البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الرِّحلات النسائية وشغف المغامرة رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير إلى بلاد المغرب الأقصى سنة 1910م-1911م (نموذج فريد في الكتابة الرِّحليَّة النِّسائيَّة الفرنسيَّة حول مغرب ما قبل الحماية)

الباحث :  د. عادل بن محمد جاهل
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  36
السنة :  خريف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 31 / 2023
عدد زيارات البحث :  4257
تحميل  ( 691.785 KB )
الملخّص
تسعى هذه الإسهامة العلميَّة بالدَّرجة الأولى، إلى تسليط الضَّوء على جانب من الرِّحلات الاستكشافيَّة الفرنسيَّة، بصيغة المؤنث، لبلاد المغرب الأقصى، قبيل انتصاب نظام الحماية الأجنبيَّة بسنة واحدة لا غير، من خلال نموذج رحلي فريد، ممتع ومفيد، يتعلَّق الأمر هنا برحلة الكاتبة الباريسيَّة الشَّابة رينولد لادريت دو لاشاريير، رفقة زوجها عالم الجيولوجيا المعروف المسمَّى جون جاك لادريت دو لاشاريير، والرَّحَّالة المذكورة تُعدُّ من المستكشِفات الأوروبيِّات القلائل، اللَّواتي لا يأبهن أبدًا بالأخطار، ومفاجآت السَّفر، واقتحام أماكن محظورة، وطرق الأبواب الموصدة، والجدران الصَّماء، والفضاءات المتمنِّعة كثيرًا عن النَّصارى، والأجانب بشكل عام. وهكذا، قدَّمت لنا هذه الرَّحَّالة صورة الآخر المغاير/ المغربي، عبر نظرتها الخاصَّة؛ إذ إنَّنا نجد الصُّور الإيجابيَّة للذَّات، والآخر المغربي المختلف، إلى جانب الصُّور، والرُّؤى، والتَّمثُّلات النَّمطيَّة السَّلبيَّة. هذا، وتشتمل هذه الورقة البحثيَّة على مجموعة من المباحث، حاولنا من خلالها التَّعريف بهذه الرِّحلة الرَّائدة، وبصاحبتها، وسياقها التَّاريخي، إضافة إلى تحديد مرامي الرِّحلة، والخلفيَّات الَّتي انطلقت منها الرَّحالة، ناهيك عن محاولة استجلاء الصُّور، والانطباعات، والمواقف الَّتي خلَّفتها المستكشفة الباريسيَّة بشأن المغرب والمغاربة، وتحديدًا في مرحلة ما قبل التَّغلغل الرَّسمي للقوى الأوروپيَّة، والحماية الفرنسيَّة، والإسبانيّة.

الكلمات المفتاحيَّة: الكتابة الرِّحليَّة النِّسائيَّة الفرنسيَّة، العقد الأوَّل من القرن العشرين الميلادي، المغرب، رينولد لادريت دو لاشاريير، الصوَرلوجيا، التنكُّر، الخوف، الاختراق السِّلمي.

المقدِّمة
وصل الشَّغف الأوروپي ببلاد المغرب الأقصى، خلال النِّصف الثَّاني من القرن التَّاسع عشر للميلاد، إلى حدِّ الجنون والوله؛ بحيث أضحت الأسفار، والرِّحلات إليه، أكثر من أيِّ وقت مضى، وقد أسهم تطوُّر وسائل النَّقل، والمواصلات ساعتذاك، وبخاصَّة الوسائلَ البحريَّة (السُّفن والبواخر)، إسهامًا فعَّالًا في تسهيل مهام أولئك الرَّحّالين، وعشاق المجهول، المعلنة وغير المعلنة؛ إذ أتاحت لهم إمكانيَّة الانتقال السَّريع لأيِّ مكان في العالم، وبفضل هذه المستحدثات التِّقنيَّة الهائلة وغيرها، تقاطر على الإمبراطوريَّة الشَّريفة كوكبة معتبرة من المغامرين، والمستكشفين، من كلِّ عرق، ودين، وملَّة، ولون، حاملين معهم مجمل مبتكرات الحضارة الغربيَّة الرَّأسماليَّة، من أفكار، وتقنيِّات، وعادات، وأطماع استعماريَّة-استخرابيَّة. كل كان يحرِّكه هدف معين، ويسعى جاهدًا إلى غايته المنشودة، ربَّما كان الثَّراء، أو الرِّبح، أو المجد، أو الشُّهرة، أو المغامرة، أو الكشف العلمي، أو التَّبشير، أو الجوسسة، أو غير ذلك. بيد أن الجديد، والمدهش حقًّا الَّذي ميَّز كثيرًا مرحلة العقد الأوَّل من القرن العشرين للميلاد، هو قيام بعض النِّساء من أوروپا الغربيَّة بزيارة هذا البلد الشَّمال الأفريقي، ومشاركتهم الفعَّالة إلى جانب شقائقهن الرِّجال في عالم الاستكشاف وارتياد المجهول، وهو ما لم يكن معتادًا بالمرَّة على مدار سنوات وعقود ما قبل فرض نظام الحماية الأجنبيَّة على المغرب. واللَّافت للانتباه، أكثر من هذا وذاك، أنَّ هؤلاء الرَّحالات المغامرات كنَّ بلا استثناء تقريبًا ينتمين إلى عائلات ثرية مرفَّهة، ومثقفة (بنات القضاة، والأساتذة الجامعيِّين، والدِّبلوماسيِّين، والمهندسين، والصِّحفيِّين، والأطَّباء، ورجال المال والأعمال، ...، إلخ). ويمكن أن نشير في هذا الباب، إلى رحلة الكاتبة الباريسيَّة الشَّابة رينولد لادريت دو لاشاريير؛ بحيث مثَّل اسمها بحق اسمًا لامعًا بين أسماء المستكشفات الأوروپيَّات، اللَّواتي زرن بلاد المغرب الأقصى، خلال الرُّبع الأوَّل من القرن العشرين للميلاد، وعلى وجه التَّحديد بين عاميْ 1910م و1911م، مستطلعة مجاهله، وأسراره، وبيئته، راصدة مظاهر، وجوانب الحياة، والعادات فيه، بعين الأجنبيَّة الرَّاصدة المتلهفة الَّتي تلتقط كلَّ شيء تصادفه أمامها بالدَّهشة، والشَّغف، والانبهار، وتدوِّن كلَّ ما تراه، وتسمعه بروح الموضوعيَّة العلميَّة طورًا، وبالمبالغات، والطُّروحات المتأثِّرة بما ترسَّب في الذِّهنيَّة الأوروبيَّة عبر تاريخ طويل ممتدٍّ، من نظرة إلى الشَّرق (شرق ألف ليلة وليلة) بسحره، وطلاسمه، وغموضه، وعقليَّاته، وتراثه الباهر، ممزوجة بكلِّ ما هو أيروسي، وطريف، وغير مألوف، طورًا آخر. إنَّ هذه الرِّحلة المشوِّقة، والمثيرة بلا شك، الَّتي لم تخضع بعد لقراءة تاريخيَّة، وثقافيَّة متأنيَّة، وهادئة، تعدُّ بدون منازع من النَّماذج النَّادرة والمتفرِّدة، في مجال الكتابة الرَّحليّضة النِّسائيَّة الأوروبيَّة، وكمصدر، ورافد ممتاز لإغناء المعرفة التَّاريخيَّة حول «بلاد البارود»[2]، المغموس في سباته العميق، المنغلق في وجه الأجانب، الَّذي ظلَّ يعيش على الهامش، إنَّه مغرب ما قبل فرض نظام الحماية، هذا البلد العريق السَّاحر، الَّذي يعبق بأريج التَّاريخ، الَّذي قيل عنه إنَّه موجود خلف القمر، وينتمي إلى عالم شرقي عتيق، يبهر العقول، ويأسر الألباب، ويبعث على الدَّهشة، والعجب، والحيرة؛ لم يتبدَّل قطعًا منذ قرون مديدة، وسنين عديدة. جرت وقائع هذه الرِّحلة الاستكشافيَّة الطَّريفة، أو «المغامرة الحمقاء»[3]، كما وصفها القبطان الفرنسي ماريوس شيسنو (Marius Chesneau)، في سياق تاريخي متقلِّب، وحرج، ومتشنِّج، وحسَّاس؛ فقد تمَّت، وشمس الحضارة ببلاد المغرب الأقصى على أطراف النَّخيل[4]، فتعارضت فيها معاينة الواقع البئيس مع استحضار الماضي المجيد، وحفلت بنعوت التَّحقير، ومشاعر النُّفور، والتَّسليم بعثرة الجدِّ، واليقين بالخراب المبين. لقد عبَّرت هذه الرَّحالة المحبِّة للاستطلاع، والمغامرة، والمفاجأة، في أكثر من مكان وموضع، عن شوق عارم لاستكناه خبايا مجال المغرب الأقصى المعتم، وجمع أسرار هذا المجتمع المغربي المحمَّدي الغريب الأطوار، الَّذي يوشك سحره، وجماله، وبهاءه، ورونقه على الاندثار والزَّوال، وتقديمها في طبق من ذهب لأبناء جلدتها، ورثة أنوار، وأفكار الثورة الفرنسيَّة، خدمة لأهداف جمهوريَّتها التَّوسُّعيَّة، تمهيدًا لاحتلال هذا البلد الشَّمال الأفريقي، عند المناسبة السَّانحة واللَّائقة[5]. هذا، وقد تمكنت هذه المستكشفة، القادمة من قارة أوروبيَّة إمبريالية عجوز، تعرف بالمعنى الخالص للكلمة ثورة علميَّة وفكرية، من تسليط بعض الأضواء الكاشفة على دروب، وعتمات قضايا تاريخيَّة كان يعتقد إلى عهد قريب أنَّها تخدش الذَّاكرة، وأنَّها مشوبة، وظواهر اجتماعيَّة، وأنثروپولوجية نائية مثيرة، وحارقة، عالم «المحظورات»، و«الطَّابوهات»، و«الممنوعات»، غير مطروقة بكيفيَّة، أو بأخرى في الكتابة التَّاريخيَّة السَّرديَّة المحليَّة التَّقليديَّة؛ بحيث إنِّها غيَّبتها، ونفتها بعيدًا إلى هوامش «المحرم»، و«المسكوت عنه»، و«غير المرغوب فيه». ومما زاد من قيمة وأهميَّة هذه الرِّحلة النَّفيسة كثيرًا، كونها عالجت مسائل تاريخيَّة حيويَّة، لم تكن تخطر على بال الكثير مَن تقدَّم من الكتَّاب والمؤرِّخين، وظواهر اجتماعيَّة أخرى عذراء قلَّما خدشها القلم التَّاريخي المغربي عصرئذ، لا مهرب، ولا مفرَّ لمحترفي التَّاريخ الاجتماعي، أو أصحاب الصَّنعة التَّاريخيَّة اليوم، من ضرورة اقتحامها، وكشفها، وإبرازها، وتوضيحها، إنصافًا لهذه الذِّهنيَّة العامَّة المطموسة، والذَّاكرة المغربيَّة الجماعيَّة المقموعة، واحترامًا لها في الوقت ذاته كذلك. إنَّ ما قدَّمته هذه المُغامِرة الباريسيَّة من بيانات، وعلامات، وتلميحات، عن مغرب ما قبيل فرض نظام الحماية الأجنبيَّة عليه، رغم التَّحفُّظ الَّذي يمكن أن نبديه حيالها، والمؤاخذات الكثيرة الَّتي يمكن أن نوجهها لها، ستظلُّ وستبقى منجمًا غنيًّا بمعطيات، ومعلومات أوَّليَّة خام، يقتطف من ثمرها، وزهرها الباحث التَّاريخي، ويقتني من دررها، ولآلئها الباحث السوسيولوجي، خاصَّة في ظلِّ غياب الوثائق، والمستندات، والمصادر الإخباريَّة الأهليَّة المباشرة، الخاصَّة بالموضوعات، والقضايا الَّتي تناولتها وعالجتها، هذه الزَّائرة الفرنسيَّة المغمورة، بالوصف، والتَّحري، والاستقصاء. فمن هي إذن صاحبة هذه المدوَّنة ا الرِّحلية الرَّائدة؟ وما هي حيثيَّات وظروف وملابسات الرِّحلة؟ وأين تكمن أهميَّتها العلميَّة؟ وهل أمكننا الحديث هنا عن نموذج رحلي فريد ونوعيَّة خاصَّة من حيث المنظومة الرِّوائية، أم أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون فقط إعادة إنتاج لما سبق ولحق من نصوص رحليَّة، خضعت لخطاب تنميطي مماثل من حيث المكوِّنات البنائيَّة، والعناصر السرديَّة؟ ثم ماذا الَّذي لفت نظر هذه الرَّحالة الباريسيَّة أكثر في البلاد المغربيَّة؟ وما تمثَّلاتها عن عادات، وثقافات المجتمع المغربي، قبيل انتصاب نظام الحماية الأجنبيَّة؟ تلكم أهمُّ الأسئلة المركزيَّة الَّتي سنحاول الإجابة عنها بتفصيل، في قادم سطور هذه الإسهامة العلميَّة.

