البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحروف المقطعة وسمات بنيوية أخرى للقرآن في ضوء النصوص الدينية اليونانية والبابلية

الباحث :  السيد حمزة جعفر
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  31
السنة :  صيف 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  132
تحميل  ( 2.764 MB )
الملخّص
تتناول هذه المقالة ترجمةً ونقدًا لمقالة من تأليف المستشرق ديفين ستيوارت أوردها في كتاب «وجهات نظر جديدة حول القرآن، القرآن في سياقه التاريخيّ الجزء الثاني»، يتطرّق خلالها لجملة من السمات البنيويّة للقرآن الكريم، من أبرزها الحروف المقطّعة المباركة، ويذهب أبعد من أغلب المستشرقين الذين عادةً ما يعتقدون أنّ القرآن مستوحى من الكتاب المقدّس، فيحاول إثبات نسبة ما بين القرآن وبعض الأعراف الجاهليّة وكهانة ما قبل الإسلام تارةً، وتارةً أخرى يصل به المطاف إلى المقارنة بين القرآن الكريم والنصوص التنبّؤيّة اليونانيّة القديمة والبابليّة. ورغم أنّه يقدّم بعض الملاحظات التي يمكن الاستفادة منها فيما يتعلّق بالحروف المقطّعة، إلّا أنّ طريقة الاستدلال المعتمدة قائمة على الظنّ والاستحسان، وهذه الطريقة دائمًا ما تصيب من الاستشراق والمستشرقين مقتلًا. وفي سياق الردّ، نحاول عبر الاستفادة من اللغة والآيات القرآنيّة الكريمة -والتي يفسّر بعضها بعضًا- التوصّل إلى بعض النتائج للإجابة على ما أورده الكاتب، وفي النهاية نبيّن الوظيفة الأدنى التي تؤدّيها الحروف المقطّعة تجاه قارئ القرآن الكريم.

وأمّا النتائج المتمخّضة عن النقد، فهي: نفي بعض الاستنتاجات المغلوطة التي توصّل إليها الكاتب من بعض الآيات، وعدم وجود ربط بين الحروف المقطّعة وغيرها من السمات القرآنيّة بالديانات البابليّة واليونانيّة وغيرها، وأنّ وظيفة الحروف المقطّعة هي تحويل القارئ إلى أهل الذكر للاهتداء والاقتداء بهم من باب أنّ الداني في العلم يستهدي بالأعلى فيما لا يعلم؛ وكذلك تبيان من هم أهل الذكر.

الكلمات المفتاحيّة: الاستشراق، القرآن في سياقه التاريخيّ، الحروف المقطّعة، ديفين ستيوارت، الجاهليّة، الكهانة.

المبحث الأوّل: ترجمة المقالة
في الوقت الذي ركّز الباحثون الغربيّون في القرآن على الجذور اليهوديّة والمسيحيّة للنصّ القرآنيّ تركيزًا ملحوظًا، إلا أنّهم لم يعيروا لتأثير التقاليد العربيّة السائدة ما قبل الإسلام إلّا القليل من الاهتمام على الرغم من وجود ما يشير إلى أهمّيّتها. يمكن ملاحظة آثار هذا التأثير في روايات الأنبياء هود وصالح وشعيب، وفي مكانة الكعبة وتبنّي الحجّ إلى مكّة الموجود ما قبل الإسلام وشيوع السجع -وهو الأسلوب المعتمد لدى كهنة ما قبل الإسلام- في العديد من السور، والكثير من المقاطع التي تذكّر بأساليب الكهنة الذين كانوا قد اشتُهروا بإنشائها. إنّ قلّة الاهتمام هذه ناتجة عن الانحياز العميق في الأدب الإسلاميّ نحو الثقافة الدينيّة الوثنيّة في الجاهليّة. ولأنّ الباحثين الغربيّين تخصّصوا في دراسات الكتاب المقدّس ـ وهي الميدان التي منه انبثقت الدراسات الإسلاميّة ـ، فقد جعلهم هذا التخصّص ميّالين إلى التركيز على النصوص اليهوديّة والمسيحيّة. إضافةً إلى ذلك، إنّ عدم وجود نصّ وثنيّ موازٍ للكتاب المقدّس -وهو نصّ مقدّس كان يمكن أن يشكّل وثيقة حيّة للدّين والأساطير لدى العرب ما قبل الإسلام- جعل من الصعب التعرّف على التقاليد الوثنيّة. كما أنّ الجزيرة العربيّة ما قبل الإسلام لم تُنتج ما يشبه الإلياذة[1] أو الأوديسة[2]، ولا حتّى ما يعادل «تحوّلات» أوفيديوس[3]. توفّر بعض المصادر الإسلاميّة بعض المعلومات ذات صلة على شكل دراسات مركّزة ككتاب الأصنام لابن الكلبيّ (204هـ) وكتاب الإكليل للهمدانيّ (334هـ)، وبعضها موجود في أعمال أخرى، مثل: تاريخ الرسل والملوك للطبريّ (310هـ) ومروج الذهب للمسعوديّ (356هـ). وقد ألّف جوليوس ولهاوزن[4] عام 1897م استنادًا إلى هذه الكتب كتابه المسمّى «بقايا الوثنيّة العربيّة»[5] وهو تحقيق بديع حول الدين لدى عرب ما قبل الإسلام، ولكن لم يحذُ حذوه إلا عدد قليل من الباحثين. ولعلّ أهمّ دراسة أجريت إلى يومنا الحاضر حول هذا الجانب من الخلفيّة الثقافيّة التي سبقت رسالة النبيّ محمّد هي دراسة توفيق فهد المنشورة عام 1966م حول الكهانة العربيّة، والتي شملت عددًا من المحاولات لتفسير بعض جوانب النصّ القرآنيّ. وقد كتب ياروسلاف ستتكيفيتش[6] عملًا يعتبر فيه أنّه يمكن إعادة بناء أسطورة صالح وثمود من المصادر الإسلاميّة. وكذلك، يوجد بعض الدراسات المقارنة واسعة النطاق للموادّ الإسلاميّة والساميّة والتي تدّعي ـ بشكل أو بآخر ـ وجود صلة مباشرة بين النصوص الإسلاميّة والنصوص الساميّة البدائيّة، خصوصًا دراسة ديفيد هاينريش مولر[7] حول الشعر الغنائيّ والذي
ـ برأيه ـ هو عبارة عن شكل أدبيّ تنبّؤيّ يصل ما بين القرآن والتوراة العبرانيّة[8] والأدب المسماريّ القديم، بل وحتّى التراجيديا اليونانيّة القديمة.

ويقابل مثل هذه الدراسات، دراسة قام بها هاوتينغ[9] مؤخّرًا تقول بأنّ المواد «الوثنيّة» في القرآن ليست وثنيّةً في الواقع. ويشير إلى أنّ الموحّدين كثيرًا ما ينعتون بعضهم بعضًا بالوثنيّة عندما يتناقشون، والغاية منه التحقير أو تسجيل نقاط لصالحهم في النقاش، دون أن يكون المقصود الوثنيّين الحقيقيّين. وبالتالي، حسب رأيه، يستبعد أن يكون القرآن يعكس النصوص الوثنيّة الدينيّة أو التقاليد الثقافيّة التي كانت سائدة في الجزيرة العربيّة والتي عادةً ما تعتبر الإطار الأساس للوحي القرآنيّ. وبهذا، حاول دعم نظريّة وانسبرو[10] -ولو جزئيًّا- والتي تفترض أنّ القرآن نشأ خارج الجزيرة العربيّة، ودليله الرئيسيّ على هذا القول هو أنّ القرآن أظهر اطّلاعًا واسعًا على العقيدتَين اليهوديّة والمسيحيّة ودخل في نقاشات معقدّة حول قضايا جدليّة مع ممثّلين عن هاتين العقيدتَين. برأيي، هاوتينغ ووانسبرو مخطئان في هذا الإطار؛ إذ تُظهر بعض الأدلّة المعتبرة أنّ عرب الجاهليّة كانوا مطّلعين على اليهوديّة والمسيحيّة، واللتان كان لهما الحضور القويّ في الجزيرة العربيّة والمناطق المحيطة بها قبل الإسلام بزمن بعيد. إنّ الفقرات القرآنيّة التي تبدو للوهلة الأولى أنّها مستمدّة من الديانة الوثنيّة في جاهليّة الجزيرة العربيّة ليست في الحقيقة إلا كذلك، وهي أشدّ شموليّةً وأكثر تفصيلًا وأشدّ غموضًا من أن يُغضّ الطرف عنها باعتبار أنّها مجرّد نتيجة للاتهامات التي يلقيها الموحّدون بعضهم على بعض.

قد يكون اعتماد أسلوب النقد الشكليّ مثمرًا في مقاربة الفقر القرآنيّة التي لها علاقة بالتقاليد الوثنيّة ما قبل الإسلام. كما أنّ التعرّف على أعراف الخطاب الدينيّ ما قبل الإسلام يمكن أن يكون مساعدًا على تفسير الكثير من فقر القرآن، ومن بينها تلك التي قد تبدو محيّرة جدًّا للوهلة الأولى، كما وأنّه يمكن أن يساعد في تحديد علاقة القرآن والإسلام بالتقاليد الدينيّة ما قبل الإسلام. ولكن في هذه الحالة، يصبح النقد الشكليّ مهمّة صعبة. كما حصل مع هرمان غونكل[11] في تحليله للمزامير، فإنّ الناقد الشكليّ للقرآن يعرّض نفسه للوقوع في الدور الصريح. في ظلّ غياب مجموعة كبيرة من النصوص المقارنة كشيء موازٍ لإلياذة الجاهليّة، على المحقّق أن يفحص النصوص في القرآن لكي يتسنّى له اكتشاف أعراف الخطاب الدينيّ السائد ما قبل الإسلام. ومن ثمّ، يمكنه استخدام فهمه للأعراف الشكليّة ذات الصلة الناتج عن ذلك الفحص لتفسير تلك النصوص القرآنيّة نفسها. وهذا بالتحديد ما فعله غونكل بالمزامير، إذ لم يكن لديه نصّ مستقل للشعر العبريّ القديم. إنّ ما يعطي المحقّق بعض الأمل في النجاح -على الرغم من هذه الصعوبات- هو أنّ المتن يحتوي على بعض من النصوص -أو في بعض الأحيان على عدد كثير منها- تناسب الأشكال أو الأنواع التي يتمّ دراستها. إنّ هذا العدد الوافر من النصوص يرجّح أن يكون التناسق المكتَشف عبارة عن أعراف أدبيّة معتادة وليست صدف غريبة. لكنّه يبقى هناك احتمال أن تكون هذه الأعراف الأدبيّة من خصائص القرآن وليست لأنواع أدبيّة جاهليّة كامنة تحت طيّات النصّ القرآنيّ. وبناءً على هذا، لا بدّ من دراسة المرجّحات التي تحدّد ما إذا كانت هذه العناصر على صلة بنوع أدبيّ سابق على القرآن، أو إذا كانت عبارة عن نوع معدّل عُدّل ليوافق النصّ القرآنيّ.

لم يُقارَب القرآن عن طريق النقد الشكليّ إلا بشكل محدود، ومن بين هذه المقاربات بعض الدراسات التي تستند على التقاليد الدينيّة غير اليهوديّة والمسيحيّة. فقد كتب أنتون بومستارك[12] حول أنواع الدعاء في القرآن وكيف ترتبط بالنماذج اليهوديّة والمسيحيّة. بينما قامت أنجليكا نوويرث[13] بنشر عدّة دراسات مهمّة والتي طبّقت فيها أساليب النقد الشكليّ على سلسلة الأقسام[14] في بدايات بعض السور. وقام ألفريد ولش[15] بمناقشة الكثير من الخصائص البنيويّة للقرآن. إضافةً إلى ذلك، حتّى إنّ بعض المؤلّفين المسلمين في القرون الوسطى كثيرًا ما كتبوا بطريقة نقديّة، ككتاب «التبيان في أقسام القرآن» لابن قيّم الجوزيّة (المتوفّى 751هـ/ 1350م)، والذي يعامل الأقسام في القرآن على أنّها موضوع بنيويّ له صلة بنوع خطابيّ معروف، حيث قام بتفسيرها في ضوء الأعراف التي يمكن استنتاجها من المتن القرآنيّ ككل. حتّى الأسلوب التقليديّ في تفسير القرآن بالقرآن قد يعتمد النقد الشكليّ بدلًا من تتبّع المظاهر المتعدّدة للكلمات نفسها في المتن. إضافةً إلى ذلك، النوع الأدبيّ[16] لأسباب النزول -والذي برز بشكل خاصّ في كتاب علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (متوفى 468هـ/ 1076م)- عادةً ما يستخدم النقد الشكليّ، ويشكّل أداةً مفيدة للباحثين المعاصرين في هذا المجال أكثر منه في مجال النقد التاريخيّ. على الرغم من أنّ الباحثين المعاصرين لا يثقون كثيرًا بصدقيّة الحدث التاريخيّ إلا أنّ التحليل هنا عادةً ما يصيب في تشخيص الشكل أو النوع الذي يندرج تحته النصّ قيد الدراسة، ويستخدم بعض الأعراف المرتبطة بالنوع قيد البحث في محاولة لتفسير معناه.

إنّ دراسة التقاليد التنبّؤيّة المختلفة يمكن أن يساعد في تشخيص خصائص ووظائف هذه الأعراف النوعيّة وفهمها، إذ إنّه لا بدّ للباحث أن يعتمد بشكل أساس على القرآن نفسه. يمكن لأمور موازية في ثقافات أخرى ذات تقاليد تنبّؤيّة قويّة ومتخصّصين دينيّين يقومون بأعمال شبيهة بتلك التي كان يقوم بها الكهّان في الجاهليّة أن تقدّم أرضيّة للمقارنة، وهو ما لا يقدّمه التفحّص الدقيق للقرآن، سواء تمّ عزله أو ربطه بالموادّ التنبّؤيّة الجاهليّة. إنّ دراسة التنبّؤات لدى اليونان القديم أو ثقافات أخرى، ودراسة الأنواع والأعراف الأدبيّة المرتبطة بها قد تلقي الضوء على الفقرات التنبّؤيّة للقرآن، ويفتح الباب أمام تفاسير جديدة أو فهم أوسع لمثل هذه الفقرات. قد قام ستيفان سبيرل[17] بتبنّي مقاربة مشابهة عبر مقارنة سورة الفاتحة مع الصلاة الربّانيّة[18]، بل بمقارنتها بالدعاء البابليّ لإله القمر سين. يمكن لدراسات مشابهة أن تساعد في كشف، وتفسير، وتحديد مدى أهمّيّة الأعراف التابعة للأنواع المرتبطة بالموروثات الدينيّة الجاهليّة التي تشكّل الخلفيّة للكثير من فقرات القرآن.

