البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تأثّر الآراء القرآنيّة لمحمّد شحرور بالمنهج التاريخي الاستشراقي ونقده

الباحث :  محمد حسن زماني ـ سلام ساجت
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  27
السنة :  صيف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 26 / 2021
عدد زيارات البحث :  97
تحميل  ( 5.600 MB )
ملخّص

لقد أكثر محمّد شحرور وأمثاله من الاعتماد على مناهج المستشرقين ومرجعيّاتهم الفكريّة والفلسفيّة في مجال التفسير والقراءات الجديدة للنصّ الديني...، ما أوجد جدلًا كبيرًا في العالم الإسلامي حول ما يطرحونه متستّرين بلباس الاجتهاد تارة، وبلباس الحداثة أخرى، وبنقائص التراث الإسلامي ثالثة. وفي هذا السياق، يتناول الباحث في بحثه هذا جانبًا من منهجيّة محمّد شحرور في مجال التفسير وقراءة النصّ الدّيني؛ وقد حدّد هدفًا لبحثه يمكن تلخيصه بالتعرّف على المنهج التاريخي الاستشراقي الذي تأثّر به محمّد شحرور في آرائه القرآنيّة ونقده. ومن المعروف أنّ المنهج التاريخي، أو ما يُعرف بالتاريخانيّة، من المناهج الأساسيّة التي اعتمد عليها المستشرقون في دراساتهم حول الإسلام بشكل عامّ، والقرآن الكريم بشكل خاصّ، وقد تأثّر به شحرور في آرائه القرآنيّة، كما غيره من الباحثين المتفاعلين في مناهجهم وأفكارهم مع الفكر والمناهج الغربيّة في دراسة التراث الإسلامي، ومن ثمّ نقده بالاستناد إلى الجذور الإسلاميّة الرّصينة للنصّ الديني. وقد اعتمد الباحث في بحثه هذا المنهج الوصفي النّقديّ.

المحرِّر

المقدّمة
إنّ استناد محمّد شحرور وأمثاله على مناهج المستشرقين ومرجعيّاتهم الفكريّة والفلسفيّة في مجال التفسير والقراءات الجديدة للنصّ الديني، ولا سيّما في المجالات العقائديّة والفقهيّة والاجتماعيّة، إنّ استناده هذا أدّى إلى الخروج بنتائج مخالفة للتراث الإسلامي بدعوى ومزاعم شتّى، أبرزها القراءة الجديدة أو المعاصرة، التي عدّها من الضروريّات لتجاوز التراث بأكمله. وما هي إلّا مزاعم باطلة متأثّرة بالفكر الاستشراقي عامّة، وبالمنهج التاريخي العلمي خاصّة؛ إذ طبّق المستشرقون المنهجيّة الوضعيّة على العلوم الإنسانيّة، ومنها العلوم الإسلاميّة، التي يلعب الوحي الدور الرئيس فيها. ومن ثمّ جاءت نتائج أبحاثهم في الأعمّ الأغلب خاطئة؛ لعدم الدّقّة في اختيار المنهج وكيفيّة تطبيقه، فضلًا عن البون الشّاسع بين بيئة المنهج وبين البيئة الإسلاميّة؛ باعتبار أنّ مناهجهم تقوم على دراسة الظاهرة كظاهرةٍ ماديةٍ خالصةٍ، وكتاريخٍ خالصٍ مكوّن من شخصيّات وأنظمة اجتماعيّة وحوادث تاريخيّة محضة، يمكن فهمها عبر تحليلها إلى عوامل مختلفة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، تحدّد نشأتها وطبيعتها ماديًّا، وفصل الظاهرة عن طبيعتها المثاليّة وقطعها عن أصلها الغيبي المتمثّل بالوحي؛ حيث تصبح ظاهرةً ماديّةً خالصةً. وبذلك يصل علماء الغرب ومن سار على نهجهم في العصر الحديث للقول بوجوب التخلّص من الفكرة الغيبيّة للنص الدّينيّ، باعتباره عائقًا أمام العقل والتّطوّر الإنساني، ويظنّون أنهم غير محتاجين إلى الإيمان بالغيب، وأنّها فكرةٌ غير ضروريّة حتّى على المستوى الفردي.

الكلمات المفتاحيّة
القرآن، المستشرقون، محمّد شحرور، المنهج التاريخي، إشكاليّات ونقد.
المراحل التاريخيّة لتحوّلات الفكر الغربي الاستشراقي
لقد شهدت القرون الثلاثة التي سبقت حركة الإصلاح صراعًا بين ملوك أوروبا والكنيسة، فبعد أن كان للكنيسة السلطة المطلقة على الحكّام المدنيين، سعى الملوك إلى استرداد سلطتهم المدنيّة؛ حيث كان الصّراع على السلطة والنّفوذ، ولم يكن على الدين ونشر القيم؛ إذ لم يكن موجّهًا ضدّ الإيمان في حدّ ذاته، ولكن إلى نوع من التفكير الديني الذي تفرضه الكنيسة بدافع من الرغبة في تثبيت النفوذ والسلطة، ويؤيّد ذلك أنّ المفكّرين والفلاسفة في القرنين السابع عشر والثامن عشر قاموا بمحاولات للمحافظة على قدسيّة الدين وقيمة الوحي، وإن كانت هذه المحاولات ستتجاوز حدودها لتصبح نقدًا موجّهًا لكل تفكير دينيّ بدون تمييز، وهو ما أسّس للمناهج الوضعيّة فيما بعد[3]. أدّى كلّ هذا إلى انتعاش المذهب المادي وسيطرته، خاصّة عبر ظهور المذهب الوضعي على يد أوجست كانت[4] في القرن التاسع عشر؛ إذ أصبح كلّ فكر تاريخًا، وكلّ وحي أصبح من نتاج البيئة وفعل الأساطير وإسقاطات الشعوب[5].

الحداثة والقراءة المعاصرة
عرّف الغربيّون ما يسمّى بالقراءة المعاصرة أو الحداثة، وهو مصطلح نشأ بينهم وفي بيئتهم، عرّفوها  بأنّها «فصل الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض، ممّا يخلي العالم من وهمه، ويلغي سحره»[6]. «وهي تعبير عن فكرة التقدّم التي تهدف إلى تحرير الإنسان من الخوف، وجعله سيّدًا»[7].

وفكرة الخوف هذه، هي التي أوجدت الدين -بحسب من تبنّى نظرية أنّ الدين وليد الخوف[8]- وقد انبثقت هذه الفكرة من رحم الفكر الماركسي. وقد ردّها الشهيد محمّد باقر الصدر على أساس أنّ الشخص المؤمن أقوى بكثير من الشخص غير المؤمن، وهذا بعكس ما يراد إثباته في الفكر الماركسي، وقد ضرب السيّد الشهيد مثلًا بارزًا لهم من خلال شخصيّة الأنبياء، فهم أكثر عزمًا وقوّة، بحيث لا يساومون ولا يهادنون الأعداء والكفرة في نشر التعاليم الإلهيّة، ولا يخافون من ظلم الفراعنة مهما كان.

والنتيجة، فالعصرنة أو الحداثة تعبير عن موقف عامّ وشامل ومعارض للثقافات التقليديّة السائدة، يدعو إلى إعادة النّظر في كثير من الأشياء، والتحرّر من كلّ القيود. وقد بدأت بواكير الحداثة منذ أواخر القرن التاسع عشر في الغرب، في حقول الأدب، مع نهاية الرومانسيّة وبداية الرمزيّة، وممّا لا جدال فيه أنّ الحداثة كمذهب أدبي تجديدي، قامت في أساسها الأوّل على الغموض وتغيير اللغة، والتخلّص من الموروث بكلّ أشكاله، وأجناسه، وتجاوز للسائد والنمطي»[9].

وشكّلت موجة ما يسمّى الحداثة أو القراءة المعاصرة، آخر موجات الصّراع المستمرة حول تأويل النصّ القرآني. فلا يزال النقاش في الوحي والنصّ المقدّس كساحة صراع بين من يحاول امتلاك ناصية الفهم الحقّ، والتعبير عن مراد الله تعالى من الخطاب الإلهي، وبين مقلدة الغرب من أصحاب القراءة المعاصرة، وكثيرًا ما تتأثّر هذه المعارك الفكريّة بالأحداث السياسيّة، وتكون رجعًا للصراعات الاجتماعيّة.

