البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تطويع الاستشراق بين إدوارد سعيد ومحمد عبد الواحد العسكري

الباحث :  عبد الكريم بولعيون
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  27
السنة :  صيف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 26 / 2021
عدد زيارات البحث :  387
تحميل  ( 5.600 MB )
يحاول الباحث في هذه المقالة عقد مقارنة بين كتابين في ميدان الاستشراق، كلّ حسب موقع تخصّصه، في محاولة لإثارة نقاط التلاقي والتقارب بين الكاتبين من خلال عرض موجز لأطروحتيهما الفكريّة، الكتاب الأوّل للمفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد: «الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء» الصادر سنة 1978م بالإنجليزيّة[2]، إذ ركّز سعيد على تفكيك الاستشراق الفرنسي والإنجليزي، وقد أثار هذا الكتاب ضجّة كبيرة وسط المستشرقين، تلتها حركة نقديّة داخل المجتمع الغربي، نقضًا له أو دعمًا، ليتحوّل الكتاب إلى ملهم لكثير من الكتابات النقديّة في العالمين العربي والإسلامي لظاهرة الاستشراق على مستوى مختلف تجلياته المجاليّة والمدرسيّة. والكتاب الثاني للدكتور المغربي محمّد عبد الواحد العسري، إذ صبّ اهتمامه على الاستشراق الإسباني، ويعتبر كتابه «الإسلام في تصوّرات الاستشراق الإسباني، من ريموند لولوس إلى أسين بلاثيوس» من الكتب القلائل التي واجهت تحدّيًا كبيرًا للتّعريف بالاستشراق الإسباني[3]، وقد بذل المؤلّف جهدًا كبيرًا في قراءاته المتنوّعة والعميقة في تراث المستشرقين الإسبان عبر تاريخهم الطويل، واهتمامهم الكبير بالتراث العربي والإسلامي، وغاص في تاريخ تكوّن تصوّراته وأصول أفكاره، حفراً في ماضي تاريخه المعرفي.

المحرِّر

تمهيد
سنحاول في هذه المقالة عقد مقارنة بين الكتابين الرائدين في ميدان الاستشراق، كلّ حسب موقع تخصّصه، لنثير بعض نقاط التلاقي والتقارب بين الكاتبين من خلال عرض موجز لأطروحتيهما الفكريّة، وفي الوقت نفسه إظهار أوجه الاختلاف في التعاطي مع القضيّة الاستشراقيّة، مع اختيارنا لأمثلة تفي لنا بهذا الغرض، والتي قد تُبرز ليس فقط تمايز مقاربات الكاتبين، ولكن أيضًا تباين خصوصيّات الاستشراق.

أوّلًا: لمحة عن كتابي إدوارد سعيد ومحمّد عبد الواحد العسري
1-  كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد
كتاب سعيد كان كافيًا ليثير ضجّة كبيرة في الحقل الثقافي، فالمعرفة التي يحاول أهل الغرب تسويقها ليست موضوعيّة كما يدّعي أصحابها، إنّها حقل من حقول السلطة، مرتبطة بها وملازمة لها. ولكي تفي بأغراضها عليها إنشاء دراسات على شرق تمثّله على غير صورته الواقعيّة، بل تبالغ في مسخ وتشويه مكانته وتاريخه؛ بتوظيف أسلوب احتقاري تهكّمي يحطّ من قيمته، تسهيلًا للسيطرة عليه. إنّه نسق من الاستيهامات والتمثّلات التي يملكها الغرب على الشرق، هذا الأخير المناقض للأوّل، تصوّره الكتابات الاستشراقيّة، بالعاجز عن تمثيل نفسه بنفسه، فحقّ على الغرب أن يمثّله على مقاسه، وكان الفضل في تقديمه على هذه الصورة البئيسة لمعشر المستشرقين الذين خدموا الأيديولوجيا الاستعماريّة بامتياز.

لقد تمّ رسم الشرق إذًا بمختلف الصور المقيتة التي تنمّ عن تميّزه بمواصفات مثل التخلف والضعف والجهل والكبت والتيه، في مقابل غرب يمثّل قوّة وسلطة علميّة قادرة على استيعاب كلّ مخالف، واحتواء كلّ مناقض له. هكذا يتمّ إلحاق الثقافة الشرقيّة كذات غيريّة منهزمة قيميًّا، ومنكسرة حضاريًّا بالذات الغربيّة المتقدّمة والمتفوّقة على مستوى القيم الحضاريّة. وهكذا يكون الاستشراق، حسب المفكّر الفلسطيني، قد ساهم في تقزيم صورة الشرقيين، وبخّس من شأن عطاءاتهم العلميّة والفكريّة، وحرمهم من امتلاك أيّ نصيب للمساهمة في الدور الحضاري والإنساني تقدّمًا وتطوّرًا.
 لقد ركّز سعيد في نقده بقوّة على الكتابات الاستشراقيّة التي عرفت النور منذ القرن الثامن عشر، ذلك أنّ أيّ محاولة في البحث عن مميّزات الفكر الغربي تقدّم فكرة عن بنية الخريطة الذهنيّة الغربيّة، نجدها تقوم على نظرة انتقاص وازدراء للشرق. هذا الانتقاص سنعثر على آثاره في الملاحظات التي تمّ تجميعها إبّان الحملة الفرنسيّة على مصر، ممّن صاحبوا نابليون بونابرت، وتمّ تسجيلها في كتاب (وصف مصر)، والتي أضحت الإطار الذي ترعرع فيه الاستشراق، حتّى أصبحت مصر، ومن بعدها البلدان الإسلاميّة الأخرى، مسرحًا حيًّا للمعرفة الغربيّة عن الشرق[4]. لقد تعضّدت هذه الإنجازات النابوليونيّة بإكسابها أسلوبًا حديثًا في المعرفة بالشرق، بفضل البحوث اللغويّة التي أجراها إرنست رينان، اعتمادًا على نظريّات النحو المقارن المعاصرة، ونظريّات علم التشريح اللغوي، والنظريّات العنصريّة، التي حقّقت مكسبًا كبيرًا لمذهبه في الاستشراق[5]. كما توطّدت هذه التصوّرات مع كتابات الرحّالة الفرنسيين، والإنجليز على وجه الخصوص، بمنح صورة دونيّة عن الشرق، ومن أمثال هؤلاء نذكر شاتوبريان وكتابه (رحلة من باريس إلى القدس ومن القدس إلى باريس)، هذا الذي صوّر صورة الشرق وكأنّها لوحة قديمة أصابتها يد البلى وتنتظر الترميم على يديه، لمّا أصبح يعيش حالة من الوحشيّة[6]، ورحّالة آخرين مثل فلوبير ونيرفال ولا مارتين الذين كان لهم نصيب في هذا التبخيس، فهذا الأخير يلخّص الشرق على هيئة «أمم بلا أرض، ولا أوطان، ولا حقوق، ولا قوانين، ولا أمن (...) تنتظر في قلق حماية الاحتلال الأوروبي»[7].  كما توقّف عند معاينة أقلام أخرى حديثة ضربت على الوتر نفسه، وانطلقت من المرجعيّة نفسها، فانكشف هدفها المشترك، واتّضح منظورها الأوحد، مثل التي عبّرت عنها دراسات المستشرق لورانس العرب، وموريس بريس، وجهود الإنجليزي هاملتون جيب، والمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، وبرنارد لويس في القرن العشرين، هذا الأخير الذي وصفه بالخبير المعادي للإسلام.

