البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حاضرة تِنْبُكْتُ في نهاية القرن التاسع عشر من خلال الكتابات الفرنسيّة (مونوغرافيّة الأب أوگوسطان بروسبير هاكار نموذجًا)

الباحث :  د. عادل بن محمّد جاهل
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  28
السنة :  خريف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 31 / 2021
عدد زيارات البحث :  31
تحميل  ( 503.145 KB )
الملخّص[1]
امْبُكْتُو أحد أشهر المدن في غرب أفريقيا خاصّة منذ القرن الثالث عشر، وأهمّ العواصم الإسلاميّة، وسكانها جميعهم مسلمون، سُمّيت قديمًا تنبكت، وتلقّب بجوهرة الصحراء المتربّعة على الرمال، وهي بوّابة بين شمال أفريقيا وغرب أفريقيا، وملتقى القوافل التجاريّة البريّة، أنجبت العديد من الفقهاء والعلماء، وازدهرت فيها الحركة الثقافيّة، وتعاقب عليها الغزاة، وآخرهم الفرنسيّون الذين قاومتهم قبائل المنطقة. واحة تمبكتو هي حاضنة الإسلام في الصحراء الكبرى، ومنارة للعلم فيها ومجمع العلماء، وتُعتبر (مونوغرافيّة تنبكت) للأب والمستكشف أوگوسطان بروسبير هاكار، من بين الشواهد المصدريّة الفرنسيّة، التي أرّخت لحاضرة تنبكت وباديتها، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
يستعرض الباحث في هذه الدراسة الصور التي رسمها الأب والمستكشف الفرنسي أوگوسطان بروسبير هاكار عن حاضرة تنبكت وباديتها. ويجيب عن سؤال: هل تمكّن أوگوسطان من تشخيص الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والديني والعمراني لهذه الحاضرة.

المحرِّر

----------------------------
مقدّمة
يبدو أنّ أغلب الرحّالين والمستكشفين والعسكريّين الفرنسيّين، الذين جابوا مجاهل حاضرة تنبكت، «جوهرة الصحراء الكبرى»، و «قلب بلاد السودان الغربي»، على الأقلّ منذ عشرينيّات القرن التاسع عشر، كانت المغامرة، وارتياد المجهول، واكتشاف العجيب والغريب، والتنقيب عن الطريف والمدهش، والخروج عن المألوف، والبحث عن الثراء السريع، والرغبة في الحصول على جائزة خاصّة، من الغايات الرئيسة، التي دفعتهم إلى التنقّل إلى عين المكان، متجشّمين عناء السفر في البرّ والبحر، ومخاطرين بأرواحهم وأجسادهم، أملًا منهم في تحقيق بعض المكاسب المادّيّة والمعنويّة والرمزيّة. وعلى هذا الأساس، وانطلاقًا من تلك الدواعي، وصل إلى حاضرة تنبكت، الحاضرة التي كانت تكتسي في مخيّلة الأوروبيّين بشكل عام طابعًا غرائبيًّا، جمهرة كبيرة من المغامرين والمدنيّين الفرنسيّين، الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم، ومنهم أيضًا المستكشفون والرحّالة المحترفون، الذين اعتادوا على الرحلة وركوب الأمواج، ومنهم رجال الدين، الذين رغبوا في القيام بنشر رسالة المسيح وتعاليم الإنجيل، ومنهم رجال العلم، حملة الريشة والقلم، الذين استهوتهم الأبحاث عن الغريب في الطبيعة والإنسان. ونجد من بين هؤلاء المستكشفين أيضًا، الضباط العسكريّين، الذين عملوا على إعداد معرفة جغرافيّة، ورصد أحوال المنطقة والساكنة، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والبيانات، مهما بدت صغيرة وتافهة، تمهيدًا لغزو قد يأتي لا محالة، ومنهم المستكشف بالمصادفة، الذي وصل إلى المنطقة، بكيفيّة أو بأخرى، فاستهوته مجاهل حاضرة تنبكت، حاضرة «العجائب» و «الغرائب»، فحرّر على إثرها ارتسامات وخواطر وانطباعات مرتبطة بالمجال والإنسان التنبكتي.

علاوة على ما تقدّم، نجد أنّ أغلب هؤلاء الرحّالين والمستكشفين والعسكريّين الفرنسيّين، قبل أن تطأ أقدامهم حاضرة تنبكت، كوّنوا عنها خلفيّة تاريخيّة وجغرافيّة ودينيّة دقيقة؛ إذ درسوا الثقافة الإفريقيّة، بأبعادها المختلفة، بل أكثر من هذا، تعلّموا اللهجات المحلّيّة، والعلوم الإسلاميّة، وعادات السكان المحلّيّين؛ وذلك كلّه، من أجل تسهيل مأموريّتهم، والنجاح في مهمّتهم. وانطلاقًا من ذلك، تمكّن هؤلاء الرحالين والمستكشفين والعسكريّين الفرنسيّين، من جمع كمٍّ هائل ومهمّ من الأخبار والبيانات القيّمة، عن: الوضعيّة السياسيّة، والعسكريّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، لحاضرة تنبكت وباديتها، خلال طيلة الشهور والسنوات التي قضوها فيها، قصد التقصّي والاستخبار عن جزء مهمّ واستراتيجيّ من بلاد السودان الغربي. في المقابل، واجه هؤلاء المستكشفين والرحّالين والعسكريّين الفرنسيّين، في أثناء تسلّلهم للحاضرة المذكورة، أو في أثناء إجرائهم لبحوثهم الميدانيّة فيها، صعوبات وعراقيل ومشقّات عديدة، إذ إنّ بعضهم تعرّض للأسر، والإغارة، والسرقة، والموت، والجوع، والعطش، ومنهم أيضًا من واجه الحرارة المفرطة، وضربات الشمس الحارقة، والزوابع الرمليّة والغباريّة، والرياح الجافّة والساخنة، والمرض، والأوبئة، وطول مسافة السفر، وعدم وضوح معالم الطريق، ولسعات العقارب المميتة، ولدغات الحيّات والأفاعي القاتلة. وكيفما كان الحال، ورغم الصعوبات والمشاق والعقبات، الطبيعيّة والسوسيو ثقافيّة، الكثيرة والمتنوعة، التي اعترضت هؤلاء الرحّالين والمستكشفين والعسكريّين الفرنسيّين، إلّا أنّهم تمكّنوا جميعهم من تقديم مادّة معرفيّة أولّيّة، عمّا شاهدوه وسمعوه وعاينوه، عن شؤون وأوضاع هذه الحاضرة الإفريقيّة المجهولة، وغير المعروفة لديهم سكانًا وقبائل وشيوخًا، خاصّة وأنّ هذا المجال يُعتبر من المجالات التي لم يتيسّر للرواد والمستكشفين الفرنسيّين الأوائل زيارتها، ومعرفة تفاصيل أحوالها وشؤونها عن قرب.

وتُعتبر (مونوغرافيّة تنبكت) للأب والمستكشف أوگوسطان بروسبير هاكار، من بين الشواهد المصدريّة الفرنسيّة،التي أرّخت لحاضرة تنبكت وباديتها، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، خاصّة لما لهذه المرحلة من أهميّة قصوى، من الناحية التاريخيّة، إذ تميّزت بتسارع الأحداث وتلاحق الوقائع، إضافة إلى ما كان لها من تأثير كبير، في توجيه تاريخ هذه الحاضرة السودانيّة، وإحداث تحولّات كان لها وقع عميق في بنياتها المختلفة، سواء من الناحية السياسيّة، أو الاجتماعيّة، أو الاقتصاديّة، أو الدينيّة، أو الديموغرافيّة. وهكذا تضمّنت المونوغرافيّة المذكورة، معلومات ومعطيات وإيماءات، تُعتبر بحقّ نادرة وثمينة، بل ومثيرة، وقلّما تلتفت إليها المصادر المحليّة السودانيّة، المتميّزة بالشحّ والابتسار على صعيد عناصرها الإخباريّة، وهي خصّيصة، تشترك فيها كلّ المجالات الصحراويّة البدويّة، والتي تتميّز بضعف التدوين وقلّة المكتوب[2]. وفي مقابل تأخّر انتشار ثقافة التدوين وتقاليده في البلاد المذكورة، نجد غلبة الثقافة والرواية الشفهيّة، التي تتوارثها الأجيال الإفريقيّة أبًا عن جد، في أحايين كثيرة جدًّا، خارج سياقاتها الطبيعيّة زمنًا وموضوعًا، الشيء الذي يجعل من المستحيل أمام هذه الوضعيّة الإسطوغرافيّة المحدودة والهزيلة، تكوين صورة متكاملة وشاملة، حول تاريخ هذه المناطق الأفريقيّة وحضارتها، بدقّة وموضوعيّة. وهكذا يمكن اعتماد هذه النوعيّة من الكتابات الأجنبيّة، كبديل ومنطلق أساسي في إعادة تركيب جزء من أحداث الماضي التنبكتي بشكل خاصّ، وأفريقيا الغربيّة بشكل عام، خلال الحقبة التاريخيّة المذكورة أعلاه؛ وذلك بعد تمحيص تلك الشهادات المصدريّة الأجنبيّة، والتدقيق فيها، وفق منهج علمي صارم، وواضح المعالم؛ قصد استخلاص الجيّد، والاستفادة منه، وطرح الرديء، والتخلّص منه.

إذًا، ما هي الصور التي رسمها الأب والمستكشف الفرنسي أوگوسطان بروسبير هاكار عن حاضرة تنبكت وباديتها؟ وإلى أيّ حدّ تمكّن من تشخيص الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والديني والعمراني للحاضرة المذكورة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر؟.

