البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نقد خلفيّات المستشرقين في ترجمة القرآن

الباحث :  سيّد محمّد موسوي مقدّم
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  28
السنة :  خريف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 31 / 2021
عدد زيارات البحث :  46
تحميل  ( 520.245 KB )
ملخّص[1]
 تلعب الفرضيّات المسبقة، وخاصةً العقائديّة والثقافيّة والفكريّة منها دورًا مؤثّرًا في ترجمة النصوص، لا سيّما الدينيّة منها، وهناك مجموعة من العوامل -إضافة لما ذكر- تدفع المترجمين لخلق تعديلات وتغييرات في النصّ بلغة المقصد، إذ يتصرّف هذا النوع من المترجمين في النصوص المترجمة بهدف تقديم إجابات تؤثّر على القارئ معرفيًا من ناحية، وتحقيق طموحات البيئة الدينيّة أو الفكريّة التي ينتمي إليها من ناحية أخرى، وهو ما يدفعه إلى إسقاط فرضيّات مسبقة على النّصوص بالشكل الذي يحقّق أهدافه، وهو ما وقع به بعض المترجمين للقرآن من المستشرقين إلى لغات أخرى. وينبغي أن لا تغيب فرضيّة عدم إمكان ترجمة نصّ القرآن إلى لغات أخرى بكلّ ما يحمله النصّ القرآني من معان ودلالات؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم كتابٌ معجزٌ بلفظه، ومعناه، ومقاصده التشريعيَّة. لذا، يستحيل ترجمة القرآن الكريم وفق المعنى دون اللفظ. ويرى علماء اللغة أنّ اللغة العربيّة تمتاز عن اللغات الأخرى بأنّها واسعة جدًا، ولها قدرة عالية على حكاية المفاهيم المعنويّة العالية والسامية التي يطرحها القرآن، أكثر من غيرها من اللغات الأخرى...وقد اختار الله تعالى اللغة العربيّة لتكون لغة للقرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[2]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[3]. وهاتان الآيتان تكشفان عن حقيقة أنّ إكساء القرآن باللغة العربيّة مُسنَد إلى الله تعالى، وهو الذي أنزل معنى القرآن ومحتواه بقالب اللفظ العربيّ، ليكون قابلًا للتعقّل والتأمّل.

هذه الدراسة محاولة لتسليط الضوء على خلفيّة ترجمات القرآن الإنجليزيّة وأنواعها، ومن ثمّ مقاربة فرضيّات المستشرقين المسبقة -الإيجابيّة منها والسلبيّة- في ترجمتهم للقرآن وآرائهم حول شخصيّة الرسول ومصدر القرآن ومنشئه.

المحرِّر
---------------------------

مقدّمة
انكبَّ المستشرقون الغربيُّون كثيرًا على دراسة القرآن الكريم، من حيث تاريخه، وترجمته، وبنيته، ومضامينه، وأسلوبه، ولغته، واتِّساقه، وانسجامه، وترتيب سوره، وتبيان مختلف تقنيَّات قراءة القرآن، وتفسيره، وتأويله، واختلفوا في ذلك بين باحثٍ موضوعيّ، وآخر جاحدٍ منكرٍ يخدم الأغراض الدينيَّة، والتبشيريَّة، والاستعماريَّة. ومن هنا، فما خلَّفه المستشرقون من ترجماتٍ قرآنيَّة هي -في الحقيقة- عبارة عن تفسيراتٍ وتأويلاتٍ وشروحٍ لمعاني القرآن الكريم، وليست ترجمات حقيقيَّة لهذا الكتاب؛ لأنَّه من الصعب الحديث عن ترجمة مثاليَّة أمينة وصادقة للقرآن الكريم؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم كتابٌ معجزٌ بلفظه، ومعناه، ومقاصده التشريعيَّة. لذا، يستحيل ترجمة القرآن الكريم وفق المعنى دون اللفظ؛ لأنَّ الإعجاز البيانيّ القرآنيّ يكمن في حرفه، وصوته، ومقطعه، وكلمته، ونظمه، وتركيبه، وإيقاعه، وتنغيمه، ومقاصده، ومعانيه. فتبقى ترجمات المستشرقين نسبيَّةً، وناقصةً، وعاجزةً عن المماثلة الكلِّيَّة للنصِّ الأصليّ. لذا من الصعب بمكانٍ الحديثُ عن ترجماتٍ وفيَّةٍ وأمينةٍ للنصِّ المقدَّس؛ بقدر ما يمكن الحديث عن تفسيراتٍ، وتأويلاتٍ مبتسرة خضعت لمقصِّ التصرُّف، والحذف، والنقص، والزيادة، والتغيير، والتلخيص، والتحشية، والتقديم، والتعليق. ومن ثمَّ، يمكن الحديث عن تفسيرات معنويَّة شائبة، ومغرِضة، ومضلِّلة. بيد أنَّ هناك تفسيراتٍ معنويَّةٍ موضوعيَّةٍ لبعض المستشرقين الذين ترجموا القرآن الكريم إلى لغاتٍ أجنبيَّةٍ معيَّنة، ولكنْ تبقى تلك الترجمات غير كافية للإحاطة ببلاغة القرآن الكريم ونظمه، والتعبير عن جماليَّاته الفنِّيَّة والبيانيَّة من خلال التأثير في المتلقِّي؛ بغية إثارته وإبهاره وإدهاشه.

إنّ الترجمة كنوع من إعادة خلق النصّ تجعل منها ميدانًا لعكس أفكار الكتّاب والمترجمين على حدٍّ سواءٍ؛ إذ يتعامل المترجم مع شروط تطغى على موقعه أداةً للتواصل، فيتناول مجموعة من الفرضيّات المسبقة ثقافيًّا، سياسيًّا، عقديًّا، وعوامل أخرى مؤثّرة في نقل رسالة النصّ للغة المقصد، ويقوم في عمليّة إعادة الخلق تلك بتحليل النصّ ضمن نطاق أفكاره ورؤيته الخاصّة؛ ليخلق مجموعة من التعديلات والتغييرات فيه على أساس فرضيّاته المسبقة، فيخرج النصّ المترجم في نهاية العمليّة انعكاسًا لمزيج من الأفكار والنزعات؛ وبعبارة أخرى: تركيبًا مزجيًّا من رؤية صاحب النصّ والخلفيّة الفكريّة للمترجم معًا.