إنّ هذه السلسلة من الدراسات التي صوّرت الشرق في صورة البائس الفقير، أو الضعيف المعوز، المحتاج إلى إعادة تثقيف وتربية وعقلنة، وليس بمقدور أحد تحمّل عبء هذه المسؤوليّة على أتمّ وجه، سوى ذلك القوي المتمثّل في الغرب، ولو دون إذن أو طلب من الشرق

2- لمحة عن كتاب «الإسلام في تصوّرات الاستشراق الإسباني، من ريموند لولوس إلى أسين بلاثيوس»
حاول العسري أن يلخّص مسار تاريخ الاستشراق الإسباني بدءًا من العودة  إلى المحاولات الأولى التي رسمت معالمه في القرون الوسطى، لِما لهذه الروافد والبدايات من دور أساسي في تكوّن تصوّرات نمطيّة عن الإسلام والمسلمين، وكان ذلك في أوّل الأمر بدافع حماية العقيدة النصرانيّة. هكذا سيظهر الاهتمام بترجمة القرآن الكريم، وترجمة مختلف العلوم التي خطّت باللغة العربيّة. ثمّ يمرّ الدكتور إلى المرحلة الممتدّة ما بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر الميلاديين، والتي اشتدّ فيها الاهتمام بالمجادلة والتبشير الدينيين في الأندلس، ويعتبر وصول رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي إلى الأندلس )القرن التاسع( وترجمتها من العربيّة إلى اللاتينيّة، وما أحدثته من رجّة، أفضلَ مثال اختاره الكاتب؛ لِما شكّلته من انقلاب جذري في التعرّف على الإسلام، ومصدرًا أساسيًّا من مصادر مناقشته ودحضه ورفضه[8]. هي المرحلة نفسها -القرن الثالث عشر ميلادي- التي سيبرز فيها مشروعان كبيران، أحدهما للراهب الفرانسيسكاني رامون يول، والثاني للدوميناكي رامون مارتي، ودعوتهما إلى تنصير المسلمين والدفاع عن النصرانيّة[9]، ليختم هذه المرحلة من القرون الوسطى بتناول أحد المرتدّين عن الإسلام، المدعو «خوان أندريس»، والذي زوّد النصرانيّة في إسبانيا بتصوّرات سلبيّة عن الديانة الإسلاميّة نيلًا منها[10]. يمكن أن نصف هذه الفترة، حسب العسري، بمرحلة تأسيس صورة نموذجيّة حول الإسلام على أنّه هرطقة عن المسيحيّة وخروج عنها[11]، وأنّ حضارته تتّسم بمواصفات عدّة، أهمّها الروح الاستبداديّة والعنف والقتل والشهوانيّة، مقابل الفضائل التي تميّز الحضارة الغربيّة النصرانيّة المتمثّلة في الحريّة والعقلانيّة والتسامح  والعفّة[12]. هكذا ستنتقل ملامح هذه الصورة السلبيّة والقدحيّة حول الإسلام على مدى العصور المقبلة في كتابات المستشرقين الإسبان، بحيث لن تقطع أبدًا مع ماضي تشكّلها في القرون الوسطى، ولن تعرف أيّ تبدّل نوعي حقيقي فيما يرجع إلى محتوياتها ومضامينها وطرائق تشكيلها أو منهج إنتاجها. ذلك ما سيحاول العسري أن يوضحه مفرّغًا جهده في مجموع مداخل بحثه وفصوله العديدة، ويعتبر هدفه الرئيس من هذه الدراسة كلّها[13].

للدفاع عن أطروحته هذه، ينتقل العسري من مرحلة زمنيّة لأخرى؛ ليبرهن على مصداقيّة حجّيته في تصوّر الاستشراق الإسباني للدين الاسلامي. هكذا ستعرف مرحلة ما بين عصر النهضة وبداية الأزمنة الحديثة انحسارًا على مستوى الدراسات الإسلاميّة، وتقلّصًا في الإنتاج الاستشراقي، لأسباب تاريخيّة عرفتها هذه المرحلة[14]. وعلى الرغم من هذا الانحسار من الناحية الكمّية، فإنه لم يتقلّص أبدًا من كونه تصوّرًا مخصوصًا لموضوعه[15]. غير أنّه مع مطلع القرن الثامن عشر، انبعث الاهتمام بالشرق من جديد في إسبانيا، وقد عرف انتعاشًا كبيرًا، وكان وراء تلك العودة مجهودات الملك كارلوس الثالث، الذي اشتد وعيه بأهمّية القيمة الثقافيّة لماضي بلاده العربي والإسلامي، إذ اقتطع من أموال الدولة اعتمادات مهمّة؛ لإغناء الأقسام العربيّة في المكتبات الإسبانيّة بمخطوطات عربيّة أخرى[16]. لكنّ المرحلة اللاحقة، أيّ على مدى القرن التاسع عشر، والتي عُرفت بقرن تأسيس الاستشراق في أوروبا، بوصفه حقلًا معرفيًّا متخصّصًا، ازداد الاهتمام بالشرق أكثر لكسب معرفة علميّة ضروريّة؛ استجابة لمختلف الضرورات التجاريّة والدوافع السياسيّة والاستعماريّة. فإذا لم يكن الاستشراق الإسباني قادرًا على الانضمام إلى الركب الأوروبي في هذا المجال، فإنّه لم يتردّد في محاولة اللحاق به والسير خلفه[17]، إذ تعبّأ المستشرقون الإسبان لدراسة الإسلام وثقافته، بوصفه جزءًا من ماضي إسبانيا وتاريخها الوسيط[18]. وفي هذا المضمار برزت أسماء من الروّاد الذين ساهموا في إنتاج مواضيع استشراقيّة، فهناك من ترجم مخطوطات عربيّة وعلّق عليها ونشرها، وهناك من أعدّ لها الفهرسة، وهناك من ألّف روايات وكتبًا تتناول المورسكيين والأندلسيين، وهناك من أعدّ أبحاثًا في مجال تعليم اللغة العربيّة... إلخ[19]. غير أنّ الدكتور العسري حبّذ الوقوف بعجالة عند أربعة أسماء ظهرت في هذه الحقبة الزمنيّة؛ ليتناول بعض أعمالها ودراساتها حول الإسلام وثقافته، وهم: خوسي أنطونيو كوندي، وباسكوال دي غايانغوس الذي بُوّئ مكانة الرائد الفعلي للدراسات الاستشراقيّة الحديثة لإسبانيا، حسب المؤرخين الإسبان، كما وقف عند فرانسيسكو فرنانديث إي غونثالث، أهمّ مستشرقي إسبانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأشهرهم في بلاده وخارجها، كما وقف أخيرًا عند فراسيسكو خافيير إي سيمونيت المعروف بعمق كراهيته للإسلام وحضارته، والمنكر للمنجزات التاريخيّة الإسلاميّة في إسبانيا[20]. ويبقى  أكبر صانع لهذا الفنّ، والذي استأثر باهتمامه واستحقّ عناية كبيرة، رائد الاستشراق الإسباني والعالمي المعاصر «ميغيل أسين بلاسيوس» مخصّصًا له بابًا بأكمله.

إنْ كانت هذه النبذة المختصرة عن كتابي العسري وسعيد قد تمثّل أهمّ مضامين أطروحتيهما، الأوّل في الاستشراق الإسباني، والثاني في الاستشراق الفرنسي والإنجليزي، فما الصلة التي تجمع بين أطروحتيهما، وبم يختلفان؟!.

