البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاستشراق معكوساً وتمثّل الآثار الأوروبيّة في أدب الرحلة التونسيّة رحلة (لُبرْنس في باريس) لمحمّد المقداد الورتتاني أنموذجًا

الباحث :  خالد رمضاني
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  27
السنة :  صيف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 26 / 2021
عدد زيارات البحث :  658
تحميل  ( 5.600 MB )
الملخّص

لقد اعتمد الغربيّون كثيرًا على الاستشراق في فهم ودراسة الشرق من خلال عمليّة البحث العلمي المنظّم، وقد أخذ المستشرقون الدين والثقافة والأدب والعمارة... قضايا بحثيّة في دراساتهم وأبحاثهم، ولهذا أنتج الغرب من خلال هذه البحوث والدراسات مجموعة من الصور النمطيّة عن الشرق بما هو عالم جامد وعالم سحر وغرابة. وما يتناوله الباحث هنا هو العلاقة العضويّة بين الرحلة ونمط التفكير الاستشراقي، ولا سيّما السرديّات التي أنتجها محمّد المقداد الورتتاني في كتابه رحلة «البُرْنس في باريس»، خاصّة وأنّ الرحلات قد تحوّلت إلى مادة فكريّة مواتية لرصد تحوّلات الأفكار في علاقاتها بصيرورة الوعي وتحوّلات المجتمع. ولم تكن رحلة محمّد المقداد الورتتاني الأولى من نوعها، بل كانت لاحقة لرحلات عربيّة وتونسيّة ذات منحى إصلاحي سواء قبل الاستعمار أو خلاله.

المحرِّر

المقدِّمة
تشكّلت في المجتمعات العربيّة خلال القرن التاسع عشر صراعات فكريّة نخبويّة بين مؤيّد للنموذج الغربي ومتحمّس لأفكاره ورؤيته للعالم، وبين رافض لهذا الطرح ومستعدّ لمقاومته. وكانت هذه الصراعات نتيجة للرحلات التي قام بها العرب لأوروبا أو التي قام بها الغرب في البلدان العربيّة. ففي مقابل تركيز الرحلات الاستشراقيّة الغربيّة على رسم الشرق وسحره وغرابته[1]، كانت الرحلات العربيّة منبهرة بمنجزات الغرب الصناعيّة والعمرانيّة وقيم «الحريّة واستقلال الفكر»، أو كما سمّاها «جورجي زيدان» «الآثار المعنويّة».

لقد كانت الرحلات العربيّة خلال القرن التاسع عشر مدخلًا للعرب من أجل اكتشاف تطوّر الغرب وسطوته الاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة على العالم. وقد اعتبر «رفاعة رافع الطهطاوي» وكتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» هما من دشّنا «الاهتمام بالتقدّم البشري من خلال العلوم والصنائع والفنون»[2]. ولقد انسحبت هذه التجربة الرائدة على المصلحين في الإيالة التونسيّة خلال القرن التاسع عشر قبل انتصاب الحماية، فبرز بعض المؤلّفين أمثال «خير الدين باشا» و «محمّد بيرم الخامس»، ممّن صوّروا الغرب في مخيّلة الناس على أنّه عالم التقدّم والتطوّر، وأنّ الاقتداء به وسيلة للارتقاء واللحاق بركب الحضارة. وكانت هذه الخطوات نابعة من رغبة في طلب العلم واستلهام التجارب ومحاولة الأخذ بأسباب التطوّر، أيّ أضحت هذه الرحلات «وعيًا بالآخر»[3].

كما تواصلت هذه الخطوات بعد بسط الاستعمار سيطرته على البلاد، مثل كتابات «محمّد السنوسي» و «محمّد بن الخوجة»، وموضوع مقالنا «محمّد مقداد الورتتاني» ومؤلّفه «البُرْنس في باريس»[4]. ونبعت هذه الخطوات كلّها من تأثّر المملكة التونسيّة بفرنسا، «فالمملكة التونسيّة أخذت في علوم الحياة واستضاءت الدنيا أمام أبصارهم بكهرباء الاحتكاك بالأمّة الفرنساويّة»[5]. كما كان للدراسات الاستشراقيّة دور في تنبيه العرب، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى تأخّرهم مقارنة بالغرب.

ويمثّل الاستشراق المبحث التي استطاع الغرب بفضله أنّ يتناول الشرق بالبحث العلمي بصورة منتظمة[6] بكلّ جوانبه من أدب وعمارة ودين وثقافة. وأنتج الغرب من خلال البحوث والدراسات مجموعة من الصور النمطيّة عن الشرق بما هو عالم جامد وعالم سحر وغرابة. سنعمل من خلال هذا المقال على عكس هذه الصورة بالتركيز على «رحّالة» تونسي «شرقي» زار الغرب في زمن سطوته المطلقة على الشرق. فهل يمكننا أنّ نتبيّن اعتمادًا على السرديّات التي أنتجها الورتتاني «استشراقًا معكوسًا» من خلال معاينته للآثار؟!.

الآثار الأوروبيّة والرحلات

سنقوم في هذا المقال بطرق باب الآثار الأوروبيّة، باعتباره موضوعًا مستجدًّا في الرحلات في ذلك الوقت، وحتّى وإن تطرّق إليه الرحّالة قبل الورتتاني، فهو من باب وصف معالم كثيرًا ما تكرّر ورودها في رحلات العرب إلى فرنسا بصفة خاصّة. كما أنّه صار علمًا يحظى بالاهتمام والحماية في المملكة التونسيّة بعد بعث «مصلحة الآثار والفنون»[7]، وبعد سنّ العديد من المراسيم التي تعنى بترتيب المعالم التاريخيّة على لائحة المواقع المحميّة، أيّ كان التأثير الفرنسي على هذا الموضوع حاسمًا. ففي فرنسا المرآة العاكسة، «لا يخلو بلد من دار آثار مع مكتب للتعليم ومعبد ديني ومستشفى صحّي ومحلّ للتمثيل ونزل للمسافرين، والمملكة التونسيّة جارية الآن على ذلك المنوال»[8].

لم تكن رحلة محمّد المقداد الورتتاني الأولى من نوعها، بل كانت لاحقة لرحلات عربيّة وتونسيّة ذات منحى إصلاحي سواء قبل الاستعمار أو خلاله، ولهذا سنعمل على أن نفهم حجم صدى وتأثير تلك الرحلات في رحلة «البُرْنس في باريس»، وهل أنّ حديث المؤلّف عن الآثار كان بدون سند، أيّ هل هو مجرّد هاوٍ ومراقب وناقل للمعارف؟ أم هو تجسيد لشخص صاحب اطّلاع ودراية نتيجة خلفيّة ثقافيّة وممارسة وظيفيّة، ساهمت في ترسيخ فكرة الآثار على أنّه مجال دالّ على تطوّر الشعوب وتقدّمها؟ وهل اكتفى الكاتب بسرد معلومات ووصف معالم، أم أنّه عرّج على أهميّتها في النهوض ببعض القطاعات؟ وبالنظر إلى مُسَلّمة ترجيح كفّة ميزان الغرب المتقدّم أمام أيّة مقارنة مع العرب، كيف خفف الورتتاني من وطأة هذا التناقض في علاقته بالآثار والتاريخ والماضي؟!.

محمّد المقداد الورتتاني والخلفيّة الثقافيّة والوظيفيّة لمثقّف تونسي
1-1. الخلفيّة الثقافيّة للمؤلِّف: الرحلات السابقة وتأثيرها في رحلته
لقد تحوّلت الرحلات إلى مادّة فكريّة مواتية لرصد تحوّلات الأفكار، في علاقاتها بصيرورة الوعي وتحوّلات المجتمع، في زمن تبلورها. ومن الفوائد التي تقدّمها الرحلة للكاتب هي النظرة أو الرؤية الخاصّة التي تحملها للآخر، وهي نظرة تقدّم مشاهداتها وأفكارها بالصورة التي تجعلها تقدّم في الآن نفسه رؤيتها لذاتها، كما أنّها توفّر معطيات مساعدة على بلورة رؤية الآخرين لبعضهم البعض، إذ يتمّ تبادل المواقع في معادلة الأنا والآخر. ففي الرحلات التي قام بها الرحالة الغربيّون مثلًا إلى القيروان في القرن التاسع عشر، نلاحظ الملامح الأولى للرؤية الأوروبيّة للتونسيّين في مختلف مظاهرها، وفي رحلات التونسيّين لأوروبا في القرن نفسه، ومن خلال هذه الرؤى المتقاطعة يمكن بناء نمط الوعي بالذات وبالآخرين[9].

