البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الرسالة المحمّديّة وارتباطها بالقرآن الكريم في عيون رودي بارت

الباحث :  د. سارة دبوسي
اسم المجلة :  دراسات اسشتراقية
العدد :  32
السنة :  خريف 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 12 / 2022
عدد زيارات البحث :  213
تحميل  ( 555.825 KB )
ملخَّص
سنعمل ضمن هذه الدراسة على تقديم رؤية نقديّة استقرائيّة للتصوّر الذي قدّمه المستشرق الألماني رودي بارت حول القرآن الكريم والرسالة المحمّديّة، وكيف تناول هذا المستشرق بالدرس الدين الإسلامي من خلال ترجمته وقراءته للقرآن الكريم، وكيف ساهم في التعريف به وتقريبه لدى غير المسلمين وجعله مادّة قابلة للدراسة والفهم. لذلك سنعمل ضمن هذا البحث على تقديم الاستشراق الألماني في نقطة أولى، ثمّ سنذهب في الفصل الثاني من البحث إلى تقديم قراءة في المشروع الاستشراقي لرودي بارت، أمّا الفصل الثالث فسنبحث فيه عن أهمّ مزالق العقيدة التي وقع ضمنها بارت، وإنّ الفصل الأخير فسيكون تتويجًا للبحث من خلال التفكير مع بارت وضدّه.

أمّا إشكاليّة البحث فهي: كيف تعامل بارت مع النص القرآني والدين الإسلامي ككل؟ وما هي الإضافة القيّمة التي أثري بها الدراسات الاستشراقيّة؟ وفيم تمثّلت أهم أفكاره؟

الكلمات المفتاحيّة: الرسالة المحمّديّة، القرآن الكريم، الإسلام والمسلمون، الدين الإسلامي، الاستشراق، الاستشراق الألماني، الوحي، محمّد، الله، العالم الإسلامي، القصص القرآني، الفكر الغربي.

مقدّمة
يساورنا الشكّ والحيرة في الفهم والإفهام حينما نتناول إشكالًا دينيًّا بهذا التعقيد والكبر على المستوى الكمّي والكيفي، فضلًا عن غزارة مادّته العلميّة وتشعّب مدلولاته الفكريّة، ولذلك فموضوع هذا الكتاب يثير العديد من الإشكالات العقديّة المزعزعة والمربكة للفكر في آن؛ لتعدّد إرهاصاته وتضاربها في آن.

فأن تكون الرسالة المحمّديّة وارتباطها بالقرآن الكريم والإسلام موضوع بحث واهتمام من قبل بعض المستشرقين[2]، فهذا يدلّ بدرجة أولى عن مدى عمق ووجاهة الموضوع المطروح للدراسة من جهة باعتبار أنّ الغوص في ثنايا الديانات السماويّة من الجهة المقابلة ليس بالأمر الهيّن، ولا يخلو من دوافع متعدّدة المشارب، ومن جهة أخرى فهذا الاهتمام يعكس لنا نظرة الغرب إلى الدين الإسلامي على وجه الخصوص. ولاسيّما لدى مفكّر ومترجم لاقت أفكاره التي تهتم بالإسلام انتشارًا جماهيريًّا واسعًا سواء في الدول العربيّة أو الغربيّة، ذاك هو المستشرق الألماني رودي باريت.
انخرط الفكر الغربي منذ القرن الثامن عشر في توجّه فكري يدعى الاستشراق، في الاهتمام بالعالم الإسلامي والدين الإسلامي على وجه الخصوص، وقد كان بارت من أهم المفكّرين الألمان الذين انصبّ اهتمامهم في هذا المبحث الذي وجّه أنظاره نحو العالم الشرقي، وبدأ في فهمه بصفة أحاديّة الجانب.

وبهذا النوع من الاشتغال المعرفي الذي يقوم على الذهنيّة التي تترجم كيفيّة الفهم الأحادي الذي وجّهه الغرب للشرق من دون أن يتمكّن الشرق من التعريف بنفسه، كما هو في الواقع القائم، وفي صلب هذه الإستراتيجيّة المعرفيّة تنخرط أفكار المستشرق الألماني المعاصر رودي بارت.

وفي صلب هذه الإستراتيجيّة المعرفيّة، التي اهتمّت بالبحث في العالم الشرقي بما اشتمل عليه من مفاهيم كالإسلام، المسلمين، الرسالة المحمّديّة والوحي، أخذنا مسألة الرسالة المحمّديّة في علاقة متّصلة بالقرآن الكريم موضوعًا لبحثنا طبعًا من وجهة نظر رودي بارت، وقد صوّبنا بحثنا نحو المفهوم المركزي في خطاب الاستشراق، وهو مفهوم الإسلام،؛ لكونه يمثّل مسألة رئيسة ومفصليّة في هذا التوجّه الفكري.

هذا، وقد احتل مبحث الإسلام والسيرة النبويّة والقرآن مكانة مهمّة في فكر المستشرق الألماني رودي بارت، ويتجلّى ذلك من خلال تحليله وتفكيكه العميق للنصّ القرآني، والاجتهاد في الإمساك بأهمّ الأفكار التي احتوى عليها، وإصداره لأحكام سعى من خلالها إلى تشكيل جملة من الأفكار والرؤى حول الإسلام والمسلمين وعلاقتهم بالنبي محمّد والقرآن الكريم.

ومن هنا يكون اشتغالنا البحثي متعلّقًا أساسًا بالرؤية التي قدّمها رودي بارت حول الرسالة المحمّديّة وارتباطها بالقرآن الكريم الكامن في جوف الفكر الغربي، وكيفيّة تناوله لعالم الشرق وفقًا لتصوّره الأيديولوجي له كمفهوم مركزي في مجمل أبحاثه ودراساته التي وجّهها نحو عالم الشرق، ومن هنا يكون التساؤل مشروعًا:

كيف تعامل رودي بارت مع القرآن الكريم والرسالة المحمّديّة؟ وكيف كانت رؤيته للقرآن والمسلمين على وجه الخصوص؟ وما هي أهم البراهين التي استند إليها؟ وإلى أيّ مدى أثّرت قراءاته في الفكر العربي الإسلامي؟ وفيم تمثّلت مواقف المفكّرين العرب حيال هاته الأفكار؟ وهل يمكن الجزم بأنّ للديانتين اليهوديّة والمسيحيّة دوراً مهمّاً في تشكّل شخصيّة النبي محمّد أم أنّ ذلك مجرّد افتراء عاري من الصحة؟

1- الاستشراق الألماني
الاستشراق الألماني هو تيّار فكري، شأنه شأن باقي التيّارات الغربيّة، التي اهتمّت بدراسة العالم الشرقي وعلومه وحضاراته وثقافاته، إلّا أنّه تميّز عن غيره من المدارس الاستشراقيّة الغربيّة الأخرى من خلال اهتمامه بالتخصّصات البينيّة التي تساعده على إصدار أعمال شاملة عن الشرق، هذا فضلًا عن اهتمامه الواسع بالنظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وخاصّة الدينيّة، وذلك ما جعل من دراستهم للشرق دراسة تتّسم بالشمول والموسوعيّة، إذ إنّ هاته المدرسة الاستشراقيّة انفردت وتميّزت خلال القرن الحالي باهتمامها الواسع بالدراسات القرآنيّة.

إن تميّز المدرسة الاستشراقيّة الألمانيّة عن غيرها من المدارس الأخرى هو عدم اتّصافها بروح العدائيّة حيال العلم الشرقي؛ وذلك لأنّ ألمانيا لم يتح لها فرصة استعمار البلاد العربيّة أو الإسلاميّة «إنّ البحث في الاستشراق الألماني قد ضاعف طرق بحث هذا الموضوع، فكافّة المقالات تحاول أن تبرهن على رؤية هذا المفهوم في إطار قوميّة وإمبرياليّة وليست استعماريّة»[3]، ورغم أنّ أغلب الدراسات الاستشراقيّة الألمانيّة لم تكن تتّسم بروح العدائيّة، إلّا أنّ أغلب مفكّريها وقعوا في الخطأ، وانحرفوا عن طريق الحقّ والصواب، وهو إشكال لا يمكن تعميمه على كلّ الدراسات باعتبار أنّ بعض الدراسات أنصفت الشرق وقدّمت أهمّ الوقائع بكلّ حياد وموضوعيّة، ولم تدخل في سجال تفوّق الـ«نحن» على الـ«هم».

فما ميّز الاستشراق الألماني أيضًا هو ميل غالبيّة مفكّريه نحو الاهتمام بالدراسات المعاصرة ودراسة العلوم الإسلاميّة على وجه الخصوص؛ وذلك لتوقهم وشغفهم بهذه العلوم، فبذلوا فيها مجهودات جمّة لأجل التعريف بها، وتسهيل الولوج إليها لغير العرب والمسلمين، ولنا في كتابات رودي بارت خير شاهد على ما نقول. فكيف تمثّلت أفكار بارت هذه العلوم؟ وما هي الإضافة القيميّة التي أثرى بها الدراسات الاستشراقيّة؟ وفيم تمثّلت هاته الأفكار؟

2- قراءة في المشروع الاستشراقي لرودي بارت
أ- في التعريف بالمستشرق الألماني المعاصر رودي بارت
رودي بارت (1901-1983) علم من أعلام المستشرقين المعاصرين في ألمانيا، اهتمّ في بداية مساره الاستشراقي بالأدب الشعبي ثمّ انصبّ اهتمامه نحو دراسة اللغة العربيّة والدراسات الإسلاميّة، وبصفة خاصّة نحو القرآن الكريم، الذي قام بترجمة معانيه إلى اللغة الألمانيّة مع شرح فيلولوجي في مجلّد خاصّ بذلك، والتعليق على الترجمة في مجلّد ثان «العمل الأساسي الذي ارتبط به اسم رودي بارت هو ترجمة القرآن إلى اللغة الألمانيّة في مجلّد والتعليق على الترجمة في مجلّد ثان. وفي هذه الترجمة لم يشأ بارت أن يدخل في مغامرات رتشيرد بل (Richard Bell) الذي قطع سور القرآن تقطيعات اعتباطيّة لم يبيّن دواعيها وأسبابها، (...)، بل ترجم القرآن بحسب الترتيب العثماني المتعارف عليه بين المسلمين منذ 30هـ (تقريبًا) حتّى اليوم»[4].