فبعد كلّ حالة من الانكسار التي تتعرّض لها الأمّة تعلو بعض الدعوات التي تحاول إعادة تفسير الإسلام من جديد، على صورة تحلّ فيها معضلة التناقض التي يتصوّرها الشباب المسلم الحائر بين النصّ والوحي من جهة، وبين التجربة والواقع من جهة أخرى.
وقد ظهرت دراسات في سورية ولبنان بعد الصراع الدامي بين الإسلاميّين والبعثيّين، وكانت قراءة جديدةً متأثّرةً بالواقع والنكبة المرّة، وكذلك بعد وقوع العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار الغربي، ظهرت كثير من الدعاوى التي تدعو إلى تفسير النصّ القرآني والإسلام تفسيرًا جديدًا يحلّ الإشكاليّة التي أفرزتها الحالة السياسيّة والصدمة الحضاريّة، كما فعل محمّد أركون في الجزائر، ومحمّد الجابري في المغرب، ومصطفى ملكيان وعبد الكريم سروش في إيران، ونصر حامد أبو زيد في مصر، ومحمّد شحرور في سورية، وغيرهم.

المنهج التاريخي
التاريخيّة أو التاريخانيّة ،كلمة وضعها المفكّرون الحداثيّون العرب في مقابل المصطلح الأصل في اللغة اللاتينيّة (Historicisme)، وهذا الانتقال الترجمي يحتاج إلى وقفة اصطلاحيّة، فـالتاريخيّة من حيث الأصل اللغوي مصدر صناعي[10]، يدلّ على خصائص التاريخ، أيّ التطوّر والتغيّر والحركة، وأمّا اصطلاحًا، فقد عرّفه دايموند أرون بقوله: «المذهب الذي يدعو إلى المعرفة التاريخيّة للقيم والفلسفات ونسبيّتها»[11]، فالتاريخ في المنهج التاريخي يقصد به: «العلم الذي يبحث في حياة الأمم والمجتمعات والعلاقات التي تقوم بينها»[12].
والتاريخيّة منهج، بمعنى أنّ كلّ شيء أو كلّ حقيقة تتطوّر مع التاريخ، فهو منهج يهتمّ بدراسة الأشياء والأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخيّة[13].

على هذا تكون الحقائق كلّها تاريخيّة، بمعنى أنّها تتّصف بالنسبيّة التاريخيّة، أيّ إنّها تتطوّر بتطوّر التاريخ. ومن مقوّمات مفهوم التاريخيّة استبعاد الفكر اللاهوتي عن كلّ مشاركة في الحياة العمليّة، وعدم التعامل مع الظواهر والأشياء إلّا من منظور علمي، أيّ وفقًا لقوانين التاريخيّة التي تحكمها، وأنّ البشر هم من يصنع التاريخ لا الغيب، ومن ثم إنكار كلّ تفكير ميتافيزيقي، واستبعاد البحث في العلل البعيدة؛ لأنّ البحث لا ينبغي أن يتعدّى دراسة الواقع المحسوس دراسة قائمة على التجربة والاستقراء. ولهذا كانت الحقائق عند أصحاب الاتجاه الفلسفي حقائق جزئيّة نسبيّة متغيّرة، وليست كليّة مطلقة. ويعدّ روّاد الاتجاه الهرمنيوطيقي، سواء المعرفيّ منه المتمثّل بشلايرماخر ودليتاي، أو الوجوديّ المتمثّل بهايدغر وجادامير، ممّن أسهموا في فكرة التاريخيّة للنصوص.

فالمنهج التاريخي هو أحد أهم روافد القراءات المعاصرة للقرآن، وإذا نظرنا في تفسير النصوص نرى أنّ تفسير النصّ يجب أن يكون مرهونًا بتاريخه، فلا يمكن فصل أيّ نصّ عن تاريخه. وهنا يوجد عنصران مهمّان في التاريخيّة خلط بينهما الكثير، وهما: تاريخيّة النصّ، وتاريخيّة الفَهم. ويجب الفصل بينهما؛ لأنّ تكامل النّصّ يختلف عن تكامل المعرفة عند الإنسان، فالنّصّ له آليّاته ومدلولاته ومقاصده يختلف بطبيعة الحال عن مراتب الفهم، وكمالات الإنسان، حسب الظروف الاجتماعيّة التي تحيط به، وكذلك حسب التخصّصات والاهتمامات التي يجيدها، ومدى اطّلاعه على النظريّات والمعارف البشريّة. ولذلك ارتأينا أن نبيّن ذلك، فالمنهج التاريخي في تأويل النّصوص وتفسيرها كما يظهر لنا يتكوّن من عنصرين رئيسين، هما:

العنصر الأوّل: النظريات التأويليّة
الهرمنيوطيقا ونشأة التاريخيّة في تأويل النصوص، وكانت بذرتها ومؤسّسها كلّ من شلايرماخر[14] ودليتاي[15]، ويعبّر عنها بالهرمنيوطيقا المعرفيّة. وتمّ توسيعها إلى الهرمنيوطيقا الوجوديّة على يد كلّ من هايدغر[16] وجادامير[17] لاعتبارهما أنّ للنصّ كيانًا مستقلًّا بنفسه، فاللغة حدث وجودي وليس تعبيرًا عن الإنسان، فهي تفصح عن نفسها من خلال الإنسان لا العكس، لذلك فالنّص له وجود وكيان مستقلّ بنفسه؛ لأنّه أحد تموضعات اللغة، ولا عبرة هنا بقصد المؤلّف أو المراد من كلامه، بل النصّ يحمل في طياته البنية والمقوّمات التفسيريّة، بحيث لا يحتاج لقصد ومراد المؤلّف، ولهذا لا عبرة -عندهم- بمصدر النصّ، بل العبرة بالنصّ نفسه، وبهذا تتساوى جميع النصوص، التي هي -في نظرهم- متشكّلة ومتأثّرة بالواقع والزمن الذي قيلت فيه، وإذا أضفنا على ذلك ما عزّزه دي سوسير[18]في مباحث اللسانيّات من أنّ اللغة مفهومٌ جمعيٌّ يتغيّر بتغيّر الزمن من حيث الدلالة على المدلولات، ولا يلزم من هذا أنّ الفهم الذي نشأ عن اللغة في زمان محدّد أن يطابق الفهم الذي نشأ في زمان آخر؛ لأنّ فهم أيّ نصّ يتشكّل في إطارٍ زمنيٍّ محدّد، فمدلولات ألفاظ اللغة غير ممتدّة، بل محكومة بالزمان والمجتمع الذي كانت فيه.

العنصر الثاني: الاتّجاهات الماديّة في الفلسفات الغربيّة
وهي الاتّجاهات التي ترى أنّ المعرفة اليقينيّة هي معرفة الظواهر التي تقوم على الوقائع التجريبيّة، ولا سيّما تلك التي يتيحها العلم التجريبي، وينطوي ذلك على إنكار وجود معرفة تتجاوز التجربة الحسيّة، ولا سيّما فيما يتعلّق بما وراء المادة وأسباب وجودها. ومن أهمّ تلك الاتّجاهات الماديّة هي الماركسيّة، التي ترى أنّ الفكر ما هو إلّا نتاج للواقع، وهو انعكاس للعالم الخارجي، وليس هناك فكر يأتي من جهة مفارقة، ولذلك كانت الأفكار الدينيّة من أشدّ الأفكار التي نقدها الفكر الماركسي؛ لكونها أهمّ الأفكار التي تأتي من جهات مفارقة للواقع. ولهذا صرّح محمّد شحرور بأنّ «العلم لا يعترف بوجود عالم غير مادي»[19]؛ لتطابقه مع هذا الفكر.

فالنّصّ مرتبط بواقع اجتماعي واقتصادي محدّد، فيبقى فهمه وتأويله من خلال الواقع الذي تشكّل فيه، وهذا الفهم والتأويل لا يمكن امتداده إلى واقع وزمان مختلفين؛ إذ إنّ لكلّ واقع فهمًا متغيّرًا لا يقبل الامتداد لغيره.
فالتاريخيّة إذًا نشأت في أحضان الماركسيّة، التي تنظر لكلّ مقدّس على أنّه خرافة صنعها البشر في طور من أطوار حياتهم، ولا يستغرب أنّ الماركسيّين كانوا أكثر تطبيقًا وتنظيرًا للتاريخيّة، وتعتبر عماد الماركسيّة، وإنّ غالب العلمانيين العرب المنادين بها -إن لم يكن كلّهم- كان في حياتهم طور ماركسي -إن صحّ التعبير- حتّى ولو زعموا التخلّي عن الماركسيّة بعد أفول نجمها، أو حاولوا تحوير مفهوم التاريخيّة الماديّة بما يرونه مناسبًا للإسلام، والادّعاء بأنّ التاريخيّة الماديّة مجرّد أطر فكريّة فارغة، يمكن توظيفها في مجالنا الإسلامي، وملؤها بما نريد[20].