تبرز أهميّة الرحلات في مجال التاريخ والجغرافيا والمجتمع والثقافة، في سياق تطوّر المجتمعات والحضارات. لقد كانت هناك خلفيّات تاريخيّة لرحلة «محمّد المقداد الورتتاني»، لوجود التجارب السابقة، خاصّة مع رواد الإصلاح أمثال «خير الدين باشا» و «محمّد بيرم الخامس» إلى الدول الأوروبيّة، وقد كانت نتيجة تأثّر و «تقليد» للكتابات الاستشراقيّة التي ركّزت على دراسة الشرق بكامل جوانبه. سنذكر بعض المؤلّفات التي تمثّل أدب الرحلة التونسيّة والعربيّة، ليس من باب التّعداد بل من باب وضع الموضوع في إطاره، الذي يمثّل بيئة ظهرت وازدهرت فيها هذه النوعيّة من الكتابة، كما أنّ المؤلّفات التي سنذكرها استشهد بها الكاتب في مؤلَّفه.

1-1-1. الرحلة العثمانيّة والمصريّة: تجنّب الهزيمة أو ما ينبئ بها
كانت الدولة العثمانيّة سبّاقة في التأثر بالغرب، إذ حاولت اللحاق بركبه من خلال التشجيع على الرحلات العلميّة، فلقد كانت مبادرة الصدر الأعظم «إبراهيم باشا» بتوجيه من السلطان «أحمد الثالث» رائدة في هذا المجال. فلقد تمّ تكليف شخصيّات على أعلى المستوى للقيام برحلات إلى أوروبا، وتحديدًا إلى فرنسا، من أجل البحث في أسباب تقدّم الدول الأوروبيّة، وكأنّها كانت نتيجة انطباع عام بقرب وقوع الانتكاسة والهزيمة الحتميّة أمام أيّة مواجهة[10].

وقد اتّخذت الولايات التابعة للدولة العثمانيّة، التي كانت مستقلّة نسبيًّا عن الباب العالي، الخطوات نفسها، مثل مصر والأيالة التونسيّة، بعد أنّ رأت مؤشّرات الهزيمة أو ما ينبئ بها، خاصّة بعد حملة «نابليون بونابرت» على مصر بين 1798 و 1801، والاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830. فأمّا في مصر فكانت البعثات إلى أوروبا في عهد «محمّد علي باشا» الذي حكم مصر تقريبًا كلّ النصف الأوّل من القرن التاسع عشر. ويبدو أنّ المرحلة الأولى لهذه البعثات كانت في شكل طلب «مساعدة فنيّة أجنبيّة»[11]. ومن جهة أخرى كان «لرفاعة رافع الطهطاوي» وكتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» تأثير في الكتابات التونسيّة بعد طبعه سنة 1934، ككتاب «أحمد باي» وكتاب «محمّد بيرم الخامس» وحتّى «محمّد المقداد الورتتاني». هذا الأخير الذي يقول: «وبين أيدينا رحلة الشيخ رفاعة إلى فرنسا منذ نحو مائة عام، وبها ذكر العلوم التي تقرّرت مزاولتها. والشيخ رفاعة برع في الترجمة لما له من سابق العلم باللغة العربيّة في الأزهر، شأن كلّ مترجم لا يبرع في صناعته إلّا إذا كان مكينًا في لغته الأصليّة، وفي قطرنا هي العربيّة. والآن مصر، فيما يبلغنا عنها، هي أندلس الإسلام في العلوم الأصليّة والعصريّة، والتلميذ النجيب المتفنّن بين الأمم المتلقيّة للعلوم من أوروبا»[12].

2-1-1. الرحلة التونسيّة: «سند للحركة الإصلاحيّة»
إنّ الخيط الرابط بين كلّ رحلات العرب، هو توقّع الهزيمة أو الخشيّة من الاستعمار، وهي مبرّرات كانت وراء ازدهار الرحلات في القرن التاسع عشر في البلدان التي كانت نظريًّا تابعة للدولة العثمانيّة، ومنها الإيالة التونسيّة، فكانت مثلًا الرحلة التي قام بها أحمد باي إلى فرنسا سنة 1846، للأخذ بأسباب التقدّم بعد احتلال الجزائر، ويبدو أنّها كانت بسبب «نزعة من الغيرة» يكنّها أحمد باي لمحمّد علي باشا[13].

ولقد كتبت المؤلّفات العديدة بعد هذه الرحلة حول ضرورة الاقتداء بالغرب، مثل الوزير خير الدين باشا في كتابه «أقوم المسالك في أحوال الممالك» الذي ركّز على المنجزات العلميّة في الغرب مثل «البوسطة» وآلة جذب الصواعق والآلة البخاريّة[14]، وبيرم التونسي أوّل رؤساء جمعيّة الأوقاف في رحلته إلى أوروبا و «طبعا كتابيهما بطرق النفع والانتفاع والامتزاج بالأمم الراقية وسبر أخلاقها والعلم بطرق تقدّمها».

كما للبشير صفر في التاريخ والجغرافيا «رسايل ممتعة». إضافة إلى محمّد بن الخوجة الذي حرّر رحلات بعض ملوك تونس إلى فرنسا، ورحلات رؤساء جمهوريّة هاته الدولة إلى المملكة التونسيّة»[15].

إنّ أوّل ما يلاحظ في كتابي «صفوة الاعتبار» و «أقوم المسالك» مثلًا، هو تراجع استعمال ظاهرة السجع، وهو الذي يعتبر من العناصر الأساسيّة على المستوى الفنّي في الرحلات. إلّا أنّ الورتتاني في كتابه قد حافظ على استعمال هذا الأسلوب بكثافة. لكن وجب التنويه إلى معطى مهمّ، وهو ضرورة التفريق بين غاية كلّ من هذه المؤلّفات، فصفوة الاعتبار وأقوم المسالك يعتبران كتابين لهما برنامج إصلاحي على جميع المستويات، أمّا كتاب الورتتاني فقد كان تحصيل حاصل وتوصيف لواقع أوروبي متقدّم، بدت تجليّاته تنسحب على جوانب الحياة في البلاد التونسيّة نتيجة السياسات الفرنسيّة. وقد بدا الورتتاني راسخًا على فكرة التقدّم التي أصبحت نسماتها واقعًا مفروضًا، ولم تعدّ غاية أو أمنية وجب العمل للوصول إليها، كما كان لدى الكتّاب قبل الاستعمار الفرنسي.

وقد كان كتاب «الاستطلاعات الباريسيّة» لكاتبه «محمّد السنوسي» وكتاب «محمّد بن الخوجة» في بداية القرن العشرين الذي كان بعنوان «سلوك الإبريز في مسالك باريز» مثالين لأدب الرحلات بعد انتصاب الحماية. ويمكن اعتبارهما مؤلّفات قريبة من المواضيع التي طرحها «المقداد الورتتاني»، فما من ظاهرة اجتماعيّة أو سياسيّة، مثل المكتبات والمسارح والمراقص ونُظم الحُكم ومؤسّسات الاقتصاد، إلّا وعرضها السنوسي وابن الخوجة عبر منظور المقارنة والتقابل بين فرنسا والإسلام، فانتهيا إلى أنّ سبب تقدّم الغرب ليس إلّا سبب تقدّم المسلمين في القديم[16]. وقد تأثّر الورتتاني بهذا النهج في الكتابة من خلال الإعجاب بالحضارة الغربيّة دون نقمة تجاهها، لكنّه عمل على تخفيف وطأة التفاوت بين «عالمين» مختلفين من خلال ذكر أوجه الشبه بينهما زمن ازدهار الحضارة العربيّة الإسلاميّة[17]، ومن خلال التركيز على ماكان للمسلمين من اعتناء بالحرف والفنون والأدب والعمران، وذِكْر للقيروان وتاريخها وعراقة حضارتها في العديد من مواضع رحلته.

