البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ترجمة ونقد مقالة "الفرعون القرآني"

الباحث :  السيِّد عبد الكريم الحيدري ، حمزة جعفر
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  35
السنة :  صيف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  August / 3 / 2023
عدد زيارات البحث :  1898
تحميل  ( 594.529 KB )
الملخّص
يحاول المستشرق اليهوديّ آدم سيلفرشتاين البحث عن حقيقة هويّة الفرعون الذي ورد في القرآن الكريم، تارةً عبر المقارنة بينه وبين فرعون الوارد في الكتاب المقدّس، وتارةً أخرى عبر الإشارة إلى وجود وجوه شبه -حسب رأيه- بين قصص أسبق عهدًا على القرآن الكريم، كقصّة برج بابل وقصّة أحقار الحكيم الوارد ذكرها في سِفر طوبيا، وقصّة سِفر إستر في الكتاب المقدّس، مركّزًا بحثه بشكل خاصّ على الصرح الفرعونيّ، وهامان الذي حسب ادّعائه ذُكر في كلٍّ من قصّة أحيقار مصحَّفًا على هيئة نادان أو ناداب، وفي قصّة إستر ورد باسم هامان، معتبرًا أنّه وبسبب غياب قضيّة هامان والصرح في الكتاب المقدّس عند ذكر قصّة موسى(عليه السلام) وفرعون، كان تحديد ماهيّة الصرح وهويّة هامان مدخلًا ضروريًّا من أجل التعرّف على حقيقة فرعون القرآنيّ كما أسماه. وأمّا في النقد، أشرنا إلى معنى اسم هامان في اللغتَين العبريّة والمصريّة القديمة، مستعينين بقاموس ألّفه المختصّون في اللغة الهيروغليفيّة، مبيّنين أنّ هامان في الحقيقة صفة للشخص، وليس اسم علم، تمامًا كما هي الحالة مع اسم فرعون الذي هو عنوان لملك مصر، مثبتين بذلك ضرورة وجود قرينة من أجل تحديد من هو الشخص المراد عينًا. ومن ثمّ تطرّقنا إلى آراء العلماء والباحثين اليهود والمسيحيّين حول سِفر إستر المجمعين على أنّ القصّة الواردة هي مجرّد سرد خياليّ لا واقع لها، وبالتالي سقوط اعتبارها العلميّ وبطلان القدرة على الاستناد إليها في الاستدلال.

الكلمات المفتاحيّة: فرعون، هامان، الصرح، إستر، أحيقار، طوبيا، القرآن.

المبحث الأوّل: ترجمة المقالة
إنّ فرعون من بين الشخصيّات القليلة التي برزت بشكل ملحوظ في كلّ من القرآن والكتاب المقدّس، ومن المنطقيّ -ومن الصواب حسب رأيي- أن نفترض وجود علاقة وطيدة بين الفرعون التوراتيّ والقرآنيّ، فعبارة «فرعون» أو «پارعو» تعني باللغة المصريّة القديمة «القصر العظيم». إنّه استخدام توراتيّ خاصّ للدلالة على حاكم مصر بهذه العبارة، وكما هو الحال في يومنا الراهن، حيث قد يُقال إنّ «البيت الأبيض» قد أصدر بيانًا في اشارة إلى رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة. إنّ تكرار هذا الاستخدام الملتوي لعبارة «فرعون» في القرآن يشير إلى أنّ الفرعون القرآنيّ يجب تفسيره في ضوء سياق توراتيّ أصليّ بدلًا من سياق مصريّ قديم. (أترك مسألة العلاقة بين الفرعون التوراتيّ ومصر القديمة لعلماء الآثار المصريّة). مع ذلك، من الخطأ الافتراض أنّ فرعون القرآنيّ ليس إلّا نسخة عربيّة لسميّه التوراتيّ. في الواقع، سنرى أنّ ثمّة فوارق مهمّة بين الفرعونَين.

يوجد فارقان مهمّان بين الفرعونَين؛ الفارق الأوّل هو أنّ ثمّة عددًا كبيرًا من الفراعنة في التوراة، ولكن في القرآن يوجد فرعون واحد فقط، فالفرعون الذي واجهه موسى ليس نفسه الفرعون الذي تعاطى معه يوسف. في الحقيقة، تذكر التوراة صريحًا أنّ هناك فرعونَين حكما في عهد يوسف. في القرآن، فرعون هو حاكم بسيط تعامل مع موسى وهارون. وقد روى القرآن قصّة يوسف بالتفصيل في سورة يوسف، ولكن لم يرد في هذا السياق أنّ حاكم مصر كان اسمه فرعونًا، بل عُرف بـ«الملك» بكلّ بساطة. وبشكل مماثل، أشار الكتاب المقدّس أحيانًا إلى الفرعون بـ«الملك»، كما أشير إليه أحيانًا بعبارة «مصراييم»[2] أو «مصر». ولكن يوجد في القرآن تمييز واضح بين الحاكم المصريّ في زمن يوسف والحاكم المصريّ زمن موسى، والأخير هو الوحيد الذي سُمّي بـ«فرعون»، بالتالي يُفهم أنّ الكتاب المقدّس يعتبر كلمة «فرعون» هي لقب لحاكم، بينما يستخدم القرآن هذه العبارة على شخصيّة تاريخيّة محدّدة.
الفارق الثاني بين الفرعون التوراتيّ والقرآنيّ أنّ التوراتيّ يعمل بمفرده، بينما القرآنيّ لديه أعوان، بعض منهم ذُكر اسمه وبعضهم الآخر بقي مجهولًا. يمكن تفسير هذا الفارق بسهولة، فقد كان الاعتقاد السائد في الدوائر الموحِّدة في العصور القديمة المتأخرة[3] أنّ لفرعون أعوانًا. قدّم جيمس كوغل[4] مصادر من سوريا وفلسطين ومصر تصف أعوان فرعون، كما أنّ التلمود البابليّ يشير إلى هؤلاء الأعوان بأسمائهم: بلعم، وأيوب، وويثرون. وقد حظي استبدال هؤلاء الثلاثة بهامان وقارون باهتمام العلماء.

خلال البحث في شخصية فرعون الفريدة وتفاصيل سيرته الذاتية، أوّد أن أركّز على دراسة حالة معيّنة، ألا وهي «الصرح» الذي أمر فرعونُ هامانَ ببنائه، إنّ طبيعة وهدف الصرح هذا قد حيّرتا العلماء على مرّ القرون. وقد ورد هذا الحدث في الآيتَين التاليتَين:

1. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)[5].

2. (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ)[6].

لا يوجد شيء مثل هذا في قصّة فرعون في الكتاب المقدّس. ورد أنّ فرعون التوراتيّ بنى مدنًا تخزينيةً باسم فيثوم ورعمسيس[7]، إلّا أنّه لم يَرِد ذكر أيّ بناء شامخ يمكن أن يصل إلى السماوات له أيّ علاقة بفراعنة الكتاب المقدّس، ولكن يمكن أن يكون قد ورد أمر مشابه في الكتاب المقدّس في سفر التكوين الإصحاح الأوّل الآية 19، في وصف قصّة برج بابل. والفقرة هي التالي (والتسطير من عندي):

وَكَانَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً. وَحَدَثَ فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا». فَكَانَ لَهُمُ اللِّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ.

وَقَالُوا: «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ».
فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا.
وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ، لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ[8].

إنّ وجه الشبه بين صرح فرعون وبرج بابل قد برّزه المجادلون المعادون للإسلام على مرّ قرون من الزمن، وكان أوّل عالِم لفت الانتباه إلى هذه المسألة الأب مراتشي[9]، المعترف إلى البابا إينوست الحادي عشر، والذي نشر ترجمته للقرآن مع التعليق عليها (باللغة اللاتينيّة) في أواخر القرن السابع عشر. في تعليقه على الصرح، يقول مراتشي:
«قد خلط محمّد القصص المقدّسة، فقد اعتبر أنّ هامان هو مستشار فرعون، بينما في الحقيقة كان مستشارًا لأخشوروش ملك فارس، كما أنّه اعتقد أنّ فرعون أمر ببناء صرح شامخ له يطّلع من على سطحه على إله موسى، وفي حال استطاع فعل ذلك لكان ذلك الإله أقلّ منه شأنًا. ممّا لا شكّ فيه أنّ محمّدًا استعار قصّة الصرح هذا من قصّة برج بابل. من المؤكّد أن ليس في الكتاب المقدّس قصّة مشابهة لفرعون. مهما يكون الأمر، فقد روى محمّد قصّة لا تصدّق».