ومن المعروف أنّ المناخ والبيئة الثقافيّة للغرب تنسب الأفكار إلى قائليها، مثلًا تنسب المذهب الماركسي إلى ماركس، والكانطي إلى كانط، والديكارتي إلى ديكارت، حتّى انعكس هذا على الدين فالمسيحيّة إلى المسيح. وبذلك ظنّ الغرب أن كلّ حضارة قد نشأت بالضرورة على نمط الحضارة الغربيّة، فعندما يشيرون إلى الدين الاسلامي يسمّونه بالمحمّدي أو المذهب المحمّدي، وعندما يتناولون الدعوة الإسلاميّة وسبب وجودها يعلّلونها بأنّها جاءت للانقضاض على الأرستقراطيّة القرشيّة[21].
ومحاولة إضفاء التاريخيّة على القرآن هي القاسم المشترك بين كلّ دعاوى القراءات الجديدة للقرآن مهما اختلفت اتّجاهاتها ومنطلقاتها. وتاريخيّة القرآن تعني؛ إخضاع النصّ لأثر الزمان والمكان والمخاطب مطلقًا، ممّا يؤدي إلى التنصّل من سلطة النصّ، وقداسته، وشموليّته، وعمومه لكل زمان ومكان[22]. فتكون تعاليم القرآن المقدّسة مرتبطة بظروف تاريخيّة، والعقائد ذات طابع تاريخي، والتشريعات على اختلافها هي نسبيّة حسب الواقع التاريخي، المهم هو ارتباط النصّ باللحظة التاريخيّة التي ولد فيها، وأن لا يتجاوز تأثيره الزمان والمكان الذي وجد فيه[23].

لذلك لم تكن النظرة خاصّة بتاريخيّة النصوص القرآنيّة فقط، بل بتاريخيّة السنّة أيضًا، وكل أفهام علماء المسلمين المستقاة من الكتاب والسّنّة في مختلف العلوم، كالتفسير، والفقه، وغيرهما، تعتبر أحكامًا أتت لأحوال بشريّة عارضة ومتغيّرة، فإذا ذهبت تلك الأحوال ذهبت أعراضها معها، بمعنى لا ضرورة لتلك الأحكام أو قل لا ثبات للأحكام، فالأحكام ليست ثابتة عندهم مطلقًا[24].

إشكالات المنهج التاريخي لمحمّد شحرور في القراءة المعاصرة للنصّ القرآني
الخلاف بين أصحاب القراءات المعاصرة المتأثّر بالفكر والثقافة الغربيين ما هو إلّا خلاف عقائدي، بل صراع من أجل العقيدة. حيث إنّنا نختلف معهم من المنطلقات الفكريّة العقائديّة، والأصول التي ينطلقون منها، ونعترض عليهم في مضامينهم ومعانيهم التي يدعون إليها ويدافعون عنها. فالفرق بيننا وبينهم فرق جوهري لا مجرّد مسألة فقهيّة هنا وهناك طبقّها من خلال اجتهاده فأخطأ، لا بل إنّ منطلقاتهم تنفي العقيدة الحقّة بدءًا من فكرة التوحيد والنبوّة والمعاد ووصولًا إلى الأحكام الشرعيّة الحرمة والحلية. فنحن ندافع عن الدين وفكرة المولى سبحانه، وهم يريدون أن يؤسّسوا لفكرة الإنسان وما في الوجود إلّا الإنسان، فهو الذي يقنّن، وهو الذي يطوّر، وهو الذي يشرّع بشعارات برّاقة تسرّ السامعين مبدأ الحريّة والتساوي والديمقراطيّة والإباحيّة (حلية كلّ شيء) وغيرها كثير. حيث أخضع المستشرقون النصّ القرآني كظاهرة لغويّة إلى المعايير والقواعد التاريخيّة والماديّة البشريّة بدعوى ومزاعم باطلة، وذلك لإفراغ النصّ الإلهي من مضمونه ومحتواه والتخلّص من الوحي بالظاهرة البشريّة؛ لأجل التخلّص من المقدّس والدين، وهذا ما سار عليه أصحاب القراءات المعاصرة، فهم صورة طبق الأصل عن المستشرقين.

أوّلًا: يعدّ المنهج التاريخي من نتاج المنهج الوضعي التجريبي الذي ينفي أيّ شيء خارج نطاق المادّة والتجربة، فاللغة نتاج بشري والإنسان يمكن التأثير عليه، وعلى هذا فالقول بالإلهام ولو في بعض اللغة قول لا يعتدّ به مطلقًا؛ لكونه خارج القياس والتجربة في هذا المنهج، ومن ثمّ فاللغة نتاج المجتمع، ومن ثمّ يقيس ذلك على النصّ الديني بأنّه بشري، وهذا خلاف ما يعتقد به المسلمون من أنّ النّصّ والمعنى من الله سبحانه وتعالى، وليس للموحى إليه وهو النبيّ تدخّل في ذلك. ولذلك لم يبحثوا في اللغة الشرعيّة، وهل أنّ المولى سبحانه وتعالى استعمل مصطلحات خاصّة في بيان الشريعة المقدّسة، فهذا البحث محذوف من قاموسهم؛ إذ إنّ اللغة بشريّة، وأيّ خطاب فهو بشري، ولا يوجد خطاب إلهي أو صادر من الوحي كما يعتقده علماء المسلمين. 

 فاللّغة بحسب تلك المناهج لها نظام مستقلّ، وتولّد عن ذلك الافتراض التساؤل عن وجودها، وكيفيّة نشوئها، واستغراب كيفيّة اهتداء الإنسان إليها، ومثار ذلك هو الانحراف عن الفطرة السليمة؛ حيث بدأ البحث عن علل موجبة لوجود اللغة، وعلى ذلك التصوّر بنيت النظريّات بالاعتماد على منظومات فكريّة أسقطت فيما بعد على السياق الحضاري والثقافي العربي بغية الوصول إلى تهميش مرجعيّاته، والتقليل من معطياته، وإثارة الشكّ في مسلّماته[25].

وليس البحث في اللغة وكونها وضعًا أو توقيفًا كما اهتمّ عِلما الأصول واللغة بذلك، فلا فائدة منه، وإنما توجّه الاهتمام إلى الاستعمال اللغوي.
فلا تكون اللغة حاكمةً على المجتمع، وإنّما المجتمع هو حاكم على اللغة، وله كامل الحريّة بالتصرّف فيها، ولذلك يذكر محمّد شحرور فكرة أنّ «المعنى المعجمي غير كاف لفهم أيّ نصّ لغويّ. فاللغة حاملة للفكر، وبما أنّ الفكر يتطوّر فاللغة تتطوّر بالتبع. حيث يوجد تلازم لا ينفكّ بين اللغة ووظيفة الفكر عند الإنسان»[26]، وهنا يقصد أنّ الفكر التي تحمله اللغة هو فكر القارئ لا المؤلِّف، وذلك بفكرة أنّ اللغة تتطوّر حسب رؤية القارئ، فأيّ تطوّر للمؤلف؟ وهذا ما بيّنه في القراءة المعاصرة حيث يذكر:»إنّ النصّ اللغوي المنطوق للتنزيل الحكيم هو الشكل الثابت الذي لا يخضع للتغيير والصيرورة والسيرورة. ولا أحد يملك الإدراك الكلي له في جزيئيّاته وكليّاته حتّى لو كان نبيًّا أو رسولًا، وذلك لعدم مشاركة أحد مع الله تعالى شأنه. ولكن نستطيع الإحاطه به تدريجيًّا من خلال الصيرورة المعرفيّة النسبيّة المتحرّكة. وبذلك يقرأ -الإنسان- الكتاب حسب أدواته المعرفيّة ومشاكله الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وغيرها، فيجد فيه أشياءً لم يجدها غيره، ويفهم منه شيئاً لم يفهمه غيره، وهكذا. وذلك يدلّ على أنّ التنزيل الحكيم يحمل صفة الحياة، وبذلك يكون التنزيل الحكيم يحمل صفة القراءة المعاصرة». وهنا يصرّح بأنّ القراءة تكون للقارئ، وهو الذي يعطي للفظ معنى بحسب ما يملي عليه المناخ والوضع الاجتماعي والسياسي. فلا بدّ من الوقوف هنا ووضع أكثر من علامة استفهام، فهذه العبارة تمويهيّة مؤدّاها حمل التجارب البشريّة على النصّ القرآني، وليس عرض التجارب والجهد البشري على القرآن واستنطاقه، كما فعل الشهيد الصدر. لقد حذّر الصدر من فكرة كهذه، وأكّد على خطورتها، وقعّد للبديل من منزلق كهذا؛ إذ ذكر أنّ التفسير الموضوعي «يبدأ بالواقع الخارجي بحصيلة التجربة البشرية، ويتزوّد بكلّ ما وصلت إلى يده من حصيلة هذه التجربة ومن أفكارها ومن مضامينها، ثم يعود إلى القرآن الكريم ليحكّمه ويستنطقه على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنين ويكون دوره دور المستنطق،... من خلال عمليّة الحوار مع أشرف كتاب حتّى يتلّقى الأجوبة من ثنايا الآيات المتفرّقة... لا بمعنى أنّه يحمل التجربة البشريّة على القرآن، ولا بمعنى أنه يُخضع القرآن للتجربة البشريّة»[27]. أين هذا من فكر محمّد شحرور الماركسيّ الاستشراقيّ؟!.