أوّلًا: التعريف بالأب أوگوسطان بروسبير هاكار ومونوغرافيّته
1- من هو الأب أوگوسطان بروسبير هاكار؟
ولد الأب أوگوسطان بروسبير هاكار في فرنسا، يوم 18 شتنبر 1860م، وتحديدًا في قرية ألبيرسطروف، التابعة لمقاطعة نانسي، الواقعة في إقليم اللورين[3]، استهلّ دراسته الابتدائيّة في قريته المذكورة، وبعد ختمه لدراسته فيها عام 1873م، التحق بمدرسة بونت-أ-موسون في حلقة دراسيّة صغرى، قبل أن يلتحق سنة 1877م بحلقة دراسيّة كبرى في نواحي مدينة نانسي، وفي سنة 1878م قدّم طلبًا للقبول في الجمعيّة الإفريقيّة للمبشّرين (الآباء البيض)، التي أسّسها الكاردينال شارل مارتيال لافيجوري في الجزائر عام 1868م[4]، ورغم عدم موافقة والد هاكار في الانضمام إلى الجمعيّة المذكورة، سافر في مطلع شتنبر 1878م إلى مارسيليا، ثمّ إلى مدينة الحراش، القريبة من مدينة الجزائر العاصمة، وفيها تولّى وظيفة التدريس، ما بين سنوات 1881م و1883م، وبالضبط في معهد قرطاج، وبموازاة مع ما تقدّم، تفيد بعض الجزئيّات المصدريّة أنّ هاكار تمّت المناداة عليه في 8 شتنبر 1884م، لتولّي مهمّة التدريس، لكن هذه المرّة في مدرسة سانت أوجين بالجزائر العاصمة، وفي فترة جدّ قصيرة تمّ تعيينه أيضًا محافظًا للدروس في المدرسة الآنفة الذكر نفسها، وهكذا شرع يحضّر لامتحانات التاريخ، في كلّية إيكس أون بروفانس، وبها حصل في 28 يوليوز 1884م، على شهادة الإجازة بميزة (حسن)، محقّقًا بذلك الرتبة الأولى في فوجه، وبعد هذا التفوّق الواضح، طلب منه الكاردينال لافيجوري، إعداد أطروحة دكتوراه في موضوع (أفريقيا المسيحيّة القديمة)[5].

إضافة إلى هذا وذاك، أسند الكاردينال لافيجوري في سنة 1891م لهاكار، مهمّة رئاسة هيئة دينيّة وعسكريّة حديثة التأسيس، في مدينة بسكرة الجزائريّة، هذه الهيئة أُطلق عليها اسم (رهبان الصحراء المسلّحون)، وقد أخذت هذه المؤسّسة على عاتقها، مهمّة محاربة الاسترقاق، ومكافحة الاتجار في العبيد، وأيضًا استقبال كلّ العبيد الفارّين من أسيادهم في المدينة المذكورة، ونتيجة ذلك تمكّن هاكار من خلق علاقات جيّدة ومتينة مع الجنود الفرنسيين، أو مع أهالي تلك المناطق[6]، ونلاحظ من جهة أخرى، أنّ هاكار سرعان ما استبدل بطريقة أو بأخرى، العلم والرهبنة بالاستكشاف والمغامرة، وهكذا أضحى يوجّه اهتمامه بشكل كبير نحو اكتشاف مجاهل ومفاوز بلاد السودان الغربي، في إقبال نادر، ورغبة جامحة، واندفاع غريب؛ بقصد الاستخبار والتقصّي، وتجميع معلومات تهمّ بالأساس الميادين: العسكريّة، والدينيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، لذلك أسندت إليه الدوائر الاستعماريّة الفرنسيّة في 12 يناير 1894م، مهمّة استكشاف بلاد التوارگ، هو ومجموعة من الرهبان، خاصّة وأنّ الأخير كان يجيد اللغة العربيّة ومختلف اللهجات المحليّة، منها على سبيل المثال لا الحصر، لهجة التماشق التوارگية، إضافة إلى طريقته الخاصّة والفريدة في التعامل مع الساكنة المحلّيّة[7]، وقد حقّقت هذه البعثة كلّ الأهداف التي سُطّرت لها، وهي كشف اللثام عن خيرات وثروات، ومكنونات وخبايا، مجال ومجتمع بلاد السودان الغربي المراد الانقضاض والسيطرة عليه، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «مرحلة التأسيس للغزو، وتعبيد الطريق أمامه»، وفي الاتجاه ذاته، قام هاكار برحلة استكشافيّة أخرى، في 25 دجنبر 1894م، مع بعض الرهبان البيض، من أجل تعميق البحث حول بعض الحواضر الأفريقيّة، وتحديدًا حاضرة تنبكت وباديتها، وبعض المناطق القريبة منها، مثل: موبتي، وجني، وباندياگارا، وسانسانديگ، إضافة إلى حوض النيجر والداهومي العليا، وغيرها من المناطق الأفريقيّة الأخرى.

توفّي الأب هاكار المعروف لدى سكّان حاضرة تنبكت باسم (عبد الله)، في أوج عطائه العلمي والتبشيري، يوم الخميس 4 أبريل 1901م، في ظروف تكاد تبدو غامضة ومبهمة، بيد أنّ بعض المؤشّرات المصدريّة البريطانيّة، تُبيّن بجلاء أنّ الرجل توفّي غريقًا في منطقة سيگو بحوض النيجر، في أثناء قيامه بالاستحمام أو السباحة هناك[8]، كما أنّ جثّته لم يُعثر عليها أبدًا، وهكذا فقدت الدوائر الاستعماريّة والاستكشافيّة الفرنسيّة وقتذاك، أحد أقطابها الكبار في بلاد السودان الغربي[9]، كيف لا؟ وهو الذي غامر بحياته مرارًا وتكرارًا من أجل نشر تعاليم المسيحيّة في حاضرة تنبكت وما يليها، وتسجيل معلومات تهمّ تقاليد وشعوب هذا الجزء من أفريقيا الغربيّة، وضبطها في عين المكان، ونتيجة ذلك، تمكّن من إنجاز أعمال تاريخيّة وجغرافيّة دقيقة، وبحوث دينيّة وأنثروبولوجيّة قيّمة، عن أهمّ المجالات والحواضر الإفريقيّة، وعلى وجه الخصوص حاضرة تنبكت وباديتها.

2- مونوغرافيّة تنبكت (قراءة في قيمتها العلميّة، ومكانتها التاريخيّة)
تُعتبر (مونوغرافيّة تنبكت) لأوگوسطان بروسبير هاكار، من بين الأعمال التاريخيّة والإثنوغرافيّة والاجتماعيّة، العظيمة القدر والأهميّة، حول أهمّ وأعرق حاضرة في بلاد السودان الغربي (تنبكت)، خاصّة وأنّ صاحب التأليف أرّخ للحاضرة المذكورة، في فترة كانت حبلى بأحداث جسام، لعلّ أبرزها الهجمة الإمبرياليّة الأوروبيّة الشرسة على أفريقيا الغربيّة، وما يزيد من أهميّة هذه المونوغرافيّة، هي الطريقة والمنهجيّة التي اعتمدها المؤلِّف، في أثناء تحرير صفحاتها ومضامينها، والقائمة أساسًا على المشاهدة المباشرة، والوصف الدقيق لأحوال مجتمع حاضرة تنبكت، التي زارها المستكشف وخبر شؤونها عن قرب، ويكفي أن يلقي المرء إطلالة سريعة على مضامين المونوغرافيّة، ليتأكّد عن كثب من جودة المواضيع التي عالجها صاحب التأليف، بأرقى أساليب التعبير، لذلك ليس غريبًا إذا لاحظنا أنّ الدوائر الاستعماريّة الفرنسيّة تنعته بـ «الرجل الذي يعرف جيّدًا خبايا السودان الفرنسي»[10].

لعلّ ما يسترعي الانتباه، في هذا الصدد، هو أنّ مونوغرافيّة الأب هاكار، تعتبر فريدة في بابها، متميّزة على غيرها، إذ لم تكن ممزوجة بالخيال والسذاجة، كما لم يغلب عليها روح المغامرة والإثارة، ولم يكتنفها الكثير من الغموض، غموض حاضرة تنبكت، عندما حاول الروّاد الأوائل اقتحامها أو الكتابة عنها، وينبغي ألّا يغيب عن الأذهان، في هذا السياق، أنّ صاحب المونوغرافيّة كان خبيرًا ومتمكّنًا من مادّته المعرفيّة، عارفًا بخباياها، سابرًا لأغوارها، كيف لا؟ والمؤلِّف «كان على دراية تامّة بالبيظان وبعادات التوارگ ويجيد مختلف اللغات واللهجات التي يستعملها ساكنة السودان»[11]. على أنّ ما يسترعي انتباهنا أكثر، في هذا الباب، هو أنّ هذه المونوغرافيّة رغم أنّه تمّ تأليفها بتوجيه خاصّ من طرف الدوائر الاستعماريّة والجغرافيّة الفرنسيّة، إلّا أنّها تحمل في طيّاتها ومضامينها نسبة كبيرة من الدقّة والموضوعيّة، عكس بعض الكتابات الأجنبيّة الأخرى، التي غابت الحقائق عنها، أو غيّبتها عن عمد أو قصور، لدواع إمبرياليّة مكشوفة، أملتها الظرفيّة والمرجعيّة الاستعماريّة، الشيء الذي جعلها، بكيفيّة أو بأخرى، تسقط في الكثير من التناقضات والمزالق العلميّة، إضافة إلى تكريسها تلك النظرة الاستعلائيّة النمطيّة المتحاملة المبنيّة على التفوّق الغربي، وعلى هيمنة الحضارة الغربيّة الرأسماليّة، وكلّ ذلك من أجل خدمة أجندة «الاحتلال» و «الاستغلال»، إذ صوّرت الساكنة المحلّيّة، كأجناس «متوحّشة» و «همجيّة» تارة، و «رجعيّة» و «متخلّفة» تارة أخرى، تعيش خارج نطاق التاريخ، وتفتقد إلى الحضارة والمدنيّة، وبالتالي، وجب إخراجها من عتمة البدائيّة إلى دائرة ضوء الحضارة الأوروبيّة المتقدّمة.

الملاحظة الرئيسة التي لا بدَّ من إبرازها هنا، هي أنّ مونوغرافيّة تنبكت، هي عبارة عن تحرّيات وأبحاث ميدانيّة دقيقة، وفي عين المكان، كما استغلّت أيضًا مجمل الروايات الشفهيّة المتواترة، ممّن لهم خبرة وتجربة في المجال والإنسان التنبكتي، أجانب كانوا أم من الأهالي، الشيء الذي جعل من هذه المونوغرافيّة، عبارة عن تسجيلات وثائقيّة، تُصوِّر بدقّة متناهية ما يثير الملاحظة حقًّا، بحيث قلّما نجد لها نظيرًا في باقي مصادر تاريخ بلاد السودان الغربي، سواء المحليّة منها أو الأجنبيّة، لكنْ، ورغم أهميّة هذا المصنّف المونوغرافي في التأريخ لحاضرة تنبكت وباديتها بشكل خاصّ، وبلاد السودان الغربي بشكل عام، إلّا أنّنا نجد هذا التراث العلمي، ظلّ لحقبة طويلة مغمورًا، خامل الذكر، بعيدًا عن كل إشارة؛ لأسباب عديدة ومتمايزة، منها: النظرة السلبيّة للإنتاج الكولونيالي، الذي يُوصف في الغالب الأعم، وإلى عهد قريب، بأنّه تحصيل حاصل، لا يقدّم ولا يؤخّر، أو أداة للهيمنة والسيادة على الآخرين، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى هذه النوعيّة من المصادر النفيسة، التي تبقى في المجمل حبيسة رفوف الخزانات والربائد الأجنبيّة.

