البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المنهج الإصلاحي وكشف زيف المستشرقين عند أنور الجندي

الباحث :  عماد إبراهيم عبد الرزاق
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  29
السنة :  شتاء 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 8 / 2022
عدد زيارات البحث :  190
تحميل  ( 509.607 KB )
الملخّص

لقد شغلت قضيّة الغزو الفكري والتغريب والاستشراق فكر أنور الجندي، واحتلّت مكانة بارزة في كتاباته، لذا حمل على كاهله مواجهة التغريب والغزو الفكري، وما أثاره المستشرقون والتبشير. وعلى هذا فقد اعتمد الجندي في مشروعه الفكري أولويّة نقد الحضارة الغربيّة، التي تقوم على الفصل بين المادّة والروح، وهو ما أغرق هذه الحضارة في أزمة خانقة. ولم يغب عن باله خطورة حركة التغريب في العالم الإسلامي، إذ اعتبرها من أخطر ما يواجه الفكر الإسلامي والثقافة الإسلاميّة في واقعنا المعاصر. ومن هنا يلفت الانتباه إلى ارتباط التغريب والغزو الفكري بالاستعمار؛ لأنّه نشأ في محيط الغزو العسكري وبيئته. وقد التفت مبكّرًا إلى الآثار السلبيّة الكثيرة والمتنوّعة لمشروع التبشير والترابط القائم بينه وبين الاستشراق، ولهذا أعمل قلمه نقدًا وتحليلًا ومناقشة في أهداف التبشير والاستشراق وخلفيّاتهما الفكريّة والاستعماريّة.

المحرِّر
-------------------------
المقدّمة
 يعتبر أنور الجندي من المفكّرين الإسلاميّين البارزين الذين وهبوا حياتهم الفكريّة للدفاع عن الإسلام المسلمين. وقد عرف أنور الجندي بغيرته الشديدة على ثوابت الأمّة وعقيدتها، ولعلّ قضيّة الغزو الفكري والتغريب والاستشراق من أهمّ القضايا التي شغلت فكره، واحتلّت مكانة بارزة في كتاباته، لذا حمل على كاهله مواجهة التغريب والغزو الفكري والاستشراق والتبشير، وعمد إلى كشف خطورة هذا الغزو الفكري والتغريب على هويّة الأمّة، وعلى الثوابت الإسلاميّة والقيم، ووقف بالمرصاد لكلّ دعاة التغريب يكشف زيفهم، فاهتمّ الجندي بكشف الزيف والأباطيل التي راجت وانطلت على الكثير من المثقّفين، وأخذ يحذّر من كتب طفحت بالسموم والزيف، فكتب في هذا المجال كتابًا سمّاه (سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلاميّة). 

ولقد قدّم لنا أنور الجندي مشروعًا فكريًّا ضخمًا ينطلق من مرتكزات أساسيّة وجوهرية من أهمّها:
ـ نقل المجتمع المسلم من حالة الخمود والضعف والغفلة إلى اليقظة الفكريّة.
ـ إبراز الخصوصيّة التي يتمتّع بها الإسلام في نظمه ومفاهيمه.
ـ العمل على بيان عُوار الطرح الغربي بنظريّاته، وتحليل جذورها التاريخيّة، ورصد تطوّرها في البيئات الغربيّة، ووضع البديل الإسلامي في قالب التأصيل والمشروعيّة.
ـ مناقشة وتصفية كلّ الشبهات المطروحة في مسيرة المسلمين التاريخيّة، وتفنيد الشبهات التي يراد لها أن تخترق قاعدتنا الفكريّة، وتخليص العلوم العربيّة والإسلاميّة من رواسب الغزو الثقافي أو الاختراق الفكري.

هذا البحث يطرح عددًا من الإشكالات من أهمّها: ما موقف أنور الجندي من التبشير، وموقفه من الاستشراق، والحضارة الغربيّة؟ والانتقادات التي قدّمها ضدّ الحضارة الغربيّة؟ كذلك جهوده في نقد الاستشراق.

أوّلًا:حياته ومؤلّفاته
هو أحمد أنور سيّد أحمد الجندي فرغلي، ولد في 5 من ربيع الأول سنة 1335هـ، عام 1916م في مدينة ديروط من أعمال محافظة أسيوط بمصر. وأصل أسرة الجندي من منطقة الحديدة (اليمن). ونشأ الجندي في بيت علم ودين، وتفتّحت عيناه على كتب التراث المكتوبة بالمداد الشيني الأسود، وقد ميّزت عناوينها باللون الأحمر، ممّا ترك في نفسه هوى خاصًّا بكتب التراث...، وكان والده رجل أعمال يتاجر بالقطن، ولكنّه كان من محبّي أهل العلم والفضل، عوّد بنيه على صلاة الفجر في المسجد[2]، وفي هذا يقول الجندي :كنّا نذهب إلى منزل جدّنا للوالدة القاضي الشرعي فنجد عنده كتب التراث التي يحبّها، وكان يأتي بالصحيفة اليوميّة ويدعونا إلى قراءتها ونتنافس على قراءة عناوينها وفهم موضوعاتها، ونشأنا في بيتنا مكتبة حافلة، فقرأنا في مطلع الحياة في مقدّمة ابن خلدون والإحياء للغزالي وتفسير الجلالين وقصص الأنبياء. ومن هنا كانت حياة الجندي مليئة بالجدّ والتحصيل منذ الصغر، فقد كان منذ بواكير صباه يتردّد من بيت علم لآخر، فإذا غادر مكتبة داره اتجه جنوبًا إلى بيت الشيخ طه سائلًا عن الإحياء (إحياء علوم الدين للغزالي)، وإذا ذهب غربًا فإلى بيت الشيخ بكر ليقرأ لديه البخاري، وإذا اتجه شمالًا فإلى مسجد القرية، حتّى دكّان القرية كان مملوكًا للأستاذ محمّد إبراهيم صاحب جريدة الأماني القوميّة، فأحاله إلى محلّ للفكر والثقافة إلى جانب السلع والبضائع[3].

