البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المستشرقون وتحقيق المخطوطات

الباحث :  حسن أحمد الهادي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  29
السنة :  شتاء 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 8 / 2022
عدد زيارات البحث :  24
تحميل  ( 357.491 KB )
المخطوط، وجمعه مخطوطات، عبارة عن كتاب أو رسالة مكتوبة بخطّ مؤلّفها الأصلي أو النسّاخ، أي لم تطبع بعد، ويقابله المطبوع، وهو الكتاب المنسوخ في المطبعَة[1]. وللبحث في دراسة المخطوطات وتحقيقها، مشكلاته وحقيقاته لناحية الرجوع إلى المصادر المخطوطة الذي يمثّل صعوبةً عند الكثيرين؛ لجهلهم بها أحيانًا، ولصعوبة التعرّف عليها أحيانًا أخرى، ولتعذّر الحصول عليها ثالثة. أضف إلى أنَّ الباحث الذي يتّخذ المخطوطات مادّة لبحثه أو تحقيقه، لا مناص له من التعامل المباشر مع تلك المخطوطات، وهو تعامل دونه محاذير وصعوبات كثيرة؛ لأنّه لا يستطيع أن يدرس المخطوطات إلّا إذا عرف أنواع الخطوط وتواريخها والأماكن التي نشأ فيها أو انتشر فيها كلّ نوع منها، وأنواع الأحبار التي كانت تستخدم وطرق صناعتها، وأنواع الورق، والسمات التي تميّز بها كلّ عصر وكلّ مكان من الأماكن التي صنع فيها، يضاف إلى ذلك المعرفة بأنماط الفنون الزخرفيّة في المخطوطات، وتسمية كلّ شكل من أشكالها، والعصر الذي ظهر فيه، والمكان الذي انتشر فيه وتميّز به، والإلمام بخصائص التجليد في مختلف العصور والبيئات وغيرها من العناصر...

وتتجلّى أهميّة المخطوطات -التي اهتمّ المستشرقون بها- في كونها جزءًا من التراث العربي والإسلامي، الذي قامت عليه الحضارة العربيّة والإسلاميّة، ودراستها تدفع إلى التعرّف على أسباب النهوض وعوامله وعناصر قوّته، والتطوّر والتقدّم والإبداع عند العرب والمسلمين، ومعرفة الطريق الذي سار عليه الأقدمون في مسيرة بنائهم الحضاري.

وصحيح بأنّ دراسة المخطوطات وتحقيقها ونشرها قد بدأت مبكّرًا في حدود القرن الخامس عشر الميلادي في أوروبا، وكانت في طور نشأتها الأولى صناعة تحترف للكسب المعيشي، ثمّ تحوّلت من خلال ما مرّت به من تجارب عمليّة إلى علم له أصوله وقواعده، بدءًا من جمع نسخ المخطوط ومقابلتها، وصولًا إلى تدوين الاختلافات بين النسخ في الهوامش، إلّا أنّه من الواضح عندنا أنّه كان للاستشراق سبق الممارسة لا سبق التأسيس في هذا المجال؛ لأنّ إجراءات علم تحقيق المخطوطات معروفة في تراثنا العربي والإسلامي وعند علماء المسلمين منذ القدم، وقد عرف العلماء المسلمون القواعد المتعلّقة بعلم تحقيق المخطوطات مبكّرًا، إذ كانوا يتحرّون عن صحّة نسبة النصّ إلى صاحبه، ويهتمّون بضبطه وتوثيقه، ويقابلون بين أوجه روايات النصّ المختلفة، لانتقاء أوثقها[2].