وهناك مجموعة من العوامل تدفع المترجم لخلق تعديلات وتغييرات في النصّ بلغة المقصد، وهي عبارة عن: الموقف الفكري، الفرضيّات المسبقة ثقافيًّا وعقديًّا، فضلًا عن عوامل أخرى مؤثّرة في هذا السياق. فالمترجم يرى في النصّ المراد ترجمته بيئة مؤاتية لإسقاط أفكاره الخاصّة، ناهيك عن تحقيق طموحات وحاجات الخلفيّة الفكريّة التي ينتمي إليها عاطفيًّا وعقديًّا، فينبري لإعادة خلق النصّ. ولهذا فإنّ التأثير في ترجمة النصوص لا سيّما السياسيّة، الفلسفيّة والدينيّة يستدعي مزيدًا من الدقّة والحساسيّة في التعامل معها.

خلفيّة ترجمات القرآن الإنجليزيّة
أوّل ترجمة غربيّة للقرآن ّتمّت على يد الباحث الإنجليزي روبرتوس ريتننس في القرن 12 ميلادي، وذلك عن ترجمة بطرس المبجّل، وانتهى العمل عليها 1143م، وانتشرت نسخها الخطّية بشكل لافت. وبعد مرور أربعة قرون، طبعت تلك الترجمة في مدينة بازل، وراجعها تئودور بيبلياندر بوخمان من زيورخ. وكانت تلك الترجمة مليئة بالأخطاء وعدم الدقّة وسوء الفهم، ويظهر أنّها كانت مغرضة كتبت بأسلوب الردّ. ومع ذلك اتّخذت أساسًا لأولى الترجمات باللغات الأوروبيّة الحديثة، إذ ترجمت تلك الترجمة للّغات الإيطاليّة، الألمانيّة والهولنديّة على الترتيب.

وفي العام 1647م، قام أندريه دوريه بنشر ترجمة فرنسيّة للقرآن...، وفي العام 1689م، أصدر ماراتشي ترجمة لاتينيّة أخرى للقرآن مرفقًا بالنصّ العربي، واقتباسات انتقائيّة من مختلف كتب التفسير العربيّة بصورة متعمّدة؛ كي يرسم أسوأ صورة عن الإسلام. وقد تجلّى هدفه المغرض من عنوان المجلّد الأوّل لعمله، إذ حمل عنوان: «ردًّا على القرآن». وهناك العديد من الترجمات الإنكليزيّة للقرآن الكريم حتّى زماننا المعاصر[4].
إنّ الضربة التي وجّهها أولئك المترجمون غير المسلمين لصورة الإسلام بقصد أو بدون قصد، دفع الباحثين المسلمين لقبول التحدّي، فانبروا لتقديم ترجمات دقيقة وسليمة عن القرآن باللغات الغربيّة، لا سيّما الإنجليزيّة.

فكانت أوّل ترجمة إنجليزية لمترجم مسلم على يد محمّد عبد الحكيم خان في العام 1905م، ثمّ صدرت ترجمة لميرزا حيرت دهلوي في العام 1919م. وتعدّ ترجمة حافظ غلام سرور من أنفس الترجمات الإسلاميّة والتي صدرت في العام 1930م دون أن تكون مرفقة بالنصّ القرآني العربي. وفي عام 1930م، صدرت ترجمة إنجليزيّة على يد إنجليزي كان قد أسلم، يدعى مارمادوك بيكتال (حسين عبد الرؤوف، 1/ 71-72؛ ريتشارد بيل، 2/ 91-98؛ قدواني، 10/ 210-212).

أنواع ترجمات القرآن الإنجليزيّة
هناك نوعان من ترجمة القرآن:
النوع الأوّل: الترجمة المعنويّة التي تقوم على تبنّي اللغة القديمة أو النثر القديم فضلًا عن استعمال المحسّنات اللفظيّة أو العبارات الدقيقة، من قبيل ترجمات بيل (1937)، بيكتال (1969)، أربوري (1980)، عبد الله يوسف علي (1983). وتلك الترجمات الأدبيّة بمثابة مقاربة ترجماتيّة تتيح للغة النصّ الأصلي أن تحيط بلغة المقصد.

النوع الثاني: الترجمة التواصليّة أو الصحفيّة التي تتيح نقل القرآن إلى اللغة الإنجليزيّة المعاصرة من قبيل ترجمات أكبر (1987)، إيرفنغ (1985) وترنر (1997).
فيرى أكبر أنّ أغلب الترجمات الإنجليزيّة المتداولة للقرآن تعاني من عيوب الترجمة الحرفيّة، ويضيف أنّ تلك الترجمات تقوم على لغة الكتاب المقدّس الإنجليزيّة القديمة التي تزيد من إبهام معاني القرآن، ناهيك عن تقسيم القرآن إلى أجزاء على هواهم وترقيمها، والتعامل مع كلّ منها كحزمة مستقلّة، وإبرازها على أنّها كذلك، ما يسلبون القرآن حياته وحيويّته.
يسعى إيرفنغ في ترجمة القرآن لتقديم عمل مفيد يسهل فهمه، مستعملًا أبسط الكلمات وأكثرها مباشرةً لنقل رسالة القرآن بسهولة للناشئة المسلمين في هذا القرن، فضلًا عن المهتمّين به من غير المسلمين؛ الأمر الذي دعاه لخلق مفردات مبتكرة وجديدة بالكامل، بالرغم من المشكلات التي تحمّلها من حيث المعنى، وذلك تحاشيًا لاستعمال مصطلحات أكل الدهر عليها وشرب، وتستعمل معانيها في حقول أخرى. وقد دافع إيرفنغ عن مقاربته تلك في الترجمة مدعيًا أنّ الأنواع الأخرى من الترجمة لا تخلق شعورًا بالكمال والجمال في ذهن المستمع أو القارئ.

ويعترف أكبر بصعوبة نقل فحوى أو ما يدعوه بالهالة المعنويّة للكلمة العربيّة إلى اللغة الإنجليزيّة، ما قد يجعل من الترجمة الحرّة أفضل، وذلك من خلال التعامل مع كلّ جملة عربيّة كوحدة مستقلّة لترجمتها إلى الإنجليزيّة[5].

خلفيّات المستشرقين السلبيّة في ترجمة القرآن (آراء المستشرقين السلبيّة حول الرسول والقرآن)
1. التأثّر بتعاليم الكنيسة والكتاب المقدّس في ترجمة القرآن
سعت أوروبا طوال قرون للتقليل من شأن إنجازات المسلمين وإغفال أعمالهم الحضاريّة، وقد طبع تلك النظرة الأعمال البحثيّة والدراسات هناك (أربري، خدمة وخيانة مترجمي القرآن، 14).
لطالما أكّد البروفيسور أربري على ضرورة الإحاطة بمفردات القرآن ومترادفاتها معيارًا لتقييم الترجمة وحسنها. في حين تأثّرت مجموعة من المترجمين بألفاظ الكتاب المقدّس وتعابيره حتّى جعلوا من ترجماتهم للقرآن عرضة للشبهات والسخافة، بينما ضرب آخرون خطوط التفاهم من خلال خلق الشبهات وتشكيك القارئ المسيحي الغربي في القرآن (م.ن). وهذا ما يؤكّده المستشرق الهولندي دوزي الذي يعتبر أنّ الغرب بنى أمره منذ البداية على حالة العداء المتجذّر للإسلام (م.ن).