فيما يلي عرض بسيط لقيمة النقد الشكليّ، خصوصًا للموادّ الوثنيّة الجاهليّة في القرآن: الآية الأولى في سورة العصر عبارة عن قَسَم: (وَالْعَصْرِ)[19]. لكلمة العصر في اللغة العربيّة معنيان، ولا يمكن تحديد أيّهما المراد مباشرةً، فقد تعني «الحِقْبة» وقد تعني «الوقت المتأخر من بعد الظهر». هذان المعنيان قد أثّرا في ترجمة النصّ المقدّس إلى اللغة الإنكليزيّة وغيرها من اللغات. فمثلًا، بعض المترجمين، أمثال: عبد الله يوسف علي قد تبنّى المعنى الأوّل للعصر؛ أي أنّه الحقبة أو المدّة الزمنيّة، كذلك فعل شاكر[20] وترجمه إلى «أُقسم بالزمان».

بينما قام محمّد أسد بالاستغناء عن القسم بشكل كامل، وهي حركة متحرّرة كعادته، وجعل ترجمة الآية كالتالي: «اعتَبِرْ من مرور الزمان!». ومن جانب آخر، التزم مترجمون آخرون بالمعنى الثاني للعصر أي الوقت الكائن بعد الظهر، فالمترجم بيكثال[21] يترجمها: «أقسم باليوم المتصرّم»، بينما ترجمها أربري[22] كالتالي: «أقسم بالوقت ما بعد الظهر»، وأمّا عبد الحليم[23] ترجمها: «أقسم بانصرام النهار». في هذه الحالة، يمكن للمقاربات ذات النقد الشكليّ أن تساعد في حسم القضيّة: كلمة العصر هنا لا تعني الحقبة أو الزمان، بل تعني الوقت المتأخّر عن الظهر، وأمّا الترجمات التي اعتمدها عبد الله يوسف علي وشاكر ومحمّد أسد خاطئة بكلّ بساطة. من الواضح أنّ الأقسام التي تبتدئ بها الكثير من السور تنتمي إلى أنواع تنبّؤيّة لها جذور في تقاليد الكهانة ما قبل الإسلام. ليس من الشائع أن تستحضر هذه الأقسام الشمس والقمر والكواكب فحسب، بل النهار والليل، وبعض الأوقات من اليوم كذلك. قد تكون هذه الكواكب والنجوم المذكورة ترمز بالأصل إلى بعض الآلهة. فالشمس كانت تُعبد من قِبَل قريش في ماضٍ غير بعيد عن النبيّ؛ لأنّ أحد أسلافه كان يُسمّى عبد شمس (وهو أخ لهاشم، والذي سُمّيت قبيلة النبيّ على اسمه، وهو أب لجدّ عثمان بن عفّان، صهر النبيّ والخليفة الثالث بعد موته). وكما صوّر القرآن، فإنّ قوم سبأ كانوا يعبدون الشمس أيّام سليمان[24]. كذلك، القمر ونجمة الصباح (كوكب الزهرة) كانا يُعبدان في الماضي القريب. ولكنّ القرآن يركّز على الحركة الطبيعيّة والمتوقّعة للكواكب، فهي ستكون كذلك (أي إلى نهاية العالم) وستتصرّف وفقًا لنمط منتظم، وهذه من آيات الله على سيطرته على الكون. كذلك استحضار النهار والليل وأوقات أخرى من النهار تخدم هدف تثبيت فكرة الانتظام. وردت أوقات النهار هذه لأنّه يمكن الاعتماد عليها كونها تحدث بلا انقطاع في انتظامها الطبيعيّ. تُقسِم الفقرة التالية بالليل والنهار: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)[25]. بينما تظهر أوقات محدّدة من النهار في الأقسام التالية: (كَلَّا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)[26]؛ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)[27]؛ (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ)[28]؛ (وَالْفَجْرِ)[29]؛  (وَالضُّحَىٰ)[30].

تشير هذه الأمثلة إلى أنّ الأقسام بساعات أو أوقات معيّنة من اليوم كانت ميزة موجودة بشكل منتظم في النصوص التنبّؤيّة في كهانة ما قبل الإسلام وأنّ هذا العرف الشكليّ بالتحديد قد اعتُمد في الفقرات التنبّؤيّة في القرآن. من الواضح أنّ كلمة العصر هنا تشير إلى وقت معيّن من اليوم وليس لـ»حقبة» أو «الزمان» لأنّها حينها لن تكون متوافقة مع الأعراف الشكليّة للنوع.

يوجد عرف شكليّ آخر في النصوص التنبّؤيّة قد أسيء تفسيره في الدراسات حول القرآن، وهو بناء «وما أدراك». فقد ادّعى ريتشارد بيل[31] أنّ عبارة «وما أدراك» غالبًا ما تُستخدم لإدخال زيادة على نصّ القرآن وتوضيح كلمة غامضة. وبناءً عليه، مثلًا، يقول إنّه في الفقرة الأخيرة من سورة القارعة: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ)[32]، جاءت الآيتان الأخيرتان مفسّرةً لكلمة «الهاوية» الغامضة. ولكن يمكنني القول إنّ الصحيح عكس ذلك، فإنّ أحد الأعراف البنيويّة للنصوص التنبّؤيّة قبل الإسلام، والذي تبنّاه القرآن فيما بعد، اشتمل على:

تقديم كلمة مبهمة متبوعة بـ...
سؤال «ما أدراك» حول هذه الكلمة، وثمّ...
شرح لتلك الكلمة.

يحتوي بعض الكلام الساخر المنسوب زورًا -كما لا يخفى- إلى النبيّ مسلمة بن حبيب المعروف في العرف الإسلاميّ بمسيلمة الكذّاب، على هذا البناء العرفيّ: «الفيل، ما الفيل، ﻭما ﺃﺩﺭﺍﻙ ما الفيل، ﻟﻪ مشفرٌ طويل، وذَنَبٌ أثيل، وما ذلك من خلق ربّنا بقليل».

يهدف هذا النصّ إلى السخرية من مسيلمة وتقديم دليل لدحض حالته النبويّة؛ لذلك لا يمكن اعتبار هذا النصّ حقيقيًّا، إلا أنّ شكل هذا النصّ قد يعكس وعيًا مهمًّا للأعراف الأدبيّة لمثل هكذا عبارات تنبّؤيّة. بشكل عامّ، من أجل أن تنجح السخرية، لا بدّ من أن تكون شبيهة بالنوع الأدبيّ المستهدف وفي الوقت نفسه مشوّهاً بشكل ما. هذه النبوءة مشوّهة عبر جعل الحدث الغامض الآتي أمرًا ملموسًا كحيوان ذي خصائص بدنيّة معروفة، ولكن يمكن اعتبار بناء «ما أدراك» جزءًا حقيقيًا من موروث الكهانة ما قبل الإسلام.

إنّ بناء «ما أداراك» ورد كثيرًا في القرآن، وأحيانًا بشكله الكامل، كما في سورة القارعة[33]، (الآيات 1-3) ، حيث «القارعة» هي الكلمة المبهمة، وكما ورد في السور التالية: الحاقّة (الآية 1-3)، الانفطار (الآية 14-19)؛ وقد وردت أيضًا بشكل مقتَطَع كما في السور التالية: المدّثّر (الآياتان 26 و27)، المطفّفين (الآيتان 18 و19)، الطارق (الآيتان 1 و2)، البلد (الآيتان 1 و2)، القدر (الآياتان 1 و2)، الهمزة (الآيتان 4 و5). إنّ الكثير من هذه العبارات الغامضة هي نعوت مؤنّثة تلعب دور الاسم، والعديد منها في صيغة اسم الفاعل، خصوصًا على وزن فاعلة كالواقعة، والحاقة، والقارعة (كما ذُكر سابقًا). ويتّضح من خلال معجم اللغة العربيّة ومن نصوص أخرى كالأحاديث أنّ أسماء الفاعل المؤنثة تعني سوء الحظّ والمحنة والفاجعة، خصوصًا كلمة المصيبة والتي تعني لغويًّا «الشيء الذي يصيب الهدف»، ولكنّها الكلمة الأشهر للدلالة على الفاجعة. ويوجد غيرها الكثير من العبارات مثل «الهامّة» والتي وردت في عوذة منسوبة للنبيّ: «أعيذه من الهامّة والسامّة ومن كلّ عين لامّة». يُراد لهذه الصفات أن تكون مبهمة، فهو عُرف بالنسبة إلى هذا النوع الأدبيّ. كذلك بناء «ما أداراك» الذي يليها هو عرف أيضًا، ومن المرجّح جدًّا أنّه من أصل النصّ، لا أنّه أضيف على النصّ في وقت لاحق. هذا البناء بأكمله يعمل لتقديم شيء غامض ومن ثمّ التعبير عن ماهيّته بعد تأخير بسيط، مع الإبقاء عادةً على بعض الإبهام أو الغموض. يمكن فهم كلمة «الهاوية» التي نوقشت كثيرًا والتي وردت بشكل غامض عن عمد، على أنّها بديل قريب لكلمة «هوّة» أو «مهوى»، والتي تعني هنا «جهنّم». إنّ هيئة هذه الكلمة يحدّدها سياق السجع التي ترد فيه، ويمكن مقارنتها بتعابير قرآنيّة غامضة أخرى تعني جهنّم مثل سقر، ولظى، والحطمة.

ثمّة ميزة في النصّ القرآنيّ تبدو غريبة عن نصَّي التوراة العبرانيّة والعهد الجديد، وهي الاستعمال المتكرّر لكلمة «قل» الافتتاحيّة، وهي علامة دخيلة تفيد بأنّ النصّ قد أوحي إلى النبيّ من قِبَل طرف ثالث. ليس الخطاب حديثًا مباشرًا من مصدر سماويّ، ولا هو سرد بلا واسطة يرويه النبيّ نفسه. إنّ هذه الميزة الأدبيّة القرآنيّة متّصلة على الأرجح بالعرف السائد ما قبل الإسلام، أي بين الشعراء والكهنة، والذي يفيد بأنّهم كانوا ينقلون النصوص والإيحاءات الأدبيّة التي -حسب الفرض- يتلقّونها من الجنّ أو أرواح مألوفة، ومن ثمّ تُقدّم بهذه الطريقة. أفعال الأمر هذه هي من بين الخصائص القرآنيّة العديدة التي تقدّم دعوى التسلّط على الغيب؛ لأنّها تقدّم نصّ الوحي على أنّه ليس من كلام النبيّ نفسه. في التفسير التقليديّ، يحدث إلهام النبيّ عبر الملك جبرائيل وليس عبر الجنّ أو الشياطين، إلا أنّ السمة البنيويّة يمكن اعتبارها من الآثار المتبقّية لوسيلة وثنيّة لنقل هذا النوع من الرسائل الاستثنائيّة.

كذلك، تُظهر أسماء الله الحسنى ارتباطًا بالعرف الدينيّ السائد قبل الإسلام. يعتبر الكثيرون أنّ هذه الأسماء هي خاصّة بالإسلام، وهي موجودة على الملصقات واللوحات المزخرفة، حتّى أنّها قد أُدرجت في الموسيقى الدينيّة الشعبيّة، لكنّها مستقاة غالبًا من أذيال العديد من آيات القرآن. ولكن توجد وجهة نظر أوسع تكشف أنّ الأسماء الحسنى هي عبارة عن صفات مقدّسة شبيهة بتلك الموجودة في الكثير من تقاليد الديانات الأخرى، كما في الأساطير اليونانيّة، والديانات الموجودة  قديمًا في الشرق الأدنى، والهندوسيّة، وغيرها؛ على سبيل المثال: أثينا المنتصرة، أبولو المدمّر، وهكذا. إنّ عبارة «الأسماء الحسنى» هي مصطلح فنّيّ موجود مسبقًا في القرآن، ويشير في الغالب إلى مفهوم جاهليّ كان يصدق على آلهة كما يصدق على الله:

- (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[34].

- (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا)[35].

- (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ)[36].

- (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[37].

ويظهر هذا بشكل خاصّ في الآية:

- (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[38]، حيث يتّضح هنا جليًّا أنّ الأسماء الحسنى كانت تُستخدم سابقًا في الدعاء بشكل خاصّ. وقد قام بيكثال وغيره من المترجمين بترجمة كلمة «يلحدون» بمعنى «يدنّسون»، وهي لغويًّا تعني «أن يخطئ الهدف»، وصار معناها فيما بعد «أن يكون ملحدًا، بلا إله». توحي هذه الآية أنّ المشركين المعاصرين للنبيّ يرتكبون كفرًا عندما يطبّقون صفات الله على أهداف خاطئة، وهي هنا الآلهة الأخرى التي كانت تُعبد في الجاهليّة بدلًا من حصرها بالله. إنّ استخدام هذه الأسماء في القرآن يظهر أنّها تلعب دورًا مهمًّا في الدعاء، كما تفعل الصفات الإلهيّة في تقاليد دينيّة أخرى، فهي عادة تردّ على شكل أزواج في نهايات الأدعية الصريحة أو المضمرة في ذيل الآيات. إضافة إلى ذلك، هي عادةً ما تكون أصداء شبيهة بالفعل الرئيسيّ أو بالكلمة الأساس التي ترد في الدعاء، كما في: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ[39]). إنّ هذا النوع من البناء موجود بكثرة في القرآن، وكذلك في الأدعية الإسلاميّة مثل: اللهم اشفه إنّك أنت الشافي والمعافي والقادر على كلّ شيء. لا يمكن تعقّب الأسماء الحسنى فحسب بل أيضًا الأعراف التي تُستخدم في هذه الأسماء في الأدعية، من بينها جناس شبيه بها، إلى الأدعية الوثنيّة ما قبل الإسلام.

يمكن لاستخدام كلمة «رَبّ» في القرآن أن يكشف آثار استخدامها من قبل الوثنيّين والمشركين. من المنطقيّ القول إنّ الآلهة ما قبل الإسلام في الجزيرة العربيّة كانت تشمل العديد من المعبودات والتي كانت تُعتبر «أربابًا» على بعض المجالات، كما هو حال غيرها من التقاليد. تمامًا كما كان نبتون رَبّ البحر، كذلك كانت الآلهة والإلهات ما قبل الإسلام أربابًا على العديد من الكواكب والبحار والجبال والمناطق والمعابد والأماكن المقدّسة، وهلمّ جرًّا. في حين أنّ العبارات التي تشير إلى ربوبيّة الله على مجال معيّن ومحدود يمكن تبريرها ضمن إطار الكتاب المقدّس والتوحيد عبر القول بأنّ الله هو في الواقع ربّ كلّ شيء في الكون، ولكن أحياناً أخرى يبدو غريبًا أو غير ضروريّ ذكر مجال محدود، وبالتالي الإيحاء بأنّ الله محدود بشكل ما. يمكن تفسير هذه الأمور الشاذّة على أنّها من بقايا استخدام أقدم حيث كان المجال المحدود فيه يُفهم منه أنّه محدود بالفعل، وأنّ الآلهة متعدّدون. إنّ بعض الاستخدامات لكلمة «ربّ» في القرآن يمكن فهمها على أنّها شاملة، مثلًا: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)[40]، (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ[41])، (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[42])، (رَّبُّ السَّمٰوٰتِ السَّبْعِ)[43]، (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[44]، (رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ)[45]، (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)[46]، (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[47])، (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)[48]، (رَبِّ الْعَرْشِ[49]).