ويظهر بوضوح للمتتبّع في تاريخ الاستشراق أنّ عددًا كبيرًا من المستشرقين، قد أولى تحقيق هذه المخطوطات عناية خاصّة واستثنائيّة؛ نظرًا لقيمتها العلميّة والحضاريّة، فضلًا عن كونها جزءًا مهمًّا من التراث العربي والإسلامي العريق، فقد عنيت الدراسات الاستشراقيّة بجمع المخطوطات الإسلاميّة، وتحديدًا في القرن السابع عشر، وتمّ نقلها إلى الغرب، والقيام بحفظها وفهرستها، وتحقيق بعضها ونشره. وتسجّل الوقائع التاريخيّة أنّ المرحلة التي جاب المستشرقون والرحّالة الغربيّون الديار الإسلاميًة بحثًا عن المخطوطات. وبالرغم من كلّ المحاذير والمشكلات والصعوبات التي تواجه عمليّة تحقيق المخطوطات ودراستها، نجد بأنّ المستشرقين على اختلاف مشاربهم وتوزّعهم الجغرافي قد اهتمّوا منذ زمن طويل بجمع المخطوطات العربيّة من كلّ مكان في بلاد الشرق الإسلامي، وكان هذا العمل مبنيًّا على وعي تامّ بقيمة هذه المخطوطات التي تحمل تراثًا غنيًّا في شتّى مجالات العلوم. وكان بعض الحكّام في أوروبا يفرضون على كلّ سفينة تجاريّة تتعامل مع الشرق أن تحضر معها بعض المخطوطات، وقد ساعد الفيض الهائل من المخطوطات المجلوبة من الشرق على تسهيل مهمّة الدراسات العربيّة في أوروبا وتنشيطها. وكانت الجهات المعنيّة في أوروبا ترسل مبعوثيها لشراء المخطوطات من الشرق. فعلى سبيل المثال أرسل «فريدريش فيلهلم الرابع» ملك بروسيا «ريتشارد ليبسيوس» إلى مصر عام 1842م، و «هينريش بترمان» عام 1825م إلى الشرق لشراء مخطوطات شرقيّة، وقد تمّ جمع المخطوطات من الشرق بطرق مشروعة وغير مشروعة. وقد لقيت هذه المخطوطات في أوروبا اهتمامًا لناحية حفظها وصيانتها من التلف والعناية بها، وفهرستها فهرسة علميّة تصف المخطوط وصفًا دقيقًا، وتشير إلى ما يتضمّنه من موضوعات، وتذكر اسم المؤلِّف وتاريخ ميلاده ووفاته وتاريخ تأليف الكتاب أو نسخه... إلخ. وبذلك وضعت تحت تصرّف الباحثين الراغبين في الاطّلاع عليها في مقرّ وجودها أو طلب تصويرها بلا روتين أو إجراءات معقّدة.

وقد قام مثلًا ألوارد (Ahlwardt) بوضع فهرس للمخطوطات العربيّة في مكتبة برلين في عشرة مجلّدات، وقد صدر هذا الفهرس في نهاية القرن الماضي، واشتمل على فهرس لنحو عشرة آلاف مخطوط. وقد قام المستشرقون في الجامعات والمكتبات الأوروبيّة كافّة بفهرسة المخطوطات العربيّة فهرسة دقيقة، وتقدر المخطوطات العربيّة الإسلاميّة في مكتبات أوروبا بعشرات الآلاف[3]، وهناك دراسات للمستشرقين عن هذه المخطوطات في مجالات عديدة. وعلى سبيل المثال قامت باحثة من المستشرقين بإعداد بحث عن نوادر مخطوطات القرآن الكريم في القرن السادس عشر، قال عنه الشيخ أمين الخولي بعد أن سمعه في أثناء حضوره مؤتمر المستشرقين الدولي الخامس والعشرين:»لقد قدّمت السيّدة كراتشكوفسكي بحثًا عن نوادر مخطوطات القرآن في القرن السادس عشر الميلادي، وإنّي أشكّ في أنّ الكثيرين من أئمّة المسلمين يعرفون شيئًا عن هذه المخطوطات، وأظنّ أنّ هذه المسألة لا يمكن التساهل في تقديرها»[4].

...وعندما نريد تقييم جهود المستشرقين، يجب علينا أن لانكتفي بالظاهر، بل علينا أن ندرس المخطوطات التي حقّقوها ونشروها، ونطرح العديد من الأسئلة حولها، فهل كان تحقيقهم مبنيًّا على أسس علميّة؟ وما هي أهدافهم من هذه العمليّة العلميّة المعقّدة؟ وما المخطوطات التي قاموا بتحقيقها؟ وهل عنوا بتحقيق ما يظهر تفوّق المسلمين ونبوغهم وعبقريّتهم، أم أنّهم حقّقوا من المخطوطات ما يخدم أغراضهم وأهدافهم الاستعماريّة؟.