ومهما يكن من أثر، فإن مونوغرافيّة تنبكت، تنفرد بعدّة خصائص ومميّزات، أمكن إجمالها على الشكل الآتي:
- من حيث طبيعة المواضيع المدروسة: درس المؤلِّف جملة من المواضيع المتنوّعة، ذات الصلة بالتاريخ، والسياسة، والدين، والاقتصاد، والجغرافيا، لكنْ ما يميّز هذا المؤلَّف المونوغرافي أكثر، هو دراسته المستفيضة للمواضيع الاجتماعيّة، مثل: القضايا المرتبطة بالتركيبة السكّانية، والتنشئة الاجتماعيّة، والاستهلاك، واللغة، والتغذية، والأسرة، والعادات، والتقاليد، والطقوس، والصحّة، واللباس، وسلوك السكّان المحلّيّين، والممارسات الدينيّة والروحيّة، هذا دون نسيان الإمكانات الفلاحيّة، والثروات الطبيعيّة والحيوانيّة، التي تتمتّع بها حاضرة تنبكت وباديتها، كما أنّ صاحب المونوغرافيّة أرَّخ لمنسيي التاريخ ولمن لا تاريخ لهم، من: بسطاء، ومستضعفين، ومهمّشين، وغيرهم، الشيء الذي جعل من مونوغرافيّته المذكورة، مجال «التاريخ اللّامفكر فيه»، أو مجال «التاريخ المنسي»، وهكذا أفرزت لنا هذه المونوغرافيّة النادرة، منتوجاً علميًا، بالمعنى والكلمة، جدير بالاهتمام والدراسة.

- من حيث الفترة الزمنيّة المدروسة: عالج صاحب المونوغرافيّة فترة زمنيّة دقيقة ومعقّدة، وهي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أمّا عن أهمّية هذه الفترة، فتكمن في كونها تؤرّخ لمرحلة تاريخيّة، سماتها الأساسيّة هي تزايد واشتداد الضغوط والأطماع الاستعماريّة الفرنسيّة على أفريقيا الغربيّة، وقد توّجت هذه الضغوط في النهاية، بالسيطرة الفرنسيّة الكاملة على حاضرة تنبكت، في 6 يناير 1894م، وقد أثار هذا الحدث بطبيعة الحال، ردود أفعال كثيرة، سواء في الأوساط السودانيّة أو المغربيّة أو الإسلاميّة.
- من حيث الأسلوب والمنهجيّة المتّبعة: اعتمد صاحب المونوغرافيّة أسلوبًا ومنهجًا علميًّا واضح المعالم، فهو لم يعتمد أسلوب «الاستهزاء» و «السخريّة»، أو أسلوب «الدهشة» و «الغرائبيّة»، الممزوج بطابع النزعة الأوروبيّة الاستعلائيّة، التي تحاول احتقار الآخر، والتنقيص من شأنه وقيمته، بل نجده يعتمد أسلوبًا علميًّا صارمًا، أساسه الدقّة والموضوعيّة، أمّا عن طريقته المتّبعة في تحرير صفحات مونوغرافيّته، فهي تستند بالأساس إلى مشاهداته ومعايناته الشخصيّة، إضافة إلى ما حصل عليه من بيانات ومعطيات، في أثناء تحرّياته الميدانيّة في عين المكان، أي في بلاد السودان الغربي، والذي خبر شؤونه وأحواله، كيف لا؟ وهو الذي عاش فيه، وارتبط به، وألِفه سنوات طوال[12].

- من حيث أهميّة المونوغرافيّة في الأوساط الاستعماريّة والعلميّة: استطاعت هذه المونوغرافيّة أن تفرض وجودها، منذ اللحظة التي خرجت فيها من دور النشر والطباعة إلى دور المكتبات والخزانات العلميّة، إذ بفعل وزنها العلمي المتميّز، وكذا بفعل مادّتها المتنوّعة والمضبوطة، تمكّنت من فرض نفسها لدى الأوساط الاستعماريّة، والجمعيّات الجغرافيّة الأوروبيّة، خاصّة في فترة ما زالت المصادر والتواريخ السودانيّة المحلّيّة، لم تطبع بعد، ويتعلّق الأمر هنا بـ (ديوان سلاطين [كانم-] برنو) لمجاهيل، و(تاريخ الفتاش في ذكر الملوك وأخبار الجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار) للقاضي محمود كعت التنبكتي الوعكري وأحفاده، و (تاريخ السودان) لعبد الرحمن السعيدي التنبكتي، و (تذكرة النسيان في أخبار ملوك السودان) لمؤلّف سوداني مجهول.

والخلاصة، التي تتحصّل لدينا من هذه البيانات، أنّ (مونوغرافيّة تنبكت) تُعتبر بحقّ من بين التصانيف التاريخيّة المهمّة، التي حاولت دراسة الحاضرة المذكورة، بكيفيّة عميقة، من أجل تكوين مادّة معرفيّة دقيقة، لدوائر الحركة الاستعماريّة والأوساط العلميّة والاستكشافيّة الفرنسيّة، وهكذا استفادت تلك المؤسّسات، المتنوّعة المقاصد والأهداف، على ما احتوت عليه هذه المونوغرافيّة، من معطيات متنوّعة، ومعلومات عالية القيمة، كمًّا ونوعًا، كيف لا؟ وهي لامست جوانب كثيرة من تاريخ وحضارة تنبكت، وبنياتها: الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والسياسيّة، والدينيّة.

ثانيًا: حاضرة تنبكت (الموقع والمظهر العام للمنطقة)
ضمّت (مونوغرافيّة تنبكت) بيانات مهمّة ودقيقة حول العناصر: الجغرافيّة، والطبيعيّة، والمناخيّة، والهيدروغرافيّة، وهي معلومات تمتح وتستقي قيمتها، من كونها عبارة عن تحرّيات وأبحاث ميدانيّة، وفي عين المكان، الشيء الذي يجعلنا نطمئن إلى نتائجها ودقّتها وصدقها. وهكذا يُشير صاحب المونوغرافيّة إلى أنّ حاضرة تنبكت «تقع بين خطّ عرض 16° و43 شمال خطّ الاستواء، وخطّ الطول 5° شرق غرينيتش، شيّدت عند جانبيْ تلَّة أو كَثِيب رملي، ينحدر اتجاهه من ناحية الشرق إلى الغرب، وعلى منحدر جنوبي لكَثِيب رملي آخر مواز للأوّل وإلى الشمال منه، وعليه تتّخذ تنبكت شكل مثلّث قاعدته عند الجنوب»[13]، إلى جانب هذه المعطيات، يسجل هاكار أنّ هذه الحاضرة تعرف «مجموعة من الهضاب الحديديّة، بمتوسّط ارتفاع يتراوح ما بين 90 و100 متر، كما تعرف أيضًا سلسلة جبليّة مرئيّة طويلة، جراء انعكاس الضوء، تمتدّ من الشرق من بحيرة فاگيبين وبحيرة تيلي»[14].

وإلى جانب ما سبق ذكره، أورد هاكار تفاصيل مهمّة عن الموارد المائيّة، التي تتمتّع بها حاضرة تنبكت وباديتها، وممّا ينبغي تسجيله بخصوص هاته المعطيات، هو أنّ حاضرة تنبكت تعتمد أساسًا وبشكل كبير على مياه الأنهار والبحيرات، إذ يُبيّن صاحب المونوغرافيّة أنّ نهر النيجر يمثّل «روح السودان وقلبه»[15]، هذا النهر الذي ينبع من شمال جمهوريّة ليبيريا في جبل كُوكُونُوتِي، والذي يتدفّق بدايةً نحو ناحية الشمال الشرقي إلى أن يبلغ حاضرة تنبكت، ثمّ ينحرف نحو الشرق إلى أن يصل إلى گاو، ومن هذه المنطقة يستمرّ تدفّقه في اتجاه جنوب الجنوب الغربي، ليصبّ في خليج البنين، كما أنّ هذا النهر «توجد روافده الأساسيّة على الضفّة اليمنى، حيث ينساب رافد باني، قادمًا من ناحية الجنوب، ليصبّ في نهر النيجر، على بعد بضعة أمتار، عند أسفل موبتي، ومن الضفّة اليسرى، حيث رافد سوكوتو ورافد بينووي»[16].ويُخبرنا هاكار أنّ نهر النيجر له أسماء عديدة ومختلفة، وذلك حسب المناطق التي يخترقها ويتدفّق فيها، إذ نجد مثلًا أنّه «في بلاد البامبارا يُطلق عليه اسم دجوليبا، وفي بلاد السنغاي يُطلق عليه اسم إيزا، وفي بلاد التوارگ يُطلق عليه اسم إيگيريُّو»[17]، إلى جانب نهر النيجر، توجد في جميع أنحاء حاضرة تنبكت بعض البرك الطبيعيّة، أو التي هي من صنع الإنسان المحلّي، حيث توفّر هذه الأخيرة كمّيات معتبرة من المياه للسكّان المحلّيّين، بيد أنّ هذه البرك «في أثناء فيض نهر النيجر يصيبها الجفاف، وهو ما حصل فعلًا في سنة 1898م، حيث جفّت تلك البرك تقريبًا، لدرجة أنّ الساكنة لم تجد مياهاً صالحة للشرب إلّا بالكاد»[18].