فما من شكّ في أنّ ترجمة كتاب الله أي كتاب العربيّة الأكبر، والذي بناء على التعاليم والنصوص التي أتى بها تمّ بناء الحضارة الإسلاميّة، فإنّ ذلك قد ساهم في تحقيق التواصل الحضاري وتبادل الأفكار والخبرات الإنسانيّة بين الشرق والغرب، ولعلّ الفضل يعود هنا لجلّ المترجمين لكتاب الله، وخاصّة للترجمة التي قدّمها بارت.
هذا وتعدّ الترجمة التي قدّمها بارت للقارئ الغربي من أهم الترجمات الاستشراقيّة باللغة الألمانيّة، إذ تعتبر هذه الترجمة مرجعًا أساسيًّا لدى الباحثين والمهتمّين بشأن الاستشراق في ألمانيا على وجه الخصوص، وذلك لما تتميّز به هاته الترجمة من شروحات وتعليقات صاغها صاحبها بأسلوب علمي دقيق سهّلت على المتقبّل فهمها.
ولكي يتمكّن الناطقون بغير اللغة العربيّة من فهمه واستكناه مضامينه ومقاصده التزم بارت اتباع الدقّة في الترجمة التي كانت على حساب جماليّة العبارة في الألمانيّة. له العديد من المؤلّفات: شأن محمّد والقرآن والقرآن تعليق وفهرست، الدراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعات الألمانيّة: المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه... إلخ.

وفيما يتّصل بترجمته للقرآن الكريم فقد التزم بارت الدقّة والموضوعيّة العلميّة، وإن كان ذلك على حساب المعنى الجمالي للترجمة الألمانيّة للعبارات، وذلك من خلال اعتماده على البساطة والدقّة في تفسيره للمعاني القرآنيّة لكي يجعل من غير الناطقين باللغة العربيّة أن يتمكّنوا من فهم واستنباط معانيه بكلّ سلاسة.

ما تجدر الإشارة إليه أيضًا هو أنّ اهتمام بارت الواسع بالعالم الإسلامي هو ما جعله يعمل قصد الإلمام بقضيّة الإسلام بما اشتملت عليه من القرآن والدعوة المحمّديّة، وربّما هذا ما جعله يدوّن العديد من الكتابات أو ما يعرف بالرسائل الصغيرة عن القرآن، شأن كتاب محمّد والقرآن، الذي أراد من خلاله تفسير وتقريب حقيقة الرسالة التي حملها النبي محمّد عليه أفضل الصلاة والسلام لغير المسلمين.

لقد أمضى بارت مدّة لا يستهان بها في مصر لأجل البحوث والتحقيقات العلميّة التي ساعدته على فهم العديد من القضايا التي لا يمكن فهمها إلّا بالاندماج والاحتكاك بالمجتمع، وما يزيد هذه الإقامة من أهميّة هو أبعاد الرحلة التي يقوم بها كلّ مستشرق إلى بلاد المسلمين يروم استكناه خفايا هاته البلاد، وذلك ما ينعكس من خلال إنتاجه العلمي والمعرفي.

ب- شخص النبيّ الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) عند بارت
انتقد بارت علنًا وفي عدّة مواقف نزاهة وصدق شخص النبي محمّد عليه الصلاة والسلام، حيث  اعتبر أنّ محمّدًا خلال فترة إقامته بمكّة كان صادقاً لأنّه اعتمد على رسالته النبويّة في حين تخلّى عن ذلك حينما هاجر إلى المدينة، أي تحوّله من داعية إلى الله تؤمن برحمته وقدرته إلى التحمّس الشديد للإنذار باليوم الآخر.

هذا فضلًا عن تناوله لمسألة زواجه من خلال ذكر أنّ النبي اكتفى بالزوجة الواحدة خلال الحقبة المكّيّة إلى تعدّد الزوجات بعد الهجرة التي بلغت ثلاثة عشرة زوجة، والحال أنّ المسلم يحقّ له أربعة فحسب، في حين أنّ محمّدًا قد تجاوز هذا العدد بكثير. وقد أرجع بارت هذا التعدّد إلى موقعه ومقامه الذي يسمح له بذلك خاصّة بعد وفاة خديجة «فباعتباره قائدًا للجماعة الإسلاميّة بالمدينة؛ فإنّ محمّدًا بالفعل يعرض علينا شخصيّته في ضوء جديد يختلف عن زمن ما قبل الهجرة»[5].

كما انتقد ظاهرة النزاع التي كان محمّد يدعو المسلمين لخوضها مع غير المؤمنين برسالته، وما سمّاه من جهاد في سبيل الله، الذي بات عبارة عن واجب يجب على المؤمنين القيام به، والحال أنّ الدين الإسلامي لم يرغم أحدًا على اعتناقه مكرهًا، إلّا أنّ دعوة محمّد إلى القتال باتت بنظره منافيًا لتعاليم القرآن.

هذا فضلًا عن نقده للقواعد الإسلاميّة المتعارف عليها في الحرب، وكيف خرجت الجماعة الإسلاميّة عنها مثل قطع نخيل بني النضير أثناء الحصار، والذي يعدّ خروجًا على قواعد السلوك في الحرب وضروراتها، كما أنّ مهاجمة المسلمين لقافلة أهل مكّة قبل انقضاء شهر رجب، الذي يعدّ من الأشهر الحرام، ما يعني أنّ المسلمين أتباع النبي محمّد قد نقضوا عهدهم وأتوا بخلاف ما كان يدعو إليه محمّد.

من بين المآخذ التي يأخذ بها بارت شخص النبي محمّد والمسلمين عامّة هو اغتيالهم لخصومهم السياسيّين من اليهود الذين يمثّلون خطرًا بالنسبة لهم من أمثال اليهودي المسمّى كعب بن الأشرف الذي هجا المسلمين في أشعاره، وتضامن مع قريش في واقعة بدر، وقد اعتبر أنّ النبي محمّد مسؤول أو مشارك في الاغتيال؛ لأنّه وافق على تنفيذه «في تعليق للواقدي إذن على حادثة اغتيال كعب بن الأشرف يرد التالي (...) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّه لو قرّ كما قرّ غيره ممّن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منّا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلّا كان له السيف»[6].
هذا ولم يتوقّف بارت من تشويه شخص النبي محمّد، وإنّما وصفه بالوثنيّة حينما دعا إلى الإسلام، ولعلّ مسألة الحج خير برهان على ما يقول، حيث اعتبر أنّ المكّيّين يقدّسون الحجر الأسود، والكعبة تمثّل رمزًا على مكان الألوهيّة، وهذه الاتهامات تعود في الأصل إلى بيئة شبه الجزيرة العربيّة التي ترعرع ضمنها محمّد وما اكتنفها من تصوّرات وثنيّة.

وما تجدر الإشارة إليه أيضًا هو أنّ بارت قد استند إلى العديد من الوقائع والأحداث التاريخيّة لكي يبرهن على صحّة أفكاره، والحال أنّها زائفة أريد بها باطل، خاصّة حينما يربط بعض الوقائع التي تحدّث عنها القرآن الكريم على لسان النبي محمّد ويرجعها بارت لما يتوافق وتحقيق النبي لأهدافه ومآربه الخاصّة، والحال أنّ الله هو من طلب منه فعل ذلك، وليس هو من أراد ذلك.

فما يسترعي انتباهنا ضمن تناوله لمسألة الأذى الجسدي لمحمّد من عدمه، هو رفض بارت القاطع في القول بأنّ النبي قد تعرّض للأذى الجسدي؛ وذلك نظرًا للمكانة التي يشغلها في قريش ودفاعهم المستمرّ عنه، والحال أنّه تعرّض لشتّى أنواع الأذى، وقد دافع عنه بعض أصحابه، وهذا ما أجمع على قوله أهل السير النبويّة.

إنّ المتتبّع لأفكار بارت يجد العديد من الافتراءات على النبي محمّد، ولعلّ من بين هاته الافتراءات هو ادّعائه أنّ محمّدًا كان يتعامل بقسوة مع اليهود حينما رفضوا اتباع دعوته إلى الإسلام ، كما أنّه زعم أيضًا أنّ الرسول كان يرغب في تأييد اليهود لدعوته، والحال أنّ معظم الوقائع التاريخيّة تؤكّد عكس ذلك.

ت- موقف بارت من الوحي
حين انطلق في البحث ضمن الدراسات الاستشراقيّة المتخصّصة في علوم القرآن والسيرة النبويّة، فقد جعل بارت من مبحث الوحي المحمّدي من أولى المسائل التي تناولها بالبحث والتحليل؛ وذلك لما لهذه الظاهرة من خصوصيّة وأهميّة جعلتها تتفرّد عن غيرها من الظواهر الدينيّة الأخرى التي تناولها بالدرس ضمن مبحثه الاستشراقي المعاصر.

ولمّا كان الوحي يمثّل الأساس والمنطلق الذي بناء عليه يتمّ ترتيب الحقائق الدينيّة بشتّى عقائدها وتشريعاتها، وهذا ما جعل من بارت يهتمّ بهذا الإشكال من أجل تحليل وفهم هاته الظاهرة، وذلك من خلال تناوله من زاوية السيرة المحمّديّة من أجل الظنّ بها، وربطها بشخص محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالتالي إلغاء مصدرها الخارجي، كما ذهب إلى ذلك العديد من المستشرقين الألمان السابقين لبارت في تناولهم هاته المسألة.

