البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

صورة المغرب بين صفحات الرواية الكولونيالية (بيير لوتي أنموذجا)

الباحث :  د. محمد الكرادي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  31
السنة :  صيف 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  158
تحميل  ( 491.150 KB )
الملخّص
يسعى هذا البحث إلى دراسة صورة المغرب -أرضًا وشعبًا- في مرآة الإنتاج السرديّ الفرنسيّ خلال القرن التاسع عشر، كمصدر تاريخيّ قلّما يتمّ الاستناد عليه، لتبيان المنطلقات الأيديولوجيّة والثقافيّة والفنّيّة التي أسهمت بطرق شتّى في تشكيل المخيال الفرنسيّ تجاه مجتمعات الضفّة الجنوبيّة للبحر الأبيض المتوسّط. كما يحاول هذا المقال الكشف عن الدوافع الحقيقيّة التي تحكّمت في عدد من الأدباء الفرنسيّين لكتابة جملة من الروايات التي توسّلت بالمغرب كفضاء أسطوريّ لتأثيث أحداث أبطالها، بشكل فجّ يمزج بين الواقع والخيال، ما ساهم بطريقة أو بأخرى في تشكيل «واقع» مغربيّ مزيّف، يبتغي القتل الرمزيّ للآخر وحضارته، مقابل التبشير بمهمّة الرجل الأبيض الحضاريّة المزعومة، التي تعطيه الحقّ في استعمار الشعوب الأخرى، ناقلين ذلك عبر بنية سرديّة لا تخلو من جماليّة.

ولتبيان هذه الفكرة، اخترنا التركيز على نموذج رواية «في المغرب» (Au Maroc) للروائيّ والعسكريّ الفرنسيّ «بيير لوتي» (Pierre Loti)؛ باعتبارها مصدرًا روائيًّا رائدًا خلال تلك الفترة.

الكلمات المفتاحيّة: الإنتاج السرديّ، المغرب، الأدب الكولونيالي، الأدباء الفرنسيّين، الرواية، بيير لوتي.

مقدّمة
حلّل إدوارد سعيد في الفصل الأوّل من كتابه: «الثقافة والإمبرياليّة» التواطؤ الذي حصل بين نشأة الإمبراطوريّة الاستعماريّة وتطوّرها من جهة، وبين اكتمال خصائصها الفنّيّة والأدبيّة من جهة ثانية، معتبرًا الرواية أحد أكثر الأشكال الأدبيّة التي خدمت الأهداف البورجوازيّة التوسّعيّة، فهي لم تُعبِّر عن الأطماع الاستعماريّة فحسب، وإنّما ارتبطت بها وتزامنت معها أيضًا، في تفاعل بين الظاهرتين الاستعماريّة والروائيّة[2]، وعن ذلك يقول «مارتان ماتيو»: «بدون شكّ، تورّطت الرواية بشكل قصريّ في الحملة الدعائيّة الاستعماريّة، بانحصارها داخل ترسانة من المعتقدات والتصريحات المعلنة»[3]. ففي الوقت الذي قُدّم فيه الأوروبيّون ككائنات قادرة على القيام بالمعجزات عبر قطع المعابر، وشقّ الأنهر، وحفر القنوات البحريّة، واقتحام الجبال، ومدّ السكك الحديديّة التي تخترق كلّ شيء، برز الروائيّون كشخصيّات أسطوريّة قادمة من الشمال تقتحم قلب إفريقيا وتجوب القرى والمدن النائية لاقتحام المجال الإسلاميّ[4].
بهذا المعنى، يمكن اعتبار النصوص الروائيّة المتخيّلة عن المغرب زمن الضغوط الاستعماريّة وثيقة تاريخيّة -قلّ تناولها- تفضح متخيّل كتّاب وقراء انتموا في غالبيّتهم إلى أقلّيّة كولونياليّة توّاقة للتوسّع بعدما ضاق بها مجالها التقليديّ. فهي تجمُّع غريب من الأحاسيس المتناقضة. إنّها إنتاج ثقافيّ للمستعمِرين والمهاجرين، وانعكاس في الوقت نفسه لهيمنة قلقة ومتردّدة[5] لم يستطع مؤلّفوها أبدًا أن يكونوا محايدين أو بريئين. ذلك أنّ الكاتب في الأصل لا يعمل وفق معايير عقلانيّة صرفة؛ إذ يعيش طوعًا أو كرهًا في عالم مأهول بالاستيهامات والخرافات، ويتحرّك داخل كثافة الأساطير التي تراكمت على مرّ القرون في اللاوعي الجماعيّ. فمتى بدأ اهتمام الأدباء الفرنسيّين بالمغرب كمجال للكتابة؟ وما هي نوازعهم؟ وأيّ صورة عكستها الرواية الفرنسيّة عن المغرب زمن التسابق الاستعماريّ؟

1.الأدب الكولونياليّ وتوافق المصالح
أ. البدايات: ليس ثمّة شكّ في أنّ ولادة صورة الآخر ونموّها في أحضان أيّ بلد، أو ثقافة، أو حتّى لدى العامّة في الأدب والفنون، ما هي إلا نتاج لمعايير معرفيّة، وحصيلة للفارق الدالّ بين واقعين ثقافيّين، تخضع علاقتهما لشروط تاريخيّة ملموسة من الصدام والتنافس، وتحمل مزيجًا من الأفكار، والمشاعر، والمواقف، التي تتبلور على صعيد الممارسة في شكل تدخّلات ونقاشات. فمع بزوغ أولى بوادر اختلال التوازن بين شمال حوض البحر الأبيض المتوسّط وجنوبه توافد إلى المغرب عدد مهمّ من الرحّالة الفرنسيّين، كان منهم التاجر والسفير والمغامر والرسّام والأديب...نشروا ملاحظاتهم ومشاهداتهم وانطباعاتهم على شكل كتب ومذكّرات وروايات، مساهمين في استصدار كثير من المواقف والأحكام إزاء المغرب[6]، وراسمين صورًا روائيّة حالمة لم تخرج قطّ عن صورة الشرق البعيد.

امتاز الأدب الفرنسيّ عن المغرب بتعدّد أصنافه وأجناسه تبعًا لتعدّد انتماءات مؤلّفيه واهتماماتهم، قسّمه الباحث سمير بوزويتة إلى ثلاثة أنواع، وهي:

- أدب الرحلة

- أدب الحرب

- أدب الخيال [7].