وفي السياق نفسه يعترف المستشرق الإنجليزي السير دنيستن روس بأنّ معلومات أغلب الغربيّين عن الإسلام طوال عدّة قرون، قامت على روايات محرّفة نقلها مسيحيّون متعصّبون، ما أدّى إلى انتشار مجموعة من الاتهامات التي لا أساس لها، والبعيدة عن الموضوعيّة عنه (م.ن).

ويكتب البروفيسور العربي المسيحي «حتّي» حول القرآن ما يلي: «... كان محمّد يحسد اليهود والمسيحيّين أنّ لهم كتابًا مقدّسًا، فقرّر أن يجعل لقومه كتابًا مقدّسًا أيضًا «(م.ن).
أمّا رادول؛ فبعد تمجيده لشخصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحملته الشديدة على ادّعاءات ماراتشي وبريدو وأراجيفهما النابعة من الحقد والتعصّب، يقول: «إنّ شخصيّة الرسول الجوهريّة كمؤلّف أصلي للقرآن في النظام الإسلامي تقوم على أصلين: الحقيقة والصدق والخير...» (م.ن، 72-73).
أمّا كتّاب الكتاب الرسمي لجامعة كامبريدج البريطانيّة «تاريخ الإسلام» فقد عزوا كمّية الآراء السلبيّة التي تبنّاها الغربيّون عن الإسلام إلى الأحقاد الصليبيّة، ورسموا تصوّرًا عن المصاعب التي يلاقيها الباحثون الغربيّون عن الإسلام كما يلي: «لم يتخلّص بعض القرّاء الغربيّين حتّى الآن من تأثير الأحكام المسبقة عنه، والتي ورثوها عن آبائهم في القرون الوسطى؛ إذ أفرزت مرارات الحملات الصليبيّة وغيرها من الحروب التي شنّت على المسلمين اعتبار المسلمين ولا سيّما محمّد تجسيدًا لكلّ شرّ. ولا تزال آثار تلك الأفكار باقية في نمط تفكير الغربيين عن الإسلام»[6].

2. عدم سماويّة القرآن واختلاقه من قبل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)
أصدر الفرنسي أندريه دوريه عام 1647م ترجمته الفرنسيّة للقرآن الكريم، لتصدر ترجمته الإنجليزيّة بعد عامين وحملت عنوانًا مغرضًا  وعدائيًّا «قرآن محمّد»:

«كتاب «قرآن محمّد» -الذي ترجمه دوريه (المبعوث السياسي لملك فرنسا في الإسكندريّة) من العربيّة للفرنسيّة- صدر مترجمًا للإنجليزيّة بهدف إسعاد الأشخاص الذين يهتمّون بملاحظة الخزعبلات التركيّة التافهة. أمّا تمهيد الكتاب فهو عبارة عن حياة محمّد رسول الأتراك وجامع ومؤلّف القرآن، فضلًا عن تنبيه ونصيحة موجّهة للباحثين المهتمّين بالتعرّف على الإسلام والقرآن وكيفيّة تأليفه...[7]».
ويلاحظ في المقدّمة مدى حالة العداء، كما أنّ ملاحظات المترجم للقارئ المسيحي زادت منها: «ظهرت في أوساط المسلمين فرق ومذاهب كثيرة اختلقت بدعًا لتدلّ بمجموعها على مدى اتّحادهم ضدّ الحقيقة، ما يكشف بدوره أنّ محمّدًا نفسه كان يتوخّى مثل تلك الوحدة... إن طالعتم القرآن الذي يعدّ أساس عمل دين الأتراك، ستتبرؤون منه؛ إذ رغم ترجمة ذلك القرآن لكافة لغات العالم المسيحي تقريبًا، لم يعتنق أحد الإسلام حتّى الآن، اللهم إلّا إذا أجبروا على ذلك أو تحت حدّ السيف...»[8]...

«أيها القارئ المسيحي، ستجد القرآن عنيفًا بشدّة وذا بناء غير متجانس ومضحكًا للغاية ومليئًا بالتناقضات الكفريّة المهينة للمقدّسات والمشحونة بالعبارات النابية والأقوال المعيبة واللاأخلاقيّة والأساطير الهزليّة...»[9].

نقدٌ على ترجمة «أندريه دوريه»
يرى البروفيسور أربري أنّ مثل تلك التخمينات والتقويمات المتسرّعة عن خصائص القرآن تدعو للاستغراب ناهيك عن كونها مغرضة ونابعة من التعصّب، ما يجعل من ترجمة «أندريه دوريه» تجافي الحقيقة والصحّة والصدق؛ ويمكن ملاحظة قصوره في فهمه للآيات 23-29 من سورة يوسف حول إغواء امرأة العزيز ليوسف[10].

ترجمة «جورج سيل» للقرآن
بيّن جورج سيل موقفه في مقدّمة ترجمته القرآنيّة كما يلي:
«اتّخذ مترجمو القرآن السابقون موقفهم السيّئ من الإسلام استنادًا لوجهة النظر المسيحيّة أو تعصّبًا لحكم مسبق؛ فقد كان أساس ما انطلقوا فيه حول الإسلام والقرآن خاطئًا، كما أنّهم لم يكونوا يشعرون بالخطر عند تقديم مثل تلك الأدلّة المختلقة والمجعولة... يبدو وكأنّ هناك عاملًا أبعد من تصوّرات العامّة الدينيّة جعلت الإسلام يحقّق مثل ذلك الانتشار العجيب خلال مدّة قصيرة.

إنّ الترجمة المنصفة للقرآن ضرورة ملزمة ومفيدة؛ إذ يمكن لمثل هذا العمل أن يتمّ مع الحفاظ على كامل الاحترام والتقدير لذلك الكتاب، ناهيك عن دوره في التوعية بالأفكار المتعصّبة التي تتبدّى في الترجمات المتعصّبة والجاهلة والمتحيّزة الناشئة عن الجهل، والتي تمّ تقبّلها كحقيقة واقعة. وتلعب تلك المبادرة التوعويّة دورًا فاعلًا في فضح مكر المترجمين وخداعهم في سياق مواجهة فعّالة مع خداع تلك الجماعة ومكرها... لا سيّما وأن الكتّاب التابعين للكنيسة الكاثوليكيّة بذلوا كلّ ما بوسعهم حتّى الآن في سبيل التصدّي للإسلام وتكذيبه، والحال أنّ مذهبهم مليء بالخرافات والصنميّة، وهم مع ذلك يدافعون عنها... والوحيدون الذين يمكنهم استهداف القرآن بنجاح هم البروتستانت الذي أعتقد جازمًا أنّ إرادة الرب اقتضت تسجيل ذلك الفخر باسمهم»[11].