1-2. الخلفيّة الوظيفيّة في خدمة الآثار
ولد محمّد المقداد بن نصر بن عمّار الورتتاني سنة 1875، وتوفّي سنة 1950 في منازل ورتتان القبيلة البربريّة المتعرّبة بجنوبي الكاف قرب مدينة أبّة، وهو كاتب وشاعر ومؤرّخ[18]. وقد اشتغل في العديد من المناصب في العاصمة تونس أو في الجهات. أمّا في علاقته بموضوعنا، فيبدو أنّ الخلفيّة الثقافيّة والوظيفيّة قد كان لها دور في تركيز المؤلّف على الآثار في كتابه، الذي اعتبره «محمّد الفاضل بن عاشور» «مظهرًا جليلًا لسموّ فنّ التحرير في تسجيل الرحلات الفرديّة الخاصّة في أوروبا»...و كان هذا الكتاب «أكمل صورة قلميّة لنظر العربي الناهض إلى أوروبا لوصف المسالك والمشاهد والتأثّرات النفسيّة والمناظر الطبيعيّة والحياة الاجتماعيّة، مع إثارة المقارنات التفصيليّة بين الماضي الإسلامي والحاضر الأوروبي في كلّ ناحية من نواحي الحضارة»[19].

وإلى جانب أنّ محمّد المقداد الورتتاني كان أوّل من أرّخ لتاريخ الطريقة الصوفيّة «الشابيّة» في القيروان والتي استلهم منها «شارل مونشيكور» (Charles Manchicourt) مادّة دراسته «القيروان والشابيّة (1450- 1592)»، فقد بذل جهده لتنظيم الآثار والأوراق، التي اشتملت عليها بقايا المعاهد الدينيّة في القيروان، ولا سيّما جامع عقبة بن نافع، وتمرّس بقراءة الخطوط وصار عارفًا بها وخبيرًا بآثارها، وذلك بعد تعيينه نائبًا لجمعيّة الأوقاف[20] بالمدينة.

1-2-1- نائب جمعيّة الأوقاف في القيروان
تداول على نيابة جمعيّة الأوقاف في مدينة القيروان خمسة عشر نائبًا على امتداد حوالي ثمانين سنة، أيّ من تأسيس الجمعيّة سنة 1875 حتّى حلّها سنة 1957، وأسماؤهم مرتّبة زمنيًّا كالآتي، وفقًا لما ذكر في «موسوعة القيروان»[21]، بعد الاعتماد على مراسلات نيابة الجمعيّة بالمدينة[22]:

جدول: قائمة أسماء نوّاب جمعيّة الأوقاف في القيروان وتاريخ بداية نشاطهم
1- محمّد عيسى الكناني: 1874
8- محمّد بن شعبان: سبتمبر 1924
2- صالح الرماح: 1875
9- محمّد الطاهر صدام: جانفي 1927
3-محمّد بن حسين عظوم: 1887
10- محمّد العابد صدام: جانفي 1939
4-الطيب بوزكري: مارس 1902
11- محمّد التوهامي البناني: جانفي 1940
5- محمّد المقداد الورتتاني: أوت 1902
12-الطاهر بن العربي: جوان 1942
6- الشاذلي الشيخ: 1916
13-الأخضر بن ساسي: 1948
7- محمّد العلاني: أكتوبر 1921
14- الهادي المليح: ديسمبر 1954


كان مبرّر الكاتب في حديثه في العديد من مواضع الكتاب عن عدم اهتمام السابقين بالآثار، ذاتيًّا وموضوعيًّا. فعندما تولّى نيابة الجمعيّة، التي اضطلعت بدور محوري في حماية العديد من المعالم القديمة بمساعدة «مصلحة الآثار والفنون»، كان أعوانه أحيانًا ينجزون عمليّات الصيانة والترميم، لكنّهم لا يتقيّدون بالتعليمات ويقومون بالعديد من التجاوزات التي تساهم في تضرّر المعلم أو حتّى تهدّمه.

1-2-2- نائب جمعيّة الأوقاف: في الوعي بفداحة خسارة الآثار
كان لوظيفة «المقداد الورتتاني» على رأس جمعيّة الأوقاف في مدينة القيروان لسنوات طويلة دور مهمّ في صياغة نصّ رحلته إلى فرنسا وسويسرا. كانت هذه الجمعيّة تقوم بأغلب عمليّات الترميم والصيانة تحت إشراف إدارة الآثار والفنون. وتبيّن المراسلات العديدة بين الإدارة والجمعيّة دعوتها إلى ضرورة التأنّي والتمهّل في عمليّات الترميم والصيانة، وانتظار التعليمات والتوصيات من مسؤولي المصلحة، إذ سجّلت العديد من التجاوزات التي قد تحصل نتيجة حسن نيّة وعدم دراية بأساليب الترميم ومبادئه. وتعتبر إدارة الأوقاف عمليّات الإصلاح خطوات لإنقاذ المباني من التداعي والتهدّم التي قد تواجهها، وهي مبان ما زالت تقوم بالمهمّة الأصليّة التي شيّدت من أجلها، وهي لا تمانع في إضافة عناصر لا تتلاءم مع مواد البناء الأصليّة أو مع العناصر المعماريّة الأصليّة[23]، إلّا أنّ إدارة الآثار والفنون تعتبرها عمليّة مهمّة لحماية تاريخيّة، فتختلف بالتالي الإجراءات المتّبعة والأهداف المنشودة، وهو ما ينعكس سلبًا في بعض الأحيان على المعلم المستهدف بالصيانة.

وبالإضافة إلى سوء التنسيق بين جمعيّة الأوقاف ومصلحة الآثار، تكون رقابة هذه الأخيرة أحيانًا شكليّة، فقد لاحظنا في بعض المراسلات أنّها تكتفي بتقديم الملاحظات بعد انتهاء الأشغال، وفي بعض الأحيان لم تكن لها سلطة ردعيّة، بل تقتصر بالتّسليم بالأمر الواقع عند مخالفة أعوان الجمعيّة للمعايير. إلّا أنّه ورغم عدم الانسجام الواضح للعيان في كثير من المناسبات بين الإدارتين، فقد ساهم هذا التعاون في إنقاذ المعالم التاريخيّة أو في الترفيع في أمل حياتها، إذ «وقع التّعاضد على أن نهتم جميعًا بفكرة واحدة هي المحافظة على حرمة المعالم التي لها اعتبار شامخ في ماض زاخر»[24].

1-2-3- الورتتاني وطابع الانفتاح في علاقته ببعض القضايا الخلافيّة
كان الغرب ينظر إلى حضارته على أنّها مركز العالم، واعتقد المستشرقون والرحّالة أنّهم يمتلكون زمام كلّ شيء وجعلوا التاريخ محوره تاريخ أوروبا. وقد وقع بعض الشرقيّين في خطأ تقديس الغرب، واحتقروا كلّ ما يأتي من بلادهم[25]. لكن علينا تنسيب كلّ شيء، فقد كانت الرحلات العربيّة للغرب سببًا في شرح قيمة «التقدّم»، إذ كان يرى البعض من العرب «أنّ الخير كلّه فيما مضى، وأنّ الحاضر ينطوي على كثير من السرور، وأمّا المستقبل فلا يمكن أن نترقّب منه إلّا الفناء والدمار». وهذا تعبير في جزء كبير منه مجانب للصواب، فالانفتاح على جوانب محدّدة في فترة زمنيّة معيّنة قد يصبح ضرورة حضاريّة. ويبدو أنّ المقداد الورتتاني كان واعيًا بهذه الحقيقة، فقد كانت لديه القدرة على التفاعل مع الأفكار، وبالتالي انعكس هذا الوعي على ممارساته، خاصّة في علاقته ببعض القضايا الخلافيّة التي تطرح قضيتي الحلال والحرام، سواء وهو في تونس أو في فرنسا.