وهذا المنهج النّقدي قد تبلورت ملامحه نتيجة لجهود عالمين، هما: سير جيمس جورج فرايزر[28]، وجوستاف يونغ[29] الذي ارتبط اسمه باسم فرويد[30] وكانت جهوده فيما يتعلّق بالمنهج التاريخي النقدي في نظريّة الذاكرة الجماعيّة.
ويرى أصحاب هذا الاتّجاه أنّ جميع العقائد الدينيّة ظهرت نتيجة للتفسير الخاطئ لبعض الظواهر التي يتعرّض لها الإنسان، كالأحلام والأمراض والنوم والموت، وأنّ ظاهرة الأحلام وظاهرة الموت كان لهما الأثر الأكبر في توجيه الفكر الاعتقادي لدى الإنسان، كما حاولوا إبراز الأصل الثقافي للمعتقدات الدينيّة على اختلاف أنواعها، والتي تطوّرت إلى فكرة الإله العالي في مرحلة المدنيّة، ومن تلك التحليلات أنّ الإنسان كان يجتهد في البحث عن وسيلة للتحكّم في البيئة التي يعيش فيها، فانتهى به ذلك إلى أنّ هناك كائناتٍ مشخّصةً لها وجود في كلّ مكان، وأنّه يتعيّن استرضاؤها، وهكذا كان مولد الدين الوضعي، وأنّ التطوّر العقلي البشري مرّ بثلاث مراحل؛ السحر البدائي، والدين، والعلم[31].

لقد عمل بهذا المنهج أصحاب القراءات المعاصرة للقرآن الكريم؛ حيث يرون أنّه يتمتّع بالمرونة والحريّة وإتاحة قراءات متعدّدة للنص، يقول قائلهم: «ويعدّ هذا المنهج من أمضى الأسلحة التي يمكن اعتمادها في الصراع الفكري الدائر مع التيّار الديني، وشلّ فاعليّة أسلحته التقليديّة، وتعرية أفكاره، وبيان تهافتها، وعدم واقعيّتها»[32]. ولقد عمل به محمّد شحرور خصوصًا في موارد قصّة نبي الله آدم؛ إذ طبّق عليها نظريّة دارون واعتبرها تطوّرًا تاريخيًّا للطبيعة[33]، وكذلك في مسألة الوحي التي تعتبر من أهمّ المسائل الأصوليّة في عمليّة التفسير، بحيث اعتبر التطوّر في الوحي في الحدّ الأدنى هو بدائي، شمل هذا الوحي نبيّ الله إبراهيم وكذلك النبيّ محمّد، وبعدها تطوّر إلى الحدّ الأعلى للوحي المتمثّلة في مرحلة التجرّد، وهي مرحلة الرؤية، وهي كلّها ماديّة لم تخرج عن المادة[34].

ثانيًا: القول بتطوّر اللغة من أسس المنهج التاريخي وتاريخيّة اللغة، فاللغة محدودة بزمانها ومكانها الذي وجدت فيه، وهذا لا يراعي الفروق بين اللغات، ولا بين النصوص الدينيّة في كل لغة، فإذا كانت النصوص القديمة الدينيّة عبرانيّة قديمة، ثمّ سيريانيّة، ثمّ آراميّة، ثمّ يونانيّة، ثمّ ترجمة عبر العصور من لغة لأخرى، بلغاتها الأساسيّة لم تعد مستعملة، فليس الأمر كذلك في القرآن، بل القرآن لغته باقية منذ زمن نزوله، وكذلك اللغة العربيّة التي تختلف عن اللغات الأخرى، وبخاصّة تلك المنتشرة عبر أنحاء العالم، كالإنجليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، وهذا الاختلاف يتجسّد في ثلاثة جوانب أوّلها: أنّ العربية لها امتداد تاريخي ليس لهذه اللغات، بمعنى أنّها استمرّت حتّى الآن دون أن تتعرّض لتغيير فرعي للغات أخرى. والتطوّر اللغوي ظاهرة بارزة تحتاج إلى الدراسة والاهتمام في اللغات الأوروبيّة التي لا يمضي عليها قرن حتّى تصبح في حاجة إلى معجم لغوي حديث. وثانيها: أنّ هذه اللغة ترتبط ارتباطًا عضويًّا بالإسلام، يبدأ هذا الارتباط بالقرآن الكريم، ثمّ يمتدّ إلى الحديث الشريف والتفسير والفقه والتاريخ وغير ذلك من جوانب الحياة الإسلاميّة، فالقول بتطوّرها يعني حصر أحكام الإسلام في الزمن الذي أُنزل فيه، هذا وإن كان مطلبًا لدى العلمانيين العرب يحاولون تطبيقه من خلال التاريخيّة، وصولًا للقول بانحصار معانيه في زمن معيّن يناسب اللغة المستعملة فيه، والتي كانوا يطمعون ألّا تستعمل في العصر الحديث. وثالثها: أنّ هذه العربيّة الفصيحة لها تراث هائل في الدرس اللغوي، لا نعرف له مثيلًا في اللغات الأخرى، بدليل أنّه منذ القرن الثاني الهجري بدأ اهتمام العلماء بدراستها ودراسة الجوانب التي تتّصل بها من معجم وصرف ونحو وأصوات. وهذا التراث اللغوي مرتبط بمرجعيّة العلوم الإسلاميّة، مكتف بذاته، مستمدّ من النظرة الإسلاميّة للكون والحياة والدين، يتبنّى ثقافتها، ويرتبط بمفاهيمها، لذلك فإنّ محاولة استحداث مناهج لغويّة ونظام لغة جديد قد نشأت بمرجعيّة غير دينيّة، مستمدّة من أفكار وثقافات البيئة التي نشأ بها، وما هذا إلّا محاولة لإلغاء ذلك التراث اللغوي وتدجينه بما يناسب النظام المستحدث المسقط على اللغة العربيّة، وهو ما لم ولن ينجح أو يستمرّ؛ لفقدانه خصائص الحياة والاستمرار[35].

وممّن حاولوا تطبيق ذلك المنهج على القرآن الكريم، محمّد أركون ونصر حامد أبو زيد ومحمّد شحرور وغيرهم، منادين بأن تكون ألفاظ القرآن متحرّكةً، تكتسب معانيها من ثقافة المجتمع وسقفه المعرفي[36].
فأغلب هذه المناهج قائم على فكرة عدم حصر النصّ بمعنى معيّن، وإنما يجب توسيعه إلى معانٍ متعدّدة وتفاسير غير محدودة، فهذا يفضي إلى القول بالفوضى؛ حيث ذكر الواعظي هذا المعنى وردّه: «فلو اعتبرنا أنّ تفاسير غير محدودة ممكنة أن تجري على نصّ معيّن، ولا يمكننا من جهة أخرى تقديم تفسير على آخر في الصحّة والحكم، ففي هذه الحالة سيصبح إقامة الدليل وحشد الشواهد نصرة لتفسير ما، وطرح سائر التفاسير الأخرى عن طريق الاستدلال، سيصبح عملًا عبثيًّا لا ثمرة منه؛ غير أنّ العقل والسيرة العمليّة للعلماء في المجالات المعرفيّة الدينيّة كافّة، ومنها الأدبيّة والفنيّة والعلوم المختلفة، قائمة على البحث في الاستدلالات على المعاني المختلفة حول نصّ ما. وعدم محدوديّة القراءة للنصّ، نظريّة في غاية الخطورة والإضرار؛ لأنّها تسدّ باب التأمّل والتشخيص؛ إذ يعتقد أنّ كل تفسير وقراءة عن نصّ تتبدّل إلى أمر شخصي وفردي غير قابل للتوجيه... فمنطق تحطيم النصّ على هذا التحليل يعتبر القارئ والمفسّر مبدعًا وصانعًا لنصّ جديد؛ بمعنى أنّه تفسير شخصي للنصّ غير مقيّد بقاعدة وحدود؛ ولذا فإنّ فهمه لا يكون موضوعًا لأيّ نوع من النقد والتحليل النقدي»[37].

