البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القضايا الكبرى في كتابات إدوارد سعيد

الباحث :  أ.د عبد القادر بوعرفة
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  29
السنة :  شتاء 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 8 / 2022
عدد زيارات البحث :  476
تحميل  ( 444.669 KB )
ملخّص[1]
يهدف النصّ الاستشراقيّ -بنظر إدوارد سعيد- إلى إعادة تشكيل الشّرق ليس كما هو، وإنّما كما يريد المُهيمن، أي تشويه الشّرق ونسج معرفة غير حقيقيّة عنه، وهنا يمارس المستشرق نوعًا من الفصل غير العلمي بين الشرق التاريخيّ الحقيقيّ وبين الشرق المُشكل تشكيلًا مخياليًّا بغية رسم شرق قابل لكلّ الاحتمالات، التي يفترضها الغرب في صراعه مع غيره من أمم الجّوار. كما يستنتج وجود نوعين من الاستشراق: الكامن والظاهر، وكلاهما ينتمي إلى المؤسّسة الإمبرياليّة، وأنّ الغرب قد جنّد جيشًا من الإعلاميّين والمثقّفين لتشويه الإسلام وعرضه في صور متناقضة ومتعارضة، وتضخيم كلّ عمل غير مقبول يقوم به المسلم، وأنّ الثقافة الغربيّة ثقافة تخدم الهيمنة ومقولات الاحتلال والاستحواذ. ولهذا حاول إدوارد أن يحرّر التعليم من الدوغمائيّة والتوجيه السلبي الذي تمارسه السُّلط، فالتعليم المنشود يجب أن يُمارس ضمن فضاءات الشّك والارتياب، فالطّالب ليس بحاجة إلى التلقين والحشو المعرفي، بل هو بحاجة ماسّة إلى ممارسة حقّه في التّماشج المعرفي.

بعد هذه الإطلالة على أهمّ أفكار وأطروحات سعيد مع الاستشراق، يركّز الباحث على عرض وتحليل تفاصيل هذه الأفكار، ونقدها ومراجعتها، ولا سيّما ما يتعلّق بتعريفه للاستشراق، والمنهج الذي يعتمده في كتبه، وبعض النتائج الذي توصّل إليها، مع أنّ أغلب مناقشات الكاتب تستشهد بمقولات بعض المستشرقين أنفسهم، وهذا ليس محمودًا في مناهج النقد.

المحرِّر
------------------------------
المقدّمة
تحدّث المتنبّي ذات يوم حين استشعر ثقل مهمّة المثقّف في زمن الشّظف والعجف الفكري، وفي زمن الخيانة والمهانة، فقال:
ذو العقل يشقـى في النّعيــم بعقلـه ** وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم

يصدق هذا البيت على المفكّر إدوارد سعيد إلى حدّ بعيد، فلقد عانى واحترق بمسائل عصره، وأحنت ظهره مهازل أقرانه وأترابه، ولم يرحه سوى انسياب القلم على القرطاس، وتداعي المعاني والصور زمن الاحتراق، وحال لسانه يقول في عمق: عندما تلد فكرةٌ ما في ذهني يكون مَوْلدها كجنين انفتق عن رحم أمّه بعد رتق طويل، معلنًا أنّه لن يكون ابن الأغشية الثلاثة، بل سيكون ابن الفضاء الذي جعله يصرخ باكيًا من شدّة احتراق أنفاسه بنسائم الحياة.
لن يشعر بهذا الثقل والهمّ المعرفي إلّا المثقّف الذي وضع لنفسه أهدافًا، ورسم لنفسه طريقًا شائكًا وصعبًا، واكتوى بقضايا أمّته، وانشغل بترقية وعيها وفكرها، وانتشالها من غياهب الانحطاط والتكلّس والسّبات الحضاري، وانبرى يدافع في كبرياء عن الشرق وثقافته، وعن فلسطين وأعدائها، وعن المظلومين في العالم والمهجّرين، وهو ذاته انتهى به المطاف أن استوطن فندقًا حين خسر الشّرق وطنًا وأرضًا اسمها فلسطين.

هكذا كان إدوارد سعيد وسيبقى .... لأنّه كتب اسمه في سجلّ الخالدين بأحرف من اللهب في زمن الجنون، كما سمّاه هو ذاته، وهو فعلًا زمن الجنون الذي هيمن على العالم هيمنة شاملة.
لم يكن إدوارد سعيد مجرّد قارئ هاو ولا إيديولوجي مغامر، بل كان مثقّفًا وعالمًا بالمعنى التام للكلمة، درس موضوعاته بجدّ وعمق، ولم يمر عليها مرور الكرام: «قضيت عدّة سنوات أقرأ عن الاستشراق، ولكنّني كتبت معظم هذا الكتاب في العام الدراسي 1975-1976م»[2].

مهما كتبت عنه في هذه العجالة؛ فلن أستطيع أن أفيه حقّه، ولعلّي أستأنس بما قاله محمود درويش بعد وفاته: «توحّد فيه الإنسان والناقد والمفكّر والموسيقي والسّياسي، من دون أن تشوّش طبيعة كلّ نشاط من هذه الأنشطة على طبيعة النشاط الآخر. وامتازت شخصيّته ذات السّطوة العالية بكاريزما حوّلته ظاهرة عالميّة فريدة. فنادرًا ما يجتمع المثقّف والنجم في صورة واحدة، كما اجتمعت في إدوارد سعيد، الأنيق، البليغ، العميق، الشرس، السلس، المفتون بجماليّات الحياة واللغة. وفي وداعه الصعب، في وداعه المستعصي على الغياب «يلتقي العالم مع فلسطين عند لحظة نادرة، فلا نعرف الآن من هم أهل الفقيد؛ لأنّ عائلته هي العالم. خسارتنا مشتركة، ودموعنا واحدة؛ لأنّ إدوارد بضميره الحيّ وموسوعيّته الثقافيّة، قد وضع فلسطين في قلب العالم، ووضع العالم في قلب فلسطين»[3]*.

ونحن في هذا المقام الجليل والمقال الجميل، سنستحضر أهمّ المواقف الفكريّة التي ستبقى شاهدة على إنسان كان شاهدًا على عصره شهادة ستخزي الكثير ممّن خانوا أفكارهم، وباعوا أوطانهم في الأزمنة العجاف، وفي الوقت نفسه ستنير درب الثلّة، التي وهبت نفسها لتنوير الأمّة والبحث عن أسباب النهوض بها في عالم لا يعترف إلّا بمن يتقن لعبة الكبار، حسب تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي.

سأحاول طرح مجموعة من القضايا الرئيسة في كتاباته، وأن أقدّمها للقارئ من وجهتين: الأولى تحليل بعض أفكاره وآرائه، والثانية نقدها ومراجعتها، فلعلّ هذا التقديم يكون فاتحة لقراءة أعماله المتميّزة والمثيرة، ولتتبّع نهجه النقديّ الصارم والبنّاء، ثمّ لتجاوز مثالبه.

وأعتقد شخصيًّا بأنَّ النقد أهمّ من عرض وتحليل الأفكار؛ لأنّ أكبر ثناء يقدّمه كاتبٌ لكاتبٍ أن يدرس فكره دراسةً نقديّة، تحاول قدر الإمكان فهم النصّ وتأويله وتبيان أسسه ومقدّماته، وكذا التنبيه لتناقضاته وتداخلاته.

أوّلًا: تأمّلات في أهمّ أعمال إدوارد سعيد
وقد رتّبت تلك القضايا حسب أهميّتها على المنوال الآتي:

1. الاستشراق وإشكاليّة فهم الآخر
يُعدُّ الاحتكاك الحضاريّ بين الشّعوب مسلّمة تاريخيّة، ورغبة إنسانيّة في معرفة الآخر معرفة تمكّنه من رسم استراتيجيّة المواجهة والتّحدي أو استراتيجيّة التّحاور والتّجاور والتّعارف. وبناءً على هذه السنّة الكونيّة، احتكّت الحضارة الإسلاميّة بالحضارات العالميّة، وخاصّة الحضارة الغربيّة، وقد نتج عن هذا التلاقح ظهور حركة فكريّة في الغرب؛ اهتمّت بالتراث الإسلامي دراسة ونقدًا وتأريخًا، سمّيت بالحركة الاستشراقيّة، واكتملت صورتها الفعليّة مع بداية القرن العشرين، خاصّة وأنَّ التواصل الحضاري شهد أرقى مظاهره، وإن اتجه صوب الصراع والتصادم في أغلب الأحيان.