ترجمة رادول للقرآن
تعتبر ترجمة رادول صرخة واضحة ضدّ الكيديّة والعدائيّة المتعصّبة التي طبعت القرن السابع عشر؛ إذ بالرغم من جزمه بأنّ القرآن حصيلة أفكار محمّد الشخصيّة، إلّا أنّ تصوّراته وانطباعه عن شخصيّة الرسول لم تخل من مدح وتقدير، ولا سيّما خصاله الأخلاقيّة[12].

يرى رادول أن قضيّة صدق محمّد كرسول لله خاضع للجدل والبحث؛ إذ لو كان أميًّا كما يدّعي المسلمون لكانت النتيجة هروبًا من المشكلة. لأنّ أميّته لا يمكنها أن تؤيّد مدعاهم بإعجاز القرآن الخالد كما يزعمون[13].

نقد رأي رادول
إنّ قضيّة نزول القرآن وخلوده لا تتعارض البتّة مع أميّة الرسول؛ إذ لو كان الأمر غير ذلك لكان يدعو للاستغراب. فيحاول عدد من المستشرقين رسم صورة عن محمّد وكأنّه غير أمي؛ كي يثبتوا أنّه تلقّى العلوم من شخص ما، ومن ثمّ تفرّغ لدراسة التوراة والإنجيل، ليظهروا القرآن وكأنّه حصيلتها، وتعاليمه خليط مقتبس من تعاليم اليهود والمسيحيّة. علمًا أنّ الرسول بشهادة كلّ من عاصره منذ طفولته حتّى من مخالفيه، فشلوا في العثور على أصغر دليل وأثر عن تعلّم الرسول عند أحد من البشر. وهذا دليل على أنّ القرآن نزل عليه من الله بوساطة الوحي...

يقول ريتشارد بيل في هذا السياق: «لعلّ ادّعاء محمّد أنّه رسول الله يتلقّى الوحي من الله كي يدعو قومه العرب للإسلام، يجعله عرضة للإنكار والتخطئة؛ إذ نلاحظ من القرآن نفسه أنّ مشركي مكّة كانوا يطلقون على رسائل الوحي القرآنيّة «أساطير الأوّلين»[14] وكان يهود المدينة يسخرون من الرسول في ادّعاء النبوّة. وقد اعتمد الباحثون المسيحيّون على ذلك الردّ والإنكار حتّى ساد اعتقاد راسخ في أوروبا في القرون الوسطى بأنّ محمّدًا كان رسولًا كاذبًا...»

خطا توماس كارلايل الخطوة الأولى نحو تعديل ذلك الانطباع؛ إذ استهزأ بفكرة نسبة الكذب لمؤسّس أحد أكبر أديان العالم. وقد تلقّى من جاء بعده من الباحثين تلك الفكرة بالقبول، فسعوا لإثبات صدق النبي محمّد وإخلاصه، لكنّهم كانوا يبرّرونه بالتشكيك في سلامة الرسول عقليًّا؛ إذ ادعى غوستاف ويل أنّه كان مصابًا بالصرع، بينما ذهب الفيز اشبرنجر بعيدًا حين نسب للرسول ذلك المرض فضلًا عن الهيستيريا.

أمّا تيودور نولدكه فقد دفع احتمال إصابة الرسول بالصرع، لكنّه وصفه بالشخص الواقع تحت تأثير عواطف وأحاسيس جيّاشة لا إراديّة، ما دعا لادّعاء الارتباط بالغيب والألوهيّة، مع التأكيد على الاعتقاد بصدق الرسول وحسن نيّته وإيمانه وإخلاصه...[15].

3. خرافيّة بعض قصص القرآن
يقول المؤرّخ المعروف إدوارد غيبون حول القرآن ما يلي:
«لا يعثر القارئ الأوروبي غير المسلم على أدنى دافع لإثارة أحاسيسه في القرآن... إن كانت صياغة القرآن أعلى من الطاقات الإنسانيّة، فكيف بالتحفتين الأدبيّتين الإنسانيّتين الإلياذة وخطب ديموستن؟»[16].

4. اضطراب النصّ القرآني وإبهامه
يقول توماس كارلايل عن النصّ القرآني ما يلي:

«لم أر في حياتي كتابًا شاقًّا ومملًا ومضطربًا ومبهمًا وناقصًا من غير تنظيم وترتيب كالقرآن. ومع ذلك لا دافع لشخص أوروبي كي يفكّر فيه سوى الإحساس بأداء الواجب»[17].

5. عدم أميّة الرسول واقتباس القرآن من العهدين
أمضى العالم المسيحي اللبناني يوسف درّة حدّاد أكثر من عقدين من الزمان، وهو يقارن بين آيات القرآن والتوراة؛ كي يأتي بشواهد من الآيات على اقتباس القرآن من التوراة، فضلًا عن آيات تؤكّد عدم بعثة الرسول وإنكار نزول الوحي عليه، وكانت حصيلة جهوده كتاب «دراسات قرآنيّة». وكان أهمّ كتب له في تلك السلسلة كتاب «القرآن والكتاب» في ثلاثة مجلّدات، والذي كان الهدف منه إثبات أنّ القرآن مقتبس من التوراة، معتبرًا أنّ مفردة الكتاب في القرآن تشير إلى التوراة[18].

6. أسلوب الاتّباع المفرط للألفاظ وسياق عبارات القرآن (الترجمة الحرفيّة) في الترجمة
ويمكن اتّخاذ ترجمة ريجيه بلاشر الفرنسيّة للقرآن نموذجًا للترجمة الحرفيّة ما يجعل العبارات مبهمة، ويعود ذلك لالتزامه بالعلميّة المفرطة ومقاربة القضايا الدينيّة بلغة الأرقام[19].

7. القرآن وثيقةً تاريخيةً لنبوّة محمّد
يعتبر المترجم الألماني المعروف والباحث في الشأن القرآني رودي بارت من أبرز مترجمي القرآن للغة الألمانيّة؛ إذ نالت ترجمته من الاهتمام ما أعيد طبعها مرّات عديدة في كثير من الدول.

ومن مزايا عمله دقّة فهم الآيات وترجمتها، غير أنّه يرى في القرآن وثيقة تاريخيّة على نبوّة محمّد كما صرّح في مقدّمة ترجمته الألمانيّة وكتابه (كتاب محمّد والقرآن) ويؤكّد على أنّ صعوبة فهم الآيات تنحلّ بالرجوع لسائر الآيات. كما تمتاز تلك الترجمة الألمانيّة بالتركيز على الترجمة الصحيحة من خلال تقديم الإيضاحات وتحاشي استعمال اللغة الأدبيّة والشعريّة على حسابها. وبالرغم من نقاط قوّة الترجمة، إلّا أنّها لا تخلو من نقاط ضعف أيضًا [20].