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وفيما يتعلّق بالمناخ والأحوال الجويّة، يذكر هاكار أنّ مناخ حاضرة تنبكت هو «مناخ صحّي نسبيًّا؛ لأنّه جاف»[19]، وذلك رغم أنّ الحاضرة «تعرف فترات مطيرة للغاية بين شهريْ يونيو وأكتوبر، وتصل كمّيات التساقطات في السنة إلى 250 ملم، وتتراوح عدد العواصف الرعديّة والأعاصير ما بين 15 و 20 خلال الأشهر الأربعة المذكورة آنفًا»[20]، وكلّها «تهبّ من جهة الشمال الشرقي، ومن جهة الشرق، ومن جهة الجنوب الشرقي، وتعتبر العواصف الآتية من الشمال الشرقي الأكثر عنفًا وخرابًا، حيث غالبًا ما تُحدث هاته العواصف أضرارًا كبيرة وفادحة في حاضرة تنبكت، من خلال الإطاحة بالجدران التي تغمرها الأمطار، وكانت أقوى عاصفة شهدتها حاضرة تنبكت، هي العاصفة التي حدثت في يوم 30 يوليوز 1898م، إذ بلغت تقريبًا كمّية التساقطات آنذاك إلى نحو 63 ملم»[21]، أمّا الحرارة «فتتراوح درجاتها في السنة ما بين 50° إلى 4° في الظلّ، بينما نجدها ترتفع بشكل مهول في الفترة ما بين أبريل وأكتوبر، [كما أنّ الحاضرة المذكورة] تسودها في الفترة ما بين أكتوبر وأبريل رياح شرقيّة، والتي تتحوّل بسرعة إلى رياح غربيّة، كما تشهد أيضًا من وقت لآخر رياح القبلي، الذي يهب من جهة الشمال، والذي يلهب الجوّ بشكل كبير»[22]، وما يزيد من لهيب هذا الجوّ الحارّ والساخن، هو غياب الجبال في الحاضرة المذكورة[23]. وبموازاة مع ما تقدّم، يحتفظ لنا هاكار بمعلومات وايماءات عديدة، تتعلّق أساسًا حول الغطاء النباتي الموجود في حاضرة تنبكت وباديتها، وهكذا يصف ذلك الغطاء النباتي بالفقير والرديء، إذ يُشير إلى أنّ أفضل وأجمل الأشجار في الحاضرة المذكورة «لا تتجاوز خمسة أو ستّة أمتار»[24]، ويُضيف بأنّ المنطقة المسمّاة «كيسو»، والمنطقة المسمّاة «كيللّي»، هي «أكثر المواقع السودانيّة غنى بالأشجار والنباتات والأعشاب»[25].

ثالثًا- جوانب من الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعلميّة والدينيّة في حاضرة تنبكت
تناولت (مونوغرافيّة تنبكت) جملة من القضايا، ذات البعد الاجتماعي، والاقتصادي، والعلمي، والديني، لحاضرة تنبكت، وهي تفاصيل، غلب عليها طابع التجسّس، والاستخبار، ومراكمة المعلومات، هي في المجمل، عبارة عن شتات من الأخبار، توحّدها رغبة استجلاء تاريخ بلاد السودان الغربي وحضارته، وهكذا كان بإمكان هذه البيانات المتنوّعة التي استجمعها هاكار، أن يطويها الزمن، وتحشر في غياهب النسيان، لولا أنّه اختزنها في ذاكرته، ودوّنها في مؤلّفه.

1- الحياة الاجتماعيّة
أ- السكّان والفئات الاجتماعيّة
يُشير هاكار إلى أنّ ساكنة حاضرة تنبكت تنقسم إلى ثلاثة عناصر متمايزة، الأولى هي عنصر «السنغاي»، والثانية هي عنصر «الأرمى» أو «الرماة»، ويُبيّن أنّ العنصر الأوّل، هو أكثر أصالة وعراقة واستقرارًا بالحاضرة المذكورة، قبل مجيء العنصر الثاني، القادم من بلاد المغرب الأقصى، كما تعرف المنطقة أيضًا عنصرًا ثالثًا، هو عنصر «الألفا» أو «العلماء»، هذه الفئة الأخيرة، ليست متجانسة إثنيًّا، بل هي فئة قَدِمَتْ من مختلف أقطار المعمورة، إمّا للدراسة وإمّا التدريس؛ ورغم ذلك فهي تشكّل طبقة مؤثّرة جدًا، وذات نفوذ قوي[26]. وفي السياق ذاته، أورد هاكار بيانات دقيقة حول عدد ساكنة حاضرة تنبكت، وتحديدًا في نهاية القرن التاسع عشر، وبالضبط في سنة 1898م، إذ ذكر أنّ ساكنة الحاضرة «تنقسم إلى ساكنة ثابتة وأخرى متحرّكة، الأولى تقدّر بحوالي 5000 نسمة، بينما الثانية تقدّر بحوالي 4000 نسمة»[27]، هذه الفئة الأخيرة، أي «الساكنة المتحرّكة»، نجدها تتألّف أساسًا «من التجّار العرب، والمغاربة، والطرابلسيّين، والغدامسيّين، وتجّار تندوف، وتاجاكانت، وتوات. وجميع هذه العناصر تأتي إلى حاضرة تنبكت، لقضاء بضعة أشهر كلّ عام، من أجل البيع والشراء»[28].

ب- الحياة الأسريّة
يذكر هاكار أنّه في حاضرة تنبكت وباديتها، وعلى غرار بقيّة الشعوب الإسلاميّة، فإنّ تعدّد الزوجات يُعتبر من الأمور العاديّة، بل تُشكّل في كثير من الأحيان «قاعدة»، وهكذا «يُحدّد مدى ثراء كلّ رجل في حاضرة تنبكت من خلال ما يتوافر عليه من زوجات، بينما الفقير عندهم، هو كلّ شخص لا يحظى إلّا بزوجة واحدة»[29]، ويُخبرنا كذلك بأنّ «الحريم لا يعشن في نفس المنزل، حيث تحظى كلّ زوجة بمنزل خاصّ تعيش فيه مع أطفالها»[30]، وحسب المؤلّف نفسه، فإنّ «الطلاق شائع جدًّا في حاضرة تنبكت، حيث بمجرد أن تتوقّف المرأة عن الإثارة والإعجاب، يتمّ إهمالها في منزلها، وغالبًا مع أطفالها أيضًا»[31].

ج- السكن والمأوى
يُستشفّ من معطيات وبيانات هاكار، أنّه كان مهتمًّا بشكل كبير بالمنازل والبيوت المشيّدة في حاضرة تنبكت، إذ خَصّص لها حيّزًا مهمًّا في مونوغرافيّته، وهكذا يُشير إلى أنّ أغلبيّة الدور والمساكن الموجودة في الحاضرة المذكورة، هي إمّا مبنيّة بالطوب وإمّا بمادة الصلصال المجفّف في الشمس، وممّا يلفت النظر بهذا الصدد، هو عدم استعمال الساكنة المحليّة مادّة الحجر في عمليّة البناء، والسبب راجع في الأساس إلى ندرة هذه المادة في حاضرة تنبكت، ويُضيف بأنّ الهندسة المعماريّة في هذه الأخيرة، تُعتبر في المجمل بسيطة وعاديّة للغاية، بيد أنّه لم يفته التأكيد على أنّ «بعض البيوت تتوفّر على مظهر مرضٍ، بل وتشكّل مشهدًا لطيفًا ورائعًا نسبيًّا للعين، حيث الواجهة محاطة بأعمدة كبيرة وضخمة، وحينما يتوفّر البيت أو المنزل على طابق، يكون مزيّناً بأعمدة صغيرة، تتخلّله نوافذ مشيّدة بدقّة ومهارة، يغلب عليها الطابع والأسلوب الموريسكي»[32].

علاوة على هذه المعطيات الدقيقة، يذكر هاكار أنّ ثلث المنازل التي تعود إلى علية القوم في حاضرة تنبكت مجهّزة تجهيزًا جيّدًا، وغالبًا ما كانت هذه الدور تتكوّن من عدّة غرف، إذ نجد غرفة تدعى «سيفا»، عادة ما نجد فيها «بعض العبيد ينتصبون هناك واقفين، وربّما في بعض الأحيان سيّد المنزل، وهي غرفة مخصّصة للزيارات»[33]، ثمّ إلى جانب هذه الغرفة، هناك غرف أخرى خلفها محجوزة أيضًا للزيارات، كما تتوفّر هذه المنازل «على ساحات داخليّة واسعة نوعاً ما، ومحاطة بغرف خاصّة بالعنصر النسوي، وغالبًا ما كان العبيد يقومون بسحق الدُّخن والقمح في هذه الساحات، في حين نجد النسوة يقمن بتخليص القطن من بذوره، ومراقبة المطبخ واستقبال الزيارات، [إضافة إلى هذا، نجد أيضًا أنّ هذه المنازل] تتوفّر على السطوح، تنفتح عليها شقّتان أو ثلاث تشكّل طابقًا، هذا هو مكان استقبال الأصدقاء، أو الشخصيّات المميّزة والنافذة»[34].

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يُخبرنا هاكار أنّ منازل الساكنة الفقيرة والمعوزة في الحاضرة المذكورة، غالبًا ما كانت عبارة عن أكواخ بسيطة، مشيّدة من مادّة القشّ، أمّا عبيد التوارگ فهم الآخرون، لا يتوفّرون إلّا على خيام منخفضة، مصنوعة من مادة الجلد، والجدير بالملاحظة هنا، هو أنّ أثاث منازل حاضرة تنبكت، يغلب عليه طابع البساطة وعدم التكلّف، هذا الأثاث يتكوّن في الغالب، من بعض المستلزمات والأدوات المنزليّة، مثل: الفرش، والأغطية، وأدوات الطبخ، وصناديق مصنوعة من الخشب، يضعون فيها ملابسهم، كما يضعون فيها أيضًا الأشياء الثمينة، مثل: النقود والمجوهرات، أمّا السرير فغالبًا ما يتكوّن من سجّادة وبعض البطانيّات، الممدودة على الحصير أو على «الكارا»، هذه الأخيرة هي عبارة عن منصّة من الخشب أو من التراب، وتؤثّث الوسائد والحصير مختلف الشقق، وهي غنيّة من حيث البطّانيات والأفرشة، المصنوعة من الصوف، المتعدّد الألوان، كما أنّ بعض الساكنة وخاصّة فئة التجّار، غالبًا ما كانوا يحتفظون بغرفة أو أكثر، حيث كانوا يستخدمونها كمخازن لهم[35].