وإنّ فكرة فصل الدالّ عن المدلول من سنخ المفهوم، وأنّ منشأ المعاني هو اللغة لا شيء خارجها، ولا بدّ من النظر إلى المفردات بوصفها عناصر مرتبطة بنظام لغوي عام، بمعنى نظام ذاتي لا يحتاج في إدراك معاني الألفاظ إلى أيّ عنصر خارج عن نظامه اللغوي. وبما أنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة اختياريّة وضعيّة لا علاقة ذاتيّة طبيعيّة، فليس للفظ معنى مستقلّ ومفرد خارج المنظومة اللغويّة، فلا يوجد شيء تحت مسمّى المفردات الثابتة، وليست اللغة إلّا الاختلاف والتفاوت. ولذلك تكون النتيجة نفيًا لمقاصد المؤلّف وإلغاءً لدوره في فهم المعنى، بمعنى نحن لا نبحث في مقاصد المؤلّف وإنّما نبحث عن المعنى المنتزع من داخل النظام اللغوي. وهذا الأمر ما جعل كثير من الذين أخذوا بمنهج الألسنيّة والبنيويّة إلى الفوضى الخلّاقة من المعاني؛ لأنّهم لا يبحثون في مقاصد المؤلّف ومصطلحات هذا العلم. ولذلك لم يلتزم محمّد شحرور في اللغة الشرعيّة أو المعنى الشرعي الذي تسالم عليه المسلمون. ولا بدّ من معرفة أنّ هؤلاء لم يراجعوا الأبحاث الأصوليّة عند المسلمين، وخير من بحث ذلك الشيخ المظفّر في كتابه أصول الفقه الذي يدرّس لحدّ الآن في الحوزات العلميّة. وقد بحث ذلك في أصل الوضع، ويوجد أكثر من نظريّة في ذلك: كنظريّة الشهيد الصدر في مسألة الوضع، وهي نظريّة القرن الأكيد في مقابل نظريّة السيّد الخوئي نظريّة التعهّد. وبحث ذلك أيضًا في الدلالة الأوّلية والاستعمال الأوّل والمراد الجديّ لمقصد المتكلّم، وكذلك في بحث القرائن الخارجيّة (المتّصلة والمنفصلة)[38]. وما ذكر في البحوث الأصوليّة هو أعمق ممّا قدّمه هؤلاء المستشرقون وما تأثّر به الحداثويّون، فهم ليسوا أهل تخصّص في هذا المجال، لذلك اعتمدوا هذه المناهج الغربيّة وطبّقوها على القرآن الكريم، وهو أكبر دليل على جهلهم بالعلوم الإسلاميّة.

ثالثًا: المساواة بين القرآن وغيره من الكتب، وبينه وغيره من النصوص البشريّة، من منطلق كون النصوص الدينيّة المقدّسة واحدة يصحّ على جميعها مايصحّ على أحدها، وكون التجارب والسياقات التاريخيّة واحدة، مع القفز على الفوارق والخصوصيّات والمميّزات التي تحكّمت في بنية كلّ نص ووجّهت مساره التاريخي، لدرجة يخيّل للدارس معها أنّ ثمّة رغبة قويّة في المساواة، بل التسوية، بين النّصوص المقدّسة، بحيث لا يبقى بينها نصّ صحيح يصدق ويهيمن ويشهد بالحقّ على ماسواه كما في قوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (سورة المائدة، الآية48). إنّ دعوى مساواة النصوص الدينيّة فيما بينها، دون أدنى اعتبار للمسار التاريخي الخاصّ بكلّ نصّ، حفظًا وجمعًا وتدوينًا وتوثيقًا، هي دعوى باطلة، يُراد إلصاقها بالقرآن الكريم. بينما النصّ القرآني مصدره من الله تعالى، فهو ربّاني معصوم، والنصّ البشري إنساني غير معصوم. النصّ القرآني يقيني، قطعي، يحتوي على الشموليّة، بخلاف النصّ البشري ظنّي، نسبي، محدود. وكذلك اختلاف القصد والغاية، فالنّص القرآني محدّد المرادات، وهو مرجع هداية وتقويم، بخلاف النصّ البشري متردّد بين التجلّي والخفاء، غايته التّواصل والتّفاعل. النصّ القرآني معجز، صالح لكلّ زمان ومكان، والنصّ البشري غير معجز، محكوم بظروف زمانه ومكانه.

وإنّ النظر في هذه التقابلات بين النصّ القرآني والبشري يقود إلى حقيقة دامغة لا ريب فيها، وهي أنّ النصّ القرآني متفوّق في بعده الزماني ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، عالمي في هداه، عصري في مواكبة المواضيع المستجدة، قيّوم على الناس والواقع والتاريخ؛ لأنّه يحمل صفة اليقين المطلق، بتنزيله من عند الله تعالى، فمحاولة دراسته بالمناهج نفسها التي تدرس النّصوص البشريّة لهو خلل في المنهج عظيم، لا يُقدم عليه إلّا من ساءت عقيدته وشاق الله ورسوله.

رابعًا: إنّ تلك المناهج مازالت نظريّات، فنتاجات النقد الحداثي وما قبله وما بعده على مستوى نظريّاتهم الأدبيّة أو التنظير للأدب ورؤيتهم للنصّ الأدبي، وعلى مستوى مناهجهم النقديّة أو كيفيّة قراءتهم له، ليست حقائق علميّة إنسانيّة عالميّة يجب التّسليم بها وعدم مناقشتها، بل هي طروحات وفرضيّات ومبادئ ومفاهيم قابلة للنقاش والحوار والجدل، والاختلاف أو الاتّفاق معها، فهي نظريّات متأثّرة باتّجاهات ذلك الفكر، بوصفها جزءًا من الثقافة الغربيّة، متحيّزة إلى رؤى فلسفيّة غربيّة خاصّة بواقعهم[39].

ولقد رأينا كيف أنّ تلك الفلسفات تتبدّل وتتطوّر، وبعضها يختفي وبعضها يظهر،كما أنّ تلك الفلسفات أدّت لظهور اتّجاهات متناقضة من الماركسيّة إلى الليبراليّة إلى غيرها، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يصحّ تقديم مناهج ما زالت في طور التجربة لتفسير القرآن الكريم، وادّعاء قدسيّتها، وأنّها لا تقبل النقد في مقابل زعمهم بنسبيّة الحقيقة للقرآن وتفسيره.

فليس للنصّ تفسير نهائي ثابت، وإنما له تفسيرات متعدّدة لا نهائيّة، فكلّ نصّ قابل لتفسيرات متعدّدة حسب تعدّد المفسّرين وخلفيّاتهم، ولا تنحصر الحقيقة النهائيّة عند مفسّر معيّن؛ لأنّ كلّ مفسّر خاضع لظروفه، فلا يمكن أن يتساوى فهمه مع فهم غيره، بل حتّى المفسّر الواحد ربّما اختلفت تفسيراته باختلاف ظروفه، والنصّ وإن كان ثابتًا ولكنّ المفسّر متغيّر، فتحدث امتزاجات متعدّدة في كون للنصّ تفسيرات لامتناهية[40].

ما يرد ويلاحظ على المنهج التاريخي، الوجوديّة التي اعتمدها محمّد شحرور في آرائه القرآنيّة، فمحاولة الفهم والتأصيل لهذا المنهج متّسق مع فلسفته في إنكار وقوع الوحي أساسًا، وما هي إلّا مجرّد نظريّة، فلماذا يتعامل معها محمّد شحرور والعلمانيّون العرب على أنّها حقيقة لا تقبل الجدل، بينما كثيرون عارضوا ذلك الفهم، فما بالك بتفسير النّصوص الدينيّة وفقهها. ولماذا لم يعتبر نظريّته على أنّها من التراث وليست بحجّة، كما تعامل مع أصول الفقه، وكذلك السنّة النبويّة بأنّها تراث بشري ولا بدّ من تجاوزه.

فعدم إمكان وجود التفسير الموضوعي والحقيقي والواقعي وهو الفهم المطابق لواقع النصّ، وعدم وجود معيار لتقييم التفسيرات المتعدّدة، التي طرحت للنصّ، فعلى ضوء هذه النظريّة لا يمكن الحكم على أنّ هذا التفسير صحيح وذاك باطل، أو ترجيح تفسير على آخر؛ إذ لا يوجد تفسير ثابت معيّن لقصد المؤلّف يكون هو المعيار، وكل معيار يطرح يكون بدوره متأثّرًا بخلفيّات المفسّر، فيكون نسبيًّا أيضًا، وكلّ ما يمكن قوله هو وجود تفسيرات متعدّدة للنصّ الواحد بعدد المفسّرين، وهذا لا يمكن أن يقبل في تفسير النصوص الدينيّة، إلّا إذا اعتقد أنّ النصوص الدينيّة نفسها نتاج جهد بشري لا علاقة للوحي به، وأغرم بها كثير ممّن نادوا بقراءات جديدة للقرآن من خلال تاريخيّة النصّ، وتعدّد المعاني في نسبيّة الحقيقة، وهي العناصر التي أقاموا دعواتهم عليها. ويلحظ أنّ المقولات الماركسيّة كانت رافدًا مهمًّا لقراءاتهم، وحاكمة على عناصر منهجه، فمفهوم الوحي والنبوّة عندهم أُخضعت للمفاهيم الماركسيّة التي لا تؤمن بالغيب، نظرًا لما تؤسّس له من مناهج متعدّدة في القراءة تحمل كلّها لا نهائيّة التأويل، وعدم اعتبار مقصد المؤلّف أو القائل.