في المملكة التونسيّة، كانت مساجد القيروان التي زارها السائحون ممنوعة على اليهود، لكنّ شهادة كاتب يهودي دوّن مذكراته عند زيارته للمدينة تبيّن «تسامح» الورتتاني عندما كان نائبًا لجمعيّة الأوقاف في المدينة. «نجحنا في زيارة المسجد الكبير، وقلوبنا تنبض وسط مجموعة من السائحين، وكان لهذا المسجد مكتبة رائعة للغاية، وأردنا دخولها، فوافق السيّد مقداد على اصطحابنا وفتح المكتبة والسماح لنا بالاستمتاع بالكتب والمخطوطات النادرة التي تحتويها، ولا سيّما الأعمال المكتوبة بالخط الكوفي الغني بالزخرفة»[26].
أمّا فيما يتعلّق برحلته إلى فرنسا وسويسرا، فيبدو أنّ الخلفيّة الثقافيّة الدينيّة للكاتب كان لها تأثير على مصطلحاته التي استعملها عند دخوله لبعض الأماكن القديمة، وخاصّة الكنائس، من أجل «تبرير» هذا الفعل واعتباره من أجل تذوّق الفن فقط. «وقد دخلت بعضها، وبالأخصّ العتيق منها لمجرّد الاطّلاع على الذوق في البناء، والإبداع في الزخرفة والتفنّن والنقش والعناية بهياكل الدين»[27]. إلّا أنّه أحيانًا لا يستحضر الخلفيّة الدينيّة عند التمعّن في الصور والتماثيل، أيّ أنّ الكاتب اعتبر هذه الإبداعات الإنسانيّة تعود لقدرة الخالق، فذكر مثلًا رؤيته لرسم امرأة تلبس رداء شفّافًا، وهي تمثّل «فايدل» ابنة ملك كريت، وقد رسمها كابانايل سنة 1880، والصورة موضوعة في دار آثار مونبلييه[28]. أمّا بخصوص التصوير فنوّه بمميّزات الرسم أو «الصور الذهنيّة»، فبها «يحفظ التاريخ وتظهر مقدرة الخيال»[29]. كما أنّه اصطحب آلة التصوير الذي اعتبرها ممّا يهمّ المسافر الاحتياط له قبل السفر، والتي أسماها «مرآة التصوير» فهي تمثّل إلى العين ما لا يقدر القلم على وصفه، يأخذ بها المسافر صور البلدان والأشخاص والأشجار والأنهار والجبال والمعامل»[30].

وبالتمعّن في النظرة لبعض الفنون الأخرى، فقد كان أدب الرحلة أوّل من أطلع العرب على بعض الفنون الأوروبيّة مثل المسرح، وهو أحد الفضاءات الترفيهيّة التي تستقطب عددًا كبيرًا من الناس، والذي لم يشاهدوه في البلدان العربية إلّا بداية القرن العشرين. وقد مثّل دخول المسرح إلى البلاد التونسيّة تدعيمًا للحياة الثقافيّة وتجسيدًا لمظاهر المثاقفة القائمة فيها[31]، ويمكن اعتبار موقف المؤلّف إيجابيًّا منه، إذ اعتبره مجديًا، خاصّة للناشئة، بخلاف كثير من سابقيه ومعاصريه من الكتّاب، فيقول: «التمثيل يصوّر التاريخ وينشر الأدب ويحيي اللغة، واستحضار الصورة الغريبة له تأثير في ذوق اللسان العربي، وترتاح له النفوس وتودّه»[32]. وبذلك كانت مواقف الكاتب من بعض القضايا الخلافيّة منسجمة مع خلفيّته الثقافيّة والوظيفيّة التي جعلته يدلي بدلوه في موضوع الآثار المعماريّة والفنيّة.

النظرة للآثار في كتاب البرنس
2-1- ما هي الآثار؟
يرى كلّ كاتب أو زائر الآثار الأوروبيّة وفقًا لمشاعره الخاصّة واهتماماته الشخصيّة وخلفيّاته الثقافيّة. ونظرًا لأنّه من المستحيل تحديد صورة نموذجيّة للآثار، فلا يمكن أن يكون هناك شكّ في دعم فكرة أنّ كلّ كاتب يصوّرها بنمط وطريقة مختلفة. ولوضع موضوعنا في إطاره وجب تحديد مفهوم الآثار. والمراد بالآثار هنا، «ما يتخلّف عن الأمّة من الأبنية والتماثيل وغيرها من المصنوعات المحسوسة الدالّة على عظمتها أو مهارتها كالآثار المصريّة واليونانيّة والرومانيّة»[33]. اخترنا تعريف «جرجي زيدان» في مؤلّفه، الذي كان قريبًا زمنيًّا من مؤلّف الورتتاني، وبالتالي فإنّنا سنتحدّث عن الآثار التي كان يراها الكاتبان زمن السيطرة الفرنسيّة على البلاد العربيّة، أيّ لن نخرج عن سياق أدب الرحلة الذي كتب في فترة سطوة الدراسات الاستشراقيّة.

كما أنّ لمقداد الورتتاني رؤية للآثار بما هي منتج إنساني ومعرفة وعمليّة تراكميّة يتناقلها البشر جيلًا بعد جيل إذا كان الجيل اللاحق «حيًّا»، أيّ تدقّ فيه نبضات الحياة باعتباره مستخلفًا في الأرض. فرغم أنّ كلّ جيل يهزأ بحصيلة الجيل الذي سبقه، فإنّ الجيل اللاحق كان مدعومًا من الأسس السابقة التي بنى عليها علومه وصنائعه اللاحقة. في مقابل هذا « الكِبر» والخيلاء وجب على الأجيال اللاحقة أن تتواضع لمن سبقها ومهّد لها الطريق حتّى تُيَسّر لها من الأعمال ما كان صعبًا أو مستحيلًا، فهذا التعالي «غلط ينكر وإعجاب يذمّ». كما أنّ التأمّل في «ديار الآثار» ينتج عنها إتقان شؤون الفلاحة والتجارة والإدارة والتعليم واللباس والعادات، في مقابل ذلك،  عدم تقدير آثار الأمم السابقة إضاعة ملكة التأمّل والتدقيق، وبالتالي عدم معرفة الفنون وأنواعها والتفريق بين حسنها وسيئها[34].

لقد تفطّنت المجتمعات الأوروبيّة مبكّرًا لهذا المعطى، فوقع تجميع الآثار والقطع الفنيّة في المتاحف التي كان لا يدخلها غير أصحابها، فلا نفع للناس منها. وأوّل من أنشأ المتاحف في أوروبا هم الإيطاليّون، وتحديدًا في فلورنسا في القرن السادس عشر للميلاد، في حين أنّ الاهتمام بالآثار قديم، فهو يعود إلى العصور القديمة والاهتمام الحقيقي به يعود إلى عصر النهضة، حين ولدت «شاعريّة الآثار خلال القرن الثامن عشر»[35]. وقد أخذ الأمراء والملوك يجمعون التحف والمصنوعات في خزائن بلا ترتيب ولا غرض معيّن غير التفاخر بها، ولم تتحوّل الغاية من جمعها إلى منفعة الجمهور إلّا في القرن التاسع عشر[36].

أمّا علم الآثار فقد استغرق وقتًا طويلًا ليثبت نفسه كعلم في أوروبا، إذ وقع بين كمّاشة أدب الرحلات والتاريخ والجيولوجيا. يبدو أنّ سنة 1867 هي سنة التأسيس، التي جمعت بين المعرض العالمي في باريس والمؤتمر الدولي للأنثروبولوجيا وآثار ما قبل التاريخ وافتتاح متحف الآثار الوطنيّة في باريس. لكن لا يجب إغفال التطوّرات خارج فرنسا، وافتتاح معهد المراسلات الأثريّة في روما عام 1829، ثمّ المدارس الفرنسيّة في أثينا وروما[37]. أمّا في المملكة التونسيّة وقبل الاحتلال الفرنسي، فكانت المعالم القديمة مهملة ولم تعط الأهميّة الكافية، فعلم الآثار علم ظهر في أوروبا، ولم يظهر في البلدان الأخرى إلّا عند احتكاك الغرب بالشرق من خلال الحملات الاستعماريّة. وبمجرّد دخولها الإيالة، عملت السلطات الفرنسيّة على الاهتمام بالثروة الفنيّة والأثريّة وحمايتها، وصدر أوّل مرسوم بتاريخ 07 نوفمبر 1882 الذي مثّل البنية الأساسيّة لحماية الآثار والفنون.

2-2- فرنسا: المرآة العاكسة
ركّز المؤلِّف في رحلته على صورة فرنسا، المنظور إليها كصورة عاكسة لصورة البلاد التونسيّة، بل وعمل على إعادة بناء صورة هذه الأخيرة بنظرة شخصيّة، فالكاتب لطالما كان ذاتيّ النزعة في كثير من المواضع من خلال العودة إلى تاريخ وحضارة القيروان، وكأنّه يقول برغم الهزّات والنكسات كان هناك ماض يبعث على الفخر. إلّا أنّ هذه المفخرة قد تصبح نقيصة عندما لا يستطيع الخلف تجاوز أو تقليد السلف في عمله وإتقانه، وقد شبّه السلف بمؤلِّف الكتب والخلف بالحارس لها، «فشتّان ما بين المفتخر بما في الصدور والمتباهي بسكان القبور»[38]. أيّ إنّ هناك إشكالًا في عيش الناس على ماضيها وعدم قدرتها على تجاوزه، فتصبح أممًا في هامش الحضارة؛ لأنّها لا تنتج ما ينفع بل تجترّ ما وصل لها من الماضي.