إنّ تشبيه الصرح ببرج بابل قد لاقى استحسانًا من قبل العلماء الغربيّين المعاصرين، ما عدا بعض الاستثناءات، وهو من المسلّمات في «موسوعة الإسلام» الإصدار الثاني، و«موسوعة القرآن»، وبعض كتابات ويلر[10] وروبن[11] وغيرهم. إنّ التلميح بأنّ القرآن (أو محمّد كما قال الأب مرتشي) قد «خلط القصص المقدّسة» قد أغاظ المسلمين في عصرنا الحاضر، والإنترنت تعج بالمواقع التي تردّ على تشبيه الصرح ببرج بابل.
إذن، ما هو الجواب؟ وما يمكن أن يخبرنا هذا الجواب عن صرح فرعون؟ دعونا ندرس الأدلّة. يمكن تقديم ثلاثة نقاط تدعم فكرة تشبيه الصرح ببرج بابل. النقطة الأولى تتعلّق باللبنات المطبوخة في كلا السياقَين. إنّ اللبنات المطبوخة هي من خصائص البناء في بلاد ما بين النهرين، لكنّها غير مألوفة في مصر، كما أنّ استخدام الجذر «ل ب ن» في كلّ من العبريّة التوراتيّة والعربيّة القرآنيّة يلمّح إلى وجود علاقة ما بين البنائَين. أمّا النقطة الثانية فهي شكل وعظمة البناء في كلا النصَّين: كان الصرح -كما برج بابل- بناءً بين الأرض والسماوات، وكان الهدف المعلن منه تحدّي الربّ أو الله. في الكتاب المقدّس، وعدَ الربُّ الناسَ الموجودين في فترة ما بعد الطوفان أنّه سيبدّدهم على وجه الأرض[12]، بالتالي، كانت محاولتهم التوحّد و«إلّا سيتمّ تبديدهم على وجه كلّ الأرض» هو رفض واضح لإرادة الربّ. في القرآن، يجحد فرعون بشكل علنيّ بإله موسى ويريد أن يصل إليه ليثبت أنّ موسى يكذب.

أمّا النقطة الثالثة في دعم هذه المقارنة هو أنّ المفسّرين المسلمين كثيرًا ما يلمّحون إلى أنّ صرح فرعون هو برج بابل نفسه أو على صلة به. إنّ الأدلة على هذا القول موزّعة في كثير من المصادر، ولكن ثمّة نقطتيَن أساسيّتَين يمكن استخراجها من كلام المؤرّخين والمفسّرين الأوائل على الشكل التالي:

1. نمرود هو من قام ببناء برج بابل. وهذا يوافق ما ورد في التفسيرات اليهوديّة والمسيحيّة لهذا الحدث، حيث يُستشهد باسم «نمرود» -المشتقّ من الجذر الساميّ الذي يعني «التمرّد»- كدليل على أنّه كان هو الحاكم في زمن هذا التمرّد على الله.
2. كثيرًا ما قورن بين نمرود وفرعون، بل وحتّى استُخدم اسم أحدهم للدلالة على الآخر في المصادر الإسلاميّة. حسب ابن حوقل[13]، «بابل كانت مدينة النماردة والفراعنة»؛ والحميريّ يذكر أنّ «نمرود بنى الصرح بعد اختلاف الألسنة. وهو هذا البناء الذي يُسمّى المِجدَل. قالوا إنّه عندما صمّم على فكرة تشييد الصرح إلى السماء وصعد إلى أعلاه للاطلاع إلى إله إبراهيم كما زعم، أتى الله بنيانه من القواعد... (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ)[14].

وحسب ياقوت[15]، كان نمرود «هو فرعون زمن إبراهيم»، وهو من بنى الصرح، وهذه الجملة وردت في كلام البكريّ أيضًا وفي غيره من المصادر. هؤلاء المؤلّفون يذكرون المجدل الوارد في سورة النحل، حيث لم يُذكر اسم نمرود بشكل صريح، كما وأنّهم متنبّهون -كما يبدو- إلى الشبه ما بين النصَّين فيما يتعلّق بمجدل نمرود وصرح فرعون إلى درجة أنّ بعض المؤلّفين وضعهما كليَهما في بابل، أو يقولون إنّ نمرود كان فرعونًا. في الواقع، في العديد من المصادر حيث وردت السيرة الذاتيّة لنمرود، نجد أنّها مليئة بتفاصيل عن حياة الفرعون التوراتيّ والفرعون القرآنيّ، والعكس صحيح كذلك. بعبارة أخرى، كلٌّ من نمرود وفرعون بنى برجًا للوصول إلى الله، وكانت نيّتهما في ذلك التمرّد على الله، ولكنّ الله أفشلهما، وكلاهما كان حاكمًا مستبدًّا ادّعى الألوهيّة، كما أنّه يُقال عن نمرود إنّه فرعون، وعن مجدله بأنّه صرح. كما ويمكن لهؤلاء المؤلّفين أن يكونوا مدركين لموضوع اللبنات المطبوخة في كلا القصّتين، ولكنّني لم أجد ما يدلّ على هذا في أيٍّ من المصادر. الفكرة هي أنّ التفاسير الإسلاميّة القديمة كثيرًا ما كانت على وشك أن تقول بشكل صريح إنّ صرح فرعون هو برج بابل (أو مشابه له)، ولكن في كلّ مرّة امتنعت عن ذلك.
إنّ السؤال عن هويّة من بنى برج بابل أخذ حيّزًا من اهتمام الأحبار اليهود ما قبل الإسلام. تجدر الإشارة إلى أنّ التوراة تذكر فقط: «وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا»». من قال هذا لمن؟ في الجواب على هذا السؤال، يشير مصدر يهوديّ من القرن الخامس إلى تعاون فرعون ونمرود في هذا الشأن. يشرح هذا التفسير الإصحاح 38 من سفر التكوين «قال بعضهم لبعض» أي أنّ «مصراييم» قالوا لـ«كوش». وكما ذُكر آنفًا، إنّ كلمة «مصراييم» هي إحدى المرادفات لفرعون في التوراة، مع العلم أنّها عادةً ما تعني «مصر». على نحو مماثل، وبالرغم من أنّ كلمة «كوش» تشير إلى منطقة جغرافيّة في أفريقيا، إلّا أنّها الاسم المعطى لوالد نمرود، بالتالي ربّما فسّر المفسّرون المسلمون عبارة «قال مصراييم لكوش» بمعنى أنّ فرعون يتحدّث مع نمرود أو مع والد نمرود. على أيّ حال، يبدو أنّ العلماء المسلمين لم يكونوا الوحيدين الذين خلطوا أعمال نمرود وفرعون في بناء الصرح، وبناءً على ما تقدّم من أدلّة يمكن الاستنتاج أنّ صرح فرعون هو برج بابل، أو على الأقلّ يذكّر به.

ولأنّه لا يوجد سبب للتفريق بين صرح فرعون وبرج بابل -باستثناء الردّ على الاتهامات بأنّ هذا يعني أنّهما شيء واحد-، فإنّ الأدلّة ضدّ القول بوجود صلة بين البناءين هي بطبعها رجعيّة، فَجُلُّ الحجج المضادّة أتت على شكل ردود على أدلّة وحدة البناءين؛ ولأنّ الحجة الأكثر تكرارًا التي تساق عادةً لصالح هذه المقارنة في أنّ صرح فرعون تضمّن لَبِنات مطبوخة (والتي عادةً ما تُنسب إلى البناء في بلاد ما بين النهرين وليس مصر)، بذل الكتّاب المسلمون المعاصرون جهدًا هائلًا في محاولة إثبات أنّ اللبنات المطبوخة استُخدمت في مصر القديمة أيضًا. إنّ النبرة التي يتكلّمون بها والمدى البعيد الذي يذهبون إليه في مناقشة هذه النقطة أمر ملفت للنظر فعلًا، ولكنّ جهودهم غير ضروريّة على الإطلاق كَون التوراة نفسها يشير في أكثر من مناسبة إلى اللبنات المطبوخة فيما يتعلّق بمصر التي حكمها فرعون. إذا كان الفرعون القرآنيّ غير منفصل عن الفرعون التوراتيّ كما نفترض، فإنّ الإشارة إلى اللبنات المطبوخة في السياق القرآنيّ الخاصّ بصرح فرعون يمكن نسبتها بسهولة إلى مصر التي حكمها الفرعون التوراتيّ بدلًا من نسبتها إلى برج بابل، دون الحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ مصر القديمة؛ وبناءً عليه لا يمكن اعتبار لغة صرح فرعون القرآنيّ أنّها دليل على أنّ القرآن كان يقصد برج بابل.