د- العادات الغذائيّة
أورد هاكار بيانات وارتسامات عديدة وثمينة حول العادات الغذائيّة بكلّ مكوّناتها وتلاوينها وعناصرها في الحاضرة المذكورة، ويظهر بجلاء أنّ الأطعمة والأشربة التي كانت تؤثّث المائدة التنبكتيّة، في الفترة الزمنيّة المذكورة أعلاه، يغلب عليها طابع البساطة والتقشّف، وهو طابع يلائم ظروف ونمط العيش في حاضرة تنبكت، وهي ظروف تتّسم بقساوة البيئة وصعوبة المجال، وقمين بالإشارة في هذا السياق، أنّ الغذاء الرئيس لمعظم سكّان حاضرة تنبكت يتجلّى بالأساس في «مادّتيْ الدُّخن والأرز، حيث لا تنتج المدينة سوى القليل من الحبوب، أو لا تُنتجها على الإطلاق، حيث يتمّ استيرادها من مناطق عدّة، مثل: جيمبالا، وجني، وكيسو، وغالبًا ما كانت تصل كمّيات هائلة من جميع أنواع الدُّخن والأرز من منطقة كابارا في نونبر ودجنبر»[36].

وممّا ينبغي لفت النظر إليه بهذا الشأن، هو أنّ مادّة القمح كانت تشكّل غذاءً مميّزًا للطبقة الغنيّة والميسورة، بينما الخضروات والفواكة فهي تكاد تكون غير معروفة في حاضرة تنبكت، أمّا لحوم الجاموس والغنم والماعز، فكانت من بين المواد الاستهلاكيّة التي اقتات عليها سكّان هذه الحاضرة، خاصّة وأنّ سعرها كان منخفضًا وزهيدًا نسبيًّا، وإلى جانب ما سبق، شكّلت أسماك نهر النيجر، هي الأخرى، مادّة استهلاكيّة مهمّة بالنسبة للطبقة العاملة، وحتّى للفقراء والمعوزين، بينما كان الميسورون منهم يزدرونها ويمقتونها؛ والسبب راجع إلى أنّ تلك الأسماك تصل إلى حاضرة تنبكت في حالة يرثى لها، إذ تصل نتنة وجافّة وفاقدة لكلّ طعم. ونستدلّ من بعض الإشارات الأخرى، أنّ ساكنة تنبكت كانت تقتات أيضًا على لحوم الصيد والطرائد، ومن ضمن هذه الأنواع، نجد كلًّا من «الأرانب البريّة، والغزلان، والظباء، والدجاج، والحمام. ولحوم هذه الأخيرة كانت رائجة وبوفرة كبيرة في أسواق الحاضرة المذكورة»[37]، وحسب إحدى الإشارات التي دوّنها هاكار، فإنّ فقراء حاضرة تنبكت كانوا أيضا يَتَغَذَّوْنَ على بعض الأعشاب والثمار البريّة، غير القابلة للاستهلاك البشري، والتي لا تأكلها عادّة إلّا الماشية، وذلك لأجل سدّ الرمق، ومصارعة الجوع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، عشبة تسمى بـ «الداني»[38].

بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه أعلاه، تحفل (مونوغرافيّة تنبكت) بمعطيات عديدة، حول ما يُمكن أن نُسمّيه بتقاليد المائدة وآداب الأكل في الحاضرة المذكورة، وممّا أمكن التقاطه من إشارات وشهادات في هذا الجانب، أنّ ساكنة حاضرة تنبكت كانوا «يتناولون ثلاث وجبات رئيسة، مختلفة في اليوم، الأولى هي وجبة الفطور، أو ما يسمّى في اللسان المحلي بالجير كاري، هذه الوجبة تتناولها الساكنة عند حوالي الساعة الثامنة صباحًا، وغالبًا ما كانوا يتناولون فيها بقايا وجبة الليلة السابقة، أو يتناولون فيها الخبز المبلّل في الزبدة والعسل، أو حساء يدعى في اللهجة المحلّيّة بالدون، وهو حساء يتألّف من الطحين أو الدهن أو القمح والتوابل، ثمّ وجبة ثانية تسمّى التيركوزي، هذه الوجبة تتناولها ساكنة حاضرة تنبكت في حوالي الساعة الثانية والنصف بعد الزوال، وأخيرًا وجبة المساء في حوالي التاسعة ليلًا، والمسمّاة في اللسان المحلي بالهاورو، بالإضافة إلى هذه الوجبات، هناك وجبات أخرى تتناولها الساكنة المحلّيّة، منها وجبة التازو أو الكسكس»[39].

أمّا بالنسبة للأشربة المنتشرة في حاضرة تنبكت في الفترة الزمنيّة المذكورة أعلاه، فيتّضح بجلاء من خلال (مونوغرافيّة تنبكت)، أنّها كانت تتمثّل أساسًا في الماء لا غير، ويُخبرنا في هذا الصدد هاكار أنّه «بفعل تحريم الشريعة الإسلاميّة شرب ومعاقرة الخمور، فإنّ الساكنة المحلّيّة يكتفون فقط بشرب الماء، الذي يحتفظون به غالبًا في جرار طينيّة كبيرة»[40]، بيد أنّه في المقابل يُشير إلى أنّ هناك مشروبًا محليًّا يُستهلك بكثرة، هذا الأخير كان يتمّ إعداده من الدُّخن أو العسل أو سيقان النجيليّة، المعروفة في اللسان التنبكتي بـ «الكُونْدُو هَارِي»، وتعتقد الساكنة المحليّة بأنّ «هذا المشروب يكون أكثر متعة وروعة وفائدة حينما يسكّر»[41]، إضافة إلى هذا المشروب، هناك مشروب آخر مسكّر ومنعش في الوقت نفسه، هذا المشروب عادة ما يُصنع من قصب السكّر، إذ «يحتوي ساق هذا القصب الأحمر اللون على عصير من خلاله يتمّ إعداد ذلك المشروب»[42]، وممّا يلفت الانتباه في هذا السياق، أنّه في حاضرة تنبكت وباديتها كانت بعض الأشربة حكرًا فقط على الفئات الغنيّة، وخاصّة مشروب الشاي، الذي كان من أهمّ المشروبات الفاخرة، التي تقبل عليها الفئة الميسورة أيّما إقبال، بينما نجد أنّ مشروب القهوة قليل ما يُستهلك في حاضرة تنبكت، والسبب راجع بالأساس إلى قلّة البن وندرته في هذه الأخيرة[43].

وفي الأخير، تجدر الإشارة إلى أنّ فئة قليلة من ساكنة حاضرة تنبكت الثريّة، كانت تقبل على تناول واستهلاك بعض الأغذية والأطعمة الفاخرة، إذ وصفها هاكار بـ «الأغذية الكماليّة»، وهي في المجمل، عبارة عن حلويّات ومملّحات، وهي كثيرة ومتنوّعة، منها المسمّاة بـ «الكاجي»، و «الفينتا»، و «الفيتاتي»، و «الكولو»، و «الفورمي»، و «النيمتي»، و «الجيميتا»، وكلّ هذه الأنواع من الحلويّات والمملّحات السودانيّة التنبكتيّة، تصنع عادّة من طحين القمح، والعسل، والأرز، والفاصولياء، والدُّخن، والفلفل الحار[44].

هـ- اللباس والزينة
قدّم هاكار تفاصيل عديدة حول الألبسة والأزياء، التي كان يرتديها إنسان تنبكت، والعادات والتقاليد المتّبعة في كيفيّة ارتدائها، كما لم يفته الإشارة إلى لباس العبيد وأدوات الزينة، التي يستعملها الرجل وحتّى المرأة في حاضرة تنبكت وباديتها. بالنسبة لملابس الرجل، يُشير إلى أنّها تتكوّن عادة من «سيبي، وهو عبارة عن سروال واسع شيئًا ما، وغالبًا ما يكون مصنوعًا من القطن الأزرق أو الأبيض، ثمّ من تيلبي، وهو عبارة عن لباس واسع مفتوح الجانبين، مخيّط فقط على الأطراف السفليّة، كما يحتوي على جيب كبير عند الصدر»[45]، هناك لباس آخر يدعى «المصاوريّة»، وهو عبارة عن قميص ذي أكمام واسعة، إضافة إلى هذا، يرتدي الرجل في حاضرة تنبكت نوعًا من العمامة، هي على شكل قبّعة طويلة، مصنوعة من القطن، لونها إمّا أصفر وإمّا أزرق، والبعض الآخر يرتدي قبّعة يونانيّة الصنع بيضاء اللون تحت العمامة. وفي خصوص النّعال والأحذية التي ينتعلها رجل حاضرة تنبكت، يذكر هاكار أنّها تكمن في نوع من الخفاف العربيّة المصنوعة من الجلد ذي اللون الأصفر[46]، بينما يُبيّن أنّ أثرياء الحاضرة المذكورة غالبًا ما ينتعلون أحذية طويلة صفراء أو حمراء اللون، في حين نجد أنّ الفقراء وهم غالبيّة حاضرة تنبكت يمشون حفاة، أو ينتعلون نعلًا هو عبارة عن بطانة من الجلد، مربوط بالقدمين بأحزمة جلدية، يُطلق عليه في اللسان المحلي التنبكتي بـ «الجيلامبو»[47].

في المقابل، نجد أنّ ألبسة النساء التنبكتيات، غالبًا ما كانت تتجلّى في ثوب أو قماش مصنوع إمّا من الكتان، وإمّا من القطن، أو من الحرير، وعادة ما يتمّ استيراد هذه الأنواع من الأثواب من أوروبّا الغربيّة، كما يرتدين كذلك «الصاية أو المصاوريّة ذات الأكمام الطويلة والواسعة التي تنتهي بذُرْوة، كلّ هذه الملابس التي ترتديها النساء في حاضرة تنبكت، هي مزيّنة بشكل أو بآخر بالحرير الأحمر، أو الأبيض، أو الأصفر، أو الأخضر، وذلك وفق ثروة وإمكانيّات تلك النسوة»[48]، أمّا فيما يتعلّق بلباس الرأس، فعادة ما نجد أنّ نساء الحاضرة المذكورة «يخرجن برؤوس عارية أو مغطّاة بغطاء أسود اللون»[49]، بينما ينتعلن على «مستوى أرجلهن نعالًا ذات بطانة رقيقة مزركشة بالحرير»[50]، أمّا فيما يخصّ ألبسة العبيد فهي تتألّف أساسًا من «ألبسة جلديّة تكمن في الغالب الأعم من جلباب طويل ضيق، يغطي الكتفين والجسم حتّى الركبتين، هذا بالنسبة للرجل العبد، في حين ترتدي الإماء تنّورة، هي الأخرى مصنوعة من الجلد، تتكوّن عادة من قطع متنوّعة الألوان، مزيّنة بشرائط طويلة، ذات أشكال ورسوم مختلفة»[51].
وبموازاة مع ما تقدّم، يذكر هاكار أنّ الرجال في حاضرة تنبكت «لا يتزيّنون إلّا بالخواتم والدمالج، المصنوعة إمّا من الحجر وإمّا الرخام أو الصلصال، والمزدانة باللون الأخضر أو الأبيض أو الأحمر، بينما نجد النسوة التنبكتيّات يتزيّنّ بمجوهرات وحليّ عديدة ومختلفة، مثل الخواتم والدمالج والخلاخل، المصنوعة من النحاس أو الفضة، والمرصعة والمزدانة بالأحجار الكريمة[52].