هكذا كانت الرحلة من أوّل الأصناف الأدبيّة التي أقحمت المغرب في السرد الفرنسيّ انطلاقًا من سيرة سفر الرحّالة «فانسن لوبلان» (Vincent Le Blanc) التي كُتبت سنة 1608م من طرف «بيير بيرجيرون» (Pierre Bergeron)[8]. لكن رغم هذه البداية المبكرة فإنّ الحضور المغربيّ في الأدب الكولونياليّ لم يبرز بشكل جليّ إلا مع تزايد الاهتمام بالحدود الشرقيّة منذ هزيمة إيسلي، كان أوّلها رواية «ديديي» (Ch. Didier) سنة 1844م بعنوان: «الفارس روبير» (Le chevalier Robert)[9]، ثمّ توالت الكتابات الفرنسيّة بعد ذلك في شكل سرد «مجريات أسفار التجّار والدبلوماسيّين، ورجال الدين الساعين إلى الثراء، والأسرى المسيحيّين، والملحقين بالبعثات الدبلوماسيّة والقنصليّة. سرد كان يقوم على تدوين الأحداث والوقائع اليوميّة من طرف هؤلاء، ومعهم ضبّاط منخرطون في عمليّات عسكريّة أو مكلّفون بتأطير الأهالي والجنود»[10].

شكّل هؤلاء الرحّالة والمبعوثون حلقة وصل بين المغرب وفرنسا من خلال نقل أخبار غرائبيّة عن السلاطين والرعيّة[11]، فتحت آفاقًا واسعة أمام الخيال الفرنسيّ للقدوم. فزيادة على ما وفّره المغرب من مادّة سوسيولوجيّة وأنتروبولوجيّة غنيّة، فقد أصبح معيّنًا لا ينضب للإبداع الأدبيّ[12]، خاصّة مع بروز تيّارات أدبيّة جديدة مثل الرومانسيّة التي حوّلت الشرق إلى مصدر للإلهام، كنقيض للمجتمع الغربيّ المرعوب من كابوس الآلة الصناعيّة، وهو التحوّل الذي ساهم في توجيه اهتمام عدد من الأدباء والفنّانين نحو المغرب كفضاء أسقطوا عليه كلّ ما اكتنزته مخيّلتهم من صور الشرق، خصوصًا بعد أفول نجم الحضارة العثمانية[13]. ما يفسّر تزايد الكتابات الأدبيّة التي اختارت المغرب فضاء لحكاياتها منذ النصف الثاني من القرن 19م كما هو ممثّل في المبيان أسفله.

مبيان: تطوّر عدد الكتابات الأدبيّة الكولونياليّة عن المغرب قبيل الحماية[14].
يمكّننا المبيان من استخلاص ملاحظتين أساسيّتين: أوّلهما تذبذب الإصدارات الأدبيّة من سنة لأخرى؛ ذلك أنّها لم تشهد خطًّا تصاعديًّا منتظمًا طيلة الربع الأخير من القرن 19م، وثانيهما تزايد الأعمال الأدبيّة الفرنسيّة حول المغرب منذ مطلع القرن 20م تمشّيًا مع تزايد الاهتمام بالمسألة المغربيّة منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء، إذ كان التوسّل بالإنتاجات الأدبيّة إحدى أدوات التغلغل والدعاية الاستعماريّة نحو المغرب، خاصّة الكتابات الروائيّة التي اختارت التركيز على ثيمات معيّنة كالتهريب، والتجسّس، والجنس، والخيانة.

نجحت الرواية خلال مدّة وجيزة في انتزاع الاهتمام، واستأثرت بالمكانة الأولى في الآداب العالميّة؛ لقدرتها الفائقة على تطوير وسائل السرد، إضافة إلى قدراتها المتميّزة على تمثيل المرجعيّات الثقافيّة والنفسيّة والاجتماعيّة، وهو أمر تفوّقت به على جميع الأنواع الأدبيّة الأخرى المعاصرة لها[15]، لتتحوّل إلى أحد آليّات صياغة الهويّة الثقافيّة للأمم، لما لها من قدرة على تشكيل التصوّرات العامّة عند الشعوب والحقب التاريخيّة والتحوّلات الثقافيّة للمجتمعات، بما يترتّب على هذا الأمر من إسهام في تمثيل التصوّرات الكبرى عن الذات والآخر[16].
لم تُسوّق الروايات في الكتب أو السلسلات القصصيّة فقط، بل في الجرائد الأكثر شعبيّة بفرنسا أيضًا، ففي بداية سنة 1907م نشرت جريدة (La petite république) سلسلة قصصيّة بعنوان «السلطان الطاهر» في إحالة مباشرة إلى شخصيّة السلطان المولى عبد العزيز التي جعلها مؤلّف العمل تهلك بطعنة خنجر من طرف مغامِرة أرمينيّة، في الوقت الذي كان أخوه مولاي محمّد يهجم على مدينة فاس بمساعدة الفرنسيّين. وبتقليد «السلطان الجديد» عرش المملكة الشريفة أحكم قبضته على أمن البلاد بعدما عرف كيف يحيط نفسه برجال أمناء عادلين وشجعان، وفي مقدّمتهم سنده الرئيس ومستشاره «بول لوفور»، الذي عيّن رئيسًا للأركان العامّة. «هذا المسلسل، باختياره المغرب كإطار لمغامرات بطوليّة وحكايات مُبكية ومثاليّة، ساهم في إعطاء الرأي العامّ صورة جماهير شرسة، خاضعة لزعماء تقليديّين، متعصّبة وغير نزيهة، بحيث وحده التدخّل الفرنسيّ يمكن أن ينتزعها من همجيّتها»[17].

ساهم تلازم الرواية والاستعمار في تمثيل المستعمِر والمستعمَرة في شكلين متناقضين، ففيما يخصّ الذات (الفرنسيّة) أنتج التمثّل السرديّ ذاتًا نقيّة وحيويّة وخيِّرة ومستقيمة وفاعلة وشريفة، وبذلك ضمّ جملة من المعاني الأخلاقيّة على كلّ الأفعال الخاصّة بها، بينما ألصق كلّ صفات الانفعال والخمول والتوحّش وغياب الفاعليّة وانعدام الشرف بالطرف الآخر، في إقصاء لكلّ المعاني الأخلاقيّة عنها. وبظهور الرجل الأبيض في عالم الملوّنين يختلّ هذا التوازن ويقع التضادّ بين العاملين متناقضين، تضادّ في القيم والأخلاق الثقافيّة[18].
ب. الأهداف: يربط العديد من الباحثين في تاريخ الأدب بين ظهور الرواية الأوروبيّة في العصر الحديث وبداية الحركة الاستعماريّة وانتشارها، فالرواية بتوغّلها في عوالم نائية تقع ما وراء البحار استجابت لرغبات مجتمع بورجوازيّ دائم التطلّع نحو الاستعمار، فنجحت بذلك في إدراج نفسها داخل سياق ثقافة المجتمع الحديث، مكتسبة مكانة خاصّة منحتها شرعيّة أدبيّة رغم حداثة عهدها. أمّا الاستعمار فقد وجد في الرواية أفضل وسيلة تمثيليّة لبيان فلسفة التفاضل بشكل رمزيّ وإيحائيّ بين الغربيّين وسواهم من الشعوب، وعليه فنهضة الاثنين كانت نتاجًا لسلسلة من التواطؤات بين ظواهر وعلاقات اجتماعيّة باحثة عن عوالم أخرى خارج المجال الغربيّ، ونصوص جديدة تبحث عن مكان في عالم أدبيّ كان مزحومًا بأشكال التعبير الأدبيّ[19].