خلفيّات المستشرقين الإيجابيّة في ترجمة القرآن (آراء المستشرقين الإيجابيّة حول شخصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن)
من بين المستشرقين هناك مجموعة اتّخذت جانب الإنصاف والموضوعيّة في مقاربة الإسلام، ومنهم: توماس كارلايل الإنجليزي، والشاعر الألماني غوته، وجان ديون بارت مؤلّف كتاب «عذر التقصير تجاه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)» والدكتور توماس بالنتين الذي اعتنق الإسلام لاحقًا، وآن ماري شميل، وعشرات الشخصيّات المنصفة الأخرى.

أمّا البروفيسور أربري فيقوم بدراسة ونقد وتحليل ترجمات القرآن للغات الأوروبيّة واستعراض نقاط قوّتها وضعفها.
يقول مارمادوك بيكتال -الأديب الإنجليزي المعروف الذي اعتنق الإسلام لاحقًا- عن القرآن وترجمته:

«إنّ الهدف من تأليف هذا الكتاب (ترجمة القرآن) أن يفهم القارئ الإنجليزي طبيعة إدراك مسلمي العالم لكلمات القرآن وماهية ذلك الكتاب السماوي. ولا يمكن القيام بهذه الحركة «التفهيميّة» بمجرّد استخدام لغة مبتذلة وموجزة وقاصرة، بل ينبغي تبنّي نظرة عميقة تغطّي مساحة تلبية حاجات المسلمين الناطقين باللغة الإنجليزيّة. ولعلّ من المنطقي النقاش بأنّه لا يمكن تقديم كتاب مقدّس والتعريف به بوساطة فرد لا يؤمن به غير مكترث بتعاليم ومحتوى رسالته، لذا يعدّ هذا العمل أوّل ترجمة إنجليزيّة للقرآن قام بها مسلم ناطق بالإنجليزيّة... وهذه الترجمة (الكتاب) حرفيّة تقريبًا، لم أربأ فيها عن بذل أقصى جهد لاختيار أنسب الألفاظ بما يناسب المقام. ولكن مع ذلك كلّه، فإنّ هذه الترجمة لن تكون بمستوى القرآن المجيد الذي يترك تأثيرًا سيمفونيًّا فريدًا يحرّك الأفراد بألحانه وموسيقاه الروحيّة، ويجعل الدموع تسيل من مآقيهم، ويهزّ قلب الإنسان بلحنه المعجز والسماوي...»[21] (أربري، 84-86؛ منافي أناري، 3-4/ 38).

رأي البروفيسور أربري حول ترجمات القرآن
«... ليس من الصعوبة بمكان على الباحث تشخيص الوتيرة المملّة والجامدة لكلّ الترجمات التي طبعت بأسلوبها ترجمات القرون الممتدّة من السابع عشر حتّى العشرين؛ إذ يلاحظ في تلك الترجمات طغيان النزعة العاطفيّة مع إيمان أعمى واستعبادي موجّه للتعامل مع مجرّد ظاهر اللفظ فحسب، ولطالما كانت الضابطة الحاكمة على تلك الترجمات الاكتفاء بالتعامل مع ظاهر الألفاظ وإهمال كلّ ما يتطابق مع عكس روح المعنى...».

ويضيف البروفيسور أربري حول ترجمته: «ما دعاني لاختيار عنوان كتابي «القرآن مترجمًا»، اعتقادي أنّ الكتاب يعتبر جيّدًا ومفيدًا ومناسبًا لفهم رؤية الفرد المسلم العادي، والملتزم والطيب، في سبيل تلبية حاجاته الروحيّة والمعنويّة...».

ويرى بيكتال -رغم إحاطته بالقرآن واللغة- أنّ القرآن عصيٌّ على الترجمة؛ إذ يمتاز بخطاب فريد ولحن عربي خاصّ به، حتّى ليبلغ من القوّة والتأثير؛ بحيث يثير دوافع الإنسان ومشاعره إلى حدٍّ لا يمكن وصفه أو تصوّره، ما يجعل من ترجمته -مهما كانت من القوّة والدقّة والعمق- نسخةً ضعيفةً وباهتة عن نور النصّ الأصليّ... وما دعاني لتقديم ترجمة جديدة له، تعويض النقص الذي عانت منه الترجمات السابقة لناحية إبراز فصاحته وبلاغته ولحنه المسجّع، التي تكشف بمجموعها عظمة ذلك الكتاب وجلاله وعلوّه...

أمّا البروفيسور ألفرد غيوم المتخرّج في جامعة أكسفورد البريطانيّة، فيقول في كتابه «الإسلام» (ط، لندن، 1954م): «القرآن من الكتب العتيقة في العالم والذي لا يمكن ترجمته، وإلّا لَتمّ الإقلال من أهميّته ومكانته كثيرًا؛ فللقرآن لحنه الخاصّ الشجيّ الذي يبعث على موسيقا تؤنس السمع، حتّى مجّد أسلوبه كثير من المسيحيّين العرب، ومدح فصاحته وجماله الأسلوبي العديد من المستشرقين المحيطين باللغة العربيّة وآدابها...[22]».

غنى آيات القرآن معرفيًّا ونورانيّتها من منظور توماس كارلايل
يقول توماس كارلايل حول القرآن: «ترجمة القرآن للّغات الأخرى تُفقِده كثيرًا من جماليّات النصّ العربي القرآني. ولا يمكن لأوروبي أن يستفيد منها كما يفعل القارئ العربي من قراءة النصّ الأصلي؛ فالأوروبي، حين يقرأ صفحات جريدة ما، وهي مكتوبة بأسلوب واضح، يتوخّى تجاوز كثيرٍ من العبارات كي يركّز على المواضيع المفيدة، فكيف بالقرآن الذي تتضمّن كافّة آياته كلّ ما هو مفيد... إنّ آيات القرآن -خلافًا للأحكام الخاطئة التي صدرت حولها من قبل البعض من أمثال برادي- هي شرارات نور أطلقتها روح محمّد الطاهرة في خلواته الساكنة. وطالما خرجت من القلب فهي تمسّ القلب قطعًا» (كارلايل، 83-85).