يطلق مفهوم الوحي في اللغة العربيّة إذًا على الإشارة والإيماء والإلهام والكلام الخفي الذي يقع في النفس، وهذا ما نصّ عليه وأكّده القرآن الكريم في العديد من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾[7].
إذًا تتمثّل ظاهرة الوحي في عمليّة إرسال واستقبال من قبل الأنبياء والقوّة الخفيّة الغيبيّة لله في ضرب من الخفاء والسرعة، ويكون ذلك في حالة إدراك متماسكة يسيطر فيها الوعي على المتقبّل(النبي) وهذا ما أكّده الله تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[8].

قبل خوضه في إشكال حقيقة التجربة المحمّديّة الأولى مع الوحي الإلهي ضمن تجربة الرسالة والتكليف التي أوكلت للنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من عدمه، فقد عاد بارت إلى عدّة مرويّات محليّة وشواهد قرآنيّة للتدليل على ما يقول، حيث ذهب إلى القول بأنّ محمّدًا قد تلقّى الوحي وهو في سنّ الأربعين أو أكثر خلال شهر رمضان شهر الصوم، ولكي يبرهن على صحّة ما يقول فقد عاد إلى سورة البقرة من خلال الآية القائلة:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾[9].

هذا ولم يقف شكّ بارت في الشهر الذي نزل فيه الوحي، أي القرآن، على النبي محمّد فقط، بل تعدّاه إلى البحث عن اللحظة التي نزل فيها الوحي تحديدًا من خلال عودته إلى سورة القدر ليشكّك مجددًا في أنّ الوحي ربّما لم يكن قد نزل كلّه في تلك الليلة، أي ليلة القدر، بل بداية الوحي والتي يعارض أن تكون في العشرة الأواخر من شهر رمضان.
فمن خلال نبشه في تقارير المؤرّخين والأحاديث يعود بارت ليستدرك من جديد إلى القول بأنّ الوحي بدأ مع النبي الكريم في صورة رؤى كان يراها في منامه، ولكنها صادقة، وذلك من خلال عودته إلى سورة النجم من القرآن الكريم وتدقيقه في آياتها ومعانيها، ولكنه بتوجهه لسورة التكوير ومناقشته لآياتها ومقارنتها بآيات سورة النجم، صار في ريبة وحيرة حول من ينقل الوحي لمحمّد، أهو الله أم جبريل؟ لأنّ سورة النجم تدلّ على أنّ الله هو من ينقل الوحي لمحمّد، في حين تقرّ سورة التكوير بأن جبريل هو من ينقل له الوحي، وهذا التناقض هو ما دفع بارت إلى القول بأنّ محمّدًا قد وقع في مشكلة اعتقاديّة، وذلك من خلال إقراره من خلال سورة النجم أنّه رأى الله، والحال أنّ أحد البشر لا يستطيع أن يرى الله في هذه الدنيا، وهذا ما أقرّه في سورة التكوير حينما تقدّم في مسار الدعوة والخبرة.

هذا، ويذهب بارت فيما بعد من ذلك إلى التشكيك أكثر في نبوّة الرسول الكريم محمّد من خلال اعتبار الرؤى والمشاهد التي رآها مجرّد أحلام لا مشاهد بصريّة فعليّة، ولايجب الاعتماد عليها؛ لأنّ في دعوته لا يعتمد على المواقف والمناسبات"، والأقرب إلى العقل في فهم ذلك أنّ النبيّ ما كان يعتبر الرؤى مهمّة وأساسيّة في رسالته. فلا شكّ أنّ وعيه بالرسالة كان يتقوّى بتجربة الرؤى؛ لكنّ نبوّته ما كانت تعتمد على ذلك"[10].
كما مثّل الجانب اللغوي للقرآن أيضًا مشغلًا مهمًّا لدى بارت حيث أرجع الكساء الغوي للوحي القرآني إلى النثر والمسجوع والكهانة، وذلك من خلال تحليله لجملة من الآيات القرآنيّة في سورة العلق وسورة البلد، التي يتجلّى من خلالها السجع اللغوي الذي يمتدّ من آيتين أو ثلاث، وهذا الشكل اللغوي المتلبّس بالنثر المسجوع يفضي إلى الأسلوب اللغوي الذي اتّبعه العديد من الكهّان العرب القدامى، ويتجلّى هذا التّشابه خاصّة مع أسلوب الكهّان في بعض المواطن التي يذكر فيها القرآن القسم بالليل أو بالأوقات والظواهر الفلكيّة الأخرى، ما يفضي إلى القول بأنّ القرآن قد راهن على استعمال وسائل تعبيريّة كانت متداولة منذ أمد بعيد.

وفيما يتّصل باتهام بارت لمحمّد بتمثّله للتصوّر الكهني حول الرسالة المحمّديّة، فقد ذهب إلى القول بأنّ محمّدًا قد اتّبع أسلوب الكهنة في تبليغ رسالته «بل ربّما فكر أن يكون كاهنًا من نوع ما»[11]، وذلك لأنّ الكهن بمستطاعه أن يعرض جملة من المعارف المتعالية عن الواقع اليومي المعيش، والمتجاوزة حتّى لإدراكات الحواس المحدودة، هذا فضلًا عن تنصيب الكاهن لنفسه على أنّه أداة لذات أعلى منه، أي الذات الإلهيّة، التي يتحدّث باسمها لا بدوافع شخصيّة، وهذا ما تبّينه من خلال مساءلته للعديد من الآيات القرآنيّة وبعض الروايات العربيّة الأخرى شأن الرواية الموقوفة عند ابن سعد عن عروة ابن الزبير، والتي مفادها أنّ النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول لزوجته أنّه يرى نورًا ويسمع صوتًا ويخشى أن يكون كاهنًا. وهو تصوّر كريه بالنسبة للرسول محمّد؛ لأنّ رغبته الجامحة في إعلان دعوته كانت ترنو إلى ما هو أعلى وأسمى من خلال دعوته المستمرّة لمعرفة الله الواحد الأحد والإيمان به على أن لا يكون مجرّد كاهن أو رائي أو ساحر. لقد نظر بارت إلى السيرة المطهّرة والسنّة المشرفة بعين الارتياب والشكّ، وهو ما يتجلّى من خلال شكّه المستمرّ في صحّة نبوّته والوحي الذي أنزل عليه.

اعتبر بارت أنّ محمّدًا لم يصل إلى أفق الوحدانيّة لوحده، أي إنّه لم يكن حنيفًا من الحنفاء، الذين توصّلوا إلى أعلى مراتب الإيمان بالوجود الإلهي دون أن يعتنقوا اليهوديّة أو المسيحيّة»،على أنّ الأعجب من ذلك، وهذه واقعة تاريخيّة أيضًا، أنّ محمّدًا ما اكتفى بأن يصل بنفسه إلى أفق الوحدانيّة. وبالتعبير العربي؛ فإنّ محمّدًا لم يصبح حنيفًا، أي إنّه لم ينضم إلى تلك الزمرة من العرب (الحنفاء) الذين توصّلوا إلى إيمان أعلى بالوجود الإلهي دون أن يعتنقوا اليهوديّة أو المسيحيّة، كما يذكر عنهم المؤرّخون العرب»[12].

يبدو أنّ تعاطفه الكبير مع الإسلام هو ما جعله ينتهج نهج الموضوعيّة العلميّة في ترجمته لمعاني القرآن ومحاولة تفسيره لها ،وهذا ما بدا جليًّا في بحثه عن ظهور الإسلام والرسالة المحمّديّة، وكيف نزل الوحي على محمّد، لذلك أطنب في تفسير الوحي بأساليب علميّة قريبة من الواقع المعيش لا الواقع الغيبي.
ففي تناوله لمسألة الوحي القرآني، اعتبر بارت أنّ الوحي الذي خاطب به محمّد الوثنيّين المكّيّين كان مجرّد خدعة؛ لأنهم يعتبرون أنّ الوحي الإلهي الذي كان يتلوه عليهم كان يستمدّه من مصادر ورواة غير إلهيّة «كانت تسويغات النبي، كما تبدو على لسانه في الآيات القرآنيّة التي أثبتناها، غير مقنعة لخصومه ومجادليه»[13]. أمّا فيما يتّصل بمحجاجة محمّد للقريشيّين تقرّ بأنّ دعوى انلقل غير صحيحة؛ لأنّ الرجل الذي يزعمون أنّه يعلّم النبي ليس عربيًّا، واللغة العربيّة ليست لغته الأمّ، والحال أنّ القرآن ورد بلسان عربي مبين.

لقد أرجع بارت نزول القرآن على النبي محمّد عليه أفضل الصلاة والسلام إلى تأثّره بالديانات الكبرى، أي اليهوديّة والمسيحيّة، أي إنّه نحت منها الكثير، ويتجلّى ذلك خاصّة من خلال ما أورده من قصص الأنبياء في العهد القديم مثل قصص نوح ولوط وإبراهيم وموسى، وضمّها إلى مخزونه الديني، ونسي أنّ النبي محمّد لم ينحت من أيّ ديانة كانت، وإنما ذلك كان وحيًا من الله الخالق، فمحمّد هو خاتم الأنبياء والرسل.

وفي إرجاعه مفهوم الوحي لمبحث الإلهام، ينزل بارت قيمة النبي الكريم محمّد ليجعل منها تتساوى وقيمة الفنانيّن؛ لأنّه يرى بأنّ الوحي هو إلهام لكلّ فنان مبدع يؤمن بأنّه يتلّقى إلهامًا حينما يستطيع التعبير عن الإحساس الذي يخالجه، كذا هو الحال مع العالم الذي يستطيع إنجاز بعض العمليّات الفكريّة المعقّدة التي فكّر في شأنها طويلًا. وهنا ينزل بارت من شأن النبي محمّد ليجعل منه يتساوى والناس الذين أتاهم برسالة من الخالق، وبناءً على ذلك يكون محمّد قد خرج من وضع الإلهام والوحي ليتساوى مع البشر، والحال أنّه منزّه عن هاته المساواة.