وأمّا أشهر الشخصيّات الفكريّة المؤثّرة في تكوين الجندي الثقافي والفكري؛ فمنها: الشيخ محمّد فخر الدين أستاذ العقّاد، يقول الجندي: عرفت رجلًا جليلًا هو الشيخ فخر الدين، وكانت معرفتي إيّاه عاملًا أساسيًّا في إعطائي الاتجاه الفكري لونه الأصيل ومنهجه الصحيح، وبخاصّة في الإنتاج الذي كنت أنشره في الصحافة العامّة، ثمّ في الصحافة الإسلاميّة[4]. والشخصيّة الثانية التي أثّرت في فكر أنور الجندي هو زكي مبارك يقول الجندي أنّه كان يغلب على مزاج الأدب والكتابة الذاتيّة، ونحاول أن نربط أنفسنا بالقاهرة. ولقد التقى بزكي مبارك في محل أسديه الحلواني حيث حطّم مطامعي في العمل بالأدب والصحافة، ودعاني إلى أن أركّز في دراسة علوم التجارة ممّا يتّفق مع عملي في بنك مصر. وكانت هذه الفترة قد صهرتني وأعادت تشكيلي وحوّلتني من هدف وهمي إلى هدف أصيل حيث اختفت مطامع الكتابة الأدبيّة. أمّا الشخصيّة الثالثة التي أثّرت في فكر أنور الجندي هو محمّد حسين هيكل وكانت لمقالات هيكل الدور الأوّل في توجيه الجندي إلى خطر التغريب، ومن هنا يقول الجندي بدأت أواجه خطر التغريب في سنّ السابعة عشر عندما قرأت كتاب وجهة الإسلام الذي ألّفه المستشرقون الخمسة هاملتون جب وزملاؤه حين لخّصه محمّد حسين هيكل في جريدة السياسة الأسبوعيّة، فهزّ نفسي هزًّا أن وجدت هؤلاء الجماعة يعلنون عن هدف مبيّت ضدّ الشرق والإسلام، وهو تغريب الأمّة[5].

تعليمه: تلقّى تعليمه منذ الصغر وظهر نبوغه وهو في المرحلة الإعدادية، حيث أقدم وهو في هذه المرحلة على إلقاء محاضرة عن الأدب العربي الحديث وأعلامه، وقد كان لهذا العمل ردود فعل غريبة؛ إذ تعذّر على مستمعيها أن تكون من عمله، فعمد بعضهم على إجراء البحث عن مصادر تلك المحاضرة في أدراجه وأوراقه في الفصل، فكان تقدير السامعين لها أنّ هذه المحاضرة منقولة لا محالة؛ لأنّ أسلوبها الأدبي فوق طاقة تلميذ في تلك المرحلة. ولكن تأتي الرياح دائمًا بما لا تشتهي السفن، فقد أجبرته ظروف والده الماديّة على الالتحاق بالعمل في بنك مصر في بواكير شبابه بعد أن أنهى دراسته التجاريّة المتوسطة، ثمّ تابع في المساء دراساته الجامعيّة في التجارة والاقتصاد، وكذلك واصل دراسته للغة الإنجليزيّة بالجامعة الأمريكيّة لتتبّع الزيغ والضلال من قبل المستشرقين والمستغربين وكشف شبهاتهم حول الإسلام والردّ عليها[6].

رابعًا: مؤلّفاته: لقد كان غزير الإنتاج الفكري، وتوجد له مؤلّفات متنوّعة وعديدة في جميع مجالات الفكر والثقافة الإسلاميّة. ولعلّنا هنا نشير إلى أهمّ المؤلّفات والكتب وليس كلّها، أوّلًا: الموسوعات وأشهرها موسوعة مقدّمة العلوم والمناهج، وهي تتمثّل في محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل، وتشمل عشرة أجزاء، وهي عبارة أيضًا عن مجموعة من الكتب المتفرّقة، كلّ مجموعة تنطوي تحت عنوان يجمعها وهي: 1- الفكر الإسلامي (بناء الفكر الإسلامي في تطوّره). 2-تاريخ الإسلام من فجر الإسلام إلى العصر الحديث. 3- العالم الإسلامي المعاصر.4- التبشير والاستشراق والدعوات الهدّامة.5 - المنهج الغربي أخطاؤه والشبهات المثارة ضدّ الإسلام. 6- الفصحى لغة القرآن. 7- الشريعة الإسلاميّة في مواجهة الرأسماليّة والديمقراطيّة والماركسيّة. 8- مخطّطات التبشير الغربي في غزو الفكر الإسلامي.

ثانيًا: جهود الجندي الإصلاحيّة في نقد بعض القضايا الفكريّة
1. الحضارة الغربيّة: بداية يرى أنور الجندي أنّ الحضارة تسير في خطّين، خطّ مادّي صرف، وهو ما يعبّر عنه بالمدنيّة، وخطّ عقائدي وفكري ثقافي، ولا يمكن لأيّة حضارة من وجهة نظره أن تستمر إلّا من خلال التفاعل والتداخل بين هذين الخطّين إيجابيًّا بطريقة متوازنة بين القيم الإنسانيّة ومعطيات المادّة، ومن هذا المزيج الحضاري تتبلور الحضارة وفق مقوّماتها الأساسيّة. ومن هنا يقول الجندي: لما كانت الحضارة تقوم على حركة ماديّة مدنيّة عمرانيّة تتحرّك في إطار عقدي، فإنّ هذا الإطار هو منطلقها إلى الاستمرار أو التمزّق[7]. من هنا يعارض أنور الجندي تلك الحضارات الماديّة التي انفصلت عن عقدها العقدي في موقعها، حيث السقوط والانقطاع الحضاري. وهذه الحتميّة تمسّ الإطار الثقافي الذي يعبّر عن الشخصيّة والهويّة لأصحابها. ثمّ يستعرض أنور الجندي أهمّ سمات وطبيعة الحضارة الغربيّة، ويرى أنّ من أهمّ سماتها أو طبيعتها هي الماديّة، حيث تقوم الحضارة الغربيّة على الفصل بين المادّة والقيم، لذلك فقدت القيم الأساسيّة في التركيبة الحضاريّة، لأنّها تقوم على مخالفة الفطرة. لذا فحتميّة أفولها وانهيارها لا يُختلف فيه؛ لاستعلائها بالنظرة الماديّة على الدين. من هنا يرى الجندي (لا يزال الفكر الغربي يرى استحالة الجمع بين العنصرين؛ لقيامه أساسًا على الانشطاريّة، وعلى الفلسفة الماديّة وحدها، واستحالة الجمع بين الفرديّة والجماعيّة[8]. كذلك يشير أنور الجندي إلى أنّ الحضارة الغربيّة عجزت عن مطالب الروح للإنسان، فهي لم تستطع أن تحقّق أشواق النفس أو التوازن بين المادّة والروح، أو تجمع بين الفعل والعاطفة، ممّا صرف المجتمع البشري عن أخصّ مفاهيم الاستخلاف في الأرض، وجعلهم عاجزين عن فهم المسؤوليّة الفرديّة والانضباط الخلقي، فانحرفت في اتجاهها الإنساني، وجنحت إلى الوثنيّة الإغريقيّة المتحلّلة من أبسط القيم الأخلاقيّة، حيث الانطلاق الغريزي والجسدي[9].
من هنا يتّضح لنا نقد الجندي للحضارة الغربيّة التي فشلت أن تحقّق التوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح، ليس ذلك فحسب بل قامت على تحقيق المطالب الماديّة فقط، ممّا جعلها عرضة للسقوط الأخلاقي. ثمّ يستمر الجندي في بيان عُوار تلك الحضارة الغربيّة حيث قيامها على مبدأ العنصريّة، حيث تتفاضل بالثروة والعنصر والجنس. ومن هنا فهذه الحضارة الغربيّة تقسم العالم إلى شرق وغرب، وشمال وجنوب، وتستعلي بالجنس الأبيض على البشريّة، وترى أنّه من حقّها السيطرة على مقدّرات الأمم الملوّنة والفقيرة، وحرمان الأمم النامية من حقّ امتلاك ثرواتها أو إقامة حضارتها الخاصّة بها[10].