تمثّل رحلة محمّد المقداد الورتتاني ترجمة لإدراك الفوارق، أو ما أطلق «في الوعي بالتفاوت»[39]. والتفاوت الذي حاول الورتتاني إظهاره هو مجمل مظاهر الفروق والاختلافات القائمة بين مجتمع متقدّم وآخر، دون ذلك مثل العناية بالآثار وما تمثّله من ثروة. وقد استطرد الكاتب في العديد من المواضع للإشارة إلى أنّ هذا التقدّم الظاهر للعيان في فرنسا، بدأ في التجلّي في البلاد التونسيّة نتيجة العمل الدؤوب لمصلحة الآثار والفنون، وكأنّ شمس الفرنسيّين تسطع على التونسيّين[40]، فمن علامة اكتمال المدن في فرنسا إلى جانب وجود مدرسة ومعبد ومستشفى ودار تمثيل، لا بدّ من وجود «دار آثار»[41].

2-3- حماية الآثار: علامة تقدّم الشعوب
إلى جانب انفتاحه وتسامحه أمام الفنون الغربيّة، نلاحظ أنّ المؤلِّف مُطّلع على الأنشطة المتعلّقة بالآثار في المملكة التونسيّة، فقد تحدّث عن تركّز أنشطة رجال الدين من الكنيسة الكاثوليكيّة بشكل أساسي على موقع قرطاج والاكتشافات التي قام بها «ألفريد لويس دلاتر» (Alfred Louis Delattre) والذي يعرف اختصارًا بالأب «دلاتر» وهو عالم آثار كاثوليكي قام بالحفريّات في قرطاج. وقد صرّح الورتتاني أنّ اسم منطقة «صلامبو» في قرطاج هو فينيقي ويعني «السلام عليكم»![42]. كما نوّه بأنّه في زمن الاستعمار الفرنسي للقطر التونسي ظهرت آثار متنوّعة في كامل أنحاء البلاد، وليس فقط في المدن الكبيرة أو المواقع المعروفة، بفضل علماء الآثار الفرنسيّين[43].

وركّز المؤلِّف على الاعتناء بالآثار الأوروبيّة باعتبارها من أهمّ أسباب تقدّم العلوم والمعارف لما فيها من عبر، فبفضل علم الآثار، «نحن نعرف الآن الأسلحة والأدوات والمجوهرات التي استخدمها الناس الأوائل، والحيوانات والنباتات التي أكلوها، والمنازل التي عاشوا فيها، والقبور التي دفنوا فيها، والأماكن التي يفضلون العيش فيها وصناعتهم وفنهم وإيمانهم»[44]. كما أنّ الاطّلاع على آثار الأمم الغابرة والدول البائدة ضرب من طلب العلم. وأعطى الكاتب مثال ابن بطّوطة الذي سجّل رحلة شهيرة وشواهد عن حياة الشعوب وعاداتهم[45].

2-4- رفض «ثقافة الهدم»[46]
قبل قدوم الفرنسيّين لم تكن حماية المعالم والمباني والآثار القديمة تطرح أيّ إشكال، فعمليّات إنقاذها من التداعي والتهدّم التي قد تواجهها، هي عمليّات روتينيّة وضروريّة، باعتبارها مبانيَ ما زالت تقوم بالمهمّة الأصليّة التي شيّدت من أجلها. ولا تمانع الجهات التي تقوم بعمليّات الصيانة في إضافة عناصر لا تتلاءم مع مواد البناء الأصليّة أو مع العناصر المعماريّة الأصليّة، إلّا أنّه وبعد تركّز مؤسّسات تراثيّة أصبحت الخلفيّات مختلفة، فأضحت عمليّات الصيانة والترميم مهمّة لحماية المعالم مع محافظتها على ملامحها المميّزة التي أكسبتها صفة التاريخيّة، وأعطتها جماليّة جعلت منها روائع فنيّة. فتختلف بالتالي الإجراءات المتّبعة والأهداف المنشودة بين ما كان قبل قدوم الاستعمار وفي أثنائه، أيّ إنّ حديث الورتتاني عن الآثار يمثّل وعيًا بقيمتها كما نراها نحن اليوم.

لم ينفِ الكاتب التجاوزات التي قام بها المسلمون في هذا الشأن، ليس من باب المحاسبة أو تقزيم دورهم، بل من باب التنويه أنّ أفعال الهدم كان يمكن تجنّبها.
كما كان «لثقافة الهدم» حضور في مدينة القيروان خلال السنوات الأولى لتأسيسها، فقد خرّب «عقبة بن نافع» «تيكروان» التي اتّخذها «أبو المهاجر دينار» قيروانًا، ونكّل به بعد أن أوثقه بالحديد، ثمّ أمر بخراب المدينة وردّ الناس إلى القيروان الأولى[47]. ويبدو أنّ مثل هذه التصرّفات الناتجة عن الصراعات الشخصيّة ساهمت في عمران المدينة، حيث كان الحكّام يتسابقون في التشييد والبناء حتّى يخلدوا أسماءهم في تاريخ المدينة[48]. كما ذكر الورتتاني أفعال «بنو عبيد» في القيروان عندما طمسوا تاريخ المساجد والقناطر والمواجل والقصور من خلال حذف أسماء الذين بنوها، وقد اعتبر أنّ «عاديّة الإنسان أنكى من عاديّة الزمان»[49].

يسعى الملوك لطمس آثار من قبلهم ويميتون ذكر أعدائهم، فقد كانت هناك رغبة دائمة في تدمير الإنجازات المعماريّة التي شيّدها الآخر، وهو دليل على رفض المشروع السابق، وهي فكرة مكرّسة في عقليّة الحكّام المستجدّين إمّا انتقامًا من الذين سبقوهم وإمّا لترسيخ فكرة الحاكم الأوحد الذي «يجُبّ ما قبله». كما كانت هناك «اجتهادات» للتخلّص من آثار السابقين من أجل تحسينها أو تهذيبها، أيّ إنّ الغاية لم تكن دائمًا انتقاميّة بل من أجل الإصلاح والتحسين.

2-4- الآثار تدعم السياحة
كانت المملكة التونسيّة قبل الاستعمار وجهة للكثير من الرحّالة والمستكشفين الأوروبيّين، لكن لا نستطيع أن نتحدّث عن نشاط سياحي مهيكل، فقد تعلّق الأمر فقط بزيارات فرديّة يقوم بها البعض، وهي عبارة عن عمليّة استكشاف وتدوين لملاحظات حول المدينة ومعالمها، وأحيانًا تتجاوز ذلك لوصف حال السكان، أيّ يمكن أن نطلق عليه وصفًا أنثروبولوجيًّا. وقد اختلف الوصف من رحّالة إلى آخر، إذ تميّز أحيانًا بالدقّة والواقعيّة، وتميّز أحيانًا أخرى بالانطباعيّة، فيتقاطع أحيانًا كثيرة وصف الحاضر بالماضي عندما يعود إلى سنوات التأسيس الأولى وإلى سنوات الازدهار والأزمات.

إلّا أنّه وبعد انتصاب الحماية وخاصّة بداية القرن العشرين، عملت الإدارات الفرنسيّة على التركيز على الجانب الاقتصادي والتجاري لهذا التراث إذ كان وجهة للسياح، فقد تمّ استغلاله ماديًّا خاصّة بعد انتشار العديد من الكتابات التي تصوّر المشاهد الحضريّة والمعماريّة في البلدان التي كانت تحت سيطرة الإمبراطوريّة الفرنسيّة في شمال أفريقيا وانتشار الصورة النمطيّة الجيّدة عن تعامل الفرنسيّين مع الواقع الحضري التقليدي. ويبدو أنّ رحلة الورتتاني تزامنت مع رغبة الإدارة البلديّة في القيروان في دعم المدينة سياحيًّا بين سنتي 1913 و 1914[50]، وهو ما انعكس على وعيه في أنّ الآثار قادرة أن تحرّك قطاع السياحة. وقد نبّه الكاتب إلى حقيقة مهمّة، وهي أنّ البلدان التي تحتوي على آثار يكثر زائروها. فعلى عكس الرحلات في القرون الوسطى، التي كانت لمعرفة اختلاف الطبائع والذوات، فقد أضحت الآثار هي مقاصد الزوّار[51]. وبالتالي تعود المنفعة ماليًّا، فالسائح يتجوّل في البلد وينفق ما تيسّر حسب مدّة إقامته. كما أنّ الأمّة التي تعتني بآثارها تكون محترمة في عين الزائر، إذ سينبهر بكنوزها المعماريّة ويعتبرها أممًا في «صفّ الأحياء»، فيصبح بالتالي عمل السلف مفخرة للخلف[52].