أعتبر شخصيًّا بأنّ «الاستشراق» لإدوارد سعيد سنة 1978م، من أهمّ الدّراسات العربيّة حول المسألة الاستشراقيّة[4]، والملاحظ أنَّ إدوارد سعيد اتجه اتجاهًا مغايرًا عن مالك بن نبي وحسن حنفي، وإن اتّفق معهما حول نقطتي الاستعمار والهيمنة؛ فكتاب إدوارد يعدّ نقدًا للمستشرقين دون تميّز وتصنيف[5]، فلا يخلو عمل استشراقيّ في رأيه من مثالب ومطبّات خطيرة؛ لأنّ الاستشراق صناعة إمبرياليّة، هدفها الاستحواذ على العالم الشرقي استحواذًا ثقافيًّا وكونيًّا. وحتّى بعض المستشرقين الذين اعتبرهم مالك بن نبي من المنصفين قدّمهم إدوارد سعيد على أنّهم تواروا خلف الموضوعيّة وقدّموا سمًّا في العسل.

ويبدو أنَّ شهرة إدوارد سعيد صنعها كتابه «الاستشراق»[6]* أكثر من أيّ عمل فكريّ آخر، إذ كان أكثر الكتب مقروئيّة في العالم، ودليلنا ترجمته إلى عدّة لغات عالميّة، وقد اعتبرته الأغلبيّة السّاحقة أنّه كتاب يدافع فيه عن الإسلام والشّرق بالرغم من كونه مسيحيًّا عربيًّا،غير أنَّ سعيد لا يعترف بذلك، فهو يُنبّه النقّاد والقرّاء بأنَّ كتابه ليس دفاعًا عن الإسلام وتهجّمًا على الاستشراق والدول الداعمة له، بل هو محاولة تعرية الخطاب الاستشراقي من خلال حمولته اللغويّة وأبعاده الإيديولوجيّة، يقول إدوارد سعيد في هذا الشأن: «لقد أثار الاستشراق حين صدر في صيغته الأصليّة الإنجليزيّة عام 1978، قدرًا لافتًا من الاهتمام في العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى اهتمام القرّاء والدارسين المتخصّصين بالشرق الأوسط، وفي عام 1981 صدر الاستشراق في ترجمة عربيّة لافتة، قام بها الدكتور كمال أبو ديب، ليعزّز مقام هذا الكتاب بوصفه إمّا دفاعًا عن الإسلام وإمّا هجومًا مقذعًا عنيفًا ضدّ الغرب، وكلا الأمرين لا يمتّ بصلة إلى ما كنت قد انتويته أصلًا من تأليف الكتاب»[7].
يعتقد إدوارد أنَّ مصطلح الاستشراق مع مرور الزمن بدأ يحمل مفهومًا سلبيًّا مقرونًا بالخيانة، والغريب في الأمر أنّه اتّهم من قبل بعض الأطراف الغربيّة والعربيّة أنّه ضدّ الاستشراق، بينما اتّهم من طرف بعض السُّلط العربيّة بأنّه يمثل التيّار الاستشراقي، وعبّر عن هذا التناقض بقوله: «مع مرور الزمن اكتسبت كلمة الاستشراق شهرة واسعة باعتبارها لفظة تجريح وتشهير، (ومن المفارقات اللاذعة أنّني شخصيًّا هوجمت... بتهمة أنّني مستشرق). وذهبت أدراج الرياح التحدّيات المعرفيّة والأساسيّة التي جسّدها الكتاب»[8].

حاول إدوارد سعيد من خلال كتاب الاستشراق الوصول إلى نتيجة عامّة، تكمن أصلًا في القول ببطلان الحقائق التي يقدّمها المستشرقون انطلاقًا من القاعدة البنيويّة التي ترى أنَّ كلّ معرفة هي نتاج سلطة ما، والسلطة لا تنتج معرفة من أجل المعرفة، بل تنتج معرفة من أجل المصلحة والهيمنة، وهذا يقود بعد عمليّة التّحليل إلى القول بأنَّ الاستشراق يعبّر عن معرفة السلطة لا سلطة المعرفة، بمعنى أنَّ إنتاج المستشرقين يدخل ضمن لعبة التمثّلات والتمثيلات الرامية إلى تشويه الخصم. وعندما نمارس منهج ميشال فوكو من خلال لعبة المنطوق واللامنطوق، يتبيّن لنا أنَّ المنطوق الغربي يتمثّل في المعرفة والعلم بالشرق، بيد أنَّ اللامنطوق الغربي يتجلّى فيما أورد سعيد حين يُفصح عن قناعة الغرب: «لا يستطيع المسلمون أو العرب، ولا أيُّ شعب من الشعوب الصغرى التي سُلبت إنسانيّتها، أن يتعرّفوا على أنفسهم باعتبارهم بشرًا»[9]. ويحيلنا هذا اللامنطوق الغربي إلى إدراك أنَّ الغرب من خلال الدراسات الاستشراقيّة يريد أن يُعرّف شعوب الشرق بحقيقتها من باب أنّه الأجدر بالفهم لامتلاكه العلم والمنهج. وعليه، فالغرب ينظر إلى المسلمين وغيرهم من الشعوب على أنّهم قُصّر، ولا يملكون العقلانيّة لفهم ذواتهم بناء على أنّهم شعوب يحكمها الوجدان والانفعال، بينما أوروبا هي أرض العقل والبرهان.

لا يخفى على أحد أنَّ إدوارد سعيد ينطلق من فلسفة ميشال فوكو، وهذه الفلسفة نفسها مبنيّة على جملة من المنطلقات المُركّبة من عدّة نظريّات سابقة، إذ تُعدّ فلسفة فريدريك نيتشه من أبرز مرجعيّاتها إضافة إلى الفلسفة السفسطائيّة القديمة.

 عندما نخضع النصّ الاستشراقي للمنهج البنيويّ وفق توظيف إدوارد سعيد، فلا بدّ أن نقرّ ما يأتي:
ـ يهدف النصّ الاستشراقي إلى إعادة تشكيل الشّرق ليس كما هو، وإنّما كما يريد المُهيمن، أي تشويه الشّرق ونسج معرفة غير حقيقيّة عنه، وهنا يمارس المستشرق نوعًا من الفصل غير العلمي بين الشرق التاريخي الحقيقي وبين الشرق المُشكل تشكيلًا مخياليًّا بغية رسم شرق قابل لكلّ الاحتمالات التي يفترضها الغرب في صراعه مع غيره من أمم الجّوار.

ـ يعبّر عن نزعة سلطويّة مخفيّة ضمن مقولات العلم والحقيقة، ويتحوّل العَالم بالاسم إلى سياسي بالفعل.
ـ يفرض القول بنسبيّة النصّ الاستشراقي ارتباطه بالمكان والزمان أكثر من ارتباطه بالحقيقة.

ـ يفرض ربطه بمؤسّسة مختصّة في إنتاج النصّ وفق استراتيجيّة هادفة، تقوم على ثنائيّة العمل ضمن المنطوق واللامنطوق، وتقوم تلك السلطة وفق الرغبة الميغالوثيموسيّة بتحقير الشّرقي ووصمه بالدّونية حتّى تتولّد لديه ما سمّاها مالك بن نبي بـ «القابليّة للاستعمار». يقول إدوارد سعيد: «الاستشراق بصفته المؤسّسة الجماعيّة للتعامل مع الشرق - والتعامل معه معناه التحدّث عنه، واعتماد آراء معيّنة عنه، ووصفه، وتدريسه الطلاب، وتسوية الأوضاع فيه، والسّيطرة عليه: وباختصار بصفة الاستشراق أسلوبا غربيًّا للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلّط عليه»[10].

ـ أنَّ نقد الاستشراق هو نقد الاستعمار وكشف ألاعيبه ضمن حلبة الصراع الفكري، ثمّ نقد ما بعد الاستعمار؛ باعتبار أنَّ الهيمنة استمرّت في أوجه جديدة أكثر ارتباطًا بمقولات العلم والإنسانيّة. ذلك أنَّ النظريّة البنيويّة في مسألة المعرفة تؤمن بالتغيّر وإعادة التمظهر وفق التمثّلات الطارئة من خلال حركة الوعي الغاضب والوعي الغاصب، وهما مقولتان مرتبطتان بحركة الميغالو والإيسو ضمن النزعة الغضبيّة الموسومة عند أفلاطون بالثيميس.