ومن هنا فإنّ أنور الجندي يكشف عن حقيقة مهمّة، وهي أنّ الحضارة الغربيّة تقوم في أيديولوجيّتها على الاستعمار والسلب الحضاري، فهي حضارة عدائيّة لا تقوم على القيم والمبادئ والإخاء الإنساني. لذا يقول الجندي أنّ الحضارة الغربيّة ارتبطت ارتباطًا وثيقًا وعضويًّا بالاستعمار، والتوسّع والفتح، والسيطرة على المناطق المختلفة في آسيا وأفريقيا، ذلك أنّ هذه الحضارة نمت في قارة أوروبا، وهي قارة لا تملك جميع وسائل الصناعة التي هي دعامة الحضارة، ومن هنا كان اندفاعها للسيطرة على العالم التماسًا للخامات التي هي أدوات الصناعة[11].

وقد كشف أنور الجندي عن المخطّطات الاستعماريّة التي تسعى إليها الحضارة الغربيّة من خلال عرضه المناخ الذي نشأت فيه، والطبيعة الثقافيّة لها، والخلفيّات الأيديولوجيّة التي تنطلق منها، والتوسعيّة في الاقتصاد والثقافة على حساب الحضارات الأخرى. لذا يقول الجندي لقد ارتبط الاستعمار بأيديولوجيّة الفكر الغربي القائم على نظريّة الأمير التي نادى بها مكيافيللي التي سيطرت على السياسة الغربيّة والحضارة الغربيّة.

من كلّ ما سبق يتبيّن لنا عمق التحليل الذي قدّمه أنور الجندي في الكشف عن مساوئ وعورات الحضارة الغربيّة. أمّا إذا انتقلنا إلى موقف أنور الجندي من الانفتاح على ثقافة الغرب، فإنّنا نجده يرفض الانفتاح على ثقافة الغرب، ولا سيّما فيما يتعلّق بالنظام السياسي والاقتصادي، الذي يقوم على الربا والاحتكار والتزاحم على المال الحرام، إذ لا يمكن الالتقاء مع حضارة فقدت مقوّمات الحضارة الأساسيّة، فهي تنفصل في ثقافتها عن الثقافة الإسلاميّة في أمور كثيرة، فالثقافة التي تقوم عليها الحضارة الغربيّة وثبة تنكر البعد الروحاني في تكوينها، والمنهج الأخلاقي في حركتها، فهي تقوم على الإباحيّة والعنصريّة، لذا يرى أنّ هذا الانفتاح يلزم منه محاذير كبيرة منها: أوّلًا أنّ هذا الانصهار يجعل المسلمين تابعين غير قادرين على امتلاك إرادتهم وإبراز ذاتيّتهم. ثانيًا: الانقسام الواضح بين الحضارتين في الجذور، فالحضارة الغربيّة تقوم على نظريّة الأمير الميكافيليّة والسيادة المادّيّة المطلقة على حساب الطرف الذي لم يمتلك إرادته، فهي تزيده ضعفًا واحتواء، فيفقد بذلك هوّيته وذاته[12]. 
وخلاصة موقفه من الحضارة الغربيّة يرى أنّ الانتفاع من الغرب أمر مشروع، ولكنّه خاضع للاختبار والانتقاء، فلا تقبل الحضارة الغربيّة بحلوها ومرّها مطلقًا، بل يجب أن تردّ جزئيّتها إلى قواعد وأصول الحضارة الإسلاميّة.

2. موقف الجندي من التبشير: لقد استوعبت مؤسّسة التبشير بكلّ أهدافها مخطّطات التغريب الإلحادي، ولهذه الخطورة اتّجه الجندي لتعرية حركة التبشير بالكشف عن منطلقاتها ومخطّطاتها والوسائل التي تتّخذها، وإظهار خطرها على منظومة الفكر والثقافة في عالمنا الإسلامي، وتحذير المسلمين من التعامل معها، ويتمثّل موقف الجندي من التبشير في القضايا الآتية:

أ. أثر التبشير في بناء الفكر: ويرى أنَّ التبشير يقوم بدور محوري في بناء الفكر والثقافة، وصوغ الشخصيّة الإسلاميّة، بالقدر الذي يسمح باستسلامهم لقدرته ونفوذه، وتبنّيهم لمفاهيمه وأفكاره وقيمه. وبناء على ذلك فميدان الثقافة والتأليف واللغة والتعليم هو الذي يحتلّ المكانة الأولى عند المبشّرين. من هنا اهتمّ المبشّرون بهذا الميدان، وجعلوا خطّتهم تقوم على اتجاهات منها الاهتمام بالأطفال؛ لأنّ الطفولة هي المرحلة الأساسيّة في حياة النشء، حيث تتشكّل عقليّة وثقافة الطفل، فالفترة الخصبة في صوغ طريقة التفكير هي الطفولة[13].