2-5- مقداد الورتتاني و «إعادة تأويل»[53] الآثار
ما يمكن استنتاجه حول تطرّق الورتتاني إلى الآثار أنّه اعتمد خلفيّة «إعادة التأويل»، فقد ذكر الكاتب الكثير من الملوك المسلمين الذين كانوا يكنزون القطع الفنيّة والصور، حيث تأثّر المسلمون بالفرس وبالأوروبيّين عندما كانوا في الأندلس، «فالأمّة إذا تجاور أمّة يسري إليها منها، في التشبّه والاقتداء، حظّ كبير»[54].
وإنّ ما يتبادر للذهن عند الحديث عن مثقّف نشأ وترعرع زمن الاستعمار، وتحدّث عن علم الآثار في أوروبا، فلا بدّ من اعتباره ذا خلفيّة ثقافيّة غارقة في الأوروبيّة؛ لأنّ الآثار باعتبارها علمًا نشأ وتطوّر في الغرب، وباعتباره نتاجًا ثقافيًّا غربيًّا، إلّا أنّه بعد دراسة وجهة نظر المقداد الورتتاني المتعلّقة بالآثار، سرعان ما تنجلي هذه الفكرة المسبقة، فلم يكن يعتبر أنّ هناك ثقافة «مانحة» وأخرى «متلقّية»، فتداخل الثقافات وتقاطعها يتمّ عبر مئات السنين، ولا يتمّ في اتّجاه واحد[55].

لقد ذكر الكاتب «تقليد السلف للخلف بقطع النظر عن منشأ العادة واختلاف العقيدة»، إذ ما زال في بعض مناطق القطر التونسي عادة استصحاب أحسن الثياب للميت، ويبدو أنّه تقليد يعود لأقدم العصور حين كانوا يدفنون مع الموتى الحلي والجواهر والأواني للأكل والشرب. وقد اعتبر الكاتب أنّ مثل هذه «الأوهام» هي التي حفّزت البعض على نبش القبور وسلب ما يجدونه من ذي قيمة. إلّا أنّه استحسن ما كان يقوم به ملوك المسلمين قديمًا من جمع للمجوهرات والمصاغ والسلاح، والتي كانوا يدفعون فيها الكثير من الأموال بعد جلبها حتّى من أقطار أخرى. والأكيد أنّ الملوك لم يكونوا يعتبرون تلك النفائس قطعاً أثريّة، وإنّما قطعًا فنيّة تسرّ القلوب والأبصار، ويمكن اعتبارهم كجَامِعي التحف من المزادات العلنيّة. وهو ولع بالنفائس ليس من باب التبذير أو سوء التصرّف بل كعلامة على وعي بأنّ هذه «الهواية» من علامات ديمومة الحضارة والشرف. طبعًا لا يمكن الجزم بهذا القول؛ فالكثير من الدول انقرضت ولقت حتفها بسبب المبالغة في الأبهة التي لا تقترن برفاه اجتماعي واقتصادي، وبذلك تكون تلك الممارسات ضربًا من العبث الذي يؤدّي إلى زوال محتوم[56].
كما تساهم الآثار في تهذيب النفوس، فعندما يعجز الإنسان عن فهم ما حوله فإنّه يشرع، «في تقليد من سبقه واتّباع أعمال من سلفه» ويكون للبيئة التي فتح فيها بصره وبصيرته تأثير على ذوقه ونفسه. وإذا أراد توسيع معارفه فعليه التأمّل في الآثار، فهي التي تتجلّى بها عظمة الخالق وصنعة المخلوق و «ما أملاه نور العقل الذي هو النعمة العظمى المميزة للإنسان على ما فوق سطح الأرض وما دبّرته النفوس الكبيرة، وأملته على أنامل الأيدي البشريّة فأجادت رسمه وشكّلته، حسب الإيحاء، صنعًا بديعًا، وولدته ثمرة مفيدة، وأبدته نتيجة صالحة في الحياة الدنيا بتصرّفات تلك الأنامل الضعيفة في الحيوان والنبات والمعدن»[57].

نخلص إلى أنّ حديث الكاتب عن الآثار الأوروبيّة لا يحتوي على عقدة النقصّ التي قد تظهر في كتابات أخرى حول تجاوز الغرب للعرب في العلوم القديمة، بل أكثر من ذلك فقد عرّج مثلًا على «أحمد بن وحشية النبطي» والذي استطاع أن يفكّ رموز اللغات القديمة بشكل مبسّط يجعل ترجمة الكتابات أمرًا سهلًا، حتّى أنّ الورتتاني استطاع في أربع ساعات فقط أن يترجم كلمات من الكلدانيّة واليونانيّة القديمة وأن يكتب بهما. واعتبر أنّ المستشرقين أخفوا هذه العلوم حتّى لا يسبقهم إليها المسلمون[58]. ويمثّل هذا الطرح وعيًا من الكاتب في أنّ كلّ أمّة مهما كانت خافتة البريق، لا تفتقر إلى موارد ثقافيّة خاصّة بها، وكأنّه «تأكيد على التساوي بين كلّ الجماعات وتأكيد التعادل بين ثقافاتها»[59].

الخاتمة
تبيّن لنا من خلال مقالنا العلاقة العضويّة بين الرحلة ونمط التفكير الاستشراقي، ولكنّ الأهمّ هو السرديّات التي أنتجها المؤلِّف، والتي أطلقنا عليها عبارة «الاستشراق معكوسًا»، فقد نظر المؤلِّف من خلال معاينته للآثار، وهو العربي المسلم، إلى نفسه من خلال مرآة الآخر. وقد أبرزت لنا رحلة «البرنس في باريس» أهميّة البحث في مجال التاريخ والجغرافيا والمجتمع والثقافة، إلى جانب دورها في صياغة ملامح الوعي بالذات وبالآخرين وبجغرافيّات التفاوت في سياق تطوّر المجتمعات والحضارات. وقد كانت لهذه الرحلة خلفيّات تاريخيّة لوجود التجارب السابقة، وخاصّة مع روّاد الإصلاح، أمثال خير الدين باشا وبيرم الخامس في رحلاتهم إلى الدول الأوروبيّة.

لم تكن غاية مقالنا دراسة التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي ترسّخت في أذهان مؤلّفي كتابات رحلات التونسيين قبل انتصاب الحماية وبعدها. ولم ندرس كتاب البرنس في باريس من الجانب الحضاري الأوروبي، وخاصّة الفرنسي، أو باعتباره كتابًا ذا منحى إصلاحي للأخذ بأسباب تقدّم الغرب، فهي دراسات سبقنا إليها الباحثون، ولكن انصبّ اهتمامنا على الآثار كمادّة بحث مستجدّة في المملكة التونسيّة زمن الاستعمار، وهو ما انعكس على نظرة المؤلِّف لها، بالإضافة إلى خلفيّته الوظيفيّة والثقافيّة، التي كانت أساسًا صلبًا استطاع بفضلها أن يدلي فيها بدلوه. ولم نكتفِ في بحثنا هذا بدراسة متن الرحلة المتعلّق بالآثار للإجابة عن أسئلة منهجيّة محدّدة، بل قمنا بالإطناب في الاستشهاد بالاقتباسات التي مثّلت في اعتقادنا دليلًا على الاطّلاع الواسع الذي يتميّز به الكاتب.
ولقد ظهر محمّد المقداد الورتتاني في مؤلّفه وفيًّا للخلفيّة الثقافيّة والوظيفيّة عندما أطنب في الحديث عن الآثار الأوروبيّة، إذ كان نائب جمعية الأوقاف في مدينة القيروان، وساهم بذلك احتكاكه بمصلحة الآثار والفنون في تقديره لهذا المجال. وجاءت رؤيته للآثار في سياق توجّهاته الوظيفيّة عند سفره، كما أنّها لم تتخلّص من «عقدة» الانتماء، طبعًا في الجانب الإيجابي منها، إلى الآثار والفنون التي خلّفها السابقون وثمّنها اللاحقون. كما كانت فكرة الآثار القديمة والاهتمام بها والتركيز عليها، ترافق فكرة الولاء للدين وعدم التعارض معه من وجهة نظر الكاتب، من خلال الحثّ على الاقتداء بالأوّلين.