ففي الوقت الذي كان فيه جمهور القرّاء الفرنسيّ يرغب في استهلاك المزيد من المواضيع الغرائبيّة، بل أكثر من ذلك يبحث عن شرق جديد وعن ذاكرة جديدة يستطيع بواسطتهما قياس المسافة التي تفصله عن باقي الشعوب، كانت هذه الكتابات تزيد من تضخّم صورة الأنا واختزال صورة الآخر[20]. وقد شكّل مغرب ما قبل الاستعمار بجغرافيّته وعلاقاته الاجتماعيّة ونظامه الإداريّ موردًا استلهم منه العديد من الكتّاب الفرنسيّين مواضيع رواياتهم، ليرسموا له صورة ملؤها العتاقة والتخلّف والهمجيّة، مدافعين عن ضرورة إنقاذه من الأغلال التقليديّة. إنّها فرنسا الحاملة للواء الحضارة[21]، وهي رسالة لا مناص من إنهائها لعتق المغرب والمغاربة من الظلمات، وقيادتهم للانخراط في العصر[22]. وهو ما يظهر بوضوح من خلال تصريحات «جول فيري»، الذي لم يذخر جهدًا للترويج في أماكن ومناسبات عديدة لنظريّة واجبات «الأجناس المتفوّقة» تجاه «الأجناس الدونيّة» التي لم تأخذ بعد الطريق الصحيح نحو التطوّر[23]، باعتبارها أجناسًا لا حضاريّة.

رغم ما حملته هذه النظرة من عنصريّة واضحة، فإنّ الأمر ظلّ مقبولًا داخل الأوساط الفرنسيّة طيلة القرن 19م ومطلع القرن 20م، فتحْتَ تأثير «الدارونيّة»، تمّ النظر إلى أهالي المستعمرات ككائنات أدنى مرتّبة بطبيعتها، خُلقت خاضعة للأعراق المتفوّقة، أي الجنس الأبيض المحتكر للحضارة[24]، المدفوع بقوّة الطبيعة وبمبادئ فكر الأنوار والثورة الفرنسيّة، التي سرعان ما تحوّلت من الاهتمام بمصير الشعوب المحتَلّة إلى التركيز على فكرة التفوّق الأوروبيّ.

بحث رسل الحركة التوسّعيّة إلى مغرب نهاية القرن التاسع عشر من خلال مؤلّفاتهم عن سبل تيسّر عمليّة توغّل حكوماتهم داخل هذا البلد، فقدّموا المجتمع المغربيّ كشعب فقير بدائيّ ينتظر قوّة أوروبيّة تعيده للنظام المفتقر وتطوّر طاقاته وتحقّق الرفاهيّة لجميع سكّانه، هذه الكتابة المتمركزة حول الذات هدفت إلى تبرير التوسّع الفرنسيّ برغبة المغاربة الذاتيّة في الاحتماء بهم[25] أكثر من كونها عمليّة توسّع إمبرياليّة ذات دوافع سياسيّة واقتصاديّة، من دون احترام للخصوصيّات الثقافيّة والمجتمعيّة للمغاربة، فالثقافات القيميّة التي لا تقبل بالاختلاف لم تترك لنفسها سوى إعادة إنتاج جديد للعالم المكتشف طبقًا لشروطها، حيث عمل جلّ الروائيّين الفرنسيّين من خلال كتابتهم لمختلف مغامراتهم الخياليّة أو الواقعيّة بالمغرب على شحذ مواهبهم بهدف تجاوز التعريف بالمغرب إلى تمثيل الحضور الفرنسيّ داخله، وإطلاع الرأي العامّ الفرنسيّ على منجزاتهم الحضاريّة، مقدّمين كتاباتهم في زيّ جذّاب يكرّس في الوقت نفسه الكتابات الأكثر استهلاكًا من طرف جمهور القرّاء الفرنسيّ. هكذا ساهمت هذه الأعمال الأدبيّة الفرنسيّة في تشكيل المزاج الفرنسيّ وغدت وعيه، وعملت على نسج عدد من الأساطير تسبقها أحكام قبليّة أبعدت قرّاءها عن الرؤية الصحيحة للإنسان[26].

وحسب عبد الله إبراهيم، فإنّ الرواية الاستعماريّة لم تنج من الضغوط المعلنة أو المضمرة لإضفاء شرعيّة على الوجود الاستعماريّ في المستعمرات النائية من خلال اختزالها للمستعمَر كنموذج للخمول، فيما صوّرت تلك الأراضي على أنّها خالية ومهجورة وبحاجة إلى من يقوم باستيطانها وإعمارها، وداخل العوالم المتخيّلة التي أنتجها السرد لا تظهر الشخصيّات غير الغربيّة إلا على خلفيّة الأحداث الأساسيّة بوصفها جزءًا تكميليًّا لإعطاء معنى أكثر واقعيّة لرسالة الرجل الأبيض[27].

الطرح نفسه يؤكّده «سمير بوزويتة» عندما يرى بأنّ «هؤلاء الكتّاب (كانوا) مجبرين على تنفيذ ما كان يفرضه عليهم المجتمع من جهة، و»كي دورساي» من جهة ثانية، الشيء الذي يجسّده التواطؤ الذي نلمسه في هذه الإنتاجات الأدبيّة بين المبدع وبين من يوظّف هذا الإبداع»[28]، مشكّلين قنوات مساعدة للحملة التوسّعيّة الفرنسيّة بالمغرب، عبر لعبهم دورًا ماكرًا أكثر من الدور العسكريّ، بعدما جنّدوا طاقتهم الأدبيّة والفنّيّة من أجل ترويج الصورة المزيّفة والأحكام المسبقة ونشرها [29]. بالمقابل، صُور أبطال هذا النوع الأدبيّ كشخصيّات مثاليّة ليس لها أيّ مطامع، ولا همَّ لها سوى تمثيل حكوماتها التي كلّفتهم بالدفاع عن مصالحها السياسيّة والاقتصاديّة بالتفاوض واستخدام القوّة إن لزم الأمر([30]). ومن أبرز الذين تنطبق عليهم هذه الفكرة نستحضر الجنديّ والأديب الفرنسيّ «بيير لوتي».

2. صورة المغرب في الرواية الكولونياليّة: «بيير لوتي» نموذجًا
أ. تعريف «بيير لوتي»: ولد «جوليان ﭬيو» (Julien Viaud) الملقب بـ «بيير لوتي»  (Pierre Loti) في 14 يناير 1850م بمدينة «روشفور» (Rochefort) في منطقة «شارونت مارتيم» (Charente Martime) داخل أسرة بورجوازيّة متنوّعة الأصول، فوالده «ثيودور فيو» (Theodore Viaud) من أصول كاثوليكيّة، تقلّد عدّة مناصب رسميّة، أهمّها: كاتب محافظ المدينة، بينما شكّلت «والدته نادين ليكسي» (Nadine Lexier)  نموذجًا للزوجة والأمّ المنحدرة من البورجوازيّة البروتستانتيّة بجزيرة «أوليرون» (Oléron)[31].