أوَّلًا- التَّعريف بالرحَّالة رينولد لادريت دو لاشاريير وكتاب رحلتها
I: مقتطفات من سيرة المستكشفة رينولد لادريت دو لاشاريير
يحسن بنا، قبل كلِّ شيء، الإشارة إلى أنَّ ما توافر لدينا من بيانات، ومعطيات إخباريَّة، لا تتناسب إطلاقًا ومكانة هذه المستكشفة الباريسيَّة المبدعة، وما قامت به من مغامرات خطيرة، وما أدَّته من أدوار كبيرة، باستثناء بعض التَّفاصيل المقتضبة، والطَّفيفة، والعجلى، الَّتي استجمعها الباحث الفرنسي رولان لو بيل (Roland le Belle)، في كتابه المرجعي القيِّم الموسوم بـ(الرحَّالة الفرنسيِّون في بلاد المغرب)، الَّذي هو في الأصل دروس ميدانيَّة، ألقاها على طلبته في «المعهد العالي للدِّراسات المغربيَّة» بالرباط (Institut des hautes études marocaines)[6]، خلال العقد الثَّالث من القرن الميلادي العشرين[7]. وهكذا، أنارت لنا إشاراته الخبرية تلك السَّبيل للتَّنقيب من جديد، عن جوانب من مسار حياة هذه الرَّحالة الغامضة والمبهمة. ومن بين المعلومات الشَّحيحة الَّتي ذكرها، في هذا الخصوص، قوله إنَّ هذه المستكشفة القادمة آنذاك من باريس الَّتي تضمُّ «العجائب والغرائب الَّتي لا يقدر العقل على حصرها ولا اللِّسان الفصيح على نشرها»[8]، تعدُّ أوَّل امرأة فرنسيَّة يتاح لها ليس فقط الوصول إلى بلاد المغرب الأقصى؛ بل التَّجوُّل في أنحائه، ومدنه، وقراه، ومداشره، وقبائله، لمدَّة سنتين قبل إقامة نظام الحماية، كما فعلت هي متوغلة عميقًا في مناطقه الجنوبيَّة، المحرَّمة، والمتمنِّعة عن النَّصارى وقتذاك؛ بحيث إنَّنا نجد إلى حدود سنة 1840م لم يكن بمقدور الرَّحالة، تجاوز حدود المنطقة المحصورة في شكل مثلَّث بين طنجة، وتطوان، والعرائش، اللَّهم بعض الانسلالات السَّريعة، والخاطفة أقصاها مدينة رباط الفتح[9]، قال العلَّامة محمد المختار السُّوسي، في معسوله، بعد كلام طويل: «إنَّ النَّاس في ذلك الوقت [يقصد مطلع قرن العشرين للميلاد] لم يألفوا أن يروا بينهم أيَّ أجنبي كيفما كان [في سوس والصَّحراء]»[10]. وحتَّى من استطاع التَّوغل في ذلك الوقت من هؤلاء وأولئك الأجانب في هذه المجالات القاصية، وهو أمر لا يحدث غالبًا إلا نادرًا وبالصدفة فقط[11]، فقد «كانت الصَّيحات تتعالى عند مرورهم هناك، والصُّبيان يقذفونهم بالحجارة»[12]، الشَّيء الَّذي فرض على الرَّحالة رينولد لادريت دو لاشاريير، والحالة هذه، ومن رافقها ساعتها في رحلتها المريبة تلك، التَّنكر، والتَّخفي في الزَّي المحلي، وأسمال الفقراء السَّائحين، حتى لا يلفتوا أنظار المغاربة إليهم على الإطلاق، آخذين هنا بنصيحة أحد المتعاونين المغاربة من منطقة سوس اسمه سي العَرْبِي، قالت الرَّحالة في هذا الصَّدد: «أوصانا سي العرْبي بالتَّنكر في زي مغربي؛ لأنَّ الأهالي الَّذين لم يسبق لهم رؤية أوروپي، لن يتردّدوا أبدًا في قتلنا. وأضاف قائلًا: إنَّ سكان تارودانت، بدورهم، لا يرغبون في دخول أيِّ مسيحي لمدينتهم»[13]. وتأسيسًا على ما سلف ذكره، أمكن لنا القول بلا أدنى مجازفة، إنَّ هذه الرَّحالة الأجنبيَّة هي إذن أوَّل زائرة كولونياليَّة من قارة أوروپا بصفة عامَّة، ومن فرنسا بصفة خاصَّة، تغلغلت في مجال المغرب العميق المنسي، يضاف إلى ذلك أنَّها صاحبة الفضل الأكبر، في ظهور وإخراج أول رحلة بـ(صيغة المؤنث)، ضمن أدب الرِّحلة المغربيَّة المعاصرة[14]. ولا بأس من التَّذكير، بهذا الصَّدد، بأن رينولد لادريت دو لاشاريير قد رافقها في رحلتها هاته، أو لنقل مغامرتها المغربيَّة المثيرة، أربعة رجال، تفاوتوا في الحظوظ، وتباينوا في الأحوال، منهم الطَّباخ المسمَّى (الحدّاوي)، والمترجم المدعو (بن الجّيلالي)، والخادم الملقَّب بـ(لكْبير)، ومخزني للحراسة إنَّه (المعْطي)، ناهيك عن خمس بغال لحمل الأمتعة، وآخران للرُّكوب، هذا دون نسيان زوجها المسمى جون جاك لادريت دو لاشاريير (Jean Jacques Ladreit de Lacharrière)، عالم الجيولوجيا المعروف، والعضو البارز في لجنة أفريقيا، والَّذي كان مكلّفًا بمهمَّة خاصَّة في الإمبراطوريَّة الشَّريفة، خلال المدَّة الَّتي كانت فيها البحريَّة الفرنسيَّة تحتلُّ بلاد الشَّاوية. يضاف إلى جانب هذا وذاك، أنَّ هاته المستكشفة الفاتنة، رغم جمال وجهها المثير، وجسدها الفارع الحسن، وشعرها الأشقر الغزير، كانت رحَّالة رقيقة، مسكونة بالفضول، وحبِّ الاستطلاع، جسورة من دون تبجُّح، وحسَّاسة من دون بهرجة، وتجتمع فيها كلُّ خصال الإنسان الأصيل، كما كانت حسب بعض المعلومات الطَّريفة الملتقطة، تتقن جيّدًا التَّسديد بالبندقيَّة، مثلما كانت ماهرة في ركوب الخيل ورياضتها[15]. وقد أُعجب المرافقون من المغاربة بمروِّضة الجياد هاته، لِما شاهدوه من قدرتها الفائقة على الرَّكض، وهي منتصبة على ركابات فرسها، وعندما كانت تصيب طيور الحجَل بدقَّة متناهية مثل رَجُل، وتصفِّر على كلبها (السلوقي)، آمرة إيَّاه بالتقاط صيدها، كان المغاربة الَّذين يشاهدون ذلك المشهد اللَّطيف، والطَّريف في آن واحد، لا يصدقون أعينهم البتة، وكانوا يعلقون هكذا مذهولين، مشدوهين، متحيرين: «أيُّ بلد [فرنسا] هاته! الَّتي ترمي فيها النِّساء الطَّرائد وتسعى الكلاب للإتيان بها!»[16]، وهو الأمر الَّذي أكسبها صيتًا إضافيًّا في ميدان الفروسية، والشَّجاعة، والقوَّة، والبراعة.