في سياق مماثل، توجّه هؤلاء الكتّا أنفسهمب إلى تاريخ مصر القديمة، مدّعين أنّ صرح فرعون ليس إلّا هرمًا. قالوا إنّ الأهرامات كانت وسيلة للتواصل بين هذا العالم وبين الآخرة بالنسبة إلى الحاكم المصريّ الذي مات توًّا. ومن المهمّ ذكره أنّ الأهرامات عادةً ما ترتبط بمصر وليس ببلاد ما بين النهرين. إضافةً إلى المنتديات على الانترنت التي عادةً ما تخاض النقاشات فيها حول هذه القضايا، فقد قُدّم هذا الرأي مؤخّرًا في مقال علميّ جدًّا لـ«كفين فان بلادل»[16] والذي نسب الفكرة إلى شوكت طوراوة. إلا أنّه يوجد ثلاث مشاكل في خيار الأهرامات:

أوّلًا: لم يهدف فرعون أن يصنع بناءً يستطيع من خلاله أن يصل إلى السماوات في الآخرة، بل سعى للوصول إلى إله موسى في الحاضر وهو على قيد الحياة.
ثانيًا: من الملفت جدًّا أنّه وبالرغم من وجود أهرامات جيزة العظيمة تحت أعين العلماء المسلمين المتقدّمين، إلّا أنّه لا يوجد مفسّر قديم واحد شعر أنّ صرح فرعون قابل للمقارنة مع الأهرامات. هذا دليل صامت، إلا أنّه صمتٌ صاخبٌ يصمّ الآذان.
ثالثًا: رغمّ أنّ الأهرامات قابلة للتسلّق في يومنا الحاضر إلّا أنّها لم تكن كذلك في ذاك الزمان كما هو حال الزقورات في بلاد ما بين النهرين، بل كانت ملساء وغير قابلة للتسلّق. في الواقع، زقورات بلاد ما بين النهرين مرشّحة أكثر بكثير من غيرها لتكون هي مصدر الإلهام وراء كلّ من برج بابل وصرح فرعون بشكل غير مباشر. إنّ سكّان بلاد ما بين النهرين القدامى كانوا يسمّون معابدهم ما يعني «المنصّة الأساس للسماء والأرض»، أي إنّ الزقورة كانت الرابط بين السماوات والأرض.

بالتأكيد، إنّ ارتباط صرح فرعون مع زقورات بلاد ما بين النهرين يجعل من الصعب القبول بحقيقة أنّ فرعون ربّما كان مصريًّا؛ لذلك من المهمّ الإشارة إلى أنّ تفاسير القرآن المتقدّمة لم تقل إنّه من الضروريّ أن يكون فرعون مصريًّا. في الحقيقة، يوجد عدد مدهش من اليهود من العصور القديمة المتأخّرة والمسلمين المتقدّمين ممن اعتقدوا أنّ فرعون انحدر من «الشرق».

روى المقدسيّ[17] أنّ «... فرعون كان من مواليد بَلَخ»، بينما قال الطبريّ إنّه كان من أصفهان، والقرطبيّ أشار إلى أنّه كان من مواليد اصطخر، وحسب قول ابن عدي القطّان[18]: «كان فرعون عِلْجًا من أهل همدان». إنّ فكرة أنّ هذه الشخصيّة المصريّة المهمّة كانت في الواقع إيرانيّة موجودة أيضًا في التلمود البابليّ، حيث قال الكاتب أفيتول باسم الربّ: «فرعون الذي عاش زمن موسى وهارون كان مجوسيًّا». سيبدو الأمر أكثر منطقيّةً إذا ما أضفنا هذا إلى ما سبق ذكره من وجود فرعون ونمرود في بابل وفكرة أنّ صرح فرعون كان في الواقع زقورة.
بالرغم من كونه أكثر منطقيّة، ولكنّني لا أعتقد أنّ الصرح كان زقورة، ولا أقبل أيضًا أنّه كان هرمًا. بعد هذا، لا يبقى إلّا برج بابل، ولكنّني لا أعتقد أنّه هو الصرح للأسباب التي سأذكرها الآن. إذًا ما هو الصرح؟ للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من الرجوع إلى الآيات التي ورد فيها ذكر فرعون والصرح. في كلا الآيتين، يأمر فرعونُ هامانَ أن يبني الصرح، وفي إحدى الآيتين، أُمر هامان من أجل أن يبلغ فرعون الأسباب. يظهر من هذا سؤالان؛ السؤال الأوّل هو لماذا تمّ ذكر هامان بالأساس؟ من المؤكّد أنّ فرعون القرآنيّ وفرعون التوراتيّ لم يقوما بأنفسهما بكلّ الأعمال المنسوبة إليهما، فعندما طرد فرعون الإسرائيليّين من مصر، لم يقم هو بطعن أضلاع كلّ واحد منهم برمحه، بل خدمه وجنوده المجهولة أسماؤهم هم من قاموا بذلك بالنيابة عنه. فيما يخصّ المشاريع البنائيّة، قيل إنّ فرعون بنى مُدنًا تخزينيّة باسم فيثوم ورعمسيس، ولكن من المؤكّد أنّ العمّال المجهولي الأسماء هم من قاموا بالعمل فعلا.ً لماذا إذًا لا يقول القرآن ببساطة إنّ فرعون هو من بنى الصرح؟ أمّا السؤال الثاني هو: ما هي الأسباب؟

سأبدأ أوّلًا بالسؤال الثاني لأنّه قد أجيب عليه بشكل مُقنِع. من بين الأمور التي ذُكرت في تفسير معنى الأسباب، قد تبيّن أنّ بلوغ الأسباب امتياز خاصّ كان يُمنح لمن كان يختاره الله لبلوغها. الفكرة هي أنّ الوصول إلى الأسباب، وبالتالي إلى السماوات، هو بيد الله نفسه. قد تكرّر تحدّي الله في القرآن ممن لم يكن مختارًا للوصول إلى السماوات عبر الأسباب، مع العلم أنّهم سيفشلون في ذلك. قد أذن الله لذي القرنين للسفر بواسطة الأسباب، بينما لم يؤذَن لفرعون. إنّ النقطة المهمّة في كلّ هذا مما نريده هو أنّ القرآن يقدّم بلوغ الأسباب على أنّه تحدٍّ. وهذا يقودنا إلى سؤال ذكر اسم هامان في الآيات.