ومن خلال ما سبق، يصل إدوارد سعيد إلى استنتاجه التاريخي، والمتمثّل في وجود نوعين من الاستشراق: الكامن والظاهر، وكلاهما ينتمي إلى المؤسّسة الإمبرياليّة، فالتعريف الأكاديمي للاستشراق بات من صور الماضي، وفقد مصداقيّته التاريخيّة حين تحوّل إلى علم استعماري استعلائي.

2. الثقافة والإمبرياليّة: اللعبة المزدوجة
يمثّل كتاب «الثقافة والإمبرياليّة» ثاني أهمّ كتاب ألّفه إدوارد سعيد، وهو كتاب يتمّم مسائل وقضايا كتابه الاستشراق. ينطلق إدوارد في ربط الإمبرياليّة بالتّيه الاستحماري، فالثقافة الغربيّة ثقافة تخدم الهيمنة ومقولات الاحتلال والاستحواذ، ولتحليل تلك العلاقة الوطيدة بين الثقافة والإمبرياليّة لا بدّ أن ننطلق من القاعدة الآتية: «إنّ استثارة الماضي هي بين أكثر الاستخطاطيّات شيوعًا في تأويلات الحاضر. وما ينفح مثل هذه الاستخطاطيّات بالحياة، ليس الخلاف على ما حدث في الماضي وما كُنه الماضي فحسب، بل هو أيضًا اللايقين ممّا إذا كان الماضي ماضيًا فعلًا، منتهيًا ومختتمًا، أم كان لا يزال مستمرًّا، لكن في أشكال قد تكون مختلفة»[11].

ويبدو أنَّ تلك الأشكال المختلفة تتمظهر أساسًا في الثقافة التي تعتبر حصان طروادة الذي تُفتح به قلاع المقاومة والتصدّي، ومن جهة أخرى تبرز الثقافة مدى ارتباط المثقّف الغربي بالمؤسّسة، فأغلب أدباء الغرب يتعاملون مع قضايا الشعوب غير الغربيّة تعامل الإله جانيس ذي الوجهين في الميثولوجيا الغربيّة، فهناك الوجه الإنساني المُتشبّع بالنزعة الإنسانيّة المفتوحة وحقوق الإنسان، لكنْ هناك وجه ثانٍ يعبّر عن الوجه الكولونيالي المريع والبشع.

حاول إدوارد من خلال دراسة الأدب الروائي الإنجليزي بالخصوص أن يبيّن كيف يساند المثقّف الغربي بلاده في الهيمنة على الشعوب غير الأوروبيّة، فمثلًا الأديبة جين أوستن[12]* في روايتها بارك مانسفيلد حاولت تبرير الرقّ والاستعباد الممارس من قبل أبناء جلدتها في جزر الكاريبي.
وتحدّث في كتاب الاستشراق عن الشاعر لامارتين الفرنسي الذي من خلال رحلاته وأسفاره إلى الشرق (1833م) اعتقد أنّه استطاع أن يعرف الشرق ويلمّ بثقافته، فكتب عبارة المشهورة: «الشرق أرض العقائد، وأرض العجائب»[13].لكن عندما نحلّل نصوصه عن الشرق تتلاشى تلك العبارة المادحة، وتتجلّى عبارات السخرية من الشرقي وثقافته في كثير من متونه، فمثلًا يصرّح قائلًا: «هذه الأرض العربيّة أرض العجائب، فكلّ شيء ينبت فيها، وكلّ ساذج أو متعصّب يمكنه أن يصبح هناك نبيًّا بدوره»[14].

يحاول إدوارد من خلال كتاب الثّقافة والإمبرياليّة إثبات صحّة ما طرحه في كتاب الاستشراق، فالمؤسّسة الإمبرياليّة تعمل، بكلّ ما أوتيت من سلطة ماليّة وتجاريّة وعسكريّة وثقافيّة، على تهيئة غير الأوروبي للهيمنة والاستحمار، من خلال إشعاره بمركّب النقص والشعور بالدونيّة، ومن ثمّ إقناعه بأنَّ الأوروبي يمثّل قيمة الإنسانيّة والتفوّق.

إنَّ أسطورة الرجل الأبيض تغزو الثقافة الغربيّة، وتحاول المؤسّسات الثقافيّة من دور نشر وسينما وإعلام متعدّد تقديم الرجل الأبيض على أنّه الرجل الأعلى وفق تسمية فريدريك نيتشه.
يؤكّد سعيد من خلال نصوص روائيّة كثيرة ظاهرة انخراط المثقّف الغربي في المؤسّسة الإمبرياليّة: «وما يميّز كونراد عن غيره من الكتّاب الاستعماريّين الذين كانوا معاصرين له، هو أنّه كان واعيًا وعيًا ذاتيًّا حادًّا لما يفعله، لأسباب تعود جزئيًّا إلى الاستعمار الذي حوّله، وهو المهاجر البولندي، إلى موظّف لدى النظام الإمبريالي»[15].

لقد ذكر إدوارد في كتابه الثقافة والإمبرياليّة جيشًا من المثقّفين الذين تجنّدوا لتبرير الاستعمار وإذلال الشعوب غير البيضاء، أمثال: هنري مين، رودرك موريشيس، مالو، كيانغ، كلايف، ......

3. الإسلام والغرب وزمن الجنون
تبدو العلاقة بين الإسلام والغرب في الوقت المعاصر علاقة متوتّرة جدّاً، تعبّر بصدق عن جنون المرحلة وجنون طرفي الصراع، كلّ طرف يتصرّف على غير هدى، ويقصد الأطراف المتطرّفة في الحضارتين معًا، هناك متطرّفون غربيّون يمثّلون المدرسة الإمبرياليّة الكبرى، وهناك متطرّفون شرقيّون يمثّلون التيّارات الأكثر راديكاليّة. وأمام هذا الوضع المأساوي نجد العلاقة بين الغرب والإسلام علاقة صداميّة: «الإسلام ضدّ الغرب، هذا هو الأساس الذي ينبثق منه العديد من التنوّعات المذهلة لخصوبتها، ومن الافتراضات التي يتضمّنها، أوروبا ضدّ الإسلام، وأمريكا ضدّ الإسلام»[16].

إنّ علاقة الغرب بالإسلام علاقة قديمة، تبدأ منذ ظهور الدعوة المحمّديّة، غير أنّها لم تصل إلى أعنف مراحلها إلّا في فترة الحروب الصليبيّة وفي الفترة الأخيرة، خاصّة بعد ظهور ما يسمّى الإسلام السياسي، وظهور الثورة الإيرانيّة التي جعل منها إدوارد سعيد المَعلم للصراع.
إنّ الغرب من خلال آلته الإعلاميّة الخطيرة جدًّا، جنّد جيشًا من الإعلاميّين والمثقّفين لتشويه الإسلام وعرضه في صور متناقضة ومتعارضة، وتضخيم كلّ عمل غير مقبول يقوم به المسلم.

لقد خدم الإعلام الإمبرياليّة خدمة لا توصف، فلقد استطاع أن يغيّر الرأي العالمي الدولي، ويوجّهه نحو ما يريد من خلال تقسيم العالم إلى محوري الخير والشرّ، والدول إلى المارقة الشرّيرة والعادلة الإنسانيّة.

4. فلسطين القضيّة وفكرة العيش مع الأعداء
شكّلت قضيّة فلسطين المحور الرئيس في نضال إدوارد سعيد، فهي الوطن المسلوب، والأرض المقدّسة، والجرح الغائر في أعماق النفوس، وهي الموطن الذي لم يستطع أن يسكن فيه: «سكنتني رغبة العودة منذ إصابتي بمرض سرطان الدم. لكن ثمّة عندما أستيقظ كلّ صباح شعور غريب يتملّكني منذ أن عدت إلى البلاد فأقول لنفسي: أنا في بلادي، في الأرض حيث شهدت عيناي النور، بيتي على بعد خطوتين، ولكنّه ليس لي، بل أنام في الفندق وأستيقظ فيه»[17].