تلقّى «بيير لوتي» تعليمه الأساسيّ تحت إشراف مدرّس خاصّ قبل انتقاله إلى إعداديّة «راشفور» ثمّ ثانويّة «هنري الرابع» قبل الالتحاق بالمؤسّسة البحريّة (Borda) خلال الفترة الممتدّة من (1867م-1869م)، ليصبح ضابطًا في البحريّة الفرنسيّة. وبحكم عمله تنقّل خلال فترة (1869م-1970م) بين العديد من دول العالم كالجزائر والبرازيل والولايات المتّحدة الأمريكيّة وكندا، كما تمّت ترقيته إلى ضابط بحريّ من الدرجة الأولى[32]، وفي سنة 1872م زار «طاهيتي» حيث أخذ اسم «لوتي» وهي إحدى الورود المداريّة المنتشرة بالمنطقة[33].

ب. رحلة بيير لوتي المغربيّة: رغم تنقّلاته الدائمة بين العديد من أرجاء العالم[34] فإنّ «لوتي» لم يزر المغرب إلا سنة 1889م في إطار بعثة دبلوماسيّة رسميّة ترأسّها السياسيّ الفرنسيّ «باتونوتر» (Patenôtre) رفقة خمسة عشر مشاركًا، عمل خلالها على تدوين مختلف ملاحظاته وانطباعاته في كتاب حمل عنوان «في المغرب» (Au Maroc) نشر عام 1890م[35].

عرف الكتاب شهرة واسعة حاول من خلاله «لوتي» تمرير مختلف أحاسيسه لجمهور القرّاء الفرنسيّين إضافة إلى رسم لوحة دراميّة لمغرب نهاية القرن 19م. فللمرّة الأولى نلتقي بكاتب لعبت شهرته دورًا كبيرًا في تشكيل الصورة المغربيّة، اعتبره «سمير بوزويتة» رائدًا في الكشف عن وضعيّة المغرب داخل الأدب والتمثيل (Présentation) الجيّد للدولة المغربيّة قبل مرحلة الحماية الفرنسيّة، لهذا ظلّ عمل «لوتي» مرجعًا أساسيًّا بالنسبة للاستعماريّين اللاحقين[36].

وهو ما يؤكّده «لوبيل رولاند» قائلًا: «إنّها حكاية رائعة في رحلته إلى فاس، حيث تمّ استقبال المندوب الجديد بحفاوة من طرف السلطان، هذا أوّل كتاب ملوّن دائم الحيويّة، في شكل أدبيّ مثاليّ استحوذ على فضولنا المغربيّ»[37].

ج. مرجعيّة بييرلوتي: يستطيع قارئ كتاب «بيير لوتي» (في المغرب) أن يلاحظ من دون عناء كبير التجمّع الغريب للأحاسيس والانفعالات المتناقضة أحيانًا، والمبالغ فيها أحيانًا أخرى، عاكسة بذلك جنسًا أدبيًّا خليطًا بين رحلة الواقع التي عاشها «لوتي» بالمغرب، ورحلة الخيال التي عايشها مع نفسيّته.

وعلى ما يبدو، فإنّ لوتي ناله نصيب من حالة الاغتراب الروحيّ التي سادت أوروبا عقب عصر التنوير وتزايد شيوعها مع القرن التاسع عشر، وهي حالة وجدانيّة عنيفة يشعر فيها الأديب أو الفنّان بحاجة ملحّة إلى الفرار من البيئة التي يعيش فيها إلى بيئة أخرى جديدة وجوّ مغاير ومخالف يحيا ما فيهما من حياة، ويحسّ ما يختلج فيه من مشاعر بشكل متخيّل بعيد عن الواقع[38].
هكذا ارتبطت النزعة الرومانسيّة بالرغبة في الهجرة على حدّ قول الشاعر الألمانيّ «يوهان جيته» الذي رأى أنّ الهروب من المدينة الأوروبيّة بما فيها من صراع يتحقّق بالتوجّه إلى حياة الماضي الوديعة، المتمثّلة في حضارة الشرق[39] الذي أخذ معنى فضفاضًا يمكن إلباسه على أيّ حضارة خارجيّة وصل امتداده إلى المغرب، عاكسًا بذلك ذهنيّة الأدباء الأوروبيّين خلال القرن التاسع عشر. حتّى وإن كان في مكان آخر غير الشرق المتعارف عليه الآن، وعن ذلك يقول «محمّد العلوي البلغيتي»: «خضع تنقّل الأدباء داخل المغرب إلى مرميين في غاية الوضوح؛ أوّلهما: السفر بحثًا عن الهويّة، وثانيهما: السفر لملاحقة السراب الشرقيّ»[40].

لم يشكّل «بيير لوتي» استثناء عن هذه القاعدة؛ إذ تحكّمت في رحلته المغربيّة المؤثّرات نفسها التي لطالما غذّت وألهمت سابقيه، بل وحتّى الذين جاؤوا من بعده، ألا وهي سحر الشرق. فالمغرب لدى «لوتي» وكلّ من حدا حدوه هو «جزء من الشرق بكلّ ما يحمله النعت في ذلك الوعي الثقافيّ من معاني تحمل على النفور والانزواء والرفض آنًا، وعلى الإعجاب والدهشة آنًا آخر»[41].
لم تكن هذه النظرة الاستشراقيّة خاصّة بالمغرب فقط، بل بعموم شمال إفريقيا التي تمّ النظر إليها «كمرآة للشرق، فتحوّلت كلّ من الجزائر والمغرب إلى مشروع مرآة لفرنسا، ومن ثمّ وجب أن ينظر إلى هاتين الدولتين ككيانين مختلفتين تمامًا عمّا هو مختزل لديهم، بل وجب النظر إليهما باعتبارهما انعكاسًا للمحاولات الفرنسيّة، خاصّة وأنّ الأمر يتعلّق ببلدين يحتضنان في الوقت نفسه كلّ خاصيّات الغيريّة (Altérité) والمماثلة (Indentification) للنموذج الفرنسيّ»[42].

وبالتالي، فإنّ الصورة المغربيّة -حسب عبد الجليل الحجمري- لم تكن لتنتظر الهيمنة الاستعماريّة الرسميّة حتّى تتجسّد؛ إذ أدرج المغرب داخل أسطورة كانت أكثر انتشارًا وتعقيدًا وهي أسطورة الشرق[43].

د. صورة المغرب عند بيير لوتي: يصطدم قارئ كتاب «في المغرب» لـ «بيير لوتي» بقاموس يتأرجح بين الأفول والكفن وشعب الأشباح والفاشل الأبدي والمتوحّش الهمجيّ والبياضات المُغرقة في الظلام والقلق والتدخّل الربّانيّ والحقبة البائدة...، ومقابل هذا المغرب المكدّر وُجدت فرنسا التي تراكمت لصالحها مجموعة من العبارات الدالّة على البطولة، من قبيل: الحضارة المنتصرة والابتكار المتجدّد والكرم الفطريّ.