في كافّة هذه الموارد، تشير كلمة «رَبّ» بنحو ما إلى العالم بأسره أو الكون، أو إلى جزء ممّا يمكن أن يكون الكلّ. وهذا يصدق على كرسيّ الله كذلك، والذي قيل إنّه وسع السماوات والأرض[50]. إضافةً إلى ذلك، بعض استعمالات كلمة «رَبّ» مرتبطة بشكل خاصّ بالتقليد الإنجيليّ، كما في: (رَبِّ مُوسٰى وَهٰرُونَ)[51]. لكن في بعض الفقرات، استُعملت لفظة «رَبّ» على مجالات محدّدة، ومن الصعب الادّعاء بأنّها تشير إلى كلّ الوجود ولو كنايةً. من بين هذه الفقرات المشار إليها: (رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا[52])، (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ[53])(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ[54]).

في كلّ من هذه الآيات، لفظة «رَبّ» تبدو مرتكزة على مكان ما، ففي الآية الأولى، الربّ مرتبط بمكّة، وهو الذي حرّمها، وفي الآية الأخيرة، الربّ مرتبط بمزار أو معبد الكعبة بشكل خاصّ. أمّا في الآية الثانية، المقصود من البلدة ليس مكّة بل المدينة الرئيسيّة لقبيلة سبأ. في كلّ هذه الحالات، لا يوجد ما يشير إلى أنّ هذا الربّ هو غير محدود بالبلدة أو المعبد المذكورَين، بالتالي، ما يتبادر من السياق يُبقي على احتمال أن يكون لكلّ بلدة وكلّ مزار إلهٌ خاصٌّ، ووجود عدد من أمثال هذه الآلهة. ولعلّ أغرب استعمال للفظة «رَبّ» في القرآن من وجهة نظر توحيديّة هي: (رَبُّ الشِّعْرَىٰ[55]). لماذا وُصف الإله الواحد للكون كلّه أنّه ربّ الشعرى بشكل خاصّ بدلًا من وصفه بربّ الشمس والقمر وكلّ النجوم؟ إنّ هذا التحديد الدقيق يبدو غير مبرّر، إن لم نقل إنّه ينطوي على كفر، وقد يشير إلى استعمال وثنيّ جاهليّ. يمكن أن يكون القرآن، في هذه الحالات وغيرها، وبدون أن يلتفت، يديم تقليدًا جاهليًّا في الخطاب الدينيّ؛ بل قد يكون استخدامًا واعيًا وجدليًّا لخطاب دينيّ ما عبّر استخدام المصطلحات الوثنيّة من أجل مجادلتهم. إنّ الإله التوراتيّ هو ربّ كلّ تلك المجالات في الكون التي نصّب عليها الوثنيّون مجموعة من الأرباب الأقلّ شأناً. هم مخطئون، فأرباب الشعرى والقمر والشمس والبحر والجبال، وإلخ؛ هم في الحقيقة إله واحد.

إنّ لفظة «رَبّ» أو «أرباب» باللغة العربيّة موازية بشكل ما للفظة «بعل» أو «بعاليم»[56] والتي وردت في التوراة والديانتَين الأغاريتيّة والفينيقيّة، وكانت تعني لفظة «بعل» أساسًا -كما هي حال «رَبّ»- «المولى» أو «المالك» أو «الصاحب»[57] أو «السيّد». وعلى ما يبدو، لم تكن تشير هذه اللفظة إلى أكثر الآلهة شهرةً من بين الآلهة الفينيقيّين، أو إلى إله العواصف وابن أو حفيد الإله الأكبر «إِل» فحسب، بل تشير إلى عدد مختلف من الآلهة، منها المحلّيّة ومنها المتخصّصة، وعادةً ما يرد اللفظ مركّبًا - كما في كلمة «رَبّ» العربيّة»: بعل صور[58]، بعل حرّان[59]، بعل الرقص، بعل الجنّة، وإلخ. إنّ بعض آثار هذا الاستخدام الوثنيّ موجود في بعض فقرات التوراة والتي تذكر -على سبيل المثال- أنّ الإسرائيليّين تركوا عبادة «يهوه»[60] لعبادة «بعل وعشتروت»[61].

وردت لفظة «رَبّ» بشكل بارز في المعوّذتين (سورتا الفلق والناس). إنّ التشابه البنيويّ الموجود بين هاتَين السورتَين لا يرجّح أنّهما متقاربتان بشدّة فحسب، بل إنّهما تنحدران من نوع خطاب دينيّ جاهليّ مشترك. تحتوي المعوّذتان على العناصر البنيويّة التالية:

«أعوذ»،

برَبّ كذا - وهنا إشارة إلى الربّ الذي يُطلب منه المساعدة عبر إعمال قدرته على المجال كذا.
من شرّ كذا - في إشارة إلى نوع أو أنواع الأخطار المراد دفعها.
في هذه الحالات، الأرباب المدعوّة هم: ربّ الفلق وربّ الناس. ولكن، يمكن الاعتقاد وفقًا للاستعمال الوثنيّ الجاهليّ أنّ الآلهة أو الإلهات المدعوّة كانت لها قدرات على صلة وثيقة بالمجالات المحدّدة والأخطار المذكورة في المعوّذتين.

القرآن وأعراف التنبّؤات اليونانيّة القديمة والفأل البابليّ
إنّ الخصائص التي ذُكرت أعلاه تفيد أنّ ثمّة بقايا للتقاليد الدينيّة الجاهليّة في النصّ القرآنيّ. إنّ دراسة غيرها من التقاليد التنبّؤيّة، كتلك التي لليونانيّين والبابليّين، من شأنه أن يقدّم المزيد من الرؤى للمقارنة. وهذا مفيد جدًا لأنّ المتون التنبؤيّة المتبقيّة من التقاليد ما قبل الإسلام عددها قليل جدًّا بالمقارنة. ولكن بعض الصعوبات نفسها تحدث عند دراسة النصوص التنبّؤيّة اليونانيّة كوجود نصوص مزوّرة وتهكّميّة. بالرغم من ذلك، لقد جُمعت ودُرست النصوص التنبؤيّة اليونانيّة بعناية أكبر، وبالتالي، وُضعت لائحة بأنواع الأسئلة المطروحة في التنبّؤات شبه التاريخيّة:

هل ينبغي أن أفعل كذا؟
كيف أفعل كذا؟
كيف يمكن لي أن أصبح والدًا؟
ما الذي عليّ فعله؟
ما الذي يمكن أن أفعله أو أقوله لأرضي الآلهة؟
من أو ماذا تسبّب بـ«كذا»؟
من كان الوالدان؟
من أو ماذا ينبغي أن نختار؟
أين يجب أن أذهب أو أبحث أو أستقرّ؟
هل سأنجح؟
ما مدى صدقيّة كذا؟
هل من الأفضل أن أفعل كذا؟
لأيّ إله يجب أن أقدّم القربان؟

ليست هذه الأسئلة بالضرورة متطابقة مع تلك التي كانت تُطرح على كهنة الجزيرة العربيّة ما قبل الإسلام، ولكن يمكن لهذه القائمة أن تكون دليلًا موجِّهًا في دراسات مستقبليّة. كذلك، بالنسبة إلى نصوص الفأل البابليّ، فقد حُفظت بأعداد كبيرة، ويوجد مجموعة كبيرة للمقارنة.
توجد اختلافات كبيرة بين بنية التنبّؤات اليونانيّة وبين النصوص التنبّؤيّة القرآنيّة. كلا النوعَين يتمتّع بشكل شعريّ تقليديّ، فقد صيغت النصوص اليونانيّة في أبيات شعريّة ذات تفاعيل سداسيّة عدديّة -وهي تختلف اختلافًا ملحوظًا عن السجع- وعادةً ما تُسمّى بالنثر المقفّى[62]، ولكنّه في جوهره نوع من أنواع الشعر الذي يُشدَّد على بعضه عند إلقائه[63]، وهو ما صيغت فيه العبارات التنبّؤيّة القرآنيّة والجاهليّة. تستخدم النصوص اليونانيّة عادةً قصائد متوّجَة[64]، ولكنّ ذلك غير موجود في التقليد التنبّؤيّ الجاهليّ والقرآنيّ. قد يكون استُخدم هذا النوع من القصائد من أجل منح القدرة على إعادة ترتيب بعض أبيات الشعر والتي كانت قد خُلطت أو بُعثرت من قبل المتنبّئ من أجل زيادة الغموض في الاستشارة التنبؤيّة.

على الرغم من هذه الاختلافات، إلا أنّ إجراء دراسة مقارنة للنصوص اليونانيّة مفيد في تفسير النصوص القرآنيّة. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ وظيفة المتنبّئين اليونانيّين وكهنة ما قبل الإسلام كانت متشابهة إلى حدّ بعيد، وأنّ عباراتهم تشترك في بعض السمات البنيويّة، وأنّ تحديد الميّزات المشتركة والمتداخلة -بالإضافة إلى المتناقضات الملحوظة بين المجموعتين- من شأنه أن يمنحنا نظرةً عن كثب في النصوص التنبّؤيّة القرآنيّة. تتألّف النصوص التنبّؤيّة اليونانيّة من ستّة أجزاء رئيسيّة، عادةً ما تأتي على الشكل التالي، مع أنّ بعض هذه النصوص لم يشتمل على الأجزاء الستّة:

بنية النصوص التنبّؤيّة اليونانيّة
السلام على السائل.
إعادة صياغة السؤال.
إظهار التسلّط على الغيب.
الشرط السابق للحدث.
الرسالة.
الشرح.

إنّ الفحص الدقيق في النصوص التنبؤيّة في القرآن في ضوء هذه السمات البنيويّة تقدّم نتائج مقارِنة واضحة. إنّ القسمَين الأوّلَين -أي السلام على السائل وإعادة صياغة السؤال- في الغالب غير موجودَين في القرآن. يوجد سؤال مشابه في سورة النبأ، والتي تبدأ بـ: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)[65]، إلا أنّه استثناء.

يمكن ملاحظة شكل موازيّ مشابه في القسم الرابع (الشرط السابق للحدث)، والذي يسبق مباشرة القسم الخامس (الرسالة الأصليّة)، وهما يشكّلان معًا جملة شرطيّة. وقد برز الشرط السابق للحدث على أنّه سمة بنيويّة مهمّة في الأسلوب القرآنيّ، فقد سمّاها بِل[66] وواط[67] وولش بفقرات «إذا»، بينما سمّاها نوورث «مجموعات إذا». ربّما من الأفضل تسميتها بـ«مجموعات الشرط السابق للأحداث»، والتي غالبًا ما تأخذ شكل: إذا حصل كذا يومئذٍ يحصل كذا، كذلك ورد شكل: يومَ يحصل كذا. وردت غالبًا على شكل سلسلة، حيث ترد أوّلًا أداة الشرط على نحو متعدّد وتنتهي بجواب شرط واحد تُذكَر فيه الرسالة أو تشير إلى حدث مستقبليّ. إنّ الآيات الأولى لسورة التكوير هي المثال الأبرز لهذه البنية:

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)[68].

في النصوص التنبؤيّة اليونانيّة، يبدأ شرط الفقرات المشابهة عادةً بعبارة «آل أوبوتان»[69] أو «آل أوتان»، والتي تعني «ولكن عندما...» والتي ترمز إلى الشرط السابق. أمّا الرسالة الأصليّة تبدأ بعبارة «كي توتي»، أو «توتي ذي»، أو «كي توتي ذي»[70]، والتي تعني «عندئذٍ» و»حينها». وفي ما يلي بعض الأمثلة:
ولكن عندما (آل أوبوتان) يقفز الكلبيّ[71] ذو الأسماء المتعدّدة في النار العظيمة، محرَّضًا من إرينيس[72] المجيدة، حينها (ذي توتي) كلّ الكلاب المتثعلبة التي كانت تتّبعه ستلقى المصير نفسه للذئب الراحل.

ولكن عندما (آل أوتان) يصبح بغلٌ مَلكَ ميديا[73]، عندها (كي توتي) أهرب إلى هرموس[74] ولا تبقى مكانك ولا تخجل من أن تكون جباناً.

ولكن عندما (آل أوبوتان) يوقد بروتوس[75]، وهو أفضل الكلبيّين، نارًا في معبد زيوس[76]، ويقفز في اللهب ويصعد إلى أعلى أوليمبوس[77]، عندئذٍ (ذي توتي) آمُرُ جميع الرجال الذين يأكلون من ثمار الأرض أن يكرّموا أعظم الأبطال، المتجوّل في الليل، المتوّج إلى جانب هيفيستوس[78] والرَّبّ هرقل[79].
إنّ التشابه المدهش بين هذه العبارات من النصوص اليونانيّة والنصوص القرآنيّة تفيد بأنّه من المحتمل أن تكون النصوص القرآنيّة اعتمدت على أعراف بنيويّة لنصّ تنبّؤيّ أقدم منها. بالتأكيد، إنّ الشرط السابق موجود في تقاليد أخرى، كما في عمل شيكسبير «ماكبث[80]»، على سبيل المثال، حيث ورد الشرط السابق في صعود بيرنام وود إلى جبل دونسينان[81].

