحثون المؤرّخون والمفكّرون بتفنيدها منذ مطلع ستينيّات القرن الماضي، إذ عمل المؤرّخ العراقي جواد عليفي، في موسوعته تاريخ العرب قبل الإسلام، على تفنيدها ودحضها، وقد مرّ على ذلك قرابة الستين عاماً، ليأتي هشام جعيط ويعيد صياغتها الاستشراقيّة بحذافيرها ويطرحها في كتابه الموسوم تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، إذ صرّح قائلًا وبكلّ ثقة في نفسه: (...وهكذا يكون اسم النبي الأصلي هو قُثم)[67]، زاعمًا أنّه وصل لهذه النتيجة بعد فحص للمصادر، وتطبيق منهجيّة علميّة صارمة، وليبيّن صحة ادعائه اعتمد على الحجج الآتية:
يرى جعيط أنّ اسم الرسول لم يكن محمّدًا لحظة ولادته، بل جاء في مراحل متأخّرة من الدعوة، واعتمد في ذلك على سرد الآيات من السور المدنيّة التي ورد فيها اسم محمّد وهي: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) من سورة الفتح، وسورة آل عمران (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وسورة الأحزاب (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وسورة محمد (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ)، وسورة الصف المدنيّة التي ذكر اسم أحمد لقوله تعالى: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)[68]، وهكذا يستنتج جعيط مباشرة أنّ اسم محمّد لم يرد في المرحلة المكيّة من البعثة، فيقول: (تسمية محمّد لا ترد في القرآن إلا في الفترة المدنيّة من نزول الوحي)[69]، وتبعًا لذلك جزم جزمًا قاطعًا أنّ اسم محمّد لم يكن اسم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لحظة ولادته. وهذه النتيجة التي توصّل لها جعيط بعد استقراء النصوص، دحضها المؤرّخ جواد علي منذ ستينيّات القرن الماضي؛ إذ فنّد أطروحات المستشرقين الذين كان لهم السبق في اسم قثم كاسم أصلي للرسول، لحظة ولادته وقبل بعثته. فاعتمدوا على السُّور المدنيّة الأربع، التي أكّدوا من خلالها أنّ اسم الرسول ليس محمّدًا لحظة الولادة، فمحمّد مجرّد اسم أطلقه محمّد على نفسه بعد البعثة. وهكذا استند جعيط في بناء مواقفه وتحليلاته المشكّكة في حقيقة اسم النبي على التراث الاستشراقي؛ لكي يثبت أنّ اسم الرسول الحقيقي هو قُثم.

وقد رجّح جعيط ذلك معتمدًا على البلاذري أنساب وأشراف بخصوص قوله (عبد الله ويكنى بأبا قُثم ويقال أبا محمّد)[70] مؤكّدًا على الكنية أبا قُثم، والسبب في آرائه قد يكون سمّاه جدّه عبد المطلب على اسم ابن له متوف اسمه قُثم (وسمّى العباس ابنًا له بقُثم، لأنّ لقب محمّد نزع الاسم الأصلي للرسول)[71].