وعلى الرغم من الأهميّة التي أولاها بارت في كتاباته للقرآن وللنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف ساهم في التعريف بها لدى الغرب من خلال ترجمته لمعاني القرآن، والتي تعدّ الأفضل من بين العديد من الترجمات، إلّا أنّه أعلن عدّة مرات برفضه القول بأنّ الرسالة المحمّديّة ليست بالرسالة السماويّة، وإنّما هي من تأليف الرسول محمّد عليه الصلاة والسلام، ما يعني بحسب قوله أنّ محمّدًا هو من ألّف القرآن، ولم يكن قد نزل عليه من الله على شاكلة وحي، وهذا يعدّ ضربًا من المغالطة والتضليل عن الحق. 

وفيما يتّصل بمسألة الوحدانيّة، أي القول بالإله الواحد الأحد، فقد شكّك بارت في هذه الوحدانيّة مستندًا في ذلك إلى العديد من الأدلّة الواردة في النص القرآني كشأن مفردة ربّ الناس أو الربّ أو ربّ البيت، ما يعني أنّ فكرة وحدانيّة الله قائمة الذات إلّا أنّها تخصّ محمّدًا وأتباعه، ولا تخصّ خصومه وأعداءه الذين يسمّيهم محمّد بالكافرين.

ما نخلص إليه بالقول هو أنّ بارت اعتبر أنّ البحث في مسألة الوحي يتطلّب ضرورة العودة إلى البحث في البيئة والمحيط الذي نشأ فيه الرسول الكريم، والبحث في أهمّ الدوافع الكامنة خلف ظهور القرآن الكريم؛ لأنّ مسألة الوحي لا يمكن الاستدلال عليها علميًّا، وإّنما يجب البحث في بعض الدوافع الخفيّة الكامنة خلفها. ففيم تمثّلت إذاً أهمّ المؤثّرات الكامنة خلف ظهور القرآن بنظر بارت؟

ث- القصص القرآني وعلاقته بالنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)
 يعني مفهوم القصّ في اللغة العربيّة الخبر وتتبّع الأثر ماديًّا ومعنويًّا»، القصّ: تتبع الأثّر، يقال: قصصت أثره، والقصّ، الأثر»[14]، وقد ذكر هذا المفهوم أيضًا في القرآن الكريم عدّة مرّات، وذلك من خلال قوله تعالى:﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾[15]، وقوله تعالى:﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾[16].

وثمّة فرق جلي في اللغة العربيّة بين مفهومي القَصص بالفتحة والقِصص بالكسرة، حيث يعني الأوّل الإخبار عن الحادثة أو القصّة التي يرويها القاص، وتعني الثانية كتابة القصص وروايتها. كما أنّ مفهوم القصص الذي ورد في القرآن الكريم ينقسم إلى ثلاثة أقسام، حيث يتعلّق الأوّل بقصص الأنبياء السابقين للنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كقصّة سيّدنا آدم ونوح عليهما السلام وغيرهما من الأنبياء الآخرين الذين وقع ذكرهم في القرآن الكريم. وأمّا النوع الثاني من القصص القرآني فيتّصل ببعض الحوادث الغابرة لغير الأنبياء كقصّة هاروت وماروت وأصحاب السبت. ويتعلّق النوع الثالث من القصص القرآني بالوقائع والأحداث التي وقعت في عهد الرسول الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كغزوة بدر وأحد وقصّة زواجه من زينب بنت جحش.

وبالعودة إلى أنواع القصص القرآني، نجد أنّ معظم كتّاب السيرة اعتمدوا على النوع الثالث من القصص القرآني، أي تلك التي وقعت في حياة الرسول محمّد بالاعتماد على الوقائع التي ذكرت في القرآن الكريم، شأن قصّة معركة بدر التي كتب عنها العديد من كتّاب السيرة قديمًا وحديثًا دون أن يتخلّوا عن المصدر الأصلي المتمثّل في كتاب الله، ومن أهمّ الكتّاب القدماء نذكر ابن هشام في كتابه السيرة النبويّة[17]، والبيهقي في كتابه دلائل النبوة[18]. وأمّا الكتاب المعاصرون فنذكر مصطفى السباعي في كتابه السيرة النبويّة دروس وعبر[19]، وأيضًا الغزالي في كتابه فقه السيرة[20]، وما ميّز كتابات هؤلاء جميعًا هو أنّهم كانوا دائمًا يستشهدون ببعض الآيات القرآنيّة كقوله تعالى:﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[21].

لقد مثّلت القصص التي وقعت في عهد الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) محلّ اهتمام كبير خاصّة لدى كتّاب السيرة، ولعلّ كل ذاك الاهتمام كان لأجل تفسير وتقديم أفضل الخدمات للسيرة النبويّة من خلال تلك القصص والوقائع التي لم يستغنوا في إيصالها عن القرآن الكريم دون غيره من الكتب والأحداث الأخرى، وذلك لأنّه يعدّ المرجع الأصلي للقصص الذي دوّنه كتّاب السيرة على وجه الخصوص. ولا ريب من القول بأنّ القرآن الكريم يظل أفضل وأصدق الكتب التي احتوت على حياة الرسول محمّد عليه أفضل الصلاة والسلام.

وعلى خلاف ما ذهب إليه كتّاب السيرة، فقد ذهب رودي مذهبًا آخر موازيًا لهؤلاء، حيث عاد هو الآخر إلى قصص القرآن لأجل كتابة السيرة النبويّة، ولكن بأسلوب مغاير للمنهج الذي دأب عليه كتّاب السيرة النبويّة. فمثلًا في تناوله لتجربة الرسول الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد اعتبرها مجرّد امتداد لحياة الرسل السابقين له وحتّى قومه مع أقوامهم وأنصاره بأنصارهم من خلال قوله «يفإنّ تلك الشخصيّات في تاريخ النبوّة والخلاص اتّخذت معالم شخصيّة النبي نفسه. كما أنّ خصوم تلك الشخصيّات صاروا مثل الشخصيّات المكّيّة الوثنيّة المعادية له ولدعوته. وقد سرت هذه العمليّة حتّى على تصوّرات أولئك الاعتقاديّة»[22].

وقد كان بارت وثوقي التوجّه حيث أنّه متمسّك بما يقوله حول النبي محمّد، وكيف ربط قصص بعض الأنبياء السابقين له بقصّة حياة النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، واعتبر أنّ قصص الأنبياء مشابهة لقصّة محمّد حتّى إنّه عمد في بعض المواقف إلى استبدال اسم نبيّ سابق باسم النبي محمّد «يطلب هؤلاء من نوح (محمّد) أن يطردهم من صحبته»[23].

تفيد القصص التي وردت حول منزلة النبي محمّد في نظر مشركي مكّة في كتب السيرة بأنّ هاته النظرة اختلفت من مرحلة لأخرى، حيث حظي بالاحترام والتقدير ولقّب بالصادق الأمين في المرحلة السابقة للبعثة، لكنّ الأمر تغيّر فيما بعد البعثة، وعارضه كبار المشركين وقاموا بمعاداته ومعارضته «يا معشر قريش، إنّه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمّد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتّى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلّها: هزجه ورجزه، وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنّه والله لقد نزل بكم أمر عظيم»[24].

ورغم أنّ القصص التي أوردتها كتب السيرة تكلّمت على النبي محمّد، إلّا أنّ بارت أصرّ على مماثلة حياة النبي محمّد بحياة الرسل السابقين له، إذ نجده دائم العودة إلى قصص السابقين في القرآن الكريم؛ وذلك لأجل المقارنة والمقاربة بين النبي محمّد وسابقيه من الرسل، حيث ذهب في حديثه عن نظرة التبجيل التي نظر بها أهل مكة إلى النبي الكريم محمّد قبل البعثة، وكيف تعجّبوا من أمره حينما دعاهم إلى عبادة الله الواحد ونبذ الأصنام مستشهدًا في ذلك بقصّة سيدنا صالح وقومه في قوله تعالى:﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[25].

يبدو أنّ بارت قد اتّخذ من القصص القرآني الذي هو مصدر للسيرة النبويّة مرجعه لأجل البرهنة في إثبات ادّعائه بأنّ ما وقع للرسول الكريم من وقائع وأحداث مع أهل قريش قد وقع لغيره من الأنبياء، ما يعني أنّ حياته كانت مماثلة لحياتهم حسب تصوّره، والحال أنّه كان مختلفًا عنهم في العديد من المرّات «لقد عصم الله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونصره، وفتح عليه الجزيرة العربيّة، ولا سيّما مكّة عاصمة قريش ألدّ أعدائه، وبهذا أظهر الله دينه على الدين كلّه»[26].

ج- التشكيك في صحّة القرآن الكريم
القرآن الكريم هو كلام الله الواحد الأحد الذي يختلف عن كلام البشر، أنزله الله على النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو المكتوب في المصاحف والمتضمّن لجميع معاني الكلام الدالّة على ما في النفس من مدلولات متعدّدة «القرآن هو الكتاب المنزل على رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم، والمدوّن بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس»[27].

 ومن أهمّ خصائصه إخبارنا بالغيب وببعض الأمور المستقبليّة التي ما نزال نجهل حدوثها، هذا فضلًا عن إخبارنا بحدوث بعض العلوم والمعارف التي بلغتها الإنسانيّة إلى الآن، والأخرى التي مازالت في طي الكتمان. ومن أهمّ خصائص كلام الله أنّه نزل على طورين، الأوّل في المدينة، والثاني بمكّة، ويمتاز قرآن كلّ مرحلة بجملة من الخصائص الفنيّة واللفظيّة والعلميّة.