الاعتراف بالتقصير من مقام محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن من قبل «دافنبورت»
يكتب المستشرق الإنجليزي جون دافنبورت في مقدّمة كتابه القيّم (AN APOLOGY FOR MOHAMMAD AND KORAN) (صدر في العام 1869) ما يلي:

«الدراسة الحالية محاولة لتطهير سيرة محمّد من بقع الاتهامات الكاذبة والافتراءات الظالمة التي ألصقت به، دفاعًا عن صدق دعواه، باعتباره أحد أكبر المصلحين والخيّرين في تاريخ البشريّة... وعلينا اعتباره الشخصيّة الأبرز والشخصيّة الفريدة الوحيدة التي يمكن لقارة آسيا كلّها أن تفتخر بابنٍ مثله...».

أمّا في فصل «القرآن والأخلاق»، فيكتب حول القرآن ما يلي:

«... القرآن هو المثل الأعلى للّغة العربية؛ فهو غنيّ بأزهى أشكال التشبيهات وأكثرها إحكامًا. لم يمنع إبهامه وميله للبسط والتفصيل من إبراز قوّته وتأثيره وعمقه وعلوّه؛ وقد شكّلت بمجموعها تلك المعاني التي جذبت غوته الألماني إليها كي يقع تحت تأثيرها...».
ويضيف: «القرآن مجموعة قوانين تغطّي مساحة واسعة بدءًا من واجبات الحياة اليوميّة حتّى الطقوس الدينيّة، ومن تزكية النفس حتّى المحافظة على الصحّة والسلامة، ومن الحقوق العامّة حتّى الحقوق الفرديّة، ومن المصالح الفرديّة حتّى المصالح العامّة، ومن الأخلاقيّات حتّى الجنائيّات، ومن العقوبات في هذا العالم حتّى الجزاء والحساب في الآخرة».

اعتراف ويليام مونتغمري وات بصدق محمّد حول نزول الوحي

وقد انبرى للدفاع عن الرسولر في كتابه (محمّد في المدينة) ورفض حملات المنظّرين الغربيّين العدائيّة عليه في اتّهامه بصدقه بادّعاء النبوّة ونزول الوحي عليه[23].

أمّا المستشرق والمترجم الفرنسي بارتلمي سنت هيلر، فقد مدح في كتابه «محمّد والقرآن» الذي صدر في العام 1865م الأسلوب القرآني وبيانه المعجز، وأضاف: «إذا ترجم القرآن ذهب القسم الأعظم من ملاحة كلامه وقدرته الخاصّة على التأثير، وأصيب لحن كلامه الموزون الدافئ بالبرود، ومع ذلك تتسلّل أنواره من خلال غيوم الترجمة الداكنة...»[24] .

فرضيّات المستشرقين حول مصدر القرآن
تعدّدت آراء المستشرقين الغربيّين حول تحديد منبع القرآن ومصدر آياته، يمكن إيجازها بالآتي:

1. وحيانيّة القرآن
صرّح بعض المستشرقين الغربيّين من أمثال: الدكتور موريس بوكاي الفرنسي، جان دافنبورت الإنجليزيين، بأنّ الوحي الإلهي هو مصدر القرآن، وقد نزل على الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بوساطة جبريل. وقد اعتنقت هذه الفئة الإسلام نتيجة ما توصّلوا إليه حول القرآن والرسول بعد دراسات معمّقة.

2. إلهيّة القرآن دون وحيانيّته
أيّدت مجموعة أخرى من الباحثين القرآنيّين غير المسلمين من أمثال: البروفيسور هنري كوربن، الفرنسي شايغان، إيزوتسو الياباني، توماس كارلايل الإسكتلندي، وجرجي زيدان المسيحي، أنّ معارف القرآن وتعاليمه من العلوّ والرقيّ والمطابقة مع التعاليم الإلهيّة بحيث تدفع للجزم بارتباط ذلك الكتاب بالله والسماء، ما أنقذ عرب الجزيرة في البداية، وكان عاملًا لسعادة مليارات المسلمين طوال التاريخ. إلّا أنّهم تحاشوا التصريح بنزول الوحي على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ما دعاهم لعدم التسليم بوحيانيّة القرآن، ولم يعترفوا بالإسلام كآخر الأديان السماويّة، وبالتالي لم يعتنقوا الإسلام كسابقيهم.

3. نظريّة النبوغ
رفض مجموعة أخرى من المستشرقين تقبّل قضيّة وحيانيّة القرآن وإلهيّته، لكنّهم اصطدموا بواقع جامعيّة المعارف القرآنيّة في كلّ أبعاد حياة البشر ما يفوق طاقات البشر وقدراتهم العقليّة، وذلك من شخصٍ أمّيٍّ وسط جزيرة العرب المتخلّفة، ما اضطرّهم لطرح نظريّة النبوغ؛ فتعاملوا مع الرسول باعتباره نابغة بل أعظم نوابغ التاريخ البشري، ولهذا استطاع دون مدد سماوي أن يؤسّس لثاني أكبر دين عالمي يلبّي حاجات أتباعه قانونيًّا وعقديًّا.
ومن هؤلاء المستشرقين من فرضت عليه قلّة المصادر المتاحة التوصّل إلى هذه النتيجة، علمًا أنّ أعمالهم تتميّز بأسلوب ناقد منحاز حيالَ التعامل مع وحيانيّة القرآن.

بينما هناك فئة أخرى مغرضة تجاهلت عمدًا كلّ الأدلّة والإثباتات على وحيانيّة الكتاب وسماويّته؛ لعدم تحمّلهم أن يأتي شخص أمّيّ بكل تلك المعارف التي أثبتت بطلان التوراة والإنجيل وخرافيّتهما...[25].

خدعة تبديل اسم دين الإسلام بالمحمّديّة
سعى بعض المستشرقين لاستبدال اسم الإسلام بالمحمّديّة؛ وذلك للإيحاء بأنّ تعاليم الإسلام ليست سوى تعاليم محمّد الشخصيّة، وقد تفتّقت من بنات أفكاره تحاشيًا لربط الإسلام بالوحي وتبريرًا لإلصاق التهم والافتراءات الواهية بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويشير إدوارد سعيد لذلك الأسلوب والغاية منه، بالقول: «دعوا الإسلام باسم «الدين المحمّدي»[26] أو «المحمّديّة (MOHAMMAIANISM)»[27]...

مجموعة عناوين كتب بعض المستشرقين في ردّ نبوّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ووحيانيّة القرآن
the Originality of the Arabian Prophet. By: Fueck.
Mohamad, the Man and his Faith. By: to Andrea.
The Influence of Islam on Medieval Europe. By: Watt.
Western Views of Islam in the Middle. By: southern.
The Problem of Mohammed. By: Blachere.
Mohammad. By: M. Cook.
Mohammadism. By: H. A. Gipp.
Muslim Studies. By: ignaz Goldziher.
New Light on the life of the Mohammad. By: Guilume.
Mohammad. By: MaximeRodison.
The Origins of Islam in the Christain Environment. By: Bell.
The Jewish Foundation of Islam. By: Torre. N.Y.M.
Die biblischenErazblungen in Qoran. By: Speyer.