زعم هشام جعيط أنّه قام بفحص مختلف المصادر والنصوص فحصًا نقديًّا ممنهجًا، إلّا أنّ الحقيقة تشير إلى العكس، إذ صرّح البلاذري بأنّ هذا الحديث ضعيف، فقد ورد في تاريخ العرب في الإسلام أثناء حديث البلاذري عن عبد الله بن عبد المطلب، ذكر الحديث السابق وأشار إلى ضعفه. ويذكر جواد أنّ هؤلاء المستشرقين الذين شكّكوا في حقيقة النبي، قد استندوا إلى خبر ورد في كتاب إنسان العيون في سيرة أمين والمـأمون[72] المعروف بالسِّير الحلبيّة وهذا نصّه (وفي الإمتاع: لما مات قُثم بن عبد المطلب قبل مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سمّاه قُثم، حتّى أخبرته آمنة أنّها رأت في منامها تسمية محمّد، فسمّاه محمّد)[73]، ورد في السِّير الحلبيّة باب تسمية محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا الخبر ضعيف، وقد أشار صاحب السِّير الحلبيّة نفسه إلى ضعفه، إذ إنّه لا يوثق به، كما أنّه لم يعبأ به كبار الرواة[74] لضعفه، مما يدلّ على عدم صحّته. ومما هو معروف عن المستشرقين أنّهم لم يكترثوا بصحّة الخبر والحديث أو ضعفه، المهمّ عندهم هو التلفيق على حسب ما تقتضيه نزعاتهم وأهواؤهم. الأمر نفسه ينطبق على جعيط الذي اعتمد في طرحه هذا على حديث ضعيف، وخبر غير موثوق فيه واتّخذ منه حكمًا، فوضع نفسه مع المستشرقين في كفّة واحدة. وقد أثار المستشرق الإيطالي كيتاني القضيّة نفسها مستبعدًا اسم محمّد كاسم حقيقي للرسول، مؤكّدًا أنّه ليس الاسم الحقيقي الذي أطلق عليه ساعة ولادته، وحكم بذلك نتيجة اطّلاعه على أصل السِّير والأخبار[75] (السِّير الحلبيّة) خاصّة وأنّ اسم محمّد قد ورد في القرآن ولم يرد في السِّير وفق نظر كيتاني. إضافة إلى المستشرق النمساوي ألويس شبرنكر، الذي رفض هو الآخر أن يكون اسم النبي محمّد نتيجة لاطّلاعه على السير الحلبيّة[76] التي تمّ تأكيد أنّها ضعيفة لا ينبغي الأخذ بها.

يرى جعيط أنّ محمّدًا ليس اسمًا للرسول، بل هو عبارة عن صفة أو لقب؛ لأنّه نادر الوجود عند العرب.وقد رجّح أنّه مجرّد محاكاة وتقليد من طرف الرسول للمسيح الذي يعتبر هو الآخر مجرّد لقب أو صفة، وزيادة على اسمه الأصلي عيسى. وهكذا فإنّ «محمّد» ما هو إلا صفة أو كنية مقصود بها الرفعة أو إضفاء نوع من الفخامة لشخصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ يقول: (ومحمّد لقب وليس باسم، واللقب صفة تلصق بالشخص، وهكذا...لقب محمّد إضافة إلى فخامة دنيويّة يكسب النبي مقامًا رفيعًا في سيرورة الدين)[77]. والغريب هنا أن جعيط يحيل القارئ هنا إلى المستشرق نولدكه.

رفض عدد من المستشرقين حقيقة اسم الرسول محمّد رفضًا قاطعًا؛ باعتباره لا يعدو أن يكون صفة أو كنية للنبي ليس إلّا، فنجد كل من المستشرق الانجليزي بودلي مؤلّف كتاب (الرسول: حياة محمّد) والمستشرق «درمنغم» وغيرهما من المستشرقين يسعون إلى إثبات هذه المسالة، زاعمين أنّ اسم محمّد مجرّد لقب أو صفة أطلقها محمّد على نفسه، إذ أظهروا تخبّطات واضحة في اسم الرسول، إذ وصل تطرّف المستشرق بودلي إلى اعتبار أنّ لفظة محمّد هي (Mammet) معناها الأصنام مستقاة من كلمة (Mumety) بمعنى المجون[78].