 يعتبر البحث في موضوع فلسطين صعباً للغاية لمثقّف سلب وطنه منه بالقوّة، وتكمن صعوبة الحديث عنه من وجهين، الأوّل وجود احتلال صهيوني غاصب وشرس، تؤازره الحكومات الغربيّة وتحافظ عليه، ومن جهة أخرى وجود سلطة فلسطينيّة تحارب إدوارد وتعتبره مجرّد مستشرق بوجه عربي، وتسلب منه الوطنيّة والانتماء. لكن رغم تلك الصعوبات يعتقد سعيد أنَّ حلّ قضيّة فلسطين تكمن في الإرادة المتفائلة المتجاوزة للفكر المتشائم: «إنّ ما كنت أبحث فيه مشروع صعب، وكثيرًا ما يُثبّط العزيمة ويواجَه بمعارك. إنّ الفلسطينيين يعرفون، عقلانيًّا، أنّ الاحتمالات ضدّهم -لكنّ ثقتهم في قضيّة عدالتهم وصدقها- من جهة أخرى ترسم صورة أكثر إشراقًا: إنّه كما قال أنطوني غرامشي تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة»[18].

5. التعليم وأفق الوعي المتحرّر
مارس إدوارد سعيد فعل التعليم (الديداكتيك)، فاكتسب خبرة جعلته يقف من مناهج وطرق التعليم موقفًا نقديًّا بامتياز، فمن خلال تحليل العلاقة بين أطراف معادلة التعليم توصّل إلى ثلاثيّة خطيرة جدًّا في العمليّة التعليميّة برمّتها، فالتعليم يتمأسس حسب نظره على: المضمون المعرفي، مناهج وطرق التعليم، ثمّ المدرّس أو المكوّن.

أ. المضمون المعرفي وهيمنة الإيديولوجيا
يعتقد إدوارد سعيد بأنَّ التعليم على مرّ التاريخ ما زال مضمونه ومحتواه تؤطّرهما دوافع قوميّة صريحة، أو خفيّة وضمنيّة، ونلاحظ ذلك يتجلّى في عدّة أوجه، بدءًا من لغة التدريس وانتهاء بتاريخ البلد. إنّ الدول سواء كانت ليبراليّة أو شبه ليبراليّة تعتبر اللغة هي الهُوية والخصوصيّة، فتصبح اللغة أداة لترسيخ إيديولوجيّة قوميّة لا أداة لترسيخ مهارات علميّة، وهذا التوظيف السيّئ للغة ينعكس على التحصيل الدراسي؛ إذ سَنُنْتِجُ أشخاصًا تفكيرهم ضيّق مقترن بالقوميّة والجغرافيا. لاحظ إدوارد سعيد هذا الأمر في أعرق الجامعات الأمريكيّة، فالطالب الأمريكي حين تناقشه في قضايا العصر والمجتمع تجده أكثر ارتباطًا بالمقولات القوميّة، وأكثر تقوقعًا داخل أمّة تحكمها الجغرافيا أكثر ممّا تحكمها النزعة الإنسانيّة. وعند الحديث عن أنظمة التعليم العربيّة بالخصوص، فمضمونها المعرفي مضمون إيديولوجي ضيّق، فالأحزاب البعثيّة على سبيل المثال لا الحصر تقحم الخطاب القومي والبعد العربي، وتجعل من التاريخ واللغة الأداتين الضروريّتين لاستنساخ المواطن القومي العربي، يقول إدوارد سعيد: «لسوء الحظِّ أنّ كلّ أنظمة التعليم المعروفة اليوم لا تزال قوميّة خفيّة أو ضمنيّة، إلى حدّ ما، هذه ضرورة للغة والسياق والحقيقة الوجوديّة. إن كنتَ فرنسيًّا مثلًا، يجب أن تتعلّم اللغة القوميّة، وتتعلّم تاريخ البلاد وتفهم مجتمعه لكي تعيش فيه. في المجتمعات الأقل ليبراليّة، هناك ضرورة أكبر لتعليم الشباب بأنّ لغتهم وثقافتهم متفوّقة، وبالاستنتاج تكون الثقافات الأخرى أقلّ أهمية أو بطريقة ما أجنبيّة وغير مرغوبة لكي تبدو غير جذّابة»[19].

ب. مناهج التعليم والقصور التربوي
اختيار طرق التربية والتعليم أمر ضروري في كلّ عمليّة تعليميّة هادفة، بيد أنّ الواقع ينبئ عكس ذلك تمامًا، فمناهج التعليم هي ذاتها تكريس لفعل إيديولوجي، فالمنظّر التربوي ضمن فضاء السلطة يتّجه صوب شرعنة سلطة الظلّ من خلال ترسيم المناهج التي تحقّق ما ذكرناه في العنصر الأوّل.

 يحاول إدوارد سعيد من المثال الآتي تبيان الفرق بين المنهج الوظيفي في التعليم وبين المنهج الإيديولوجي: «فالتفكير المشترك عن العولمة تغلّب على الشعور لدرجة يجب أن تكون فيها وظيفة التعليم، في رأيي، تعزيز روح المقاومة بدل الامتثال، والتفويض الفردي بدلًا من الجبريّة الجمعيّة، وإلّا كيف سنشجّع طلابنا على التمييز بين العدل والظلم، بين الأفكار العقائديّة عن الديمقراطيّة وبين الديمقراطيّة التشاركيّة الحقيقيّة؟ أوّلًا وقبل كلّ شيء، كيف نستطيع أن نحفّز الناس من خلال التعليم ليصنعوا تاريخهم بأنفسهم، وأن يكون التاريخ نفسه تنافسًا حول القضايا الأخلاقيّة الأساسيّة التي تشمل السلطة والمسؤولين والشعور الأخلاقي؟ دعني الآن أقدّم وجهة نظر بديلة عن النظرة التقليديّة الموجودة في تقرير اللجنة العالميّة»[20].

 إنَّ ربط الطرق التربويّة بأهداف تدجين المتعلّم وتطويعه لمقولات سلطة الظلّ تكون أكثر ضررًا في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، فالطالب يجب أن نحرّره لا أن نستعبده ونهيمن عليه، فالهدف الوحيد يتبلور في قدرتنا على ربط المنهج بمهارة الاختلاف والتنوّع والتعدّد: «لكنّي أعتقد أنّ إحدى فوائد التعليم هي، عدا عن إعطائنا أساليب ومهارات للتعامل مع مجالات من الخبرة مثل الطب أو القانون أو الإنسانيّات، يعطينا أيضًا الفرصة لنرى الأشياء بصورة مختلفة، وأن نحاول بطريقتنا الخاصّة بأن نبني جسورًا فوق الهاوية. لا يعني هذا بأن لا يفترض في التعليم أن يكون حول اكتساب المعرفة -طبعًا هو كذلك- لكنّ المعرفة أكثر من مجرّد تكديس للمعلومات. قال (جان بول سارتر) مرةً عن صديق درس في أعظم الجامعات الفرنسيّة؛ (إيكول بوليتكنيك): صديقي ذكي بشكل لا يُصدّق حقًّا. هو يعرف كلّ شيء، لكنّ ذلك كلّ ما يعرفه»[21].

 أصبحت فعلًا المدارس والجامعات تنتج كيانات عالمة عارفة، لكنّها لا تنتج كيانات مخالفة لواقعها، إنّها مجرّد استنساخ لأفراد تعلّموا ليعرفوا ما يجب أن يعرفوه فقط، لكن لا تجد في ذواتهم الحماس النقدي كأرسطو وليوناردو دي فينشي، ولا ارتيابات وشكوك بطليموس وديكارت وهيزبورغ، ولا قناعات سقراط وأفلاطون وجاليلي.... بل إنّ أغلب النماذج التي تصنعها أنظمة التعليم المعاصرة تشبه، كما يقول إدوارد سعيد، صديق جون بول سارتر الذكي جدًّا جدًّا، ولكنّه للأسف لا يعرف إلّا ما بُرمج على أن يعرفه.