و- الصحّة والأمراض
سجّل هاكار بيانات قليلة حول الأمراض والأوبئة، التي كانت متفشّية بين ساكنة حاضرة تنبكت وباديتها، وهكذا أورد معطيات عابرة متناثرة هنا وهناك، لا تسمح مطلقًا بإعطاء تصوّر واضح ودقيق حول الوضعيّة الصحيّة في الحاضرة المذكورة، خاصّة في الفترة الزمنية التي تهمّنا هنا، أي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ومهما يكن من أثر، فإنّ هاكار يُخبرنا بأنّ «مناخ تنبكت صحّي نسبيًّا؛ نظرًا لشدّة جفافه»[53]، ورغم ذلك يُبيّن أنّه في حاضرة تنبكت، توجد بعض الطفيليّات الخطيرة، التي تسبّب بعض الأمراض والعلل، المتباينة الخطورة، ومنها «دودة غينيا»، هذه الأخيرة، كما يتبيّن من إشارات وإيماءات هاكار، تنجح في كثير من الأحيان في شلّ وتشويه المريض المهمل، ثمّ هناك «الديدان المعويّة»، التي لا تقلّ خطورة عن الطفيليّة الأولى، وهي الأخرى، منتشرة بشكل مهول في الحاضرة المذكورة وباديتها، وتسبب مجموعة من المشكلات الصحيّة[54].

ز- العادات الاجتماعيّة
أورد هاكار مجموعة من المعطيات الثمينة والنادرة، حول العادات الاجتماعيّة المألوفة في حاضرة تنبكت وباديتها، وهي عادات كثيرة ومتنوّعة، ومن بين هذه العادات المتفشّية بين ساكنة الحاضرة المذكورة، وعلى نطاق واسع، عادة (حمل السلاح)، وعادة (التدخين)، وعادة (وسم الندب على الوجه ونقش الخدّين والجبهة عند النساء)، وعادة (حمل العصا والتمائم عند الخروج من البيت).

- عادة حمل السلاح: يُخبرنا هاكار أنّ حمل السلاح يشكّل إحدى أهمّ العادات الاجتماعيّة المألوفة والشائعة في حاضرة تنبكت، ومنذ أزمنة قديمة، إذ يُشير إلى أنّ مجمل ساكنة هذه الحاضرة تَعتبر حمل السلاح والتجوال به عادة جيّدة، ويرجع السبب الرئيس لانتشار هذه العادة بينهم، هو «الخشية من الاصطدام مع التوارگ الذين يبتزّونهم ويسيئون لهم، في كلّ وقت وحين»[55]، ومن بين أهمّ أنواع الأسلحة المنتشرة في حاضرة تنبكت، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، نجد كلًا من: الرماح، والسيوف، والبنادق[56].

- عادة شرب الدخان: يُعتبر شرب الدخان في حاضرة تنبكت، من العادات الاجتماعيّة المألوفة بشكل منقطع النظير، إذ إن ّكلّ فئات هذه الحاضرة، كبارًا وصغارًا، إناثًا وذكورًا، كانوا يستهلكون التبغ، ويتعاطونه علانية، وفي كلّ وقت وحين[57]، وما زاد من الإقبال على هذه العشبة، في تلك الحاضرة السودانيّة، هو كثرتها، إذ يُخبرنا هاكار في هذا الصدد، أنّه في هذه الحاضرة وحتّى في الجهة الشرقيّة منها، وتحديدًا في مدينة بامبا «يُعتبر التبغ من المحاصيل المهمّة والرئيسة، إذ تستهلك منه الحاضرة المذكورة أكبر جزء منه، أمّا الباقي فيتمّ تصديره إلى قرى الجنوب والجنوب الغربي وإلى بلاد التوارگ»[58].

- عادة وسم الندب على الوجه، ونقش الخدّين والجبهة عند النساء: تُمثّل عادة وسم الندب على الوجه بالنسبة للنسوة التنبكتيّات، من العادات الاجتماعيّة المتوارثة عبر الأسلاف، وعليه يَعتبرون وسم الندب على الوجه، من صميم التقاليد المحليّة الأصيلة، والتي وجب المحافظة عليها، إذ يُحدّثنا في هذا السياق هاكار أنّ هذه العادة تُعدّ من العلامات المميّزة لأهالي حاضرة تنبكت، وهكذا كانت نساء هذه الحاضرة «يخضعن لعمليّة ندب صغيرة وعموديّة في وجوههن، حيث يبلغ طولها حوالي 1.5 سم عند التقاء العينين»[59]، كما يقمن كذلك إلى جانب وسم الندب على الوجه «بنقش الخدّين والجبهة بخطّين أو ثلاثة»[60].
- عادة حمل العصا عند الخروج من البيت: كان رجال حاضرة تنبكت يحافظون بشكل مثير على عادة حمل العصا، إذ يُشير هاكار إلى أنّهم «لا يخرجون من بيوتهم إلّا وهم حاملون لها، هذه الأخيرة غالبًا ما تكون طويلة، ومزيّنة بشرائح من النحاس»[61].

- عادة حمل التعاويذ والتمائم: إنّ حمل التمائم والتعاويذ من قِبل ساكنة حاضرة تنبكت وباديتها، تُعتبر من العادات الاجتماعيّة العادية والمتفشّية بشكل كبير في هذه الحاضرة، إذ «يحملون معهم تعاويذ كثيرة أو قليلة، ومن مختلف الأشكال والأحجام»[62].

2- الأنشطة الاقتصاديّة
يبدو من خلال المعطيات والارتسامات التي دوّنها هاكار في إطار مونوغرافيّته، أنّ حاضرة تنبكت العاصمة الروحيّة لبلاد السودان الغربي، كانت تتوفّر على إمكانات اقتصاديّة هائلة ومتنوّعة، سواء من ناحية الثروات الفلاحيّة (زرعًا وضرعًا)، أو من ناحية الإمكانات التجاريّة الكبيرة التي تتميّز بها (الأسواق، والحرف، والصنائع، والمنتوجات)، الشيء الذي جعل من هذه الحاضرة السودانيّة، مركزًا وقطبًا اقتصاديًّا وتجاريًّا بامتياز.

أ- الإنتاج الفلّاحي (زرعًا وضرعًا)
يظهر من بيانات ومعلومات هاكار، أنّ حاضرة تنبكت كانت تتمتّع في أواخر القرن التاسع عشر، بثروات فلّاحيّة مهمّة، ومنتوجات زراعيّة مختلفة، وقد ساعدها في ذلك ما تتعرّض له الحاضرة من فيضانات لمدّة طويلة، تتراوح ما بين 7 أو 8 أشهر في السنة، وهو ما انعكس بالإيجاب على أنشطتها الفلّاحيّة، ومن بين المنتوجات الفلّاحيّة التي تتمتّع بها الحاضرة المذكورة، نجد «الأرز بمختلف أشكاله وألوانه، والذي يُشرع في حصاده في شهر نونبر وينتهي في شهر دجنبر، ثمّ هناك أيضًا زراعة الدُّخن بنوعيه الأسود والأبيض، الكبير والصغير، كما أنّ الحاضرة تُنتج أيضًا كمّيات مهمّة من القمح، فرغم تواضع جودة الأخير، إلّا أنّه يمدّ الأهالي بالخبز»[63]، وإلى جانب ما سبق، تُنتج بساتين حاضرة تنبكت وباديتها كمّيات مهمّة وهائلة من: البطيخ الأبيض، والأصفر، والأحمر، وقليلًا من الشمّام ذي اللون الأخضر، والقشرة البيضاء، إضافة إلى مجموعة من الخضروات، مثل: القرع، والفاصولياء، والكرنب، واللّفت، والبصل[64]، والملوخيّة[65]، وأمام ندرة الطماطم في الحاضرة المذكورة، فغالبًا ما كانت تستورد كمّيات معتبرة منها، من بعض الأقطار العربيّة أو الأوروبيّة[66]. إضافة إلى هذه البيانات، يتّضح جليًّا من خلال مونوغرافيّة هاكار، أنّ حاضرة تنبكت كانت غنيّة من حيث أصناف الماشية، هذه الأخيرة يظهر أنّها كانت متنوّعة إلى درجة كبيرة، ومن بين هذه أصناف الماشية المعروفة في الحاضرة المذكورة آنذاك، نجد كلًا من: الجاموس، والغنم، والماعز[67]، والإبل، وخاصّة النوع المسمّى في اللسان المحلّي التنبكتي بـ «هيو»[68]، كما تتمتّع الحاضرة أيضًا بأنواع مختلفة من الدواجن، مثل: البط، والدجاج الحبشي[69].

ب- النشاط الحرفي
تحتوي (مونوغرافيّة تنبكت) على معلومات عديدة وكثيفة حول الأنشطة الحرفيّة، وكذا الصناعات التقليديّة الرائجة وقتذاك في حاضرة تنبكت، وتحديدًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما يميّز هذه الحرف والصنائع المتنوّعة، هي أن ّكلّ فئة من فئات الحاضرة المذكورة تختصّ في حرفة أو حرف معيّنة، وهكذا نجد أنّ فئة «الألفا» أو «العلماء» تختصّ في أعمال الخياطة، أمّا فئة «الأرمى» ذات الأصول المغربيّة، نجدها تختصّ في صناعة الأحذية والنعال، في حين نجد أنّ السكان ذوي الأصول «السنغيّة»، يقومون بأعمال وحرف متنوّعة، منها «حرف الجزارة، والحدادة، والسباكة، والنجارة، وصناعة الأثاث، وحياكة القماش، والحلاقة، والسمسرة، والبناء»[70]، بينما الساكنة ذو الأصول «الصانصاندينگيّة»، يختصّون «في أعمال صباغة الأقمشة وخياطة النسيج»[71]. ولعلّ ما يلاحظ، في هذا الصدد، هو أنّ هذه الحرف وهذه الصنائع المختلفة، كان يُشرف عليها مشرفون وأمناء خاصّون، إذ «كانوا يمارسون نوعًا من السلطة على الأعضاء الذين ينتمون إليها، فمثلًا نجد أنّ أمين الجزارة كان يراقب سوق اللحوم، ويصادر اللحوم النتنة والفاسدة، واللحوم المباعة بسعر أعلى من السعر الذي حدّده سلفًا»[72]، وقد ساعد على ازدهار هذه الحرف والصنائع، توفّر الحاضرة المذكورة على المواد الأوّليّة المحلّيّة، وعلى الأسواق التجاريّة، التي ساعدت بشكل كبير في تسهيل عمليّات البيع والشراء بين السكان.