وأوّل من تناول علوم القرآن بالدراسة والكتابة، فلم يتم تحديده بالتدقيق، ولكن يشاع أنّ من بين الكتّاب القدماء من تناول هاته المسألة شأن علي بن المديني في كتابه عنوان القول في أسباب النزول، والقاسم بن سلام وجاء كتابه تحت عنوان الناسخ والمنسوخ.
إنّه لمن نافل القول الإشارة إلى أنّ النص القرآني يمثّل الخطاب الذي توجّه به الله الواحد الأحد إلى الناس أجمعين، لكي يقرأوه ويتدبّروا شؤونهم وفقًا لتعليماته، خاصّة وأنّه نزل بلسان عربي مبين ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[28]. لكنّ المتأمّل لقراءات بعض المستشرقين حوله يجد العديد من التجاوزات التي تحطّ من قيمته وتجعله يتساوى وباقي الكتابات البشريّة من حيث القيمة والمعنى، وهذا ما نلحظ صداه في كتابات بارت.

اهتمّ بارت كباقي المستشرقين الغربيّين بترجمة القرآن الكريم من اللغة العربيّة إلى اللغة الألمانيّة كما هو معلوم ضمن مجلّد خاصّ، وقد حظيت هاته الترجمة بإعجاب وإقبال كبيرين من قبل علماء الغرب والمسلمين، الذين انتقدوا هاته الترجمة في عدّة محطّات لاحتوائها على جملة من الأخطاء والأفكار المجانبة للصواب.
حيث أنّ بارت يرى أنّ النصّ القرآني هو نصّ قابل للدراسة والتحليل على ضوء المناهج النقديّة، شأنه شأن باقي الوثائق التاريخيّة القابلة للقراءات المتعدّدة والمختلفة، وذلك من خلال مراهنته على اتّباع منهجيّة النقد الداخلي له، وذلك لأجل الوصول إلى نقد تاريخي للآيات والتطوّر الفكري للرسول محمّد الذي اعتبر تطوّره الفكري يظلّ رهين نزول الآيات.

تعدّ ترجمة بارت للقرآن من أهمّ الترجمات الحديثة التي نقلت النصّ القرآني إلى اللغة الألمانيّة، والتي جاءت على إثر اطّلاعه العميق والواسع على تفاسير كلّ من الزمخشري والطبري والبيضاوي، والتي حاول ضمنها، كما ذهب إلى ذلك أغلب المترجمين، إضافة بعض التعبيرات والمعاني لربط سياق الكلام بما يلزم من إضافات.

ولا يسعنا في هذا السياق إلّا القول بأنّه رغم المساعي التي قدّمها المستشرقون من شتّى أصقاع العالم للقرآن الكريم، إلّا أنّ هاته الترجمات لن تكون وافية وجامعة للقرآن الكريم؛ لأنّ الإحاطة الكاملة بشتّى معاني القرآن تتطلّب الإلمام الكامل بمعانيه الأوليّة والثانويّة، خاصّة وأنّ العديد من مترجمي القرآن لا يتقنون اللغة العربيّة إتّقانًا جيّدًا، وهذا ما نجد صداه في ترجمة بارت «لو اطّلعنا على منهجه في هذه الترجمة لرأيناه يسلك هو الآخر سبيل زملائه في إضافة تعبيرات ومعان معيّنة لربط سياق الكلام كما قال. وهو منهج سلكه أغلب المترجمين، وقد بيّنا لك عيوبه... ويحاول بارت تبرير هذه الترجمة المحرفة في قوله إنّ طريقة تعبير القرآن كثيرًا ما تكون مقتضبة، وأحيانًا ترد في سياق الحديث فكرة في تلميح خاطف أو تبقى بدون تلميح، وعلى القارئ أن يجتهد في ربط سياق الحديث بما يلزم من إضافات ... وقد أدخلت في ترجمتي إضافات معيّنة من هنا وهناك لربط سياق الكلام»[29].

لقد نظر بارت إلى الآيات والسور القرآنيّة نظرة تاريخيّة، وأنزلها منزلة الوثائق البشريّة الخاضعة للترتيب التاريخي والتطوّر الفكري للبشر، والحال أنّها صادرة عن الله الخالق للكون وما عليه، والحال أنّه لا يجب أن نقارنها بما دونه البشر من وثائق محدودة الأفكار بحكم صدورها عن بشر محدودي الفكر والإرادة بقدرة الخالق الجبّار للبشر والكون معًا.

كما اعتبر أنّ للبيئة التي وجد بها محمّد دوراً مهمًّا في التأثير على السور القرآنيّة، وذلك من خلال مقارنته بين القرآن الذي نزل على النبي في مكّة ونظيره في المدينة، والذي أرجعه إلى الوضع النفسي والاجتماعي للنبي، ومن ذلك سعى إلى تقديم تفسير علمي للقرآن لا غيبي.

ضمن طرحه لبعض القضايا المتّصلة بالنصّ القرآني، فقد شكّك بارت في بعض الحقائق التي جاء بها منذ نزل على النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ففي حديثه عن الحساب ويوم القيامة، فقد اعتبر بارت أنّ الحديث عن هذا اليوم يعدّ ضربًا من التخويف والترهيب لجمع أنصار حول الرسول، ولأجل الإيمان بالدعوة المحمّديّة دون محض إرادة، أي إرغامًا وعنوة.

فما تجدر الإشارة إليه أيضًا أنّ بارت لم يقف عند حدود الافتراءات التي وجّهها للنبي محمّد، وإنّما تعدّاها لاعتبار أنّ القرآن ليس منزلًا من السماء، وإنّما هو نسخة من التوراة والإنجيل، وذلك يعود لما استخلصه من القصص غير المجزّأة التي وجدت في التوراة والإنجيل، وهو اتهام باطل وغير موضوعي.

3- قراءة في أهمّ المزالق العقديّة لبارت
(صلى الله عليه وآله وسلم)
أصدر بارت المجلّد الأوّل الذي ضمّنه ترجمته لمعاني القرآن إلى اللغة الألمانيّة سنة 1962، ثمّ أرفقه بمجلّد ثان سنة 1971، والذي اعتبره بمثابة الملحق للترجمة الأولى، حاول ضمنه وضع تدارك بعض الصعوبات العصيّة عن الفهم من خلال إضافته لبعض التعليقات التي تتصل بعدم فهم بعض الآيات القرآنية، وفي المجلّد الثاني وضع تعليقات على المواضيع المشكلة في فهم بعض الآيات في كلّ سورة. وذكر خلاصة الأبحاث التي جرت حول المشكلة، خصوصًا أبحاث المستشرقين، وبذلك زودنا بإشارات إلى الدراسات العديدة التي تناولت هذه المشكلة أو تلك مّما يثيره نصّ القرآن، (...) وبهذا صار هذا المجلّد الثاني أداة بيبلوغرافيّة نافعة جدًّا للباحثين»[30].

إنّ المتأمّل لترجمة بارت للقرآن الكريم ومجموع الكتابات التي دوّنها حوله وحول شخص النبي الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) يجد العديد من المزالق التي أبعدته عن النهج السليم للتعريف بهذا المبحث الإسلامي المهمّ الذي من شأنه أن يساعد من لا يتقن اللغة العربيّة على فهم وتمعّن معاني القرآن الكريم ورسالة النبي محمّد في الحياة، وهي مزالق لا يمكن الجزم بشأنها على أنّها تحريف، وخاصّة إذا ما اتّصلت المسألة بتفسير القرآن وتأويله.

ومن الطبيعي أن نجد بعض الأخطاء، سواء في الترجمة أو في التفسير والتأويل، خاصّة لدى المترجمين المستشرقين ويبدو أنّ بارت غير منزه عن مثل هاته المزالق، وهذا ما نلحظ صداه خاصّة في بعض ترجماته لبعض الآيات القرآنيّة من حيث ترجمتها والمنهج والأسلوب اللغوي الذي اتّبعه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ اهتمام بارت الواسع بالدراسات الإسلاميّة وترجمته للقرآن الكريم على وجه الخصوص هو ما جلب له العديد من القرّاء والنقّاد من العلماء المسلمين على حدّ سواء، حتّى أن البعض منهم قد أفرد له دراسات خاصّة تلمّ بأفكاره وترجماته القرآنيّة، شأن الباحث الإيراني مسعود منصوري، والباحث الليبي ساسي سالم الحاج.

تبدو ترجمة بارت بحسب رؤية الباحث مسعود منصوري متقاربة التراكيب اللغويّة والنحويّة من حيث الأمانة للنصّ الأصلي؛ وذلك لأنّه اتّبع المنهج الذي يتناول الآيات القرآنيّة من حيث المضمون بدرجة أولى، ثمّ يقارن بينها، ثمّ يقدّم صياغة نهائيّة لها مثلما جاء في ترجمته لسورة التوبة ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾[31].»فقد وردت في الترجمة الألمانيّة بنفس الصيغة كلّما وقع تكرارها في المواضيع المختلفة:

Du brauchst ihr Vermogen und hire Kinder nicht zu bestaunen. Gott will sie im diesseitingen leben damit bestrafen[32].
ورغم ما قدّمه من إضافة وتجديد على ترجمة النصّ القرآني، وهو ما جعله يمتاز عن أسلافه ممّن ترجموا النصّ القرآني، خاصّة إلى اللغة الألمانيّة حسب ما ذهب إليه بعض النقّاد والدارسين، إلّا أنّه وقع في العديد من الأخطاء والمزالق اللغويّة، وهذا دليل على قصور العقل البشري وعجزه أمام الله الخالق، ما يعني أنّ النصّ القرآني قد بلغ أقصى المراحل من حيث المعاني التركيبيّة والدلاليّة، وأنّه يظلّ دائمًا متعدّيًا على طاقة البشر المحدودة.