كانت النصوص الفأليّة نوعًا أدبيًّا متطوّرًا جدًّا في الشرق الأدنى القديم، بل هي من الأهمّ والأكثر انتشارًا. فقد كرّس البابليّون وورثتهم كمًّا كبيرًا من طاقاتهم وإبداعاتهم لعلم الفأل والتنجيم وغيرهما. وقد جمعوا فهارس أو مجموعات كبيرة من النصوص الفأليّة كسلسلة النصوص الفأليّة التنجيميّة المستخدمة على نطاق واسع باسم «إنوما أنو إنليل»[82] والتي اكتُشفت في مكتبة الملك الآشوريّ آشوربانيال (685-627 قبل الميلاد) منقوشةً على 56 لوحًا طينيًّا يعود تاريخها إلى زمن الحكّام البابليّين الأوائل (1800-1500 قبل الميلاد)، وقد نُسخت ونُقلت عبر قرون عديدة، بل عبر آلاف السنين. كما ويوجد مجموعة شهيرة أخرى نُقلت عبر العديد من القرون موجودة بالعشرات على شكل نسخ مجزّأة خاصّة بالطوالع الأرضيّة اسمها: «إذا ما وُجدت مدينة على مرتفع»[83]، تحوي على ما يزيد عن 1600 فأل. كما وخُصِّصت مجموعات أخرى لطوالع أخذت من بعض الأحشاء، خصوصًا الرئتَين، مضافًا إلى الكبد وغيرها من الأعضاء. كما وخُصّصت غيرها بولادات لمخلوقات غريبة، بشريّة وحيوانيّة. بشكل عامّ، كلّ هذه الطوالع أتت على شكل جمل شرطيّة شبيهة بالنصوص التنبّؤيّة اليونانيّة والقرآنية التي نوقشت أعلاه: إذا حدث أو لوحظ كذا، سيحصل كذا. يمكن مشاهدة هذا البناء نفسه في نصوص قانونيّة مثل شريعة حامورابي حيث تبدأ العديد من القوانين الفرديّة بـ«إذا فعل رجل نبيل...»[84]، وقد استُخدمت في هذه الطوالع لغة قانونيّة.

إنّ الفهارس الكبيرة للطوالع عادةً ما يتمّ ترتبيها بشكل منظّم حسب موضوع الشرط السابق، فطوالع التنجيم -التي تخصّ القمر والشمس والزهرة وإلخ- تظهر في أقسام مستقلّة. كما في «إذا ما وُجدت مدينة على مرتفع»، فإنّ كلّ الطوالع التي تختصّ بالأفاعي موجودة في قسم خاصّ، وتلك التي تختصّ بالسحالي في قسم آخر، وتلك التي تختصّ بالنمل في قسم مختلف، وهكذا. إنّ الفأل التالي موجود في «إنوما أنو إنليل»: «إذا كُسف القمر في الشهر السابع في اليوم الواحد والعشرين، فإنّهم سيأخذون الأمير المتوّج من قصره مقيّدًا». وفيما يلي بعض الأمثلة من المجموعة المسمّاة: «إذا ما وُجدت مدينة على مرتفع»:

إذا ماتت أفعى أمام رجل، فإنّه سيشاهد سقوط خصمه.
إذا قفزت أفعى أمام رجل، فإنّه سيقتل عدوّه.
إذا وقفت أفعى مستقيمةً أمام رجل، نصرٌ وغنائم.
إذا دارت أفعى حول رجل، سيل سيصيب الأرض.
إذا زحفت أفعى مسرعةً أمام رجل، تَحَقّقُ أمنيّة.
إذا التَوَت أفعى أمام رجل، ارتباك.
إذا مرّت أفعى فوق رجل، فإنّ الفتنة ستتبعه عن كثب.
إذا تجدّلت أفعى أمام رجل، فإنّه سيواجه المشاكل.

تبدأ الشروط المسبقة للطوالع البابليّة عادةً بـ «إذا» ولكنّها لا تستخدم أيّ أداة معيّنة في جواب الشرط. وهذا فرق بينها وبين النصوص اليونانيّة والقرآنيّة حيث استُخدمت فيها الأدوات في أجوبة الشرط. إنّ أعدادًا كبيرة من الطوالع الموجودة في المجموعات البابليّة تشبه الأسلوب القرآنيّ إلى حدّ ما، حيث وردت عدّة شروط سابقة في سلسلة، إلا أنّ أغلب الطوالع البابليّة تتألّف من شرط سابق واحد وجواب شرط واحد، بخلاف عدّة شروط مسبقة مؤدّية إلى جواب واحد، كما في بداية سورة التكوير (من الآية 1 إلى 14) المذكورة آنفًا. تتألّف بعض الطوالع البابليّة من عدّة شروط مسبقة مدمجة تؤدّي إلى جواب شرط واحد، كما في الطالع الكبديّ التالي: «إذا وُجد سلاح في الجنب الأيسر من الرئة وكان السلاح يشير إلى الأعلى، وكانت الرئتان منخفضتين ومشقوقة على اليسار، وكان شكل أسفل (الكبد) السليم سلاحًا ومشيرًا إلى الأسفل: يحسن القيام بحملة (عسكريّة) أو الاستيلاء على مدينة/ المريض سوف يموت». ولكن في أمثال هذه الموارد، لم تتكرّر أداة الشرط الافتتاحيّة، بخلاف أداة «إذا» القرآنيّة التي أتت مكرّرة.

إنّ الإشارة المتكرّرة للأجرام السماويّة والحيوانات في الطوالع البابليّة تثير نقطة مهمّة. إنّ القَسَم بالشمس والقمر والنجوم الذي يظهر كثيرًا في أقسام النصوص التنبّؤيّة الجاهليّة والقرآنيّة، إضافةً إلى الأقسام بالحيوانات في التنبّؤات الجاهليّة، قد تكون نتاجًا للعلامات المستخدمة للكهانة. على سبيل المثال، يُنسب للكاهن اليمنيّ سطيح (ربيع بن ربيعة بن مسعود) أنّه قام بالتنبّؤ التالي لشرح منام ملك اليمن ربيعة بن نصر:

«أحلف بما بين الحرّتين من حنش
لتهبطنّ أرضكم الحبش
فليملكنّ ما بين أبيَن إلى جُرَش».

قد نستنتج أنّ القَسَم في هذه الحالة وغيرها من الحالات نشأ من تقليد كهانيّ ما، وليس مجرّد قسم لتأكيد صراحة المتكلّم أو مصداقيّة الرسالة. في هذه الحالة، وعبر إجراء عمليّة مقارنة منطقيّة، قد يكون ذكر الحنش في منطقة من الساحل علامةً من الكاهن على أنّ الأرض سيجتاحها الجيش الحبشيّ الغازي. كذلك، يمكن أن يكون القَسَم بالثعلب أو الغراب يدلّ أساسًا على الحيوان أو الطائر الذي رآه المتنبّئ وبُني عليه التنبّؤ. إنّ الأقسام التي امتاز بها خطاب الكهنة والتي تبدأ بها العديد من النصوص التنبّؤيّة القرآنيّة قد تكون نشأت من إشارات نمطيّة للعلامات التي يراها الكاهن الذي يأخذ الطوالع من الظواهر الطبيعيّة.
إنّ النصوص التنبّؤيّة اليونانيّة والقرآنيّة متشابهة من جهة ضرب الأمثال، فكلاهما يستخدم أساليب مشابهة لإيجاد الإبهام والغموض، وأهمّها استخدام كلمات غامضة أو غريبة. في النصوص اليونانيّة، هذه الكلمات عبارة عن حيوانات ترمز إلى بعض الأشخاص من دون كشف هويّاتهم بشكل مباشر:

ولكن عندما يقفز الكلبيّ ذو الأسماء المتعدّدة في النار العظيمة، محرَّضًا من إرينيس المجيدة، حينها (ذي توتي) كلّ الكلاب المتثعلبة التي كانت تتّبعه ستلقى المصير نفسه للذئب الراحل.

إنّ النصوص التنبّؤيّة الجاهليّة كثيرًا ما أقسمت بالحيوانات أو ذكرتها، كما في تكهّن سطيح لربيعة بن نصر المذكورة آنفًا حيث ورد فيها ذكر للأفاعي، وأيضًا في العبارات المنسوبة إلى مسيلمة ذُكر الثعلب، والضفدع، والفيل. إنّ هذه الميزة الموجودة في النصوص التنبّؤيّة الجاهليّة تُشبه الاستخدامات اليونانيّة إلا أنّها أُهمِلَت بشكل كبير في القرآن. وعلى ما يبدو فإنّ الأقسام الافتتاحيّة في سورة العاديات -والتي تشير إلى الخيل على الأرجح- هي مجرّد استثناء. بيد أنّ العبارات الافتتاحيّة للعديد من السور التي ورد فيها قَسَم بأسماء على صيغة الجمع المؤنّث السالم توحي بأنّ هذا كان نوعًا تقليديًّا للقَسَم في النصوص التنبّؤيّة الجاهليّة، كما في الآيات التالية:

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا)[85].
(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)[86].
(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا)[87].
(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)[88].
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا)[89].

يبقى هذا التقليد بالخصوص غير مفهوم، ولكن يمكن القول إنّ مثل هذه الأقسام تشير بشكل أساسيّ إلى بعض الحيوانات أو الأرواح.
إنّ القصص القرآنيّ والنصوص ما قبل الإسلام، من بينها التنبّؤيّة منها، قد مرّت عبر مصفاة إيديولوجيّة، ومن المهمّ معرفة ما هي الأمور التي قد تغيّرت جراء هذا الأمر. من الملفت للنظر الغياب النسبيّ لذكر الحيوانات بالمقارنة مع الأقسام المزعومة ما قبل الإسلام. إضافةً إلى ذلك، إذا ما نظرنا إلى النصوص اليونانيّة وغيرها من النصوص السابقة على الإسلام، نلاحظ أن ثمّة تحوّلًا واضحًا نحو الكلام عن نهاية العالَم، فكلّ النصوص التنبّؤيّة القرآنيّة تقريبًا تتحدّث عن النهاية الكارثيّة للعالَم وعن يوم القيامة ويوم الحساب. نعم، ما ورد في سورة الروم هو من الاستثناءات القليلة، حيث ذُكر نصر مستقبليّ للروم (فِي بِضْعِ سِنِينَ[90]). وكما هو الحال مع القصص القرآنيّ في النصوص التنبّؤيّة، عادةً لا تُذكر أسماء الأعلام ولا أماكن ولا أشخاص معيّنون ولا تواريخ أو أزمنة دقيقة. بينما ذُكر في كلّ من النصوص اليونانيّة والجاهليّة كنصوص شق وسطيح، أسماء أعلام وأعداد محدّدة من السنين، وغيرها من التفاصيل المشابهة التي لا نجدها في النصوص القرآنيّة.

إنّ من الأمور المهمّة في النصوص التنبّؤيّة القرآنيّة هو إظهار التسلّط على الغيب، وهو القسم الثالث من العناصر الرئيسيّة الستّة للتنبّؤات اليونانيّة التي ذكرها فونتنروز[91]. على الرغم من أنّ عمل هذا العنصر الثالث شبيه بعمله في النصوص اليونانيّة إلا أنّ عمل التقاليد المصاحبة له أقلّ وضوحًا. إنّ العبارات اليونانيّة لإظهار التسلّط على الغيب تشير إلى الإله الذي يتكلّم أو إلى معبده، أو غيرها من العناوين التي على صلة بالمعبد أو بالرائي. على سبيل المثال، في النصّ التالي يرد ذكر أبولو[92]، والـ«أديتون» وهو المكان المخصوص في المعبد للكاهن، والنصب ثلاثيّ القوائم الذي يُستخدم في طقوس العرافة: «انظُرْ أيها الأثينيّ، طريق العرّافين الذي أقامه أبولو من الأديتون عبر نصبه المحترم». تذكر النبؤات السيبيليّة[93] أحيانًا اسم الكاهن واسم أبيه لإظهار التسلّط، وعادةً تشير إلى أنّ سيبيل[94] وُلدت في عصر بدء الخلق وأنّ عمرها مديد. يمكن التعرّف على العديد من الخصائص التقليديّة المختلفة في النصوص التنبّؤيّة القرآنيّة والتي تعلب دور إظهار التسلّط على الغيب. لعلّ الأقسام الواردة في بدايات السور هي الأمثلة الأبرز على ذلك، كما يوجد غيرها كعبارة «وما أدراك» التي سبق ذكرها، والحروف المقطّعة، والإشارات إلى الكتاب الذي يُقدَّم على أنّه المصدر الأساسيّ للنبؤات. ومن الجدير ذكره أنّ جميعها وردت في بدايات نصوص تنبّؤيّة، غالبًا في بدايات السور، إلا أنّ هناك بعض الاستثناءات:

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ)[95].
(فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ)[96].
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ)[97].

في هذه الآيات وردت ضمن سلسلة أقسام في وسط السورة، وفي سورة القارعة حيث وردت عبارة «ما أدراك» مرّةً ثانية في نهاية السورة، إلا أنّ هذه الاستثناءات نادرة نسبيًّا. إنّ مكان وضع هذه الخصائص مرتبط بعدم وجود كلٍّ من السلام على السائل والسؤال الأساس؛ لذلك، عادةً ما يرد إظهار التسلّط على الغيب أوّلًا.

إضافةً إلى ذلك، تأتي هذه الأنواع الأربعة من إظهار التسلّط على الغيب بشكل تركيبيّ. وقد لوحظ أنّ الحروف المقطّعة عادةً ما يليها إشارات إلى الكتاب. كما ويؤتى غالبًا بقَسَمٍ مع الحروف المقطّعة وذكر الكتاب، كما في:

(ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)[98].
(ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)[99].
(حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ)[100].

إنّ مثل هذه التركيبات توحي وكأنّ وظائف هذه الخصائص البنيويّة مرتبطة بعضها ببعض وأنّها متداخلة فيما بينها.

الحروف المقطّعة
من الواضح أنّ الأقسام تعود إلى تقليد كهنيّ جاهليّ، إلا أنّه على ما يبدو أنّ الحروف المقطّعة لا تعود إلى ذلك، ومن الممكن أنّها نشأت مع القرآن نفسه ورسالة النبيّ محمّد. ولعلّ أفضل بحث نقديّ حول هذا الموضوع قام به ولش في مقالة حول القرآن في الإصدار الثاني لـ»موسوعة الإسلام». توصّل ولش إلى نتيجة أنّ الحروف المقطّعة هي جزء من النصّ الأصليّ، وأنّها بنحوٍ ما ترمز إلى الأبجديّة العربيّة -وليست الحروف الأولى لبعض الكلمات ولا اختصارات لبعض الأسماء أو الكلمات-، واستنتج أيضًا أنّها مرتبطة بالكتاب -حيث إنّه يرد ذكر الكتاب في أغلب الحالات في المتن مباشرةً بعد الحروف المقطّعة-، وأنّه من المقصود أن يكون لها قوافٍ أو تقديم نمط السجع للآيات اللاحقة.