هذا، وقد كانت هذه الشَّابَّة المغامِرة تبدِّد بعنفوانها، وسحرها، وجاذبيَّتها، أهوال الطَّريق، وعناء السَّفر، ومشاق غربة الوطن الأم، وفراق متع الحضارة الغربيَّة الحديثة المغرية، وآلام وعذابات المرض المزمن[17]، إنَّها تتقن بشكل عجيب فنَّ الإنصات، والإصغاء إلى الآخر، وإلى الرأي الآخر، ولا يفوتها أبدًا أيُّ تفصيل مهما كانت قيمته بسيطة وجزئيَّة، إلَّا وأحصته بألمعيَّة، وفطنة عزِّ نظيرها. ولولا ذلك ما استطاعت أن تُقدِم على رحلة بريَّة طويلة المسافات، على وقع حوافر الخيول المندفعة، وقرقعة العجلات الَّتي يتردَّد صداها من كلِّ حدب وصوب، تحت وهج أشعة الشَّمس الحارقة، وهواء الصَّباح البارد العابث، في بلد قيل عنه إنَّه: عجيب، وغريب، وبعيد، وعتيق[18]. وعلى غير هدى من دون سابق تخطيط، تقف حينًا على ربوة جميلة، وحينًا في منبسط ممتدٍّ، أو في واحة رطبة بهيجة، أو في حديقة جميلة نضرة غنَّاء من الأشجار، وبخضرة بديعة، أو في بستان زكي الرَّائحة طيِّب الثِّمار، أو في إحدى الممرَّات الضَّيِّقة السَّادرة، أو في المناطق الثَّلجيَّة السَّاحرة، والجبال العالية الخلَّابة، تقضي ليلها بعد عناء سفر طويل ومنهك، في خيمتها البيضاء المحكمة الصُّنع، تتأمَّل القمر المنير، والنُّجوم السَّاهرة وهي تسبح في أفلاكها بين ساطع وخافت، ودان وقاص، في اللَّيالي المغربيَّة الأفريقيَّة الفاتنة، غير عابئة بالمرَّة بما يخبِّئه لها الغد ولا القدر. ومهما كان هذا الحلم جميلًا ومغريًا وساحرًا، فقد اصطدمت هذه الشَّابة الباريسيَّة الطَّموحة بصخرة الواقع المرِّ، وبالمعضلات والتَّحديات الَّتي تصحب السَّفر، مهما كان ممتعًا، وشائقًا، ومبهجًا، لا سيَّما إذا كان عبر «بلاد البارود»، بلاد المغرب الأقصى، المنزوي في عزلته، المنطوي على نفسه، الَّذي يرفض إطلاقًا تسليم أسراره. بيد أنَّ هوس الاكتشاف والتعرُّف إلى جمال مجال المغرب الأقصى، وأجناسه متعدِّدة الأصول، وتنوع عوائد وتقاليد أناسه، واختلاف أنساقهم الذِّهنيَّة المعياريَّة، وعشقها اللَّامحدود للمغامرة، والمجازفة، والمخاطرة، رَبَا على كلِّ هذه الصِّعاب والمعيقات، وبدد كلَّ المخاوف، وكلَّ المآزق، وكلَّ عناصر القلق والضِّيق؛ لأنَّ هذه المستكشفة الباريسيَّة الَّتي كانت تبحث ساعتئذ عن اللَّامعقول في الطَّبيعة، والبشر بالبلاد المغربيَّة، كانت معسكرة فوق سرج مركوبها، مسلحة بالإصرار، والإقدام، والعناد، والبندقيَّة. وكيفما كان الحال، فقد اقتحمت هذه الرَّحالة غمار كلِّ هذه المخاطر المهولة، ودروب الدَّهشة والخوف، بهمَّة عالية، وإرادة جبارة لا ترى لها مقرًا[19]، وكانت تقول بعد التغلُّب، والانتصار على تلك العقبات الكأداء الصَّعبة الاجتياز: «يا له من إحساس جميل عندما رأيت حلمي يتحقَّق، نبضات قلبي متسارعة، وتقاسيم وجهي تنقبض، لأكف الدُّموع الَّتي تترقرق في عيني فرحًا»[20]. لقد كان هاجس الرحَّالة الأوحد من كلِّ هذا وذاك، هو الحصول على معلومات دون وسائط، ضمانًا للسِّريَّة التامَّة، وتلافيًا لأيِّ ارتياب، أو توجُّس[21]. إنَّ هذا هو مجمل ما نتوفر عليه من إفادات بيوغرافيَّة، بشأن هذه المستكشفة الباريسيَّة الأعجوبة، الَّتي تهوى المجهول، والمغامرة، والمخاطرة، وطرق الأبواب الموصدة، والجدران الصَّماء.

II: كلمة عن السِّياق التَّاريخي لمقدم رينولد لادريت دو لاشاريير إلى بلاد المغرب الأقصى
حدثت وقائع رحلة المُغامِرة الباريسيَّة رينولد لادريت دو لاشاريير الاستكشافيَّة إلى بلاد المغرب الأقصى، في بداءات القرن العشرين للميلاد، وبالضَّبط سنة (1910م-1911م)، وهي المرحلة الَّتي كانت فيها شمس الحضارة المغربيَّة تميل نحو المغيب، إنَّها مرحلة ما قبيل فرض نظام الحماية الفرنسيَّة، والإسبانيَّة بسنة واحدة لا غير، هذه المدَّة التَّاريخيَّة شديدة التَّعقيد، والفلتان، والتَّناقض، عرف فيها هذا البلد حينذاك مجموعة من الأحداث الجِسام، أشَّرت بكيفيَّة، أو بأخرى إلى قرب سقوطه في دوامة الاحتلال الأوروبي الإمبريالي؛ بحيث شهد البلد المذكور خلال هذه الظَّرفيَّة العاصفة من تاريخه، الَّتي اختلط فيها الحابل بالنَّابل، والأبيض بالأسود، مجموعة متعدِّدة من القلاقل الدَّاخليَّة من فئات اجتماعيَّة، وإثنية متنوِّعة، شعرت بالحرمان، أو الاضطهاد، أو الضِّيق، أو الذُّلِّ، أو الهوان، كما عرفت البلاد كذلك في الوقت ذاته عدَّة هزائم عسكرية متتابعة، وانكسارات دبلوماسيَّة مسترسلة، ونكبات اقتصادية متتالية، أزالت كلُّها في تلكم المدَّة الحرجة حجاب الهيبة عن المغرب، أو بالأحرى ما تبقَّى منها[22]، كما تردَّد ذلك في مختلِف صفحات كتابات المدَّة التَّاريخيَّة قيد الدَّرس. وهكذا، «اختلَّ النِّظام وضاع الأمن وفسدت الأخلاق، وضاعت الفضيلة والأمانة، وتكالب النَّاس على الرِّياسات الوهميَّة وجمع الحطام. وتسلَّط على مناصب الدَّولة كلَّ دخيل جاهل، فجر ذلك إلى تلاشي الدَّولة العزيزية، وتتابعت المحن والظُّلم حول المغرب»[23]. وفي خضمِّ هذه التطوُّرات المتسارعة والخطيرة للغاية، بدأت ترتسم معالم حركة شعبيَّة شاملة، جمعت تيَّارات عديدة، ومتباينة من عامَّة النَّاس ومن أوساط الخاصَّة، والنُّخبة العالمة المتنوِّرة. وكان القاسم المشترك الَّذي ميَّز هذه التَّيارات الشَّعبيَّة آنئذ، هو أنَّها كانت مدفوعة بإرادة مشتركة، تتطلَّع للدِّفاع عن الذَّات، والهويَّة المغربية، ولإنقاذ المغرب من الاحتلال الغربي، وإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان. وبرزت عن هذه التَّيارات الشَّعبيَّة المذكورة ظواهر حدَّدتها أهمُّها: الدَّعوة للجهاد كفعل شعبي، والدَّعوة لإصلاح المفاسد كفعل متعقِّل ومنظَّم، وكضرورة حتمية لمواجهة التَّحديات الخارجيَّة المتعاظمة[24]. وليس من محض الصُّدفة، والحالة هذه، أن تتمَّ مبايعة السُّلطان المولى عبد الحفيظ (1908م-1912م) سلطانًا للجهاد، من أجل تحرير المغرب من الاحتلال، والمحافظة على استقلاله. لكن الضُّغوط، والأطماع التوسعيَّة الأوروپيَّة المتزايدة بشكل عام، والفرنسيَّة على وجه التَّخصيص، أسهمت إسهامًا كبيرًا في إفشال كلِّ محاولات الصُّمود هذه، في وجه الهيمنة الإمبرياليَّة الغربيَّة المجنونة. بالإضافة إلى ما سبق ذكره، لا بدَّ من الإشارة هنا أيضًا، إلى أنَّ فرنسا قد مهَّدت لمعاهدة الحماية داخليًّا بواسطة الصُّحف، والتَّشكيلات السِّياسيَّة في البرلمان، ودوليًّا عن طريق مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906م). وأعطى مقتل الطَّبيب إيميل موشام (Émile Mauchamp) يوم 19 مارس 1907م في حمراء مراكش[25]، واغتيال بعض المغاربة الغاضبين من بلاد الشَّاوية، عشية يوم 30 يوليوز 1907م، تسعة عمَّال أوروبيِّين (ثلاثة فرنسيين، وثلاثة إسبان، وثلاثة إيطاليِّين)، وهم مستخدَمون في أشغال ميناء الدَّار البيضاء، قلت أعطت تلك الاغتيالات الفرصة للحكومة الفرنسيَّة لتطبيق مخططها، والمعدِّ سلفًا منذ أواخر القرن التَّاسع عشر للميلاد، والرَّامي إلى احتلال المغرب الأقصى واستغلاله؛ بحيث اهتاجت الصَّحافة الرَّاديكاليَّة، وطالبت حينذاك بتعويض مدوٍّ، وسارعت الجيوش الفرنسيَّة إلى احتلال وجدة، والدَّار البيضاء في السَّنة نفسها (1907م)[26]. وكان من مظاهر هذا التَّدهور الخطير أن اضطر السُّلطان المولى عبد الحفيظ في العاصمة فاس، إلى التَّوقيع على «معاهدة الحماية» بتاريخ 30 مارس 1912م، الَّتي توَّجت سلسلة الضُّغوطات، والمؤامرات الأجنبيَّة الشَّرسة على المغرب الأقصى، منذ بداءة القرن الميلادي التَّاسع عشر. وقد وصف الفقيه والمؤرِّخ عبد الله كنون الحسني استقبال المغاربة خبر الاتِّفاق الفرنسي المغربي المذكور أعلاه، بقوله: «ولم يكن الإعلان عن عقد الحماية بالخبر العادي، فقد وقع وقوع الصَّاعقة على المواطنين، في الحضر والبدو، والجبل والسَّهل. وكانت البلاد تغلي كالمرجل للأخبار والشَّائعات الَّتي سبقت هذه الحماية، أو صاحبتها. وبعض النَّاس يظنُّون أنَّها مساعدة تقنيَّة، أو استشاريَّة، ولكن السَّواد الأعظم لم يكن راضيًا عنها، حتَّى بهذه الصِّفة»[27]. وقد علَّق المصلح الثَّائر، والكاتب الموسوعي الفقيه محمد بن المؤقت المراكشي هو الأخر على هذه الانتكاسة العظيمة غير المنتظرة، بقوله: «هذه هي الأمة الَّتي كانت الدُّول العظام تؤدِّي لها الجزية عن يد وهي صاغرة، وصار أهلها يرون بقاءهم في التزلُّف إلى أعدائهم. أليس هذا أعظم بلاء نزل. ثمَّ ما سبب هذا الهبوط، وما علَّة هذا الانحطاط؟»[28]، ويجيبنا هذا الفقيه عينه عن هذا السُّؤال الصَّعب والعسير، بقوله: «فالأمم الَّتي يصيبها الذُّل والهوان إنَّما يصيبها ما أصابها بسبب هجر تلك الُّسنن ومعاداتها. فالله تعالى لا يغيِّر ما بقوم من عزَّة، وقدْر، وجاه، وأمن، وراحة حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم، من نور العقل، وصحَّة الفكر، والاعتبار بفعل الله في الأمم السَّابقة»[29].