قد يبدو البحث في دور هامان في بناء صرح فرعون أشبه بالإفراط في الدراسة والتعمّق، ولكن إنّ تكرار اسم هامان في هذا السياق مضافًا إلى فكرة أنّ بلوغ الأسباب كان نوعًا من التحدّي، يختزن الأدلّة الأهمّ لتحديد ماهيّة صرح فرعون. باختصار، إنّ فكرة أمر فرعون لهامان بناءَ برج يصل إلى السماوات كانت معروفة على نطاق واسع في قصّة من الشرق الأدنى ما قبل الإسلام. وهذه القصّة هي قصّة أحيقار الحكيم، وهي ذات تأثير كبير وانتشار واسع في الشرق الأدنى منذ العهد الأخمينيّ إلى القرون الوسطى، تاركةً بطريقها بصمتها على النصوص والثقافات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة. إنّ هذه القصّة المحوريّة في بحثنا تتحدّث عن تحدّي الفرعون المصريّ للحاكم الآشوريّ. فبعد أن وصلته رسالة مزيّفة من ابن عم أحيقار نادان الخائن قائلًا فيها إنّ الحكيم الشهير قد مات، تحدّى فرعونُ الأسرحدونَ الآشوريَّ أن يرسل إليه رجلًا يمكنه أن يبني له برجًا بين السماء والأرض، معتقدًا أنّهم لن يجدوا من يكون لائقًا بعد موت أحيقار؛ ولأنّه حتّى الحاكم الآشوري اعتقد أنّ أحيقار قد مات، فإنّه رشّح نادان لمواجهة التحدّي. تبيّن لاحقًا أنّ أحيقار لا زال حيًّا ومعافًى، فأُرسل إلى مصر حيث نجح في كلّ اختبارات فرعون، وتمّ توبيخ ابن عمّه الشرير.
وقد أشير إلى قصّة أحيقار تلميحًا في سفر طوبيا (القرن الثاني قبل الميلاد)، حيث يقول طوبيا لابنه: «اذْكُر يا بُنيّ كيف تعامل هامان مع أكياكاروس[19] الذي كان يعظّمه، كيف أنّه أخرجه من النور إلى الظلمة، وكيف كافأه مجدّدًا، ولكنّ أكياكاروس نجا والآخر سقط في الظلمة»[20]. تُذكّر عبارة أنّ أحشويروش قد «عظّم» ابن أخيه بما ورد في سفر إستر؛ حيث «عظّم» أكياكاروسُ هامان (راجع: سفر إستر، الإصحاح 3، الآية 1)، كما أنّ ورود ذكر أكياكاروس في بعض الآيات التي تلت (راجع سفر طوبيا، الإصحاح 14، الآية 15) يشير إلى أنّ كاتب سفر طوبيا كان يفكّر بهامان الوارد في سفر إستر. تكمن المشكلة في أنّ أغلب نسخ قصّة أحيقار، ورد اسم ابن أخيه على أنّه «نادان» وليس «هامان». إنّ هذا الخطأ من قِبَل كاتب سفر طوبيا مفهوم؛ لأنّ صيغة «فاعال» في نادان يمكن أن تصحيفها بسهولة لتصير على هيئة «هامان»، وإنّ وجوه الشبه بين ابن اخت أحيقار ووزير أحشويروش، كما مرّ سابقًا، يفسّر الالتباس.

لذلك استبدلت بعض النسخ من قصة أحيقار -في الشرق الأدنى في حقبة ما قبل الإسلام- هامان بنادان؛ كَون ابن اخت أحيقار هو من استدعاه فرعون أوّلًا لبناء برج بين السماوات والأرض، يمكننا أن نفهم لماذا ورد في القرآن أمرُ فرعون لهامان ببناء الصرح. إضافةً إلى ذلك، ممّا يفيد في بحثنا، الطريقة التي استطاع أحيقار من خلالها بناء البرج، فقد كلّف أحيقارُ حيّاكي الحبال لصنع حبلَين من القطن، طول كلّ واحد منهما ألّفا ذراعًا لحمل الولدَين اللذين كان يرفعهما النسور عاليًا في الهواء، ليتمكّنا من بناء قمّة البرج. إنّ الدور الذي تلعبه هذه الحبال الطويلة جدًّا في قصّة أحيقار تُنبئ بالدور الذي تلعبه الأسباب في صرح فرعون. حسب المفترض، فقد كانت قصّة أحيقار التي عُرفت في القرن السابع في الجزيرة العربيّة هي تلك التي يرويها طوبيا. ويمكن معرفة أنّ أحيقار كان معروفًا في الجزيرة العربيّة أيّام محمّد بالمقارنة بينه وبين الحِكَم وغيرها من الصفات المنسوبة إلى لقمان في القرآن. إنّ ما يشترك فيه أحيقار ولقمان، طبعًا، هو أنّ كليهما حكيم نموذجيّ في الشرق الأدنى، بالتالي وُصِف كلاهما بالحكيم.

كان أحيقار معروفًا بحكمته في الدوائر الموحِّدة في العصور القديمة المتأخّرة أكثر من أيّ شخص آخر، عدا استثناء واحد ربما: سليمان. ومما يثير الاهتمام أنّ سليمان هو الشخص الآخر الوحيد في القرآن الذي بنى صرحًا، وهو يبنيه في سياق يشبه كثيرًا سياق قصّتَي أحيقار وفرعون، فقد استضاف سليمانُ ملكة سبأ حسب وصف القرآن (راجع سورة النمل، الآيات: 23 إلى 44)، ودعاها إلى اعتناق دين الله، وقد اختبر أحدهما الآخر بعدّة اختبارات، وعندما وصلت إلى بلاطه، خدعها لجعلها ترفع ثوبها عبر بناء صرح يوهمها أنّها على وشك أن تخطو على الماء. وعندما أدركت أنّ سليمان قد تغلّب عليها، أسلمت لله مباشرةً، فقد كان للصرح دور مباشر ومحوريّ في قرارها بالتحوّل.
إنّ هذه القصّة القرآنيّة تعيد صدى كلّ من الرواية التوراتيّة للقاء سليمان بملكة سبأ والتفسيرات التوراتيّة لسفر إستر. ولكن ما يعنينا هنا هو العلاقة بين النسخة القرآنيّة للقصة وصرح فرعون، فإجراء أي مقارنة سطحية بين القصّتين يُظهر أنّهما نسختان مقلوبتان عن بعضهما البعض. أراد كلّ من فرعون وسليمان بناء صرح، وقد نجح سليمان وأخفق فرعون؛ وكان صرح سليمان الوسيلة التي أدّت إلى إسلام ملكة سبأ، بينما كان صرح فرعون الوسيلة التي من خلالها عبّر عن كفره بالله.

بناءً عليه، أنجز سليمان وأحيقار بنجاح التحديّات التي كانت تشتمل على بناء مبنىً يصل إلى السماوات، بينما فشل فرعون في تحدّي الله في بلوغ الأسباب عبر بناء صرح. ومن المدهش في النصوص الدينيّة من بلاد ما بين النهرين أنّه يمكن تفسير هذه النجاحات والإخفاقات من حيث مستوى ذكاء هذه الشخصيّات الثلاثة. إنّ سليمان وأحيقار معروفان بالحكمة، بخلاف فرعون. في الواقع، في تشكيكه برب موسى (وظنّه بالمقابل أنّه هو المقدّس)، يظهر فرعون نفسه حسب المعايير الإسلاميّة أنّه غبيّ وأحمق. إنّ العلاقة بين الحكمة وبناء الأبراج -أو الحِرَف اليدويّة بشكل عام- هي ميزة في ثقافة الشرق الأدنى القديم، فعبارة «أومانو» الأكاديّة تشير على حدٍّ سواء إلى الشخص الحِرَفيّ وإلى الحكيم. وقد دخل هذا المصطلح إلى معجم الموحّدين عبر التوراة العبرانيّة، حيث في سفر الأمثال الإصحاح 8، الآية 22، وُصفت الحكمة الأُم أنّها حِرَفِيّةٌ، مستخدمين العبارة الشبيهة «أمون»، وفي سفر إستر الإصحاح 2، الآية 7، حيث وردت عبارة «أومِن» لوصف الحكيم مردخاي والتي يكمن تحت شخصه ماردوك البابليّ خالق العالَم.
لا شكّ في أنّ قصّة أحيقار نشأت وحدثت في الشرق الأدنى القديم، ممّا يفسّر سبب كَون تحدّي فرعون لهامان هو بناء صرح بين السماوات والأرض، في كلّ من قصّة أحيقار وفرعون في القرآن. وقد مرّت هذه الفكرة القديمة في الشرق الأدنى عبر عدّة مراحل من التطوّر قبل أن تصل إلى القرآن. في الواقع، وُصف عيسى -والذي كان معروفًا بالحكيم كما في سفر الرومان الإصحاح 16 الآية 27، وفي كتاب آثار اليهود للكاتب يوسيفوس- في المصادر السريانيّة في العصور القديمة المتأخّرة بأنّه الـ» أرديخلا» أي المهندس. بشكل مشابه، في المزامير المانويّة من هذا العصر نفسه، استُخدمت عبارة «بان رابا» أي الباني العظيم للدلالة على الله؛ لذلك يجب ألّا نتفاجأ أنّه في ترنيمة أفرام السرياني «دي ناتيفيتاتي» نجد أنّه يُتوّقع أن ينزل عيسى إلى الأرض ويرفع برجًا يصل إلى السماء.