ت. المُعلّم وإشكاليّة التلقي
ينتقد إدوارد سعيد بشدّة طبيعة المكوّن أو المعلّم في المنظومات التربويّة المعاصرة، فالمكوّن أصبح مجرّد بنك للمعلومات، وظيفته إيصال كمّ من المعلومات بأسرع الطرق، بحيث تقتصر عمليّة التّلقين على فرض نوع من الهيمنة على المتلقّي؛ إذ يصبح المُكون هو مالك الحقيقة والمتحكّم في الموضوع، بينما العمليّة التربويّة وفق التصوّر الأفلاطوني القديم يجب أن يتحوّل المعلّم إلى صاعق مثل الأنقليس الرعاد ( (Electrophorus electricusكما تصوّرها سقراط في إحدى محاورات أفلاطون، يجب أن يكون المعلّم -حسب إدوارد سعيد- مجرّد موجّه أو مرشد، بل يجب أن يكون في المقام الأوّل منتجًا للشكّ ومروّجًا للسؤال تلو السؤال: «أحد أصعب الأشياء بالنسبة لي كمعلّم هو أن أعطي طلّابي كلّ ما أعرفه عن الموضوع، وأحاول شرحه بشكل كامل بقدر ما أستطيع، وبعد ذلك أجعلهم يشعرون ببعض الرضا حول ما قلته أيضًا أو على الأقل الشكّ به بعيدًا عن حالة الرفضيّة الآليّة، الشكوكيّة هي الخطوة الأولى لتشييد بناء فوق هاوية. إن لم تستطع أن تلهم طلابك لفعل ذلك، إن لم تستطع أن تحركّهم ليفهموا بأنّ التعليم هو تعليم ذاتي فعلًا، وليس قبولًا بلا نقاش لما يقوله المسؤول «السلطة» أخيرًا، حينها عليك أن تدرك بأنّك سلّمتهم إلى عبودية فكريّة، وبالتالي أخلاقيّة»[22].

 حاول إدوارد من خلال الثلاثيّة السالفة أن يحرّر التعليم من الدوغمائيّة والتوجيه السلبي الذي تمارسه السُّلط، فالتعليم المنشود يجب أن يُمارس ضمن فضاءات الشّك والارتياب، فالطالب ليس بحاجة إلى التلقين والحشو المعرفي، بل هو بحاجة ماسّة إلى ممارسة حقّه في التماشج المعرفي، بحيث نضعه في صلب المشكلة، ونتركه يصارع متاهات السؤال، ويقارع تناقضات المعنى والتأويل، ويجابه بقوّة سلطة المُؤول ومنتج المعرفة. لا نريد أن ننتتج رجلًا ذكيًّا جدًّا على شاكلة صديق جون بول سارتر.

ثانيًا: إدوارد سعيد الاستغراق في الاستشراق: رؤى نقديّة
 لا أحد ينكر مكانة كتاب «الاستشراق» من حيث كونه دراسة أكاديميّة صارمة، حاول صاحبها تقديمها ضمن إبستميّة معرفيّة متميّزة؛ تنطلق من فضاءات النظريّة البنيويّة التي شكّلها الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو بالخصوص، وكذلك ضمن منهج بنيوي اعتقد إدوارد أنّه منهج متكامل نظرًا لارتباطه بمقدّمات إبستميّة تقنع صاحبها أنّ ما يقوم به هو تحليل لبُنى الخطاب ثمّ إعادة تشكيله تشكيلًا علميًّا يتناقص فيه مجال الذاتيّة المقترنة بإيحاءات السّلط النافذة. لكن بالرغم من ذلك نسجّل بعض الملاحظات النقديّة على فكر إدوارد سعيد حول الظاهرة الاستشراقيّة، ويمكن رصد تلك الملاحظات في النقاط الآتية:

1. غواية المفهوم ومزالق التسمية
 إن أوّل نقد نوجّهه لإدوارد سعيد يكمن في تهافت تعريفه للاستشراق، فهو يعرّفه على النحو الآتي: «نمط من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة السيطرة عليه»[23]، بيد أنّ دراسة مصطلح جينيالوجيا يفيد بأنَّ الاستشراق مصطلح لم يظهر زمن الإمبرياليّة أو زمن الاستحمار الغربي والاستكبار على حدّ تعبير علي شريعتي، بل مفهوم الاستشراق ظهر زمن الانحطاط الغربي أصلًا، فلقد أُطلقت لفظة مستشرق على كلّ رجل غربي يحسن الحديث بلغات الشّرق، وعلى رأسها العربيّة، وظهرت تلك التسمية ببلاد الأندلس زمن القوّة وعدم التبعيّة للغرب، بل العكس تمامًا كان الغربُ (الإفرنج) هم المبهورون بالعرب والمسلمين. ويفيد تاريخ الاستشراق أنّ ثلّة من الرهبان الأوروبيّين قصدوا الأندلس لتحصيل العلوم والمعارف، التي كانت تشتهر بها على سائر المدن وقتها، فدرسوا في مدارسها، وتعلّموا اللسان العربي، فترجموا القرآن أوّل الأمر، ثمّ اتجهوا لترجمة كتب الفلسفة والعلوم، ونظرًا لبراعتهم باللسان العربي أطلق على كلّ منهم اسم مستشرق كناية عن التفقّه في لغة الشرق وآدابها.

 وكان من أشهر المستشرقين الأوائل الراهب الفرنسي «جربرت» بابا كنيسة روما عام 999م، إضافة إلى الأب بطرس المبجّل (1092-1156م) ويوحنّا الدمشقي (676- 749)، والقسّ جيراردو دا كريمونا (1114-1187م)، وغيرهم من القساوسة والعلماء، وكذا بعض اليهود الذين التحقوا بحركة الترجمة كيهوذا بن شموئيل وغيره.
 كان هؤلاء الرجال مبهورين بالثقافة المشرقيّة انبهارًا لا مثيل له، لذا أسّسوا في بلدانهم مدارس لنشر ثقافة وعلوم الشرق، وكان من أشهرها مدرسة «بادوا العربيّة»، ومن بعدها ظهرت المدرسة الرشديّة اللاتينيّة التي غزت معاهد أوروبا.

وبعيدًا عن غواية المفهوم الذي قدّمه إدوارد سعيد، يتبيّن جليًّا أنّ مفهوم الاستشراق يمكن ضبطه من خلال حركة التاريخ والبعد الإيثمولوجي (الجذر اللغويّ)، فكلّ الموسوعات العالميّة تعرّف الاستشراق على أنّه: «علم الشّرق»، ويفيد هذا الحصر أنّ الدّراسات الاستشراقيّة كان موضوعها الرئيس هو الشرق الثقافي، وليس الشرق الجغرافي بالضرورة، ومعناها أنّ لفظة الاستشراق تفيد دراسة كلّ الشعوب التي تشرق الشمس من جهتها، ولعلّ هذا ما أراد أن ينبّه إليه ساسي سالم الحاج في قوله: «ذلك العلم الذي تناول المجتمعات الشرقيّة بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب»[24] وعليه يصبح المستشرق من خلال ما سبق ذكره هو كلّ: «عالم متمكّن من المعارف الخاصّة بالشرق ولغاته وآدابه»[25].

ونظرًا لكثافة التعاريف، حاول إدوارد سعيد في مقدّمة كتابه الاستشراق أن يُبيّن للقارئ بأنّه محيط بكلّ التعاريف والمفاهيم التي تخصّ لفظة الاستشراق والمستشرق، لكنّه يحبّذ وضع قطيعة إبستميّة بين مرحلتين من الاستشراق، فالاستشراق بالمفهوم القديم هو العلم الذي يدرس الثقافة الشرقيّة بكلّ أبعادها، وعليه كان المستشرق يُعرّف حسب قوله: «فالمستشرق كلّ من يعمل بالتّدريس أو الكتابة أو إجراء بحث في موضوعات خاصّة بالشرق، سواء كان ذلك في مجال الأنثروبولوجيا أي علم الإنسان، أو علم الاجتماع، أو التاريخ، أو فقه اللغة..[26]» غير أنّ إدوارد يعتبر هذا التعريف فاقدًا لمصداقيّته العلميّة وشرعيّته التاريخيّة، لأنّه تحوّل إلى علم يهتمّ بدراسة المناطق، فتحوّل إلى علم استعلائي استكباري، هدفه ليس معرفة الشّرقي وثقافته بل هدفه استعباده واحتلاله.