ثانيًا- مقارنة عامّة
من خلال هذه اللمحة عن الكتابين تظهر المكانة العلميّة الكبيرة التي يحتلّانها، والتي تبرز مدى القدرة الفائقة التي تميّزا بها في قراءة تاريخ الاستشراق واستيعابه، كلٌّ في مجال تخصّصه؛ فلم يقفا عند الوصف الإنشائي، بقدر ما حاولا البحث في الأسس التي قام عليها منهج الاستشراق في إنتاج خطابه وآليّات اشتغاله، كلّ ذلك بحثًا عن ثوابته ومرتكزاته. كما يمكن اعتبارهما أيضًا في الوقت نفسه، مرجعًا أساسيًّا لكلّ مشتغل في تاريخ الفكر الغربي المعني بقضايا الإسلام والمسلمين.
إنّ القيمة الجليلة التي اكتسبها كتاب سعيد هو تتبّعه لكتابات الأدباء والرحّالة والسياسيين والمثقّفين -الفرنسيين والإنجليز- بعين ثاقبة وفاحصة، فضلًا عن مكانته العلميّة والأكاديميّة التي اعتلاها كأستاذ للأدب المقارن في أرقى الجامعات الأمريكيّة، وهي جامعة كولوبيا بنيويورك، إذ بفضل ذلك، أصبح سعيد مصدر إلهام عالمي يتجاوز البيئة الأمريكيّة التي احتضنت هذا العمل الجبّار بمرارة. أمّا كتاب العسري الذي هو محاولة لنفض الغبار عن كتابات المستشرقين الإسبان التي طالها النسيان، لكثرة الشغف بالعناية بكتابات المستشرقين من القوميّات الأخرى، خصوصًا الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة، فقد اكتسب مؤلَّفه هذا مكانته الرفيعة بالعودة إلى المراجع الأصليّة للكتّاب الإسبان، والنهل من مصادرها مباشرة، وليس ممّا تُرجم عن هؤلاء، ولا ما كُتب في حقّهم. وما ذلك عليه بعسير؛ نظرًا لتمكّنه الكبير من اللغة الإسبانيّة وإتقانها، ولتخصّصه في الفكر الإسلامي في الغرب الإسلامي الوسيط، المادّة الخام للاستشراق الإسباني.

 يمكن القول إجمالًا: إنّ كتاب محمّد العسري ينسجم إلى حدّ كبير مع كتاب إدوارد سعيد، نظرًا للتوافق الكبير بين عدّتهما المعرفيّة وآليّاتهما المنهجيّة، ذلك لما لاحظناه من تماثل ضمني بينهما يتمثّل فيما يلي:

1. تعريف عبد الواحد العسري للاستشراق يتوافق تمامًا مع تعريف إدوارد سعيد. إذ هو لديه «طلب لثقافة شرقيّة بتصّورات ومناهج غربيّة، يستجيب لحاجة هذه الأخيرة إلى ذلك، دون أن يكلّف نفسه عناء الاستجابة إلى حاجات أولاهما التي يطلبها، أو إلى خصوصيّاتها التي تنطمس في إنشائه الذي يخضعها إليه»[21]. لذلك، يبدو الرّبط بين المعرفة الاستشراقيّة وحقل السلطة واضحًا، كما عند فوكو. فالظاهرة الاستشراقيّة تصوّر الشرق كبناء من تمثّلات خاطئة تستجيب لنزوات هؤلاء المستشرقين بغية إحكام السيطرة والهيمنة، وعلى هذه الشاكلة عرّفها سعيد[22].

2. لم يُخف العسري ميله إلى تفضيل المنهج الذي اعتمده سعيد للارتقاء إلى مستوى التناول العلمي الرصين عند نقد ظاهرة الاستشراق وتفكيك رؤيته الكامنة فيه، إلى جانب مجموعة من الدراسات القليلة الأخرى[23]. فما دام الاستشراق الإسباني جزءًا لا يتجزّأ من الاستشراق العام، بل مساهم رئيس في تكوينه[24]، فلا ضير من الأخذ بنفس المنهج لدراسة هذه الظاهرة.

3. وفي هذا الإطار سيتوسّل العسري ببعض المكتسبات النقديّة للفكر الغربي المعاصر، ومناهج العلوم الإنسانيّة الحديثة التي اعتمدها إدوارد سعيد، وبصفة خاصّة تلك التي اعتمدها ميشيل فوكو عندما اقترح على المؤرّخين منهج حفريّات المعرفة بديلًا لمنهج تاريخ الأفكار، ما سيمكّنه استثماره من نقد الاستشراق الإسباني، من حيث أنّه مثل كلّ استشراق، معرفة تاريخيّة تقوم على الأحكام والتفسير[25]. هذا فضلًا عن الاستفادة من تصوّرات وإنتاجات منهجيّة وإجرائيّة أخرى في نقد الاستشراق الإسباني، كالاعتماد على أنثروبولوجيّة ليفي ستراوس المنتقد بحدّة للمركزيّة الغربيّة في تعاملها مع الآخر المختلف ثقافيًّا[26].
من خلال ما سبق، يظهر أنّ كلا الكتابين يعكسان اطّلاعًا وتبحّرًا واسعين في التاريخ الفكري الغربي المتناول للدراسات العربيّة والإسلاميّة، كلّ حسب تخصّصه واهتمامه البحثي، دراية عميقة ألفيناها عند سعيد في نقده للاستشراق الفرنسي والإنجليزي، يباريه فيها العسري في نقد الاستشراق الإسباني.
 لقد ووجه «استشراق» سعيد بموجة من الانتقادات اللاذعة من داخل وسط المستشرقين، ولاغرابة في الأمر، فقد تعرّضوا لإهانة تاريخيّة لم يسبق لها مثيل. ولعلّ أبرز من دافع عن المؤسّسة الاستشراقيّة الأمريكي برنارد لويس (1916-2018)، فبغضّ النظر عن أسلوبه التهكّمي القاسي على شخص سعيد، أطلق سهام النقد مبرزًا بعض الاعتراضات المعرفيّة على قائمة من النقاط التي توسّل بها الناقد العربي، نذكر منها، على سبيل المثال، ما يتعلق بالربط الذي سعى سعيد أن يؤكّد حضوره بين خدمات المستشرقين والسلطة الاستعماريّة. فإذا كانت المعرفة قوّة، حسب مايقوله إدوارد صحيحًا، «فلماذا ازدهرت الدراسات الاستشراقيّة في دول أوروبيّة لم تحصل قطّ على نصيب من السيطرة على العالم العربي، ورغم ذلك قامت بإسهام يضارع إسهام الإنجليز والفرنسيين، بل ويفوقه حسب إجماع معظم الباحثين؟»[27]. كما عاب لويس على سعيد إدراج سلاسل بأسرها من الكتاب، كانت أعمالهم دون شكّ ذات أهمّية بالنسبة لتكوين المواقف الثقافيّة الغربيّة، ولكن لا علاقة تربطهم بالتقليد الأكاديمي للاستشراق الذي يمثّل الهدف الرئيس لسعيد»[28].

ليس لويس هو الوحيد الذي قام بنقد أعمال سعيد، بل طرحت مجموعة من الأسئلة من قبل آخرين، منها ما أثاره جيمس كليفورد فيما يتعلّق «بطبيعة المنهج الذي اعتمده إدوارد سعيد لدراسة الاستشراق، وبمدى ملاءمته لمناهج ومفاهيم قائمة، كما عند ميشيل فوكو، وأنتونيو غرامشي، ما أدى بسعيد -حسب كليفورد- إلى وقوعه في تناقضات عدّة أهمّها: أنّه عندما ينتقد الفكر الإنساني الغربي لتورطه في الحركة الامبرياليّة الاستعماريّة، فإنّه يحثّنا على الالتزام بقيم إنسانيّة سامية، هي في عمقها جزء لا يتجزّأ من هذه الثقافة الغربيّة»[29]. كذلك يذهب روبرت يونغ إلى أنَّ سعيد عندما «تحدّث عن الشرق كبناء خيالي من أوهام ونزوات المستشرقين لا علاقة له بالشرق كما هو، ويلحّ على أنّ الاستشراق نظام من التمثيلات الخاطئة، فإنّه يمتنع عن تقديم البديل، أيّ التمثيلات الصائبة. ويضيف يونغ إلى أنّه كيف أمكن للاستشراق أن يسهم في تعجيل الاستعمار الأوروبي للشرق، وتكريسه بذلك الشكل الفعّال، وهو نظام يقوم حسب سعيد على تمثيلات لا علاقة لها بالشرق، كما هو في حقيقة أمره؟»[30].