لائحة المصادر والمراجع
إبراهيم القادري بوتشيش، ثقافة المنع والهدم في المعمار الإسلامي: مدينة القيروان في العصر الوسيط نموذجاً، في أحمد الباهي (نشر)، القيروان وجهتها: اكتشافات جديدة، مقاربات جديدة، أعمال الندوة العلميّة الدوليّة الثانية لقسم علم الآثار بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان (6-8 مارس 2006)، تونس، دار مسكيلياني، 2009.
أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم القيرواني الرقيق، تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق: المنجي الكعبي، تونس 1958.
أحمد شحيمط، «نقد الخطاب الاستشراقي وجدليّة الشرق والغرب: إدوارد سعيد أنموذجًا»، مجلّة دراسات استشراقيّة، السنة الخامسة، العدد 14 ربيع 2018م/ 1439هـ.
أحمد عبد السلام، مواقف إصلاحيّة في تونس قبل الحماية، الشركة التونسيّة للتوزيع، تونس، 1986.
إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني الطبعة الأولى 2006.
الأرشيف الوطني التونسي، سلسلةM ، سلسلة فرعيةM5 ، صندوق 25، ملف 17،وثيقة 21:
جرجي زيدان، رحلة إلى أوروبا، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة مصر، 2012.
جورج يانج، تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل، تعريب: علي أحمد شكري، دار الفرجاني، القاهرة، 1934.
الحبيب الجنحاني، «الحركة الإصلاحيّة في تونس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر»، حوليّات الجامعة التونسيّة، عدد 06، 1969.
خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تقديم محمّد الحداد، دار الكتاب المصري، القاهرة، 2012.
دوني )كوتش(، مفهوم الثقافة في العلوم الإنسانيّة، ترجمة: منير السعيداني، مراجعة الطاهر لبيب، المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت، لبنان، مارس 2007.
ستيفن كونرمان، «من الاستشراق إلى العلوم الاجتماعيّة»، ترجمة: محمّد أحمد السيد، الثقافة العالميّة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مارس- أفريل 2016، العدد 182.
سعيد بن سعيد العلوي، أوروبا في مرآة الرحلة، منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط، 1995.
الطاهر لبيب، تقديم لكتاب: صورة الآخر العربي ناظرًا ومنظورًا إليه، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربيّة/ الجمعيّة العربيّة لعلم الاجتماع، بيروت، الطبعة الثانية، 2008.
عبد الجليل حليم، الفلاحون المغاربة في الإثنولوجيا الكولونياليّة: بين الجمود وقابليّة التحسّن»، ضمن: صورة الآخر العربي ناظرًا ومنظورًا إليه، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربيّة/ الجمعيّة العربيّة لعلم الاجتماع، بيروت، الطبعة الثانية، 2008.
عبد اللطيف كمال، «بين كتابين: صُور المغرب وأوروبا في أدب الرحلات المغربيّة»، مجلّة الجابري، مجلّة إلكترونيّة، العدد 02، أكتوبر 1997.
عبد المجيد القدوري، سفراء مغاربة في أوروبا، 1610-1922، في الوعي بالتفاوت، منشورات كليّة الآداب بالرباط 1995.
علي العريبي، الحاضرة، كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، تونس، 1995.
محمّد الفاضل بن عاشور، الحركة الأدبية في تونس، الدار التونسية للنشر، 1972.
محمّد المديوني، «الظاهرة المسرحيّة في تونس في القرن العشرين»، ظواهر حضاريّة في تونس القرن العشرين، إشراف عبد المجيد الشفي، منشورات كليّة الآداب، منّوبة، تونس، 1996.
محمّد المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، حرّرها وقدّم لها سعيد الفاضلي، دار السويدي للنشر والتوزيع أبو ظبي، والمؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر بيروت، 2004.
محمّد بن الأصفر، أدب الرحلات في القرن التاسع عشر: سند للحركة الإصلاحيّة العربيّة، دار الإتحاف للنشر، دار سنابل للنشر والتوزيع، 2006.
مراسلة من مدير الآثار إلى مدير الأوقاف بتونس، ترجمة الطيب الطويلي، بتاريخ 29 نوفمبر 1926، نقلًا عن: نجوى عثمان، مساجد القيروان، دار عكرمة، دمشق، 2000.
المنجي الكعبي، موسوعة القيروان، مطبعة تونس قرطاج، تونس، 2009.
منذر كيلاني، اختلاق الآخر: في طبيعة الخطاب الأنثروبولوجي، ترجمة: نور الدين العلوي، المركز الوطني للترجمة: دار سيناترا، تونس، 2015.

لائحة المصادر بالأجنبيّة
Bourel (Dominique), «Eric Perrin-Saminadayar (éd.), Rêver l’archéologie au xixe siècle. De la science à l’imaginaire», Bulletindu Centre de recherche français à Jérusalem En ligne, 13 | 2003, mis en ligne le 20 septembre 2007, Consulté le 26 novembre 2020, URL : http://journals.openedition.org/bcrfj/144
-Correspondances et procès-verbaux et textes réglementaires relatifs à l’acquisition de terrains pour l’élargissement de la piste longeant les remparts à l’Est de la ville de Kairouan, dates 1913-1914, nombre des pièces 21.
Dominique Combe,»Théorie postcoloniale, philologie et humanisme. Situation d’Edward Saïd», Littérature, N 154.
Hamon (Philipe), «Texte et architecture», Poétique 73, 1988.
Nataf (Félix), Juif maghrébin: une vie au Maghreb, racontée à ma fille, Fayolle, 9 rue du château-d’eau, 75010, Paris, 1978.
Nicaise (Auguste),«L’archéologie, Son domaine et son influence sur les progrès matériels et moraux du XIXe siècle», Journal de la société statistique de Paris, tome 35, 1894. http://www.numdam.org/article/JSFS_1894__35__263_0.pdf