 كما يرى جعيط أنّ اسم محمّد ليس اسمًا عربيًّا، بل أرجع أصوله إلى السريانيّة، وصرّح بأنّه يثبت في المصادر التي اعتمد عليها التي ترجع حقيقتها إلى المستشرق «نولدكه» قائلًا: (إنّ عبارة محمّد مأخوذة عن السريانيّة، فهو ممّا لا شكّ فيه، ولنا حجّة المصادر التي وردت بلقبي البطريق والفيلاركس الرسميين، يقول نودلكه)[79]. وفي الصدد نفسه نجد المستشرق الفرنسي بارتيمليو هوبلو يزعم أنّ اسم محمّد مأخوذ من التلمود أطلقه على النبي اليهود الذين أسلموا[80]، لذلك سعى كل من جعيط ومجموعة المستشرقين إلى نفي اسم محمّد على النبي جملة وتفصيلاً.
كما ذكر جواد علي أنّ بعض المستشرقين أرجعوا اسم محمّد إلى أصول مسيحيّة من الإنجيل، إذ وردت أنّ (المنحمنا) في الإنجيل السريانيّة ووردت (منحيم، مناحيم في العبرانيّة)، وكلّها عبارة عن صفات نعت بها العبرانيّون المسيح[81]، وهذا زعمه جعيط أيضًا في مسألة محاكاة المسيحيّة.

يواصل جعيط هرطقاته معتبرًا أنّ اسم محمّد السرياني يدخل في نطاق ما يسمّى (بالباركليس) وهي عبارة تفيد التفخيم والرفعة اقتفاها النبي، حسب جعيط، من المسيحيّة، واتّخذها كصفة في المدينة، وهو من تراث المسيحيّة والمانويّة [82]، حتّى أخذ بها طابعًا دينيًّا على اعتبار أنّ النبي كان يسعى إلى الرفعة بين القوم وتفخيم مكانته، وهذا زعم اسشراقي، إذ ورد في تاريخ العرب في الإسلام أنّ بعض المستشرقين[83] أكّدوا أنّ الرسول يحسن اليونانيّة، واتّخذ اسمه محمّدًا من الباركليتس أو البارقليط الوارد في إنجيل يوحنّا بترجمة (منحمانا، محمنا) في الآراميّة التي اتّخذها المسيح[84] لكسب الرفعة بين القوم  والخروج من الضلالة.
وهكذا يتوضّح لنا أنّ كلّ مزاعم جعيط حول أكذوبة قُثم ترجع إلى أصول استشراقيّة خالصة، من حيث المقدّمات والحجج والاستنتاجات، وقد أبدت مختلف السِّير بطلان هذه الفريّة. فقد ورد في سبل الهدي والرشاد بأنّه (لمّا وضعت آمنة حملها بعثت إلى عبد المطلب عند الكعبة تخبره أنّه ولد غلام ...وأسرع إلى زوج ابنته وأخذ طفلها بين يديه، وسار حتّى الكعبة وسمّاه محمّدًا). كما جاء في المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّدية «أنّ أشهر أسمائه(صلى الله عليه وآله وسلم) محمّد، وبه سمّاه جدّه عبد المطلب، وذلك أنّه لمّا قيل له ما سمّيت ولدك؟ فقال محمّدًا، فقيل: كيف سمّيته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأنّي أرجو أن يحمده أهل الأرض»[85].

يبدو أنّ جعيط والمستشرقين قد قلبوا الحقائق برمّتها في مسألة اسم النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبار أنّ محمّدًا لا تتعدى كونها صفة أو كنية، وأن قُثم هو الاسم الأصلي له، على حسب زعمهم، معتمدين على الرواية الضعيفة للسيرة الحلبيّة. والحقيقة أنّ الواقع هو العكس تمامًا، إذ ورد في سير سيّد البشر أن القُثم ورد على شكل صفة، وليس اسمًا حقيقيًا للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