إنّ مجمل الانتقادات التي أوردناها تنطلق أساسًا من نقطة مركزيّة، انصرف إليها سعيد بعمق، تتمثّل في ربط المعرفة الاستشراقيّة (الفرنسيّة والإنجليزيّة) بالحركة الإمبرياليّة الاستعماريّة. إنّ هذا الربط ينتفي عند مقاربة الخصوصيّة التي تميّز بها الاستشراق الإسباني، فلم يثبت تورّط هذه المدرسة في الهجمة الاستعماريّة الإسبانيّة، باستثناء بعض الكتابات النادرة حول شمال أفريقيا، وذلك لظروف تاريخيّة عرفتها تلك المرحلة. هذا في الوقت الذي عني باهتمام كبير بالتراث العربي الأندلسي لأسباب هوياتيّة محضة. في الوقت الذي يمكن أن نتحدّث عن سلطة أخرى، يحاول العسري إبرازها، وهي ربطه بين الظاهرة الاستشراقيّة والسلطة المعرفيّة الغربيّة، وعلى وجه الخصوص الأيبيريّة. 

غير أنّ ما لاحظه بعض قرّاء سعيد قدرته الكبيرة على حسن استثمار عدد كبير من المستشرقين لخدمة أطروحته حول الاستشراق؛ بتوظيف تفاصيل أفكارهم وتصوّراتهم لهذا الغرض، ما بوّأه وضعيّة مريحة للوصول إلى مبتغاه، وتحقيق مراده في قالب  منسجم. لقد طوّع سعيد هؤلاء حتّى أظهرهم وكأنّهم يتحدّثون باللغة نفسها، محجبًا ببراعة لا تضاهى أيّ تنوّع يذكر في لون خطابهم، إذ إنّ السمة الأساسيّة التي تجمعهم، هي تلك الرؤية الدونيّة والناقصة عن شرق متخلّف ثقافة وسلوكًا. إنّ تطويع سعيد لهؤلاء جعل البعض يعيب عليه سكوته عن الاختلافات القائمة بينهم، وبالضبط تغافله عن مجموعة من المستشرقين المنوّهين بحضارة الإسلام، أو ذكره لبعض من دراساتهم التي أثرت التراث العربي والإسلامي، وأغنته بمختلف الأعمال المنشورة والمحقّقة، أو الذين أظهروا تعاطفًا مع الشرق[31]، إنّ صدق هذا القول هو تطويع سلبي إذًا، فهل تصدق هذه الملاحظة على العسري؟!.

 نافح العسري عن أطروحة سعيد نفسها في أنّ الاستشراق الإسباني الحديث والمعاصر قد حافظ على التصوّرات نفسها، التي استقاها من تصوّرات القرون الوسطى في قراءته للإسلام، والتي تمّ اجترارها على نحو مسبق بأساليب حديثة نهلت من تاريخ الأفكار والفيلولوجيا المعاصرة عدّتها المنهجيّة في القرون الأخيرة[32]، ولقد أبان عن ذلك من خلال فضح هذه التصوّرات عند مجموعة من المستشرقين الإسبان، أمثال فراسيسكو خافيير إي سيمونيت وغيره. فخافيير هذا المعروف بعمق كراهيته للإسلام وحضارته، والمنكر لكلّ المنجزات التاريخيّة الإسلاميّة في إسبانيا، والمنتقد لأطروحة تفوّق العرب على النصارى في إسبانيا القرون الوسطى، المتمثّل في تقدّمهم العلمي والصناعي والأخلاقي، اعتبر المسلمين متوحّشين وبرابرة عاجزين عن الإبداع، لولا اختلاطهم بالنسيج الديموغرافي المحلّي النصراني[33]. لكن من جانب آخر، يخيّل للقارئ انطلاقًا من عرضه لمختلف منجزات للمستشرقين الإسبان، وكأنّ العسري يخدم أطروحة غير التي يدافع عنها!.
لقد عرض العسري مجمل الأعمال الغزيرة التي كان وراءها مستشرقو القرن التاسع عشر، تلك التي تؤكّد على الجهد العلمي الكبير الذي قدّمه هؤلاء، والتي لعبت دورًا مهمًّا في تطوير الدراسات العربيّة، وخصوصًا الأندلسيّة، من خلال تحقيق ونشر وترجمة بعض المخطوطات النادرة والتعريف بها. لقد أورد العسري أعمال مجموعة منهم، سواء الذين ذكرهم في عجالة، أمثال إيمليو لافوينتي إي الكانترا، وبفرانسيسكو غيين روبلس، وسيرافين وفلورانسيس خانير، وإغالاث إي يانغواس، وميغيل لافوينتي إي الكانترا[34]، أو الذين توقّف عند حياتهم العلميّة إحاطة بمجمل أعمالهم الاستشراقيّة، أمثال: خوسي أنطونيو كوندي، وباسكوال دي غايانغوس. إنّ كلّ هؤلاء، عند قراءتنا لترجماتهم عمومًا، حسبما جاء في أوراق الكتاب نفسه، سيبدو جليًّا أنّ أعمالهم ومساهماتهم في مجملها تحمل انطباعًا إيجابيًّا لما أسدوه من خدمة للتراث العربي والإسلامي من خلال ما أنجزوه من دراسات وأبحاث.

هل يمكن القول إذًا بأنّ العسري تخطّى أهمّ الانتقادات التي ووجه بها سعيد؟ إن كان الأمر كذلك، فكيف استطاع أن يحلّ هذه المفارقة التي تتأرجح بين نقض الأطروحات الاستشراقيّة من جهة، وبين الإشادة بمجموعة من أعمالهم ودراساتهم من جهة أخرى؟!. 
لتوضيح هذه المفارقة وكيف استطاع فكّها العسري، حاولنا اختيار مستشرقين اثنين تصدّى الناقدان لتصوّراتهما الاستشراقيّة، وإخضاعهما لمسطرتيهما النقديّة.

ثالثًا: المقابلة بين سعيد وإرنست رينان (1823-1892) وبين العسري وأسين بلاثيوس (1871-1944)
تحت عنوان «سلفستر دي ساسي وإرنست رينان: الأنثربولوجيا العقلانيّة ومختبر فقه اللغة[35]، فقد اهتمّ إدوارد بأحد رواد الاستشراق الفرنسي في القرن التاسع عشر إرنست رينان، هذا الذي، حسب سعيد، طوّع الاستشراق ليصبح ملائمًا لفقه اللغة بمعناه الحديث المرتكز على قواعد ومبادئ العلوم الطبيعيّة، والمتحرّر من منطق الخوارق ومن الأسباب الخارجة عن الواقع. إنّ فقه اللغة هو «العلم الدقيق الخاصّ بالأمور الذهنيّة. وهو يمثّل للعلوم الإنسانيّة ما تمثّله الفيزياء والكيمياء للعلوم الفلسفيّة الخاصّة بالأجساد»[36].

من نتائج إخضاع رينان الشرق للسلطة العلميّة التي يتمتّع بها كفقيه لغة، اعتباره عالمًا غريبًا وسلبيًّا ومؤنثًا، بل صامتًا بليدًا[37]، وعدّه اللغات الساميّة -ومنها العربيّة- شكلًا منحطًّا بالقياس إلى تطوّر اللغات الهنديّة الأوروبيّة، يماثله ذلك الانحطاط الأخلاقي والبيولوجي للشرق. أمّا الساميّون فهم قوم «موحّدون بالله ومتعصّبون، لذلك لم يأتوا بأساطير أو بفنون أو تجارة أو حضارة، ويتّسم وعيهم بالضيق والجمود، وخلاصة القول إنّهم يمثّلون تركيبة متديّنة من الطبيعة البشرية»[38].