إنّها صورة كتابيّة لا تخشى إطلاقًا الإدمان في نعت الأشياء بنقيضها، لإبراز المفارقات التي تصقل صورة المغرب: تلك «القطعة الملكيّة» التي كان من الواجب الانقضاض عليها كي تفلت من أطماع القوى الإمبرياليّة المنافسة[44]. فأصبح «لوتي» بذلك نموذجًا للأدباء الفرنسيّين الذين نظروا إلى المغرب كآخر بلد للصلاة والإبداع الفنّيّ وتصريف المكبوتات التي أفرزها التطوّر الحضاريّ والصناعيّ الأوروبيّ[45]. معتبرًا أنّ زيارته للمغرب ما هي إلا اكتشاف لبقعة فسيحة ومهملة لم يغيّر بعد التقدّم الآليّ والميكانيكيّ الذي شهدته أوروبا ملامحها العذراء. ويأمل إزاء حالة «الانخطاف» هذه في محافظة المغرب على حالته البدائيّة الطبيعيّة، حتّى يظلّ مرتعًا خصبًا للفنّ والإبداع[46]، حيث يقول: «أيّها المغرب الداكن أُمكث هنا طويلًا مسوّرًا ومنيعًا في وجه الأشياء الجديدة، أدر ظهرك جيّدًا لأوروبا وتجمّد داخل الماضي، نم طويلًا وواصل حلمك القديم حتّى تبقى هناك على الأقلّ بلدة أخيرة يؤدّي فيها الناس صلواتهم»[47]. لذلك، فهو يحيّي كلّ من عمل على إبقاء المغرب في حالة السكون تلك، فيقول: «أمّا جلالة السلطان، فإنّني ممتنّ له رفضه للبرلمان والصحافة والسكّة الحديديّة والطرق، ولركوبه الخيل الرائع، ولبندقيّته المرصّعة بالفضّة وسيفه الدمشقيّ المذهّب، إنّني معجب لاستخفافه الهادئ بالمتغيّرات الحديثة، وأشاطره الرأي في أنّ الإيمان الأصيل لا زال ينجب الشهداء، وهو شيء يجب المحافظة عليه»[48].

شكّل هذا «الخطاب الماضويّ» مرآة تعكس الفكر المركزيّ الفرنسيّ، فبتأكيد «لوتي» على عتاقة المغرب ومطالبته بالحفاظ على خصائصه الشرقيّة، إنّما يحيل على التقدّم الفرنسيّ الذي وصل إلى نقطة اللاعودة، وبالتالي فإنّ أفضل ما يمكن أن يفعله المغرب هو الحفاظ على طابعه القديم، ليتحوّل إلى متحف حيّ لمرحلة تاريخيّة أوروبيّة غابرة، وهو ما ظلّ يردّده «ليوطي» طيلة فترة تسييره للمغرب، بتأكيده على ضرورة الحفاظ على الأنظمة الاجتماعيّة والنخب التقليديّة، وتبنّي مبدأ «التغيّر البطيء».
إلى جانب صورة المغرب العتيق عمل «لوتي» على ابتداع صورة أخرى وهي المغرب العجائبيّ، فقد عبّر بأسلوب مليء بالنعوت وغارق في أحكام القيمة عن تأثّره بمختلف مشاهداته، فتارة يصف الفرسان المدثّرين بأزياء فاقعة الألوان والحدائق الرائعة بمياهها المتدفّقة، وتارة أخرى يعبّر عن اندهاشه من السلطان المتلحّف بالبياض على جوداه الأشهب بفاس. إنّها وثائق غرائبيّة بانوراميّة رائعة لمدينة ترقص وسط سيرك من الجبال، يغلب عليها اللون الورديّ الملتهب بين طيّات ظلال مطلقة الزرقة، حيث اللقالق في ذهب السماء، وحيث سطوح المنازل تلفحها أشعّة الشمس لدرجة التفحّم[49].

لم يجعل «لوتي» رحلته المغربيّة مجرّد سرد أدبيّ لمسافر في المكان (أي من فرنسا نحو المغرب) بل رحلة في الزمان أيضًا، مبرزًا من خلال كتابه القدرة السحريّة للمغرب على العودة بالزمن إلى الماضي السحيق، قائلًا: «وأنا أضع اليوم قدمي على اليابسة في ميناء طنجة تحت شمس يوم جميل، شعرت بتراجع في الزمن، وما هي إلا لحظة حتّى صارت إسبانيا التي كنّا بها هذا الصباح بعيدة مثل بعد السكّة الحديديّة والباخرة السريعة والمريحة، والعصر الذي يعتقد أنّنا نعيشه!...هنا يوجد شيء يشبه كفنًا أبيض ينسدل، إنّه كفن الإسلام العتيق، مُخمدًا ضجيج الخارج وموقفًا كلّ اضطرابات الحياة العصريّة»[50].
 لم تستند هذه الصورة الغرائبيّة إلى دراسة ميدانيّة طويلة أو احتكاك مباشر للكاتب مع سكّان طنجة ونخبها، بل هو مجرّد انطباع عفويّ لم يتردّد «لوتي» في الإفصاح عنه من دون أيّ تحفّظات. فكان وصوله إلى مدينة طنجة يوم 26 مارس 1889م فرصة لتولّد انطباعات متدفّقة لا تخلو من الاحتقار أحيانًا، تجاوزت وصف المدينة إلى محاولة إبعاد أنظار الأوروبيّين عنها باعتبارها مدينة كافرة مغطّاة بالبياض[51]. معطيًا للبياض حمولة خاصّة، فهو ليس مجرّد لون للثياب والجدران «الطنجاويّة» فقط، بل لون الإسلام والموت المعنويّ لحضارة اعتبرها في طور الاحتضار. فعند دخول مدينة فاس توسّل «الأديب» بكلّ عبارات العجز والشيخوخة التي ألصقها بالحياة العامّة للمدينة بمختلف مرافقها وتجلّياتها[52].

وظّف «لوتي» لعبة الألوان بشكل مثير ومتناقض في المغرب، حيث انتقل من الاستعانة باللون الأبيض في وصفه لمدينة طنجة إلى النقيض تمامًا عند دخوله لفاس، معلنًا عن موت الضوء الجميل فوق أرصفة المدينة وأسوارها، بعدما بدأت الشمس في الانسحاب وراء الجبال الجامدة، فاسحة المجال للظلال الممتدّة، فلم تعد الشمس تلقي أشعّتها إلا على خيمته[53]. إنّها شمس الحضارة التي حوّلت خيمته إلى منبع النور، في مدينة مسجونة داخل ألوانها الداكنة والكئيبة.
 لم يتعامل «لوتي» مع مدينة فاس باعتبارها تراثًا بشريًّا وحضاريًّا لمجتمع تحكّم في مضيق جبل طارق يومًا، فالعتاقة المتمثّلة في الأزقّة الضيّقة والحيطان والأبواب القديمة والبيوت المتهادية إنّما هي ضرب من الانحطاط والدمار والتعاسة لمدينة في أوجّ احتضارها، مؤكّدًا على قرب انقراض الإسلام[54]. فها هو عند وصفه لجامعة القرويين، المعقل العلميّ والمركز الثقافيّ للمغرب والعالم الإسلاميّ منذ قرون خلت، يقول: «إنّها القرويين المسجد المقدّس ومكّة المغاربة التي حاربت الكفّار منذ اثني عشر قرنًا، هي الآن مركز جامد غارق في النوم في المغرب الكهل...كلّ شيء هنا غارق في القدم وحزين ومشوّه...، لم أجد الكلمات المناسبة لوصف مظاهر العتاقة»[55].