بعد أن درسنا قضيّة الصرح بالتفصيل، يمكننا أن نعود إلى السؤال الذي طُرح في بداية هذه المقالة ونسأل: ماذا نفهم من خلال دراسة هذه الحالة من العلاقة بين الفرعون القرآنيّ والفرعون التوراتيّ؟ إلى جانب ما هو واضح من أنّه ليس لصرح فرعون وربطه بهامان أيّ موازٍ في سيرة الفرعون التوراتيّ، فإنّ أكثر الإجابات المثيرة للاهتمام برأيي تأتي من التفسيرات التي تدعم كلًّا من التوراة والقرآن. من المدهش أنّ مفسّري القرآن المتقدّمين اتّبعوا التفسيرات التوراتيّة السابقة للإسلام أكثر ممّا اتّبعوا النصّ القرآنيّ نفسه في التشبيه بين فرعون ونمرود والخلط بين صرحَيهما. لو أنّهم اكتفوا بالقرآن، لتوصّلوا بكلّ تأكيد إلى طبقات من الاشتراك تربط بين صرح فرعون وصرح سليمان، غير ما هو معروف في الربط التوراتيّ القديم بين فرعون ونمرود. وبناءً على هذا، أقول إنّه ينبغي التمييز بين الفرعون القرآنيّ و«الفرعون المسلم». ولكن ما يشترك فيه الفرعون القرآنيّ والفرعون المسلم هو أنّ سبب وجودهما هو بلاد ما بين النهرين، فالأخير نتاج التلاقح المتبادل والتفاعل العلميّ بين المسلمين وغيرهم من الموحِّدين في العصور القديمة المتأخرة وأوائل العراق الإسلاميّ، بينما الأوّل نتاج لقصّة من بلاد ما بين النهرين، حيث كانت الحكمة وبناء الأبراج مصبوغتَين بصبغة الموهبة الإلهيّة منذ أيام الزقورات وأحيقار الحكيم. وعليه، فإنّ ما يشترك فيه الفرعونَين القرآنيّ والمسلم، وما يميّزهما عن الفرعون التوراتيّ هو أنّهما جميعًا أقلّ «مصريّةً» مما كنّا نعتقد.


المبحث الثاني: نقد المقالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
لمّا لم يجد المستشرقون في الكتاب المقدّس قصّة هامان وبناء الصرح التي ورد ذكرها في كتاب الله العزيز، راحوا يفتّشون عن مصدر لهذه القصّة، ليعرفوا من أين أتى بها النبيّ صلّى الله عليه وآله، بناءً على اعتقادهم بأنّ القرآن مأخوذ غالبًا من الكتاب المقدّس. فوجدوا -حسب ادّعائهم- أنّ هامان ذُكر مصحَّفًا في سفر طوبيا لدى الإشارة إلى قصّة نادان/ ناداب وأحيقار الحكيم، وفي كتاب إستر حيث ورد اسم هامان صراحةً. فادّعى كاتب المقالة أنّ القرآن تأثّر بهاتين القصّتين، فأنشأ قصّة هامان والصرح، وصار يسوق القرائن على ذلك.

سنبدأ أوّلًا بمناقشة قضيّة قصّة أحيقار الوارد ذكره في سِفر طوبيا، ومن ثمّ سنتطرّق إلى سِفر إستر.
اسم هامان الوارد في نصوص مختلفة
يقول الكاتب إنّ اسم هامان ورد في قصة أحيقار الحكيم على هيئة نادان، وهو يعتقد أنّ فيه تصحيفًا، خصوصًا وأنّه قد ورد في سفر طوبيا اسم هامان أو أمان بدلًا من نادان لدى إشارة نصّ السفر إليه.

ولا شكّ أنّه يوجد في قصّة أحيقار -والتي أورد الكاتب ملخّصًا عنها في المقالة- بعض الشبه بقصّة فرعون وهامان وبناء الصرح التي ذُكرت في القرآن الكريم، وهذا التشابه جعل الكاتب يستنتج أنّ هذه مستقاة من تلك، مركّزًا في بحثه على ورود اسم هامان في القصّتين. ولكنّه يمكن القول إنّ حقيقة الأمر هي: كما أنّ لفظة فرعون هي بالأصل صفة لملك مصر، وليس اسمًا له؛ كذلك هامان صفة لشخص، وليس اسمًا له. وفيما يلي توضيح ذلك.

إنّ مادّة «أ م ن» أو «ه م ن» تعني في لغات قديمة متعدّدة «الحرفة» أو «الشخص الحِرفيّ» -كما أشار الكاتب- إلّا أنّ محل بحثنا هنا بشكل رئيس اللغتان العبريّة والمصريّة القديمة التي كانت سائدة زمن فرعون وموسى(عليهم السلام) المسمّاة باللغة الهيروغليفيّة.

أوّلًا، نشير إلى معنى مادّة «أ م ن» في اللغة العبريّة، حيث نجد في المعاجم العبريّة أنّ كلمة «أومَن»[21] تعني «الشخص الحرفيّ» أو «الفنّان». وإنّ لفظة «ها» قبل الأسماء والصفات في اللغة العبريّة بمنزلة الألف واللام المستخدمتَين لتعريف النكرة في اللغة العربيّة. على سبيل المثال: كما أنّ لفظة «فنّان» مع التعريف تصير «الفنّان»؛ كذلك لفظة «أومَن» مع التعريف تصير «هاأومَن»[22].
ثانيًا: نجد في اللغة الهيروغليفيّة المنقوشة على كثير من الآثار المصريّة القديمة العائدة إلى زمن الفراعنة أنّ لفظة «هِمِن» تعني «الذي يعمل بشكل محترف»[23]، إضافةً إلى أنّنا نجد أنّ لفظة «هِمو» تعني «العامل الماهر» أو «الحِرَفي البارع»[24]، «هِم» تعني «الماهر في عمله»[25] و«هِموت» تعني «الحِرفة» و«الفنّ»[26].

وهكذا، يكون معنى لفظة هامان ضمن إطار الفنّ والحرفة والعمل والمهارة والبراعة. وبناءً عليه، لا يبعد أن يكون شخص هامان يُنادى باسم حرفته بدلًا من اسمه الحقيقيّ، كما هو حال لفظة فرعون والتي ليست اسمًا لملك مصر، وإنّما صفة له، فكما يُنادى الملك بـ«أيّها الملك» ولا يُنادى باسمه تعظيمًا له كذلك يُنادى صاحب الحرفة باسم حرفته، مثلًا: «يا فنّان»، «أيها المهندس»، «يا طبيب»، إلخ.

لذلك فإنّ مجرّد ورود لفظة هامان في نصّ ما لا يعني أنّ المراد هو هامان نفسه المذكور في القرآن الكريم، بل هي مفردة يمكن أن تنطبق على مصاديق عدّة، كما لفظة فرعون، والتي إذا ما وردت في أيّ نصّ، ينبغي البحث عن القرينة من أجل تحديد أيّ فرعون هو المقصود.

مصداقيّة كتاب إستر
استند عدد من الباحثين المستشرقين -ومنهم كاتب المقالة- على ما ورد في كتاب إستر للنيل ممّا ذكره القرآن الكريم من قصّة فرعون وهامان والصرح، فكان لزامًا التطرّق إلى مصداقيّة ومقبوليّة هذا الكتاب وقيمته من الناحية العلميّة والدينيّة لنرى مدى إمكانيّة الاعتماد على التفاصيل الواردة فيه. ولأجل هذا الغرض، سنعرض أقوال العلماء اليهود والمسيحيّين بهذا الصدد، من باب «من فمك أدينك».

يقول البروفسور المتخصّص في الدراسات اليهوديّة في جامعة هارفارد للإلهيّات جون لفنسون:
«إنّ المشاكل التاريخيّة في كتاب إستر كبيرة جدًّا إلى درجة أنّه لا يمكن إقناع أيّ شخص ليس ملتزمًا دينيًّا بالاعتقاد بتاريخيّة هذه الرواية»[27].