فقد استرسل الطبري في ذكر أسماء الرسول التي كانت ترمز لصفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى وصل إلى قُثم فيقول (ومنها المتوكّل والفاتح، الخاتم الضحوك القتّال والأمين والمصطفى والرسول والنبي والأمّي والقُثم، ومعلوم أنّه أكثر هذه الأسماء صفات...)[86]، كما أكّد جواد على أنّ قُثم مجرّد كنية للرسول[87] ولا ترتقي لأن تكون اسمه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ذلك أنّ اسم الرسول الحقيقي هو محمّد، وهو أشهرها وأوضحها.
وفي شرح معنى قُثم يرى الطبري أنه يحتمل معنيين: أحدهما العطاء، يقال قُثم له يقثم قثامًا إذا أعطاه عطاء، وكان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أجود من الريح المرسلة. والثاني من القُثم، ويقال للرجل الجامع للخير قثوم وقثم، وهكذا تكون قثم مجرّد صفة للرسول، وتبطل أكذوبة جعيط التي أنشأها المستشرقون وأعاد إنتاجها من جديد، والتي لم تصمد بدورها أمام الحقائق التاريخيّة التي حاول جعيط طمسها.

فعن محمّد بن جبير بن مطعم قال أبوه: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (إنّ لي أسماء أنا محمّد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)[88].
وبذلك تسقط مزاعم جعيط ويثبت استخدامه لمناهج الاستشراق في قراءته للسيرة النبويّة.

2-3- قراءة جعيط للحديث الشريف:
أقدم جعيط في كتابه تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة خلال القسم الأول منه (جذور الإسلام) على قراءة تقييميّة تفحّصيّة، للمصادر الأساسيّة للسِّير كسيرة ابن إسحاق والواقدي وغيرهما، ثم استرسل أثناء شرحه وتحليله في تقييم حقيقة تاريخيّة الحديث النبوي، إذ شكّك كغيره من المستشرقين في تأريخه، وطعن في مسألة اهتمام المسلمين به في العهد الأوّل من الإسلام، قائلًا: (ليس من الثابت أن التاريخ النبوي متأت من البحث في الحديث خلال القرن الأوّل والربع الأول من القرن الثاني...والأقرب أنّ الاهتمام بالحديث لم يكن موجودًا في القرن الأوّل)[89]، فلم يتوانَ جعيط أن يحيل القارئ لهذه الفقرة إلى المستشرق شاخت، وهذه مفارقة أخرى من مفارقات جعيط الكثيرة النابعة من تناقض آرائه، كيف له أن ينتقد تعنّت المستشرقين مع الإسلام، والنيل من أصالة الفكر الإسلامي من جهة، ثم يأخذ من مصادرهم أخذاً صريحًا لكي يؤسس لقراءة جديدة للتاريخ الإسلامي؟!. فمن الواضح أن قراءته هذه ما هي إلا إعادة إنتاج للفكر الاستشراقي الذي قام بتقويضه من قبل.

هذه الفكرة التي طرحها جعيط، والتي تتعلّق بعدم اهتمام المسلمين بالحديث في القرن الأوّل أو الثاني للإسلام، هي فكرة استشراقيّة المنبع، بداية من شاخت الذي أخذ منه جعيط هذا الرأي، إذ عمل شاخت في كتابه (أصول الشريعة المحمّدية) على التشكيك في حقيقة تدوين الحديث النبوي خلال العهد الأوّل للإسلام وفي القرن الأوّل منه، كما شكّك في صحّة الأحاديث برمّتها[90]، واستبعد أن يكون للحديث صدى أو وجود خلال القرنين الأوّل والثاني للإسلام. إلى جانب جولدزيهر الذي نفى هو الآخر نفيًا قاطعًا أي صلة للحديث بالقرون الأولى للإسلام، فأرجعه إلى المراحل الناضجة للتاريخ الإسلامي[91]، مؤكّدًا أنّ المسلمين لم يكن يعنيهم الحديث في المرحلة الأولى للإسلام. إضافة إلى المستشرقين موير وروبسون اللذين كان لهما الموقف نفسه، حيث يرى موير أنّه لا يمكن أن يكون اهتمام ووجود للحديث قبل القرن الثاني من الإسلام، كما أنكر وجود مجموعة كتابيّة للسنّة خلال القرنين الأوّلين للإسلام. إضافة إلى روبسون[92] الذي تبنّى الموقف نفسه.