III: نظرة عن مرامي رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير إلى بلاد المغرب الأقصى
يظهر جليًّا من إشارات وعلامات خبريَّة عديدة متوافقة، أنَّ رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير الاستكشافيَّة إلى بلاد المغرب الأقصى، الَّتي تنتمي إلى جنس طريف من أدب الرِّحلة، وطرافته هنا تكمن في أن بطلته امرأة، كانت ترمي إلى هدف وحيد آنذاك، هو استكشاف مجال المغرب الأقصى، المراد السَّيطرة والانقضاض عليه، هذا البلد القريب من أوروبا الغربيَّة النَّصرانيَّة، وغير المعروف بما فيه الكفاية[30]؛ بحيث إنَّنا نكتشف كلَّ هذا وذاك، بالجلاء والوضوح، على لسان زوج المستكشفة الباريسيَّة، المسمى جون جاك لادريت دو لاشاريير، المومأ إليه أعلاه؛ إذ قال في هذا الخصوص، بعد كلام طويل، ما يلي: «عبرنا المغرب الغربي مرَّتين سنة 1910م و1911م؛ فكانت الرِّحلة الأولى استكشافًا للمناطق الموجودة شمال الأطلس، بدءًا من الشَّاويَّة في اتِّجاه مراكش، إلى حدود مشارف الأطلس الكبير»[31]. ويضيف، كذلك، في السِّياق ذاته، قائلًا: «أما الرِّحلة الثَّانية، فقد قادتنا بحماس إلى المناطق البكر انطلاقًا من سوس، وانتهاءً بفاس فلم تكن رحلة استكشافيَّة لموكب مغامر وسط اضطرابات كثيرة فحسب، بقدر ما كانت، أيضًا، ساعات متعة تُوِّجت بجمع معلومات مهمَّة، وملاحظات دقيقة»[32]. ولا بد أن نذكر، في هذا الباب، كذلك، أنَّ هذه الرِّحلة الثَّانية كانت مدعومة هذه المرَّة من طرف وزارة التَّعليم العربي (قسم الجغرافيا). قالت الرَّحالة رينولد لادريت دو لاشاريير، في هذا الصَّدد: «ها نحن من جديد مقبلون على الحياة الجميلة، ومدعوون للتَّحليق في سماء البلاد، فقد قرَّرت اللَّجنة المغربيَّة أن تجدِّد من جديد بعثة زوجي، مدعومًا هذه المرَّة من وزارة التَّعليم العربي قسم الجغرافيا»[33]. إنَّ ما ساعد كثيرًا هذه الرَّحالة المُغامِرة، في مهمَّتها الاستكشافيَّة، والاستطلاعيَّة الرَّائدة هاته، هي طريقتها الخاصَّة، والفريدة في التَّعامل مع السَّاكنة المحليَّة، لنستمع في هذا الجانب مرَّة أخرى إلى الباحث الفرنسي رولان لوبيل، المشار إليه سابقًا، حيث قال هنا ما يلي: «وقد ساعدها لطفها، ورقتها على اختراق كثير من الأبواب الَّتي كانت موصدة في وجه الأجنبي، وبفضلها سيتاح لنا أن نقتحم حميميَّة المجتمع النِّسائي. وبالإضافة إلى زيارتها لحريم الباشا الكلاوي، تنفتح أمامنا صفحات غير مسبوقة حول حياة النِّساء المغربيَّات»[34]. وهي كلُّها أماكن وفضاءات مغربيَّة مثيرة وغامضة، كانت في ذلك الزَّمن محرَّمة كثيرًا على الغرباء.

IV: التَّعريف بكتاب رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير وبأهميَّته العلميَّة وقيمته التَّوثيقيَّة
لا مشاحة من القول إنَّ رحلة الباريسيَّة رينولد لادريت دو لاشاريير، تعدُّ من بين الأعمال العظيمة القدر والأهميَّة، حول مغرب ما قبيل فرض نظام الحماية الفرنسيَّة، والإسپانيّة، خاصَّة وأنَّ صاحبة التَّأليف أرَّخت للإمبراطوريَّة الشَّريفة، في مدَّة كانت حبلى بأحداث جسام، لعلَّ أبرزها الهجمة الإمبرياليَّة الأوروبيَّة الشَّرسة عليها، وممَّا زاد من أهميَّة وقيمة هذه الرِّحلة الطَّريفة والشَّائقة، هي الطَّريقة والمنهجيَّة الَّتي اعتمدتها المُؤَلِّفَة، أثناء تحرير صفحاتها ومضامينها، والقائمة أساسًا على المشاهدة والعيان، والوصف الدَّقيق لأحوال المغرب الأقصى الَّتي زارته المستكشِفة، وخبِرت شؤونه من كثب. ويكفي أن يلقي المرء إطلالة سريعة على مضامين الرِّحلة، ليتأكَّد من قرب جودةَ الموضوعات الَّتي عالجتها هذه الرَّحالة الفرنسيَّة، بأرقى أساليب التَّعبير. لذلك، ليس غريبًا إذا لاحظنا أنَّ الدَّوائر الاستعماريَّة، والعلميَّة الفرنسيَّة، تنعتها بأنَّها «أوّل فرنسيَّة يتاح لها ليس الوصول إلى المغرب؛ بل التَّجوُّل في أنحائه كما فعلت، متوغِّلة عميقًا في مناطقه الجنوبيَّة لمدَّة سنتين قبل إقامة الحماية»[35]. وعلى إثر ذلك، دوَّنت في رحلتها المغربيَّة مشاهداتها، ومعايناتها بأسلوب دقيق ومشوِّق، ومسحة جماليَّة، وفنيَّة قلَّ نظيرها[36]. لعلَّ ما يثير الانتباه، حقًّا، في هذا الصَّدد، كذلك، هو أنَّ رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير المغربية، تعدُّ فريدة في بابها، متميِّزة على غيرها؛ بحيث لم تكن ممزوجة بالخيال والسَّذاجة، كما لم يغلب عليها روح المغامرة والإثارة، ولم يكتنفها الكثير من الغموض، غموض بلاد المغرب الأقصى، عندما حاول الرُّواد الأوائل اقتحامه، أو الكتابة عنه. وينبغي ألَّا يغيب عن الأذهان، في هذا السِّياق، أيضًا، أنَّ صاحبة هذه المدوَّنة الرِّحلية المثيرة بلا شكٍّ، كانت خبيرة، ومتمكِّنة من مادَّتها المعرفيَّة، عارفة بخباياها وأسرارها، سابرة لأغوارها ومجاهلها، كيف لا، وهذه الرَّحالة «كانت تسجِّل كلَّ يوم ملاحظات طازجة بوحي من تأثير اللَّحظة، ومن هنا خلوِّها من كلِّ ادِّعاء، واتِّسامها فوق ذلك بالجمال والروعة (...) هذه اليوميَّات تقوم باستعادة جيَّدة للأجواء والسَّاعات الطوال من المشي على مر الأيَّام المتعاقبة من دون منغِّصات، والزَّمن الَّذي ينبغي صرفه، وكلِّ تفاصيل السَّفر الصَّغيرة، من لحظة الانطلاق إلى نقطة الوصول. إنَّنا لسنا أمام صفحات فارغة قطعًا (...) إنَّها يوميَّات الحقبة البطوليَّة»[37]. على أنَّ ما يسترعي انتباهنا، أكثر، في هذا الباب، هو أنَّ هذه المدوِّنة الرِّحلية الأنثويَّة رغم أنَّها تمَّ تأليفها بتوجيه خاصٍّ، من طرف الدَّوائر الاستعماريَّة الفرنسيَّة، إلَّا أنَّها تحمل في طاياتها ومضامينها، نسبة كبيرة من الدِّقة والموضوعيَّة العلميَّة، عكس بعض الكتابات الكولونياليَّة الأيديولوجيَّة الأخرى، الَّتي غابت الحقائق عنها، أو غيَّبتها هنا عن عمد، أو قصور، لدواعٍ إمبرياليَّة مكشوفة، أملتها الظرفيَّة، والمرجعيَّة، والمصالح الاستعماريَّة، الشَّيء الَّذي جعلها بكيفيَّة أو بأخرى، تسقط في الكثير من التَّناقضات، والمزالق العلميَّة، إضافة إلى تكريسها تلك النَّظرة الاستعلائيَّة النَّمطية المتحاملة، المبنيَّة أساسًا على التَّفوُّق الغربي، وعلى هيمنة الحضارة الغربيَّة الرَّأسماليَّة. وكلُّ هذا وغيره من أجل خدمة أجندة «الاحتلال»، و«الاستغلال»، و«الاستثمار»؛ بحيث صوَّرت السَّاكنة المحليَّة، كأجناس «متوحِّشة»، و«همجيَّة» تارة، و«رجعيَّة»، و«متخلِّفة» تارة أخرى، تعيش خارج نطاق التَّاريخ، وتفتقد إلى «الحضارة»، و«المدنيَّة»، وبالتَّالي، وجِب إخراجها من عتمة «البدائيَّة» إلى دائرة ضوء الحضارة الأوروبيَّة «المتقدِّمة». إنَّ الملاحظة الرَّئيسة، الَّتي لا بد من إبرازها وكشفها هنا، هي أنَّ رحلة المُغامِرة رينولد لادريت دو لاشاريير، هي عبارة عن تحرِّيات، واستطلاعات ميدانيَّة مكثَّفة، ومسترسلة، بالغة الدِّقة، وعالية الضَّبط، كما استغلَّت أيضًا مجمل الرِّوايات الشَّفهيَّة المتواترة، ممَّن لهم خبرة، وتجربة بالمجال، وطبيعة وسيكولوجية الإنسان المغربي، من: فسيان، وقبطان، وسفراء، وقناصل، وباشوات، وقياد، وشيوخ، وتجار، وخلفان، وزطاطة، ورقاصة، وكبراء علماء الوقت[38]، ...، إلخ. الَّشيء الَّذي جعل من هذا المتن الرِّحلي النَّادر، عبارة عن تسجيلات وثائقيَّة حيَّة، تُصوِّر بدقَّة متناهية ما يثير الملاحظة حقًّا؛ بحيث قلَّما نجد لها نظيرًا في باقي مصادر تاريخ المغرب الأقصى المباشرة، سواء المحليَّة منها، أو الأجنبيَّة. لكن، ورغم أهميَّة هذا المصنَّف الرِّحلي في التَّأريخ لبلاد، ومجتمع المغرب الأقصى، إلَّا أنَّنا نجده ظلَّ لحقبة طويلة جدًّا، مغمورًا، خامل الذِّكر، بعيدًا من كلِّ إشارة[39]؛ لأسباب عديدة ومتمايزة، منها أنَّ الكتابة التَّاريخيَّة الكولونياليَّة مثَّلت الغطاء الأيديولوجي للمخطَّط الاستعماري، وأداة لتجسيد مشروعيَّته[40]، ثمَّ لأنَّ هذه النَّوعية من الكتابة الكولونياليَّة تتضمَّن بين دفَّتيها مجموعة من الأحكام الجاهزة، والصُّور المزيَّفة الَّتي روَّجتها هذه الأخيرة[41]. هذا إضافة إلى صعوبة الوصول إلى هذه المصادر النَّفيسة الَّتي تبقى في المجمل حبيسة، ومنسية على رفوف الخزانات، والرَّبائد الأجنبيَّة.