وتصديقًا لهذه القناعة، فإنّ الحديث عن مواطن الضعف التي تخلّلت ترجمة بارت الألمانيّة لمعاني القرآن، والتي تتجلّى من خلال إضافته لبعض الجمل التوضيحيّة للترجمة أو ترجمته لبعض الآيات مرّتين، خاصّة حينما يعجز عن ترجيح إحدى الترجمات عن الأخرى، فيكتفي بوضع نقاط استفهام، وهذا ما يبرهن على ضعف الإنسان أمام كلام الله. وهذا ما أكّده بارت بنفسه حينما اعترف بأنّه»اضطر إلى إضافة جمل توضيحيّة إلى ترجمته لمعاني القرآن»[33].

فما يعاب على بارت أيضًا هو أنّه أثقل النصّ القرآني المترجم بجملة من الشروحات والتعليقات التي تسهّل على القارئ المتخصّص فهمها، في حين يكون العكس تمامًا لغير المتخصّص، هذا فضلًا عن إخراجه للنصّ في بعض الأحيان على شاكلة النصّ الغريب، خاصّة حينما يضع علامات الاستفهام الدالّة على صعوبة فهمه للنصّ القرآني والأقواس، ومحاولته ترجمة بعض المفردات حرفيًّا، والحال أنّ الترجمة أريد بها التفسير والإيضاح لا التعقيد والغموض، باعتبار أنّ الترجمة الحقّ هي تلك التي تحذو حذوّ النصّ الأصلي من حيث النبرة وتسلسل الأفكار، ولنا في ذلك العديد من الأمثلة الدالّة على ذلك مثل ترجمته لكلمة الإخلاص بالإيمان، وهو ما يتجلّى من خلال ترجمته لصورة الإخلاص التي ترجمها كالآتي:

Im Namen des barmherzigen und gnadigen Gotte.

1 Sag: er ist Gott, ein Einziger, Gott, durch und durch (er selbst) ( ?) (w. der Kompakte) (oder: der Nothelfer (?) w. der, an den man sich (mit seinen Noten und Sorgen) wendet, genauer: den man angeht ?). 3 Er hat weder gezeugt, noch ist er gezeugt werden. 4 Und keiner ist ihm ebenburting. (Ubersetzung nach Part)[34]

وتعني هذه الترجمة «قل هو الله، الواحد، الله، القائم بذاته (من خلال نفسه) (؟) (حرفيًّا: المتماسك) (أو النصير في الشدائد (؟)، حرفيًّا: الذي يتّجه إليه المرء (في شدائده وهمومه)، وبمعنى أدقّ الذي يقصده المرء؟). لم يلد ولم يولد، وليس أحد ندًا له»[35].

ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّ بارت ترجم القرآن الكريم ترجمة حرفيّة تخلّى من خلالها عن الجانب الدلالي والجمالي لمعاني العبارات القرآنيّة، وهذا ما جلب إليه العديد من النقّاد سواء من الشرق أو من الغرب «إنّ ترجمة باريت، وبالذات في دقّتها المثيرة للنقد، ليست سيّئة فحسب، وإنّما هي خاطئة، إذ إنّها تعطي فكرة خاطئة عن القرآن، إنّها لا تقدّم لقارئها بأيّ حال نفس المضمون، الذي تحتويه الآيات في نصّها الأصلي...»[36].

ورغم إقرار الباحث ساسي سالم الحاج بأنّ ترجمة بارت لمعاني القرآن تعدّ أفضل ترجمة مقارنة بسابقاتها من الترجمات الألمانيّة خاصّة، إلّا أنّه سرعان ما استدرك واتجه نحو الكشف عن النوايا الخفيّة الكامنة خلف هاته الترجمة، والمتمثلة أساسًا في نيّة الإساءة للقرآن وتحريف معانيه من خلال قوله التالي:»ويحاول بارت تبرير هذه الترجمة المحرّفة في قوله إنّ طريقة تعبير القرآن كثيرًا ما تكون مقتضبة، وأحيانًا ترد في سياق الحديث فكرة في تلميح خاطف أو تبقى بدون تلميح، وعلى القارئ أن يجتهد في ربط سياق الحديث بما يلزم من إضافات»[37].

ما تجدر الإشارة إليه أيضًا هو أنّ بارت لم يسلم هو الآخر في الوقوع في الخلط والخطأ أحيانًا حينما تناول العديد من القضايا العقديّة شأن مسألة الجبر والاختيار، وهو من أعقد المسائل التي يقع فيها العديد من المفكّرين حتّى المسلمين منهم، ويتجلّى الخلط الذي وقع فيه المترجم من خلال ترجمته للآية القائلة ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾[38].

Auch Gott wollte (…) feststellen (w., wissen) wei ihm und seinen Gesandten im geheimen hilft.

وتعني هاته الترجمة أنّ علم الله محدود ولا يعي من ينصره ممّن يعاديه.
تبدو إذاً ترجمة بارت لمعاني القرآن كسابقتها، باعتبارها قد وقعت هي الأخرى في التحريف والمغالطة وسوء الفهم أحيانًا، خاصّة حينما يتعلّق الأمر بترجمة الآيات التي تحيل على الزمن شأن ترجمته للآية 187 من سورة البقرة القائلة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ والتي هي كناية عن الوقت الذي ينقطع فيه المسلم عن الأكل والشرب، والتي ترجمها بارت حرفيًّا بقوله كلوا واشربوا إلى أن تتمكّنوا من تمييز الخيط الأبيض عن الخيط الأسود بطلوع الفجر.

وممّا لاشكّ فيه، فإنّ جلّ المزالق التي وقع فيها بارت أثناء ترجمته لمعاني القرآن فهي لامحالة دليل على ضعف الكائن البشري أمام الله خالقه، وأنّه مهما تاق إلى بلوغ الكمال يظل دائمًا كائن النسبيّة والمحدوديّة، ومن غير الممكن القول ببلوغ المطلق والإتقان الكامل الذي لا يشوبه النقصان، هذا فضلًا عن التشوّهات التي أراد إلحاقها بالدين الإسلامي، فإنّ كمال هذا الدين الذي أنزله الله للبشريّة يظلّ دائمًا صامدًا أمام هاته الافتراءات وداحضًا لها في آن كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[39].

لقد سعى بارت من خلال ترجماته وكتاباته حول الدين الإسلامي إلى الإلمام الكلّي بهذا الدين، ولعلّ ترجماته خير شاهد على ذلك، إلّا أنّه وقع في العديد من المزالق والأخطاء اللغويّة التي جعلت العديد من المفكّرين يتّهمونه بالتّشويه والإساءة للدين الإسلامي، خاصّة حينما تتعلّق المسألة بالإساءة إلى كلام الله أو الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخاصّة فيما يتّصل ببعض التفسيرات العلميّة التي انتهجها وتجاوز بذلك القول بالإرادة والفعل الإلهي لأجل إنصاف الفعل البشري المتمثّل في القول بالعلم.

4- في التفكير مع بارت ضدّ بارت
لاشكّ أنّ المتأمّل لأفكار بارت يجد العديد من الفوائد التي أشادت بالثقافة العربيّة الإسلاميّة وساهمت في نشرها والتعريف بها لدى الغرب، خاصّة الترجمات، وهو ما من شأنه أن يحدّد مكانة الفكر الإسلامي وقيمه العظيمة في إطار الفكر العالمي، هذا فضلًا عن التعريف بأهميّة القرآن الكريم باعتباره يمثّل أهمّ كتاب لدى المسلمين، أي كتاب العربيّة الأكبر، والذي بناء على التعاليم والنصوص التي أتى بها تمّ بناء الحضارة الإسلاميّة، وهو ما ساهم في نشر قيم وتعاليم الدين الإسلامي العظيمة في إطار الفكر العالمي.

لاشكّ أنّ اهتمام بارت بالحضارة العربيّة الإسلاميّة وبدينها الإسلامي لم يتأت من فراغ قيمي وأخلاقي، وإنّما مردّه إلى أهميّة وسعة ثقافة هاته الحضارة التي جلبت إليها الأنظار، وذلك لما تزخر به من ينابيع معرفيّة وفكريّة جعلت الاهتمام بها يخدم البشريّة جمعاء، لذلك راهن بارت كغيره من المستشرقين إلى الإلمام بها والتعريف بأهمّ الكتب التي تميّزت بها، شأن القرآن الكريم وكتب السيرة، إلّا أنّه وقع في بعض المزالق والأخطاء التي جلبت إليه العديد من النقّاد الذين اتهموه في بعض الأحيان بتشويه الدين الإسلامي والقصد في الإساءة إليه رغم أنّ البعض أنصفه.

ومن أبرز الأخطاء التي وقع فيها المستشرق بارت هو الأسلوب الذي تناول به مسألة تعدّد زوجات النبي الكريم محمّد، والصورة التي أخرج عليها هاته المسألة، حيث أرجع ذلك إلى المكانة التي عليها الرسول الكريم ومدى استغلاله لها، والحال أنّ النبي الكريم قد عاش في مجتمع كان تعدّد الزوجات فيه أمرًا عاديًّا جدًّا «دأب الغربيّون ومنذ القديم وعبر مئات السنين وإلى الزمن الحاضر، على النعي على النبي محمّد أنّه في حين اكتفى في مكّة بزوجة واحدة، قبل الهجرة، أقبل بعد الهجرة على تعدد الزوجات حتّى بلغ مجموعهن ثلاث عشر امرأة. وعلى الخصوص فإنّ المآخذ عليه تتركز في اثنتين؛ الأولى أنّه عمد للزواج من زينب، زوجة متبنّيه زيد بن حارثة، والتي يبدو أنّه طلقها عندما علم أنّ النبي يريدها. والثانية أنّه تجاوز في عدد زوجاته ما يحقّ للمسلم أن يتزوّج به من النساء، معطيًا بذلك نفسه امتيازات خاصّة، سوّغها له أيضًا القرآن»[40].