والهرمنيوطيقا الوجوديّة تعتبر امتدادًا للمنهج التاريخي كما بيّنا سابقًا؛ حيث تأثر به الحداثويّون، وعمل به محمّد شحرور خصوصًا في تجريد اللغة من استعمالها الشرعي، والفصل بين الدالّ والمدلول، والتطوّر التاريخي لها، ومن ثمّ خرج بنتاجٍ بعيدٍ كلّ البعد عن المنظومة الإسلاميّة. ويشهد على ذلك من أقواله ومزاعمه تفسيره لقوله تعالى:والْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (سورة الفجر، الآيات 1-3)؛ إذ اعتبر الفجر هو الانفجار الكوني الأوّل، وفسّر ليال عشر بمعنى المراحل العشر لتطوّر المادّة، ثمّ رأى أنّ الشفع هو أوّل عنصر تكوّن في هذا الوجود، وهو الهيدروجين فيه الشفع في النواة والوتر في المدار[41]. وكثير من هذه التفسيرات التي لم تمت إلى النّصّ بصلة.

خامسًا: إنّ تلك المناهج المتّبعة في تفسير القرآن الكريم لا يمكن عزلها عن سياقها الذي نشأت فيه، وتلك خاصيّة تمسّ المنهج الوضعي المتّبع في العلوم الإنسانيّة الاجتماعيّة بشكلّ عام، فغالبيّة نظريّات ومناهج النقد الأدبي الغربيّة التي نشأت في ظلّ تلك العلوم متحيّزة في جوهرها للأنساق الحضاريّة، التي نشأت واستمرّت من خلالها، فهي تحمل مضامين ثقافيّة تجعلها متلائمة مع بيئتها الحضاريّة الغربيّة، ولذلك فقول عدد من النقاد بإمكانيّة فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أيّ تغييرات، أو بعد إدخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذي سرعان ما يتكشّف تحت محكّ التحليل التاريخي للخلفيّة الثقافيّة الفلسفيّة التي تحملها تلك المناهج، وهذا الطرح ليس جديدًا على الوعي النقدي العربي، بل هو أحد المرتكزات الأساسيّة للحوار العربي الإسلامي الطويل مع الحضارة الغربيّة، منذ كانت موروثًا يونانيًّا، حتّى أمست هذه القضيّة ضربًا من التفكير البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل، وعليه فإنّ إسقاط صفات العالمي والموضوعي على النقد الأدبي الغربي كما يذهب عدد من النقاد، هو تحيّز لرؤى ومرجعيّات غربية[42]. فالموضوعيّة المدعاة تقوم على أيديولوجيّة شديدة التّحيّز لفلسفة خاصّة بها عن الحياة والوجود والذات والمعرفة، فلسفة لا تعترف بالمقدّس مطلقًا، وأيّ استعمال لتلك المناهج يعدّ استعارةً للمفاهيم النهائيّة لدى الآخرين، واقتباسًا من المدارس الفكريّة الغربيّة، فهو عمليّة اقتباس ونقل وترقيع وتوفيق لاترتبط بواقع ثقافي أصيل، ومن هنا تجيء الصورة النهائيّة مليئة بالثقوب والتناقضات، فالحداثة الغربيّة وما نتج عنها لم تنشأ من فراغ، وإنما هي النتاج الطبيعي المنطقي لتطوّرات الفكر الغربي في الثلاثمائة عام الأخيرة على الأقلّ، التي أدّت بصورة حتميّة سببيّة إلى ظهور المدارس الأدبيّة والنقديّة الجديدة بمصطلحاتها الخاصّة، وعليه فإنّ نقل مصطلحاتها ومناهجها في عزلة عن خلفيّاتها الفكريّة والفلسفيّة سوف يفرّغها من دلالاتها، ويفقدها القدرة على تحديد معان صحيحة، أمّا نقلها بعوالقها الفلسفيّة فسوف يؤدّي إلى تقويض أسس التصوّر الإسلامي، ممّا يؤدّي للفوضى الفكريّة، والاختلالات العقديّة، والأخطاء العلميّة؛ لأنّ القيم المعرفيّة القادمة مع المصطلح تختلف، بل تتعارض مع القيم المعرفيّة الإسلاميّة[43]. فهناك تغيّرات جذريّة أصابت التصوّر الغربي لمفهوم الكون والإنسان والحياة والعلاقة بينهم، ثمّ اللغة باعتبارها أداة التعبير عن المعرفة التي تولّدها تلك العلاقات المتشابكة، ومن ثمّ تغيّرت رؤيتهم المعرفيّة العلميّة، ومصادر المعرفة التي ينطلقون منها، وهذه التغيّرات هي التي أدّت إلى توالد المذاهب الفلسفيّة من واقعيّة أو تجريبيّة إلى مثالية إلى وجوديّة، وأدّت إلى أنسنة الدين المسيحي، فالثقافة الغربيّة وضعت العلميّة أو العقلانيّة والدين على طرفي نقيض على أساس أنّ الدين فكر غيبي يتعارض مع التفكير العلمي والعقلانيّة، وقاموا بتفسير الدين والتديّن تفسيرًا حسيًّا، فالتديّن إمّا محاولة إنسانيّة يعبّر المتديّن بها عن إخلاصه للنظام الاجتماعي، أو إسقاطات نفسيّة شتّى ومتنوّعة،كأن يكون إسقاطًا لرغبة اختلاق رمز يشكل قوّة ربط جامعة في المجتمع، أو إسقاطًا لمصالح السلطات الحاكمة في الكهنوت والملوك، أو تعبيرًا عن الاغتراب، أو أداة للسيطرة الاقتصاديّة واستغلالًا لجهد العمال من الرأسماليين، كما يذهب إليه الماركسيّون عامّة، ومنهم من تبنّى موقفًا لا أدريًا تجاه قضايا ما بعد الطبيعيّات أو الميتافيزيقا، وذهبوا إلى أنّ هذه القضايا لا يستطيعون إثباتها ولا نفيها؛ لأنّ التحقيقات التجريبيّة والاستدلالات العقليّة لا تستطيع التطرّق إلى خارج الوقائع وظواهر الأشياء، ثمّ إنّ هذه السمة الانفصاليّة أو الإقصائيّة أضحت من سمات الفكر الغربي؛ إذ إنّ الاتجاهات الذاتيّة والتجريبيّة عمومًا أقصت الإله على صعيد الوجود والمعرفة معًا؛ إذ لم يعد ذاتًا مستقلّة بنفسه عن الوجود والإنسان، ولم يعد الوحي مصدرًا معرفيًّا مستقلًّا بنفسه عن العقل والحسّ أو التجربة، بل لم يعد له دور في المعرفة والعلم، فيخضع الإنسان والظواهر الاجتماعيّة بما فيها الدين والكتب المقدّسة لمنهج الضبط والقياس والتحكّم والتفسير، أيّ لممارسات مناهج البحث في العلوم التجريبيّة نفسها، وهي المنهجيّة التي يتمّ عن طريقها فرض الماديّة على جميع مستويات الوجود، واختزال العالم إلى بعد طبيعي مادي واحد، تسري عليه القوانين العامّة الطبيعيّة، ومن ثمّ تسقط الأبعاد القيميّة، الغائيّة والأخلاقيّة، وتظهر الحتميّات المختلفة التي تفسّر مستويات الوجود المختلفة، بشكل حتمي مادي[44].