ثانيًا- وقائع من الحياة الاجتماعيَّة والمعيشيَّة في بلاد المغرب الأقصى كما صوَّرتها رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير
I: الكساء واللِّباس
يتراءى لنا من خلال معطيات الرَّحالة رينولد لادريت دو لاشاريير الغميسة، أنَّ لباس معظم المغربيَّات يتكوَّن في غالب الأحيان من القفطان الشَّبيه بقفطان الرِّجال، ويضعْن فوقه «تشامير»، وهو عبارة عن قطعة ثوب خفيفة. وتتكوَّن «اللِّبسة» الواحدة من ثلاث، أو أربعة ألبسة مختلفة. لكن تكون واحدة منها مميَّزة يوم الجمعة. وليس للفقيرات بطبيعة الحال سوى لباس واحد، يغسلنه للمناسبات والأعياد. وقميص اللَّيل يُسمى «التشامير»، لكن من دون إضافات تذكر، ولا يلبس الثَّوب الأسود مطلقًا. وتشتري المرأة قطعة من الثَّوب، وتصنع منها لوحدها قفاطين، أو توكِل الأمر لخياطة محترفة، غالبًا ما تكون يهودية تزور زبائنها. هذا ويظهر من إشارات الرَّحالة أنَّ استعمال آلة الخياطة، شاع بشكل لافت للانتباه في السَّنوات الأولى من القرن العشرين للميلاد، لا سيَّما عند الخيَّاطين المحترفين[42]، كما اندهشت الرَّحالة كثيرًا عندما رأت آلة الخياطة تستعملها إحدى النِّساء المغربيَّات العاديَّات، قالت في هذا الصَّدد: «كانت زوجة سي محمَّد قويَّة جدًّا، ترتدي قفطانًا من نوع مسلين، فوق رأسها منديل «ذرة» ملوَّنة، فجأتنا باستعمالها آلة خياطة»[43].

II: التَّغذية والعادات الغذائيَّة
من أولى الملاحظات الَّتي لحظتها رينولد لادريت دو لاشاريير عن المغرب الأقصى، هي المأكولات، والأطعمة، والعادات الغذائيَّة، ولم يفتها التَّأكيد هنا أنَّ هذه العادات هي متشابهة إلى حد كبير، في مختلف حواضر، وبوادي بلاد المغرب الأقصى، الَّتي تمكَّنت من زيارتها، والتَّجوُّل فيها آنذاك، وفي هذا الخصوص قالت: «إنَّ المغاربة يستيقظون مع طلوع الشَّمس. الوجبة الأولى عبارة عن فطور عصري، مكون من الحريرة المطبوخة بالبيض، والزَّعفران، والزِّبدة، وأحيانًا من اللَّحم. ويقدَّم في السَّاعة العاشرة فطور الكسرة كما يدل على ذلك الاسم»[44]. وتضيف بأنَّ الخبز هو المكوِّن الغذائي الأساس، في النَّسق الغذائي المغربي، ثمَّ الزِّبدة، واللَّحم المفروم، والقطبان، والشَّاي. وهكذا، «في حوالي السَّاعة الثَّانية والنِّصف يقدَّم وجبة الغذاء (لغذا) من ثلاث، أو أربع أطباق من لحم الغنم والدجاج والحمام. وفي السَّاعة الثَّامنة، أو التَّاسعة مساء يتناولون كثيرًا من اللَّحم والكسكس والشَّاي»[45]. وتقدَّم هذه الوجبات الدَّسمة عادة في جوٍّ عائلي تسوده روح المحبَّة، والألفة والوئام، والأطباق تكون متعدِّدة أو قليلة، حسب المستوى الاجتماعي، والمكانة الاقتصاديَّة. والوجبات الأساس هي «لَغْذَا» و«لَعْشَا»، وغالبًا ما يقدَّم الشَّاي قبل هذه الوجبات، أو بعدها، «وهو شراب وطني مكوَّن من الشَّاي الأخضر، والنَّعناع والسُّكَّر»[46]. هذا ونقلت الرَّحالة للقارئ الأوروپي بصفة عامَّة، والفرنسي بصفة خاصَّة، الشَّغوف بالتَّطلُّع إلى معرفة طريقة، وكيفيَّة تحضير مشروب الشَّاي عند المغاربة، وكذا مختلِف الطُّقوس المتَّبعة عند إعداده وتحضيره؛ بحيث كتبت في هذا الجانب الكلام الآتي: «ووضع ربُّ المنزل الماء ليغلي، وبعد أن وضع حبوب الشَّاي في البراد أفرغ عليه الماء، وتركه فوق النَّار لمدَّة، ثم أضاف السُّكَّر والنَّعناع، أفرغ قليلًا من السَّائل للتذوُّق، وكان يضيف السُّكر كلَّما لزم الأمر، وعندما اطمأن لمذاقه رفع البراد إلى أعلى، وصبَّ الشَّاي في كؤوس مصفوفة، وكان يقطع عمليَّة الصَّبِّ بفنيَّة عالية، والعادة شرب ثلاث كؤوس من الشَّاي الَّذي يعدُّ تقليدًا محترمًا عند الأهالي. تسند مهمَّة إعداده لرجال مخصوصين يتقنون تحضيره بطقوس موروثة»[47]. وتضيف المستكشفة، في الصَّدد ذاته: «ولا تقدَّم القهوة إلَّا نادرًا، ولكن تقدَّم لنا معطَّرة عند بعض الأعيان»[48]. وتُخبرنا الرَّحالة كذلك أنَّ المغاربة مغرمون كثيرًا باللَّبن خاصة مع الكسكس (الطْعَامْ)، الأكلة الأكثر انتشارًا بين الفقراء، والأغنياء على حدٍّ سواء، وهو «عبارة عن دقيق السَّميد، أو الشَّعير الَّذي تتولَّى النِّساء إعداده بأنفسهنَّ. ورغم ذلك تصدَّر مارسيليا الكسكس المعدَّ للطَّهي. وتكون حبَّات الكسكس بحجم أعين الغربال الَّذي مرَّت منه، ويطهى الكسكس على البخار في إناء فوق طنجرة يوضع فيها لحم الخروف. وهناك عدَّة طرق لتقديم الكسكس سواء بلحم الخروف، أو الدجاج، أو العنب المجفف (الزبيب)، أو القرع، أو ممزوج بالسُّكَّر المدقوق، والقرفة. وعندما يُقْدِمُ الزَّوج على السفر تزوِّده الزَّوجة بمؤونة الكسكس، وإن كان سيطول غيابه فيقوم بطحن الحبوب قبل أن يغادر»[49]. بالإضافة، إلى ما سبقت الإشارة إليه أعلاه، تسجِّل الرَّحالة أنَّ «رؤوس الخرفان المبخرة، هي الأكلة المفضلة عند المغاربة»[50]. هذا وأشارت الرَّحالة أنَّه في فصل الصَّيف تقوم أغلب النِّساء المغربيَّات، وخاصة حينما تكون اللَّحم دسمة، بقطعها شرائح رقيقة، لتُجفَّف، ثم تطهى في الزَّيت، ويحتفظ بها في جرار طينيَّة، مخصَّصة لهذه الغاية، ولا تبخر اللَّحم أبدًا[51]. ومن الإشارات الطَّريفة لدى الرَّحالة سالفة الذِّكر، اهتمامها بآداب الأكل، وتقاليد المائدة عند أهل المغرب الأقصى، وممَّا أمكن التقاطه من إشارات، في هذا الجانب، قولها إنَّ الرَّجل لا يأكل عادةً مع نسائه مع بعض الاستثناءات، لكن مع أخ أو صديق، في حين أنَّ والدته وأخته، أو نساءه يتناولْن الأكل لوحدهنَّ، ويأكل الخدم والعبيد ما تبقى من الطَّعام. وعندما يبلغ الأطفال سبع، أو ثماني سنوات، يتناول الأبناء الأكل مع أبيهم، في حين يأكلون قبل هذا السِّنِّ مع أمَّهاتهم[52].

III: الصِّحة والأمراض وأزمات المعيش
خصَّت الرَّحالة رينولد لادريت دو لاشاريير، لموضوعات الصِّحة، والأمراض، وأزمات المعيش، وقفة مهمَّة جدًّا، مدفوعة هنا بفضول كبير لمعرفة أنواع الضُّر، ومختلف الأوصاب المتفشيَّة بين السَّاكنة المغربيَّة، إبَّان مطلع القرن العشرين للميلاد. وهكذا تُطلعنا في هذا الجانب، بأنَّ المغاربة خلال العام (1910م-1911م)، «كانوا يتأوَّهون من أمراض شتَّى؛ بل يلقى كثير منهم حتفه ليلًا، إمَّا جوعًا أو مرضًا، فتُلتَقط جثتهم صباحًا (...) يخيَّل إليك أنَّ كلَّ الأطفال مرضى بالتونية والبهق»[53]. وتضيف الرَّحالة في المنوال عينه: «وأحاط بنا النِّساء والأطفال، كان يعاني بعضهم من مرض التونية ورأينا آثار الجذري على امرأة»[54]. كما تخبرنا أيضًا بأنَّ المغربيَّات كنَّ يُقبِلن بكثافة على الطَّبابة الفرنسيَّة، وقد اكتشفت الرَّحالة ذلك من قرب حينما قصدت ممرِّضة من الأهالي، تشتغل في بناية معزولة تحت إشراف الدُّكتور كريستياني (Cristiane)، يقصدها من بعيد نساء، بما في ذلك نساء القبائل المعادية، يطلبن العلاج، والأدوية بالمجان، وقد تستدعي حالة بعضهنَّ المكوث في المستشفى أيامًا[55]. إنَّ ما يمكن إبرازه، وتأكيده من كلِّ ما سبق، هو أنَّ معاناة المغاربة كانت قاسية، وأنَّهم مرُّوا بتجربة مريرة كالحة، تقشعرُّ لها الأبدان قبل الجلود. وممَّا يلفت الانتباه، كذلك ونحن نقلِّب، ونتمعَّن في صفحات هذه المدوَّنة الرِّحلية، حديثها المستفيض عن مجاعة (1910م-1911م)، الَّتي ضربت الجنوب المغربي بشكل عام، ومدينة تارودانت بشكل خاص. وهكذا، سجَّلت الرَّحالة مشاهداتها هناك بالصُّورة الَّتي وقعت حينها، بكل أبعادها، وظلالها، وتموجاتها، وعناصرها الحقيقيَّة، ممَّا يجعلها أكثر مصداقيَّة، وموثوقيَّة، وقبولًا لدى الدَّارس الفاحص والباحث المدقِّق. وبهذا، قد كشفت لنا الكثير من المنسي والمخفي والمغمور، في الأدبيَّات، والحوليَّات الإخباريَّة المحليَّة المتوفِّرة، قالت الرَّحالة الفرنسيَّة، في هذا الخصوص، بعد كلام طويل عريض، ما يأتي: «عندما خرجت للقيام بنزهة في الزياتين المحيطة بالقصبة[56]، رأيت مشهدًا ترك في نفسي أثرًا عميقًا، ففي ميدان جري الخيول شاهدت هيكلين بشريَّين يجلسان القرفصاء يلتقطان بأيديهما النَّحيلة، ويتتبَّعان بعينيهما الكليلة حبات الشَّعير الَّتي فصلت عن علف الخيول. وما أن يجد أحدهم حبَّة حتَّى يسرع ويضعها في فمه الجائع، وتجحظ عيناه بحثًا عن المزيد. وكان بعضهم ممدَّدًا أمام القصبة جلودهم ملتصقة بالعظام، والأفواه مفتوحة، والعيون غائرة، والأنوف منكمشة، إنَّهم كالجثث الهامدة ليس بينهم وبين الموت إلَّا خروج أرواحهم، عدَّت امرأة على طفل بجانبها، وانتزعت منه حبَّة ذرة لم يبق فيها شيء، ورأيت آخرين يسخِّنون حزمة شعير صغيرة على قطعة من طين تحت نار موقدة من أوراق عشب مجففة، علمت أنَّ هؤلاء البؤساء من سوس السُّفلى هربًا من المجاعة، والأمراض الَّتي تفتك بالنَّاس»[57]. إنَّ قراءة متأنِّية، ومتيقِّظة، وواعية، لهذه القطعة التَّاريخيَّة الفريدة، والنادرة، الَّتي تعمَّدنا أن تكون طويلة جدًّا؛ نظرًا لأهميِّتها الإخباريَّة الكبيرة، وقيمتها التَّوثيقيَّة العالية، أمكن لنا أن نستخلص منها، مجموعة مهمَّة من الملاحظات، والنَّتائج الأوليَّة، أبرزها أن شصوب، وأزمات أعوام 1910م و1911م، بات معها إنسان منطقة سوس وأحوازها، لا يجد ما يسدُّ الخلَّة، أو يمسك الرَّمق، حتَّى حنا الجوع قناة ظهره، وبات الهلاك إليه، أقرب من طرفة عين. هذا وبعد أن اعتادت ساكنة هذا المجال الفضفاض، أن تصطاد قوَّتها من الطَّبيعة، وترقص ابتهالًا لما تجود به الأرض من أرزاق ونعم، لتنام بعدها نومًا هادئًا تحت سماء تشتعل بالنُّجوم، أصبحت منطقة سوس ونواحيها، أثناء تلك الكوارث الطَّبيعيَّة المدمِّرة، مثل أمواج البحر لا يستقرُّ لحظة واحدة؛ بحيث فرضت تلك السَّنوات العجاف المشؤومة على ساكني هذه الأصقاع الجنوبيَّة، الهجرة القسريَّة صوب مجالات جغرافيَّة أخرى قصيَّة، بحثًا عن مكان ملائم لحياة أفضل، هاربة بنفسها من موت محقَّق، من ضغط الفقر المدقع، وحدة الأوباء، والأمراض المعدية، ووطأة الجوع، الجوع الَّذي يتحوَّل إلى آلام مبرحة، وعذاب لا يطاق. هذا وتخبرنا الرَّحالة أنَّها صادفت ومن معها إذاك قافلة نازحة من منطقة سوس، تتكوَّن من حمير محمَّلة بأمتعة قليلة مربوط على جوانبها بعض الدَّجاجات، تتبعها نساء متوشِّحات أردية زرقَ، تحمل إحداهنَّ على ظهرها طفلًا. لقد طردهم الفقر المدقع من أرضهم فنزحوا يلتمسون ما يسدُّون به الرَّمق، لا يحرسهم إلَّا رجل، أو رجلان ببندقيَّة[58].