وبنظرة أوليّة نجد بأنّ النقد الموجّه لهذه الأعمال كان في الأعم الأغلب ضمن اتجاهين، فقد عمد أصحاب الاتجاه الأوّل إلى نقد النتائج والآراء الفكريّة للمحقّق في معالجته للنصّ المخطوط، وعادة ما تكون هذه الآراء ظاهرة مثبتة في مقدّمة التحقيق، بحيث يعبّر عنها المحقّق مباشرة موضحًا رأيه في تلك القضايا التي يعالجها المخطوط، وفي بعض الأحيان تكون هذه الآراء مستنبطة من المعالجة التحقيقيّة للنصّ المخطوط، وتظهر أكثر ما تظهر في هامش التحقيق، حيث تعليقات المحقّق على النصّ وترجيحاته. وهذا الاتجاه في النقد يشمل ما أنتجه المستشرقون من تحقيقات أو معالجات للنصّ المخطوط، ولهذا فقد تعرَّضتْ الآراء الفكريّة التي أثبتها المستشرقون في مقدّمات تحقيقاتهم لردود كثيرة، من خلالالمقدمات التي كُتبت من قِبل المحقّقين العرب، الذين أعادوا تحقيق المخطوط الذي نشره المستشرق من قبلُ، وهذا المنحى من النقد يفرض على الناقد لعمليّة التحقيق أن يكون متخصّصًا في المتن موطن الدراسة؛ ليفهم أوّلًا مقصد المحقّق من كلامه، ثمّ يتمكّن ثانيًا من الردّ عليه ونقد آرائه الفكريّة.

بينما ذهب أصحاب الاتجاه الثاني إلى نقد إجراءات التحقيق، أو نقد المنهج الذي اتَّبعه المستشرقون في إخراج المخطوط ونشره، وهو اتجاه نقدي يدور حول المنهج المتّبع من قبل المستشرق في عمليّة المعالجة التحقيقيّة للنصّ المخطوط، وهذا الاتجاه ينبثق من النصّ ذاته دون الدخول مع المستشرق المحقّق للنصِّ في سجال فكري حول آرائه التي حاول أن يبثَّها من خلال معالجته للنصّ المخطوط. ويحاول هؤلاء الإجابة على سؤال: هل استوفت المعالجة التحقيقيّة للمخطوط من قبل المستشرق إجراءات علم التحقيق؟.

وفي كلا الحالتين إنَّ الجهود التي بُذلت إلى زماننا المعاصر لم ترتقِ إلى المستوى الذي يليق بتراث نهبه الغرب وتفرّغ لدراسته مئات الباحثين والمحقّقين؛ بحثًا وتحقيقًا وتنقيبًا في كلّ ما يتعلّق بالتراث العربي والإسلامي؛ ليتمكّنوا من جعل مضامين هذا التراث مادّة مرجعيّة دسمة بين أيدي الباحثين ومراكز الدراسات والمؤسّسات التعليميّة العالية...، ويتمّ استثماره في المجالات العلميّة والتنمويّة والحضاريّة وغيرها من المجالات، في خدمة البلدان والمجتمعات الغربيّة التي طالما ادّعت التطوّر والتقدّم والرقيّ والحضارة، إلى جانب فهمهم لواقع بلداننا ومجتمعاتنا وتراثنا كي تكون لقمة يسهل تناولها برضا وتعاون أهلها وأصحابها.
 وهنا تكمن الخطورة والضعف والوهن عند الكثير من الباحثين والمحققين في هذا العصر، وهو ما يجعلنا نوجّه خطابًا مخلصًا إلى كلّ العلماء والمفكّرين من العرب والمسلمين لاستثمار كلّ الطاقات العلميّة، وتسخير الموارد النفيسة في خدمة إحياء التراث واستنقاذ ما سُلب منه، ودفع كلّ الأفكار المشوّهة عنه، وهذا لا يتمّ إلّا بالمشاريع والمؤسّسات العلميّة الكبيرة، وإعادة رسم أولويّات التعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات ومراكز البحث في عالمنا الإسلامي...

مدير التحرير

--------------------------------
[1]* ـ مدير التحرير.
- مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة، المعجم الوسيط، القاهرة، 1972م, ط2، ص224.
[2]- زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق والنهضة الفكريّة والصراع الحضاري، ط.أولى، 1404ه، مطابع الدوحة الحديثة، ص61، بتصرّف.
[3]-http://www.cairo.cybrarians.info/abstrcts18.html
[4]- راجع العقيقي 3/ 352 وما بعدها، وكذلك 3/ 598. راجع أيضًا:Fueck, op. cit. 189- 191.