4. اقتباس القرآن من التوراة والكتب السماويّة السابقة
حاول بعض المستشرقين الفرار من الاعتراف بوحيانيّة القرآن نتيجة جامعيّة معارفه، فطرحوا احتمال اقتباس القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة، وعملوا على استخراج الشواهد التي تؤيّد رأيهم، ووضعوا الكتب والمقالات في هذا الخصوص؛ إذ قضى الباحث اللبناني المسيحي يوسف درّة حدّاد أكثر من عقدين من الزمان بحثًا عن الشواهد والأدلّة من النصّ القرآني لإثبات تلك النظريّة، فألّف 8 كتب في هذا الخصوص[28].

5. ثقافة العصر
سعى عدد من المستشرقين أن يربطوا مصدر القرآن وآياته بالثقافات والعقائد والتقاليد والأديان والمعارف، التي كانت سائدة في الجزيرة العربيّة بالتزامن مع حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هناك.

وقد ادّعوا أنّ الرسول استطاع بذكائه ونبوغه الخارق أن يجمع ما بقي من تعاليم الأديان والعقائد السالفة من توحيديّة وغيرها، بعد أن تعلّمها؛ ليقوم بإعادة تنظيمها وترتيبها وإصلاحها كي يخرجها باسم دين جديد سمّاه الإسلام.

وقد تبنّى عدد من الكتّاب المسلمين تلك النظريّة، وروّجوا لها باسم التجديد الديني، فعملوا على إثبات موقفهم من خلال الاستناد لبعض الآيات القرآنيّة، غافلين عن أنّهم بمسعاهم ذلك يستأصلون شجرةً يجلسون على أحد أغصانها[29].

الخاتمة
1. لقد دخلت حركة ترجمة القرآن ضمن المخطّط الغربيّ الذي يهدف إلى ترجمة الجوانب التي يراها مشرقة في تراثنا الفكريّ والعقديّ والحضاريّ، وذلك باسم المنهج العلميّ وخدمة الحقيقة العلميَّة، ولكنَّ هذا الاتِّصال العلميِّ العميق بالإسلام حضارةً وعقيدةً وشريعةً وتراثًا لم يكنْ له تأثيرٌ عميقٌ في تغيير النظرة الغربيَّة للصورة العقديَّة أو الإلهيَّة أو التاريخيَّة للإسلام، بل على العكس من ذلك، زاد هذا الاتِّصال في تعميق كراهة وسخط الغرب من الإسلام، فتفنَّنوا في ابتداع الوسائل والإمكانيَّات لمحاربته، وكأنَّما تلك الدراسات للإسلام وُضعت لخدمة تلك الإمكانيَّات والوسائل»[30].
2. لم يكنْ الهدف المبتغى والرئيس من ترجمة معاني القرآن الكريم عند المستشرقين -دائمًا- هدفًا علميًّا ومنهجيًّا وأكاديميًّا ومعرفيًّا وثقافيًا فحسب، بل كانت هناك أهدافٌ دينيَّةٌ، ولاهوتيَّةٌ، وتبشيريَّةٌ، وتنصيريَّةٌ، واستعماريَّةٌ، وبراجماتيّة.
3. هناك نوعان من الترجمة الإنجليزيّة للقرآن: الترجمة المعنويّة التي تعتمد على النثر العتيق وكثافة المحسّنات اللفظيّة والتعابير المستدقّة، والترجمة التواصليّة التي تتيح نقل القرآن للّغة الإنجليزيّة المعاصرة والإعلاميّة البسيطة.
4. من خلفيّات المستشرقين السلبيّة في ترجمة القرآن: التأثّر بتعاليم الكنيسة والكتاب المقدّس، عدم إلهيّة القرآن واختلاقه من قبل محمّد، خرافيّة بعض قصص القرآن، إملال النصّ القرآني وإبهامه، تعلّم الرسول واقتباسه القرآن من العهدين، القرآن مجرّد وثيقة تاريخيّة على نبوّة محمّد، خشونة أحكام القرآن، تعارض بعض نصوص القرآن مع العلم، الإساءة للمرأة في القرآن، دعم القرآن للعبوديّة.
5. من خلفيّات المستشرقين الإيجابيّة في ترجمة القرآن: غنى الآيات القرآنيّة معرفيًّا ونورانيّتها، القرآن هو المثل الأعلى للّغة العربيّة وجامع للمعارف الإلهيّة والأخلاقيّة والقوانين المنظّمة لحياة البشر، صدق محمّد في ادّعاء نزول الوحي القرآني عليه.
6. من فرضيّات المستشرقين حول مصدر القرآن: وحيانيّة القرآن، إلهيّته دون وحيانيّته، نظريّة النبوغ، اقتباس القرآن من التوراة والكتب السماويّة السابقة، ثقافة العصر.

لائحة المصادر والمراجع
ألف. الكتب
1- القرآن الكريم.
2- أربري، أرتور جان، خدمة وخيانة المترجمين للقرآن (نقد أداء المترجمين الأوروبيين)، ترجمة وتحقيق: محمّد رسول دريايي، طهران، 1383ش.
3- تاريخ الإسلام، ترجمة أحمد آرام، طهران، 1378ش.
4- سلماسي زادة، جواد، تاريخ ترجمة القرآن في العالم، طهران، 1369ش.
5- زماني، حسن، المستشرقون والقرآن، قم، 1385ش.
6- بورت، جان ديون، عذر التقصير من محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن، ترجمة: غلام رضا سعيدي، قم، 1374ش.
7- وات، ويليام مونتغمري، محمّد في المدينة، تعريب: شعبان بركات، بيروت، لا تا.
8- شایگان، داريوش وبرهام، باقر، هنري كوربان، طهران، 1371ش.
9- سعيد، إدوارد، الاستشراق، ترجمة: عبد الرحيم ، طهران، 1371ش.

ب. مجلّات
1. عبد الرؤوف، حسين، دراسات في الترجمة القرآنيّة (ترجمه پژوهی قرآنی)، ترجمة: بهاء الدين خرمشاهي، ترجمان وحي، العدد 1، السنة 9.
2. بل، ريتشارد، مقدّمة على ترجمة القرآن، مراجعة ويليام مونتغمري وات، ترجمة: بهاء الدين خرمشاهي، ترجمان وحي، العدد 2، السنة 1.
3. مقدّمة على ترجمة القرآن، مراجعة ويليام مونتغمري وات، ترجمة: بهاء الدين خرمشاهي، ترجمان وحي، العدد 2، السنة 5.
4. إ.ر. قدواني، موجز معجم الترجمات الإنجليزيّة للقرآن الكريم، ترجمة: علي حقّي، العدد 10، السنة 3.
5. حديدي، جواد، نقد على ترجمة بلاشر، ترجمان وحي، العدد 2، السنة 1.
6. منصوري، مسعود، نظرة على بعض نقاط قوّة وضعف، ترجمة: رودي بارت، ترجمان وحي، العدد 2، السنة 4.
7. منافي أناري، سالار، نظرة على الترجمات الإنجليزيّة للقرآن الكريم، ترجمة، العددان 3 و4، السنة 2.