لقد أثبت رينان تعصّبه العنصري ضدّ الساميين الشرقيين، بعدما قسّم البشر إلى أجناس أسمى وأجناس أدنى[39]، منتهلًا من أسلوب المقارنة ما تقتضيه ضرورات فقه اللغة، ومتأثّرًا بالنظريّات البيولوجيّة التي تنزع إلى معضلة التفوّق العرقي، وبهذا الأسلوب بدت اللغات الهندوأوروبيّة هي المعيار الحيّ العضوي مقابل اللغات الشرقيّة السامية غير العضويّة والعاجزة عن التجديد والتوليد الذاتيين والمتوقّفة عن النمو[40].
هكذا أفضت جهود رينان في فقه اللغة إلى إعلاء شأن المركزيّة الغربيّة على حساب هامش الشرق، متماهيًا مع أصحاب النظريّات البيولوجيّة في زمانه، لتأخذ هذه المركزيّة صبغة عنصريّة عرقيّة يميّز من خلالها، عن طريق الموازنة، بين عرقين مختلفين: جنس آري متفوّق، وآخر سامي عاجز، يقول رينان: «يرى المرء أنّ الجنس السامي يبدو لنا جنسًا ناقصًا في كل شيء، بسبب بساطته. وإذا جرؤت على استخدام هذا التشبيه قلت إنّه بالمقارنة بالأسرة الهنديّة الأوروبيّة، يشبه مقارنة الرسم بالقلم الرصاص باللوحة الزيتيّة، أيّ إنّه يفتقر إلى التنوّع، وإلى الرحابة والثراء، والصفات اللازمة للكمال. إنّ الأمم الساميّة تشبّ الأفراد من ذوي الخصب المنخفض إلى الحدّ الذي يجعلهم، بعد طفولة رائعة، لا يحقّقون مستوى متواضعًا من الفحولة، فلقد بلغت تلك الأمم ذروة ازدهارها في عصرها الأوّل، ولم تتمكّن بعدها قطّ من تحقيق النضج الحقيقي»[41].

 وعلى خلاف المستشرق الفرنسي الذي فقد إيمانه المسيحي، فأصبح لا يفكر سوى بأدوات الوضعانيّة في خَلق صورة الشرق الهزيل من داخل مختبرات فقه اللغة، تناول محمّد العسري المستشرق الإسباني أسين بلاثيوس المعتز بمسيحيّته، مخصّصًا له بابًا كاملًا تحت عنوان: «الإسلام والفكر الإسلامي في تصوّرات ميغيل أسين بلاثيوس».  لقد أظهر العسري طريقة رائد الاستشراق الإسباني المعاصر في قراءته لتاريخ الإسلام، مفكّكًا خطابه تصوّراته حول الإسلام، ليدرك محاولته إدراج تاريخ الإسلام ضمن التاريخ الكلّي الغربي، على اعتباره النموذج الأوحد والوحيد للتاريخ.

 لقد استعان بلاثيوس لهذا الغرض بمنهجيّة تاريخ الأفكار المتمحورة على الذات (النصرانيّة)، حيث البحث الدائم عن استمراريّة ووحدة واتصال للأفكار والتصوّرات، ونفي كلّ تعدّد واختلاف، وليس الهدف من وراء ذلك سوى الحفاظ على التفوّق الدائم للذات الغربيّة[42]. تناول بلاثيوس علاقة التصوّف الإسلامي بالتصوّف النصراني ضمن تلك الرؤية التاريخيّة الغربيّة، معتبرًا تصوّف وزهد ابن عربي يؤولان إلى ما مارسته الرهبانيّة المسيحيّة من تأثيرات عميقة على الإسلام، فالمسلمون «اضطروا عند بلورتهم لعقائدهم في الزهد والتصوّف إلى استعارة النماذج الروحيّة النصرانيّة؛ لإحياء الحروف الميّتة للنصّ القرآني الذي لم يحقّق لهم أدنى كفاية في هذا الشأن»[43]. من هنا يتّضح  كيف اعتبر بلاثيوس التصوّف الإسلامي علامة دالّة على كونه جزءًا لا يتجزّأ من التصوّف النصراني، وما ركوبه لصهوة التصوّف الإسلامي هذه؛ إلّا ليؤكّد أنّ الإسلام وتراثه الفكري والعقدي، يرجعان في أساسهما إلى أصول نصرانيّة مخصوصة[44].

بناء على أسلوب المقارنة كما تستدعيه ضرورات فقه اللغة، وبالنظر إلى وجود شبه بين مجموعة من النصوص في التراث الصوفي وبين بعض «الآيات الإنجيليّة»،[45] وتمشّيًا على المنهج الذي ديدنه البحث عن الأشباه والنظائر، يذهب بلاثيوس إلى أنّ الإسلام ليس أكثر من توحيد بين اليهوديّة والنسطوريّة، أخذ منهما الكثير من الممارسات والشعائر، مثل الصلاة والصوم والطهارة والصدقة[46]، ما جعل من مستشرقنا يجترّ تلك الأحكام المسبقة التي شكّلتها المسيحيّة عن الإسلام إبّان القرون الوسطى. ليس العسري وحده من توصّل إلى هذه الخلاصة التي انتهى إليها في نقد المنهج الفيلولوجي لبلاثيوس، بل يتّفق معه فيها  مجموعة من الكتّاب العرب، إذ يؤاخذ عبد الرحمن بدوي عليه أيضًا توسّله بهذا المنهج المقارن في تناوله للفكر الإسلامي وروّاده، وعلاقته بالفكر الأوروبي، لما يعتريه من غلوّ وشطط في تلمّس الأشباه والنظائر، والاستناد إلى القسمات العامّة والمتشابهة التي تكون أحيانًا جدّ واهية.[47] إنّ همّ المنهج الفيلولوجي هو التنقيب عن أصول الأفكار بردّ كلّ فكرة إلى أصلها، وفي ذلك إنكار لكلّ قدرة على إبداع جديد من لا شيء، فلا إبداع من الصفر[48]، فكلّ إنتاج يلازمه مصدر قديم يتمثّل بالضرورة في التراث المسيحي أو اليهودي.

ولعلّ من مثالب هذا المنهج السقوط في الزعم أنّ الاسلام ليس سوى توحيد بين المسيحيّة واليهوديّة، وذلك بعد السعي إلى محاورته من موقع المحوريّة المسيحيّة؛ قصد ترويضه واحتوائه. وقد تفنّن في ذلك الكثير من المستشرقين، أمثال المستشرق الأمريكي دانكن بلاك ماكدونالد (1863-1943) والمستشرق الألماني كارل هينرش بكر (1876-1933)، أو ممّن ذهب إلى تعيين الإسلام الحقّ ضمن صوفيّته، التي هي جزء من الروح المسيحيّة، كما هو الشأن هنا عند أسين بلاثيوس[49]. فالإسلام إذًا، عبارة عن ممارسات وشعائر أصلها تلكما الديانتان، وأنّ مجموعة من آيات القرآن الكريم مصدرها من الإنجيل والتوراة؛ نظرًا للتشابه القائم بينها، وبالتالي فهو ليس كلام الله، ولا وحيًا منزلًا، وإنّما هو مجرّد كلام بشر مختلق. هكذا يستحيل النصّ القرآني إلى ظاهرة لغويّة، إن ثبت في حقّه أيّ تناظر أو تشابه مع غيره من النصوص، أصبح بالضرورة اقتباسًا من سابقه لبعض من تصوّراته وآرائه، وبهذا يكون أمره مدعاة إلى التشكيك في صدقيّته وأمانته[50]!
بالإضافة إلى هذه القراءة التاريخيّة التي تحاول إرجاع الفروع (الإسلام) إلى الأصول (النصرانيّة)، لما يمثّله الأصل من أصالة وكمال، والفرع من تزييف ونقص؛ فإنّ العسري ينتقد أيضًا بلاثيوس في تفسيراته المتعلّقة بتمجيد العرق الأيبيري على حساب العربي؛ فقد حاول من خلال كتابه (ابن مسرّة ومدرسته) أن يربط بين الانتماء العرقي الإسباني للفيلسوف الصوفي ابن مسرّة، وقدرته على العودة ببراعة إلى الفلسفة اليونانيّة، الأنباذوقليّة منها والفيثاغوريّة والأفلاطونيّة، فضلًا عن قدرته على ممارسة التصوّف والإجادة في علم الكلام[51]. هكذا يعيب العسري على بلاثيوس مصادرته لحقّ الإسلام في إنتاج الفلسفة والتصوّف، وحرمانه من قدرته الذاتيّة على الإنتاج فيهما، وجعلهما حكرًا فقط على الذين على قرابة بنصرانيّة إسبانيا من حيث الدّم، وعلى انتساب هيلّيني من حيث الفكر، وحتّى إنْ سلّمنا أحيانًا بممارسة الفلسفة والتصوّف في فضاءات الإسلام، فلن تكون سوى ممارسة تمثّل ثورة عليه، وتمرّدًا ضدّ سلطانه الديني والسياسي والثقافي [52]. يسقط بلاثيوس، حسب العسري، في المركزيّة العرقيّة، كما سبق أن وقع  فيها رينان، لمّا اعتبر الفلسفة حكرًا على اليونانيّين، ومن بعدهم الآريّين، في الوقت الذي لن تعرف الأقوام الساميّة، ومنها المسلمة سوى الاقتباسات من الفكر اليوناني. إنّ هذا الطرح المنافح عن انتصار وتفوّق العرق الأيبيري ذي الأصول الهيلّينيّة على غيره من الأعراق الساميّة، والمنطلق من المركزيّة الغربيّة، حاول أن يفنّده الكاتب المغربي من خلال ما جاءت به الأبحاث الأنثربولوجيّة الحديثة، والتي تنزع عن الأعراق إنتاج الثقافة والإبداع.