وقد قام بروفسور اللغة العبريّة في جامعة «ويسكونسن-ماديسون» والمتخصّص في الأدب المصريّ وعلاقته بنصوص الكتاب المقدّس مايكل فوكس بدراسة المشاكل التاريخيّة في كتاب إستر، وقد ذكر وجود العديد من الأمور غير الدقيقة، والمستحيلة تاريخيًّا في هذا الكتاب. ويخلص أخيرًا إلى نتيجة سلبيّة، يقول فيها:
«إنّ وجود العديد من المميزات التي تجعل هذا الكتاب أقرب إلى كونه اسطورةً، إضافةً إلى الكثير من الأمور غير الدقيقة وغير قابلة للتصديق؛ كلّ هذا يجعلنا نشكّ في تاريخيّة هذا الكتاب»[28].
كذلك، يقول لويس بايتون في دراسته النقديّة حول كتاب إستر بعد عرضه للأدلّة الداعمة والمعارضِة:
«بعد هذا العرض، لا يوجد أيّ سبب يجعل المرء يعتقد بوجود أصل تاريخيّ لكتاب إستر»[29].
كما ذكرت «الموسوعة اليهوديّة العالميّة» تحت عبارة «إستر» تفسيرًا تاريخيًّا لما ورد في كتاب إستر ووضعته في سياق يختلف عمّا زعم بعض المستشرقين، إذ تقول:

«إنّ أغلبيّة العلماء يعتبرون الكتاب روايةً رومانسيّة تعكس العادات في العصور القديمة المتأخّرة عبر وضعها في قوالب قديمة». ثمّ تضيف: «ما يجعل هذا الكتاب أقرب إلى قصة رومانسيّة منها إلى رواية تاريخيّة: أسلوب الكتاب نفسه، وصياغته الأدبيّة، والملاءمة (الغريبة) في الأوضاع المذكورة فيه. حتى إنّ بعض العلماء يُرجع أصل هذا الكتاب إلى أصل غير يهوديّ بالكامل، وحسب رأيهم، الكتاب عبارة عن إعادة صياغة إمّا لقصة انتصار الآلهة البابليّين ماردوك (مردخاي) واشتار (إستر) على الآلهة العيلاميّين هومان (هامان) وماشتي (وشتي)، أو لهزيمة المجوس من قبل داريوس الأوّل، أو حتّى لمقاومة البابليّين لحكم أرتحششتا الثاني»[30].

كذلك، ورد في موسوعة أخرى باسم «الموسوعة اليهوديّة» المطبوعة منذ أكثر من مئة عام تأكيد على أنّ الكتاب مجرّد قصّة خياليّة:
«إنّ أغلبية النقّاد توصّلوا إلى نتيجة أنّ الكتاب مجرّد أدب قصصيّ خياليّ»[31].

ويتحدّث كتاب «التعليق على الكتاب المقدسّ» الصادر عن «إصدارات المجتمع اليهوديّ» بشكل صريح عن المبالغات وعدم واقعيّة القصّة في كتاب إستر، واصفًا القصة بأنّها «هزليّة»، قائلًا:
«إنّ اللّغة كما القصّة مليئة بالمبالغات وتوحي بالإفراط. على سبيل المثال: الأعداد المبالغ فيها (127 محافظة فارسيّة، حفلة مدّتها 180 يومًا، وتجمّل وتبرّج مدّته 12 شهرًا، وعرض هامان منح جائزة قدرها 10 آلاف من الفضّة، وتدٌ ارتفاعه 50 ذراعًا، 75 ألف جنديًّا معاديًا مقتولًا)... إنّ الكاتب لم يكن بصدد كتابة التاريخ أو محاولة إقناع جمهوره بواقعيّة قصّته (على الرغم من أنّ قرّاءه المتأخّرين اعتبروها كذلك)... كلّ هذه الأمور تُشعر بأنّ القصّة هزليّة»[32].

ويتحدّث آرثور بيك في تعليقه على الكتاب المقدّس عن تاريخيّة الشخصيّات والأحداث المذكورة في كتاب إستر ويصف الكتاب بأنّه رواية ليس لها أيّ أساس تاريخيّ. ويرجّح أن أسماء إستر وهامان وفاس ومردخاي بالأصل تشير إلى آلهة بابليّة وعيلاميّة:
«من المتّفق عليه بين العلماء المعاصرين أنّ كتاب إستر تمّ تأليفه كرواية قصصيّة بعد فترة طويلة من عهد أحشويروش ولا أصل تاريخيًّا له... يمثّل مردخاي الإله البابليّ الكبير ماردوك، وإستر تمثّل ايشتار الإلهة البابليّة الكبيرة والتي كانت ابنة عم ماردوك. توجد بعض الأسماء الأخرى غير الواضحة، ولكنه ذُكر إله عيلامي مسمّى هومان أو هومبمان وإلهة عيلاميّة باسم ماشتي. قد يكون هذان الاسمان يقفان وراء اسمَي هامان وفاشتي»[33].

وكما قال غيرهم من المؤلّفين، ذكر مؤلّفو كتاب «التفسير الجديد للكتاب المقدّس» أنّ كتاب إستر هو مجرّد خيال قصصيّ يحتوي على بعض العناصر التاريخيّة الواقعيّة، وقد ذكروا الأخطاء التاريخيّة الواردة في الكتاب، مستدلّين بها على عدم تاريخيّة الكتاب:

«رغم أنّه تمّ هدر الكثير من الحبر من أجل إثبات أنّ كتاب إستر أو بعضه له أساس تاريخيّ، إلا أنّه من الواضح أنّ الكتاب عمل خياليّ يتضّمن بعض العناصر التاريخيّة الواقعيّة... من بين الوقائع المزيّفة في الكتاب:

1. زوجة أحشويروش كان اسمها آمستريس، وكانت زوجته طيلة فترة حكمه[34].
2. لا يوجد ذكر في التاريخ على الإطلاق أنّ وزير أحشويروش كان اسمه هامان أو مردخاي (أو أيّ شخص غير فارسيّ آخر).
3. لا يوجد في التاريخ أنّ مجزرةً عظيمة حدثت في عهد أحشويروش قُتل فيها الآلاف من الناس.
كتاب إستر ليس كتابًا تاريخيًّا، رغم محاولة الكاتب أن يبدو كذلك»[35].
كما لم يسلم كتاب إستر من انتقاد علماء الروم الكاثوليك، فقد وصف كتاب «تعليق جيروم على الكتاب المقدّس» كتابَ إستر بأنّه «قصّة خياليّة» وكتابٌ تمّ تعديله كثيرًا عبر التاريخ:

«يبدو واضحًا من المغالطات التاريخيّة والصدف غير المألوفة وغيرها من الخصائص التي لها علاقة بالتراث الشعبيّ، أنّ الكاتب لم يكن ينوي كتابة التاريخ... بناءً عليه، الكتاب هو أسطورة احتفاليّة لعيد الفَور»[36].
ومن الملفت أنّ كتاب «التعليق الكاثوليكيّ الجديد على الكتاب المقدّس» يشير إلى أنّ الكتاب يتمتّع بالمصداقيّة لدى من يعتقد أنّه جزء من الكتاب المقدّس فقط، ويتحدّث عن المشابهة بين الأسماء الواردة في الكتاب وأسماء آلهة وإلهات بابليّة وعيلاميّة:

«حسب الظاهر، لا يمنح الكثير من الناس المصداقيّة لإستر من ناحية تاريخيّته، إلّا لأنّه جزء من الكتاب المقدّس و«الكتاب المقدّس صحيح». ومن حقّ المرء أن يتساءل عن الشبه بين اسم إستر واسم الإلهة البابليّة ايشتار، وبين اسم مردخاي واسم الإله ماردوك، ممّا يجعل المرء مضطرًا أن يبحث عن مصدر القصّة من بين أساطير الآلهة العيلاميّة»[37].
حتى إنّ مارتن لوثر يعتبر نفسه عدوًّا كبيرًا لكتاب إستر، وتمنّى أنّه لو لم يصل إلينا؛ لأنّه يحتوي على الكثير من الأمور غير الطبيعيّة[38].

إذن، اتضّح سقوط كتاب إستر عن الاعتبار وفقدانه للقيمة العلميّة وعدم صلاحه للاعتماد عليه في كلّ ما أورده الكاتب من «تساؤلات»، وإنّ التشابه الحاصل بين قصّة فرعون وهامان وبناء الصرح وما ورد من قصّة شبيهة في كتاب إستر لا يعدو كونه تشابهًا، لا أنّه أحدهما مصدر للآخر.
هذا فضلًا على أنّ قصّة إستر إذا ما تدبّرناها، فإنّنا سنجد أقسامًا مشتركة عديدة مع قصّة السيدة آسية زوجة فرعون، حيث كانت كما إستر زوجةً للملك تكتمُ إيمانَها:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[39].

ومردخاي الذي كان يعمل لدى الملك أيضًا يكتم إيمانه كمؤمن آل فرعون:
(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)[40].

