البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ترتيب نصّ القرآن قراءة نقديّة في أطروحة آرثر جيفري

الباحث :  المنتصر بالله عمّار الحموي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  30
السنة :  ربيع 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 25 / 2022
عدد زيارات البحث :  28
تحميل  ( 654.197 KB )
الملخّص
يُعتبَر موضوع ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره واحدًا من أكثر الموضوعات القرآنيّة التي تحدّث فيها المستشرقون وطبّقوا فيها منهجهم التاريخي المجرّد، إذ أبدوا في مسألة ترتيب الآيات على وجه الخصوص موقفاً مخالفاً لما هو مقرّرٌ لدى المسلمين؛ خاصّة ما يتعلّق منه بكون ترتيب «الآيات» أمرًا توقيفيًّا لا خلاف فيه، وهو ما يركّز عليه “آرثر جيفري” بقوله «إنّ علماء الغرب لا يوافقون على أنّ ترتيب نصّ القرآن كما هو اليوم في أيدينا من عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)»!! والحقيقة أنّنا لا ندري ما قيمة موافقتهم على ذلك من عدمها؛ إذ إنّ القوم لا يوافقون على وحدانيّة من أنزل القرآن، فلا عجب ولا غرابة إذا لم يوافقوا على ترتيب فرقانه الحكيم. إلّا أنّ جيفري من خلال نظرته للقرآن الكريم على أنّه منجزٌ بشريٌّ معرّض للتحريف والتحوير، وهو بهذا يسلك الطريق الذي سلكه قبله المستشرق الألماني نولدكه، وافترض من خلاله (ترتيبًا منطقيًّا يقبله العقل البشري). وبناء على هذا المنهج يحاول جيفري افتراض ترتيباتٍ جديدةٍ يعلم أهل الإنصاف من الباحثين أنّه لم يحكم تلك الترتيبات إلا الهوى المجرّد، ولا يخفى أنّ هذا الترتيب الجديد الذي قاده إليه سلوكه للإغراب في المنهج التاريخي قد علّق عليه المستشرقون أخطر النتائج في حقل الدّراسات القرآنيّة، واتّخذه “جيفري” وغيره مدخلًا للطعن في صحّة القرآن الكريم، ومطيّة لإثبات تضارب أحكامه.

الكلمات المفتاحية: آرثر جيفري، ترتيب القرآن، جمع القرآن، المنهج التاريخي.
طعن المستشرق “آرثر جيفري” في سلامة ترتيب القرآن
يرى المستشرق “آرثر جيفري”[2] أنّ القرآن الكريم منجزٌ بشريٌّ معرّضٌ للتّحريف والتّحوير، وعبر «الإغراب في المنهج التاريخيّ»[3] يقول في مقدّمة تحقيقه لكتاب المصاحف: «إنّ علماء الغرب لا يوافقون على أنّ ترتيب نصّ القرآن -كما هو اليوم في أيدينا- من عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)»[4]. وبناءً على المنهج الذي يسلكه جيفري، فإنّه يحاول افتراض ترتيباتٍ جديدة يعلم أهل الإنصاف من الباحثين أنه لم يحكم تلك الترتيبات إلّا الهوى المجرّد، ولا يخفى أنّ هذا الترتيب الجديد، الذي قاده إليه سلوكه للإغراب في المنهج التاريخيّ، قد علّق عليه المستشرقون أخطر النتائج في حقل الدّراسات القرآنيّة، واتّخذه «جيفري» وغيره مدخلًا للطّعن في صحّة القرآن الكريم، ومطيّة لإثبات تضارب أحكامه وخضوعه للظروف..

وإذا كان «جيفري» قد استدلّ على هذه النتيجة من خلال أحاديث الآحاد والرّوايات الضّعيفة السّند، ومنها الرّواية القائلة: إنّ «النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قُبِضَ ولم يكن القرآن جُمِعَ في شيء»[5]. إلّا أنّه هنا حصر الخلاف في ميدانه الطبيعيّ، وهو تحقيق الآثار والأخبار التّاريخيّة، أو فهم هذه الآثار والأخبار، على الرّغم من أنّه ينظر إلى القرآن الكريم على أنّه منجزٌ بشريٌّ، وذلك يعني أنّنا نستطيع أن نلزمه بما التزم، حيث أظهر بأنّه يسلّمُ بما يُسنِدُ المسلمون من أقوال ومتون، بدليل أنّه استدلّ بهذه الرّواية واتّكأ على مضمونها ليثبت جزئيّة معيّنة حدّثه بها قلبه، لكنّ السؤال: إذا كان هدف «جيفري» من هذه الدّراسات هو البحث العلميّ الموضوعيّ كما يدّعي، فلماذا إذًا يغمض عينيه عن أحاديث أخرى صحيحة تثبت عكس ما تبنّاه من قولٍ ضعيفٍ هزيل؟

علمًا أنّ سند هذه الرّواية التي اعتمد عليها آرثر لم يروها أحدٌ من الحفّاظ أصحاب الصّحاح وكتب السّنن والمسانيد، إلّا عبد الكريم بن الهيثم بن زياد بن عمران، أبو يحيى الدير عاقولي البغداديّ في فوائده، وقد رواها بسندٍ واحدٍ، اتُّهم أول رجاله بتغيير ألفاظ الرّوايات والزّيادة عليها ...، والثّاني تغيَّر حفظه في آخر عمره وكان ربّما دلس.

ولماذا لم يبحث آرثر عن جلّ الموضوع وما قيل فيه بشأن ترتيب السّور والآيات؟ ألم يصل إلى ذهنه من خلال بحثه أنّ ترتيب الآيات في سورها أمرٌ توقيفيٌّ؟ ألم يصل إلى علمه أيضًا الحديث الصّحيح الذي صرّح بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا نزل عليه الشّيء «يدعو بعض من كان يكتب له فيقول: ضعوا هذه في السّورة التي يذكر فيها كذا وكذا»[6]؟ وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) «كان يراجعه مع أمين الوحي في كلّ شهر من شهور رمضان للتّأكّد من سلامته مبنىً ومعنى»[7]؟ وأنّ أمين الوحي عرض القرآن مرّتين على النبيّ في السّنة التي توفي فيها؟ فهل عرضها على النبيّ عليه الصلاة والسّلام بلا ترتيب أو ترقيم؟ أم إنّها كانت مفصّلة كاملة حسب الآيات والسّور؟

الحقيقة هي أنّنا لا ندري كيف استأنس «علماء الغرب» في نظر «جيفري» بهذه النتيجة، وكيف انتشت بها قلوبهم، وهل هذا دليلٌ علميٌّ لا يقبل النّقض، أم هو التّشكيك والتّحوير والاعتماد على الضّعيف بلا سندٍ ولا حجّة؟
كما أنّ كلامه عن أنّ علماء الغرب لا يوافقون على ترتيب القرآن بصورته الحاليّة هو ادّعاءٌ فارغ، وكلامٌ فضفاضٌ غير دقيق، فضلًا عن كونه ينمُّ عن قُصورٍ في الفهم، وجهلٍ واضحٍ في حيثيّات الفكرة، إذ لم يأخذ «جيفري» بعين الاعتبار أنّ ترتيب نصّ القرآن الكريم إنّما يشتمل على شيئين أو معنيين اثنين، تطرّق إليهما علماء المسلمين وفرّقوا بينهما؛ وهما: ترتيب الآيات في السّور، وترتيب السّور في القرآن. فأيّهما كان يقصد باعتراضه على علماء المسلمين؟

على أيّ حال، بالرّغم من عدم تمييز «جيفري» بين الأمرين، إلّا أنّنا سنبيّن الفرق بينهما، وسنأتي على مناقشتهما تباعًا، كما سيتّضح.