---------------------
[1]*- باحث في الدراسات القرآنية، إيران، ـ ترجمة: علي فخر الإسلام.
[2]- سورة يوسف، الآية 2.
[3]- سورة الزخرف، الآية 3.
[4]- ومن بين  هؤلاء روبيرت كيتون (Robert Ketton) الذي ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينيّة لخدمة نوايا الفاتيكان، وألكسندر روس (Alexander Ross)  الذي ترجم القرآن الكريم سنة 1649م، وجورج سيل (G. Sale) الذي أصدر ترجمة مغرضة للقرآن الكريم سنة 1734م، ونقلها مباشرة عن اللغة العربيَّة، وقال في مقدِّمة الترجمة:»أمَّا أنَّ محمّدًا كان في الحقيقة مؤلِّف القرآن، والمخترع الرئيس له، فأمر لايقبل الجدل، وإنْ كان من المرجَّح-مع ذلك- أنَّ المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطَّته هذه لم تكن معاونة يسيرة. وهناك ترجمات إنكليزيَّة أخرى مغرِضة؛ كالترجمة التي قام بها جون رودويل (John Rodwell) سنة 1861م، وبالمر (E. H. Palmer) التي أنجزها سنة 1880م.وتتَّسم هاتان الترجمتان بكثرة الأخطاء في الترجمة، والتأويل المضلِّل والمغرض البعيد عن العلميَّة الموضوعيَّة.وساهم ريشارد بيل (Richard Bill) بدوره، في ترجمة القرآن الكريم ودراسته ما بين 1937و1939م.بيد أنَّ ترجمته كانت مضلِّلة ومغرضة؛ كباقي المستشرقين الإنكليز الآخرين؛ حيث صرَّح في مقدِّمة ترجمته بأنَّ محمَّدًا اعتمد في كتابته للقرآن على مصادر يهوديَّة ونصرانيَّة. وبعد ترجمة ريشارد بيل سنة 1937م، يمكن الحديث عن ترجمة إنكليزيَّة معاصرة أخرى للقرآن الكريم هي ترجمة أرتور جون آربيري (Arthur John Arberry) سنة 1950م، وترجمة داود (N. J. Dawood) سنة 1956م.وظهرت ترجمة إنكليزيّة معاصرة للقرآن الكريم سنة 1910م لميرزا أبو الفضل (MirzâAbolfazl)، بعنوان:(The Qur’an)، وهي ترجمة جديدة وجيّدة.
ومن جهة أخرى، ساهم كثير من المترجمين العرب، بعد هجرتهم إلى الدول الأنجلوسكسونيَّة، في نشر ترجماتٍ إنكليزيَّة للقرآن الكريم؛ فقد ظهرت سنة 1917م ترجمة أحمدي مولانا محمَّد علي، ونشرت الثانية سنة 1930م من قبل الإنكليزيّ الشهير باسم محمَّد مارمدوك بيكتايل (Mohammad Marmaduke Pickthail)، ولقد انتهى عبد الله يوسف علي سنة 1934م من ترجمةٍ للقرآن باللغة الإنكليزيَّة، وكانت تتميَّز بكثرة الشروح؛ ما جعلها ترجمةً مشهورةً في الأوساط الإنكليزيَّة، وهناك ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيَّة قام بها عبد اللطيف السيّد (Seyed ’AbdolLatif) سنة 1967م.وبعد ذلك، ظهرت ترجماتٌ عدَّة للقرآن الكريم في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وكندا قام بها كلٌّ من: هاشم أمير علي (1974م)، ومحمَّد أسد (1980م)، وأحمد علي (1984م)، والمسلم الكندي إريفينغ (T. B. Irving) (1985م)، ومحمَّد خليل الرحمن (1990م)، وهلالي خان (1996م)، والمترجم الإيرانيّ-الأمريكيّ لاليه باختيار (LâlehBakhtiâr).
[5]- حسين عبد الرؤوف، 1/ 73-74.
[6]- أربري، تاريخ الإسلام، 64.
[7]- أربري، خدمة وخيانات مترجمي القرآن، 31.
[8]- م.ن، 30-32.
[9]- م.ن، 34-36.
[10]- م.ن، 37-39.
[11]- أربري، خدمة وخيانات مترجمي القرآن، 44-47.
[12]-م.ن، 60.
[13]- م.ن، 61-62.
[14]- كما ورد في الآية 5 من سورة الفرقان حين اتهموا الرسول بالافتراء. وقد استعملت تلك العبارة في القرآن 9 مرّات. ويظهر من ترجمة ريتشارد بيل أنّه اعتبر تلك الآيات خاصّة بمطالع العهد المدني حيث كان يستعملها اليهود أحيانًا. إلا أنّ هناك بعضًا منها استعمل في العهد المكّي. لمزيد من المعلومات راجع ذلك المصطلح في كتاب «المفردات الدخيلة في القرآن» لآرثر جيفري.
[15]- ريتشارد بل، 2/ 87-89.
[16]- أربري، خدمة وخيانة مترجمي القرآن، 50.
[17]- م.ن، 51.
[18]- زماني، حسن، المستشرقون والقرآن، قم، 1385ش، ص87.
[19]- اكتفينا في هذا العنوان بما يناسب محور البحث المتمثّل بمقاربة الترجمات الإنجليزيّة للقرآن.
[20]- تمّ الاكتفاء من هذا العنوان بما ذكر أعلاه لتمحور البحث حول الترجمات الإنجليزيّة للقرآن.
[21]- أربري، 93-95؛ منافي أناري، 3-4/ 38-39.
[22]- سلماسي زادة، 47-48.
[23]- وات، 493-495.
[24]- سلماسي زادة، 66-67.
[25]- زماني، 128-129.
[26]- إدوارد سعيد، 114.
[27]- نقلًا عن: نورمن دانيل، «الإسلام والغرب، تبلور صورة»، منشورات إدينبورغ؛ وجيمز كورتيزي، «بطرس المقدّس والإسلام».
[28]- زماني، 142-143.
[29]- م.ن، 165-166.
[30]- خروبات، محمَّد: الاستشراق والعلوم الإسلاميَّة بين نقلانيَّة التأصيل وعقلانيَّة التأويل، مراكش، ط1، المطبعة والوراقة الوطنيَّة، 2017م، ص359.