يمكن البناء على رأي ولش ودعمه عبر التأكيد على أنّ الحروف المقطّعة هي لإظهار التسلّط على الغيب. يراد لهذه الحروف أن تكون لغزًا، فإنّها تُثبّت التسلّط على الغيب في النصّ عبر تقديم كتابات أو أبجديّة بدلًا من كلمات معيّنة، وبالتالي تشير إلى نصّ مقدّس موجود في بُعدٍ آخر يؤخذ منه الوحي. بينما يركّز ولش على السجع في كلامه، أودّ أن أضيف إلى هذا الموضوع أيضًا أنّ في أغلب الحالات، لا تسجع الحروف المقطّعة مع الآيات اللاحقة فحسب، بل تؤسّس لإيقاع يستمرّ فيما بعد أو يُعدَّل بشكل تدريجيّ. إنّ هذه الصلة بين القافية والإيقاع يمكن ملاحظتها في إحدى شعارات المعارك ونداءاتها حسب ما ورد كـ «حم لا يُنصرون»، وقد ناقشها ألان جونز. لم يشر جونز إلى أنّ عبارة حم على قافية لا يُنصرون، وأنّ العبارتين متوازيتان حسب قياس السجع، حيث مدّ كلّ قافية يساوي حركتَين.

أظهرت مقالة لـ «كيفين ماسيه» نُشرت عام 1996 أنّ ترتيب الأحرف الوارد في التركيبات ليس اعتباطيًّا. يبدو أنّ ثمّة ترتيبًا عامًّا للأحرف والذي منه تُحدّد التركيبات، فكلّ حرف يسبق بعض الأحرف ولا يسبق البقيّة، والعكس صحيح. ولكنّني أعتقد أنّ ماسيه عبّر بشكل خاطئ عن النتائج التي توصّل إليها من ملاحظته الدقيقة. يذكر أنّ هناك احتمال أن تكون الأحرف ترمز إلى كلمات أو جمل، ولكنّه يردّ هذا الاحتمال فيما بعد، متبنّيًا آراء أكثر قِدمًا حول الحروف المقطّعة -كرأي نولدك في كتابه المنشور 1860 «تاريخ القرآن»[101]- أنّها الأحرف الأولى أو رموز للصحابة الأوائل الذين كانوا يمتلكون نسخ القرآن التي منها جُمع مصحف عثمان. برأي ماسيه، ترمز الأحرف المرتّبة إلى شيءٍ يشبه الأداة النقديّة[102] لكلّ سورة تدلّ على النسخ التي اعتَمَد عليها النصّ، وقد يكون اعتبار الترتيب ضروريًّا؛ لأنّ بعض النُسخ تُعتبر أكثر وثاقةً من غيرها. ولكنّني -كما قال ولش- أميل إلى القول بأنّ الأحرف ترمز إلى الأبجديّة، وكونها مرتّبة بطريقة منظّمة -كما استنتج ماسيه- يؤيّد هذه النظريّة. إنّ الترتيب البارز في سلسلة الحروف يشبه ترتيب أبجديّة أبجد هوّز[103] -إلا أنّه ليس بالترتيب نفسه تمامًا-، كما ويبدو أنّ اختيار بعض الحروف مرتبط بشكل مباشر ببناء الأبجديّة. من الملفت ملاحظة أنّه لا يظهر بين الحروف المقطّعة أحد من الحروف الأخيرة من الأبجديّة العربيّة المسمّاة الروادف[104] - ث، خ، ذ، ض، ظ، غ؛ أو «ثَخِذْ ضَظَغْ» حسب الأبجديّة. إنّ حساب احتمال وقوع هذا الأمر هو:

22/28=11/14=0.78676، حيث 76 هو العدد الإجماليّ للحروف المقطّعة، فيكون الاحتمال يساوي 1.1×10-8، أي مرة في كلّ 11 مليار.
إنّ غياب هذه الحروف قد يكون له ثلاثة أسباب. قد يكون نتيجة قاعدة عشوائيّة تقضي بعدم وجود أحرف ذات نقاط، ولكن ثمّة استثناء لهذه القاعدة، وهي في حرف الياء (كهيعص) [105]و(يس)[106]. وقد طرح ولش قاعدة مشابهة كالتالي: «ثمّة حقيقة مدهشة لا يمكن أن تكون مجرّد صدفة، وهي أنّ الحروف المقطّعة تمثّل كلّ حرف صامت[107] في اللغة العربيَة، وكلّ شكل يحدث لمرّة واحدة فقط لكلّ حرف». بالمقابل، يمكن أن يكون المراد لهذه الحروف أن تمثّل نسخة قديمة للأبجديّة العربيّة التي لم تكن ترى أيّ ميزة للحروف الستّة الأخيرة في الأبجديّة (الروادف). وهذا منسجم مع سمة موجودة في الأسلوب القرآنيّ والتي غالبًا ما تُهمل، وهي أنّ لغة القرآن كانت تبدو قديمة للمستمعين الأصليّين، وهو ما قد يُفهم من تصنيف القرآن بـ: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[108]. من المحتمل أيضًا أن تكون هذه الحروف ترمز إلى الأبجديّة العبريّة أو الآراميّة التي تتبع ترتيب الـ»الأبجد هوّز» من غير أن تشتمل على الروادف، لا أنّها ترمز إلى الأبجديّة العربيّة بنفسها. إنّ استخدام لغات أخرى يتكرّر كثيرًا بغية إظهار التسلّط على الغيب في نصوص أو تقاليد أخرى، كما هو الحال في الأشعار اليونانيّة في الكتب السيبيليّة الرومانيّة، والتنبّؤات الكلدانيّة، والعبارات الآراميّة في النصوص السحريّة[109] الإسلاميّة، أو تعاويذ السحرة والساحرات في أوروبا في القرون الوسطى. إنّ العبارة السحريّة «أبرا كادبرا»[110]، مثلًا، مستقاة من العبارة الآراميّة «أفرا كي دافرا»[111] والتي تعني «يجب أن يحدث ما قد قيل». كذلك، عبارة «هوكوس بوكوس»[112] لعلّها تهّكم من القدّاس الإلهيّ للروم الكاثوليك الذي يشتمل على عبارة «هوك است كوربوس»[113] والتي تعني «هذا هو الجسد»، أو «هوك است إنيم كوربوس ميوم»[114] والتي تعني «هذا هو جسدي» والتي تُقال تمامًا عند حصول الاستحالة[115]. على أيّ حال، من الواضح أنّ المراد من الحروف المقطّعة أن ترمز إلى أبجديّة خاصّة أو قديمة على صلة بنصّ قريب من التقليد الإنجيليّ موجود في بُعدٍ ما وراء الطبيعة، وهو أصل الوحي القرآنيّ.

جدول «الحروف المقطّعة بالمقارنة مع أبجديّة أبجود هوز»[117][118]
من بين الحروف الأربعة والأربعين المركّبة (أي باستثناء الحروف التي وردت منفردة: ن، ص، ق؛ ومع ملاحظة فقط تلك الحروف التي جاءت بعد الحرف الأوّل في التركيب)، يتبيّن أنّ خمسة حروف فقط قد وقعت في غير محلّها حسب ترتيب أبجديّة أبجد هوّز، أي باحتمال 11.4% من الحالات. يمكن وضع ترتيب جديد للحروف من أجل الحصول على استثناءات أقلّ، كوضع حرفَي الكاف والطاء في مكان أسبق في الأبجديّة على سبيل المثال، إلا أنّ حرف السين سيبقى يشكّل مشكلة؛ لأنّ حرف السين يقع قبل الميم في طسم وبعد الميم في حم عسق. كما يقول ماسيه، يمكن الخروج من هذا المأزق عبر اعتبار حم عسق عبارتَين منفصلتَين. هناك سبب للذهاب إلى هذا القول وهو أنّ العبارتَين كُتبتا في القرآن كـ «كلمتين» منفصلتَين، بعكس كهيعص التي وردت ككلمة واحدة. إذا ما فصلنا العبارات، حينها يمكن الحصول على ترتيب خالٍ من كلّ الاستثناءات على الشكل التالي:

من المهمّ أيضًا إلقاء نظرة على الأحرف التي وردت ضمن الحروف المقطّعة فيما يتعلّق بترتيب الأبجد هوّز.
حروف الأبجد التي وردت ضمن الحروف المقطّعة (مسطّرة)
أ[بجد] ه[وز] حطي كلمن سع[ف]ص قر[شت] [ثخذ] [ضظغ]

إنّ هذا التوزيع يوحي وكأنّ انتخاب الأحرف لاستخدامها كحروف مقطّعة ليس عشوائيًّا وأنّه قد يكون له صلة بترتيب الأبجد. إنّ غياب الحروف الستّة الأخيرة، وظهور جميع حروف حطي كلمن، بينما يظهر الحرفان الأوّلان من أبجد هوز؛ كلّ هذا يبدو منظّمًا جدًّا بحيث لا يكون من قبيل الصدفة، كما أنّ مكان الأحرف في ترتيب هذه الأبجديّة له دخالة في سبب اختيار هذه الحروف لتكون من المقطّعات. على الرغم من أنّ التسلسل العامّ للحروف الوارد ضمن التركيبات المختلفة للحروف المقطّعة لا ينطبق تمامًا مع ترتيب الـ»أبجد هوز»، إلا أنّ هذا التسلسل يوحي وكأنّه يرمز إلى الأبجديّة، كما أنّ أبجد هوّز يرمز للعربيّة أو العبريّة، أو ABC للإنكليزيّة، ولكن بطريقة أكثر تعقيدًا وحتّى بأسلوب أكثر غموضًا.

إنّ الذكر المتكرّر للحروف المقطّعة المصحوب بإشارات للكتاب يؤيّد هذا الاستنتاج، ويضيف أنّه إضافة إلى كونها ترمز إلى الأبجديّة، فإنّها أيضًا ترمز إلى الكتابات المقدّسة بشكل عامّ، وبالتالي ترمز إلى الكتاب. بيد أنّ العديد من المحقّقين قد لاحظوا أنّ الحروف المقطّعة تأتي متبوعة بما يشير إلى الكتاب، إلا أنّ القليل من هؤلاء من قال إنّ الحروف ترمز إلى الأبجديّة بنفسها، وبالتالي ترمز إلى الكتابة المقدّسة. إذا كانت آراؤهم صائبة، فيمكن القول إنّ القرآن عبارة عن انتقال من الأشكال التنبّؤيّة الشفويّة إلى شكل مكتوب لكتاب مقدّس. بينما لا تشير الأقسام بشكل عامّ إلى النصّ المقدّس، أمّا الحروف المقطّعة فتشير إليه.

يمكن لهذه الفكرة أن تلقي الضوء على ميزة محيّرة أخرى للنصّ القرآنيّ. من المعروف أنّ القرآن يعبّر عن نفسه تارة بأنّه كتاب أو آيات، بينما في الواقع -حسب الروايات الإسلاميّة- قد نزل بشكل أجزاء قصيرة، ولم توضع للكتابة مباشرةً ولم توضع في كتاب جامع إلا بعد وفاة النبيّ. إنّ عبارتَي «الكتاب» و»القرآن» لا يمكن أن تشيرا إلى مصحف مادّيّ ملموس، بل تشيران إلى نصّ غير ملموس أو لا يمكن الوصول إليه بسهولة، موجود في بُعد آخر. إنّ الإيحاءات الملقاة على النبيّ عبارة عن اقتباسات أو رسائل من هذا الكتاب صعب المنال، بينما لا يمكن للعامّة الوصول إلى بقيّة هذا الكتاب، بل حتّى للنبيّ نفسه. يؤيّد هذه الفرضيّة الآيات القرآنيّة التي تشير إلى «لوح محفوظ» أو «أمّ الكتاب» -ولعلّ الأمّ بمعنى المصدر الأعلى- الموجود حسب الظاهر في عالم سماويّ وليس على الأرض.

(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)[119].

(فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ)[120].

من شأن هذا أن يساعد في تفسير الإشارات المحيّرة في النصّ القرآنيّ عندما يستخدم أسماء الإشارة للبعيد كما في «ذلك» و»تلك»، إضافةً إلى أسماء الإشارة للقريب: «هذا» و«هذه». في كثير من الفقرات التي وردت أسماء الإشارة للبعيد، تسبقها الحروف المقطّعة مباشرةً أيضًا.

(الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين)[121].
(الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)[122].
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)[123].
(المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ...)[124].
(الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ)[125].
(طسم تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)[126].
(طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ)[127].
(طسم تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)[128].
(الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)[129].

في أوائل القرن العشرين، قام بدرسين[130] بمقارنة بين القرآن ككتاب سماويّ ولوح الأقدار البابليّ، كما وتوصّل ويدنغرن[131] في الخمسينيّات إلى فكرة أنّ المراد من القرآن أو الكتاب هو كتاب سماويّ. إنّ القرآن يذكر «ذلك الكتاب» أو «تلك الآيات» بالتحديد؛ لأنّه يشير إلى نصّ ما ورائيّ موجود في بُعد آخر ولا يشير إلى مصحفّ مادّيّ يمكن للعامّة الوصول إليه. القرآن موجود في بُعدٍ آخر أو بُعدٍ ما ورائيّ لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الوحي، والحروف المقطّعة آيات تمثّل الكتابة المقدّسة، وبالتالي ترمز إلى الكتاب ومحتواه. وقد انتقد ماديغان[132] رأي ودينغرن وغيره حول هذا الأمر وغيره من النقاط المشابهة، قائلًا إنّ كلام القرآن عن نفسه هو أكثر تعقيدًا وليس ذا مستوى واحد. على الرغم من هذا، إنّ القول بأنّ القرآن هو كتاب سماويّ لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الوحي يصبّ في صميم الأفكار الأساسيّة الموجودة في الوحي القرآنيّ. إضافةً إلى ذلك، هذه الرؤية منسجمة ومؤيَّدة بالتفسير المذكور سابقًا حول وظيفة الحروف المقطّعة. لم يربط ماديغان بين الحروف المقطّعة وفكرة الكتاب السماويّ؛ لأنّه تبنّى فكرة بيلامي[133] أنّ الحروف المقطّعة عبارة عن نسخ فاسدة للبسملة، مستدلّين بهذا على محدوديّة النسخ الأولى للنصّ. إنّ أحد التفاسير التقليديّة الرئيسيّة للحروف المقطّعة في التفسير الإسلاميّ هو أنّ هذه الحروف هي آيات وعلامات ولا يعلم معناها إلا الله؛ وهو صحيح بنفسه ولكن يمكن التعبير عنه بشكل مختلف. هذه الحروف المقطّعة هي عبارات لتأكيد التسلّط على الغيب تفيد بأنّ الرسائل التي تليها وحي صادق من مصدر ما ورائيّ. ويتحقّق هذا الأمر عبر كونها ترمز إلى كتابة مقدّسة والتي تنحدر من كتاب سماويّ، وبالتالي، من ذاك العلم الإلهيّ الموجود في ذلك الكتاب الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الوحي.