بموازاة هذه الصورة القاتمة التي رسمها للمجال المغربيّ، عمل لوتي على اختزال سكّانه في نعتين، هما: متوحّشون وبدائيّون، حيث قال خلال سماعه لبعض سكّان طنجة وهم يتبادلون أطراف الحديث: «حسبت أنّ بعضهم يتقيّأ...يصيحون كقردة ترتعد فرائصهم...ولو لم أكن متعوّدًا على ضجيج الأفارقة لخيّل لي أنّهم يتعاركون تحث نافذتي بطريقة بربريّة، وأنّ بعضهم يذبح الآخر. وببساطة كنت سأقول إنّ دوابنا قد أتت، وأنّ هناك من يقوم بتجهيزها»[56].

صوّر «لوتي» المغاربة في هيئة برابرة فوضويّين وقاطعي رؤوس، هدفهم الاستيلاء على ممتلكات بعضهم البعض، وأغلبهم قطّاع طرق من نوع خاصّ كقبيلة بني حسن التي وصف أهلها، قائلًا: «إنّهم بالفعل قطّاع طرق...لكنّهم قطّاع طرق ذوو خلقة جميلة بوجوه برونزيّة هي أجمل ما صادفناه، ونواظرهم طويلة تنسدل من عمائمهم فوق الأذان، والتي تضيف إلى محياهم شكلًا محزنًا»[57]. وعن رئيس الجماعة، يقول: «إنّه نوع لافت من قطّاع الطرق، لحيته وشعره وحاجباه في بياض الثلج تقطع بشكل واضح صفار المومياء الباقي من وجهه في صورة نسر ذي تميّز رائع»[58].
عبارات متأرجحة بين الإعجاب والاحتقار، بين الانبهار والتقزّز، تفنّن لوتي في إصباغها على الطبيعة والكائنات دون اهتمام بالخاصيّات التي تطبع كلّ بقعة في العالم. لتتحوّل هذه الصورة إلى سجن منيع ليس على المغرب فقط، بل على مختلف زوّاره المحكومين بالنظرة نفسها، التي حملها الكتّاب الاستعماريّون كمسلّمات بدون تردّد أو ملل، عبر مؤلّفاتهم المتنوّعة من قصص وحكايات...، مفكّرين في الوهم نفسه الذي راود من سبقهم. لهذا، لم يكن الأدب الاستعماريّ الذي سيعرف النور في مطلع القرن العشرين سوى تكرار متسلسل لأجيال من كتّاب حملوا الصورة الرديئة نفسها[59].

ولن نبالغ إذا قلنا إنّ بيير لوتي من خلال مؤلّفه هذا تحوّل بذاته إلى باعث المدرسة الكلونياليّة التي ستحمل لاحقًا راية التدخّل الأمبرياليّ مع الأخوان «طارو»، و»هنري بورد»، و»كلود فايير»، و»موريس لوكلاي»، و»روني أولوج»، و»أندري شوفريون»، وتابعين كثر، كان السينمائيّون في طليعتهم منذ أوّل شريط مصوّر بعنوان مكتوب سنة 1919م.

خاتمة
يُعتبر الحديث عن صورة المغرب في الإنتاجات الروائيّة الفرنسيّة خلال القرن التاسع عشر ضربًا من البحث عن ملامح الذات المغربيّة في فترة زمنيّة مثقلة بالهواجس والتنافس الاستعماريّ، ما أنتج صورًا مشوّهة أحاديّة الجانب حول المغرب الغريب والبدائيّ والمتوحّش والعتيق...

إذ لم يبتغ الرحّالة الأوروبيّون القادمون إلى الضفّة الجنوبيّة للمتوسّط التعريف بهذه البقعة الجغرافيّة المجهولة أو بناء جسور للتواصل مع سكّانها، بقدر ما لهثوا وراء مقارنة الأنا (الأوروبيّة) في علاقتها بالآخر (المغاربي)، فهيّأت كتاباتهم بوعي أو من دونه لولادة الصورلوجيا، بعد تراكم عدد من المعلومات والملاحظات، كانت أقرب إلى الانطباعات والأحاسيس منها إلى الدراسة الواقعيّة، ما يفسّر استمرار الجاذبيّة التي مارسها المغرب على زوّاره طيلة القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كان في طليعتهم العسكريّ والأديب الفرنسيّ «بيير لوتي»، معطيًا للمغرب بعدًا آخر يلحقه بالشرق البعيد، بكلّ ما يمثّله هذا الشرق من سحر وغموض وغرابة، واختلاف في العادات والعقليّات والدين.

لذلك، لم يتمكّن الفرنسيّون طيلة سنوات الاحتلال اللاحقة من صياغة نمط مغربيّ ذي محدّدات وميكانيزمات سياسيّة واضحة، ولا من التعامل مع سكّان هذا المجال كشعب له خصوصيّاته الثقافيّة واللغويّة، الأمر الذي ترك صورة مغربيّة مشوّهة في المخيال الأوروبيّ عامّة، والفرنسيّ على وجه التحديد.