أمّا ترتيب الآيات داخل السّور، وبخلاف إجماع المسلمين الذين يقولون بأنّه واقعٌ بتوقيفٍ من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ذهب «جيفري» إلى القول بأنّ ترتيب الآيات كان خاضعاً لأمزجة أصحاب النبيّ وآرائهم الشخصيّة، وأنّ «أهل العلم» من المستشرقين لا يوافقون عليه. فعلى سبيل المثال، يأتي «جيفري» بفرضيّة حول سورة الجنّ فيقول فيها: «إنّ الآيات الخاتمة للسّورة تختلف كثيرًا في الشّكل والأسلوب، وتظهر وكأنّها قطعة غريبة وضعها جامعو القرآن أو كتبته»[8]. حيث يحاول «جيفري» هنا أن يؤكّد للقارئ وجود اختلاف وعدم تناسب وتناسق بين الآيات الخاتمة والتي قبلها -يقصد الآيات الـ 19 وما بعدها- وذلك من خلال التلميح -بشكل عرضيّ وكأنّه أمرٌ طبيعيّ- إلى أنّ كتبة الوحي هم الذين أضافوا المقطع الذي لا يتناسب -بحسب زعمه- مع الآيات السّابقة، وهذه طريقة معروفة لدى المستشرقين في مخاطبة قرّائهم. ولو رجع «جيفري» إلى كتب التّفسير، وكتب علم التّناسب القرآني، لتبيّن له أنّه لا اضطراب ولا اختلاف بين طرفي السّورة، التي التقى أوّلها بآخرها فدلّ آخرها على الأوّل المجمل وأوّلها على الآخر المفصّل، وذلك أنّ السّورة في أوّلها تبيّن عظمة الوحي؛ بسبب الجنّ، ثم تبيّن في أثنائها حفظه من مسترقي السمع، وتختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته.

فيُعلم من هذا أنّ لكلّ آية موضعًا ومكانًا، وأنّ منها ما في أوّل السّورة، ومنها ما في خواتيمها، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كانت الإشارة إلى الآيات وتعيينها بمواضعها وأماكنها في السّور، كما في الحديث «مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ»[9]. فهذا يدلّ على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي كان يأمر ويوقف كتبته على ترتيب آيات السّور، وأنّه ليس لهم في ذلك خيار، ولا هو مما ردّ إلى آرائهم.

ولو كان الأمر بخلاف ذلك، لما أخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على صحابته أن يرتّبوا الآيات في التّلاوة وضيّق عليهم في ذلك، ولجعلهم في فسحة من تقديم بعض الآيات على بعض، وجعل أوّل السّورة آخرها، وآخرها أوّلها، وجعل شطرها في غيرها، وشطر غيرها فيها، وأن يصنعوا في ذلك كيفما رأوا وأحبوا[10].

كما أنّ الأحاديث والأخبار الصّحيحة الواردة في هذا الشّأن كثيرةٌ ومتواترةٌ، والعجب كلّ العجب يكمن في تجاهل «جيفري» هذه الرّوايات التي نقلتها أمّهات الكتب المعتبرة عند المسلمين، وعدم التعرّض لمضامينها بالبحث والتّحقيق، ومن ثمّ التّعليق عليها بما يشاء، ولو كان ذلك من باب رفع العتب ليس إلّا! هذا إن كان «جيفري» فعلًا من دعاة التّحقيق وتطبيق مناهج البحث العلميّ الذي يتغنّى ويفتخر به.  

وسنذكر في هذا الموضع جملة من هذه الأحاديث الصّحيحة التي لم يرها جيفري أثناء دراسته لتاريخ القرآن، والتي تؤكّد قيام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإشراف على كتّاب الوحي في ترتيب آيات القرآن داخل السّور، ومنها حديث زيد بن ثابت الذي يقول فيه: «كنّا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نؤلّف القرآن من الرّقاع»[11]. ومنها‏ أيضًا‏ ما أخرجه أحمد -بإسنادٍ حسن- عن عثمان بن أبي العاص الذي قال‏:‏ «كنت جالساً عند رسول الله، إذ شخص ببصره، ثم صوّبه، ثم قال‏:‏ «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السّورة»[12]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى...﴾[13]، ومنها أيضًا ما صحّ عن سعيد بن المسيّب، قال: «مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على بلال وهو يقرأ من هذه السّورة، ومن هذه السّورة، قال: «مررت بك يا بلال، وأنت تقرأ من هذه السّورة ومن هذه السّورة»، فقال: بأبي أنت يا رسول الله، إنّي أردت أن أخلط الطيب بالطيب، قال: «اقرأ السّورة على وجهها»[14]، وفي رواية إنّه قال له: «إِذَا قَرَأْتَ السُّورَةَ فَأَنْفِدْهَا»[15].

وهنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ القرآن الكريم يعدّ مجموعة آيات أو عبارات استغرق نزولها مدّة ثلاث وعشرين سنة، موزّعةً بين العهدين؛ المكّي والمدنيّ، إذ هي قد أُنْزِلَتْ وفق سُنّة التّدرّج، عكس ما سبق من آيات النّصوص الدّينية الأخرى، كما هو منصوص عليه في العديد من الآيات القرآنيّة، منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾[16]. فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المتلقِّي الأول لنزول آيات القرآن والمبلِّغُ لها، فضلًا عن كونه هو المبيِّن، وقد ثبت في الأحاديث الشّريفة والسّيرة النبويّة الصّحيحة أنّه عمل في زمن النبوّة والنّزول على تحقيق أمرين متلازمين؛ أوّلهما: كتابة آيات القرآن بمجرّد نزولها عليه فيما كان متوفّرًا وقتئذٍ، وثانيهما: أنّ أمر كتابتها أو جمعها داخل السّور أُنجز وفق ما يسمى بـ «التّرتيب التّوقيفي»، المنوط بالوحي ابتداءً وانتهاءً، ذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يَمُت حتى كانت آيات القرآن كلّها مجموعة داخل السّور ومكتوبة في نُسخ متفرّقة دون جمع لها في كتابٍ واحدٍ، وإنّما كانت موزّعة على الألواح والأقتاب والعُسب وغيرها، أمّا الجمع التقنيّ اللّاحق (جمع السّور في مصحف واحد) فهو محلّ بحثٍ ونقاشٍ سنأتي عليه خلال هذا البحث.