يوجد بعض الحالات المشابهة في العديد من النصوص التنبّؤيّة لكتاب مقدّس غير ملموس أو بعيد المنال. ويبدو أنّ هذه الحالات تمثّل انتقالًا من تقليد شفويّ إلى نصّ مقدّس مكتوب، كما هو حال القرآن. حسب ما تقول الأسطورة، اشترى الملك تاركوينيوس سوبربوس من سيبيل الكومايي[134] الكتب السيبيليّة الرومانيّة - وهي عبارة عن ثلاثة مجلّدات. كانت سيبيل قد عرضت أوّلًا تسع مجلّدات بسعر مرتفع جدًّا، وعندما رفض الملك شراءها أحرقت ثلاثة منها، ومن ثمّ قدّمت الستّة المتبقّية بالسعر نفسه. وعندما رفض الملك مجدّدًا، أحرقت ثلاثة منها وقدّمت الثلاثة المتبقّية بالسعر الأوّل. وفي نهاية المطاف، رضخ سوبربوس واشترى المجلّدات الثلاثة المتبقّية، والتي كانت مكتوبة باللغة اليونانيّة وليس باللاتينيّة، وكان لا يُرجع إليها إلا عند الحاجة الماسّة، واحتُفظ بها في معبد كوكب المشتري في هضبة كابيتولين تحت سيطرة لجنة مؤلّفة من شخصَين، ومن ثمّ صارت عشرة، ثمّ خمسة عشر، وهم من يُسمح لهم الاطلاع فقط. تقول الأسطورة إنّ أحد هؤلاء المشرفين ارتكب خطأ نسخ أجزاء من الكتب، وبالتالي عوقب بالعقوبة الأشدّ، فخيّطوه بكيس جلديّ وأُلقي في البحر. في التقليد التنبّؤيّ السيبيليّ واليونانيّ، كانت الإعلانات الشِّعريّة يُحفَر كلّ بيت شعر منها على حدى على أوراق البلّوط والنخيل وغيرها. تفيد الأسطورة بأنّ الرياح بعثرت الأوراق لكي يتحيّر الملتمسون في الترتيب الصحيح للأبيات، وبالنتيجة يتحيّرون في محتوى الرسالة. لاحقًا، جُمعت النصوص التنبّؤيّة المنفردة ووضعت ضمن المجموعات التي منها كانت تُستخرج التنبّؤات من قبل جامعي التنبّؤات أو العرّافين - الذكور منهم معروفين بـ«باكي» والإناث بـ«سيبيل»، وهي أسماء لعرّافين قدامى معيّنين ومن ثمّ صارت أسماء جنس. كانت العديد من المدن الرئيسيّة اليونانيّة كأثينا وسبارتا تحتفظ بكتب التنبّؤات في سجلّاتهم، وكذلك كان ملوك سبارتا يحتفظون بالنصوص التنبّؤيّة للـ«دلفي». على أيّ حال، كان صعوبة الوصول إلى هذه النصوص التنبّؤيّة يخدم هدف إظهار السيطرة.

لعلّ ديانة الـ«إفا[135]» لشعب «يوروبا[136]»في نيجيريا هي حالة مشابهة للقرآن من ناحية وجود نصّ مقدّس غير ملموس لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الوحي. في هذا النظام المعقّد لهذه الديانة التي يرعاها إفا وهو إله الحكمة، يقوم كاهن الإفا بالتحكّم بستّة عشر من جوز النخيل أو يلقي بسلسلة كهنيّة تحوي أربعة أنصاف من جوز شجرة الأوبيل مربوطين ببعضهم من الجَنب، من أجل الإشارة إلى واحدة من 256 تركيبة عدديّة محتملة (16×16). تفيد التركيبةُ المستنتجةُ الكاهنَ بأيّ كتاب يجب أن يلجأ إليه من الكتب الـ256، المسمّاة أودو، وهي تشتمل على 16 من الكتب الرئيسيّة و240 من الكتب الثانويّة. لا يملك الكهنة أيّ نسخة من هذه الكتب، ولكن يحفظونها عن ظهر قلب، بل يوجد هناك مقاومة كبيرة تمنع من تدوينها. تنقسم كتب الـ«أودو» إلى فصول أو فقرات شِعريّة تُسمّى إيسي، والتي يتراوح طولها من أربعة إلى 600 سطر. إنّ عدد الـ»إيسي» في الـ»أودو» ليس ثابتًا ويتفاوت حسب علم وتجربة كلّ كاهن على حدى. يقوم الكاهن بتلاوة الـ»إيسي» الذي يراه أكثر مناسبةً من كتاب الـ«أودو» على الملتمس حسب تكهّنه. إنّ هذه «الكتب» مشابهة بشكل ما للقرآن قبل أن يتمّ جمعه بين الدفّتين، و الـ»إيسي» مشابهة للسورة القرآنيّة. على الرغم من أنّ الكهنة يتحدّثون عن الكتب، ويتلون أجزاءً منها في جلسات التكهّن، إلا أنّ الكتب لا تُقدَّم على أنّها أشياء ملموسة، ونصوصها لا تتمّ كتابتها عمومًا.
إنّ فكرة النصّ المقدّس الذي لا يمكن الوصول إليه كمتن متداول وعامّ استمرّت في العديد من الأنواع الأدبيّة في الأدب الإسلاميّ لفترة طويلة بعد رسالة النبي محمّد. في التقليد الشيعيّ، يوجد عدد من النصوص المقدّسة بيد الأئمّة تحوي علومًا خاصّة لا يمكن الكشف عنها، أو يُكشف عن جزء يسير منها للمؤمنين العاديّين. تشير المصادر الشيعيّة الإماميّة إلى أنّه يوجد سبعة كتب أوحى الله بها إلى أحد الأئمّة أو إلى بنت النبيّ فاطمة، وهي محفوظة من إمام لإمام كجزء من الميراث. ليس من الواضح كم هو عدد الكتب المختلفة التي تتحدّث عنها الروايات؛ لأنّ عناوينها مضطربة والعديد منها يمكن أن تشير إلى كتاب واحد. ولعلّ الأكثر شهرةً من بينها هو جفر عليّ، المؤلّف من جزئين، أحدهما أبيض والآخر أحمر، وكبقيّة الكتب يحتوي على حكمة إلهيّة، وعلوم النبيّين السابقين، والشريعة، والبلاءات والأحداث المستقبليّة.



الخاتمة
إنّ هذا التحقيق يستدعي الانتباه إلى عدد من الخصائص النصّيّة للقرآن، والتي لوحظ بعضها في الأدب، وبعضها لم يُلحظ إلى الآن. إن ّهذه الخصائص تشبه تقاليد الأشكال الأدبيّة في التقليد الوثنيّ العربيّ الجاهليّ. يمكن لتشخيص هذه التقاليد وتفسيرها أن يساعد في تقديم فهم أعمق للكثير من الفقر القرآنيّة التي تبدو أشبه باللغز إذا ما قوربت من منظار التقليد اليهوديّ والمسيحيّ. إنّ أساليب النقد الشكليّ مفيدة بشكل خاصّ في مقاربة هذا الأمر، لأنّ ما يبدو في الكثير من الحالات غريبًا وغير مألوف وعصيًّا على التفسير هو تقاليد هذه النصوص البنيويّة. على الرغم من أنّ بعض العلماء الباحثين في هذا المضمار قد ادّعوا أنّ أشعار النور الساميّة[137] هي المصدر المشترك الذي منه نشأت العديد من التقاليد المختلفة، إلا أنّه ليس المراد البحث فيما إذا كان ثمّة رابط وراثيّ بين بعض الأشكال الأدبيّة السابقة للإسلام أو ما هو أقدم منها -سواء أكانت يونانيّة أو ناشئة من الشرق الأدنى- على الرغم من أنّه من المحتمل أنّ الكثير من الخصائص المشتركة للنصوص قد تمّ تبنّيها عبر التبادل الثقافيّ. بل يمكن لدراسة التقاليد التنبّؤيّة المشابهة أن تلقي الضوء على الجوانب التقليديّة للفقرات التنبّؤيّة في القرآن وتفسير خصائص النصّ التي حيّرت العلماء إلى يومنا هذا. كما أنّ الحجّ ما قبل الإسلام وأساطير هود وعاد، وصالح وثمود، وشعيب ومدين، قد تمّ إدراجها ضمن القرآن عبر إعادة تفسيرها ضمن إطار توحيديّ شبيه بالإنجيل، كذلك أُدرجت الموادّ التنبّؤيّة في القرآن عبر مرورها بمصفاة توحيديّة. فقد أعيد صياغة تواصل الشخص ما قبل الإسلام بروح خفيّة مألوفة فصارت نبيًّا يوحي إليه المَلَك جبرائيل. قد تمّ استبدال طوالع التقليد الجاهليّ التي تشير إلى التجارة والسفر والحرب والتحالفات وغيرها، بتنبّؤات حول يوم القيامة ويوم الحساب. بينما يقوم الكاهن باستقاء كلامه من الغيب إمّا مباشرة عبر الإلهام أو عبر توسّط روح مألوفة لديه، إلا أنّ وحي النبيّ جاء من كتاب سماويّ، من نصّ مقدّس غير ملموس موجود في بُعد أعلى. إنّ عمليّة المقارنة الواسعة قد تخلص إلى القول بأنّ القرآن ودعوة النبيّ محمّد نفسها يمكن اعتبارها تمثّل مرحلة معيّنة في التطوّر الدينيّ، أي في الانتقال بين اللحظة التنبّؤيّة واللحظة النبويّة.

المبحث الثاني: نقد المقالة
استخدام كلمة «الرَّبّ» ونسبة الأشياء إليه تعالى
يقول الكاتب في سياق عرضه للأسباب الكامنة وراء ورود لفظة «الرّبّ» مضافةً إلى بعض الكواكب والأمكنة والبلدان بأنّه يمكن أن يكون الأمر عائدًا إلى استخدام موروث من الوثنيّة حيث كانت الآلهة متعدّدة ومحدودة بالشيء التي أضيفت إليه حسب عقيدة الوثنيّين، وهكذا يكون ربّ الشعرى هو ربّ هذا الكوكب فقط دون غيره، على سبيل المثال، مدّعيًا عدم وجود مبرّر لمثل هذه الإضافة مع كون الله سبحانه هو ربّ كلّ شيء، إلا أن يكون نقلًا وتبنّيًا لتقاليد دينيّة وثنيّة سابقة على القرآن. ويقول: إنّ ما يتبادر من السياق أنّ لكلّ بلدة ومزار إلّا خاصًا.

فنقول: إنّ الرَّبّ لغةً يعني: «اللّه عزّ وجلّ، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ ومالِكُ الـمُلوكِ والأَمْلاك. ولا يقال الربُّ في غَير اللّهِ، إِلاّ بالإِضافةِ... الرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ، والسَّـيِّدِ، والـمُدَبِّر، والـمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والـمُنْعِمِ؛ قال: ولا يُطلَق غيرَ مُضافٍ إِلاّ على اللّه عزّ وجلّ، وإِذا أُطْلِق على غيرِه أُضِـيف».[138]
عندما يقال عن شخص ما أنّه أبٌ لزيد، فهذا لا يعني أنّه ليس أبًا لإخوة زيد. وكذا، فكَون الله رَبَّ البيت أو رَبَّ البلدة أو الشعرى لا يعني عدم كونه ربَّ بقية الأشياء، وإنّما تنسب الأشياء أو الأمكنة إلى الله من أجل تعظيمها أو للإشارة إلى قداستها أو عناية الله بها.

ولأنّ الله ربُّ كلّ شيء فهو أيضًا ربّ الأرباب. فالرّبُّ هو الذي يدّبر الأمور، كما في قولهم ربّ العائلة أو ربّ العمل، وليس كلُّ ربٍّ هو الإله؛ إذ لا إله إلا الله، ولا تصحّ الألوهيّة إلا له سبحانه، إلا أنّه قد تصدق لفظة الربّ على غير الله تعالى، وهنا حصل الخلط لدى الكاتب. فيصحّ أن يقال عن المخلوقات التي أوكل الله إليها تدبير أمور الكون أنّها أرباب، ولكنّها أرباب بالله لا من دون الله، وهي في طول الله عزّ وجلّ لا عرضه، لا على ما كان يعتقد المشركون من أنّ هذه المخلوقات تدبّر الكون مستقلّةً عن الله سبحانه، بل هي لا تشاركه في تدبيره ولا تضادّه في حكمه وإنّما هم عباد له لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون. ولعلّ المراد بكلمة «يلحدون في أسمائه» (الإلحاد لغةً كما ذكر الكاتب: أن يخطئ الهدف) أي الذين لم يصيبوا وأخطؤوا في تطبيق الاسم على المسمّى، فهم أسمَوا بعض المخلوقات غير الواقعيّة بأسماء الله الحسنى وفي الحقيقة ليست هذه المخلوقات هي من يتسمّى بهذه الأسماء، وإنّما تجلّت هذه الأسماء في مخلوقات أخرى هي التي اختارها الله لذلك، والتي هي أولى أن توصف بهذه الأسماء كونها موكلة بمهامّ الأسماء. على سبيل المثال، تسمية بعض الآلهة الأسطوريّة في الحضارة اليونانيّة أو الرومانيّة بأسماء الله سبحانه، من قبيل: إله الحرب، إله العلم، إله الرزق، إله الموت. ولا يخفى أنّ المراد حقيقةً من لفظة إله هنا هي كون هذه الذوات هي في الواقع ربّ الحرب، وربّ العلم، وربّ الرزق، وإلخ؛ أي هي الموكل إليها أو مدبّرة شؤون الحرب، والعلم، والرزق... بذلك، يكونوا قد أعطوا هذه الآلهة الأسطوريّة غير الواقعيّة أسماءً من الأولى أن يسمّى بها الله.

كذلك، اسم الربّ، والذي يعني مدّبر شؤون شيء ما وراعي مصالحه، فقد جعل الله مخلوقات مختصّة بإظهار تجلّيات هذا الاسم في خلقه وفق نظام وقواعد ومصالح هو يعلمها.
(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)[139].
مثال آخر: اسم المميت؛ والذي يعني من يقوم بفعل الإماتة بشكل عامّ وقبض الروح بشكل خاصّ، فإنّ القرآن الكريم يذكر أنّ من يتوفّى الأنفس ويميتها هو الله عزّ وجلّ:

(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)[140].
إلا أنّنا نجد جليًّا أيضًا أنّ ملكَ الموت وُكّل بهذه المهمّة من قبل المميت عزّ وجلّ، فأصبح ملك الموت (ع) التجلّي لهذا الاسم، فهو من يباشر فعل الإماتة، بالتالي هو المميت أيضًا:

(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)[141].
بل نزيد على هذا أنّ القرآن ذكر وجود ملائكة آخرين يتولّون إماتة الناس:

(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)[142].
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ)[143].
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ)[144].
(وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)[145].