وفي هذا السياق نشير إلى أنّ أنور الجندي قد وقف من هذا النشاط التبشيري موقف الناقد له والكاشف عن زيفه. ويرى أنّ الهدف من وراء هذا النشاط التبشيري هو السيطرة على الجيل الناشئ في بداية نموّه الفكري وتكوينه العقلي؛ لإعداده على الطريقة التي تجعله صاحب ولاء فكري وثقافي وفطري عندما يكون قائدًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا. ويفسّر الجندي سرّ اهتمام المبشّرين في فترة ما بين الحربين الأولى والثانية بتعليم وتثقيف أبناء الطبقة العالية من الأمراء والعظماء الكبار من رجال السياسة، حيث يتمّ ابتعاثهم وتثقيف أبناء الطبقة العالية من الأمراء، وإرسالهم للتعلّم في المعاهد الأجنبيّة لإعداد وتأهيل هذه الطبقة لتكون أداة للتبشير. ويشير إلى خطورة نزوع هذه الطبقة الراقية إلى المدارس الأجنبيّة بما لزم من النتائج التي حقّقها الابتعاث التبشيري في تضييق الهوّة بين الاستعمار والمجتمعات الإسلاميّة، لتمكين المصالحة السياسيّة والفكريّة مع المستعمر. ويوضّح أيضًا أنور الجندي أنّ من حمل لواء التبشير بالدولة العثمانيّة وعملوا على توهين الرابطة بين العرب والترك وساهم في تمكين النفوذ الأجنبي فيها،كانوا من خرّيجي معاهد الإرساليّات التبشيريّة، ومن أمثالهم ممّن خدم النفوذ الأجنبي في مصر، وحملوا أفكار كرومر الإصلاحيّة كما يدّعون، ومنهم من نادى بالإقليميّة والتجزئة بين حدود الوطن الواحد، وتمزيق الوحدة الفكريّة بين المسلمين، وإيقاع الصدام بين العروبة والإسلام، ويرجع ذلك إلى منهج تلك الإرساليّات الثقافي والفكري الرامي إلى خلق هذا النمط من التفكير، فأهميّتها في ذلك أنّها تهتمّ بدراسة اللغات الأجنبيّة بتنوّعها[14].
ب. ارتباط التبشير بالتغريب: ولقد كشف أنور الجندي عن ارتباط التبشير بالتغريب الثقافي، وساق أدلّة على تلك العلاقة الوثيقة معتمدًا على الوثائق القوليّة والثبوتات النقليّة من المبشّرين منطلقًا من المنهج العلمي الذي يعتمد الدليل والحجّة بعيدًا عن الأهواء، فقام بعرض وقائع التاريخ مقارنًا بها ما تمخّض عن مؤتمرات وتصريحات المبشّرين، ففي هذه القضيّة أورد اعترافات المبشّرين بما يقطع الشكّ في هذا الهدف، إذ كشف المبشّر(جب) بصريح العبارة أن يكون التعليم في إطار خطّة التغريب للعرب والمسلمين بقوله التعليم أكبر العوامل الصحيحة التي تعمل على الاستغراب، وأنّ انتشار التعليم الغربي سيبعث بازدياد في الظروف الحاضرة على توسيع تيّار الاستغراب وتعميقه، ولا سيّما لاقترانه بالعوامل التعليميّة الأخرى التي تدفع الشعوب الإسلاميّة في نفس الطريق[15]. وبذلك تتبدّى صورة التبشير ومخطّطاته وأبعاد المؤامرة مع قوّتي الاستعمار والتغريب المعلنة، إلّا أنّ التبشير أخذ في اتجاه آخر هو التبشير السرّي. ويرجع الجندي بداية هذه الحملات السرّية على الكيان العربي في الربع الأول من القرن التاسع عشر إلى صورة المراسلين الأمريكان الذين اتخذوا بيروت مكانًا لهم بزعامة غالي سميث عام 1827. كما يرصد أنور الجندي الغايات الاستعماريّة عن طريق التعليم بإنشاء جيل جديد يدين بالولاء للدولة التي تتبعها المدرسة أو الجامعة فضلًا عن الانصهار في الثقافة الغربيّة والازدراء بالقوميّة والدين[16]. ومن هنا سجّلت خطط المبشّرين خطوطًا عامّة لتقويض الإسلام واللغة العربيّة والحضارة والتاريخ، وقد عبّرت وسائلهم عن الهدف الذي يلتقي في كلّ منطلقاته مع النظريّات التي وضع بذرتها عمالقة الاستعمار مثل كرومر وليوتي وعمداء التبشير من بعدهم مثل زويمر. لذا قام الجندي بمراجعة التقارير السنويّة التي سجّلها كرومر، والتي تعدّ كرسالة إلى الطليعة الجديدة من الشباب الذين اتجهوا إلى ميادين الثقافة، ليعدّهم خلفاء للاحتلال البريطاني. وقد أثبتت هذه التقارير العلاقة بين قوى العداء للمسلمين، التبشير والاستشراق والتغريب، حيث تجتمع على ضرب الفكر الإسلامي والثقافة العربيّة في صميمها بإثارة الشبهات حول مفهوم الإسلام وما يتعلّق بالحضارة والتاريخ الإسلامي...[17].

ج. رصد أهداف التبشير: وبناء على ذلك رصد الجندي أهمّ القضايا التي كانت هدفًا للتبشير والمبشّرين في محاربة الإسلام والمسلمين، وتتمثّل هذه القضايا في محاولة المبشّرين إحداث عنصر التجزئة والفصل بين المسلمين، بتقسيمهم إلى عرب وغير عرب، ومحاولة طمس الوصف العربي والإسلامي عن الحضارة بادّعائهم بأنّ من نبغ من العلماء عبر التاريخ الإسلامي ليسوا عربًا، إضافة إلى سلب الدور الحضاري للمسلمين بنفي أصالته الفكريّة واستقلال شخصيّتهم وهويّتهم الحضاريّة، حيث قاموا بإنكار حقيقة أنّ المسلمين هم الذين  أسّسوا الحضارة، مكتفين بوصفهم أنّهم فقط نقلة لتراث من سبقهم. كما يرمون إلى تمزيق وحدة الأمّة، بإثارة تساؤلات مفادها هل الحضارة الإسلاميّة عربيّة أم إسلاميّة؟، ولا يخفي ما وراء ذلك من رغبة في تمزيق الروابط[18]. ويجيب أنور الجندي على تلك الشبهة ببيان القاعدة الأساسيّة التي يقوم عليها الفكر والثقافة،  فيشير إلى أنّ مفهوم الفكر والثقافة يقوم على وحدة الفكر، مسقطًا وحدة العرق أو الدم. ويبيّن أنّ الإسلام هو البيئة الفكريّة التي تجمع المسلمين على وحدة الفكر المستمدّ أساسًا من القرآن، وعليه فإنّه لا يعترف بالتقسيم على أساس العرق مثل عربي، فارسي، هندي، فهذه ليست مقوّمات للتوحّد، فالتوحّد أساسه وحدة مصدر الفكر، وقد اعتبر اللسان العربي والفكر الإسلامي الجامع الأكبر لكلّ المسلمين مهما اختلفت أعراقهم وقوميّاتهم، ومن هنا تزول وتختفي كلّ الشبهات التي تحاول فرض هذه التجزئة[19].  