والواضح أنّ جعيط لم يقم بأيّ عمل يذكر سوى اجترار الفكر الاستشراقي البغيض حول التاريخ الديني للإسلام، وأنّ قراءته الجديدة هذه لا تمتّ للجدّة بصلة، فهي لا تخرج عن دائرة الشكوك والطعون في الإسلام، التي زرعها المستشرقون منذ عقود عديدة.

ويمكن الردّ على أباطيل جعيط والمستشرقين في هذا الصدد، بأنّ المسلمين قد اهتمّوا بالحديث الشريف منذ العهد الأوّل للإسلام، حيث صحّت الأخبار من الناحية التاريخيّة أنّ الصحابة كانوا مهتمّين بالأحاديث وتدوينها في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل تدوين الصحيفة الصادقة التي قام بتدوينها كلّ من عبد الله بن عمرو بن العاص، وبقي الاهتمام بالحديث قائمًا حتّى زمن الخلفاء الراشدين[93]. وهذا يثبت أن التدوين والتأريخ للحديث النبوي بدأ منذ حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أي منذ الفترات المتقدّمة من تاريخ الإسلام خلال القرن الأوّل. وقد ذكرت العديد من المصادر التاريخيّة عناوين عدّة كتب في الحديث النبوي، ترجع أسماء مؤلّفيها لعلماء القرن الأوّل الهجري، وقد ذكر بعضها ابن النديم في الفهرست[94]. وهذا تأكيد على أنّ الأصول الأولى للحديث الشريف ترجع إلى بداية الإسلام، إلا أنّ جعيط أغفل كلّ المصادر والحقائق التاريخيّة العربيّة الصحيحة، واتّجه إلى المستشرقين لتأريخ الحديث. وكانت نتيجة ذلك هو إعادة صياغة افتراءات المستشرقين حول التاريخ الإسلامي من خلال مناهجهم في الدراسة.

خاتمة
تخلص هذه الدراسة لعدة نتائج تتمثّل فيما يلي:
من الواضح أنّ مواقف هشام جعيط الناقدة للاستشراق والمستشرقين ناتجة عن توجّسه المفرط من اتّهام قراءته الحداثيّة للسيرة النبويّة وفق خلفيّة استشراقيّة. إذ وردت قراءته الجديدة للسيرة النبويّة على شكل طعون في مختلف جوانب سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الذي أكسبها طابع التشكيك في حقائق نسبه، وتاريخ مولده وبعثته وحتّى وفاته، والطعن في اسمه الشريف، معتبرًا أنّ محمّدًا مجرّد صفة من صفاته استقاها الرسول من التراث السرياني واليهودي، في حين أقرّ جعيط أنّ قثم هو الاسم الأصلي للرسول، الذي سمّي به ساعة ولادته، وهذه فريّة استشراقيّة تم تفنيدها من قبل، إلى جانب طعنه في مسألة أصالة تاريخ الحديث، ومسألة الاعتناء به من طرف المسلمين. إذ توضّح هذه الدراسة أنّ كل الاستنتاجات التي وصل إليها جعيط هي نتيجة اعتماده على الروايات والأحاديث الضعيفة والمتروكة، التي اعتمد عليها المستشرقون من قبل، كرواية السِّير الحلبيّة المشكّكة في حقيقة اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنه يثبت التأثّر بالرؤية الاستشراقيّة من خلال اعتماد مناهج المستشرقين.

وعليه يمكننا القول إنّ قراءة هشام جعيط للسيرة النبويّة والحديث الشريف، لا تنمّ عن أصالة تفكير، ولا عن طرح تجديدي خالص، إنّما هو امتداد للفكر الاستشراقي؛ فعلى الرغم من وعوده المتكرّرة الداعية لفهم جديد لسيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وفق منهج عقلي تفهّمي، إلّا أنّ مشروعه الرامي لتحديث تاريخ التراث الإسلامي النبوي ما هو إلّا امتداد للأفق النظري الاستشراقي، وإعادة إحياء مواقف المستشرقين الطاعنة في حقيقة السيرة المحمّديّة والمشكّكة في أصالة الحديث النبوي الشريف.