IV: الموت والطَّقوس الجنائزيَّة
احتوت يوميَّات رينولد لادريت دو لاشاريير، على تفاصيل مفيدة، وبالغة الدِّقَّة، بشأن الطُّقوس، والعادات الجنائزيَّة في بلاد المغرب الأقصى. وهكذا تطلعنا هذه الرَّحالة أنَّه إذا مات أحدهم جاء المعزُّون، وارتفعت أصواتهم بالعويل أمام الجنازة، أما محترفو النِّياحة فيصرخون صرخات ممتدَّة بصوت مدوٍّ، ومن دون توقُّف، وإذا صادف موت أحدهم يوم الجمعة، حمل جثمانه للمسجد للصَّلاة عليه، ثم يُحمل مباشرة للمقبرة. أمَّا إن توفي أحدهم ليلًا، أُجِّل دفنه إلى اليوم الموالي. وترتدي «الأرملة» ثيابًا بيضاء حدادًا، ولا تغطي رأسها بمنديل حريري، ولا تضع الحناء بيدها، ولا في رجليها، ولا تذهب إلى الحمام. ويدوم «الحداد» أربعة أشهر وعشرة أيام، وعند انتهاء «العِدَّة» أمكن للمرأة أن تتزوَّج من جديد. وإذا فقدت المرأة ابنها يدوم هذا «الحداد»، أو الحزن أسبوعًا. وتتصدَّق «الأرملة» طيلة أسبوع كامل على الفقراء، أو يومًا واحدًا إذا قلَّت إمكاناتها المادِّية. وفي اليوم الموالي تذهب النِّساء إلى المقبرة لزيارة الميِّت، ويوزِّعنَ التَّمر، والخبز، وأشياء أخرى على المتسوِّلين، ولا تذهب لصلاة الجمعة سوى العجائز من النِّساء[59]. ولا بأس أن نختم حديثنا هذا، عن هذه النُّقطة، بالإشارة إلى بعض الطُّقوس الجنائزيَّة اليهوديَّة، قالت الرَّحالة في هذا الموضوع: «رأينا في الملاح نسوة يندبن وجوههنَّ، وينتفن شعرهنَّ دليلًا على موت أحد ما، علمًا أن ما يردِّدنه من عبارات لا يحمل إحساسًا بالحزن»[60].

V: أشكال التَّسلية والتَّرفيه
زخرت رحلة رينولد لادريت دو لاشاريير، بمعطيات كثيفة، ومتنوعة جدًّا، حول أشكال، وأنواع التَّسلية، والتَّرويح عن النَّفس، السَّائدة في مجمل جهات بلاد المغرب الأقصى، خلال العقد الأوَّل من القرن العشرين الميلادي. ومن البيانات الَّتي سجَّلتها في هذا الباب، ذكرها أنَّ المغاربة حينما يريدون تزجية أوقات الفراغ، والتَّرفيه عن أنفسهم يبلِّلون حبلًا، يتجاذبه فريقان من الأطفال، والنِّساء أيُّهم أقوى. وباستثناء المحترفات لا تتعاطى النِّساء الموسيقى إلَّا نادرًا، وأفضل أنواع الموسيقى هي المجموعات الرِّجاليَّة. وأكثر الآلات استعمالًا عندهم «الطعريجة»، و«الدربوكة»، و«الكمنجة». واللُّعبة الأكثر شيوعًا عند إنسان المغرب وقتذاك نساءً ورجالًا، لعبة ورق إسبانيَّة، تُسمَّى «الرُّونْدَا»، وتلعب الفتيات الصَّغيرات بدمى تسمَّى «العْرُوسَة»، في حين يلعب الأطفال الصِّغار «الكرة»[61].

VI: الثَّقافة الشَّعبيَّة المغربيَّة
إنَّ الثَّقافة الشَّعبيَّة هي كلُّ ما يرثه الخلَف عن السَّلف، من المميِّزات، والخصائص، والصِّفات، والسُّلوكات، والتَّصرُّفات، ودواليب النِّظام وأساليبه، ويتشبَّث بها، ويحرص عليها الحرص كلَّه. وتطلق على ما تقوم عليه حياة الفرد، والجماعة الاجتماعيَّة، والفنيَّة، والدِّينيَّة، وتشمل المدوَّن المكتوب، والرَّمزي، والشَّفهي كليهما، أو هي نمط حياة فئة معيَّنة من النَّاس، الَّذين يحيون معًا في مكان معين، وتتجلَّى في نظمهم الاجتماعيَّة، وفي فنونهم، وفي تقاليدهم، وعاداتهم، وفي معتقداتهم الدِّينيَّة، وفي اهتماماتهم وأنشطتهم المميَّزة لهم[62]. لقد استأثرت الثَّقافة الشَّعبيَّة وحتى الفلكلور المغربي الأصيل، باهتمام صاحبة هذه المدوَّنة ا الرِّحلية المشوِّقة؛ بحيث إنَّها انبهرت طويلًا أمام تعدُّد مظاهرهما، وجرَّاء هذا خصَّصت لهما مجموعة من الصَّفحات في يوميَّاتها؛ بغاية التَّرويج للموروث الثَّقافي المغربي الزَّاخر، وقيمه العريقة. وكان القصد من هذا، وذاك هو تقريب هذا التُّراث، وهذه الإبداعات الثَّقافيَّة، ذات القاعدة الصَّلدة، والأساس المتين، لأبناء جلدتها وعصرها. ومن الأمور الَّتي استوقفتها أكثر في هذا الجانب الفلكلوري-الفرجوي، تلك الممارسة التُّراثيَّة المغربيَّة الأصيلة، المسمَّاة بـ(فن التبوريدة). وهكذا، قالت الرَّحالة عن هذه الاحتفالات الجماعيَّة المغرَقة في الرَّمزية والدَّلالات: «إنَّها الفانتازيا، أو لعب البارود (...) تدافعت سيول بشريَّة نحو جامع الفنا، بقينا نحن فوق الخيول تاركين المجال أمام الفرسان أحاط بنا كثير من الأهالي بدافع حبِّ الاستطلاع ممَّا اضطرني لتغيير مكاني بين الفينة والأخرى، وأزاحم كثيرًا لأجد مكانًا يسهِّل على النَّفاذ بين الحشود إذا طرأ طارئ. ازداد فضول الأهالي، ورصدتنا أعينهم حيث اتجهنا، وكثر التَّحديق في وجوهنا. ووصل فريقان من الفرسان في صفٍّ واحد، يرتدون جلابيب من صوف أبيض شفاف جميل، وسروج مخيَّطة بخيوط مذهَّبة، جوانبها من حرير حمُرَ، وبرتقاليَّة، يتقلَّد كلُّ فارس بيد مستقيمة بندقيَّة مزيَّنة بالفِّضَّة، ينطلق الكلُّ في جري موحَّد، ويمرُّون أمامنا مسرعين، وملتفتين وراء نحو سروجهم، يمسكون البنادق بيمناهم، ويضغطون على الزِّناد بيسراهم بطلقات موحَّدة، فيتعالى البارود فوق رؤوسهم، تعقبها زغاريد النِّساء، وصيحات الرِّجال المتحمِّسين، ثمَّ يعود الفرسان مثنى-مثنى فاسحين المجال للفرقة الموالية، والقطع الفضيَّة الَّتي زُيِّنَت بها سروجهم تعكس أشعَّة الشَّمس فتبدو أكثر لمعانًا، إنَّه مشهد رائع فعلًا (...)، واستمرَّت فرقتان «صربتان» في الرَّكض مخلِّفين وراءهما سحبًا من الغبار، وجاء دور الباشا [الحاج التهامي الكلاوي]، وأتباعه قدِموا في صفوف متراصَّة، يلبسون حايْكات أنيقة، وقفاطين مطرَّزة ملوَّنة، كان الحاج التهامي يتقدَّم فرقته بلباسه الَّذي يطغى عليه اللَّونان الأحمر والأخضر، تتابعت طلقات البارود، والخيول ترقص غير عابئة بالأزمة المؤلمة. اختفت الفرقة بعدما هيجت المشاهدين»[63]. ولم يفت كذلك المستكشفة رينولد لادريت دو لاشاريير إثارة موضوع ثقافة الفرجة، والتَّرفيه في متنها الرَّحلي؛ بحيث إنَّها تطرَّقت هنا إلى الغناء الشَّعبي المغربي ذي الإيقاعات، والألحان الآسرة، وقد أعجبت الرَّحالة بهذه الموسيقى التَّقليديَّة المغربيَّة إعجابًا غير عادي، كفرجة، وكموسيقى، وكغناء، لنستمع إلى ما قالته الرَّحالة في هذا الباب: «كانت هناك فرقة موسيقيَّة تتشكَّل من سبع مغنِّيات يرتدين قفاطين مزركشة بعضها فوق بعض، ممنطقات بأحزمة فضيَّة كبيرة، ويضعن حقيبة «شكارة» مربوطة بشريط حريري متين (...)، انطلقت الموسيقى، وشرعت آلات الكمان في العزف، وتتبعهنَّ المطربات/ الشَّيخات بالعزف على درابيكهن، أصواتهنَّ حادَّة، وتبدو أغانيهنَّ مرتجلة، إلَّا أنهنَّ كنَّ منسجمات في الأداء، ويتناوبْن للرَّقص الواحدة تلو الأخرى، بطونهن تتموَّج بسرعة في تناغم مع إيقاعات أرجلهنَّ. وكانت إحداهنَّ ترقص بخفَّة، ورشاقة، والصِّينيَّة فوق رأسها دون أن تُسقط ما فيها. استمرَّ الحفل إلى مطلع الشَّمس، ثمَّ انصرفت الرَّاقصات ملتحفات بالحايك يتسترْن وراء أثواب تغطي وجوههنَّ لكيلا يُعرَفْنَ»[64].