 إنَّ هذا التصوّر المفهومي الذي نحته إدوارد سعيد يمكن أن يصدق على المدارس الاستشراقيّة الأمريكيّة والإنجليزيّة بالخصوص، التي ربطت الدراسات الاستشراقيّة بمفهوم الهيمنة وملء الفراغ، ثمّ مفهوم العولمة والنظام العالمي الجديد. لكنّ بعض الدول الغربيّة لم تكن تهدف إلى الهيمنة، وخاصّة ألمانيا التي شهدت أعظم المستشرقين المنصفين، وإن حاول إدوارد سعيد تفنيد ذلك من خلال ربط الاستشراق الألماني بالهيمنة المعرفيّة لا الهيمنة الكولونياليّة.
لم يقف بعض المستشرقين أمام هجمات إدوارد سعيد الشرسة، بل ردّوا عليه ردودًا متفاوتة البعد والمتن، فلويس برنارد يخاطبه قائلًا: «.. ولو كان البحث عن السلطة بواسطة المعرفة هو الباعث الوحيد أو الباعث الأساسي للاستشراق، فلماذا ازدهرت هذه الدراسات الاستشراقيّة في بعض البلدان الأوروبيّة التي لم تساهم إطلاقًا في الهيمنة على العالم العربي (المقصود ألمانيا)»[27].

بل يذهب لويس برنارد إلى أبعد من ذلك حين يقرّ: «في الواقع إنّ كتابة تاريخ الدراسات العربيّة في أوروبا بدون الألمان لا معنى لها مثلما أنّه لا معنى لكتابة تاريخ الموسيقى أو الفلسفة الأوروبيّة بدون ذكرهم» [28].

ويبدو أنّ إدوارد سعيد كان مدركًا لتلك المسألة، ففي خاتمة كتابه الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق (1995) تحدّث بعدم وجوب وضع كلّ المستشرقين في سلّة واحدة. وهاجم برنارد لويس بشدّة: «وعلى أيّة حال فأنا لم أفعل ذلك قطّ، فمن الجهل المطبق القول بأنّ الاستشراق مؤامرة، والإيحاء بأنّ الغرب شرّ، وكلاهما من السخافات التي تجاسر لويس بوقاحة فنسبها إليّ»[29].

أمّا المسألة الأخيرة التي أريد أن أناقشها في مبحث غواية المفهوم، تتمثّل في تسمية كتابه بالاستشراق، جاء في مقدّمته أنّ مصطلح الاستشراق فقد مصداقيّته ولم يعد يُعبّر عن تلك الحمولة المعرفيّة التي حملها في الأزمنة الماضية، ولذا وجب تغييره بمصطلح الدراسات الشرقيّة أو بمصطلح دراسات المناطق، والسبب يعود حسب اعتقاده لسببين: «السبب الأوّل أنّه يتّسم بقدر أكبر ممّا ينبغي من الغموض والتعميم، والثاني هو أنّ من ظلال معانيه الإيحاء بالاستعلاء»[30]، وعليه، ما دام الأمر على هذا الوضع الذي ذكره، فلمَ سمّى كتابه بالاستشراق ولم يسمّه بالمصطلح الأكثر مطابقة للواقع والأكثر تعبيرًا عنه؟!.

2. حدود الحقيقة والوهم
نفي وجود أيّ حقيقة في التاريخ والواقع، باعتبارها مجرّد تمثيل وتمثّل وإعادة تشكيل لرؤى من جديد، تفرض القول بأنّ ما أنتجه إدوارد سعيد ذاته لا يخرج عن المبدأ السابق، أي إنّه شكّل معرفة مبنيّة عن شهوة نزع الاعتراف من الآخر بالقوّة، وعندئذ يتساوى النصّ الاستشراقي مع النصّ الإدواردي، ويصبح إدوارد سعيد بمنهج إدوارد سعيد مجرّد إيديولوجي مصاب بالوعي الغاضب والوعي الغاصِب في الوقت نفسه، فهو لا يختلف عندئذ عن أيّ مستشرق في لحظة إنتاج نصّ ما، والاختلاف يكمن فقط في طبيعة المُستهدف بالهيمنة وطبيعة الاستراتيجيّة المُتبعة.

ومن ناحية أخرى، كيف نفسّر مشروع حسن حنفي «الاستغراب» على ضوء نقد مشروع الاستشراق؟ سيتحوّل حملة مشروع علم الاستغراب إلى مجرّد أشخاص يحملون استراتيجيّات الهيمنة على الغربي الذي شكّلوه وكوّنوه وفق تمثّلاتهم كمشارقة بعدما استهوتهم النّزعة الثّيموسية ذاتها، التي استهوت المستشرقين حسب ما يفترضه إدوارد سعيد.

ولأبيّن الأمر جيّدًا، لنطبّق هذا النصّ لسعيد على ما أنتجه سعيد ذاته: «تكمن المشكلة في ما إذا كان بالإمكان وجود تصوّر صادق عن أيّ شيء .. أنّ جميع التصوّرات (التمثيلات) بلا استثناء وبحكم كونها تصوّرات مدفونة في لغة صاحب التصوّر وفي ثقافته ومؤسّساته وأجوائه السياسيّة (من ثمّ) علينا عندئذ أن نكون مستعدّين للقبول بالواقع القائل أنّ كلّ تصوّر يختلط حكمًا بأشياء كثيرة غير الحقيقة .. مع العلم بأنّ الحقيقة نفسها هي تصوّر ليس إلّا»[31].

يتمخّض تطبيق كلام سعيد على نصوصه القول بأنّها مجرّد تصوّرات (تمثيلات وتمثّلات) مدفونة في لغة إدوارد سعيد، وتعبّر عن آرائه ومعتقداته والمؤسّسات الثقافيّة التي ينتمي إليها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وعليه فهي نصوص تختلط فيها أحكام كثيرة بأشياء لا تمتّ إلى الحقيقة بشيء، من منطلق أنّ الحقيقة ذاتها شيء نسبي، وأنّ الإنسان هو مروّج ومنتج الحقيقة، وليس الواقع أو الجوهر.

 ومن ناحية أخرى، عندما يتحدّث إدوارد سعيد أنّ الغاية من الاستشراق هي: «شكل من أشكال العصاب التوهّمي بارانويا ومعرفة من نمط مختلف عن المعرفة التاريخيّة العاديّة»[32]. يفرض هذا الحكم القول بأنّ كلّ خطاب يدرس الآخر يجب وصفه بأنّه شكل من أشكال العصاب التوهّمي، بما في ذلك ما أنتجه إدوارد سعيد.
 إنّ إدوارد سعيد يدين نفسه بنفسه دون أن يشعر بذلك، فوفق ما يقدّمه، تصبح نصوصه حين نخضعها للمنهج الذي استعمله مجرّد معرفة أنتجتها سلطة ما مختفية في ذات إدوارد سعيد، حيث ينخرط معها إدوارد في رسم استراتيجيّة ما، وعليه فهو لا يعبّر عن حقيقة بل معرفة مؤدلجة.

وهذا الأمر يصدق على كلّ أنصار البنيويّة؛ إذ يصبح كلّ خطاب أنتجوه مجرّد تمثّل لرغبة ثيموسيّة جارفة تحاول قدر الإمكان احتواء آخر ما (كائن مخالف) في لحظة النّهم الثيموسي بتعبير أفلاطون.

3. حدود المنهج ومثلبة التعميم
 يقرّ إدوارد سعيد أنّه بعد دراسة مستفيضة ومضنية توصّل إلى نجاعة المنهج البنيوي في دراسة ظاهرة الاستشراق، وخاصّة التركيز على أعمال ميشال فوكو، وهذا ما يؤكّده في النصّ الآتي: «لقد وجدت استخدام مفهوم ميشيل فوكو لتحديد الخطاب بكتابيه، حفريّات المعرفة، والتأديب والعقاب، ذا فائدة لتحديد هوية الاستشراق. ما أطرحه هنا هو أنّنا ما لم نكتنه الاستشراق بوصفه خطابًا فلن يكون في وسعنا أبدًا أن نفهم هذا الحقل المنظّم تنظيمًا عاليًا، والذي استطاعت الثقافة الغربيّة من خلاله أن تتدبّر الشّرق بل حتّى أن تنتجه سياسيًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا وعقائديًّا وعلميًّا وتخيليًّا في مرحلة ما بعد عصر التنوير»[33].