لائحة المصادر والمراجع
أحمد الكمون، «المستويات الدلاليّة لمدينة طنجة في السرديّة الإسبانيّة المعاصرة»، طنجة في الأدب والفنون، أعمال الملتقى العلميّ الثاني لمدينة طنجة من 23 إلى 26 أكتوبر 1991، جامعة محمّد الخامس كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة الرباط، وجامعة عبد المالك السعدي، مدرسة الملك فهد العليا الترجمة العليا- طنجة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1992.
إدوارد سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، ترجمة: كمال أبو الديب، دار الآداب للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، بيروت، 2014.
بيل أشكروفت، بال أهلواليا، إدوارد سعيد: مفارقة الهويّة، ترجمة: سهيل نجم، مراجعة حيدر سعيد، نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دار الكتاب العربيّ دمشق، 2002.
جورج أوفيد، اليسار الفرنسيّ والحركة الوطنيّة المغربيّة 1905-1955 الطبعة الأولى، الجزء الأوّل، ترجمة: محمّد الشركي ومحمّد بنيس، مراجعة: عبد اللطيف المنوني، دار توبقال للنشر، 1987.
الحجمري عبد الجليل، «صورة المغرب في الأدب الفرنسيّ»، مجلّة الزمان المغربيّ. دفاتر أدبيّة، العدد الأوّل، السنة الأولى، 1979.
حسين فهيم محمّد، أدب الرحلات، عالم المعرفة، العدد 138، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو 1989.
خالد شاوش، «الرحلات الأوروبيّة إلى المغرب»، معلّمة المغرب، ج13، من إنتاج الجمعيّة المغربيّة للتأليف والترجمة والنشر، سلا، 2001.
سعيد بنسعيد العلوي، «صورة المغرب في الاستشراق الفرنسيّ المعاصر»، المغرب في الدراسات الاستشراقيّة، أعمال الندوة السادسة التي انعقدت في مراكش يومي 5 و6 أبريل 1993، مطبوعات أكاديميّة المملكة المغربيّة، الرباط.
سعيد عاهد، «الآداب الكولونياليّة بالمغرب»، ضمن جريدة الاتحاد الاشتراكيّ، العدد 9453، الجمعة 16 أبريل 2010.
سمير بوزويتة، مكر الصورة: المغرب في الكتابات الفرنسيّة:
(1832-1912)، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2007.
عبد الله إبراهيم، «الرواية والاستعمار»، جريدة الرياض، عدد 14628، السنة 45، الخميس 04 شتنبر2008.
عبد الله إبراهيم، السرديّة العربيّة الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماريّ وإعادة تفسير النشأة، الطبعة الأولى، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، 2003.
عبد الله الستوكي، «الآداب الكولونياليّة في المغرب: المغرب كمصدر لإلهام الآداب العالميّة»، ترجمة: عاهد سعيد، جريدة الاتحاد الاشتراكيّ، العدد 9453، الجمعة 16 أبريل 2010.
 محمّد العلوي البلغيتي، فاس مقام العابرين: دراسة في كتابة الاختلاف، ترجمة: محمّد الشريكي، إفريقيا الشرق، 1990.
هانري جان روبير، رهان «مغربة» الأدب الكولونياليّ، بخصوص سلسلة «الروايات المغربيّة»، ترجمة: خيرات محمّد، جريدة الاتحاد الاشتراكيّ، العدد 9453، الجمعة 16 أبريل 2010.
يوهان جيته، الديوان الشرقيّ للمؤلّف الغربيّ، ترجمة: عبد الرحمان بدوي، الطبعة الثانية، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 1980.

لائحة المصادر الأجنبيّة
Alain Ruscio, Le crédo de l’homme blanc: regardes coloniaux français (XIIIe-XXe siècle), Edition Complexe, 2002, Bruxelles.
Eiji Shimazaki, »Figuration de l’orient à travers les romans de pierre loti et le discours colonial de son époque (Turquie, inde, japon)«, thèse pour obtenir le grade de docteur en lange et littérature françaises, sous la direction de Michel Aquien, université Paris-est Créteil, soutenue le 7 Juin 2012.
Gérard Willemetz, Pierre Loti: Exposition organisée pour le centenaire de sa naissance, Bibliothèque nationale, ةditeur scientifique, Paris, 1950.
Jules Ferry, Discours et opinions de Jules Ferry, Discours sur la politique extérieure et coloniale (2e partie): affaires tunisiennes (suite et fin), Congo, Madagascar, ةgypte, Tonkin, préfaces et publiés avec commentaires et notes par Paul Robiquet, Editeurs  Armand Colin et Cie, Paris, 1897.
Loti Pierre, Au Maroc, Paris, Editeur Calmann-Lévy, 1890.
Mathieu Martine, (présentation), Le Roman colonial. Itinéraires et contacts de cultures, Vol VII, publication du centre d’études francophones de l’université de Paris XIII, Edition L’Harmattan, Paris, 1987.
Pierre Guillen, »Les Sources européennes sur le Maroc fin XIX début XX siècle,« Hesperis-Tamuda, Vol VII, fasc unique, 1966.
Pierre Rosière et autres, La Garde rouge de Dakar: Spahis et gendarmes du Sénégal, Les Gardes d’honneur, Edition, 1984.
Raymond Betts, »The French colonial empire and the French world,« Racism and colonialism: essays on ideology and social structure, Edited by Robert Ross, Martinus Nijhoff publishers for the Leiden university press, 1982.
Références de lèvres de rééditions ou de traductions classés par année de publication, interrogation de la banque de données L’image, Mardi 2 Juin 1999, Bonn copyright Charles et CIC.LIM.
Roland Lebel, »Le Maroc dans la littérature française: esquisse préliminaire«, Bulletin d’enseignement public au Maroc, n° 70, 12e année, Décembre 1925.
Seillan Jean-Marie, Aux sources du roman colonial: l’Afrique à la fin du XIX siècle, publié avec le concours du centre national du livre, Edition Karthala, Paris, 2006.