فالحقّ الذي يُقال هو أنّ كلام «جيفري» -في هذا الموضع- ما هو إلّا دليلٌ بارزٌ على كونه لا يستوعب كلام علماء المسلمين ولا يحيط بأقوالهم على نحوٍ سليمٍ، لا سيّما فيما يتعلّق بالرّوايات التي تؤكّد أنّ أمين الوحي -جبرائيل عليه السّلام- كان يعارض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن كلّه في رمضان، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرض ما في صدره على الحفظة الذين كانوا كثرة، وكان أصحاب المصاحف منهم يعرضون القرآن على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ترجم شمس الدّين الذّهبيّ لجملة منهم: «عثمان بن عفّان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدّرداء»[17]. فما لم يفهمه «جيفري» هنا هو أنّ عرض القرآن إنّما يدلّ على قراءته وليس عرض الصّحف المكتوبة، وأنّه كان يقرأ عليه القرآن كلّه وليس مجرّد ما نزل أو ما كُتب في تلك السّنة، والدّليل على كون العرض هو القراءة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستكتِب كُتّابه فيكتبون القرآن، ثم يقرؤون ما كتبوه عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) فيتثبّت منه. وقد أخرج الطّبرانيّ عن زيد بن ثابت أنّه قال: «كنتُ أكتب الوحي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان إذا نزل عليه الوحي أخَذَتْهُ برحاءٌ شديدةٌ... فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة، فأكتب وهو يُملي عليّ، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقطٌ أقامه، ثمّ أخرجُ إلى الناس»[18]. والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ هنا: هل كانوا يقرؤون عليه آيات القرآن بالتّرتيب الذي أملاه عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أم بالترتيب الذي رتّبه كلّ واحدٍ منهم حسب اجتهاده ورأيه الخاص، كما يقول «جيفري»؟

كما تجدر الإشارة - في هذا المقام- إلى أنّ آيات القرآن الكريم كانت مجموعة بشكلٍ كاملٍ في عهد النبيّ وقبل وفاته، وقد ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحًا في سبيل الله، ومن شهد خاتمته حين يختمه كان كمن شهد الغنائم»[19]. فالمستفاد من هذا الحديث وغيره العديد من الرّوايات الشّريفة أنّ القرآن الكريم كان مجموعًا ومعروفًا أوّله من آخره في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

إنّ عبارة جيفري «إنّ الآيات الخاتمة للسّورة تختلف كثيرًا في الشّكل والأسلوب، وتظهر وكأنها قطعة غريبة وضعها جامعو القرآن أو كتبته»[20]، تدلّ على أنّه يسير في وادٍ بعيدٍ تمامًا عن الدّقة العلميّة وصرامة البحث الأكاديميّ الموضوعيّ، فهو لا يجيد تحرير مذاهب المسلمين في كيفية جمع كتابهم الإلهيّ المنزّل، والعجز والفشل في هذا الجانب يقع كلّه على كاهله، لأنّ النّصوص الصّحيحة جليّةٌ ظاهرةٌ في بيان عرض القرآن أمام جبرائيل عليه السّلام في كلّ عام، فلا يفشل في فهمها واستيعابها إلا عابثٌ أو مغفّلٌ أو مُتحامِل.

وبناءً على ما سبق، فقد استقرّ الفكر الإسلاميّ على القول بأنّ «ترتيب الآيات» داخل المصحف توقيفيٌّ بإملاءٍ من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو بقدر ما يحقّق مفهوم التعبّد بالمعنى الديني، فهو أيضًا المعتبر في آيات القرآن تفسيرًا وتأصيلًا للأحكام ونحوه، بخلاف «ترتيب السّور» الذي هو محلُّ بحثٍ ونقاش.

أما ترتيب السّور داخل المصحف، فقد زعم كثير من المستشرقين -ومنهم «آرثر جيفري»- أنّ القرآن لم يكن مرتّبًا، وأنّه كان مختلطًا في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك أباحوا لأنفسهم أن يجعلوا له ترتيبًا خاصًّا يختلف عن ترتيب المصحف الحالي في كثير من السّور، معتمدين في ذلك على طريقة الأسلوب ومحتويات السّورة.

وقد كان «لجيفري» جهده الخاص الذي يعتمد على جهود المستشرقين السّابقين، لا سيّما «نولدكه»، إلّا أنّ خلطه بين حيثيّات القضيّة وتحامله على ترتيب المصحف ناتجٌ عن عدم قدرته على التّمييز بين الرّوايات، فقد أخذ -كما ذكرنا سابقًا- بالكثير من الرّوايات الضّعيفة والموضوعة. ويرجعُ خطؤه في هذا الشّأن إلى عمله النّابع من أهداف نفسيّة ودينيّة خاصّة به، حيث عمل على وضع الاحتمالات العقليّة مكان الحقائق المسلّمة، وجمع الآراء والظّنون والأوهام والتصوّرات، واعتبارها أصلًا يصلح للفحص والدّراسة والاستنتاج لقضيّة تعتبر من أخطر القضايا في الإسلام.

أمّا موقف المسلمين من ترتيب سور القرآن كما هي عليه في المصحف الحالي، فهو على رأيين، نستعرضهما فيما يلي:
الرأي الأوّل: إنّ ترتيب السّور وجمعها قد تمّ في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان: حيث تتضارب الأخبار حول جمع القرآن في مرحلة الخلفاء الثّلاثة، حتى إنّها تكاد تكون كاذبة لكثرة تناقض متونها ومخالفتها لصحيح السّيرة النبويّة كما سيتّضح، ومن جملة هذه الأخبار ما ورد عن زيد بن ثابت الذي قال: «أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطّاب عنده، فقال أبو بكر: إنّ عمرًا أتاني، فقال: إنّ القتل استمرّ بقُرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستمرّ القتل بالقُرّاء في المواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال عمر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك شابّ عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتتبّع القرآن، فاجمعه، فوالله لو كلّفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ ممّا أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرّجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، لم أجدها مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ...﴾ حتّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر طيلة حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر»[21].

وعن زيد بن ثابت أيضًا، قال: «قُبِضَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن القرآن جمع في شيء»[22]. كما رُوي عن الزهريّ أنّ أبا بكر أوّل من جمع كتاب الله وسمّاه المصحف، حيث قال لأصحابه: التمسوا له اسمًا، فقال بعضهم: السِّفر، وقال بعضهم: المصحف، فإنّ الحبشة يسمّونه المصحف[23]. وحكى المظفري أنّ بعضهم قال: سمّوه إنجيلًا، فكرهوه. وقال بعضهم: سمّوه السِّفر، فكرهوه من يهود. فقال عبد الله بن مسعود: رأيتُ للحبشة كتابًا يدعونه المصحف، فسمّوه به»[24]. وكذلك الأمر بالنّسبة إلى رواية محمّد بن سيرين: «قُتِل عمر ولم يُجمع القرآن»[25]. وأيضًا ما ورد عن الحسن البصريّ: «أنّ عمر بن الخطّاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان، فقُتِل يوم اليمامة، فقال: إنّا لله، وأمر بالقرآن فجُمع، فكان أوّل من جمعه في المصحف»[26].