 بدأ استخدامه لمنهج فوكو انطلاقًا من استخدام الملاحظة المؤسّسة على فكرة أنّ التاريخ ما هو إلّا صناعة بشريّة، وما دام التعريف والمعرفة صناعة بشريّة، يفرض علينا المنهج الفوكوي القول بأنّ البشر هم أنفسهم من يصنعون المحليّات والقطاعات[34] والمناطق، أي تشكيل الجغرافيا تشكيلًا ثقافيًّا مثلما هو الحال في متون مصطلحي الشرق والغرب ككيانات جغرافيّة قبل أن تتّسع وتصبح كيانات ثقافيّة.

بيد أنّ هذا المنهج الإسقاطي غير سليم من حيث التحليل، فالشرق لم يعد يمثّل منطقة أو كيانًا جغرافيًّا، فهو موجود في قلب الكيان الغربي ذاته، فلقد هاجم كثير من الكتّاب والفلاسفة التغلغل الشرقي في أوروبا، وبالخصوص التغلغل الصيني الذي استطاع أن يجد لنفسه مكانًا في الغرب الجغرافي من خلال بناء أحياء صينيّة كاملة، والغرب ذاته تغلغل في الشرق إلى حدّ كبير، فنحن الآن أمام ظاهرة أكبر من فكرة المناطقيّة التي يتباهي بها إدوارد سعيد، ومن ناحية أخرى فأمريكا وأستراليا تدخل في تشكيل الغرب الثقافي، ولكنّها بعيدة عن الغرب الجغرافي.

ومن أسوأ ممّا أصاب إدوارد سعيد من خلال استخدام المنهج الفوكوي هو الركون إلى مبدأ التعميم، فسعيد حين أنهى دراسته للاستشراق حكم بالمطلق أنّ الاستشراق هو علم الإمبرياليّة، وأنّ جميع المستشرقين وظيفتهم هي تشويه الشرق وفق استراتيجيّة الهيمنة.

 ليس كلّ من كتب عن الشرق يصنّف مستشرقًا بالضرورة، وليس كلّ من ادّعى أنّه مستشرق هو كذلك، فكثير من الرحّالة والضبّاط والتجّار كتبوا عن الشّرق كتابات أغلبها تقدح في الشرقي وثقافته، نظرًا لعدم الخبرة في الكتابة، وعدم التمرّس في مجال البحث العلمي، وأيضًا لوجود نوايا شرّيرة مبيّتة لا تخفى على أحد.
وهناك مسألة طرحها في الفصل الأوّل الموسوم بنطاق الاستشراق، إذ كتب في القسم الأوّل المعنون بمعرفة الشرقي[35] بأنّ كلّ من آرثر جيمس بلفور واللورد كرومر يمثّلان المدرسة الاستشراقيّة الحديثة، ونحن جميعًا نعلم أنّ لا علاقة لهما بالاستشراق، ولا يصنّفان ضمن نطاقه ولا مجاله، فكيف يجعل منهما براديغم لدراسة الظاهرة الاستشراقيّة؟!.

وبناءً على ما سبق، وقع إدوارد سعيد في دائرة التعميم، والذي يتنافى مع قواعد البحث العلمي، ويتجافى مع مبادئ الإبستيميّة للمعرفة بشكل عام. فنلاحظه لا يفرّق بين المستشرق العَالم وغيره من الهُواة والسّاسة والقادة، وقد انتقده المستشرق برنارد لويس حين نبّهه إلى ما يأتي: «يلجأ (يقصد سعيد) أحيانًا إلى حشر سلسلة من الكتّاب في دائرة الاستشراق دون أن يكون لهم أيّ علاقة به. نذكر من بينهم أديبين من أمثال شاتوبريان وجيرار دو نيرفال أو مدراء إمبراطوريين كاللورد كرومر أو غيره. لا ريب أنّ أعمال هؤلاء قد ساهمت في تشكيل المواقف الثقافيّة الغربيّة، ولكن لا علاقة لها إطلاقًا بالتراث الأكاديمي للاستشراق، أي بالشيء الأساسي المستهدف من قبل السيّد إدوارد سعيد»[36].

 ونحن نؤكّد مرّة أخرى بأنّ التعميم ضدّ العلم والروح العلميّة، بل التعميم يدلّ في أغلب الأحيان على الدوغمائيّة والإطلاقيّة التي تجعل من معتنقها ذا عين واحدة، بينما العالم والكون يجب أن نراهما بأكثر من عين.

وأريد أن أؤكّد على نقطة مهمّة جدًّا، تتمثّل في أنّ إدوارد سعيد ذاته يتخوّف من قانون التعميم الذي يستخدمه المستشرق، بينما هو نفسه يمارس قانون التعميم، وهذا التناقض يتنافى مع الروح العلميّة. ولنقرأ ما كتبه في مقدّمة الكتاب: «تنحصر مخاوفي في أمرين: التشويه وعدم الدقّة، أو بالأحرى ذلك اللون من عدم الدقّة الذي يُنتج التعميم القائم على الجمود المذهبي المبالغ فيه»[37].

وهناك أمر آخر في غاية التناقض في مقدّمات إدوارد سعيد، فإذا كان لويس ماسينيون هو عرّاب المؤسّسة الاستشراقيّة ومنظّر الاستحمار الأوروبي بامتياز، حسب وصف إدوارد سعيد، فكيف يتحوّل في نصّ آخر إلى صاحب أكبر إسهام في تاريخ الاستشراق: «أفضل الأعمال الاستشراقيّة خلال فترة ما بين الحربين»[38]. 

ويستطرد في مكان آخر، بأنّ لويس ماسينيون هو صاحب أكبر إسهام في تاريخ الاستشراق، ولا ندري أين تكمن عظمة إسهام ماسينيون إذا كان إدوارد سعيد يعتبر المعرفة الاستشراقيّة هي معرفة غير حقيقيّة؛ لأنّها مبنيّة على التمثّل المراد به إعادة تشكيل صورة مغايرة عن الواقع الشرقي وثقافته؟!.

 وهناك مسألة أخرى، يجب التوقّف عندها جيّدًا، فإدوارد سعيد يسمّي منهجه بالمنهج التكاملي قياسًا على ما سمّاه جيوفاني جامباتستا فيكو المنهج السياقي[39]، وأنا أعتقد أنّ المنهج التكاملي كحمولة معرفيّة ولغويّة لا يتّفق كثيرًا مع المنهج السياقي الذي نحته فيكو، وإن اتّفقا حول موضوعه المتعلّق بدراسة التاريخ الثقافي ومدارس النقد الثقافي.

 قد نستطيع من خلال دراسة الثقافة ضمن نطاق واسع أن نتوصّل إلى نظرة تكامليّة عن موضوع ما، ولكن ليس بالضرورة أنّ نظرتنا السياقيّة للأحداث والنصّ تصبّ نحو تأسيس حكم تكاملي. إنّ الأجزاء الشريدة والنافرة قد تعيق وظيفة المنهج التكاملي، وما أكثر الأجزاء الشّريدة في الثقافات والآداب.

4. فوبيا الإمبرياليّة
من خلال تتبّع تعامل إدوارد سعيد مع الاستشراق يتبيّن أنّ الرجل يحاول قدر المستطاع الوصول إلى وصف الاستشراق «بعلم الجهل» بناءً على أنّه معرفة أنتجتها سلطة تملّكتها رغبة استعلائيّة فوقيّة، تحاول أن تشكّل معرفة غير حقيقيّة تريد من خلالها الوصول إلى زرع مركّب النقص والنزعة الدونيّة في ذات المشرقي. فالاستشراق حسب إدوارد يتوارى ويندسّ وراء مقولة الحقيقة والصرامة العلميّة ويخفي خطابًا إمبرياليًّا، ولذا عَرّف الاستشراق مرة أخرى على أنّه: «مؤسّسة إمبرياليّة»[40].