أمّا المعرفة الإسلاميّة فمصادرها العقل، والحسّ أو التجربة، والوحي، ولا يشكّك أحدها بمعرفة الآخر أو ينفيها وينقضها، بل يكمل أحدها معرفة الآخر، فهي علاقة تكامليّة بين مصادر المعرفة، وهذا الموقف من المعرفة منطلق في أصله من تصوّر صحيح يقوم على ثلاثة محاور رئيسة وهي؛ الله والإنسان والوجود، والتصوّر الصحيح لتلك المحاور من ثوابت الفكر الإسلامي التي تميّزه عن الفكر الغربي ومنظوره، فالإيمان بالله هو الثابت الأول، ومصدر كلّ المسلّمات الفكريّة والإيمانيّة، وهو منبع العلم والمعرفة، والوجود ينقسم إلى عالم الغيب، وعالم الشهادة، يتداخلان ويتفاعلان بصفة دائمة ويستحيل الفصل بينهما، فالعالم عالمان يتداخلان ويتفاعلان في أفكار البشر ووجدانهم، عالم الغيب المتّصل بذات الله وصفاته والحياة الآخرة والملائكة والجنّ والروح، وعالم الشهادة ويدخل فيه كلّ ما في الأرض وفي الكون من أشياء وأحداث وظواهر وعلاقات تجري وفقًا لسنن الله، ومصدر العلم بعالم الغيب هو الله، والمعارف المتّصلة بعالم الغيب هو ما أخبر الله الناس به عن طريق الأنبياء والرسل، والإيمان بالغيب ضرورة في الاعتقاد الإسلامي وإنكاره يخرج الفرد من زمرة المؤمنين، أمّا عالم الشهادة فيمثّله كتاب الكون المفتوح، وقد هيّأ الله الإنسان لمعرفة هذا العالم وحثّه على أن يقرأ كتابه، وأن يتأمّل ما فيه من حركة دائبة لا تتوقّف، وتناسق لا يختلّ ولا يتبدل، وفقًا للسنن التي فطر الله مخلوقاته عليها، من أمم ومن طير، ومن حيوان، ومن نبات، ومن ظواهر وأفلاك[45].

خاتمة
اعتمد شحرور على المنهج التاريخي العلمي، وعلى هذا تكون الحقائق كلّها تاريخيّة، بمعنى أنّها تتّصف بالنسبيّة التاريخيّة، أيّ إنّها تتطوّر بتطوّر التاريخ. ومن مقوّمات مفهوم التاريخية أنّه لا يتعدّى دراسة الواقع المحسوس دراسة قائمة على التجربة والحسّ، وبحسب هذا المذهب فإنّنا لا نستطيع الحكم على الأفكار أو الحوادث أو المفاهيم والمعتقدات والأديان ونظم الجماعات إلّا بنسبتها للوسط التاريخي الذي ظهرت فيه، وعبّر عنه شحرور بالواقع والوجود الخارجي المادي. لذا فحسب هذا المنهج لا مناصّ من ضرورة النسبيّة الحتميّة للتاريخ، فالمنهج التاريخي ينطلق من التجربة الحسيّة ويصل إلى أنّ النصّ القرآني بشري. وهذا أصل باطل في الشريعة الإسلاميّة انطلق منه شحرور.

المنهج التاريخي القائم على الفلسفة الاستشراقيّة «الهرمنيوطيقا» والمادّيّة الماركسيّة الديالكتيكيّة، هو ما قامت عليه قراءة محمّد شحرور المعاصرة للنصّ القرآني، وما هي إلّا قراءة لا تنسجم مع الفكر الإسلامي، والمفروض أن يسمّيها القراءة الغربيّة الاستشراقيّة المعاصرة للنصّ القرآني؛ وذلك لوجود فوارق في المصادر المعرفيّة التي ينطلق منها كلّ فكر.
النتيجة التي يخرج بها هذا المنهج هو أنّ الدين بشري، وهو ما ذكرناه في النقطة الأولى، وأنّ التطوّر التاريخي للبشر والتأثّر بالمناخ وثقافة العصر ما يسمى بالزمكاني يولّد تطوّرًا في المنظومة الدينيّة. ولذلك توصّل شحرور إلى أنّ الشريعة يحتاجها الإنسان البدائي ولا يحتاجها الإنسان المعاصر، بمعنى أنّ في العصر الحاضر الإنسانيّة غير محتاجة إلى أيّة رسالة أو نبوّة، بل هي قادرة على اكتشاف الوجود بنفسها بدون نبوّات. وبذلك أسقط النصّ الديني عن الشرعيّة، وهذا نتيجة المنهج المادّي الباطل، ولذلك قال شحرور إنّ «البكاء على عصر الرسالات لا جدوى منه، لأنّنا الآن في مستوى أرقى معرفيًّا وتشريعيًّا وأخلاقيًّا وشعائريًّا. ويكفي أنّ ضمان حقوق الإنسان أصبح كابوسًا على رأس كلّ متسلّط. والمؤسّسات المدنيّة المحليّة والعالميّة التي تقوم على أساس تطوّعي، تتنامى يومًا بعد يوم، وأنّه تمّ إلغاء الرقّ بشكل كامل»[46]. وكلامه هذا يعني أنّ قانون حقوق الإنسان ومؤسّسات المجتمع المدني هي أعلى من النصّ الديني. ولا أدري على أيّ أساس اعتمد وحكم أنّ المستوى الأخلاقي والإنساني اليوم هو الأفضل ممّا سبق؟ وكذلك من قال إنّ الرقّ اختفى في العالم الحالي؟ الرقّ موجود خاصّة في دول الخليج والهند وباكستان وتركيا، وهو أيضًا موجود في مناطق أخرى كأمريكا اللاتينيّة وأفريقيا، وهو موجود في معظم دول العالم من خلال مؤسّسات الدعارة الرسميّة وغير الشرعيّة؟ من قال إنّ مؤسّسات حقوق الإنسان كابوس على الرؤساء والملوك!؟ بالعكس فهذه المؤسّسات تخدم مصالح هؤلاء الرؤساء والملوك، وهم من أوجدها؛ إذ تعثّ في الأرض فسادًا، فهي منصّة للعقوبات والحروب السياسيّة والاقتصاديّة ترعى بها مصالحهم الشخصيّة، وهي سيف على أعناق الفقراء، فالواقع السوري والعراقي واليمني والليبي وغيره يعاني من دجل هذه المؤسّسات.



لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.

أ. د. عبد الرحيم بو دلال، الاتجاه الهرمنيوطيقي وأثره في الدراسات القرآنية، بحث في ملتقى فكيك الثالث حول القراءات الجديدة للقرآن الكريم، 2007م.
أ.د. الواعظي، أحمد، علم الدلالة وأثره في المعرفة الدينيّة، مجلّة قراءات معاصرة، العدد3، النجف الأشرف 2016م.
أحمد إدريس الطعّان، العلمانيّون والقرآن الكريم، دار ابن حزم، الرياض، ط1، 2007م.
أحمد المهدي عبد الحليم، البحث التربوي الأزمة والمخرج، دار الوفاء، مصر، ط1، 1421هـ .
أركون، محمّد، ترجمة: هاشم صالح، الفكر الإسلامي قراءة عمليّة، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط2، 1996م.
أركون، محمّد، ترجمة: هاشم صالح، القرآن من التفسير بالموروث إلى تحليل الخطاب الديني، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005م.
البعلبكي، منير، معجم أعلام المورد، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1992م.
الجابري، محمّد، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات، بيروت، مركز الوحدة العربيّة ط1، 1991م.
الجيلاني مفتاح، الحداثيّون العرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرآن الكريم: دراسة نقديّة، دار النهضة، دمشق، ط1، 2007م.
حب الله، حيدر كامل، حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر، مؤسّسة الانتشار العربي، بيروت لبنان، 2014م.
حسين الموازني، جدليّة الفهم عند غادامير، مجلّة أوراق فلسفيّة، العدد10.
حنفي، حسن، التراث والتجديد موقف من التراث القديم، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1980م.
دور كايم، ترجمة: محمود قاسم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، مكتبة النهضة، القاهرة.
الزهراني، أحمد جار الله الصلاحي، الأصول المشتركة لدعوات تجديد نظام العربيّة في العصر العباسي والعصر الحديث، جذورها، مناهجها، تناقضاتها، رسالة دكتوراه.
سعد عبد العزيز حباتر، نماذج من الفكر المعاصر، جامعة عين شمس، القاهرة، 2011م.
سيّد محمود القمني، الأسطورة والتراث، المركز المصري لبحوث الحضارة، ط3، 1999م.
شكري عيّاد، المذاهب الأدبيّة والنقديّة عند العرب والغربيين، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،1993م.
الصدر، محمّد باقر، المدرسة القرآنيّة، دار الصدر، مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر، ط1، قم 1428هـ .
الصدر، محمّد باقر، دروس في علم الاصول، مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر، ط3، قم 1426هـ .
صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، دار الكتاب المصري، القاهرة 1978م.
عبد العزيز حمّودة، الخروج من التيه، مطابع السياسة، الكويت، 1424هـ-2003م.
عبد العزيز حمّودة، المرايا المحدّبة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1998م.
عبد المنعم حنفي، المعجم الفلسفي، الدار الشرقيّة، القاهرة، ط1، 1990م.
عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيّز رؤية معرفيّة ودعوة للاجتهاد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، 1998م.
علي حرب، نقد النصّ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000م.
عوض القرني، الحداثة في ميزان الإسلام، دار هجر، الدمام، ط1، 1413هـ .
ماكس هوركهايمر، ثيودور أورنو، ترجمة: جورج كتّورة، جدل التنوير، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط1، 2006م.
محمّد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط4، 1964م.
محمّد أمزيان، منهج البحث الاجتماعي بين الوضعيّة والمعياريّة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، ط4، 1429هـ .
محمّد شحرور، القصص القرآني قراءة معاصرة، دار الساقي ط1، بيروت 2010م.
محمّد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، دار الأهالي، دمشق، ط1، 1990م.
محمّد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، دار الساقي ط1، بيروت 2017م.
محمّد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، دار الأهالي، دمشق، ط1 ، 2000م.
محمّد محمّد حسين، مقالات في الأدب واللغة، دار الرسالة، بيروت، ط2، 1992م.
مصطفى ناصف، نظريّة التأويل، منشورات النادي الأدبي، جدّة، ط1، 2000م.
نايف العجلوني، الحداثة والحداثيّة المصطلح والمفهوم، مجلّة أبحاث، جامعة اليرموك، الأردن، مجلّد14، العدد2.
نصر حامد أبو زيد، النصّ، السلطة الحقيقة، الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1995م.
ول ديورانت، ترجمة: سامي الكعكي وسمير كرم، أبطال من التاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت، 2003م.
ويلبر سكوت، ترجمة: د. عناد غزوان وجعفر الخليلي، خمسة مداخل إلى النقد الأدبي، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد، 1986م.