بالإضافة إلى ذلك فقد دأب المبشّرون على ترديد ما قرّرته الدراسات الاستشراقيّة من إنكار حجيّة السنّة في التشريع الإسلامي، من خلال إثارة الشبه حول السنّة، بهدف فصل السنّة عن دورها التشريعي والاكتفاء بالقرآن. وفي هذا السياق حذّر الجندي من خطورة هذه الدعوى، واعتبر ذلك هدمًا للإسلام، ثمّ يعلّق على ذلك بأنّ السنّة هي التطبيق العملي للإسلام، وعليه فإنّ الفصل بين النصّ والتطبيق يترتّب عليه انقطاع دور الأنبياء المناط بهم. وعليه يرى أنّه لا بدّ من وجود دور السنّة التكميلي والتطبيقي مع القرآن الكريم، ويشير بأدلّة من القرآن على أهمّية دور السنّة يقول الله عز وجل في محكم التنزيل (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَانُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ويفسّر الجندي قوله تعالى «لتبيّن للناس» بأنّ المراد بها السنّة الشارحة الموضّحة والمفصّلة لمجمل القرآن والمطبّقة لما فيه من أحكام[20].

ثالثًا: التبشير والفكر الإسلامي
لعلّ من أشهر الشبهات التي أثارها المبشّرون في هذه القضيّة هي أنّ الفكر الإسلامي التمس منطق أرسطو فأصبح أساسًا له، تلك شبهة واهية افتقدت إلى الدليل التاريخي كما يرى أنور الجندي، ويشير إلى أنّ توجّه المسلمين لقراءة علوم المنطق والكلام، ما هو إلّا وسيلة أو سلاح في مواجهة أعداء الإسلام من أصحاب الضلالات والبدع والانحراف الفكري، لا سيّما وأنّ الهجمة من قبل اليهود والمسيحيّين والمجوس الذين اتخذوا المنطق منهجًا لهم في مواجهة الإسلام، وعليه فلا يمكن أن يكون منهج أرسطو أساسًا للفكر الإسلامي، ذلك لأنّ المسلمين استمدّوا أسلوبهم وطريقتهم من القرآن. ويكشف الجندي عن منهج المبشّرين، وأنّهم يسبروا طرقًا ملتوية مستمدّة من المستشرقين، بأسلوب ذكي وهادئ، حتّى لا تتحرّك دوافع الحقد عليهم من قبل المسلمين، فيتحركّوا ويتيقّظوا لخطرهم، فتراهم يتعاملون بودّ ومحبّة ظاهرة ومشاركة المسلمين أفراحهم وأتراحهم، ليتمكّنوا من التأثير في المسلمين، وهذا هو التطوّر في فكر المبشّرين. لذا علينا أن ننتبّه ونحذّر من أبعاد الدور التبشيري وتطلّعاته المستقبليّة نحو الصحوة، وأن نعمل على حماية حصون الإسلام  من الانهيار[21].

ولا يتأتّى ذلك إلا بقيام حركة نشطة من العلماء والمفكّرين تعمل على تبصرة المجتمعات الإسلاميّة بمحاذير هذا النشاط التبشيري الاستعماري وارتباطه بالاستشراق،كما ينبغي وضع الخطط والمناهج التي تحفظ الشخصيّة الإسلاميّة من عوامل التبعيّة، وأيضًا كشف خطط وأهداف التبشير ومحاولة إلقاء الضوء على وسائل المبشّرين في نشر أفكارهم وأهدافهم.

رابعًا: موقف الجندي من الاستشراق
بداية نودّ الإشارة إلى أنّ الاستشراق ارتبط بالتبشير ارتباطًا جذريًّا ووثيقًا قوامه الأيديولوجيّة المشتركة في موقفها من الإسلام، فقد أثبتت الوقائع التاريخيّة الدور الذي لعبه الاستشراق في خدمة التبشير، ومن هنا وضع الجندي تصوّرًا مبسّطًا ومختصرًا للاستشراق بقوله: استخدام العلم في خدمة السياسة، ومن هنا فقد كانت مادّته مصدرًا مؤثّرًا وهامًّا لمؤسّسات التبشير تستعملها في دعم خططها، فقد عمد رجال الاستشراق في خدمة هيئتين أساسيّتين هما: وزارة المستعمرات، والكنيسة الغربيّة. وعليه يكون الاستشراق المقوّم الأساسي للتبشير فهو مادّته ومصدره، التي تغذي حركته، وتدعم مخطّطاته[22].

ويعزّز أنور الجندي هذا الترابط بالتحوّل الذي طرأ على خطّة الاستشراق، فيشير إلى أنّ المستشرقين هم في الحقيقة مبشّرون، تخفّوا في لباس الاستشراق، خلعوا لباس الكنيسة وارتدوا لباس العلم، ليتمكّنوا من خداع المجتمعات عن هويّتهم الأصليّة، وكانت ترتكز دعوتهم على بشريّة الإسلام، والقول بأنّه دين ملفّق من الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة. ووضّح الجندي في هذا السياق دور الاستشراق حيث يقوم على وضع المادّة العلميّة المنقّحة على ضوء المقاييس الغربيّة في سبيل تثبيت وجودهم في تلك البلاد، وإخضاع هذه المجتمعات للفكر الوافد نحو القوميّة والاشتراكيّة ليتعمّق الصراع بينهم ويستمر[23].
ومن هنا يؤكّد الجندي مدى التناسق بين قوى التبشير والاستشراق، فيذكر أوجه التركيز والاختصاص لكلّ منهما، فقد اتجهت مؤسّسة التبشير إلى المدرسة والجامعة عن طريق الإرساليّات، بينما اتجه الاستشراق إلى الصحافة والثقافة عن طريق الكتاب والصحيفة، وكانت مؤسّسة الاستشراق مصدرًا للشبهات والأكاذيب، أمّا دور التبشير فهو حمل هذه الشبهات إلى عقل الشباب عن طريق مناهج الدراسة. ولعلّنا هنا نعرّف الاستشراق بصورة مبسّطة في أنّه يمثّل تلك الدراسات التي تهتمّ بعلوم الشرق في المجالات اللغويّة والتاريخيّة والعقائديّة والاجتماعيّة والسياسيّة كافّة، وصياغة نتائجها وفق التصوّر الغربي بهدف التشكيك والطعن في الإسلام[24]. ونلفت الانتباه إلى أنّ أهداف الاستشراق تعدّدت وتنوّعت، ولقد انطلقت الدراسات الاستشراقيّة لتحقيق جملة من الأهداف نجملها فيما يلي:
الهدف الديني: لعلّنا نذكر في هذا السياق أنّ أخطر ما يهدّد الاستشراق والمستشرقين هو الإسلام، متمثّلًا في نظامه وحيويّته وقدرته على التجدّد والعطاء، لذلك انصبّت جهود المستشرقين على هدم مقوّمات الدين لصرف المسلمين وتحويلهم عن دينهم.