وغير ذلك من الرّوايات الواردة بهذا الخصوص، والتي يُلاحظ منها أنّ شبهة القول بالتّحريف -التي ساقها «جيفري» وغيره من المستشرقين- مبنيّةٌ على افتراض صحّة مثل هذه الرّوايات الواردة في كيفيّة جمع القرآن الكريم وترتيب سوره وآياته، غير أنّ الباحث المحقّق يستطيع أن يطّلع على نقاط الضّعف الموجودة في أسانيد هذه الرّوايات، كما يستطيع القارئ الحذق أن يتلمّس بسهولةٍ نقاط ضعف هذه الرّوايات، لما في متونها من اضطرابٍ وتناقضٍ كبيرٍ، بحيث لا يمكن الاعتماد على أيّ منها، فيصرّح بعضها أنّ جمع القرآن في مصحف كان في زمان أبي بكر، والكاتب زيد، وأنّ آخر براءة لم توجد إلّا مع خزيمة بن ثابت، فقال أبو بكر: «اكتبوها، فإنّ رسول الله قد جعل شهادته بشهادة رجلين»[27]، وظاهر بعض هذه الرّوايات أنّ الجمع كان في زمان عمر، وأنّ الآتي بالآيتين خزيمة بن ثابت، والشّاهد معه عثمان. وفي رواية أخرى: «جاء رجلٌ من الأنصار ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ..﴾[28]، وقال عمر: لا أسألك عليهما بيّنةً أبدًا، كذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!»[29]. وفي غيره: فقال زيد: من يشهد معك؟ قال خزيمة: لا والله ما أدري. فقال عمر: أنا أشهد معه على ذلك»[30].
واضطربت الرّوايات في الذي تصدّى لمهمّة جمع القرآن في زمن أبي بكر، ففي بعضها أنّه زيد بن ثابت، وفي أُخرى أنّه أبو بكر نفسه وإنّما طلب من زيد أن ينظر فيما جمعه من الكتب، ويظهر من غيرها أنّ المتصدّي هو زيد وعمر، وفي أُخرى أن نافع بن ظريب هو الذي كتب المصاحف لعمر[31].

فهذه الرّوايات وغيرها التي استند إليها «آرثر جيفري» لإثبات تحريف القرآن والطّعن في ترتيب آياته وسوره فيها مخالفةٌ صريحةٌ لما أجمع عليه المسلمون قاطبةً من أنّ القرآن لا طريق لإثباته إلّا التّواتر، لأنّها تقول: إنّ إثبات بعض آيات القرآن حين الجمع كان منحصرًا بشهادة شاهدين أو بشهادة رجلٍ واحدٍ. ويلزم من هذا أن يثبت القرآن بخبر الواحد أيضًا، وهي دعوى لا ريب في بطلانها، إذ إنّ القطع بتواتر القرآن سببٌ للقطع بكذب هذه الرّوايات أجمع؛ لأنّها تثبت القرآن بغير التّواتر، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع علماء المسلمين، والتّواتر متحقّقٌ بمقتضى طبيعة الأمر، وأنه حاصلٌ تلقائيًّا لشدّة اهتمام المسلمين جيلًا بعد جيل، وقد استمرّت مادّة القرآن الكريم وصورته وقراءته المتداولة، على نحوٍ واحد، فلم يؤثّر شيءٌ في مادّته وصورته، وليس خافيًا على المستشرقين أنّ  كلّ طبقةٍ من المسلمين، ممن يبلغ عددهم الملايين، أخذوا هذا القرآن بهذه المادّة والهيئة عن طبقة سابقة مثلهم في العدد، وهكذا إلى صدر الإسلام، وقلّما يكون شيءٌ في العالم كذلك.

ثمّ على فرض أننا سلّمنا بصحّة هذه الرّوايات، فإنّنا لا نشكّ في أنّ جمع زيد بن ثابت للمصحف كان خاصًّا للخليفة، لأنّه لا يملك مصحفًا، لا لعموم المسلمين، لأنّ الصّحابة من ذوي المصاحف قد احتفظوا بمصاحفهم، مع أنّها تختلف عن المصحف الذي جمعه زيد، وكان أهل الأمصار يقرؤون بهذه المصاحف، فلو كان هذا المصحف عامًّا لكلِّ المسلمين فلماذا أمر أبو بكر زيدًا وعُمَرَ بجمعه من اللخاف والعسب وصدور الرّجال؟ وكان بإمكانه أخذه تامًّا من عبد الله بن مسعود الذي كان يملي القرآن عن ظهر قلب في مسجد الكوفة، والذي قال عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ كَمَا يَقْرَأُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ أي: عبد الله بن مسعود»[32]. والذي يُروى عنه أنّه قال عندما طُلب منه تسليم مصحفه أيّام عثمان: «لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ غُلَامٌ لَهُ ذُؤَابَتَانِ، يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ»[33].

وبإمكانه أيضًا أن يأخذه تامًّا من الإمام عليّ عليه‌ السلام الذي ما من آيةٍ أنزلها الله تبارك وتعالى إلّا وكان يعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، وعلام نزلت[34]، وهي عنده بخطّ يده وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويروي عليه‌ السّلام تفاصيل ذلك فيقول: «فَمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيهَا وَأَمْلَاهَا عَلَيَّ فَكَتَبْتُهَا بِخَطِّي، وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا وَتَفْسِيرَهَا، وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا، وَمُحْكَمَهَا وَمُتَشَابِهَهَا، وَخَاصَّهَا وَعَامَّهَا، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَهَا وَحِفْظَهَا، فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَيَّ وَكَتَبْتُهُ مُنْذُ دَعَا اللَّهَ لِي بِمَا دَعَا»[35].

وهو الذي كان ينادي: «سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ فَوَاللَّهِ مَا مِنْهُ آيَةٌ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ بِسَهْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِجَبَلٍ»[36].
وقال أبو عبد الرّحمن السلميّ: «ما رأيتُ أَحداً أَقرأَ لكتابِ اللهِ مِن عليِّ بنِ أبي طالبٍ»[37]، وفي لفظٍ آخر: «ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله من عليّ»[38].

ولا يختلف الأمر كثيرًا في الرّوايات الأخرى التي تقول بأنّ جمع المصحف بشكله الحاليّ قد تأخّر إلى زمان عثمان بن عفّان، فقد رُوي عن أنس أنّه قال: «إنّ حذيفة بن اليمان قَدِمَ على عثمان، وكان يغازي أهل الشّام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأُمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنّصارى. فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصّحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزّبير أن انسخوا الصّحف في المصاحف.
وقال للرّهط القرشيّين الثّلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت، فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، حتّى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف، بعث عثمان إلى كلّ أُفقٍ بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا، وأمر بسوى ذلك من صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يُحرق.

قال زيد: فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سورة الْأَحْزَابِ كنتُ أسمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرؤها: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ..﴾[39]، فالتمستها فوجدّتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ، فألحقتها في سورتها»[40].