-----------------------------
[1]- أستاذ دراسات عليا متخصّص في الفكر الاستشراقي.
[2]-دكتوراه في تفسير علوم القرآن تخصّص التفسير المقارن.
[3]- انظر: محمّد، البهي، الفكرالإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ص14.
[4]- فيلسوف فرنسي 1798-1857م، يعدّ مؤسّس الفلسفة الوضعيّة التي تعنى بالظواهر القطعيّة، وتلغي ما عداها، تأثّر بسان سيمون الفيلسوف الاشتراكي، دعا لتأسيس دين جديد باسم الإنسانيّة. انظر: معجم أعلام المورد، ص377.
[5]- انظر: وحيد الدين خان، الدين في مواجهة العلم، ص50-51.
[6]- انظر: نايف العجلوني، الحداثة والحداثيّة المصطلح والمفهوم، العدد2، ص139.
[7]- ماكس هوركهايمر، جدل التنوير، ترجمة: جورج كتّورة، ص23.
[8]هذه النظريّة قد التزم بها البعض في هذا العصر مدّعيًا أنّها نظريّة حديثة، علمًا بأنّ الحكيم اليوناني (لوكريتوس) قال إنّ أوّل آباء الآلهة هو إله الخوف، وهذه النظريّة تقول إنّ الإنسان نتيجة الخوف الّذي يشعر به من رعد وبرق وزلازل وبراكين ومخاوف كثيرة تُحدق به من كلّ جانب في الطبيعة، كلّ ذلك جعله يلتزم بالدِّين كمنقذ من هذه المخاوف كلّها. (التحرير)
[9]- انظر: عوض القرني، الحداثة في ميزان الإسلام، ص20-25.
[10]- للراجحي، التطبيق الصرفي، ص73. للغلاييني، جامع الدروس العربيّة، ص177.
[11]- La Philosophie Critique de lHistoire/ p289.
[12]- صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، ص227.
[13]- انظر: أركون، محمّد، الفكر الإسلامي قراءة عملية، ص139.
[14]- فريدريك شلايرماخرلاهوتي ألماني ولدعام 1768م، درس الفلسفة والتاريخ، ودرّس اللاهوت في جامعات عديدة، أصبح قسًّاعام1793 ، ثمّ مرشداً روحيًّا في أحد المستشفيات.
[15]- ولهلم ديلتاي، فيلسوف ألماني، ولد عام 1833م، درس الفلسفة في جامعة برلين ثمّ درّسها في جامعة بازل، أسّس الفلسفة الحياتيّة التي تقول بأنّ الحياة الإنسانيّة وتعبيرتها الثقافيّة هي مصدر الفلسفة وموضوعها، انظر: معجم أعلام المورد، ص197.
[16]- مارتن هايديجر، فيلسوف ألماني، يعدُّ أحد أبرز ممثلي الفلسفة الوجوديّة، طوّر جان بول سارتر بعض أفكاره، أشهر آثاره وأهمّها  كتاب “الوجود والزمن”، انظر: معجم أعلام المورد، ص470.
[17]- هانز جورج جادامير، فيلسوف ألماني ولد عام 1900م، اشتهر بعمله الشهير الحقيقة والمنهج، وأيضاً بتجديده في نظريّة تفسيريّة الهرمنيوطيقا، ت: 2002م.
[18]- عالم لغويات سويسري، ولد عام 1857- ت: 1913م، يعدّ الأب والمؤسّس للمدرسة البنيويّة في اللسانيّات في القرن العشرين، ومن أشهر علماء اللغة في العصر الحديث، حيث اتّجه بتفكيره نحو دراسة اللغات دراسة وصفيّة باعتبار اللغة ظاهرة اجتماعيّة، وكانت اللغات تدرس دراسة تاريخيّة.
[19]- محمّد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، ص24.
[20]- انظر: الجابري، محمّد، التراث والحداثة، ص114. الجيلاني، مفتاح، الحداثيّون العرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرآن الكريم دراسة نقديّة، ص151.
[21]- انظر: واط، محمّد في مكة، ص9-12.
[22]- انظر: أحمد ادريس، العلمانيّون والقرآن، ص332.
[23]- انظر: أبو زيد، نصر حامد، النصّ السلطة الحقيقة، ص6. وأركون، محمّد، القرآن من التفسير بالموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص14.
[24]- انظر: محمّد شحرور، نحوأصول جديدة للفقه الإسلامي، ص152.
[25]- انظر: أحمد جار الله، الأصول المشتركة لدعوات تجديد نظام العربيّة في العصر العباسي والعصر الحديث، ص10.
[26]- انظر: محمّد شحرور، دليل القراءة المعاصرة، ص26-27.
[27]- الصدر، محمّد باقر، المدرسة القرآنيّة، ص26-28.
[28]- سير جيمس جورج فرايزر، عالم أنثروبولوجيا بريطاني، ولد عام 1845م، أشهر أعماله، الغصن الذهبي دراسة في السحر والدين، وهو في اثني عشر مجلّدًا، ألّفه من عام 1890م حتّى عام 1915م، تتبّع فيه الأساطير، وفيه يؤكّد أنّ الإنسان آمن بالسحر أوّلًا ثمّ الدين ثمّ العلم، ت: 1941م. انظر: معجم أعلام المورد، ص319.
[29]- كارل جوستاف يونغ، عالم نفس سويسري، ولد عام 1875م، عرف ببحوثه في مجال اللِاوعي والميثولوجيا، ت:1961م. انظر: معجم أعلام المورد، ص510.
[30]- سيغموند فرويد، طبيب أمراض عصبيّة نمساوي، ولد عام 1856م، أحد أشهر علماء النفس وأكثرهم أثرًا في الفكر الحديث، اشتهر  بطريقة التحليل النفسي القائمة على تأكيد أثر اللاوعي، والغريزة الجنسيّة في تكوين الشخصيّة، ت: 1939م. انظر: معجم أعلام المورد، ص322.
[31]- ويلبرسكوت، ترجمة: عناد غزوان وجعفر الخليلي، خمسة مداخل إلى النقد الأدبي، ص265.
[32]- سيد محمود القمني، الأسطورة والتراث، ص28.
[33]- انظر: محمّد شحرور، القصص القرآني، ج1، ص243.
[34]- انظر: محمّد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، ص376-383.
[35]-انظر: محمّد محمّد حسين، مقالات في الأدب واللغة، ص73-75.
[36]- انظر: محمّد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، ص42.
[37]- الواعظي، أحمد، مجلّة قراءات معاصرة: علم الدلالة وأثره في المعرفة الدينيّة، العدد 3، ص300-301.
[38]- انظر: الصدر، محمّد باقر، دروس في علم الأصول الحلقة الأولى، ص81-86.
[39]- انظر: عبد العزيز حمّودة، الخروج من التيه، ص102-105.
[40]- انظر: مصطفى ناصف، نظريّة التأويل، ص104-105. وحسين الموازني، جدليّة الفهم عند غادامير، مجلّة أوراق فلسفيّة، العدد 10،ص184.
[41]- انظر: محمّد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، ص235.
[42]- انظر:عبد الوهاب، إشكاليّة التحيّز، ص268-271.
[43]- انظر: عبد العزيز حمّودة، المرايا المحدّبة، ص62-63.
[44]- انظر: شكري،عيّاد، المذاهب الأدبيّة والنقديّة عند العرب والغربيّين، ص15.
[45]- انظر: أحمد مهدي عبد الحليم، البحث التربوي الأزمة والمخرج، ص64.
[46]- محمّد شحرور، تجفيف منابع الإرهاب، ص26.