ولقد ولّد هذا الموقف من الاستشراق إلى اعتبار إدوارد سعيد بطلًا قوميًّا وقف ضدّ الإمبرياليّة في عقر دارها (أمريكا)، وهذا ما عبّر عنه عبد الباري عطوان: «إدوارد سعيد كان مفخرة علميّة وأكاديميّة، ليس للفلسطينيّين وللعرب فقط، وإنّما للإنسانيّة جمعاء، فالرجل وظّف حياته وتجاربه وعلمه الغزير من أجل مكافحة الاستعمار الثقافي بكلّ أشكاله وألوانه، ولم يكن أبدًا طائفيًّا أو عنصريًّا، فقد دافع عن الإسلام والحضارة الإسلاميّة، وتصدّى للتغوّل الأمريكي، وهو في عقر داره، ولم يهادن مطلقًا كلّ العرب والمسلمين المتأمركين والمبهورين بحضارة الكوكا كولا والماكدونالدز، والكارهين لعقيدتهم الإسلاميّة، وجذورهم العربيّة»[41].

يبدو أنّ سعيدًا بالغ وأسرف في رسم معالم المؤسّسة الاستشراقيّة، حتّى أكاد أحيانًا أشبّه ما قدّمه بما يحدث حين نتناول المسألة اليهوديّة ونصوّرها تصويرًا يفوق وجودها وحقيقتها، أو كما نتعامل مع الماسونيّة. عندما نقرأ كتابَي الاستشراق، والثقافة والإمبرياليّة، نلاحظ أنّ الاستشراق والغرب تحوّلا إلى فوبيا عند إدوارد سعيد. إذ ليس من المنطقي والمعقول ربط كلّ المعرفة الاستشراقيّة بالاستحمار (الاستعمار) والمؤسّسة الإمبرياليّة، يُفضي ذلك الربط إلى تعسّف كبير إلى حدٍّ ما، فكثير من المستشرقين دَفعهم حبّ الاطّلاع ومعرفة الآخر إلى دراسة الشرق والإسلام، وإن حدث زيغ في كتاباتهم، فهو راجع في كثير من الأحيان إلى اعتمادهم على نصوص عربيّة وإسلاميّة يَقدح أصحابها في الشّرق والإسلام.

ولا ننسى أن ّكثيرًا من المستشرقين دخلوا الإسلام وأصبحوا دعاةً كمحمّد أسد، عبد الحليم هيربرت، نصر الدين إتيان .... وكان دفاعهم عن الإسلام في كثير من الأحيان أفضل من المسلمين ذاتهم.

5. إدوارد بين الدفاع المحمود والدفاع المذموم
 لا يختلف إدوارد سعيد عن غيره من أنصار التيّار الإسلامي والقومي، فلقد جمعهم الدفاع المستميت عن الشرق والإسلام أو عن العرب والعروبة، ونعت أغلب المستشرقين بأقبح النعوت والأوصاف، فإدوارد لا يختلف كثيرًا عن روّاد الحركة الإصلاحيّة أو القوميّة أمثال جمال الدين الأفغاني الذي ردّ ردًّا عنيفًا على ماسينيون.

ويتشابه إدوارد سعيد كثيرًا مع محمّد عمارة ومحمود محمّد شاكر، هذا الأخير الذي وصف بعض المثقّفين المُتتلمذين على يد بعض المستشرقين على أنّهم صبيان المستشرقين، وقد كتب مرارًا العبارة الآتية: «الاستعمار، والتبشير، والاستشراق، ثلاثة أسماء لشيء واحد»[42].

خاتمة
وأخيرًا يمكن القول، بأنّه بالرغم من الملاحظات النقديّة التي وجّهناها له، إلّا أنّ إدوارد سعيد سيظلّ قامة فكريّة يجب علينا أن ندرسها دراسة تليق بتضحيات صاحبها، فلقد أفنى حياته في الدفاع عن الشرق بكلّ امتداداته العرقيّة والدينيّة والجغرافيّة، متسلّحًا بالنزعة الإنسانيّة التي مارسها بالفعل، ولم يرسلها شعارات برّاقة كما فعل كثير من مفكّري الغرب، فالإنسانيّة عندهم لا تخرج عن بلازما وحدود الغرب، فهي نزعة إنسانيّة مغلقة تستثني الإنسان غير الأبيض، وإن حمّلها المتن والنصّ على غير ذلك الوجه، بينما تمثّلها إدوارد على أنّها نزعة مفتوحة لا تستثني أحدًا.

لائحة المصادر والمراجع
إدوارد سعيد، القضيّة الفلسطينيّة والمجتمع الأمريكي، مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، بيروت، ط 1، 1980.
إدوارد سعيد )الإسلام والغرب) مجلّة الكرمل.
إدوارد، سعيد، الاستشراق المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط7، 2005.
إدوارد، سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2006.
إدوارد، سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، تعريب: كمال أبو ديب، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، ط 4، 2014.
ساسي، سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي، ج1، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2002.
محمود محمّد شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 2005.
هاشم صالح، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، دار الساقي، بيروت، ط2، 2000.
يحيى، مراد، أسماء المستشرقين، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2004.

المواقع الإلكترونيّة
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article1036.
http://www.saqya.com.
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article1036.

----------------------------
[1]*- أستاذ التعليم العالي بجامعة وهران (الجزائر).
[2]-إدوارد، سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2006، ص38.
[3]- http://www.diwanalarab.com/spip.php?article1036.
[4]- يتحدّث الكاتب عن ثلاثة أعمال، تعدّ بنظره من أروع الدّراسات العربيّة على الخصوص، أوّلها «إنتاج المستشرقين» لمالك بن نبي سنة 1969م، وثانيًا «الاستشراق» لإدوارد سعيد سنة 1978م، وثالثها «مقدّمات في علم الاستغراب» لحسن حنفي 1991م. التحرير
[5]- تحدّث عن أصناف المستشرقين، ولكنّه كان تصنيفًا عامًّا.
[6]- صدر كتاب "الاستشراق" للمفكّر إدوارد سعيد، باللغة الإنجليزيّة سنة 1978. وصدرت ترجمته بالعربيّة لكمال أبو ديب سنة 1981، ومحمّد عناني سنة 2006.
[7]-إدوارد، سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، تعريب: كمال أبو ديب، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، ط4، 2014، ص9.
[8]-المصدر نفسه، ص9.
[9]-إدوارد، سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2006، ص521.
[10]- إدوارد، سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ص45-46.
[11]-سعيد، إدوارد، الثقافة والإمبرياليّة، ص73.
[12]- رواية مانسفيلد بارك هي الرواية الثالثة للروائية البريطانية جين، والتي كتبتها في كوخ (Chawton). وقد نشرت في مايو 1814 من قبل توماس إجيرتون.
[13]- الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، ص287.
[14]-الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، ص288.
[15]-إدوارد، سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، تعريب: كمال أبو ديب، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، ط4، 2014، ص93.
[16]-إدوارد سعيد (الإسلام والغرب) مجلّة الكرمل، ص109.
[17]-حديث صحفي عام، نقلته كثير من الجرائد.
[18]-إ. سعيد، القضيّة الفلسطينيّة والمجتمع الأمريكي، مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، بيروت، ط1، 1980، ص32.
[19]-http://www.saqya.com.
[20]-Ibid.
[21]-http://www.saqya.com.
[22]-http://www.saqya.com.
[23]-إدوارد، سعيد، الاستشراق المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط7، 2005، ص120.
[24]-ساسي، سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي، ج1، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2002، ص20.
[25]-يحيى، مراد، أسماء المستشرقين، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2004، ص6.
[26]-إ. سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، ص44.
[27]-هاشم صالح، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، دار الساقي، بيروت، ط2، 2000، ص88.
[28]-المرجع والمكان نفسه.
[29]-إ. سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2006، ص524.
[30]-المصدر نفسه، ص44.
[31]-إ. سعيد، الاستشراق المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال ديب، ص274.
[32]-المصدر نفسه، ص100.
[33]-إدوارد سعيد، الاستشراق المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ط4، 1995، ص39.
[34]-إ. سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، محمّد عناني، ص48.
[35]-المصدر نفسه، ص83.
[36]-هاشم صالح، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، دار الساقي، بيروت، ط2، 2000، ص171.
[37]-إ. سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة: محمّد عناني، ص53.
[38]-إ. سعيد، الاستشراق المعرفة، السلطة، الإنشاء، تر: كمال أبو ديب، ص262.
[39]-راجع كتابه: البدايات: المنهج والمعرفة.
[40]-إ. سعيد، الاستشراق المعرفة، السلطة، الإنشاء، تر: كمال أبو ديب، ص49.
[41]-http://www.diwanalarab.com/spip.php?article1036.
[42]-محمود محمّد شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 2005، ص215.