وهنا لا بدّ للقارئ من طرح هذا السّؤال: كيف يفقد زيدٌ آيةً من سورة الأحزاب، وقد اعتمد الصّحف المودعة عند حفصة، وكان هو الكاتب في الزّمانين؟ وقد كانت النّسخة المعتمدة أصلًا كاملة -إلّا آخر براءة كما تقدّم- فهل كان جمع زيد الأوّل فاقدًا لهذه الآية التي من الأحزاب ولسواها؟ أم إنّه لم يعتمد النّسخة التي عند حفصة؟ وهل ليس ثمّة مصاحف وحفّاظ لهذه الآية من صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا رجلٌ واحد؟ وهل من قبيل المصادفة أنّ الآية تضيع في زمان أبي بكر وتوجد عند خزيمة بن ثابت، وتضيع غيرها في زمان عثمان وتوجد عند خزيمة أيضًا؟

فمن هذه الرّوايات المضّطربة المتون تسرّب الشكّ وبرزت الشّبهة عند «جيفري» وأمثاله للقول بتحريف القرآن والطّعن في ترتيب آياته وسوره، وهي رواياتٌ يستطيع أيّ قارئٍ منصفٍ أن يقف على مكامن الخلل والتّناقض فيها.
أما الرأي الثاني الذي أجمع عليه المسلمون وتغافل عنه المستشرقون أمثال «جيفري»، فهو أنّ القرآن الكريم كان مجموعًا في عهد خاتم النبيّين، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك دنياه إلى آخرته إلّا بعد أن عارض ما في صدره بما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وبما في مصاحف الذين جمعوا القرآن في عهده(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ الأدلّة والرّوايات الصّحيحة الدّالّة على ذلك كثيرة، كاهتمام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه المقرّبين بحفظ القرآن وتعليمه وقراءته وتلاوة آياته بمجرّد نزولها، وممّا روي في الحثّ على فقه القرآن وكراهة أن يختمه قارئه بأقلّ من ثلاثة أيّام  قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ»[41]. ومنها أيضًا أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحاً في سبيل الله، ومن شهد خاتمته حين يختمه كان كمن شهد الغنائم»[42]. ومؤدّى ذلك أنّ القرآن الكريم كان مجموعًا معروفًا أوّله من آخره في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

كما أنّ إطلاق لفظ (الكتاب) على القرآن الكريم قد ورد في كثيرٍ من آياته الكريمة، فكيف يصحّ إطلاق لفظ (الكتاب) عليه وهو في الصّدور؟ إذ لا بدّ أن يكون مكتوبًا مجموعًا، وكذا ورد في حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تاركٌ فيكم الثّقلين: كتاب الله، وعترتي»[43]، وهو دليلٌ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تركه مكتوبًا في السّطور على هيئة كتاب.

أمّا حول تسمية القرآن مُصحفًا في عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ورد عن أوس الثّقفي، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَعَّفُ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَيْ دَرَجَةٍ»[44]. وكذلك حديث ابن مسعود: «أَدِيمُوا النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ»[45]. وما رواه يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ مَوْضِعَ الْمُصْحَفِ، يُسَبِّحُ فِيهِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ يَتَحَرَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ[46]. وفي مسند أحمد بزيادة: «وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ مَمَرُّ شَاةٍ»»[47]. فهذه الرّوايات تدلّ على أنّ إطلاق لفظ (المصحف) على الكتاب الكريم لم يكن متأخّرًا إلى زمان الخلفاء، كما صرّحت به الرّوايات السّابقة، بل كان القرآن مجموعًا في مصحف منذ عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

فأين «جيفري» من هذه الرّوايات الصّحيحة؟ ولماذا لم يتطرّق إليها في أبحاثه إن كان هدفه علميًّا كما زعم؟ وكيف لم يسمع بها؟ لا سيّما أنّ هذه الرّوايات تعتبر أدلّةً ساطعةً على أنّ القرآن قد كتب كلّه في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تدوينًا في السّطور، علاوةً على حفظه في الصّدور، وكان له أوّل وآخر، وكان الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يُشرف بنفسه على وضع كلّ شيءٍ في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، فكيف يمكن أن يقال: إنّ جمع القرآن قد تأخّر إلى زمان خلافة أبي بكر، وأنّه احتاج إلى شهادة شاهدين يشهدان أنّهما سمعاه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فالحقّ الذي يقالُ: إنّ القرآن الكريم كان مؤلّفًا ومجموعًا في عهده(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت الآيات والسّور فيه مرتّبة، وكان يُقرأ بالمصاحف ويختم، وكان له كُتّاب مخصوصون يتولّون كتابته في حضرة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي يُشرف على أعمالهم بنفسه.

وهنا لا بدّ أن نشير إلى مسألة مهمّة، وهي أنّه بالإضافة إلى أنّ القرآن الكريم كان مجموعًا في مُصحفٍ واحد في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلا أنّ بعض الصّحابة كانت لهم مصاحفُ خاصّة بهم، كتبوها بموافقةٍ من رسول الله لحاجتهم الشخصيّة لها، وقد تضمّنت بعض الشّروحات والتّفاسير وأسباب النزول، وغير ذلك من تعليقات خاصّة بصاحب النّسخة.

أمّا ما يتعلّق بجمع عثمان للمصحف الحالي وإحراقه لبقيّة المصاحف الأخرى، ثمّ إرساله نسخةً منه إلى كلّ مِصر من الأمصار، بعد الاختلاف الذي وقع بين أهل الشّام والعراق في قراءة المُصحف، كما ورد في روايةِ أنس عن حذيفة بن اليمان، فغايةُ الأمر أنّ عثمان قد جمع النّاس على قراءةٍ واحدةٍ، وهي القراءة المتعارف عليها بينهم، والمتواترة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومَنَعَهُم من سائر القراءات الأُخرى التي توافق بعض لهجات العرب، وأحرق سائر المصاحف التي تخالف القراءة المتواترة، وكتب إلى الأمصار أن يُحرقوا ما عندهم منها، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة. حيثُ يقول الحارث المحاسبي: «المشهور عند النّاس أنّ جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنّما حمل عثمان النّاس على القراءة بوجهٍ واحدٍ، على اختيارٍ وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشّام في حروف القراءات»[48]. ولم ينتقد أحدٌ من المسلمين عثمان على جمعه المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ؛ لأنّ اختلاف القراءة يؤدّي إلى اختلافٍ بين المسلمين لا تُحمد عُقباه، وإلى تمزيق صفوفهم وتفريق وحدتهم. فكلّ ما قيل فيه هو بسبب إحراقه بقيّة المصاحف، فسمّاه بعضهم: حَرّاق المصاحف، وذلك حين أصرّ البعض على عدم تسليم مصاحفهم؛ كابن مسعود. وقد نقل في كُتُبِ الحديث المعتبرة تأييد الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه‌ السّلام لما فعله عثمان من جمع المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ، وما كان عمله هذا إلّا بحضور ملأٍ من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال لهم: «ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرًا. قال عليّ عليه‌ السّلام قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجْمَع النّاس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت»[49].

وبعد تأييد الإمام عليّ عليه ‌السّلام والصّحابة المعاصرين لهذا العمل، بدأ التحوّل تدريجيًّا إلى المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الآفاق، فاحتلّت مكانها الطبيعي، وأخذت بأزمّة القلوب، وبدأت بقيّة المصاحف التي كُتِب فيها التّأويل والتّفسير وبعض الحديث والدّعاء تنحسر بمرور الأيّام، أو تصير طعمة للنّار، حتّى أصبحت أثرًا بعد عين، وحُفظ القرآن العزيز من أن يتطّرق إليه أيّ لبس.