ج- النشاط التجاري
تُعتبر حاضرة تنبكت من حواضر بلاد غرب أفريقيا القليلة، التي عرفت رواجًا ونشاطًا تجاريًّا مهمًّا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ سمح موقعها الجغرافي الاستراتيجي المتميّز، الذي هو عبارة عن ملتقى طرق القوافل التجاريّة، التي تجوب الصحراء الأفريقيّة الكبرى «وهمزة وصل بين العالم العربي وأفريقيا السوداء»[73]، في خلق مركز تجاري مهمّ استقطب مجمل تجّار أقطار المعمورة، سواء القادمين من وسط أو شمال أفريقيا، أو من أوروبّا الغربيّة، وكلّ هذا خلق حركة وديناميّة اقتصاديّة مهمّة، وعليه اعتبر هاكار حاضرة تنبكت «مكان التقاء أولئك الذين يسافرون بالقوارب وأولئك الذين يسافرون بالجمال»[74]، وحتّى نستشفّ بجلاء القيمة الاقتصاديّة والتجاريّة لحاضرة تنبكت في الفترة الزمنيّة المذكورة أعلاه، يقول شارل بغوسلاغ أحد أقطاب الإدارة الاستعماريّة الفرنسيّة في القارّة الأفريقيّة على لسان أحد المغاربة: «[تنبكت] أرض مباركة. إنّها منجم ذهب، كلّ ما عليك فعله هو الانحناء لجمعه، رحلة واحدة إليها تثري المرء»[75].

وفي الاتجاه ذاته، يُخبرنا كلّ من المؤرخين الفرنسيّين لوسيان هوبير وموريس دولافوس، أنّ حاضرة تنبكت كانت «تُشكّل لفترة طويلة السوق الكبير للصحراء الغربيّة [المغربيّة]»[76]، وهكذا «كانت تستقبل تلك الحاضرة وإلى سنة 1887م، ما يقرب عن 400 قافلة تجاريّة، وكان عدد الإبل المكوّنة لتلك القوافل نحو 350 رأسًا»[77]، ومن جهته يُشير هاكار إلى أنّ حاضرة تنبكت كانت تُشكّل مكانًا تجاريًّا متميّزًا لتبادل مجمل منتوجات بلاد السودان الغربي بمنتوجات: طرابلس، وتونس، والجزائر، والمغرب، وواحات الصحراء، حيث من الشمال تصل كمّيات معتبرة من: الملح، والأقمشة، والجلود، والأسلحة، ومسحوق البارود، والأواني الزجاجيّة، والسكاكين، والسكّر، والشاي، والتمر، أمّا جهة الجنوب فتأتي منها موادّ كثيرة ومتنوعة، مثل: الدُّخن، والأرز، وزبدة الشيا، والعسل، وجوز الكولا، والأسماك المجفّفة، والحديد[78].

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ساكنة حاضرة تنبكت ورغم أنّ كلّ واحد من هذه الساكنة يتوفّر على مهنة أو حرفة معيّنة، إلّا أنّهم يمتهنون التجارة وعلى نطاق واسع «من البائع الصغير للخبز، والعناب، وبذور البطيخ، إلى كبار التجّار في الأقمشة، والحبوب، والعبيد، حيث كلّهم لا يستغلّون ذكاءهم وفطنتهم، إلّا لحساب الربح المحتمل في قضيّة ما»[79]، ويذكر هاكار أنّه بعد استقرار مجموعة من التجّار الفرنسيّين ومن سانت لويس السنغاليّة في حاضرة تنبكت، أضحوا يستوردون بعض المنتوجات الأوروبيّة، وعليها أصبحوا ينافسون التجّار المغاربة والطرابلسيين. ونلاحظ من جهة أخرى، أنّ مجمل العمليّات التجاريّة في حاضرة تنبكت كانت تُجرى في السوق، وذلك مباشرة بعد أن أقرّت السلطات الاستعماريّة الفرنسيّة ذلك، إذ كان التجّار في السابق يمارسون تجارتهم أمام منازلهم وفي الساحات وفي الأزقّة المجاورة[80]، سوق حاضرة تنبكت كما يصفه هاكار هو «سوق حديث وفسيح مستطيل الشكل، شيّدت جوانبه على شكل أروقة، يقيم بها الباعة مع بضائعهم، هذا السوق كان إلى غاية عام 1896م يتكوّن من عدد كبير أو أقلّ من أكواخ مصنوعة من القشّ، ومآوي الحصير فوق ساحة ضيقة»[81]، هذا السوق أيضًا كانت تُعرض فيه منتوجات متنوّعة وشديدة الاختلاف، من أبرز هذه المنتوجات، نجد كلًّا من «الدُّخن، القمح، الأرز، البطيخ، الدجاج، الحمام، البيض، الكولا، الفلفل الحار، الملح، التوابل، الملوخيّة، البرتقال، البصل، الثوم، الجبن، الحليب، الزبدة، الفول السوداني، الأسماك، الحلويّات، العسل، التبغ، الزجاج، المجوهرات بمختلف الأشكال، الأقمشة بمختلف الألوان، الأحذية»[82].

وفي السياق نفسه، يرى هاكار أنّه بفعل تنوّع المنتوجات والبضائع، التي يشهدها سوق حاضرة تنبكت، يُوَلِّدُ بكيفيّة أو بأخرى، حركيّة كثيفة تجعل من السوق المذكور الجزء الأكثر حيويّة في حاضرة تنبكت برمّتها، وفي إشارة فريدة يُضيف أنّ أغلب الباعة في الحاضرة المذكورة هم من النساء، إذ لا يبيع الرجال سوى الأقمشة والملح بالجملة واللحوم والأحذية، كما يذكر أنّ أغلب التجّار هم «من فئة الإماء يعمل البعض لحساب أسيادهن، في حين الأخريات وهم الأغلبيّة، يعشن على عائدات ما يستبدلونه من منتوجات، وعندما يحصلون في المساء على فرنك أو ثلاثة، لن يكن قد أضعن أبدًا يومهم، حيث بإمكان العديد منهم استيفاء حاجيّاتهم المختلفة؛ لأنّ الحياة المعيشيّة ليست مكلفة [بالحاضرة المذكورة] إذ بـ 0.15 فرنك أو 0.20 أن يقضين يومهم على ما ينبغي أو أكثر»[83].

من زاوية أخرى، يُخبرنا هاكار أنّ البنية التجاريّة لحاضرة تنبكت، سواء مع المغرب، أو مع أوروبّا، أو مع حواضر شمال وغرب وشرق أفريقيا، تتلخّص على الشكل الآتي:
- الصادرات: ريش النعام[84]، الصمغ[85]، العاج، التبغ[86].
- الواردات: النحاس[87]، الحديد[88]، الملح[89]، الطماطم[90]، الدُّخن، الأرز[91].
وهكذا، ومن خلال ما سبق، نستطيع القول إنّ حاضرة تنبكت تُعدّ من أكبر الحواضر السودانيّة التي شهدت حركيّة تجاريّة وديناميّة اقتصاديّة معتبرة، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغم الصعوبات والعراقيل التي عرفتها الحاضرة بشكل خاصّ، وبلاد السودان الغربي بشكل عام، والتي تتجلّى بالأساس في الهجمة الإمبرياليّة الفرنسيّة، التي اكتسحت الحاضرة المذكورة في سنة 1893م، الشيء الذي أثّر على الديناميّة التجاريّة في الحاضرة المذكورة.

3- الأوضاع الدينيّة والثقافيّة والعلميّة
يحفل نصّ مونوغرافيّة تنبكت بمعطيات ومعلومات مهمّة وغنيّة عن الأوضاع الدينيّة والثقافيّة والعلميّة بحاضرة تنبكت، إذ يتّضح بجلاء أنّ هذه الحاضرة السودانيّة، كانت ملتقى للعلماء والطلبة من مختلف الأقطار الإفريقيّة والعربيّة، غايتهم الأساسيّة اكتساب العلم، والتنافس في طلبه، وركوب المخاطر من أجله، والاغتراب عن الأهل والأحبّة في سبيل تحصيله، هدفهم الاستكثار من لقاء العلماء الأعلام، والحصول على إجازاتهم بأسانيدهم في رواية الكتب والعلوم، وجلب أحمال الكتب والنوادر من المؤلّفات والمخطوطات. وهكذا يُخبرنا هاكار أنّ دين حاضرة تنبكت هو «الإسلام وأنّ جميع عاداتها وكلّ تقاليدها مستمدّة منه»[92]، وحسب بيانات هاكار دائمًا، فإنّ ما تتميّز به حاضرة تنبكت «جوهرة الصحراء» و «مدينة الأولياء»، هي كثرة مساجدها، هذا دون احتساب المصليّات الخصوصيّة المنتشرة في مختلف ربوع الحاضرة، ومن المساجد المشهورة في الحاضرة المذكورة، نجد مسجد «جينجيري بير»، الواقع في أقصى الجنوب الشرقي من تنبكت، هذا الأخير تمّ تشييده في القرن الحادي عشر الميلادي، من قِبل أحد المرابطين المعروف باسم «ألكالي-ألاكيب ألاكوم»، ثمّ مسجد «سانكوري»، الواقع في شمال تنبكت، والمشيّد في الفترة نفسها، الذي شيّد فيه المسجد الأوّل، هذا المسجد شيّد من طرف سيّدة فاضلة ثريّة[93]، ثمّ هناك أيضًا مسجد آخر معروف باسم «سيدي يحيى»، هذا الأخير يقع وسط تنبكت، وقد شيّد في القرن الخامس عشر، من طرف حاكم تنبكت وقتذاك المدعو «عمر»[94]، وفي الاتجاه ذاته، يُشير هاكار إلى أنّ كلّ مسجد من مساجد حاضرة تنبكت «يتوفّر على إمام يشرف على إقامة الصلاة العامّة والوعظ والإرشاد في المسجد، وغالبًا ما يتمّ اختيار هؤلاء الأئمة من فئة الألفا، المعروفين بعلمهم الغزير وتقواهم»[95]. 