VII: الأسواق الأسبوعيَّة المغربيَّة
إنَّ الأسواق الأسبوعيَّة في معظم جهَّات المغرب الأقصى المختلفة، هي فضاء سوسيو-ثقافي رحب بامتياز، يميِّزه عادة التَّعدُّد، والتَّنوُّع، والاختلاف؛ فالأسواق الأسبوعيَّة الشَّعبيَّة المغربيَّة هي الفرصة الجامعة للعادات، والثَّقافات، والبضائع المتنوِّعة، والمتعدِّدة على مرِّ العصور والأزمان، منذ انخراط النَّاس في العمليَّة التِّجاريَّة، والأسواق الشَّعبيَّة الأسبوعيَّة المغربيَّة ليست فقط مجرَّد فضاء عام، يلتقي فيه البائعون مع المشترين؛ بل إنَّ لها وظائف، وأدوارًا، وخدمات كثيرة، ومتمايزة، اقتصاديَّة، وتجاريَّة، واجتماعيَّة، وترفيهيَّة، وتثقيفيَّة، وتواصليَّة[65]؛ فهي إذن ذلك المحرار الَّذي يقاس به تحوُّل المجتمعات وتطوُّرها، في علاقة بماضيها ومستقبلها. لقد أعجبت الرَّحَّالة الفرنسيَّة رينولد لادريت دو لاشاريير بالأسواق الأسبوعيَّة المغربيَّة، فصوَّرت ذلك الصَّخب، وتلك الكثرة، وذلك الزِّحام، الَّذي يميِّز عادة تلك الفضاءات العامَّة بكثير من الدِّقَّة، والتَّحديد، والتَّفصيل؛ إذ وصفت لنا أجواءها الحيَّة الَّتي يعيشها روَّاده مرَّة واحدة في الأسبوع؛ فالأسواق الأسبوعيَّة الَّتي كانت تُعقد في يوم معين من كلِّ أسبوع، هي حسب الرَّحالة المذكورة، يوم للحبور، وللتَّرفيه، وتزجية الوقت، لحظات عابرة يقتطعها الصَّغير والكبير، الذَّكر والأنثى، للترويح عن النَّفس، والذَّات من عناء أيَّام الكدِّ، والاجتهاد طيلة أيَّام الأسبوع المضنية والشَّاقة. ولتقريب هذه الصُّورة، إليك هذا النَّصُّ: «يقومون بجولة في هذه الأسواق كلَّ يوم اثنين، حيث تُجمع كلُّ المعلومات عن التَّمرُّدات الَّتي تتشكل؛ لأنَّها تشكِّل ملتقى مهمًا للأهالي، وتتكوَّن الأسواق من كلِّ الحرَف؛ كلُّ واحدة منها في مكان مخصَّص، حيث يعرض الجزَّارون البهائم المذبوحة على أوراق الشَّجر أرضًا، ويغسلونها بالمياه بكثرة، واللَّحم هنا رائعة، والأرض محمرة بكثرة الدِّماء، والرَّائحة قويَّة، ويوجد في مكان آخر عال بائعو الجوالق، والحمير والبغال، والجحوش الَّتي ازدادت في طريقها إلى السُّوق المضحكة بالشَّعر الموجود في مقدمة رؤوسها الجمال المربوطة تحرِّك أشداقها بحيوية. كما يوجد الفخَّارة، وأواني الكسكس تحت الخيام القديمة. كما أنَّ هناك أهالي يجلسون أرضًا لبيع الشُّموع، والحناء، وأدوات الطِّيب، والكحل، والبخُّور، والتَّمائم، وبعض المساحيق، كما كانت هناك خيام تعلوها رايات صفر بها معالجون (أطبَّاء) للأهالي، وكان الفضوليون ينظرون إلى وجهي بدقَّة ويحرسونني»[66]. وأضافت الرَّحالة في مكان آخر، قائلة: «وكان الحدَّادون يجلسون فوق قطع ثوب وسخة، ووراء المنفخ الجلدي طفل صغير، يدفع جانبيه بساعديه الصَّغيرتين لتوليد الهواء الَّذي يؤجِّج النَّار. وخَلَّفَ الجزَّارين بقعُ الدَّم النَّاتجة من عمليَّة الذَّبح، والسَّلخ على الأرض. وفوق ظهور الجمال الَّتي كان يُطلى بعضها بالقطران، اختلطت أصوات الحيوانات الَّتي لا تكاد تتوقَّف. ومن بعيد رأيت الحجامة يضعون أمامهم أواني لجمع الدَّم الَّذي يسحبونه خلف آذان الزبناء، وتحلَّق جمٌّ غفير حول الحكواتيين الَّذين يصدرون كلمات متقطِّعة، مرفقة بنقرات على آلات إيقاعيَّة. كان هناك أيضًا باعة اللَّيمون، والحبوب، وتجَّار الخردة، وآلات النُّحاسيَّة، والقطع البالية، وعدَّة إماء يبعْن العطور، والصَّابون، والطَّلاسم بكميَّات قليلة فوق الأرض»[67]. وقبل أن نختم هذه الجولة الماتعة، والشَّائقة والخاطفة، في أرجاء الأسواق الأسبوعيَّة المغربيَّة الشَّعبيَّة، لا بد لنا هنا من التوقُّف عند ما يُسمَّى بـ(القيسارية)، تلك المدينة التِّجاريَّة الصَّغيرة السَّاحرة، الَّتي قالت عنها الرَّحالة الباريسيَّة الكلام الآتي: «اتَّجهنا إلى القيساريَّة وسط المدينة [تقصد حمراء مراكش]، وهي بمنزلة معرِض دائم تزيِّنه الحوانيت الصَّغيرة. يبتدئ الدلَّال المزاد بعد أن يصلِّي على النَّبي، ويرفع الآخرون أيديهم ضارعين إلى الله، ومتوسِّلين إلى سيدي بلعباس، ولي المدينة، يختمون دعواتهم بمسح الأكف على الصُّدور. وينطلق الدلَّالة مسرعين بين الحاضرين يحمل هذا قفاطين، وذلك مجوهرات، أو خناجر (الكميَّات) ويردِّدون بصوت عال آخر ثمن رصت عليه السِّلعة، أو البضاعة المعروضة. في أحد الأركان زرابي ملفوفة، لما دخلنا وسط الحشد أحسسنا أن حضورنا غير مرغوب فيه إلَّا من بعض الفضوليين، أو من تعوَّد على رؤيتنا فيبادرون إلى إلقاء التَّحيَّة»[68].
تجميع وتركيبنستطيع القول بناءً على ما سبق بيانه وعرضه، إن رحلة المستكشفة الفرنسيَّة رينولد لادريت دو لاشاريير، تعدّ واحدة من أهم المصنفات الرحلية النسائية الأوروپيّة، حول بلاد المغرب الأقصى، في فترة ما قبل المرحلة الاستعماريّة الأجنبيَّة. وما يثير الدَّهشة أكثر في هذا النَّصِّ الرِّحلي المائز، الَّذي يتيح فضاءات رحبة، وشاسعة للسَّرديَّات، والخطابات المهمَّشة، والمقموعة، فضاءات للإنسان المغربي البسيط المغلوب على أمره، ولأصوات الَّضحايا، وعذابات المضطهدين، ورنَّات الأبطال المجهولين والمنسيِّين، شاؤوا أن يكونوا أحرارًا دائمًا وأبدًا، ويمنحهم الحقُّ كلُّ الحقِّ في المشاركة في كتابة تواريخهم المطموسة والمتلاشية، إنَّه تاريخ مهمل غير معهود، ومقصي من التَّدوين الرِّسمي، تاريخ محشور بالفوائد، والعلامات، والرُّموز، والدَّلالات، وهو ما يطلق عليه المؤرخون العاملون في حقل (التَّاريخ الاجتماعي) «التَّاريخ من أسفل»، تمييزًا له عن تيار آخر يسمُّونه «التَّاريخ من أعلى»، الَّذي أولى عناية خاصَّة لأخبار الحروب، وقعقعة السُّيوف، وهدير القذائف، وأعطى أهميَّة قصوى للأعيان، والقادة والمبرزين والمؤثرين في المجتمع، ودورهم في مسيرة الأحداث، والوقائع، وتطوُّراتها، في حين أهملوا الشَّعب، وعامَّة النَّاس، وهمَّشوا تاريخ الحضارة بوجه عام. قلنا إنَّ ما يثير التَّعجُّب في هذه المدوَّنة الرِّحلية إنَّها تقرأ التَّاريخ ليس كمعلومات، أو كنصوص ثابتة؛ بل ككائن ينبض بالحياة، والتَّناقضات، ويضجُّ بمختلِف الألوان، والمفارقات، حتَّى ليخيل المرء أنَّه تاريخ يتنفَّس، ويتحرَّك في الزَّمان والمكان، ويتغيَّر في كلِّ لحظة وحين من وجودنا فيه، ومن وجوده فينا. إنَّ هذه الرَّحالة الألمعيَّة الَّتي كانت المرأة الأوروبيَّة الأولى، الَّتي تضع رجليها على هذه الأرض المغربيَّة، الَّتي تأخذ بتلابيب الأبصار، بفعل جمالها الأخَّاذ، وسحرها الخلَّاب، وعالمها البديع، وأسرارها العجيبة، خلفت وراءها آنئذ الكثير من المعلومات، والرُّسومات، والصُّور الفوتوغرافيَّة؛ لم تتعلَّق بالمواضيع السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والعمرانيَّة، والجغرافيَّة، فحسب؛ بل طالت الجوانب التَّاريخيَّة، والاجتماعيَّة، والمعيشيَّة، والدِّينيَّة، والثَّقافيَّة، والذِّهنيَّة، الَّتي حصلت عليها أثناء تجوالها المكثف عبر المناطق المختلفة لحواضر، وبوادي المغرب الأقصى. هذا، وقد أسهمت هذه الرِّحلة الاستكشافيَّة بجلاء شديد، في بلورة ومعالجة قضايا، وموضوعات تاريخيَّة، واجتماعيَّة، وأنثروپولوجيّة نادرة، لم تكن البتة تلتفت إليها الكتابات المحليَّة الإخبّاريَّة، أو تعيرها اهتمامًا، وإنصافًا منَّا نقرُّ جازمين بأنَّ هذه النَّوعية من البيانات والمعطيات، ذات الطَّبيعة الاجتماعيَّة والأنثروپولوجيَّة والإثنوغرافيَّة، لم نكن نعتقد أو نتصوَّر إطلاقًا أن تلتفت إليها هذه الرِّحلة الاستكشافيَّة الفرنسيَّة الطَّريفة، أو بالأحرى أن تكشف عن الكثير من التَّفاصيل، والجزئيات الصَّغيرة حولها؛ بحيث درست صاحبة هذه الرِّحلة المثيرة، وبشكل دقيق، ومسهب الحياة اليوميَّة، والمعيشيَّة للمغاربة، مثل: اللِّباس، والزِّينة، والسَّكن، والاستهلاك، والأمراض، والأفراح، والأتراح، والأهازيج، والعادات، والتَّقاليد، والفنون، والفلكلور، والمعتقدات، والطُّقوس، والذِّهنيَّات، إلى جانب ظواهر اجتماعيِّة أخرى متنوِّعة. وبكلمة واحدة فقد حاولت هذه المستكشفة الباريسيَّة الشَّابَّة، أن تدرس هذا المجتمع المغربي المحمَّدي، بالحفر في قعره العميق؛ بغاية تكوين مادَّة معرفيَّة واضحة، ودقيقة لدوائر الحركة الاستعماريَّة، والاستكشافيَّة الفرنسيَّة، وهو المجال الَّذي وصفته مرارًا وتكرارًا بـ»المجهول»، و«الغريب»، و«العتيق»، الَّذي يرفض أدنى خطوة إلى الأمام. بيد أنَّ أهمَّ ما يميِّز هذه الرِّحلة الفرنسيَّة كثيرًا عن مثيلاتها، هي أن صاحبتها تمكَّنت بنجاح باهر من اقتحام أماكن، وفضاءات مغربيَّة محظورة للغاية، كانت من قبل مجهولة، وموصدة بإحكام في وجه الأجانب، ألا وهو «عالم حميميَّة المجتمع النِّسائي المغربي المغلق»، وعلى وجه التَّحديد نساء الفئات المترفة، والثَّرية، وحريم المخزن، والأعيان.