والله المُستعان

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم.
أبو القاسم الطبرانيّ، المعجم الكبير، ج1، حديث رقم: (601). وأحمد بن الحسين البيهقيّ، شعب الإيمان، ج2، حديث رقم: (2217-2218)، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت.
أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزديّ السّجستانيّ، كتاب المصاحف، ج1، طبعة 1، الفاروق الحديثة، القاهرة، مصر.
أبو بكر مكرم بن أحمد بن محمّد بن مكرم القاضي البغداديّ (345هـ)، فوائد مُكْرَم البزّاز، ج1، طبعة 1، دار البشائر الإسلاميّة، تحقيق: نبيل سعد الدّين جرار، عمّان، الأردن. والحافظ علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعيّ، المعروف بابن عساكر الدّمشقيّ، تاريخ دمشق، ج42، طبعة 1، دار الفكر للطّباعة والنشر.
أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب بن عليّ النّسائيّ، السّنن الكبرى، ج7، حديث رقم: (8200)، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت. وأحمد بن علي بن المثُنّى بن يحيى بن عيسى بن هلال التّميميّ، أبو يعلى الموصلّي، مسند أبي يعلى، ج1، حديث رقم: (193)، طبعة 1، دار المأمون للتّراث، دمشق، سورية.
أبو عبد الله الحاكم النّيسابوريّ، المستدرك على الصّحيحين، ج2، حديث (4217)، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، وصحّحه على شرط الشّيخين، ووافقه شمس الدّين الذهبيّ في التّلخيص، وقال الحاكم (المتوفى: 405هـ): «وَفِيهِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا جُمِعَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)».
أبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجّاج المَرْوَزِيّ، مختصر قيام اللّيل وقيام رمضان وكتاب الوتر، ج1، وأبو عبد الله محمّد بن أيّوب بن يحيى بن الضّريس بن يسار الضّريس البجليّ الرّازيّ، فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكّة وما أنزل بالمدينة، ج1، طبعة 1، دار الفكر، دمشق، سورية.
أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهرويّ البغداديّ، فضائل القرآن، ج1، طبعة 1، دار ابن كثير، دمشق-بيروت. وأبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجّاج المَرْوَزِيّ، مختصر قيام اللّيل وقيام رمضان وكتاب الوتر، ج1، طبعة 1، حديث أكادمي، فيصل آباد، باكستان.
أحمد بن حنبل، المسند، ج4، حديث رقم: (3906)، طبعة 1، دار الحديث، القاهرة.
أحمد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن حجر العسقلانيّ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج9، طبعة 1، دار المعرفة، بيروت.
أحمد بن محمّد بن حنبل الشّيبانيّ، مسند أحمد، ج4، حديث رقم: (16590)، طبعة مؤسّسة قرطبة، القاهرة.
أحمد بن محمّد بن حنبل بن هلال بن أسد الشّيبانيّ، مسند أحمد، ج29، حديث (17918)، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
إسماعيل سالم عبد العالم، المستشرقون والقرآن، ج1، سلسلة دعوة الحق ـ الصّادرة عن رابطة العالم الإسلاميّ، العدد 104، مكّة المكرّمة (1410هـ - 1990م).
تهذيب التهذيب للحافظ أحمد بن عليّ بن محمّد ابن حجر العسقلانيّ، ج3، طبعة 1، مطبعة دائرة المعارف النظاميّة، الهند.
الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ بن عاصم النمريّ القرطبيّ، جامع بيان العلم وفضله، ج1، طبعة 1، دار ابن الجوزيّ، السّعودية، تحقيق: أبو الأشبال الزّهيريّ.
سليمان بن أحمد بن أيّوب بن مطير اللّخميّ الشّاميّ، أبو القاسم الطّبرانيّ، المعجم الكبير، ج5، حديث رقم: (4888-4889)، طبعة 2، مكتبة العلوم والحكم، الموصل. ورواه في المعجم الأوسط، ج2، حديث رقم: (1913)، طبعة دار الحرمين، القاهرة، مصر.
عبد الحقّ بن غالب بن عبد الرّحمن بن تمّام بن عطيّة الأندلسيّ المحاربيّ، المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج1، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت. وشمس الدّين أبو الخير ابن الجزريّ، محمّد بن محمّد بن يوسف، غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج1، طبعة مكتبة ابن تيميّة.
عبد الرّحمن بن أبي بكر، جلال الدّين السّيوطيّ، الإتقان في علوم القرآن، ج1، طبعة الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، مصر، 1974م.
عبد الرّزاق بن همام بن نافع الحميريّ اليمانيّ الصّنعانيّ، المصنّف، ج2، طبعة 2، المكتب الإسلاميّ، بيروت. وابن أبي شيبة، عبد الله بن محمّد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، المصنّف في الأحاديث والآثار، ج2، طبعة 1، مكتبة الرّشد، الرّياض.
علاء الدّين عليّ بن حسام الدّين ابن قاضي خان القادريّ الشّاذليّ الشهير بالمتّقي الهنديّ، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، طبعة 5، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
عليّ بن أبي الكرم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشّيبانيّ، «ابن الأثير الجزريّ»، أُسد الغابة في معرفة الصّحابة، ج5، ترجمة: نافع بن ظريب، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت.
كتاب المصاحف لابن أبي داود، مقدّمة آرثر جيفري.
محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذّهبيّ، معرفة القرّاء الكبار على الطّبقات والأعصار، ج1، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت. ومحمّد بن بهادر بن عبد الله الزركشيّ، البرهان في علوم القرآن، ج1، طبعة دار المعرفة، بيروت، لبنان.
محمّد بن إسماعيل بن المغيرة البخاريّ، صحيح البخاريّ، ج3، حديث رقم (3426) باب: علامات النبوّة في الإسلام، طبعة 3، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت. والشّيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القميّ، الأمالي، المجلس السابع والثمانون، حديث رقم (2)، طبعة 6، كتابجي، طهران.
محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآمليّ، أبو جعفر الطّبريّ، جامع البيان في تأويل القرآن، ج14، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
محمّد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبد التّميميّ، أبو حاتم، الدّارميّ، البُستيّ، صحيح ابن حبان، ج3، حديث رقم: (786)، الطبعة 2، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
محمّد بن سعد بن منيع البصريّ الزّهريّ، الطّبقات الكبرى، ج2، طبعة 1، دار صادر-بيروت. وأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُريّ، أنساب الأشراف، ج2، طبعة 1، دار الفكر-بيروت.
محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه الضبيّ الطهمانيّ «أبو عبد الله الحاكم النّيسابوريّ»، المستدرك على الصّحيحين، ج2، حديث (3272)، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت.
محمّد بن عيسى التّرمذيّ، سنن التّرمذيّ، ج5، حديث رقم (3788)، باب: 32. وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، ج35، حديث (21654)، طبعة 2، مؤسّسة الرّسالة. ورواه أيضًا في فضائل الصّحابة، ج2، حديث (1032)، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت. وأخرجه ابن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضّحاك بن مخلد الشّيبانيّ، السّنة، ج2، حديث رقم (745)، طبعة 1، المكتب الإسلاميّ، بيروت. وقال الحافظ نور الدّين الهيثميّ في مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد، ج1، حديث (784)، طبعة دار الفكر، بيروت: «رواه الطّبرانيّ في الكبير ورجاله ثقات». ورواه الحاكم النّيسابوريّ في المستدرك على الصّحيحين، ج3، طبعة 2، دار الكتب العلميّة، بيروت.
محمّد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضّحاك التّرمذيّ، الجامع الصّحيح سنن التّرمذيّ، ج5، حديث رقم: (2949)، طبعة دار إحياء التّراث العربيّ-بيروت.
مسند الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينيّ الرّازيّ، ثم البغداديّ، الكافي، ج1، باب اختلاف الحديث، طبعة 4، الدّار الإسلاميّة، طهران.