غير أنّ هذا التقييم السلبي لتصوّرات بلاثيوس، لم يثن العسري عن ذكر ما تحمله أعماله وتضحياته ومواقفه التي تستحق التنويه والإشادة، فنقرأ مثلًا مجموعة من الكلمات التي يعبّر فيها عن الفضل الذي يعود إلى بلاثيوس لتصحيح بعض المغالطات التاريخيّة على الإسلام، يقول العسري:
- «إنّ المطّلع على مؤلّفات أسين بلاثيوس يجده يحتفي في كثير منها بالإسلام. والحقّ أنّ مستشرقنا يعيد الاعتبار لهذا الدين ولأهله في كثير من لحظات معالجتهما في إنتاجاته العلميّة»[53].
- «الواقع أنّ مستشرقنا قد عمل على رفض كثير ممّا كان سائدًا في زمانه بأوروبا من تصوّرات وأحكام مسبقة عن الإسلام والمسلمين. لقد دحض تلك المزاعم التي كانت لا ترى في مجال المعتقد الإسلامي غير توهّمات للنزعات الحسيّة والشهوانيّة، وممارسة لها باستمرار»[54].
- «وبالإضافة إلى إشادته بالفلسفة وعلم الكلام في الإسلام، فإنّه لم يخفِ إعجابه بما قدّمه هذا الدين وأهله للنصرانيّة من معارف علميّة وأدبيّة، وخبرات وجدانيّة وروحيّة، بل لقد أكّد ذلك في بعض المحافل العلميّة المختلفة، وفي مؤلّفاته المتعدّدة، مجتهدًا في تقديم أدلّة عديدة عليه». وإلى جانب ذلك، فلقد أبدى تسامحًا ملحوظًا مع المسلمين، بحيث جعل من الأعلام الإسلاميّة، التي تناولها، أساتذةً للأوروبيين، بالنظر إلى فضلهم الكبير على تاريخ العلوم والآداب الأوروبيّة خلال القرون الوسطى»[55].

إنّ الاعتراف بهذه الفضائل وذلك المجهود لم يصرفه عن اعتباره من المستشرقين المتشبّثين بالمركزيّة الغربيّة. إنّ العسري لا يتوقّف عند عرض أعماله الجادّة، وإنّما أيضًا أخضعها لمطرقته النقديّة.
قدّم العسري بحث بلاثيوس حول (الكوميديا الإلهيّة) لدانتي أليغييري الإيطالي الذائع الصيت الذي أرجعه إلى تأثّره بالتراث الإسلامي، ما أثار حفيظة الطبقة المثقّفة الإيطاليّة جرّاء تجريد شاعرهم من كلّ أصالة وإبداع، كما فصّل دراسته حول تأثيرات التصوّر الصوفي الشاذلي المتمثّل في أصوله الأولى، عند كلّ من ابن العريف وابن عربي، على المتصوّفين النصرانيين الإسبان، كما عند سانتا كروث وسانتا تيريسا، ما خلّف تشويشًا روّع به حفيظة القساوسة والكنيسة، فضلًا عن الحديث عن تأثيرات ابن رشد الفلسفيّة على توما الأكويني.

غير أنَّ هذا الاحتفاء بمساهمات بلاثيوس، والتي يراها  البعض قد رفعت من  شأن الإسلام مكانة علوم القيم، إنّما هو في الحقيقة، في نظر العسري، مجرّد احتفاء عرضي سرعان ما يضرب به بلاثيوس عرض الحائط. ذلك أنّه لم يخرج مطلقًا عن مركزيّته الغربيّة النصرانيّة التي ترسم الإسلام وأهله في صورة الهامشي أو الضعيف. فأمّا مشاهد القيامة التي ألفاها عند دانتي، والتي قد أخذها عن طريق المتصوّف ابن عربي، فهي مبثوثة أصلًا في نصوص النصرانيّة وشريعتهم، وأنّ ما أخذه الأكويني من ابن رشد ليس إلّا استعادة الموروث الفلسفي الهيلّيني الذي ترجمه العرب. كما أنّ المتصوّفة الإسبان الذين تأثّروا بالشاذليّة، قد ساروا على نهج الآباء الأوائل للكنيسة في اقتدائها بالشاذليّة.
على هذا المنوال، يثبت مدى المركزيّة التي تتمحور حولها أعمال بلاثيوس، فكلّما ذهبنا بعيدًا في الاعتقاد أنّنا نحتفي بإنجاز إسلامي، نصطدم بحقيقة أن وراء هذا الاحتفاء إنجازًا مسيحيًّا أصيلًا، ومن ثمّ تزول وتتبدّد تلك المفارقة، التي قد تظهر في كتابات العسري بين نقض أطروحات المستشرقين والتنويه بأعمالهم، تحت مطرقته النقديّة. لذلك يمكن القول، حسب هذه المقاربة، إنّ العسري استطاع أن يتجاوز التطويع السلبي للمستشرقين إلى ما يمكن اعتباره تطويعًا إيجابيًّا، على خلاف ما رأيناه سابقًا عند عرضنا لبعض الانتقادات الموجّهة إلى سعيد.

قد يقول قائل إنّ اختيار مقابلة إرنست رينان وأسين بلاثيوس اختيار ليس في محلّه، بالنظر إلى الاختلافات التي تميّز هذين المستشرقين عن بعضهما البعض، فإنّ كان رينان لن تجد من ينافح عنه من داخل البيئة الإسلاميّة ولا من داخل الدوائر الثقافيّة الغربيّة ما بعد الحداثيّة، التي عارضت منطق المركزيّة ودعوى العرقيّة، بفضل محصّلات العلوم الإنسانيّة الحديثة، فإنّ بلاثيوس لا يمكن وضعه في نفس كفّة المستشرق الفرنسي المعادي للآخر الشرقي؛ نظرًا لإنتاجاته الغزيرة التي أغنت المكتبة الإسبانيّة المنوّهة بفضل المسلمين على تاريخ العلوم والآداب الغربيّة.