ففي قوله أنّ القرآن الكريم سوّغ للنبي الكريم محمّد امتيازات خاصّة للزواج من نساء المسلمين، فيه افتراء على النصّ القرآني من جهة، وعلى النبي الأكرم من جهة ثانية؛ وذلك لأنّ الحكمة الكامنة خلف تعدّد الزوجات لم تكن استغلال المكانة والجاه أو النصّ القرآني كما ادّعى بارت، وإنّما جاءت من أجل رعاية أولئك النسوة اللواتي فقدن أزواجهن في الحروب، هذا فضلًا عن أنّه ثمّة من تزوّجهن لأسباب سياسيّة.

وأمّا فيما يتّصل بزواجه من زينب زوجة ابن حارثة الذي تبنّاه قبل النبوّة، فقد جاء قرار الطلاق بينهما بناء على رغبة زوجها في ذلك، الذي كان يشتكي للنبي محمّد شدّة لسانها عليه، ورغم أنّ النبي أمره أن لا يطلقها، إلّا أنّه طلقها وتزوّجها النبّي الكريم؛ لأنّه كان يعلم عن طريق الوحي من أنّه سيتزوّجها، ولعلّ الحكمة الإلهيّة الكامنة خلف هذا الزواج هي إباحة أزواج المتبنّين بعد إبطال التبنّي، لا توظيف القرآن لأجل تحقيق أهداف ومآرب خاصّة، كما ذهب إلى ذلك بارت باستشهاده بقوله تعالى:﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾[41].

لا شكَّ أنّ هذه الاتّهامات والادّعاءات الباطلة التي وجّهها بارت لشخص النبيّ الكريم محمّد قد تحيلنا إلى التفكير في مثل هاته الأباطيل مرارًا وتكرارًا، خاصّة حينما تأتينا من عالم ومترجم وازن مثله ليكون التساؤل هنا مشروعًا: لماذا زيّف بارت حقيقة النبيّ الكريم محمّد وظنّ فيه ظنّ السوء، والحال أنّه منزّه عن ذلك؟ أوليس القرآن كتاب الله لماذا أنزله منزلة الكتب البشريّة وهو كتاب الله الأعظم؟
ما تجدر الإشارة إليه هنا أنّ ما دفع هذا المستشرق المجتهد في العلم إلى تدوين مثل هذه الكتابات والأفكار المتهافتة هو خلل في تصوّر الغربيّين بصفة عامّة في فهمهم وتصوّرهم للدين الإسلامي ولشخص النبي محمّد والقرآن الكريم على وجه الخصوص، لذلك نجد أنّ هاته الافتراءات تتكرّر لدى العديد من العلماء الغربيّين.

يبدو أنّ تأثّر الغربيّين وإيمانهم المطلق بالعلم هو ما جعل بارت كسابقيه يساير الحقائق العلميّة ويقرّ بمشروعيّتها المطلقة، وهو ما جعله ينفي فكرة الوحي الذي نزل على النبي محمّد وأقرّها القرآن الكريم، ورغم حقيقة الوحي وأحقيّته إلّا أنّه رفضه في العديد من المواقف، وفي المقابل أقرّ بصحّة الوقائع التاريخيّة البشريّة ورفض القول بأحقيّة الوحي الإلهي على النبيّ الكريم محمّد.
ما نخلص إليه بالقول هو أنّ المستشرق بارت قد جعل من أبحاثه تنأى عن القول بالتفسير الغيبي حفاظًا على القول بالمنهجيّة العلميّة ليعوّل في ذلك على بعض النصوص النقديّة التاريخيّة ومناهج علم الاجتماع الديني ومناهج النقد الأدبي التي تستخدم في تفسيرها للنصوص المقاربة البيئة أوّلًا.

ما هو جدير بالذكر أيضًا أنّ بارت لا يؤمن بصحّة المرويّات المذكورة في السُّنَّة النبويّة والقرآن الكريم، ولا يعترف بها على الإطلاق، لذلك كانت معظم كتاباته مليئة بالفجوات ونقاط الاستفهام التي تدفع قارئ كتاباته إلى البحث عن المعنى المقصود بمفرده أو إلى التخيّل بناء على بعض المعارف الحاصلة لنا حول الثقافة والفكر الإسلامي ككلّ الذي تناوله بارت بالدرس، ولكي يبرهن على منهجه فقد كتب ما يلي «وعلينا أن نقتنع بأنّ القرآن لم يقدِّم لنا شيئًا ذا بال عن الأربعين سنة الأولى من حياة النبيِّ، وفيما عدا ذلك ليس أمامنا إلّا التخيّل لقراءة ما بين السطور»[42]. وهذا يعدّ تجنيًا وافتراءً صريحًا على القرآن الكريم وما ورد فيه من حقائق.

لا يختلف اثنان في القول بأنّ الاختلافات البيئيّة والحضاريّة بين بارت والمادّة التي تناولها بالدراسة والتحليل لهما أثر بليغ على أفكاره وتصوّراته؛ لأنّه ورغم محاولته اتباع الموضوعيّة العلميّة في أبحاثه فإنّه لا يستطيع التخلّي التامّ عمّا تعلّمه وتربّى عليه من قيم وأفكار داخل المجتمع الحضاري التي نشأ فيه، هذا على أنّه بحث ضمن لغة تعدّ من أصعب اللغات في العالم رغم إتقانه لها، وهي اللغة العربيّة التي لا تعدّ لغته الأم.
يبدو أنّ للبيئة التي ينتمي إليها بارت تأثيرًا كبيرًا على أفكاره التي دوّنها بشأن القرآن والنبي محمّد خاصّة، باعتباره سليل أسرة اشتغلت بالكتابات اللاهوتيّة من قبل، هذا فضلًا عن وجود قساوسة في عائلته كانوا وراء أفكاره التشكيكيّة حول صحّة القرآن ونبوّة ووحي الرسول الكريم محمّد، ما يعني أنّ أفكاره التعسّفيّة التي دوّنها ضدّ الدين الإسلامي كانت كامنة فيه بالقوّة؛ لأنّه تربى عليها منذ الصغر.

إنّ المتفحّص لأسلوب بارت في الكتابة يجد العديد من الأخطاء والمغالطات الخادعة خاصّة لغير المتقنين للّغة العربيّة، وخاصّة حينما يشكّك في بعض المسائل العقديّة، ويقدّم صورة مجانبة للحقّ ولا تمتّ للمسألة المتناولة بشيء، شأن ما ذكره مثلًا في قصص زواج النبي الكريم محمّد وغيرها من القصص الأخرى التي عمد إلى تفسيرها بشكل مغالط للواقع ولا يستقيم معه.
يبدو أنّ بارت قد استعمل في معظم كتاباته أسلوبًا في الكتابة يتّسم في ظاهره بالمدح، ولكنّه يخفي في ثناياه ضربًا من القدح الذميم، وهو ما يجعل من القارئ يسوء الفهم والتقدير للمسألة المدروسة إلى درجة أنّ البعض ممّن يدركون تفاصيل القصّة أو الواقعة ينتابهم شكّ رهيب جرّاء الأفكار التي قرؤوها عنه، ولعلّ من بين القضايا التي طرحها هذا المستشرق قضيّة صدق الرسول محمّد صلى الله عليه وسلم.

يبدو أنّ بارت في دراسته للقرآن الكريم قد اتّبع هو الآخر منهج الإسقاط، كما فعل غيره من المستشرقين الألمان، والمتمثّل في إسقاط نظريّات مخالفة لما هو موجود في القرآن الكريم واعتبارها موجودة فيه، شأن إسقاط العديد من القصص على حياة النبي محمّد، وكذلك إسقاط العديد من المفاهيم الدينيّة النصرانيّة اليهوديّة على النبي الكريم محمّد، شأن ترجمته لكلمة الأميّ، والتي تعني الشخص الذي لا يتقن القراءة والكتابة التي وصف بها الله النبي محمّد، والتي ترجمها بارت بنبيّ الوثنيّة ونبي الكفرة، ورغم أنّ المعنى القرآني واضح وصريح ولم يكن خفيًّا على أحد، قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[43].

ومعلوم أنّ مبدأ التشكيك في بعض المعلومات الصحيحة حول القرآن والنبي محمّد شأن مسألة الوحي قد جعلت من أفكار بارت ورغم اتّسامها بالموضوعيّة العلميّة تنحرف عن الحقّ وتنساق وراء المغالطة والشكّ في حقائق تاريخيّة ثابتة مرتبطة بالقرآن الكريم وعلومه.

ما تجدر الإشارة إليه أيضًا وهو على غاية من الأهميّة والدقّة هو اعتباره أنّ القرآن الكريم مقتبسًا من التوراة والإنجيل، أي إنّ القرآن الكريم بحسب بارت راجع في أسسه ومضامينه إلى اليهوديّة والنصرانيّة، وهذا ما يجعل من الدين الإسلامي عاريًا عن الأصالة، وينفي ربّانيّة المصدر عنه، وهو قول مناف للحقّ والحقيقة الربانيّة التي لاتقبل الجدل الزائف والمنافي للحقّ.
ما يعاب على بارت أيضًا هو نفيه لسمة الوحي عن النبي الكريم محمّد واعتباره مجرّد تخمينات وتلفيقًا عاريًا عن الصحّة، وأنّ الله لم يكلّمه عن طريق الوحي، وإنّما محمّد كان يغالط قومه في حديثه عن الوحي.

فضلًا عن إنكاره لنبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) واعتباره مجرّد قائد للقوم الذي ينتمي إليه، لذلك اعتبر أنّ القرآن الكريم مجرّد كتاب تاريخي غير معجز؛ لأنّه في نظره من تأليف محمّد، وليس من مصدر إلهي ربّاني. وهذا طبعًا يعكس كيفيّةَ نظر الغرب إلى الدين الإسلامي في عموميّته، والإسلام على وجه الخصوص .