توصيات: ومنه نوصي بـ:
ضرورة تأسيس قراءة جديدة وفعّالة تتناسب مع روح السيرة النبويّة وأصالتها، باعتبارها محورًا مهمًّا في بناء الحضارة الإسلاميّة، ومحرّكًا للمجتمع الإسلامي، ماضيه وحاضره.
أن ينطلق مشروع التجديد للفكر الإسلامي من مصادر أصيلة ومتينة، والابتعاد عن كلّ ما هو ضعيف ومشكّك في صحّته من التراث الإسلامي.
أن تكون القراءة الحداثيّة للسيرة المحمّديّة وسيرته العطرة قراءة إبداعيّة، وليدة البيئة الإسلاميّة، نابعة من الاعتقادات التي من شأنها النهوض بالمجتمع الإسلامي.
التخلّص من التبعيّة الفكريّة من أجل بناء قراءة جديدة للتراث الإسلامي الديني، متحرّرة من تبعيّة التقليد الغربي والفكر الاستشراقي.

المصادر والمراجع
1- هشام جعيط: الوحي والقرآن والنبوّة، ج1، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1999.
2- هشام جعيط: أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، دار الطليعة، ط3، بيروت، 2008.
3- هشام جعيط: تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ج2، ط1، دار الطليعة، بيروت، 2008.
4- هشام جعيط: في السيرة النبوية تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ج2، دار الطليعة، ط1، بيروت 2008.
5- هشام جعيط: مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام، ج3، دار الطليعة، بيروت، (د.ت).
6- إبراهيم السكران: التأويل الحداثي للتراث التقنيّات والاستمدادات، ط1، دار الحضارة، الرياض، 2014.
7- ابن القيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، ط1، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 2009.
8- أحمد بن عبد الله بن أبي بكر الطبري:خلاصة سير سيّد البشر، ط1، دار المودة، القاهرة، 2011.
9- أحمد بن محمد القطلاني: المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّدية، ج2، ط2، المكتب الإسلامي، بيروت، 2010.
10- أحمد بن محمد القطلاني: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، ج1، ط2، المكتب الإسلامي، بيروت، 2004.
11- أكرم ضياء العمري: موقف الاستشراق من السنّة النبويّة، الجامعة الإسلاميّة المدينة المنورة، (د.ت).
12- جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويّة، ط1، مطبعة الزعيم، بغداد، 1961.
13- حاكم عبيسان لمطيري: تاريخ تدوين السنّة وشبهات المستشرقين، مجلس النشر العلمي، ط1، الكويت، 2002.
14- خالد علال الكبير: أباطيل وخرافات حول القرآن الكريم والنبي محمّد، الجزائر، 2008م.
15- عبد الله محمد الأمين النعيم:الاستشراق في السيرة النبويّة دراسة تاريخيّة لآراء (وات بروكلمان-فلهاوزن) مقارنة بالرؤية الإسلاميّة، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1997م.
16- فاطمة هدى نجا: نور الإسلام وأباطيل الاستشراق، ط1، دار الإيمان، لبنان، 1993.
17- محمد المزوغي: الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط، ط1، منشورات الجمل، بيروت 2012م.
18- محمد بن يوسف الصالحي: سبل الهدي والرشاد في سير خير العباد، ج1، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1997م.
19- محمد مصطفى الأعظمي: دراسات في الحديث النبوي الشريف وتاريخ تدوينه، ط3، السعوديّة، 1989م.
20- نذير حمدان: الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابات المستشرقين، ط1، مطبوعات سلسلة دعوة الحق، القاهرة، 1981م.