فوق هذا وذاك، يُشير هاكار إلى أنّ حاضرة تنبكت، تُعتبر من الناحية الثقافيّة، أحد أكبر المراكز العلميّة، والأكثر أهميّة للعلوم الإسلاميّة في بلاد السودان الغربي برمّته، مدارسها عديدة، إذ يرتادها ليس فقط من قِبل شباب الحاضرة، ولكن أيضًا من قِبل العديد من الطلبة الأجانب، الذين «يعودون إلى وطنهم بعد إقامة معيّنة في حاضرة تنبكت، لتلقين مواطنيهم مختلف ما تلقّوه من الدروس والعلوم»[96]، ويُضيف أنّ الحاضرة  المذكورة «كانت تتوفّر على نحو عشرين مدرسة، وعادة ما يُشرف على هذه المدارس فئة الألفا، حيث يقومون بتدريس اللغة العربيّة والإشراف على تحفيظ القرآن الكريم، وتفسيره للطلبة، في مقابل هذا يتلقّى المدرّسون أجرة تتناسب ومكانة الوالدين، وغالبًا ما تُقام الدروس في الصباح عند الفجر، ثم نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، وفي المساء عند نحو الساعة التاسعة مساء»[97]، ويُحدّثنا هاكار أيضًا أنّ «الأطفال المتمدرسين يلتحقون بالمدارس وحلقات الدرس بالتناوب، في أوقات مختلفة من اليوم، ومن يحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، يُفترض أنّه قد أنهى دراسته، وبعد ذلك تُقام حفلة عائليّة على شرفه، ويتمّ الطواف به بفخر منقطع النظير عبر الحاضرة برفقة بعض أصدقائه، ثم يتلقّى المدرّس هدية على ذلك، تتألّف عادة من أحد العبيد»[98].

خاتمة
يبدو من حصاد ما سلف، أنّ (مونوغرافيّة تنبكت) للأب والمستكشف الفرنسي أوگوسطان بروسبير هاكار، نفيسة ونادرة وفريدة، نظرًا لما تزخر به من معطيات ومعلومات قيّمة، في غاية من الأهمّية، لم تكن البتّة تلتفت إليها الكتابات المحليّة السودانيّة، أو تعيرها اهتمامًا، وهكذا من شأن هذه النوعيّة من الشواهد المصدريّة الأجنبيّة، إذا ما استغلّت بالكيفيّة المثلى والصحيحة، أن تساعدنا لا محالة على ملء الفراغ المعرفي، الذي تشكو منه المصادر الإخباريّة السودانيّة، المتميّزة بالشحّ والابتسار، على صعيد عناصرها الإخباريّة. وعليه، فالعودة إلى مثل هذه الكتابات الأجنبيّة، رغم نظرتها الاستعلائيّة، وأحكامها المسبقة، وخلفيّاتها الكولونياليّة المعروفة، وخطابها الذي يشرعن للغزو والهيمنة، وبغضّ النظر أيضًا عن مصداقيّتها، ومدى صحّتها، إلّا أنّها أضحت اليوم ضرورة ملحّة، يفرضها البحث التاريخي المعاصر، من أجل الاستفادة منها، خاصّة في مقاربة مواضيع وقضايا جديدة، تهمّ أساساً: التاريخ الذهني، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والديني. صحيح أنّ هذه الكتابات الأجنبيّة، لن تمكّننا أبدًا من رسم صورة شاملة وواضحة عن تاريخ حاضرة تنبكت وحضارتها، بيد أنّها على الأقلّ بإمكانها أن تستكمل لنا بعض التصوّرات، وتسدّ بعض الفجوات، التي تعاني منها المصادر المحلّيّة السودانيّة الإخباريّة.

لائحة المصادر والمراجع
1- جاهل، عادل بن محمّد، «البحث الكولونيالي الإسباني حول مجتمع إفريقيا (الصحراء الأطلنتيّة نموذجًا): محاولة في التعريف والتركيب»، في مجّلة جيل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، مجلّة علميّة دوليّة محكّمة ومفهرسة، تصدر شهريًّا عن مركز جيل البحث العلمي، طرابلس، لبنان، العدد 51، مارس 2019.
2- عبدي، محمّد ولد،  «حاضرة تنبكت وتاريخها ومنجزها الحضاري وصورتها في مرايا الرحّالة»، مقال ضمن ندوة بعنوان: الرحلة العربيّة: المغرب منطلقاً وموئلًا، تحرير وتقديم نوري الجرّاح، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، الطبعة الثانية، 2009.

1- Brosselard, Charles, Tlemcen et Tombouctou, Imprimerie de A. Bourget, Alger, 1861.
2- Ceillier, Jean-Claude, Histoire des Missionnaires d’Afrique (Pères Blancs) de la fondation par Mgr Lavigerie à la mort du fondateur (1868-1892), ةdition Karthala, Paris, 2008.
3- Hacquard, Augustin, Monographie de Tombouctou, Société des ةtudes Coloniales et Maritimes, Paris, 1900.
4- Hubert, Lucien et Delafosse, Maurice, Tombouctou son histoire-Sa conquête, ةdition grand imprimerie Parisienne, Paris, 1894.
5- Shorter, Aylward, Les Pères blancs au temps de la conquête coloniale: Histoire des missionnaires d’Afrique 1892- 1914, Traduit de l’Anglais par Gérard Guiraudin, ةdition Karthala, Paris, 2011.

-----------------------
[1]*ـ مترجم وباحث في تاريخ الصحراء المغربيّة والعلاقات الإسبانيّة الإفريقيّة، جامعة ابن زهر، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، أگادير، المغرب.
[2]- عادل بن محمّد جاهل، «البحث الكولونيالي الإسباني حول مجتمع أفريقيا (الصحراء الأطلنتيّة نموذجًا): محاولة في التعريف والتركيب»، في مجلّة جيل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، مجلّة علميّة دوليّة محكّمة ومفهرسة، تصدر شهريًا عن مركز جيل البحث العلمي، طرابلس، لبنان، العدد 51، مارس 2019، (صص.65-84)، ص82.
[3]-Aylward Shorter‏, Les Pères blancs au temps de la conquête coloniale: Histoire des missionnaires d’Afrique 1892-1914, Traduit de l’Anglais par Gérard Guiraudin, ةdition Karthala, Paris, 2011, p.67.
[4]- Jean-Claude Ceillier, Histoire des missionnaires d’Afrique (Pères Blancs) de la fondation par Mgr Lavigerie à la mort du fondateur (1868-1892), ةdition Karthala, Paris, 2008, p.277.
[5] -Aylward Shorter‏, Les Pères Blanc, op.cit., p.67.
[6]-Ibid, Aylward Shorter‏, Les Pères Blanc.
[7]-Augustin Hacquard, Monographie de Tombouctou, Société des ةtudes Coloniales et Maritimes, Paris, 1900, pp.VI-VII.
[8]-Aylward Shorter‏, Les Pères blanc, op.cit., p.68.
[9]-Augustin Hacquard, Monographie, op.cit., p.VII.
[10]- Ibid., p.VI.
[11]-Augustin Hacquard, Monographie, op.cit., pp.VI-VII.
[12]-Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.VI.
[13]-Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.1.
[14]- Ibid., p.13.
[15]- Ibid., p.8.
[16]- Ibid., pp.8- 9.
[17]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.pp 8- 9.
[18]- Ibid., p.13.
[19]- Ibid.
[20]- Ibid., pp.13 -14.
[21]- Ibid., p.16.
[22]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.14.
[23]- Ibid.
[24]- Ibid., p.16.
[25]- Ibid., p.18.
[26]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.25.
[27]- Ibid.
[28]- Ibid., p.24.
[29]- Ibid., p.46.
[30]- Ibid.
[31]- Ibid.
[32]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.5.
[33]- Ibid., pp.5- 6.
[34]- Ibid.
[35]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., pp.7- 8.
[36]- Ibid., p.34.
[37]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., pp.35- 36.
[38]- Ibid., p.17.
[39]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.38.
[40]- Ibid., p.39.
[41]- Ibid.
[42]- Ibid., pp.17 -18.
[43]- Ibid., p.39.
[44]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., pp.39- 40.
[45]- Ibid., p.27.
[46]- Ibid., pp.28- 30.
[47]- Ibid., p.30.
[48]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.28.
[49]- Ibid., p.30.
[50]- Ibid., p.28.
[51]- Ibid., p.33.
[52]- Ibid., pp.31- 32.
[53]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.13.
[54]- Ibid., p.21.
[55]- Ibid., pp.33 -34.
[56]- Ibid.
[57]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.32.
[58]- Ibid., p.23.
[59]- Ibid., p.31.
[60]- Ibid.
[61]- Ibid., p.32.
[62]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit..
[63]- Ibid., pp.22 -23.
[64]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit..
[65]- Ibid., p.35.
[66]- Ibid., p.23.
[67]- Ibid.
[68]- Ibid., p.22.
[69]- Ibid., p.20.
[70]- Ibid., p.40.
[71]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.43.
[72]- Ibid., p.40.
[73]- محمّد ولد عبدي، «حاضرة تنبكتو تاريخها ومنجزها الحضاري وصورتها في مرايا الرحّالة»، مقال ضمن ندوة بعنوان: الرحلة العربيّة: المغرب منطلقًا وموئلًا، تحرير وتقديم نوري الجرّاح، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، الطبعة الثانية، 2009، ص184.
[74]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit., p.48.
[75]- Charles Brosselard, Tlemcen et Tombouctou, Imprimerie de A. Bourget, Alger, 1861, p.7.
[76]- Lucien Hubert et Maurice Delafosse, Tombouctou: Son Histoire-Sa Conquête, ةdition Grand Imprimerie Parisienne, Paris, 1894, p.5.
[77]- Ibid., p.11.
[78]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit., p.48.
[79]- Ibid.
[80]- Ibid
[81]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.5.
[82]- Ibid., p.49.
[83]- Ibid., pp.49 -50.
[84]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.23.
[85]- Ibid., p.51.
[86]- Ibid., p.23.
[87]- Ibid., p.41.
[88]- Ibid., p.42.
[89]- Ibid., pp.50- 51.
[90]- Ibid., p.23.
[91]- Ibid., p.34.
[92]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.25.
[93]- Ibid., p.2.
[94]- Ibid., pp.3- 4.
[95]- Ibid., p.43.
[96]- Ibid., p.25.
[97]- Augustin Hacquard, Monographie, op.cit.., p.44.
[98]- Ibid.