الهدف السياسي: عندما قام الاحتلال الغربي بغزو البلاد العربيّة والإسلاميّة واحتلالها،كان من الضروري دراسة ثقافة وتاريخ وآداب وعقائد هذه الشعوب المحتلّة من أجل سياستها وحكمها. ولعلّ الهدف الأكبر من دراسة ثقافة الشعوب المحتلّة هو تنمية جوانب الضعف وترسيخ روح الاستسلام والانهزام بحيث تتوافر لدى هذه الشعوب القابليّة للاستعمار[25]. ويلاحظ بعد ذلك، عندما نسلّط الأضواء على أهداف المستشرقين، وجود علاقة تكامليّة لا تقبل التجزئة بين التبشير والاستشراق والتغريب والاستعمار، فلا نجد خلافًا يذكر في المنطلقات والخلفيّات الفكريّة، فالهدف الذي تسعى إليه هذه القوى هو هدم الإسلام. ولقد ارتبط الاستشراق والتبشير بالكنيسة، ومن هنا يؤمن الجندي من خلال الترابط الزمني بين الاستشراق والتبشير في ظروف النشأة بوحدة المضمون واختلاف المسمّى. ومن هنا يؤكّد بأنّ هاتين القوّتين نشأتا بعد الحروب الصليبيّة في أحضان الكنيسة، ويستدلّ من هنا على باعث الاستشراق في استهداف الدراسات المشبوهة التي تعنى بالإسلام عقيدة وفكرًا وتاريخًا. ولقد كشف أنور الجندي عن الوجه الحقيقي للاستشراق والتبشير، فهما مؤسّسة واحدة. وفي سياق الكشف عن الوجه الحقيقي للاستشراق درس أنور الجندي منهج المستشرقين في البحث، ويرى أنّ المستشرقين حاولوا من خلال دراساتهم أن يزيلوا الهوّة بين الإسلام والمسيحيّة، وذلك من خلال بيان أثر المسيحيّة على الإسلام، وإسقاط العلاقة بين الإسلام والسماء، حتّى يظهر الإسلام وكأنّه دين بشري مستمدّ من الفلسفات والعقائد السابقة له، وبناء على ذلك فطن الجندي لهذا التطلّع الصليبي، فأخذ يتتبّع آثارهم في كتاباتهم، ويكشف عن تلاعبهم وتصحيفهم للحقائق، وتتركّز أهم شبهاتهم في إثبات بشريّة القرآن، حيث يدّعي المستشرقون بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ساعاته الأولى قبل نزول الوحي،كان نافرًا من الوثنيّة التي نشأ فيها، محبًّا للمعاني الروحيّة التي يتحدّث عنها النصارى واليهود، ممّن كان يتّصل بهم في أثناء ذهابه إلى الشام واليمن. وفي هذا السياق يبرز ويتّضح لنا طريقة المستشرقين في الاستنتاج، فهي تقوم على تفسير الوقائع بناء على أفكارهم بدافع المذهبيّة والعصبيّة، في منأى عن المصداقيّة التاريخيّة. لذا يقول الجندي معلّقًا على هذا التعسّف في هذه القضيّة بأنّهم يستنتجون بأنّ مصادر القرآن كانت من الكتب التي استفاد منها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عبر رحلاته، يوم أن كان يطلب الكمال الروحي فلم يجده إلا عند اليهود والنصارى[26]. 

ثمّ بعد عرض الجندي لبعض شبهات المستشرقين والردّ عليها، يعرض لموازين ومقاييس البحث لدى المستشرقين في الحكم على القضايا، ويذكر بعضًا من هذه المقاييس والموازين، ولعلّ من أهمها أوّلًا: وضع أهداف علميّة ثمّ تصيّد الأدلّة، ولا يعنيهم أن تكون هذه الأدلّة صحيحة أو مستمدّة من مصادر مبعثرة. ثانيًا: اعتماد مصادر غير علميّة وتجاهل المصادر الصحيحة والاستدلال بالروايات الواهية، وإغفال الروايات القويّة الصحيحة[27]. ولعلّنا نشير في هذا السياق إلى أنّ الواقع يؤكّد ما ذهب إليه أنور الجندي؛ فقد سارت أعمال المستشرقين في دائرة الانحراف في منهج العمل التاريخي، وقادهم إلى مغالطات تاريخيّة في أثناء عرضهم للأحداث التاريخيّة وغيرها. ورغم هذه الانتقادات من جانب أنور الجندي لآراء المستشرقين في بعض القضايا، إلّا أنّه لا ينكر بعض الإيجابيّات التي قدّمها المستشرقون، لاسيّما في مجال التبويب والفهرسة لكتب الأحاديث والتراجم، إلّا أنّه مع ذلك يأخذ على إيجابيّتهم أمرين: الأوّل سرقة التراث الإسلامي بأساليب متنوّعة، الأمر الثاني أنّه عند انتقاله إلى دائرة المستشرقين أصبح من أخطر التحدّيات التي تواجه المسلمين؛ لأنّه أصبح حجّة على المسلمين لا لهم. لذا يرى الجندي أنّ نظرتهم لكثير من القضايا تعبّر عن رؤيتهم فقط، وهي تخضع لثلاثة اعتبارات: نظرتهم للإسلام على أنّه دين لاهوتي محض  كالمسيحيّة في حين أن الإسلام دين وحياة. وتأثّرهم بوجهة نظر السياسة الاستعماريّة وخضوعهم لها، وقصور إفهامهم عن إدراك حقيقة الفكر الإسلامي وطبيعته التي تربط بين الثابت والمتغيّر[28].