أي بمعنى أن ثمّة تراتبيّة في الوجود بحيث يوكّل الأعلى الداني، والداني بدوره يوكّل الأدنى وهكذا إلى أن يصل الأمر إلى الفعليّة وظهور الفعل في الخارج، فَتَصُحُّ نسبة الفعل الواحد إلى الجميع، كذلك الصفة والاسم. بعبارة أوضح، الله عزّ وجلّ هو المميت، وكذلك ملك الموت، وكذلك تلك الملائكة الموكلة قبض الأرواح. فاسم المميت ينطبق على الجميع، ولكن كلٌّ بدرجة معيّنة، فاسم المميت ينطبق على الله سبحانه بشكل مطلق، أمّا في مخلوقاته فعلى نحو مقيّد.
وهكذا نقول بأنّ الربّ وربّ الأشياء هو الله سبحانه وتعالى، وكذلك يصدق الاسم على المخلوقات الموكلة تدبير شؤون الأشياء؛ إذ هي تعمل بأمره.

بناءً عليه، إنّ المراد بـ«ربّ شيء» في القرآن الكريم هو نفس الله سبحانه وتعالى، أو المخلوق الموكل إليه تدبير أمور هذا الشيء، فيكون القَسَم بهذا المخلوق على نسق القَسَم بالمخلوقات الأخرى التي أقسم الله عزّ وجلّ بها من قبيل الشمس والقمر والنجوم.

وفيما تقدّم نكتة لطيفة إلى سبب استخدام القرآن الجمع في بعض الأفعال تارةً وتارةً أخرى يستخدم الفعل مفردًا. ففي الجمع إشارة إلى هذا التوكيل آنف الذكر حيث يبدأ بمسبّب الأسباب -الله تبارك وتعالى- وينتهي بالموكل إليه الأدنى الذي يلي إخراج الأمر إلى الواقع الخارجيّ. وفي هذا الفهم للآيات القرآنيّة باب واسع ينفتح منه ما لذّ وطاب من معانٍ كانت تخفى على كثيرين. ويمكن من خلال هذا الفهم للأفعال القرآنيّة رفع التوهّمات التي تقضي باستحالة فعل بعض الأولياء للكرامات العجيبة، فعندما نرى أنّ الإحياء -كما الإماتة- موكل بها بعض المخلوقات، يكون للآية التالية طعمٌ آخر:

(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ)[146].

لا أقلّ، سيذر المستمع لقصص الكرامات التي تجري على أيدي أولياء الله في بقعة الإمكان ولن يسرع إلى نفيها درءاً للشرك المتوَّهم.

القَسَم في القرآن الكريم
ذكر الكاتب أنّ القَسَم في القرآن هو من بقايا الاستخدامات الأدبيّة الجاهليّة حيث كان الشرك سائدًا، فالقسم بالشمس والقمر والكواكب هو إشارة إلى تلك الآلهة التي كانت تُعبد من دون الله. من هنا كان لزامًا تبيان ماهيّة القسم في القرآن الكريم مع بيان الردّ على هذه الشبهة.

إنّ لفظة القَسَم واضحة المعنى تعادل الحلف واليمين في لغة العرب، ولها معادل في عامّة اللغات وإنّما يؤتى به لأجل تأكيد الخبر والمضمون، قال الطبرسيّ: القَسَم جملة من الكلام يؤكّد بها الخبر بما يجعله في قِسم الصواب[147].

إنّ القسم ينقسم إلى أربعة أمور:

أ- الحالف
ب- ما يحلف به،
ج- ما يحلف عليه،
د- الغاية من القسم.
ففي الآية التالية تتجلّى الأركان الثلاثة (الأولى)، وتقول: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)[148].
فقوله: (وَأَقْسَمُوا)، فهو الركن الاَوّل.
وقوله: (بِاللَّهِ)، هو المقسم به.
وقوله: (لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، هو المقسم عليه[149].
وثمّة ركن رابع، وهو الغاية المتوخّاة من القسم، فنقول: إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر ودعوة المخاطب إلى الإيمان والإذعان به، كما هو الغالب، أو إلفات النظر إلى عظمة المقسم به، وما يكمن فيه من أسرار ورموز، أو لبيان قداسته وكرامته، كما في قوله: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)[150].

وعلى ما يبدو، ثمّة مناسبة بين المقسَم به والمقسم عليه. يقول الشيخ جعفر سبحاني في كتابه «الأقسام في القرآن الكريم»: في قوله تعالى مثلًا:
(وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)[151].
فالضحى واللّيل مقسم بهما وقوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)[152] هو جواب القسم الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه، وهو أنّه لماذا لم يقسم بالشمس ولا بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحى والليل لأجل المقسم عليه أعني قوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)[153]؟

وصفوة القول: إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر، ولكن يقع الكلام في كلّ قسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاصّ دون سائر الأمور الكثيرة التي يقسم بها؟ فمثلًا: لماذا حلف في تحقيق قوله: ما ودّعك بقوله: والضحى والليل ولم يقسم بالشمس والقمر؟ وهذا هو المهمّ في بيان أقسام القرآن[154].
يعني أنّ الإتيان ببعض الأجرام أو الأمكنة للقسم بها في القرآن جاء مناسبًا للمقسم عليه. ونأتي على ذكر بعض الأمثلة لبيان الفكرة:
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[155].

فقد أقسم الله عزّ وجلّ هنا بالنفس وما سوّاها (أي من خلق النفس)، وهذا هو المقسَم به، وأمّا المقسَم عليه فهو أنّ المفلح هو من زكّى هذه النفس، والخيبة والخسران هو لمن دنّسها وظلمها. إذاً، المناسبة واضحة بين المقسم به والمقسم عليه.

يقول الله عزّ وجلّ:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[156].

أ. تشير الآية إلى مقام من مقامات النبيّ(صلى الله عليه )، فلأنّه -حسب ما دلّ عليه الكتاب والسنّة في إدارة رحى المجتمع- مقامات ثلاثة:
ب. المقام السياسيّ وتدبير الأمور
ت. مقام القضاء وفضّ الخصومات
 الإفتاء وبيان الأحكام [157].

كما نرى، ثمّة مناسبة بين القسم بالربّ سبحانه، والمقسم عليه الذي يشير أنّ النبيّ مدّبر وقاضٍ.
وعليه، يمكن القول إنّ ترجيح القسم ببعض الذوات أو الأشياء دون غيرها، هو لمناسبتها مع المقسَم عليه، وإن لم يكن بيّنًا من الوهلة الأولى، إلا أنّه باعث على التفكّر والتدبّر في هذه المناسبة بينهما.

نضيف إلى ذلك، أنّ الحالف لا يقسم بشيء لا قيمة له عنده، بل عادة ما يقسم بالغالي والمحبوب إليه، ممّا يجعل المستمع يتبادر إلى ذهنه مباشرةً أنّه لو لم يكن هذا الشيء المقسم به مهمًّا وذا قيمة فائقة لدى الحالف لما أقسم به. كما في قوله تعالى:

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)[158].
أمّا القسم بالسماء، والنجوم، والأرض، والشمس، والقمر، والنفس، وسائر المخلوقات فهو إشارة إلى عظمتها ولفت نظر إلى بديع صنع الله سبحانه وتعالى والأسرار الكامنة في هذه الأشياء. هذا كلّه على حسب ظاهر المعاني المتبادرة، ولكنّ ثمّة بطونًا لهذا الظاهر لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، فالشمس والقمر والسماء والقلم وغيرها لها معانٍ أعمق ممّا يتصوّره من لا نصيب له من التعمّق في بحر القرآن الذي لا تفنى عجائبه.

الحروف المقطّعة
ذكر الكاتب أنّ الحروف المقطّعة لها ترتيب معيّن حسب ترتيب الأبجد، فالأحرف لا تسبق بعضها الآخر حسب الأبجد، إلا أنّه ذكر وجود بعض الاستثناءات على هذا الاستنتاج، وتفوق نسبة هذه الاستثناءات الـ11%. ورغم أنّ نسبة الاستثناءات مرتفعة نسبيًّا لم يَرُد الكاتب هذا الاستنتاج. وعليه، نقول بأنّه لا يمكن التعويل على هكذا نتيجة مع وجود هذه النسبة الكبيرة للحالات التي اخترقت هذه القاعدة التي لاحظها الكاتب.

نعم، في حالة عدم استخدام حروف الروادف في الحروف المقطّعة والتي بلغت نسبة احتماليّة عدم حصول هذا الأمر الواحد في 11 مليار، يمكن القول إنّ الأمر ليس صدفةً وأن ثمّة تعمّدًا في عدم استخدام هذه الحروف. وهذا الأمر جدير بالتفكّر والتدبّر حقًّا. ولكن لا يمكن الموافقة على ما قاله بأنّ هذا دليل على أنّ القرآن الكريم أراد الإشارة إلى الأبجديّة العبريّة كونها تفتقد إلى هذه الحروف الستّة، وإنّما قال الكاتب هذا جريًا على عادة المستشرقين في نسبة القرآن إلى الكتاب المقدّس بناءً على أنّه المصدر للكتاب العزيز.
وإنّ فكرة تشبيه القرآن واستخدامه للحروف المقطّعة لإظهار التسلّط على الغيب قد تكون صائبة بلحاظ معيّن، لا على نحو ما كان عليه الكهنة اليونانيّون والبابليّون وغيرهم، بل هو إشارة واضحة إلى جميع الناس أنّ ثمّة أشياء لا يمكن لهم فهمها إلا في حال لجؤوا إلى من يعلم تأويل القرآن. فالقرآن كلّه ميسر للفهم لجميع من يعرف اللغة العربيّة، ويمكن لأيّ قارئ أن يفهم معاني الآيات ولو بشكل مبسّط على قدر فهمه، فكلّ الألفاظ حتّى الغريب منها يمكن إيجاد معنىً لها، باستثناء هذه الحروف المقطّعة في بدايات بعض السور، فعند تلاوتها وقراءتها لا يتبادر إلى ذهن القارئ أو المستمع أيّ معنىً؛ لذلك يتعذّر فهمها. فمهما أتعب القارئ نفسه، ستبقى الألف ألفًا واللام لامًا والميم ميمًا وهكذا، ولن يخرج منها أيّ معنى متبادَر. وما قيل من آراء من غير دليل هي مجرّد استحسانات لا تسمن ولا تغني.

وهنا يقال، إن كان القرآن كتاب هداية، كيف يمكن لهذه الحروف المقطّعة أن تكون هاديةً إن لم تحمل أيّ معنى متبادر في طيّاتها؟
ويردّ عليه بأنّ هذه الحروف المباركة أرادها الله أن تكون مبهمةً، كي يلتفت الناس والمسلمون خصوصًا إلى افتقارهم إلى من يعلم تأويل هذه الحروف، وأنّ مقولة القائل بالاكتفاء بكتاب الله عزّ وجلّ غير واقعيّة، فهذه الحروف مبهمة لا يُعرف معناها، فيكون -بناء على الاكتفاء بالقرآن دون أهله- تنزيل هذه الحروف عبثًا لا طائلة ولا هدف منه والعياذ بالله. لذلك، يمكن القول بأنّ الوظيفة الظاهريّة الأوّليّة لهذه الحروف هو إجبار الناس على التوجّه إلى أهل القرآن وطلب معناها منهم.

يقول الله تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[159].

فإن كان لا بدّ من سؤال أهل الذكر عمّا لا يُعلم من البيّنات، فكيف بالمتشابهات والمبهمات؟

وأهل الذكر هم أهل الرسول، ببيان القرآن نفسه حيث يقول:

(قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ)[160].
فالذكر هو الرسول نفسه، فأهل الذكر هم أهل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أمرت الآية بالرجوع إليهم.

إذن، يتضّح بهذا البيان أنّ أبسط دور تلعبه الحروف المقطّعة هو تحويل القارئ إلى أهل القرآن لفهم معانيها، وتنبيههم إلى ضرورة متابعة هؤلاء، فهم الأعلم بمراد الله وكلامه، وهم أحقّ بالاتباع ممّن لا يعلم.

(...أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)[161].

لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن منظور، محمّد بن مكرم، «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
سبحاني، جعفر، «الأقسام في القرآن الكريم: دراسة مبسّطة حول الأقسام الواردة في القرآن الکريم»، مؤسّسة الإمام الصادق (ع)، قم، إيران، 1420هـ.
عبود، حنّا، «موسوعة الأساطير العالميّة»، دار الحوار، اللاذقيّة، 2018.
نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، العدد 69.
ناشفيل، الولايات المتحدة الأمريكية، 1994.

Clarke, J. D. Ifa Divination, “The Journal of the Royal Anthropological Institute of Great Britain and Ireland”, JSTOR 1939.
Keck, Leander, “The New Interpreter’s Bible: General Articles & Introduction, Commentary, & Reflections For Each Book Of The Bible, Including The Apocryphal/ Deuterocanonical Books», Abingdon Press.
Koch-Westenholz, Ulla, “Mesopotamian Astrology”, Museum Tusculanum Press1995.
Reynolds, Gabriel Said, « New Perspectives on the Qur’an; The Qur’an in its historical context 2», Routledge, London & New York, 2011.
Schreibman, Susan, “A Companion to Digital Literary Studies”, Blackwell, 2008, http://www.digitalhumanities.org/companionDLS.
موقع موسوعة بريتانيكا: «https://www.britannica.com».
موقع: «https://owlcation.com».
موقع: «https://www.universalis.fr».