إنّ هذا القول المشكّك له حجّته ومصداقيّته، بالنظر إلى الإجماع على الأيديولوجيّة العرقيّة التي يعتنقها رينان، في الوقت الذي اختلفت آراء النقاد العرب حول بلاثيوس بين من يشيد به ومن ينتقده بشدّة[56]، وهذا يعني أنّ الحكم الذي سبق وأن أفصحنا عنه  في مسألة التطويع، يمكن أن يتحوّل إلى العكس. لكن بغض النظر عن المثال السالف الذكر، فإنّ التطويع السلبي لسعيد للمستشرقين قائم حسبما ذهب إليه بعض نقّاده من الوسط الثقافي العربي، وفي هذا الشأن يصرّح  بنسالم حميش على أنّ علاقة الناقد الفلسطيني بالاستشراق علاقة متوتّرة تعطي انطباعًا على أنّه غير سعيد لوجود هذا الشبح العنيد الذي اسمه الاستشراق، وهذا يظهر من كونه (....) يسكت عن المستشرقين المعجبين والمنوّهين بحضارة الشرق والإسلام (كسيدييو وكايتاني وبلاثيوس وكوربان، وغيرهم)، ولا يذكر، ولو بالاسم، مستشرقًا واحدًا من هؤلاء الذين كانت طبيعة بحوثاتهم تبعدهم عن مناطق التوتّرات الحسّاسة (كبروكلمان وليفي - بروفنسال وكولان، وغيرهم)[57]»؛ في الوقت الذي يمكن أن نتحدّث عن التطويع الإيجابي للعسري، أيّ إبراز أهمّ الإنجازات، وذكر أكبر الأعلام، ثمّ نقضها و «ترويضها» بعد عرضها على الآلة النقديّة. غير أنّنا من جانب آخر، يمكن القول إنّ الرأي المحاجج قد يجد سنده، ليس في إرجاع دواعي هذا الإشكال إلى الاختلاف حول المقاربة الشكليّة عند الناقدين -العسري وإدوارد- بل على أساس المقاربة الموضوعاتيّة، التي تنبني أصلًا على خصوصية مادّة هذا الاستشراق أو ذاك، من حيث كونه موضوعًا للدراسة. بمعنى آخر، إنّ الخوض في أيّة مقارنة من هذا القبيل بين الاستشراق الإسباني مع بقيّة المدارس، قد يستوجب طرح مجموعة من المفارقات، التي تحتاج إلى أكثر من دراسة وبحث، بالنظر إلى ما يفرضه الاستشراق الإسباني من تميّز من حيث التركيب والتعقيد، ونخصّ بالذكر ما يشكّله عنصر «الهويّة» الذي ميّز الأقلام الإسبانيّة، والذي أثاره العسري نفسه في طيّات كتابه. فماهيّة الكاتب الإسباني -أو البعض منهم- لا يستمدّها من كينونة العنصر الغربي الأوروبي فحسب، بل يستمدّها أيضًا من العنصر الأندلسي. إنّ مردّ اهتمام المستشرقين الإسبان بالإنتاجات العلميّة الأندلسيّة، كان باعتبارها جزءًا من هويّتهم الوطنيّة، على خلاف المستشرقين الذين اهتمّ بهم سعيد أو غيره، والذين لا تربطهم بالمشرق أو المغرب الإسلاميين أيّة صلة تذكر من حيث الهويّة أو الجغرافيا.
 إنّ عنصر الهويّة قمين بخلق مفارقات وإثارة التباسات، خصوصًا مع ما بدأ يشهده الاستشراق الإسباني، وما أصبح يعرفه من نزعة مختلفة تجاه التراث العربي والإسلامي، يتزعمها بعض من المستشرقين منذ القرن التاسع عشر. وهذا ما أشار إليه العسري، عند ذكره معارضة روّاد المدرسة التاريخيّة الإسبانيّة التقليديّة، لتوجّهات كوندي ومستشرقين آخرين ممّن سينحون نحوه، عند دعوته إلى ضرورة استرجاع إسبانيا للقسم العربي من تاريخها، وقد اعتبرت هذه المدرسة هؤلاء المستشرقين المنشغلين بالتراث العربي الأندلسي «غزاة لتاريخ إسبانيا المقدّس»[58]، ولعلّ هذا الانتماء القومي كان هو الدافع وراء التعاطف مع الإسلام الأندلسي ثقافة وعلومًا. لقد كان اهتمامهم منصبًّا على الدراسات العربيّة والإسلاميّة، التي تمركزت حول الهويّة «الإسبانيّة»، أيّ متناولًا التاريخ والثقافة الأندلسيّة، ومنفتحًا على كبار العلماء والفلاسفة لهذه المرحلة، ترجمة وتحقيقًا ونشرًا لأهمّ مؤلّفاتهم، لما لإسهامات هؤلاء من قيمة مكّنت الغرب الأوروبي من قطف ثمارها، فانتشرت المعرفة به، وأحيت حركة النهضة فيه.

إنّ الاعتبار الهويّاتي حاضر بقوّة عند المستشرقين الإسبان، فهم يعتبرون أنفسهم يندرجون بوصفهم استمراريّة لسلالة علميّة عريقة منذ القرون الوسطى، فلا يمكن إقصاء الأندلسيّين من دائرة تشكيل هويّتهم الثقافيّة والتاريخيّة، لما يُكنّ لهؤلاء من احترام واعتزاز فاخرين على ما حقّقوه من إسهامات للإنسانيّة. كما أنّ اعتناء المستشرقين بتراث الأندلسيين كان بمحض إرادتهم ومن داخل التراب الإسباني، فلم ينتظروا الكشوفات الجغرافيّة حتّى تساورهم بذلك نوازع استعماريّة، كالتي رافقت أعمال زملائهم الأوروبيين ذوي النزعة التوسعيّة[59].
على الرغم من احترامنا لوجهة نظر هذا الطرح، فلا ينبغي أن ينسينا علاقات هذا الاستشراق الإسباني القويّة مع ظاهرة الاستشراق عامّة، وكونه جزءًا لا يتجزّأ من نسقه ونظمه، لما للتأثيرات العميقة التي خلفتها المدارس الأكثر نضجًا، والأسبق ترتيبًا لأوراقها، مع الدراسات العربيّة والإسلاميّة، كالمدرسة الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة، بالنظر إلى التأخّر الزمني الذي عرفه الاستشراق الإسباني لأسباب تاريخيّة، وعدم الالتحاق بركب المستشرقين الأوروبيّين بشكل مبكّر.
خلاصة القول، لكي نرسم معالم الاسستشراق الإسباني الحديث، ونوضّح خطوطه العريضة، يجب مواكبة هذه المادّة الحيويّة في مختلف تجلّياتها العلميّة، إلى جانب تجميع الدراسات الحاليّة، على ندرتها، والتي في اعتقادنا كان أبرزها عمقًا للدكتور محمّد عبد الواحد العسري، كما يجب تفادي الاقتصار على دراسات المستشرقين المعروفين، أمثال بلاثيوس أو الذين سبقوه، وهم كثر، ولكن أيضًا الانفتاح على غيرهم من المعاصرين، لنتساءل عن تموقع الاستشراق الإسباني الراهن، خصوصًا مع ما بدأت تعرف به الظاهرة الاستشراقيّة عمومًا من أزمة معرفيّة وأخلاقيّة؛ نتيجة تقدّم العلوم الإنسانيّة، التي أدّت إلى تبددّ نظريّة المركزيّة الغربيّة، وترسيخ مبادئ الاعتراف بالمغاير بعيدًا عن كل هيمنة، ونخصّ بالذكر على سبيل المثال لا الحصر: سلفادور غوميز نوغالي(Salvador Gَmez Nogales) (1913-1987)، ميكيل دي إبالثا (Mيkel de Epalza) (1938-2008)، وخوان فرنيت (Juan Vernet Ginés) (2011-1923)، وميغيل كروز هرنانديز(D. Miguel Cruz Hernلndez) (1920-2020)...