لائحة المصادر الأجنبيّة
Arthur Jeffery: The Koran: Selected Suras translated Heritage, New York 1982.

-------------------------------
[1]*- باحث وأستاذ في الدراسات القرآنيّة والاستشراق، من إيران.
ـ تعريب: رائد علي غالب.
[2]- آرثر جيفري (Arthur Jeffery) مستشرق أسترالي ولد في ملبورن بأستراليا في الثامن عشر من أكتوبر عام 1892م، وتوفي في النصف الثاني من القرن العشرين، كان قسّيسًا في الكنيسة الميثوديّة (Methodist Church)، وهو من محرّري مجلّة العالم الإسلاميّ التبشيريّة، ويعدّ من أبرز كتّابها، وقد بُعث للعمل أستاذًا في الجامعة الأمريكيّة في بيروت, ثم عُيّن أستاذًا في جامعة  كولومبيا, ثم أستاذًا للّغات الساميّة في مدرسة اللّغات الشرقيّة في القاهرة، وهو من فئة المبشّرين المستشرقين الذين وجّهوا سهامهم المسمومة إلى كتاب الله المجيد، وأجهدوا أنفسهم في أن يتخذوا من قراءات القرآن منفذًا للانقضاض عليه، والتّشكيك فيه، وله جدليّات عدّة ضدّ القرآن الكريم وأصالته، نشر بعضها في مجلّة العالم الإسلاميّ عام 1935م، ونشر بعضها في كتابه ((مصادر تاريخ القرآن))، وأودع بقيتها في مقدّمة تحقيقه لكتاب المصاحف لأبي بكر بن أبي داود؛ راجع إسماعيل سالم عبد العالم، المستشرقون والقرآن، ج1، ص25، سلسلة دعوة الحق ـ الصّادرة عن رابطة العالم الإسلاميّ، العدد 104، مكّة المكرّمة (1410هـ - 1990م).
[3]- عامّة المستشرقين يتجهون إلى الإغراب في منهجهم التاريخيّ الذي طبّقوه على القرآن الكريم، وقد جرت سيرة المؤرّخين والمحقّقين والباحثين المنصفين على اعتبار الإغراب إن كان سائغاً في بعض العلوم، فهو لا يسوغ قطّ في التّاريخ، لأنّ تتبّع الإغراب في التّاريخ إنكارٌ لما اشتهر، وارتضاءٌ بما لم يُشتهر من غير سند.
[4]- كتاب المصاحف لابن أبي داود، مقدّمة آرثر جيفري، ص5.
[5]- انظر: تهذيب التّهذيب للحافظ أحمد بن علي بن محمّد ابن حجر العسقلانيّ، ج3، ص100-103، طبعة 1، مطبعة دائرة المعارف النظاميّة، الهند.
[6]- محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه الضبيّ الطّهمانيّ «أبو عبد الله الحاكم النّيسابوريّ»، المستدرك على الصّحيحين، ج2، ص360، حديث (3272)، طبعة: 1، دار الكتب العلميّة، بيروت. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[7]- محمّد بن إسماعيل بن المغيرة البخاريّ، صحبح البخاريّ، ج3، ص1326، حديث رقم (3426) باب: علامات النبوّة في الإسلام، طبعة: 3، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت. والشّيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، الأمالي، ص595، المجلس السابع والثمانون، حديث رقم (2)، طبعة  6، كتابجي، طهران.
[8]- Arthur Jeffery: The Koran: Selected Suras translated Heritage, New York 1982, P32.
[9]- محمّد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التّميميّ، أبو حاتم، الدّارميّ، البُستيّ، صحيح ابن حبان، ج3، ص66، حديث رقم: (786)، الطبعة 2، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
[10]- د. هشام عزمي المصري، نقد مقدّمة آرثر جفري في كتاب المصاحف، ملتقى أهل التّفسير، جزاه الله خيرًا هو وجميع الأخوة الذين شاركوه عبر مداخلاتهم في هذا الجّهد المفيد النافع.-
[11]- أبو عبد الله الحاكم النّيسابوريّ، المستدرك على الصّحيحين، ج2، ص611، حديث (4217)، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، وصحّحه على شرط الشّيخين، ووافقه شمس الدّين الذّهبيّ في التلخيص. وقال الحاكم (المتوفى: 405هـ): «وَفِيهِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا جُمِعَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)».
[12]- أحمد بن محمّد بن حنبل بن هلال بن أسد الشّيبانيّ، مسند أحمد، ج29، ص441، حديث (17918)، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
[13]- سورة النّحل، الآية 90.
[14]- عبد الرّزاق بن همام بن نافع الحميريّ اليمانيّ الصّنعانيّ، المصنّف، ج2، ص495، طبعة 2، المكتب الإسلاميّ، بيروت. وابن أبي شيبة، عبد الله بن محمّد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، المصنّف في الأحاديث والآثار، ج2، ص264، طبعة 1، مكتبة الرّشد، الرّياض.
[15]- أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهرويّ البغداديّ، فضائل القرآن، ج1، ص188، طبعة 1، دار ابن كثير، دمشق-بيروت. وأبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجّاج المَرْوَزِيّ، مختصر قيام اللّيل وقيام رمضان وكتاب الوتر، ج1، ص153، طبعة 1، حديث أكادمي، فيصل آباد، باكستان.
[16]- سورة الفرقان، الآية 32.
[17]- محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذّهبيّ، معرفة القرّاء الكبار على الطّبقات والأعصار، ج1، ص24-42، طبعة: 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت. ومحمّد بن بهادر بن عبد الله الزّركشيّ، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص242، طبعة دار المعرفة، بيروت، لبنان.
[18]- سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللّخميّ الشّاميّ، أبو القاسم الطّبرانيّ، المعجم الكبير، ج5، ص142، حديث رقم: (4888-4889)، طبعة 2، مكتبة العلوم والحكم، الموصل. ورواه في المعجم الأوسط، ج2، ص257، حديث رقم: (1913)، طبعة دار الحرمين، القاهرة، مصر.
[19]- أبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجّاج المَرْوَزِيّ، مختصر قيام اللّيل وقيام رمضان وكتاب الوتر، ج1، ص153. وأبو عبد الله محمّد بن أيّوب بن يحيى بن الضّريس بن يسار الضّريس البجليّ الرّازيّ، فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكّة وما أنزل بالمدينة، ج1، ص51، طبعة: 1، دار الفكر، دمشق، سورية.
[20]- Arthur Jeffery: The Koran: Selected Suras translated Heritage, New York 1982 P32.
[21]- محمّد بن إسماعيل البخاريّ، صحيح البخاريّ، ج6، ص314، حديث (8).
[22]- عبد الرّحمن بن أبي بكر، جلال الدّين السّيوطيّ، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص203، طبعة الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، مصر، 1974م.
[23]- عبد الرّحمن بن أبي بكر، جلال الدّين السّيوطيّ، ص185.