ولقد تصدّى الجندي لتلك الدراسات الاستشراقيّة وبيّن عُوارها، ذلك أنّه اعتبر تلك التأويلات والتصوّرات الغربيّة دخيلة على الإسلام. من كلّ ما سبق يتّضح لنا أنّ حركة الاستشراق تمثّل العدو الأكبر للعرب والمسلمين بما حملته من أهداف خطيرة، وما كانت دراساتهم وأبحاثهم إلّا تعميقًا لروح العداء الصليبي للإسلام وأهله، ومن هنا فإنّ موجة الإلحاد التي يقودها حملة الفكر الاستشراقي تستهدف غايتها بكلّ الوسائل التي لا يظهر فيها وجه العداء الحقيقي للمسلمين. لذلك خلاصة القول إنّ كتابات أنور الجندي تتّجه إلى كشف مخطّطات المستشرقين أكثر من الردّ عليهم ومناقشاتهم، وهذا منهج مضطرد عنده، فتارة يتحدّث في فصل مستقلّ عن مخطّطات الاستشراق، كما فعل في كتابه التبشير والاستشراق والدعوات الهدّامة، وفي أحيان كثيرة يشير إلى مخطّطاتهم في ثنايا حديثه عن الاستشراق.

وفي سبيل كشف مخطّطات الاستشراق أشار الجندي إلى محاولات المنهج العلمي الغربي الوافد في سبيل مواجهة اللغة العربيّة، وذكر أنّ لهذا المنهج الوافد ثلاث محاولات في سبيل تحقيق ذلك: أوّلًا: إعلاء شان الترجمة من اللغات الأجنبيّة، وتدريس اللغتين اليونانيّة واللاتينيّة. ثانيًا إعلاء شأن العاميات. ثالثًا:دراسة اللهجات بأسلوب لغات أخرى[29].
ولعلّ من أخطر أعمال الاستشراق العمل على فرض السيطرة على الجامعات ومجامع اللغة ودوائر التعليم والثقافة. ومن أبرز المسائل التي تطرّق لها أنور الجندي في سبيل كشف زيف مخطّطات المستشرقين هي تسليط الضوء على تزييفهم للنصوص، فأشار إلى رأي الأستاذ خوجة كمال الدين في كتابه (المثل الأعلى في الأنبياء) حول أساليب المستشرقين في تحريف النصوص، والتي تبدأ بأن يشير أحدهم إلى فكرة ما من طرف خفي، ويليه آخر فيقرّر أنّ هذه الفكرة جائزة، ويأتي ثالث فيرفع هذا الحوار إلى مرتبة النظريّة، أمّا الرابع فيخلق من النظريّة حقيقة. وهكذا تتطوّر الفكرة أربعة أطوار أو خمسة إلى أن ينتهي بها المطاف لأن تصبح حقيقة مقرّرة[30] ولقد ضرب الجندي مثالًا على هذا التزييف بمحاولة المستشرق (هاملتون جب) تحريفه لكلام شاه ولي الله الدهلوي في كتابه (حجّة الله) فبتر جب نصّ الدهلوي من سياقه ليحاول أن يستشهد على ما ذهب إليه من انقطاع الصلة بين محمّد ودين إبراهيم عليهما السلام. ومن هنا يشير الجندي إلى أنّ تعصّب المستشرقين قادهم إلى أن يتّخذوا طريقًا محفوفًا بالمخاطر حيث تراهم يفرضون فرضًا يتّفق مع أهوائهم، ثمّ يبحثون في القرآن أو الحديث أو الآثار المختلفة عن الأدلّة التي تؤيّد وجهة نظرهم. ويقصد الجندي هنا تزييفهم أو بترهم للنصوص والآثار[31].

كما أنّنا نشير في هذا السياق إلى أنّ الجندي في كتابه تصحيح المفاهيم يرى أنّ هدف الاستشراق الحقيقي هو تعريف الغرب بنقاط القوّة في العالم الإسلامي والسعي لهدمها، ونقاط الضعف للتوسّع فيها والغاية النهائيّة هي توهين العلاقات بين المسلمين، والسعي لكسر شوكتهم. من هنا نرى أنّ الجندي بذل محاولات كبيرة وجهدًا عظيمًا في سبيل كشف زيف الاستشراق لدى المستشرقين، وفي سبيل الوقوف ضدّ محاولة هدم القيم الإسلاميّة، وأيضًا تركيزه على ربط الاستشراق بالتبشير والتنصير والاستعمار والعمل على كشف أساليب المستشرقين في تلك المجالات التي يرى ترابطًا بينها ووجود علاقات محوريّة.

الخاتمة
رأينا فيما سبق كيف أنّ أنور الجندي استخدم منهجًا إصلاحيًّا في كشف زيف المستشرقين، وكذلك في معالجة قضايا كبيرة ومهمّة كانت تمثّل خطورة كبيرة على مستقبل الإسلام والمسلمين مثل قضايا التغريب والتنصير والتبشير والاستشراق، ورأينا كيف أنّ تلك القضايا تجمع بينها قواسم مشتركة، لعلّ من أهم تلك القواسم هدم الدين وزعزعة العقيدة وبثّ الشكوك تجاه العقيدة الإسلاميّة. ومن هنا اهتمّ الجندي بكشف الزيف والأباطيل والحجج والدعاوى التي روّجها المستشرقون، والتي راجت وانطلت على الكثير من المثقّفين في أمتنا الإسلاميّة. فأخذ يحذّر من كتب طفحت بالسموم والزيف من جانب المستشرقين. لذا قدّم الجندي مشروعًا فكريًّا جعل أوّل أهدافه العمل على فضح تلك الأباطيل والدعاوى التي يروّج لها المستشرقون. وانطلق في مشروعه من مرتكزات لعلّ أهمّها محاولة نقل المجتمع المسلم من حالة الجمود والضعف والسكون إلى اليقظة الفكريّة، لذا مثّلت كتاباته ومؤلّفاته نبراسًا أضاء الطريق أمام الأمّة الإسلاميّة للوعي بالمخاطر التي تحدق بها.كما عمل على تفنيد تلك الدعاوى والأباطيل بمنهج علمي موضوعي دقيق ليس فيه تحيّز، فكان بحقّ صاحب منهج إصلاحي تجديدي.