------------------------------------------
[1]- Dominique Combe, «Théorie postcoloniale, philologie et humanisme. Situation d’Edward Saïd», Littérature, N 154, 2009-2, pp 118-134, in https://www.cairn.info/revue-litterature-2009- 2-page-118.htm.
[2]- أحمد عبد السلام، مواقف إصلاحيّة في تونس قبل الحماية، الشركة التونسيّة للتوزيع، تونس، 1986، ص147.
[3]- للتوسع في مسألة اختلاق الاستشراق لصورة الآخر الغريب أو الآخر المختلف أنظر:
الطاهر لبيب، تقديم لكتاب: صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً إليه، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربيّة/ الجمعيّة العربيّة لعلم الاجتماع، بيروت، الطبعة الثانية، 2008، ص19-41.
- عبد الجليل حليم، الفلّاحون المغاربة في الإثنولوجيا الكولونياليّة: بين الجمود وقابليّة التحسّن»، ضمن: صورة الآخر العربي ناظرًا ومنظورًا إليه، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربيّة/ الجمعيّة العربيّة لعلم الاجتماع، بيروت، الطبعة الثانية، 2008، ص ص449-462.
- ستيفن كونرمان، «من الاستشراق إلى العلوم الاجتماعيّة»، ترجمة: محمّد  أحمد السيد، الثقافة العالميّة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مارس- أفريل 2016، العدد 182، ص128-143.
 - منذر كيلاني، اختلاق الآخر: في طبيعة الخطاب الأنثروبولوجي، ترجمة: نور الدين العلوي، المركز الوطني للترجمة: دار سيناترا، تونس، 2015.
[4]- لقد استعمل الكاتب لفظ البُرْنس في عنوان كتابه لأنّه لباس مشهور في البلد، وقد برّر ذلك في فصل اللباس «لمّا كان هو الوحيد شهرة في المملكة عنونت به كتاب الرحلة ليعلم بمجرد سماع الاسم مرجع جنسيّة ووطن صاحب الرحلة»، ص309.
[5]- محمّد المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، حرّرها وقدّم لها سعيد الفاضلي، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، والمؤسّسة العربية للدراسات والنشر بيروت، 2004، ص171.
[6]- إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة محمّد عناني، الطبعة الأولى 2006، ص142.
[7]- بعد تركّز أسس الاستعمار بسنوات قليلة تمّ بعث مؤسّسة مختصّة بقضايا التراث وهي «مصلحة الآثار والفنون» في 06 مارس 1885 والتي طوّرت الأدوات التشريعيّة لضمان الحفاظ على التراث العمراني المتضرّر والآثار القديمة.
[8]- نفس المصدر، ص210.
[9]- عبد اللطيف كمال، «بين كتابين: صُور المغرب وأوروبا في أدب الرحلات المغربيّة»، مجلّة الجابري، مجلّة إلكترونيّة، العدد 02، أكتوبر 1997.
[10]- محمّد  بن الأصفر، أدب الرحلات في القرن التاسع عشر: سند للحركة الإصلاحيّة العربيّة، دار الإتحاف للنشر، دار سنابل للنشر والتوزيع، 2006، ص207.
[11]- جورج يانج، تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل، تعريب: علي أحمد شكري، دار الفرجاني، القاهرة، 1934، ص85.
[12]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص65-66.
[13]- الحبيب الجنحاني، «الحركة الإصلاحيّة في تونس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر»، حوليّات الجامعة التونسيّة، عدد 06، 1969، ص113 – 114، ص116.
[14]- خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تقديم محمّد  الحداد، دار الكتاب المصري، القاهرة، 2012.
[15]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص336.
[16]- علي العريبي، الحاضرة، كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة، تونس، 1995، ص375.
[17]- سعيد بن سعيد العلوي، أوروبا في مرآة الرحلة، منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط، 1995، ص9.
[18]- لمزيد من المعلومات حول الورتتاني انظر مقدّمة كتاب البُرْنس في باريس.
[19]- محمّد  الفاضل بن عاشور، الحركة الأدبيّة في تونس، الدار التونسيّة للنشر، 1972، ص124.
[20]- أحدثت هذه المؤسّسة سنة 1875 وتمّ حلّها سنة 1956 من قبل الوزير الأكبر خير الدّين باشا. وكان أوّل رئيس لها الشّيخ محمّد  بن مصطفى بيرم المعروف ببيرم الخامس، وكانت مهمّتها دفع مرتّبات أئمة الجوامع والسدنة، وما يتبع ذلك من مفروشات وغير ذلك، وتمويل المدارس السكنيّة للطلبة الزيتونيين، ودفع المرتّبات لأهل المجلس الشرعي، ودفع مرتّبات المدرسين ودفع جراية القضاة الشرعيين في سائر مدن القطر التونسي، وبناء الأسوار والأبراج وترميمها.
[21]- قمنا بتصحيح بعض التواريخ التي وردت في الكتاب بالاستعانة بوثائق الأرشيف الوطني. انظر: أ.و.ت، سلسلة C، صندوق 02، ملف 07: تسمية أوقاف نيابة القيروان، التاريخ 1887-1955، عدد الوثائق 239.
[22]- المنجي الكعبي، موسوعة القيروان، مطبعة تونس قرطاج، تونس، 2009، ص293-394.
[23]- لا تتردّد جمعيّة الأوقاف بالقيام بإصلاحات، لكن باستعمال أساليب حديثة مثل الزليج الصناعي والإسمنت، والتي هي مواد لا تتلاءم مع خصوصيّة المباني التاريخيّة في القيروان، فتمّ استعمال زليج نابل في ترميم الزاوية الصحابيّة سنة  1928(نفس المصدر، وثيقة 262).
[24]- مراسلة من مدير الآثار إلى مدير الأوقاف بتونس، ترجمة الطيب الطويلي، بتاريخ 29 نوفمبر 1926، نقلًا عن: نجوى عثمان، مساجد القيروان، دار عكرمة، دمشق، 2000، ص391.
[25]- أحمد شحيمط، «نقد الخطاب الاستشراقي وجدليّة الشرق والغرب: إدوارد سعيد أنموذجًا»، مجلّة دراسات استشراقيّة، السنة الخامسة، العدد 14 ربيع 2018م/ 1439هـ، ص175-218، ص178.
[26]- Nataf (Félix), Juif maghrébin: une vie au Maghreb, racontée à ma fille, Fayolle, 9 rue du château-d’eau, 75010, Paris, 1978, p34.
[27]- محمّد المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص218.
[28]- نفس المصدر، ص276.
[29]- نفس المصدر، ص217.
[30]- نفس المصدر، ص338.
[31]- محمّد  المديوني، «الظاهرة المسرحيّة في تونس في القرن العشرين»، ظواهر حضاريّة في تونس القرن العشرين، إشراف عبد المجيد الشفي، منشورات كليّة الآداب منّوبة، تونس،1996 ، ص59 - 245 ، ص245.
[32]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص231.
[33]- جرجي زيدان، رحلة إلى أوروبا، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، مصر، 2012، ص49.
[34]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص215.
[35]- Hamon (Philipe), «Texte et architecture», Poétique 73, 1988, p 26.
[36]- جرجي زيدان، رحلة إلى أوروبا، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة مصر، 2012، ص58.
[37]-Bourel (Dominique), «Eric Perrin-Saminadayar (éd.), Rêver l’archéologie au xixe siècle. De la science à l’imaginaire», Bulletin du Centre de recherche français à Jérusalem En ligne, 13 | 2003, mis en ligne le 20 septembre 2007, Consulté le 26 novembre 2020, URL:
http://journals.openedition.org/bcrfj/144.
[38]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص72.
[39]- عبد المجيد القدوري، سفراء مغاربة في أوروبا، 1610-1922، في الوعي بالتفاوت، منشورات كليّة الآداب بالرباط 1995.
[40]- استعملنا هذه العبارة استئناسًا بكتاب المستشرقة الألمانيّة زيغريد هونكه بعنوان: «شمس العرب تسطع على الغرب: فضل العرب على أوروبا» التي بيّنت فيها دور الحضارة العربيّة الإسلاميّة في نهضة أوروبا.
[41]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص231.
[42]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص193.
[43]- نفس المصدر، ص209.
[44]- Nicaise (Auguste),«L’archéologie, Son domaine et son influence sur les progrès matériels et moraux du XIXe siècle», Journal de la société statistique de Paris, tome 35, (1894), p p 263- 272, p 265. http://www.numdam.org/article/JSFS_1894__35__263_0.pdf
[45]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص69.
[46]- استعملنا هذا المصطلح استئناسًا بعنوان مقال لإبراهيم القادري بوتشيش وهو «ثقافة المنع والهدم في المعمار الإسلامي: مدينة القيروان في العصر الوسيط نموذجًا».
[47]- أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم القيرواني الرقيق، تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق: المنجي الكعبي، تونس 1958، ص40.
[48]- إبراهيم القادري بوتشيش، ثقافة المنع والهدم في المعمار الإسلامي: مدينة القيروان في العصر الوسيط نموذجًا، في أحمد الباهي (نشر)، القيروان وجهتها: اكتشافات جديدة، مقاربات جديدة، أعمال الندوة العلميّة الدوليّة الثانية لقسم علم الآثار بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان (6-8 مارس 2006)، تونس، دار مسكيلياني، 2009، ص127- 136، ص134.
[49]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص70.
[50]- الأرشيف الوطني التونسي، سلسلةM ، سلسلة فرعيةM5 ، صندوق 25، ملف 17،وثيقة 21:
- Correspondances et procès-verbaux et textes réglementaires relatifs à l’acquisition de terrains pour l’élargissement de la piste longeant les remparts à l’Est de la ville de Kairouan, dates 1913- 1914, nombre des pièces 21.
[51]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص 73.
[52]- نفس المصدر، ص72.
[53]- وهي عمليّة يتمّ من خلالها نسبة الدلالات القديمة إلى عناصر جديدة أو التي من خلالها تقوم القيم الجديدة بتغيير الدلالة الثقافية للأشكال القديمة. انظر: دوني (كوتش)، مفهوم الثقافة في العلوم الإنسانيّة، ترجمة: منير السعيداني، مراجعة الطاهر لبيب، المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت لبنان، مارس 2007، ص72.
[54]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص212.
[55]- كوتش دوني، مفهوم الثقافة في العلوم الإنسانيّة، مرجع مذكور، ص 105.
[56]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص210.
[57]- محمّد  المقداد الورتتاني، البُرْنس في باريس: رحلة فرنسا وسويسرا 1913، ص213.
[58]- نفس المصدر، ص217.
[59]- كوتش دوني، مفهوم الثقافة في العلوم الإنسانيّة، مرجع مذكور، ص120.