-------------------------------
[1]- الإلياذة، قصيدة ملحميّة تصف حصار طروادة، كتبها الشاعر اليونانيّ القديم هوميروس.
[2]- الأوديسة أي الرحلة الطويلة الشاقّة، ملحمة قديمة للشاعر اليونانيّ القديم هوميروس.
[3]- بوبليوس أوفيديوس ناسو (17 قبل الميلاد إلى 43 ميلادي)، شاعر رومانيّ قديم، مؤلّف «التحوّلات»
(Metamorphoses).
[4]- Julius Wellhausen.
[5]- Reste arabischen Heidentums.
[6]- Jaroslav Stetkevytch.
[7]- David Heinrich Müller.
[8]- وهو المعروف لدى المسيحيّين بالعهد القديم.
[9]- Gerald Hawting.
[10]- Wansbrough.
[11]- Herman Gunkel.
[12]-  Anton Baumstark.
[13]- Angelica Neuwirth.
[14]- الأقسام جمع القَسَم أي الحَلْف.
[15]- Alfred Welch.
[16]- مصطلح يُعنى بمحتوى النصّ بخلاف الشكل الأدبيّ الذي يُعنى بشكل النصّ. مترجم عن مقال «ما الفرق بين النوع والشكل» في موقع:
https://owlcation.com/humanities/What-is-the-Difference-Between-Genre-and-Form-Are-Genre-and-Form-the-Same.
[17]- Stefan Sperl.
[18]- أو الصلاة الربّية، وهي من أكثر الصلوات المسيحيّة انتشارًا؛ كونها صلاة معتمدة من كلّ الكنائس المسيحيّة.
[19]- سورة العصر، الآية 1.
[20]- محمّد حبيب شاكر، مترجم للقرآن الكريم.
[21]- Marmaduke Pickthall ، مترجم للقرآن الكريم.
[22]- Arthur John Arberry ، مترجم للقرآن الكريم.
[23]- محمّد عبد الحليم، مترجم للقرآن الكريم.
[24]- سورة النمل، الآية 24.
[25]- سورة الليل، الآيتان 1-2.
[26]- سورة المدّثر، الآيات 33-35.
[27]- سورة التكوير، الآية 18.
[28]- سورة الانشقاق، الآية 16.
[29]- سورة الفجر، الآية 1.
[30]- سورة الضحى، الآية 1.
[31]- Richard Bell.
[32]- سورة القارعة، الآيات 9-11.
[33]- ذكر الكاتب الرقم التسلسليّ 99 في المصحف الشريف في إشارة إلى سورة الزلزلة، والصحيح ما أثبتناه في الترجمة.
[34]- سورة الأعراف، الآية 180.
[35]- سورة الإسراء، الآية 110.
[36]- سورة طه، الآية 8.
[37]- سورة الحشر، الآية 24.
[38]- سورة الأعراف، الآية 180.
[39]- سورة آل عمران، الآية 8.
[40]- سورة الفاتحة، الآية 2؛ سورة البقرة، الآية 131؛ سورة المائدة، الآية 28؛ وغيرها.
[41]- سورة الأنعام، الآية 164.
[42]- سورة الرعد، الآية 16؛ سورة الإسراء، الآية 17؛ وغيرهما.
[43]- سورة المؤمنون، الآية 86.
[44]- سورة الجاثية، الآية 36.
[45]- سورة الشعراء، الآية 28.
[46]- سورة النبأ، الآية 37؛ وليس 36 كما ورد في المتن الأصليّ.
[47]- سورة التوبة، الآية 129؛ سورة المؤمنون، الآية 86.
[48]- سورة المؤمنون، الآية 116.
[49]- سورة الأنبياء، الآية 22، وغيرها.
[50]- سورة البقرة، الآية 255.
[51]- سورة الأعراف، الآية 122؛ سورة الشعراء الآية 48.
[52]- سورة النمل، الآية 91.
[53]- سورة سبأ، الآية 15.
[54]- سورة قريش، الآية 3.
[55]- سورة النجم، الآية 49.
[56]- إحدى صيغ الجمع في اللغة العبريّة على وزن «فعاليم».
[57]- الصاحب بالمعنى المرادف للمالك.
[58]- صُوْر هي مدينة بحريّة لبنانيّة تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط.
[59]- حرّان مدينة قديمة في بلاد ما بين النهرين تقع حاليًّا جنوب شرق تركيا عند منبع نهر البليخ أحد روافد نهر الفرات، ذُكرت في التوراة على أنّها المدينة التي استقرّ فيها النبيّ إبراهيم (ع) بعد هجرته من أور. (مترجم عن موقع:
 https://www.universalis.fr/encyclopedie/harran).
[60]- يهوَه هو اله إسرائيل والإسرائيليّين. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا، مادّة «Jehovah»).
[61]- كما ورد في التوراة، سفر القضاة، الإصحاح 2: (11) وفعل بنو إسرائيل الشرّ في عينَي الربّ وعبدوا البعاليم (12) وتركوا الربّ إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الربّ. (13) تركوا الربّ وعبدوا البعل وعشتاروت.
[62]- أو النثر المقفّى أي ذو القافية.
[63]-  Accent poetry، لا يوجد مصطلح عربيّ يقابله، لذلك وضعنا شرحًا وجيزًا مكانه.
[64]- المتوّجة هي ال‍قصيدة ذات ترتيب خاصّ تشكّل فيها الحروف الأولى لأحد المصراعين أو كليهما كلامًا مفهومًا.
[65]- سورة النبأ، الآيتان 1 و2.
[66]- Richard Bell.
[67]- William Montgomery Watt.
[68]- سورة التكوير، الآيات 1-14.
[69]- تُكتب باللغة اليونانيّة: Αλλά όταν.
[70]- تُكتب باللغة اليونانيّة: και τότε, τότε δε, και τότε δε.
[71]- اسم يُطلق على من يتّبع مذهب فلسفيّ يسمّى بـ«الكلبيّة»
[72]- اسم لإحدى آلهة الانتقام في العقيدة اليونانيّة القديمة. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا:
 https://www.britannica.com/topic/Furies).
[73]- اسم لمملكة تواجدت على أرض إيران المعاصرة في القرن السادس قبل الميلاد. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/place/Media-ancient-region-Iran).
[74]- اسم يونانيّ قديم لنهر غديز في تركيا. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/place/Manisa-Turkey).
[75]- هو ربُّ بحرٍ بدائيٍّ في الأساطير اليونانيّة أو إله للأنهار والمسطّحات المائيّة المُحيطيَّة، كان يمتلك موهبة التنبّؤ (عبود، حنا، موسوعة الأساطير العالميّة، ص 685 دار الحوار، اللاذقية، 2018 م).
[76]- إله السماء والبرق، والرعد، والقانون، والنظام، والعدالة، وهو ملك الآلهة لدى اليونانيّين القدامى. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/topic/Zeus).
[77]- اسم لجبل في اليونان، كان يعتقد اليونانيّون القدامى أنّ آلهتهم كانت تعيش فوق هذا الجبل. (مترجم عن موقوع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/place/Mount-Olympus-mountain-Greece.
[78]- إله النار في الأساطير اليونانيّة، وهو ابن زيوس. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا:
 https://www.britannica.com/topic/Hephaestus.
[79]- من أشهر الأبطال في الأساطير اليونانيّة، وهم ابن زيوس. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا:
 https://www.britannica.com/topic/Herakles.
[80]- مسرحيّة شهيرة من تأليف شيكسبير.
[81]- بيرنام وود منطقة مشجّرة في اسكتلندا ورد ذكرها في مسرحيّة ماكبيث، وماكبيث قائد عسكريّ قيل له من قبل كائن ماورائيّ إنّه إن صَعَدت أخشاب بيرنام إلى أعلى جبل دونسينان فإنّ جيشك سوف يُهزم.
[82]- وتعني: «في أيّام الآلهة أنو وإنليل»، وهي مجموعة من الألوح الطينيّة يبلغ عددها السبعين تقريبًا تحتوي بشـكل رئيـس على مجـموعة واسـعة من الحوادث السماويّة والجوّيّة بمصطلحات تـرتبـط بالملك والدولة. (Koch-Westenholz, Ulla, Mesopotamian Astrology، ص78، Museum Tusculanum Press، الدنمارك، 1995م).
[83]- اسمها باللغة البابليّة:  ٹumma Alu ina Mele ٹakin
[84]- ٹumma awilum.
[85]- سورة الصافّات، الآيات 1-3.
[86]- سورة الذاريات، الآيات 1-4.
[87]- سورة المرسلات، الآيات 1-4.
[88]- سورة النازعات، الآيات 1-5.
[89]- سورة العاديات، الآيات 1-5.
[90]-  سورة الروم، الآية 4.
[91]- Fontenrose.
[92]- حسب ما كان يعتقده الإغريق، أبولو من أعظم الآلهة لديهم، فهو إله الشمس، إله الموسيقى، إله الرماية (وليس إله الحرب)، إله الشعر، إله الرسم، إله النبوءة، إله الوباء والشفاء، إله العناية بالحيوان، إله التألق، إله الحراثة. يملك جمالًا ورجولة خالدة. (مترجم عن موقوع موسوعة بريتانيكا:
(https://www.britannica.com/topic/Apollo-Greek-mythology).
[93]- نبؤات منسوبة إلى العرّافة اليونانية سيبيل.
[94]- عرّافة يونانيّة قديمة. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا:
https://www.britannica.com/topic/Sibyl-Greek-legendary-figure).
[95]- سورة الحاقّة، الآيتان 38-39.
[96]- سورة الانشقاق، الآيات 16-19.
[97]- سورة الطارق، الآيتان 11-12.
[98]- سورة ق، الآية 1.
[99]- سورة ن، الآية 1.
[100]-  سورة الزخرف، الآيتان 1-2؛ سورة الدخان، الآيتان 1-2.
[101]- Geschichte Des Qorans.
[102]- الأداة النقديّة أو التعليق النقديّ هي معلومات نقديّة من المصادر الأوّليّة ترافق طبعة نصّ ما.
 (The Text Encoding Initiative and the Study of Literature» in ‹A Companion to Digital Literary Studies› ed. Susan Schreibman and Ray Siemens. Oxford: Blackwell, 2008, http://www.digitalhumanities.org/companionDLS/).
[103]- أبْجَد – هَوَّز – حُطّي – كَلَمَن – سَعْفَص – قَرَشَت - ثَخِذ – ضَظَغ.
[104]- ورد في النصّ «الروافد» والصحيح ما أدرجناه.
[105]- سورة مريم، الآية 1.
[106]- سورة يس، الآية 1.
[107]- الصوت أو الحرف الصامت: صوت كلام إنسانيّ ينتج بإغلاق كامل أو جزئيّ للسبيل الصوتيّ العلويّ، الذي هو الجزء الواقع فوق الحنجرة من السبيل الصوتيّ، والحروف الصوامت باللغة العربيّة هي جميع الحروف ما عدا الألف والياء والواو، والحركات (الضمة، الفتحة، والكسرة).
[108]- سورة الأنعام، الآية 25؛ سورة الأنفال، الآية 31؛ سورة النحل، الآية 24؛ سورة النور، الآية 83؛ سورة الفرقان، الآية 5؛ سورة النمل، الآية 68؛ سورة الأحقاف، الآية 17؛ سورة القلم، الآية 15؛ سورة المطففين، الآية 13.
[109]- أقول: لعلّ المراد بالسحريّة هو التعويذات والأحراز.
[110]- Abracadabra.
[111]-  Avra ke davra.
[112]- Hocus pocus.
[113]- Hoc est corpus.
[114]- Hoc est enim corpus meum.
[115]- الاستحالة: اعتقاد لدى الروم الكاثوليك بأنّ الخبز والنبيذ اللذين يقدّمان في القدّاس الإلهيّ يستحيلان إلى دم المسيح. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/topic/transubstantiation).
[116]- الحروف بالخط العريض والمسطّر تحتها.
[117]- يقول كاتب المقال: يوجد ترتيب آخر لهذه الأبجديّة -أبجد حطي كلمن صعفض قرست ثخذ ظغش- في شمال أفريقيا وقد يكون قديمًا ومهملًا، إلا أنّ الفروقات ضئيلة ولا تؤثّر على الاستنتاج الذي توصّلنا إليه هنا.
[118]- ورد خطأ في ذكر الترتيب الآخر لأبجديّة أبجد هوّز المستخدمة في المغرب، وقد سقط «هوّز» بعد «أبجد» من الترتيب، فاقتضي التصحيح.
[119]- سورة الزخرف، الآية 4، وليس 3 كما أورد الكاتب.
[120]- سورة البروج، الآية 22.
[121]- سورة البقرة، الآيتان 1 و2.
[122]- سورة يونس، الآية 1.
[123]- سورة يوسف الآية 1.
[124]- سورة الرعد، الآية 1.
[125]- سورة الحجر، الآية 1.
[126]- سورة الشعراء، الآيتان 1-2.
[127]- سورة النمل، الآية 1.
[128]- سورة القصص، الآيتان 1-2.
[129]- سورة لقمان، الآيتان 1-2.
[130]- Pedersen.
[131]- Widengren.
[132]- Madigan.
[133]-  Bellamy.
[134]- نسبةً إلى المستوطة اليونانيّة القديمة «كوماي» في مدينة نابولي الإيطاليّة.
[135]- إفا (Ifل) في الديانة اليوروبيّة عبارة عن مجموعة من التقاليد والنظم في الكهانة وأساليب التعبّد. تنتشر تقاليد إفا في أمريكا اللاتينيّة وفي غرب أفريقيا.
Clarke, J. D. “Ifa Divination” The Journal of the Royal Anthropological Institute of Great Britain and Ireland, vol. 69, no. 2, 1939, pp. 235–256. JSTOR، www.jstor.org/stable/2844391.
[136]- يوروبا: هي أكبر المجموعات العرقيّة في نيجيريا، ويمثّلون 26% من سكّانها. يوجد حوالي 30 مليون يوروبي في غرب أفريقيا، غالبيّتهم يعيشون في نيجيريا، والبقيّة متوزّعون في بنين، وتوغو، وسيراليون، وكوبا، والبرازيل. (مترجم عن موقع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/topic/Yoruba).
[137]- שירה אור أو الشعر أور، وكلمة «أور» تعني النور بالعبريّة.
[138]- ابن منظور، أبو الفضل، «لسان العرب» ج 1، ص399، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
[139]- سورة النازعات، الآيات 1-5.
[140]- سورة الزمر، الآية 42.
[141]- سورة السجدة، الآية 11.
[142]- سورة النحل، الآية 28.
[143]- سورة النحل، الآية 32.
[144]- سورة الأنعام، الآية 61.
[145]- سورة الأنفال، الآية 50.
[146]- سورة الواقعة، الآية 57.
[147]- سبحاني، جعفر، الأقسام في القرآن الكريم: دراسة مبسّطة حول الأقسام الواردة فی القرآن الکريم، ص9، مؤسّسة الإمام الصادق (ع)، قم، إيران، 1420ق.
[148]- سورة النحل، الآية 38.
[149]- م. س، سبحاني، جعفر، ص11.
[150]-  سورة الحجر، الآية 72، م.س، سبحاني، جعفر، ص13.
[151]-  سورة الضحى، الآيات 1-3.
[152]-  سورة الضحى، الآية 3.
[153]-  سورة الضحى، الآية 3.
[154]- م.س، سبحاني، جعفر، ص12.
[155]- سورة الشمس، الآيات 7-10.
[156]- سورة النساء، الآية 65.
[157]- م.س، سبحاني، جعفر، ص36-37.
[158]- سورة الحجر، الآية 72.
[159]- سورة النحل، الآيتان 43-44.
[160]- سورة الطلاق، الآيتان 10-11.
[161]- سورة يونس، الآيتان 35-36.