فما من شكّ أنّ بارت قد بالغ في تشويه الدين الإسلامي، خاصّة حينما زعم أنّ القرآن الكريم كتاب الله العظيم قد أملاه النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه، وقد اقتبس معانيه من التوراة والإنجيل، وهو ادّعاء باطل يراد به التضليل على الحقّ وتشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر غير المسلمين وحتّى المسلمين أنفسهم ممّن ثقافته الدينيّة محدودة قد ينتابهم الشكّ والحيرة في شأن دينهم.

فهذا التحريف والتزييف الذي ألحقه بارت بالدين الإسلامي وبرسوله وكتابه الأعظم القرآن الكريم، من شأنه أن يشكّل صورة مشوّهة عن الرسول الكريم الذي هو قدوة المسلمين في الحياة، لذلك توجب على المفكّرين المسلمين الغيورين على الدين الإسلامي وتعاليمه الصحيحة الردّ على مثل هاته الشبهات الزائفة والافتراءات الواهية وتصويبها لكي لا يتم تحريف الدين الإسلامي، ونحن نعلم الحقّ من الصواب لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[44].

خاتمة
 يبدو أنّ الدراسات الألمانيّة المهتمّة بدراسة الاستشراق بصفة عامّة قد بدأت تتحوّل إلى دراسات أنثروبولوجيّة، وذلك من خلال توجّهها نحو تصنيف الحضارة الإسلاميّة ضمن مفهوم الثقافة الخاصّ بالمجتمعات غير الغربيّة، وهو ما يعاب على هاته الدراسات التي تلتزم بالروح العلميّة الموضوعيّة في تناولها لهذا المبحث.

رغم بعض الموضوعيّة والحياد البارز في كتابات وترجمات المستشرق رودي بارت والتي جعلته يمتاز عن أسلافه في الفكر الاستشراقي، إلّا أنّه لم يلتزم بهاته الموضوعيّة بصفة مطلقة، لذلك لم تختلف كتاباته وترجماته للقرآن الكريم عنهم، والتي رغم اعتبارها الأفضل من كتابات أمثاله المستشرقين، فقد انزلق هو الآخر في متاهات الظنّ والافتراء والشكّ المريب في صحّة المعلومات الدينيّة المتعلّقة بالدين الإسلامي، وما اتصل به من قرآن ونبوّة محمّد.
 ما نخلص إليه بالقول هو أنّ بارت قد تعامل مع النصّ القرآني كنصّ أدبي قابل للتأويلات المختلفة، وليس نصًّا دينيًّا ذا قداسة تجعله ينأى عن التأويلات الواهية، والتي لا تمتّ للحقيقة بصلة، هذا فضلًا عن تعصّبه الواضح والصريح للمسيحيّة واليهوديّة، لذلك نجده في أكثر من موضع يقرّ بأنّ القرآن مشتق من كلا الديانتين، وهذا ليس بغريب عنه، وهو من ترعرع في عائلة القساوسة.

فما هو جدير بالذكر أيضًا، أنّه ثمّة العديد من الدوافع الكامنة خلف هذا الطرح البارتي للنصّ القرآني الإسلامي ككلّ، لعلّ من أبرزها محاولته المماهاة بين الدين الإسلامي والدين اليهودي والمسيحي، لذلك كان دائمًا يتصورّه على أنّه مقتبس منهما، ولا يجوز له أن يكون متفرّدًا ومتميّزًا عنهما.

قائمة المصادر والمراجع بالعربيّة  
القرآن الكريم.
رودي بارت، الدراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعات الألمانيّة: المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه، ترجمة: مصطفى ماهر، دار الكتاب العربي، القاهرة.
محمّد وازن، الاستشراق والمستشرقون، رابطة العلم الإسلامي، مكة المكرّمة، 1984.
محمّد حسين علي الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنيّة.
محمّد البشير مغلي، مناهج البحث في الإسلاميّات لدى المستشرقين وعلماء الغرب، مركز الملك فيصل، الرياض، 1422هـ.
قحطان عدنان بكر، القرآن الكريم في الفكر الاستشراقي، مجلّة دراسات، العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، المجلّد 47، عدد 2، ملحق 2، سنة 2020.
ظ. جينيفر جينكيز، الاستشراق الألماني (المدخل)، ترجمة: غسان أحمد نامق.
عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، ط 3، 1993.
رودي بارت، محمّد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، 2009.
أبو القاسم الحسين بن محمّد الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار القلم، دمشق، 1412.
ابن هشام، السيرة النبويّة، 1955.
البيهقي، دلائل النبوّة، 1988.
مصطفى السباعي، السيرة النبويّة.. دروس وعبر، 1985.
محمّد الغزالي، فقه السيرة، 1427هـ.
محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني بن إسحاق، السير والمغازي، دار الفكر، بيروت، 1978.
محمّد سرور بن نايف زين العابدين، دراسات في السيرة النبويّة، دار الأرقم، بيرمنغهام، 1988.
محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، 2011.
سالم الحاج ساسي، الظاهرة الاستشراقيّة وأثرها على الدراسات الإسلاميّة، منشورات مركز دراسات العالم الإسلامي، الطبعة الأولى، المجلّد الثاني، مالطة، 1991.
فريد قطاط، مجلّة التنوير، ترجمة: رودي بارت لمعاني القرآن: دراسة تقويميّة، عدد11، 2009.
محمود محمّد حجاج رشيدي، مناهج المستشرقين الألمان في ترجمات القرآن الكريم في ضوء نظريّات الترجمة الحديثة: دراسة لنماذج مختارة.
مفيد كرماني، حول إمكانيّة ترجمة القرآن، مجلّة فكر وفن، عدد 79، السنة43، 2004، معهد غوته.



قائمة المصادر والمراجع باللغات الأجنبيّة
Edward Said, Orientalisme, vintage books, New York, 1979.
Paret, Rudi: Der Einbruch der Araber in die Mittelmeerwelt. Rudi. Kevelaer, 1949; 1960 ca.


----------------------------
[1][*] باحثة وأستاذة الفلسفة في جامعة قفصة - تونس.
[2] مجموعة من العلماء والمفكّرين الغربيّين الذين تناولوا ثقافة وحضارة الشرق بالدراسة والتحليل والترجمة.
[3] ظ. جينيفر جينكيز، الاستشراق الألماني (المدخل)، ترجمة: غسان أحمد نامق، ص25.
[4] عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، ط3، 1993، ص62.
[5] رودي بارت، محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، ترجمة: رضوان السيد، مؤسسة شرق غرب للنشر، دبي، 2009، ص247.
[6] محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، رودي بارت، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص254.
[7] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 111.
[8] القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 3.
[9] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 185.
[10] محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، رودي بارت، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص79.
[11] محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، رودي بارت، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص87.
[12] محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، رودي بارت، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص74.
[13] محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، رودي بارت، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص103.
[14] أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب، دار القلم، دمشق، 1412، ص671.
[15] القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية 3.
[16] القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية 13.
[17] ابن هشام، السيرة النبويّة، 1955، ص2/ 106.
[18] البيهقي، دلائل النبوة، 1988، ص3/ 127.
[19] مصطفى السباعي، السيرة النبويّة دروس وعبر، 1985، ص82.
[20] محمّد الغزالي، فقه السيرة 1427هـ، ص237.
[21] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 123.
[22] رودي بارت، محمد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، 2009، ص160.
[23] م.ن، ص172.
[24] محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني ابن إسحاق، السير والمغازي، دار الفكر، بيروت، 1978، ص200.
[25] القرآن الكريم، سورة هود، الآية 62. نقلًا عن - رودي بارت، محمّد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، 2009، ص161.
[26] محمّد سرور بن نايف زين العابدين، دراسات في السيرة النبويّة، دار الأرقم، بيرمنغهام، 1988، ص163.
[27] محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، 2011، ص399.
[28] القرآن الكريم، سورة فصلت، الآية 3.
[29] سالم الحاج ساسي، الظاهرة الاستشراقيّة وأثرها على الدراسات الإسلاميّة، منشورات مركز دراسات العالم الإسلامي، الطبعة الأولى، المجلّد الثاني، مالطة، 1991، ص312.
[30] عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، ط3، 1993، ص62.
[31] القرآن الكريم، سورة التوبة، الآيات 55-85.
[32] فريد قطاط، مجلّة التنوير، ترجمة: رودي بارت لمعاني القرآن: دراسة تقويميّة، عدد 11، 2009، ص127.
 Paret, Rudi: Der Einbruch der Araber in die Mittelmeerwelt. Rudi. Kevelaer, 1949; 1960 ca.
[33] Paret Rudi; Vorwort zu Der Koran, p.7.
نقلًا عن مسعود، منصوري – تأملى در برخي از نقاط قوت وضعف ترجمة رودي بارت، ص66.
[34] Paret, Rudi: Der Einbruch der Araber in die Mittelmeerwelt. Rudi. Kevelaer, 1949; 1960 ca.
[35] محمود محمد حجاج رشيدي، مناهج المستشرقين الألمان في ترجمات القرآن الكريم في ضوء نظريّات الترجمة الحديثة: دراسة لنماذج مختارة، ص14.
[36] نفيد كرماني، حول إمكانيّة ترجمة القرآن، مجلّة فكر وفن، عدد 79، السنة 43، 2004، معهد غوته، ص5.
[37] سالم الحاج ساسي، الظاهرة الاستشراقيّة وأثرها على الدراسات الإسلاميّة، منشورات مركز دراسات العالم الإسلامي، الطبعة الأولى، المجلّد الثاني، مالطة، 1991، ص312.
[38] القرآن الكريم، سورة الحديد، الآية 25.
[39] القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 32.
[40] محمّد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، رودي بارت، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص254.
[41] القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 37.
[42] رودي بارت محمّد والقرآن: دعوة النبي العربي ورسالته، ترجمة: رضوان السيّد، مؤسّسة شرق غرب للنشر، دبي، ص39.
[43] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 78.
[44] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 256.