خاتمة
بعد تقديمنا لكتابي العسري وسعيد، وإظهارنا المكانة العلميّة البارزة التي يحتلّانها كمصدرين أساسيين في قراءة تاريخ الاستشراق، وفي منهج إنتاج خطابه وأسسه، كلّ حسب مجال اشتغاله، يظهر جليًّا أنّ تعاطي العسري مع الاستشراق الإسباني لا يختلف كثيرًا عن تعاطي سعيد في قراءته للاستشراق الفرنسي والإنجليزي، أسلوبًا ومنهجًا. إنّ الاستشراق يعمل على وضع الآخر في صورة، قوامها تَغلّب الأنا الغربيّة، وانكسار وانحدار الشرق والإسلام. يبدو لنا التوافق واضحًا بينهما، سواء من حيث الأطروحة التي يدافعان عنها، أو من حيث العدّة المعرفيّة والآليّات المنهجيّة، التي اعتمدا عليها من خلال ما اكتسباه من المناهج النقديّة الحديثة للفكر الغربي المعاصر. لكنّنا آثرنا إدراج ما استدركه البعض على سعيد في قضية تطويع الاستشراق في قالب واحد محجبًا كلّ اختلاف، متناسيًا بعضًا من المساهمات الجادّة، في الوقت الذي رأينا كيف عرض العسري أعمالهم القيّمة، ونوّه بها قبل أن يخضعها لمطرقته النقديّة؛ ليعيدها إلى موقع المركزيّة التي تبخس قيمة الآخر الإسلامي، ولتوضيح ذلك قدّمنا تلك المقابلة بين سعيد وإرنست رينان من جهة، وبين العسري وأسين بلاثيوس من جهة ثانية، كما ألمحنا إلى وجود طرح آخر، قد يعمّق النقاش أكثر حول خصوصيّة الاستشراق الإسباني؛ لانفراده بعنصر الهويّة.

لائحة المراجع والمصادر
أحمد عبد الحليم عطيّة، أسين بلاثيوس في الكتابات العربيّة المعاصرة، مجلة دراسات استشراقيّة، المركز الإسلامي للدراسات  الاستراتيجيّة، العدد 17، شتاء 2019.
إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، 2006.
بجيت كريم، العرب وإشكالية التمثيل، قراءة في مؤلّف الاستشراق: إدوارد سعيد، د بجيت كريم، مجلّة المنعطف العدد 13، 1997.
بنسالم حميش، العرب والإسلام في مرايا الاستشراق، دار الشروق، القاهرة 2011.
عمر لطفي العالم، المستشرقون والقرآن، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطا، الطبعة الأولى، 1999.
مبروكة الشريف جبريل، الخطاب النقدي العربي المعاصر الخطاب الجابري نموذجًا، الجزء الأوّل، المركز العالمي لدراسات الكتاب الأخضر، ليبيا، الطبعة الأولى 2005.
محمّد عبد الواحد العسري، الإسلام في تصوّرات الاستشراق الإسباني، من ريموند لولوس إلى أسين بلاثيوس، دار المدار الإسلامي، 2015.

---------------------------
[1]- باحث من المغرب.
[2]-  الذي نقله كمال أبو ديب إلى العربيّة عام 1981.
[3]- عرفت الطبعة الثانية من هذا الكتاب التي أصدرها من دارالمدار الإسلامي سنة 2015 تنقيحًا مستفيضًا، للطبعة الأولى التي أصدرها سنة 2003 من مكتبة الملك عبد العزيز العامّة بالرياض، والتي عرفت محدوديّة الانتشار بين القرّاء، لطبيعة سياسة المكتبة ولقلّة عدد النسخ المسحوبة.
[4]- إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص100.
[5]- المرجع نفسه، ص101.
[6]- المرجع نفسه، ص278.
[7]- إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص288.
[8]-  هذه الرسالة التي كانت عبارة عن مجادلة نصرانيّة للإسلام، جاءت كردّ على رسالة عبد الله بن إسماعيل الهاشمي يدعوه فيها إلى اعتناق الإسلام .
[9]- محمّد عبد الواحد العسري، الإسلام في تصوّرات الاستشراق الإسباني، من ريموند لولوس إلى أسين بلاثيوس، دار المدار الإسلامي، 2015، ص121-136.
[10]- المرجع نفسه، ص146.
[11]- المرجع نفسه، ص 14.
[12]- المرجع نفسه، ص69.
[13]- المرجع نفسه، ص303.
[14]- المرجع نفسه، ص 182.
[15]- المرجع نفسه، ص181.
[16]- محمّد عبد الواحد العسري، الإسلام في تصوّرات الاستشراق الإسباني، من ريموند لولوس إلى أسين بلاثيوس، دار المدار الإسلامي، 2015، ص185 و 186.
[17]- المرجع نفسه، ص189 و 190.
[18]- المرجع نفسه، ص192.
[19]- المرجع نفسه، ص192-193.
[20]- المرجع نفسه، ص194-216.
[21]- محمّد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص32.
[22]-  إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص43 و 45 و46.
[23]- محمّد عبد الواحد العسري المرجع السابق، ص29
[24]- المرجع نفسه، ص21.
[25]- المرجع نفسه، ص31.
[26]- المرجع نفسه، ص32.
[27]- بنسالم حميش، العرب والإسلام في مرايا الاستشراق، دار الشروق، القاهرة 2011، ص195.
[28]- المرجع نفسه، ص195.
[29]-  بجيت كريم، العرب وإشكالية التمثيل، قراءة في مؤلّف الاستشراق: إدوارد سعيد، د بجيت كريم، مجلّة المنعطف العدد 13، 1997، ص13.
[30]- بجيت كريم، المرجع نفسه، ص13.
[31]-  بنسالم حميش، المرجع السابق، ص198، رابعة عبد الكافي، المرجع السابق، ص64 و 73.
[32]- محمّد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص304.
[33]- المرجع نفسه، ص210-213.
[34]- المرجع نفسه، ص192 و 193.
[35]-  إدوارد سعيد، المرجع السابق، من 223 إلى 246.
[36]-  المرجع نفسه، ص225.
[37]-  المرجع نفسه، ص232.
[38]- المرجع نفسه، ص237.
[39]-  المرجع نفسه، ص226.
[40]-  المرجع نفسه، ص239.
[41]-  المرجع نفسه، ص247.
[42]- محمّد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص32 و 298.
[43]- المرجع نفسه، ص266.
[44]- المرجع نفسه، ص284 .
[45]- المرجع نفسه، ص250.
[46]- محمّد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص258 و 267 .
[47]- أحمد عبد الحليم عطيّة، أسين بلاثيوس في الكتابات العربيّة المعاصرة، مجلة دراسات استشراقيّة، المركز الإسلامي للدراسات  الاستراتيجيّة، العدد 17، شتاء 2019، ص46.
[48]- مبروكة الشريف جبريل، الخطاب النقدي العربي المعاصر الخطاب الجابري نموذجًا، الجزء الأوّل، المركز العالمي لدراسات الكتاب الأخضر، ليبيا، الطبعة الأولى 2005، ص137.
[49]- بنسالم حميش، المرجع السابق، ص74.
[50]- عمر لطفي العالم، المستشرقون والقرآن، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطا، الطبعة الأولى، 1999، ص22.
[51]- محمّد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص274.
[52]- المرجع نفسه، ص275.
[53]-  محمد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص251.
[54]-  المرجع نفسه، ص252.
[55]- المرجع نفسه، ص253.
[56]- يرجى الاطلاع على مقالة أحمد عبد الحليم عطيّة، أسين بلاثيوس في الكتابات العربيّة المعاصرة، مجلّة دراسات استشراقيّة، المركز الإسلامي للدراسات  الاستراتيجيّة، العدد 17، شتاء 2019.
[57]-  بنسالم حميش، المرجع السابق، ص198.
[58]- محمّد عبد الواحد العسري، المرجع السابق، ص200.
[59]- م.ن،  ص50.