وكان لهامان الوارد في قصّة إستر جنودٌ كما كان لهامان زمن موسى(عليه السلام)، كما ذكر عزّ وجلّ:
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)[41].
وحذوًا على طريقة الكاتب في نسبة القرآن إلى مصادر أقدم منه، يمكننا القول إنّ قصة إستر أُخذت من قصة السيِّدة آسية(عليه السلام) كونها أقدم منها، ومن المحتمل أن يكون كاتب قصة إستر تأثّر بقصّة موسى(عليه السلام) وفرعون إجمالًا ومرّر القصة بمصفاة يهوديّة لجعلها تتلاءم مع مفردات وشخصيات الكتاب المقدّس وتنسجم مع تعاليمه.

فهل يقبل الكاتب وأمثاله من المستشرقين بهذا النمط من الاستدلال؟

العلاقة المزعومة بين صرح فرعون وبرج بابل
يذكر القرآن الكريم أنّ فرعون أمر هامان ببناء صرح له لبلوغ أسباب السماوات والاطّلاع على إله موسى، وزعم الكاتب أن ثمّة شبهًا بين هذا الصرح وبرج بابل والهدف منهما.
إلّا أنّه يمكن استنتاج من كلام بعض المتخصّصين في الشأن المصريّ القديم أنّ فكرة اعتلاء فرعون لصرح أو برج مرتفع للوصول إلى إله موسى ينسجم مع الأساطير المصريّة القديمة، فقد كان فرعون يأمر أعوانه (أو الآلهة حسب الأسطورة) ببناء سلّم له أو برج من أجل اعتلائه والحديث مع الآلهة:
«واقفًا أمام الآلهة، كان فرعون يظهر سلطته، فيأمرهم ببناء سلّم ليتمكّن من الصعود إلى السماء، وفي حال لم يطيعوه كان يحرمهم الطعام والمعونة، إّلا أنّ الملك كان يحذر أمرًا معيّنًا، فقد كان يقول إنّه ليس هو كشخص من يتحدّث، بل القوّة المقدّسة، فيقول: ليس أنا من يقول هذا الكلام لكم أيّتها الآلهة، بل هو السحر الذي يتحدّث.
وبعد أن ينهي فرعون صعوده، يكون السحر تحت قدميه، فيقول مؤكّدًا: «السماء ترتجف، والأرض تتزلزل أمامي، فأنا ساحر، وأنا أمتلك السحر». وهو أيضًا من يضع الآلهة في عروشها مثبتًا أنّ الكَون كلّه يعترف بقدرته اللامتناهية»[42].

ومن الملفت أنّ تنصّل فرعون من المسؤوليّة الشخصيّة عمّا يأمر به وإسناده إلى قوّة غيبيّة مثبت في القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه:

(... قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[43].
فهو لا يأمر بناءً لقرار من عنده، بل حسب معطيات يحصل عليها من مصدر خارج ذاته، فرأيه في الأمور تبع لما يراه، وهنا وجه الشبه مع ما ذُكر أعلاه بأنّه ليس هو من يتكلّم، بل هو السحر، أي مصدر خارجيّ.

كذلك، ما ذُكر آنفًا من اعتبار أعوان فرعون أنفسهم آلهةً، فقد ورد في القرآن الكريم أنّ ملأ فرعون كانوا يرون أنّ قوم موسى يعبدونهم، وبالتالي، يعتبرون أنفسهم آلهةً لهم:

(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)[44].
واحتار الكاتب في معنى الأسباب، وقال إنّها منحةٌ إلهيّةٌ خاصّةٌ يمنحها الله لمن يشاء؛ ولذلك كان بلوغ الأسباب بمثابة التحدّي لفرعون، ومن هنا شبّه الصرح ببرج بابل الذي كان الهدف منه تحدّي الله عزّ وجلّ حسب ما ورد في تفاسيرهم لقصّة البرج. ويُردّ عليه:
أوّلًا: إنّ السَّبَبُ لغةً هو الطريق الذي به يوصل إلى المراد[45]، وكلّ شيء يوصل إلى غيره[46]، فيكون معنى الآية «لعلّي أبلغ طرق السماوات فأطّلع إلى إله موسى».
ثانيًا: إنّ المشابهة الموجودة بين القصّتين (الصرح وبرج بابل) لا تعني بالضرورة أنّها قصّة واحدة، فقد ثبت أنّ فكرة الصعود إلى السماء متداولة في أكثر من حضارة، كما يقول عالِم المصريّات الشهير والمتخصّص في الأهرامات المصريّة إيورورث إدواردز:
«لم يكن المصريّون القدامى الشعب الوحيد في الشرق الأوسط الذي كان يعتقد أنّه يمكن الوصول إلى الجنّة والآلهة عبر اعتلاء أبنية مرتفعة، فقد كان هذا الاعتقاد سائدًا في بلاد ما بين النهرين. وفي وسط كلّ مدينة آشوريّة أو بابليّة، توجد منطقة مقدّسة فيها معبد أو قصر ملكيّ»[47].
ثالثًا: لم ينطلق فرعون في فكرة بناء الصرح من شعوره بأنّ إله موسى(عليه السلام) تحدّاه للوصول إليه، بل يتّضح من الآية نفسها التي استفاد منها الكاتب أنّ هدف فرعون لم يكن الوصول إلى الله تعالى لكسب هذا التحدّي المزعوم، وإنّما لإثبات كذب موسى(عليه السلام) وأنّه ليس من إله غيره.

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)[48].
إنّما كانت دعوة موسى(عليه السلام) لفرعون أن يطيعه في ترك بني إسرائيل والسماح لهم بمرافقته وألّا يعذّبهم، وجاءه من عند الله بكلّ الآيات ليصدّقه، ولكنّه كذب وأبى، فأغرقه الله لتكذيبه الرسول لا بسبب نيّته بناء الصرح، بخلاف ما ورد في قصّة برج بابل، حيث زعمت أنّ الله عزّ وجلّ غضب على أهل بابل عندما أرادوا بناء البرج.

(فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ)[49].

الخلاصة
إنّ مشكلة المستشرقين في مقاربتهم للنصوص القرآنيّة أنّهم ينطلقون من فكرة أنّ القرآن ليس نصًّا أصيلًا، كونهم لا يعتقدون بأنّه وحيٌ، وإنّما هو مأخوذ من العهدَين وغيرهما من المصادر السابقة عهدًا عليه أو المعاصرة له الموجودة في أماكن جغرافيّة مختلفة، فيبحثون عن أصول النصوص القرآنيّة في تلك النصوص الأخرى لتفسير كيفيّة نشوئها، ويعمدون إلى التسرّع في التوصّل إلى نتائج غير يقينيّة لمجرّد وجود وجه شبهٍ ما سواء في الأسماء أو تفاصيل القصّة؛ لذلك يبدو كلامهم غير مستقيم علميًّا وأشبه بالرجم بالغيب، وأدلّتهم ركيكة إلى درجة أنّها تتناقض مع بعضها بعضًا.

على أيّ حال، خلاصة الكلام في الردّ على هذه المقالة أنّه من العجيب كيف أغفل من اعتمد على كتاب إستر عدم تاريخيّته، ولم يتطرّقوا إلى البحث في صحّته ولو من باب الإشارة، بل تغاضوا عن مشاكل الكتاب الكبيرة، وتجاوزوا ذلك إلى مضمون قصّته للتعرّض إلى القرآن الكريم والتشكيك به، ولا يمكن تفسير هذا التغافل إلّا في سياق خباثة نوايا هؤلاء في طرحهم لهذه الأفكار التشكيكيّة، وإن تلطّوا خلف الكلام العلميّ والأسلوب الراقي الخالي من الكلمات المستفزّة للطرف الآخر بشكل مباشر.
فبعد إثبات عدم تاريخيّة كتاب إستر، يسقط اعتبار ما أورده الكاتب من أدلّة ومصادرات على المطلوب استنتجها من مقارنة قصّة إستر مع القصص القرآنيّة. واستنادًا إلى تفسير معنى كلمة هامان من حيث مادّتها «ه م ن»/ «أ م ن» في اللغة المصريّة القديمة والعبريّة بأنّها تعني الحرفة أو الفنّ أو العامل الماهر، رجّحنا كون اللفظة صفة لحرفة الشخص المنادى بهامان وليس اسمه الحقيقيّ؛ وعليه إذا وردت كلمة هامان في نصّ ما، فهناك حاجة إلى قرينة للقول إنّ المقصود هو هامان الذي كان على عهد موسى(عليه السلام).

لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
التوراة.
ابن منظور، محمد بن مكرم، «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد، «كتاب العين»، دار الهجرة، العراق، الطبعة الثانية، 1410هـ.

لائحة المصادر الأجنبيّة
Adler, Cyrus, “The Jewish Encyclopedia, 12st ed., Funk & Wagnalls, London - New York, 1905, Volume 5.
Berlin, Adele, The JPS Bible Commentary: Esther, 2st ed., The Jewish Publication Society, Philadelfia, 2001.
Black, Matthew; Rowley, Harold Henry, ‘Peake’s Commentary On The Bible’, Thomas Nelson and Sons Ltd, 1962.
Brown, Peter, ‘The World of Late Antiquity’ Thames Hudson, 1sted., London, 1971.
Budge, Wallis, ‘An Egyptian Hieroglyphic Dictionary’, hemen, London, volume 1, 1920.
Edwards, Iorwerth, “The Pyramids of Egypt”, Viking, New York- USA, 1985.
Fox, Michael, ‘Character And Ideology In The Book Of Esther’, 1991.
Fuller, Reginald, ‘A New Catholic Commentary On Holy Scripture’, 2st, ed., Thomas Nelson & Sons, London, 1969.
Jacq, Christian, “Egyptian Magic”, 1st ed., Aris & Phillips Ltd. & Bolchazy-Carducci Publishers, Chikago-USA, 1985.
Keck, Leander, The New Interpreter’s Bible: General Articles & Introduction, Commentary, & Reflections For Each Book Of The Bible, Including The Apocryphal/ Deuterocanonical Books», Volume 3, Abingdon Press, Nachfil- USA, 1994,
Landman, Isaac, The Universal Jewish Encyclopaedia, volume 4, The Universal Jewish Encyclopaedia Inc, 3st ed., New York, USA, 1941.
Levenson, John, ‘Esther: A commentary” SCM Press Limited, London, 1997.
Luther, Martin, "Table Talk", 1st ed., Harper Collins Publishers, London, 1995.
Paton, Louis, "A Critical And Exegetical Commentary On The Book Of Esther" 1992, London, T. & T. Clark: Edint.
موقع موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com.

--------------------------------------
[1](*)-المقالة تأليف المستشرق اليهوديّ آدم سيلفرشتاين (Adam Silverstein) وهي موجودة تحت عنوان:
"The Qur’ānic Pharaoh"، في كتاب: «وجهات نظر جديدة حول القرآن - القرآن في سياقه التاريخيّ (الجزء الثاني)»؛
New Perspectives on the Qur’an; The Qur’an in its historical context 2, p467-477.
(**)- عضو الهيئة التدريسيّة في جامعة المصطفى العالميّة.
(***)- باحث في الفكر الإسلاميّ، لبنان.
[2]- أي المصريّين بالعبريّة.
[3]- العصور القديمة المتأخّرة هي الفترة الممتدّة من القرن الثالث الميلاديّ إلى الثامن ميلاديّ (أي إلى زمن الفتوحات الإسلاميّة)، حسب ما ورد في كتاب «العالم في العصور القديمة المتأخّرة» لبيتر براون/
Brown, Peter, ‘The World of Late Antiquity’ Thames Hudson, 1sted., London, 1971.
[4]- James Kugel.
[5]- سورة القصص، الآية 38.
[6]- سورة غافر، الآية 37.
[7]- راجع التوراة، سفر الخروج، الإصحاح الأول، الآية 11.
[8]- التوراة، سفر التكوين، الإصحاح 11، الآيات 1 إلى 9.
[9]- Ludovico Marraci.
[10]- Wheeler.
[11]- Rubin.
[12]- راجع: سفر التكوين، الإصحاح 11، الآيتين 7 إلى 9.
[13]- راجع: ابن حوقل، مساكل وممالك، ص244. (توثيق الكاتب)
[14]- سورة النحل، الآيتان 26-27.
[15]- راجع: الحمويّ، ياقوت، معجم البلدان، ص447-450. (توثيق الكاتب)
[16]- Kevin van Bladel.
[17]- راجع: المطهّر بن طاهر، المقدسي، كتاب البدء والتاريخ المنسوب تأليفه لابن زيد أحمد بن سهل البلخي، ج3، ص81-82. (توثيق الكاتب)
[18]- القطّان، ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، ج3، ص917. (توثيق الكاتب)
[19]- أكياكاروس اسم أحيقار باليونانيّة.
[20]- سفر طوبيا، الإصحاح 14، الآية 10.
[21]- אומן.
[22]- האומן.
[23]- Budge, Wallis, ‘An Egyptian Hieroglyphic Dictionary’, hemen, London, volume 1, p447, 1920. (تحت لفظة)
[24]- م.ن، ص483، تحت لفظة "hemu".
[25]- م.ن، تحت لفظة "hem".
[26]- م.ن، تحت لفظة "hemut".
[27]- Levenson, John, ‘Esther: A commentary” p23, SCM Press Limited, London, 1997.
[28]- Fox, Michael, ‘Character And Ideology In The Book Of Esther’, p131- 139, 1991.
جامعة كارولاينا الجنوبيّة، الطبعة الأولى، الولايات المتحدة الأمريكيّة.
[29]- Paton, Louis, ‘A Critical And Exegetical Commentary On The Book Of Esther’, p64-77 , 1992, London, T. & T. Clark: Edint.
[30]- Landman, Isaac, The Universal Jewish Encyclopaedia, volume 4, p170, The Universal Jewish Encyclopaedia Inc, 3st ed., New York, USA, 1941.
[31]- Adler, Cyrus, The Jewish Encyclopedia, 12st ed., Funk & Wagnalls, London- New York, 1905, Volume 5, p235- 236.
[32]- Berlin, Adele, The JPS Bible Commentary: Esther, 2st ed., The Jewish Publication Society, Philadelfia, 2001, p27 -28.
[33]- Black, Matthew; Rowley, Harold Henry, ‘Peake’s Commentary On The Bible’, p381, Thomas Nelson and Sons Ltd, 1962. (نسخة منقّحة)
[34]- وليست إستر هي الزوجة اليهوديّة للملك أحشويروش التي أنقذت اليهود من قبضة هامان وزير أحشويروش كما ورد في كتاب إستر.
[35]- Keck, Leander, The New Interpreter’s Bible: General Articles & Introduction, Commentary, & Reflections For Each Book Of The Bible, Including The Apocryphal/ Deuterocanonical Books, Volume 3, Abingdon Press, Nachfil- USA, 1994, p859.
[36]- عيد الفور أو البوريم، وتعني القرعة، وهو يوم خلاص اليهود من المذبحة التي أراد هامان وزير الملك أحشويروش القيام بها، وقد تمّ تحديد يوم المذبحة عبر القرعة، إلّا أنّ زوجة الملك إستر هي من أنقذت اليهود وتسبّبت بإعدام هامان، حسب ما ورد في كتاب إستر. (راجع: موسوعة بريتانيكا (www.britannica.com)، كلمة «Purim»).
[37]- Fuller, Reginald, «A New Catholic Commentary On Holy Scripture», 2st, ed., Thomas Nelson & Sons, London, 1969, p408- 409.
[38]- Luther, Martin, «Table Talk», 1st ed., Harper Collins Publishers, London, 1995, p14.
[39]- سورة التحريم، الآية 11.
[40]- سورة غافر، الآية 28.
[41]- سورة القصص، الآية 8.
[42]- Jacq, Christian, “Egyptian Magic”, 1st ed., Aris & Phillips Ltd. & Bolchazy-Carducci Publishers, Chikago-USA, 1985, p11.
[43]- سورة غافر، ذيل الآية 29.
[44]- سورة المؤمنون، الآيات 45-47.
[45]- الفراهيدي، الخليل بن أحمد، «كتاب العين»، ج7، ص204، دار الهجرة، الطبعة الثانية، العراق 1410هـ.ق.
[46]- ابن منظور، أبو الفضل، «لسان العرب»، ج1، ص485، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ.ق.
[47]- Edwards, Iorwerth, “The Pyramids of Egypt”, Viking, New York- USA, 1985, p302.
[48]- سورة القصص، الآية 38.
[49]- سورة المؤمنون، الآية 48.