الرسائل والأطروحات الجامعيّة:
1- غالية يونس محمد الذرعاني: السيرة النبويّة في كتابة المستشرقين الإنجليز، رسالة ماجستير، جامعة قار يونس، بن غازي ليبيا، 2010م.

المقالات والندوات:
لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، الندوة الدوليّة حول الاستشراق، تونس 8-10 ديسمبر، 2009م.

------------------------------------------
[1]-  طالبة دكتوراه (مخبر الدراسات الإسلاميّة) سنة رابعة في تخصّص الفلسفة العربيّة المعاصرة، بقسم الفلسفة جامعة الأغواط.
[2]- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، الندوة الدوليّة حول الاستشراق، تونس 8-10 ديسمبر، 2009، ص 131.
[3]- هشام جعيط: أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، دار الطليعة، ط3، بيروت، 2008، ص41.
[4]- المصدر نفسه: ص40.
[5]- المصدر نفسه: ص40-41.
[6]- المصدر السابق: ص41.
[7]- المصدر السابق والموضع نفسه.
[8]- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، ص120.
[9]- هشام جعيط: أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، ص41.
[10]- المصدر نفسه والموضع نفسه.
[11]- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، ص120.
[12]-  المرجع نفسه: ص121.
[13]- المرجع نفسه: ص ص 119 – 120.
[14]- هشام جعيط: في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ج2، دار الطليعة، ط1، بيروت 2008، ص14.
[15]-  محمّد المزوغي: الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط، ط1، منشورات الجمل، بيروت 2012، ص43-44.
[16]- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، ص121.
[17]- هشام جعيط: أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، ص40.
[18]- المصدر نفسه: ص43.
[19]- المصدر السابق: ص40
[20]- المصدر السابق: ص40.
[21]- المصدر السابق: ص44.
[22]- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، ص133.
[23]- محمد المزوغي: الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط، ص53.
[24]- هشام جعيط: أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، ص34.
[25]- المصدر نفسه: ص39.
[26]- المصدر نفسه: ص42.
[27]- محمد المزوغي: الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط، ص53.
[28]- هشام جعيط: أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، ص42.
[29]- لطفي بن ميلاد: الاستشراق في فكر هشام جعيط، ص143.
[30]-  المرجع نفسه: ص134.
[31]-  المرجع نفسه: ص135.
[32]- محمد امازوغي: الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط، ص73.
[33]-  المرجع نفسه: ص ص 72-73.
[34]- محمد المزوغي: الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط، ص ص5-6.
[35]-  إبراهيم السكران: التأويل الحداثي للتراث، التقنيّات والاستمدادات، ط1، دار الحضارة، الرياض، 2014، ص74.
[36]- هشام جعيط: في السيرة النبويّة الوحي والقرآن والنبوة، ج1، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1999، ص12.
[37]-  هشام جعيط:في السيرة النبّوية تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ج2، ط1، دار الطليعة، بيروت، 2008، ص15.
[38]- المصدر نفسه: ص6.  
[39]- المصدر نفسه والموضع نفسه.
[40]-  المصدر نفسه: ص10-14.
[41]- هشام جعيط: في السيرة النبّوية مسيرة محمّد في المدينة وانتصار الإسلام، ج3، دار الطليعة، بيروت، (د.س.ن)، ص15-16.
[42]-  هشام جعيط: في السيرة النبويّة..تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص119.
[43]-  المصدر السابق والموضع نفسه.
[44]-  المصدر السابق: ص146.
[45]-  المصدر السابق والموضع نفسه.
[46]-  جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويّة، ط1، مطبعة الزعيم، بغداد، 1961، ص116.
[47]-  المرجع نفسه: ص115.
[48]-  المرجع نفسه: ص116.
[49]-  هشام جعيط: في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص146.