[24]- المرجع السابق، ص184. والزركشيّ، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص282. والمظفريّ هو: شهاب الدّين إبراهيم بن عبد الله الحمويّ (ت: 642هـ).
[25]- محمّد بن سعد بن منيع البصريّ الزّهريّ، الطّبقات الكبرى، ج3، ص294، طبعة 1، دار صادر، بيروت.
[26]- أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزديّ السّجستانيّ، كتاب المصاحف، ج1، ص60، طبعة: 1، الفاروق الحديثة، القاهرة، مصر.
[27]- جلال الدّين السّيوطيّ، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص206.
[28]- سورة التوبة، الآيتان 128-129.
[29]- محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآمليّ، أبو جعفر الطّبريّ، جامع البيان في تأويل القرآن، ج14، ص588، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
[30]- علاء الدّين عليّ بن حسام الدّين ابن قاضي خان القادريّ الشّاذليّ الشهير بالمتّقي الهنديّ، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ص577، طبعة 5، مؤسّسة الرّسالة، بيروت.
[31]- عليّ بن أبي الكرم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشّيبانيّ، «ابن الأثير الجزريّ»، أُسد الغابة في معرفة الصّحابة، ج5، ص288، ترجمة: نافع بن ظريب، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت.
[32]- أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب بن عليّ النّسائيّ، السّنن الكبرى، ج7، ص352، حديث رقم: (8200)، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت. وأحمد بن عليّ بن المثُنّى بن يحيى بن عيسى بن هلال التّميميّ، أبو يعلى الموصلّي، مسند أبي يعلى، ج1، ص173، حديث رقم: (193)، طبعة 1، دار المأمون للتّراث، دمشق، سورية.
[33]- أحمد بن حنبل، المسند، ج4، ص79، حديث رقم: (3906)، طبعة 1، دار الحديث - القاهرة. والحديث بيّن وواضحٌ في أنّ ابن مسعود رضي الله عنه كان يرى في نفسه أنّه الأولى في أن يُسند إليه جمع القرآن.
[34]- محمّد بن سعد بن منيع البصريّ الزّهريّ، الطّبقات الكبرى، ج2، ص338، طبعة 1، دار صادر - بيروت. وأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُريّ، أنساب الأشراف، ج2، ص99، طبعة 1، دار الفكر، بيروت.
[35]- انظر: مسند الشّيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينيّ الرّازيّ، ثمّ البغداديّ، الكافي، ج1، ص64، باب اختلاف الحديث، طبعة 4، الدّار الإسلاميّة، طهران.
[36]- الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ بن عاصم النمريّ القرطبيّ، جامع بيان العلم وفضله، ج1، ص383، طبعة 1، دار ابن الجوزيّ، السّعودية، تحقيق: أبو الأشبال الزّهيريّ.
[37]- أبو بكر مكرم بن أحمد بن محمّد بن مكرم القاضي البغداديّ (345هـ)، فوائد مُكْرَم البزّاز، ج1، ص268، طبعة 1، دار البشائر الإسلاميّة، تحقيق: نبيل سعد الدّين جرار، عمّان، الأردن. والحافظ عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعيّ، المعروف بابن عساكر الدّمشقيّ، تاريخ دمشق، ج42، ص401، طبعة:1، دار الفكر للطّباعة والنّشر.
[38]- عبد الحقّ بن غالب بن عبد الرّحمن بن تمّام بن عطيّة الأندلسيّ المحاربيّ، المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج1، ص12، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت. وشمس الدّين أبو الخير ابن الجزريّ، محمّد بن محمّد بن يوسف، غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج1، ص244، طبعة مكتبة ابن تيميّة.
[39]- سورة الأحزاب، الآية 23.
[40]- أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزديّ السّجستانيّ، كتاب المصاحف، ج1، ص88-89، طبعة 1، دار الفاروق الحديثة، القاهرة، مصر.
[41]- محمّد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضّحاك التّرمذيّ، الجامع الصّحيح سنن التّرمذيّ، ج5، ص198، حديث رقم: (2949)، طبعة دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت.
[42]- أبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجّاج المَرْوَزِيّ، مختصر قيام اللّيل وقيام رمضان وكتاب الوتر، ج1، ص153. وأبو عبد الله محمّد بن أيّوب بن يحيى بن الضّريس بن يسار الضّريس البجليّ الرّازيّ، فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكّة وما أنزل بالمدينة، ج1، ص51، طبعة 1، دار الفكر، دمشق، سورية.
[43]- محمّد بن عيسى التّرمذيّ، سنن التّرمذيّ، ج5، ص663، حديث رقم (3788)، باب: 32. وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، ج35، ص512، حديث (21654)، طبعة 2، مؤسّسة الرّسالة. ورواه أيضًا في فضائل الصّحابة، ج2، ص306، حديث (1032)، طبعة 1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت. وأخرجه ابن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضّحاك بن مخلد الشّيبانيّ، السّنة، ج2، ص351، حديث رقم (745)، طبعة 1، المكتب الإسلاميّ، بيروت. وقال الحافظ نور الدّين الهيثميّ في مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد، ج1، ص413، حديث (784)، طبعة دار الفكر، بيروت: «رواه الطّبراني في الكبير ورجاله ثقات». ورواه الحاكم النّيسابوريّ في المستدرك على الصّحيحين، ج3، ص109، ص148، ص533، طبعة 2، دار الكتب العلميّة، بيروت، وغيرهم الكثير من الحفّاظ.
[44]- أبو القاسم الطبرانيّ، المعجم الكبير، ج1، ص221، حديث رقم: (601). وأحمد بن الحسين البيهقيّ، شعب الإيمان، ج2، ص407، حديث رقم: (2217-2218)، طبعة 1، دار الكتب العلميّة، بيروت.
[45]- عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميريّ اليمانيّ الصّنعانيّ، المصنّف، ج3، ص361، طبعة 3، المكتب الإسلاميّ، بيروت.
[46]- أبو القاسم الطبرانيّ، المعجم الكبير، ج7، ص34، حديث رقم: (6299).
[47]- أحمد بن محمّد بن حنبل الشّيبانيّ، مسند أحمد، ج4، ص54، حديث رقم: (16590)، طبعة مؤسّسة قرطبة، القاهرة.
[48]- جلال الدّين السّيوطيّ، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص211.
[49]- أحمد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن حجر العسقلانيّ، فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ، ج9، ص18، طبعة 1، دار المعرفة، بيروت.