-----------------------------------
[1]*- جامعة ابن طفيل/ شعبة التاريخ والجغرافيا، المدرسة العليا للتربية والتكوين- القنيطرة.
[2]- ينظر: إدوارد سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، ترجمة: كمال أبو الديب، دار الآداب للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، بيروت، 2014، ص75-85.
[3]- Mathieu Martine, (présentation), Le Roman colonial. Itinéraires et contacts de cultures, Vol VII, publication du centre d’études francophones de l’université de Paris XIII, Edition L’Harmattan, Paris, 1987, p9.
[4]- Seillan Jean-Marie, Aux sources du roman colonial: l’Afrique à la fin du XIX siècle, publié avec le concours du centre national du livre, Edition Karthala, Paris, 2006, p119.
[5]- هانري جان روبير، رهان «مغربة» الأدب الكولونياليّ، بخصوص سلسلة «الروايات المغربيّة»، ترجمة: خيرات محمّد، جريدة الاتحاد الاشتراكيّ، العدد 9453، الجمعة 16 أبريل 2010، ص8.
[6]- خالد شاوش، «الرحلات الأوروبيّة إلى المغرب»، معلّمة المغرب، ج13، من إنتاج الجمعيّة المغربيّة للتأليف والترجمة والنشر، سلا، 2001، ص4297.
[7]- سمير بوزويتة، مكر الصورة: المغرب في الكتابات الفرنسيّة: (1832-1912)، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2007، ص12.
[8]- Roland Lebel, «Le Maroc dans la littérature française: esquisse préliminaire», Bulletin d’enseignement public au Maroc, n° 70, 12e année, Décembre 1925, p387.
[9]- Ibid, p390.
[10]- بد الله الستوكي، «الآداب الكولونياليّة في المغرب: المغرب كمصدر لإلهام الآداب العالميّة»، ترجمة: عاهد سعيد، جريدة الاتحاد الاشتراكيّ، العدد 9453، الجمعة 16 أبريل 2010، ص8.
[11]- Roland Lebel, op.cit, p 389.
[12]- أحمد الكمون، «المستويات الدلاليّة لمدينة طنجة في السرديّة الأسبانيّة المعاصرة»، طنجة في الأدب والفنون، أعمال الملتقى العلميّ الثاني لمدينة طنجة من 23 إلى 26 أكتوبر 1991، جامعة محمّد الخامس كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة الرباط، وجامعة عبد المالك السعدي، مدرسة الملك فهد العليا الترجمة العليا- طنجة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1992، ص151.
[13]- م.ن، ص151.
[14]- مجهود شخصيّ من خلال منشور:
Références de lèvres de rééditions ou de traductions classés par année de publication, interrogation de la banque de données L’image, Mardi 2 Juin 1999, Bonn copyright Charles et CIC.LIM, pp1- 10.
[15]- عبد الله إبراهيم، السرديّة العربيّة الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماريّ وإعادة تفسير النشأة، الطبعة الأولى، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، 2003، ص297.
[16]- اعتبر إدوارد سعيد الرواية أداة إمبرياليّة أساسيّة وظيفتها الحفاظ على مكانة الإمبراطوريّة، والمساهمة في تعزيز المفاهيم والمواقف حول المستعمِر والعالم.
بيل أشكروفت، بال أهلواليا، إدوارد سعيد: مفارقة الهويّة، ترجمة: سهيل نجم، مراجعة حيدر سعيد، نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دار الكتاب العربيّ دمشق، 2002، ص297.
[17]- جورج أوفيد، اليسار الفرنسيّ والحركة الوطنيّة المغربيّة 1905-1955 الطبعة الأولى، الجزء الأوّل، ترجمة محمّد الشركي ومحمّد بنيس، مراجعة: عبد اللطيف المنوني، دار توبقال للنشر، 1987، ص103.
[18]- عبد الله إبراهيم، «الرواية والاستعمار»، جريدة الرياض، عدد 14628، السنة 45، الخميس 04 شتنبر2008، ص15.
[19]- عبد الله إبراهيم، «الرواية والاستعمار»، جريدة الرياض، م.س، ص15.
[20]- سمير بوزويتة، مرجع سابق، ص17.
[21]-  في هذا الإطار يقول «رايموند بيت»: «لم تعمل أيّ قوّة استعماريّة على توظيف مفهوم» المهمّة التحضّريّة« (La mission civilisatrice) مثلما فعلت فرنسا، حيث تظهر الأمّة المستعمِرة كمُرَمِم للمجتمعات، فهي قادرة وحدها على القيام بأيّ تغيير مهما كان حجمه».
Raymond Betts, «The French colonial empire and the French world», Racism and colonialism: essays on ideology and social structure, Edited by Robert Ross, Martinus Nijhoff publishers for the Leiden university press, 1982, p68.
[22]- سعيد عاهد، «الآداب الكولونياليّة بالمغرب»، ضمن جريدة الاتحاد الاشتراكيّ، العدد 9453، الجمعة 16 أبريل 2010، ص7.
[23]- Voir: Jules Ferry, Discours et opinions de Jules Ferry, Discours sur la politique extérieure et coloniale (2e partie): affaires tunisiennes (suite et fin), Congo, Madagascar, ةgypte, Tonkin, préfaces et publiés avec commentaires et notes par Paul Robiquet, Editeurs  Armand Colin et Cie, Paris, 1897.
[24]- Alain Ruscio, Le crédo de l’homme blanc: regardes coloniaux français (XIIIe-XXe siècle), Edition Complexe, 2002, Bruxelles, pp31- 32.
[25]- Pierre Guillen, «Les Sources européennes sur le Maroc fin XIX début XX siècle», Hesperis-Tamuda, Vol VII, fasc unique, 1966, p90.
[26]- الحجمري عبد الجليل، «صورة المغرب في الأدب الفرنسيّ»، مجلّة الزمان المغربيّ. دفاتر أدبيّة، العدد الأوّل، السنة الأولى، 1979، ص67.
[27]- عبد الله إبراهيم، الرواية والاستعمار، مرجع سابق، ص15.
[28]- سمير بوزويتة، مرجع سابق، ص221.
[29]- سمير بوزويتة، مرجع سابق، ص221.
[30]- Seillan Jean-Marie, op.cit, p218.
[31]- Eiji Shimazaki, «Figuration de l’orient à travers les romans de pierre loti et le discours colonial de son époque (Turquie, inde, japon)», thèse pour obtenir le grade de docteur en lange et littérature françaises, sous la direction de Michel Aquien, université Paris-est Créteil, soutenue le 7 Juin 2012, p2.
[32]- Gérard Willemetz, Pierre Loti: Exposition organisée pour le centenaire de sa naissance, Bibliothèque nationale, ةditeur scientifique, Paris, 1950, p11.
[33]- Pierre Rosière et autres, La Garde rouge de Dakar: Spahis et gendarmes du Sénégal, Les Gardes d’honneur, Edition, 1984, p86.
[34]- تنقل لوتي خلال الفترة الممتدة بين 1871-1872 بين أمريكا الجنوبيّة والمحيط الهادي، فحطّ بالسنغال وغوايانا والأوروغواي والشيلي وطاهيتي وسان فرانسيسكو وغيرها.
[35]- Roland Lebel, op.cit, p391.
[36]- سمير  بوزويتة، مرجع سابق، ص173.
[37]- Roland Lebel, op.cit, p391.
[38]- يوهان جيته، الديوان الشرقيّ للمؤلّف الغربيّ، ترجمة: عبد الرحمان بدوي، الطبعة الثانية، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 1980، ص1.
[39]- حسين فهيم محمّد، أدب الرحلات، عالم المعرفة، العدد 138، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو 1989، ص151.
[40]- محمّد العلوي البلغيتي، فاس مقام العابرين: دراسة في كتابة الاختلاف، ترجمة: محمّد الشريكي، إفريقيا الشرق، 1990، ص13.
[41]- سعيد بنسعيد العلوي، «صورة المغرب في الاستشراق الفرنسيّ المعاصر»، المغرب في الدراسات الاستشراقيّة، أعمال الندوة السادسة التي انعقدت في مراكش يومي 5 و6 أبريل 1993، مطبوعات أكاديميّة المملكة المغربيّة، الرباط، ص38.
[42]- سمير بوزويتة، مرجع سابق، ص15.
[43]- عبد الجليل الحجمري، مرجع سابق، ص72.
[44]- عبد الله الستوكي، مرجع سابق، ص8.
[45]- سمير بوزويتة، مرجع سابق، ص214.
[46]- سمير بوزويتة، مرجع سابق، ص190.
[47]- Loti Pierre, Au Maroc, Paris, Editeur Calmann-Lévy, 1890, p357.
[48]- Ibid, (preface), p3.
[49]- Ibid, Loti Pierre, Au Maroc, pp 110- 113.
[50]- Ibid, p2.
[51]- Ibid, p1.
[52]- Ibid, Loti Pierre, Au Maroc, p279.
[53]- Ibid, pp38- 40.
[54]- Ibid, Loti Pierre, Au Maroc, p295.
[55]- Ibid, pp160-162.
[56]- Ibid, Loti Pierre, Au Maroc, p11.
[57]- Ibid, p98.
[58]- Ibid, Loti Pierre, Au Maroc, p99.
[59]- سمير بوزوية، مرجع سابق، ص190.