[50]-  جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويّة، ص116.
[51]-  المرجع نفسه: ص119.
[52]-  هشام جعيط: في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص143.
[53]-  عبد الله محمد الأمين النعيم: الاستشراق في السيرة النبويّة دراسة تاريخيّة لآراء (وات بروكلمان-فلهاوزن) مقارنة بالرؤية الإسلاميّة، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي (د.ب.ن)، 1997، ص58.
[54]-  المرجع نفسه: ص60.
[55]-  هشام جعيط:تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص143.
[56]- المصدر نفسه: ص118.
[57]-  غالية يونس محمد الذرعاني: السيرة النبويّة في كتابة المستشرقين الإنجليز، رسالة ماجستير، جامعة قار يونس، بن غازي ليبيا، 2010م، ص120.
[58]-  هشام جعيط: في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص143.
[59]- المصدر نفسه: ص143.
[60]- المصدر نفسه:  ص143-144.
[61]-  المصدر نفسه: ص144.
[62]- المصدر نفسه والموضع نفسه.
[63]- المصدر السابق:  ص144.
[64]-  عبد الله محمد الأمين النعيم: الاستشراق في السيرة النبويّة، ص58.
[65]-  هشام جعيط:في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص144.
[66]-  أحمد بن محمد القطلاني: المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّدية، ج1، ط2، المكتب الإسلامي، بيروت، 2004، ص195.
[67]-  هشام جعيط: في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص147.
[68]-  المصدر نفسه والموضع نفسه.
[69]-  المصدر نفسه والموضع نفسه.
[70]-  المصدر نفسه: ص149.
[71]-  المصدر نفسه والموضع نفسه.
[72]-  جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويّة،  ص98-101.
[73]-  المرجع نفسه: ص 98.
[74]-  المرجع نفسه والموضع نفسه.
[75]-  المرجع نفسه والموضع نفسه.
[76]-  المرجع نفسه والموضع نفسه.
[77]-  هشام جعيط:في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص148.
[78]-  نذير حمدان: الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين، ط1، مطبوعات سلسلة دعوة الحق، القاهرة، 1981،  ص165-166.
[79]-  هشام جعيط:في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص148.
[80]-  أكرم ضياء العمري: موقف الاستشراق من السنّة النبويّة، الجامعة الإسلاميّة المدينة المنورة، (د.س.ن)، ص7.
[81]-  جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويّة، ص106.
[82]-  هشام جعيط:في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص 148.
[83]-  جواد علي:تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويةّ، ص97.
[84]-  محمد بن يوسف الصالحي: سبل الهدي والرشاد في سير خير العباد، ج1، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، القاهرة،1997، ص506.
[85]-  أحمد بن محمد القطلاني: المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّدية، ج2، ط2، المكتب الإسلامي، بيروت، 2010، ص11.
[86]-  أحمد بن عبد الله بن أبي بكر الطبري: خلاصة سير سيّد البشر، ط1، دار المودة، القاهرة، 2011، ص49.
[87]-  جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام السيرة النبويّة، ص101-102.
[88]-  ابن القيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2009، ص28.
[89]-  هشام جعيط: في السيرة النبويّة تاريخيّة الدعوة المحمّدية في مكّة، ص37.
[90]-  محمد مصطفى الأعظمي: دراسات في الحديث النبوي الشريف وتاريخ تدوينه، ط3، السعوديّة، 1989، ص27.
[91]-  فاطمة هدى نجا: نور الإسلام وأباطيل الاستشراق، ط1، دار الإيمان، لبنان، 1993، ص119.
[92]-  حاكم عبيسان لمطيري: تاريخ تدوين السنّة وشبهات المستشرقين، مجلس النشر العلمي، ط1، الكويت، 2002، ص111.
[93]-  خالد علال الكبير: أباطيل وخرافات حول القرآن الكريم والنبي محمّد، الجزائر، 2008، ص154
[94]-  حاكم عبيسان لمطيري: تاريخ تدوين السنّة وشبهات المستشرقين، ص113.