لائحة المصادر والمراجع
أنور الجندي: أجنحة المكر الثلاثة (التبشير- الاستشراق-الاستعمار) دار الاعتصام، القاهرة، 1979.
أنور الجندي: أخطاء المنهج الغربي الوافد في العقائد والتاريخ والحضارة واللغة والآداب والاجتماع.
أنور الجندي: أصالة الفكر الإسلامي في مواجهة التغريب.
أنور الجندي: الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاري، دار الاعتصام، القاهرة، 1978.
أنور الجندي: الإسلام نظام مجتمع ونهج حياة، دار الاعتصام، القاهرة.
أنور الجندي: التبشير الغربي، دار الاعتصام، القاهرة، 1982.
أنور الجندي: التبشير والاستشراق والدعوات الهدّامة، دار الاعتصام، القاهرة، 1989.
أنور الجندي: التربية وبناء الأجيال في ضوء الإسلام، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1987.
أنور الجندي: الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون، دار الاعتصام للطباعة والنشر،القاهرة، 1979.
أنور الجندي: الغزو الثقافي مدخلًا إلى التغريب والشعوبيّة، دار الاعتصام، القاهرة، 1989.
أنور الجندي: تاريخ الغزو الفكري والتغريب خلال ما بين الحربين العالميّتين، دار الاعتصام، القاهرة، 1989.
أنور الجندي: حقائق مضيئة في وجه شبهات مضيئة، دار الصحوة، القاهرة، 1975.
أنور الجندي: سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلاميّة.
أنور الجندي: شهادة العصر والتاريخ، مجلّة المنار الجديد، العدد 18، 1993.
أنور الجندي: عالميّة الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1979.
أنور الجندي: محاكمة فكر طه حسين، دار الاعتصام، القاهرة، 1989.
أنور الجندي: مقدّمات العلوم والمناهج، دار الأنصار، القاهرة، 1979.
أنور الجندي: من التبعيّة إلى الأصالة في مجال التعليم والقانون واللغة، دار الاعتصام، 1989.
أنور الجندي: نجم الإسلام مازال يصعد، دار الفضيلة، القاهرة، 1989. 
أنور الجندي:نحن وحضارة الغرب، دار الاعتصام، القاهرة، 1979.
أنور الجندي، المدرسة الإسلاميّة على طريق الأصالة، دار الاعتصام، القاهرة، 1986.
محمّد أبو شهبه: دفاع عن السنّة وردّ شبهة المستشرقين والكتّاب المعاصرين، الدار السلفيّة لنشر العلم، القاهرة، 1989.
محمّد المجذوب: علماء ومفكّرون عرفتهم، دار الشوّاف للطباعة والنشر 1986.

--------------------------
[1]*. أكاديمي مصري.
[2]- محمّد المجذوب: علماء ومفكّرون عرفتهم، دار الشوّاف للطباعة والنشر 1986، ص32.
[3]- أنور الجندي: شهادة العصر والتاريخ، مجلّة المنار الجديد، العدد 18، 1993، ص105.
[4]- محمّد المجذوب، علماء ومفكّرون عرفتهم، ص49.
[5]- أنور الجندي، 1986المدرسة الإسلاميّة على طريق الأصالة، دار الاعتصام، القاهرة، 1986، ص256.
[6]-  أنور الجندي: شهادة العصر والتاريخ، ص105.
[7]- أنور الجندي: شهادة العصر والتاريخ، ص97.
[8]- أنور الجندي: نجم الإسلام ما زال يصعد، دار الفضيلة، القاهرة، 1989، ص107. 
[9]- أنور الجندي: التبشير الغربي، دار الاعتصام، القاهرة، 1982، ص12.
[10]- أنور الجندي: تاريخ الغزو الفكري والتغريب خلال ما بين الحربين العالميّتين، دار الاعتصام، القاهرة، 1989، ص139.
[11]- أنور الجندي: عالمية الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1979، ص756.
[12]- أنور الجندي: حقائق مضيئة في وجه شبهات مضيئة، دار الصحوة، القاهرة، 1975،ص230 .
[13]- أنور الجندي: نحن وحضارة الغرب، دار الاعتصام، القاهرة، 1979، ص85
[14]- أنور الجندي: حقائق مضيئة، ص86.
[15]- أنور الجندي: مقدمات العلوم والمناهج، دار الأنصار، القاهرة،1979، ص19.
[16]- أنور الجندي: التربية وبناء الأجيال في ضوء الإسلام، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1987، ص160.
[17]- أنور الجندي: من التبعيّة إلى الأصالة في مجال التعليم والقانون واللغة، دار الاعتصام 1989، ص96.
[18]- أنور الجندي: الغزو الثقافي مدخلًا إلى التغريب والشعوبيّة، دار الاعتصام، القاهرة، 1989، ص97.
[19]- أنور الجندي: محاكمة فكر طه حسين، دار الاعتصام، القاهرة، 1989، ص97.
[20]- محمّد أبو شهبه: دفاع عن السنّة وردّ شبهة المستشرقين والكتاب المعاصرين، الدار السلفيّة لنشر العلم، القاهرة، 1989، ص15.
[21]- أنور الجندي: الإسلام نظام مجتمع ونهج حياة، دار الاعتصام، القاهرة، ص98.
[22]- أنور الجندي: أجنحة المكر الثلاثة (التبشير- الاستشراق-الاستعمار) دار الاعتصام، القاهرة،1979، ص74.
[23]- أنور الجندي: أصالة الفكر الإسلامي في مواجهة التغريب، ص237.
[24]- أنور الجندي: الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون، دار الاعتصام للطباعة والنشر، القاهرة، 1979، ص83.
[25]- أنور الجندي: مقدّمات العلوم والمناهج، ص74.
[26]- أنور الجندي: مقدّمات العلوم والمناهج، ص198.
[27]- أنور الجندي: التبشير والاستشراق والدعوات الهدّامة، دار الاعتصام، القاهرة،1989، ص201.
[28]-  أنور الجندي: الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاري، دار الاعتصام، القاهرة،1978، ص88.
[29]- أنور الجندي: أخطاء المنهج الغربي الوافد في العقائد والتاريخ والحضارة واللغة والآداب والاجتماع، ص26.
[30]- أنور الجندي: التبشير والاستشراق والدعوات الهدّامة، ص145.
[31]- أنور الجندي: سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلاميّة، ص11.