لائحة المصادر والمراجع
أوّلًا- العربيّة
بلقزيز (عبد الإله)، الخطاب الإصلاحي في المغرب: التَّكوين والمصادر (1844-1918)، بيروت: منتدى المعارف، ط2، 2017.
بروني (فيليكس)، في الدَّار البيضاء: من 1 إلى 7 غشت 1907م، [ترجمة: بوشعيب الساوري، تقديم: علال الخديمي]، الدَّار البيضاء: مطبعة القرويين، منشورات القلم المغربي، ط1، 2019.
بوراس (عبد القادر)، «ملاحظات أولية حول مفهوم الحماية الفرنسيَّة بالمغرب»، ضمن كتاب جماعي بعنوان: الحماية: المفاهيم، والإشكاليَّات القانونيَّة، [تنسيق: علال ركوك، وحفيظة الهاني، ورشيد يشوتي]، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، ط1، 2016.
بن عمر (محمد ناجي)، مرايا العتمة: مدخل إلى السوسيولوجيا الاستعماريَّة بالمغرب (1864-1925): أعمال مترجمة، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بأكادير، ط1، 2020.
الحجوي (حسن أحمد)، العقل والنَّقل في الفكر الإصلاحي المغربي (1757-1912)، الدَّار البيضاء: منشورات المركز الثَّقافي العربي، ط1، 2003.
الخديمي (علال)، الحركة الحفيظية أو المغرب قبل فرض الحماية الفرنسيَّة: الوضعيَّة الدَّاخليَّة وتحدِّيات العلاقات الخارجيَّة 1894-1912، الرباط: منشورات دار أبي رقراق للطِّباعة والنَّشر، ط1، 2009.
الخديمي (علال)، المغرب في مواجهة التَّحدِّيات الخارجيَّة (1851-1947): دراسات في تاريخ العلاقات الدَّوليَّة، الدار البيضاء: أفريقيا الشَّرق، ط1، 2006.
دو لاشاريير (رينولد دولادريت)، عين على الحريم: يوميات مستكشفة فرنسية (1910-1911)، [ترجمة وتقديم: محمد ناجي بن عمر]، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بأكادير، ط1، 2019.
الدفالي (محمد معروف)، أصول الحركة الوطنيَّة: بين السَّلفيَّة المجددة والسَّلفيَّة الجديدة، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات مجلة أمل للتَّاريخ والثَّقافة والمجتمع، ط1، 2014.
السوسي (محمد المختار)، المعسول، (20 جزء)، الدَّار البيضاء: مطبعة النَّجاح الجديدة، ط1، 1382هـ/ 1962م، [الجزء المعتمد: 14].
العروي (عبد الله)، الأصول الاجتماعيَّة والثقافيَّة للوطنية المغربيَّة 1830-1912، [تعريب: محمد حاتمي ومحمد جادور، تقديم: عبد المجيد القدوري]، الدار البيضاء: منشورات المركز الثَّقافي العربي، ط1، 2016.
الغرابي (الجيلالي)، دراسات في الثَّقافة الشَّعبيَّة، بيروت: منشورات دار الكتب العلميَّة، ط1، 2013.
لوبيل (رولان)، الرَّحالة الفرنسيِّون في بلاد المغرب: من القرن السَّادس عشر إلى ثلاثينات القرن العشرين، [تعريب: حسن بحراوي]، الرباط: مطبعة الأمنية، منشورات دار الأمان، ط1، 2017.
مجموعة من المؤلفين، موجز تاريخ المغرب، [إشراف وتقديم: محمد القبلي]، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، ط1، 2015.

المؤقت (محمد بن محمد بن عبد الله)، الرِّحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتيَّة ويسمى أيضًا السَّيف المسلول على المعرض عن سنة الرسول ﷺ، (3 أجزاء)، القاهرة: منشورات مكتبة الثَّقافة الدِّينيَّة، ط1، 2012، [الجزء المعتمد: 1].
المشرفي (محمد بن محمد بن مصطفى)، الحلل البهية في ملوك الدَّولة العلويَّة وعد بعض مفاخرها غير المتناهية، [دراسة وتحقيق: إدريس بوهليلة، تقديم: أحمد التوفيق]، الرباط: مطبعة الأمنية، منشورات وزارة الأوقاف والشَّؤون الإسلاميَّة المغربيَّة، ط2، 1440هـ/ 2018م.
المازوني (محمد)، من قضايا البحث التاريخي: مقدمات أولية، أكادير: طباعة ونشر سوس، ط1، 2012.
المازوني (محمد)، دراسات تاريخيَّة: قضايا ومراجعات، أكادير: طباعة ونشر سوس، ط1، 2012.
النَّاصري (أحمد بن خالد)، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، (تسعة أجزاء)، [تحقيق وتعليق: أحمد الناصري، أشرف على النَّشر: محمد حجي، وإبراهيم بوطالب، وأحمد التوفيق]، الدَّار البيضاء: مطبعة النَّجاح الجديدة، منشورات وزارة الثَّقافة والاتِّصال المغربية، ط1، 2001، [الجزء المعتمد: 8].
نجمي (عبد الله)، مادَّة «الرِّحلات الفرنسيَّة»، ضمن معلمة المغرب: قاموس مرتب على حروف الهجاء يحيط بالمعارف المتعلِّقة بمختلف الجوانب التَّاريخيَّة والجغرافيَّة والبشريَّة والحضاريَّة للمغرب الأقصى، (23 جزء)، سلا: نشر مطابع سلا، إنتاج الجمعية المغربية للتَّأليف والتَّرجمة والنشر، ط1، 1422هـ/ 2001م، [الجزء المعتمد: 13].
الهشتوكي (الهاشمي الناصري)، رحلة إلى فرنسا مع السُّلطان المولى يوسف قصد تدشين مسجد باريس سنة 1926م، [دراسة وتحقيق: مصطفى عبد الله الغاشي، تقديم: جعفر ابن الحاج السلمي]، تطوان: منشورات باب الحكمة، مطبوعات كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بتطوان، مختبر حوار الثَّقافات والأبحاث المتوسطيَّة، ط1، 2020.

ثانيًا- الأجنبيَّة
Erckmann (Jules), Le Maroc Moderne, Paris: Challamel Ainé Editeur, 1885.
Lacharrière (Reynolde Ladreit de), Voyage dans le Maroc occidental: Du Sous à Tanger, Conférence faite par M. et Mme J. Ladreit de Lacharrière à la Société normande de géographie, le 11 mars 1912, Rouen: Imprimerie E. cagniard (Léon GY, Successeur), 1912.Loti (Pierre), Au Maroc, Paris: Calmann Lévy ةditeur, 1890.
Martيn (Antonio de San), La ciudad del sueٌo: Viaje al interior de Marruecos, Madrid: Imprenta de Santos Larié, Editor Urbano Manini, 1870.
Richet (ةtienne), Voyage au Maroc, Paris: ةditions Populaires, 1909.
Segonzac (M. le marquis de), Réalité et possibilités marocaines: Conférence donnée le vendredi 5 juin 1908, au siège du Congrès, Paris: Secrétariat général du comité des congrès coloniaux français, 1908.

----------------------------------
[1][*]- باحث في التَّاريخ الاجتماعي والديموغرافي للصَّحراء المغربية، والعلاقات الإسپانيَّة الأفريقيَّة، مختبر البحث في تاريخ الجنوب المغربي وأفريقيا (HISMA)، جامعة ابن زهر، كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة، أڭادير، المملكة المغربيَّة.
[2]- M. le marquis (de Segonzac), Réalité et possibilités marocaines: Conférence donnée le vendredi 5 juin 1908, au siège du Congrès, Paris: Secrétariat général du comité des congrès coloniaux français, 1908, p.6.
[3]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم: يوميات مستكشفة فرنسية (1910-1911)، [ترجمة وتقديم: محمَّد ناجي بن عمر]، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأڭادير، ط1، 2019، ص36.
[4]- انظر: عبد الله (نجمي)، مادة «الرحلات الفرنسيَّة»، ضمن معلمة المغرب: قاموس مرتب على حروف الهجاء يحيط بالمعارف المتعلقة بمختلف الجوانب التاريخية والجغرافية والبشرية والحضارية للمغرب الأقصى، (23 جزء)، سلا: نشر مطابع سلا، إنتاج الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، ط1، 1422هـ/ 2001م، ج13، (صص.4229-4302)، ص4301.
[5]- Reynolde (Ladreit de Lacharrière), Voyage dans le Maroc occidental: Du Sous à Tanger, Conférence faite par M. et Mme J. Ladreit de Lacharrière à la Société normande de géographie, le 11 mars 1912, Rouen: Imprimerie E. cagniard (Léon GY, Successeur), 1912, p.4.
[6]- أي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط حاليًا.
[7]- أغلب هؤلاء الطَّلبة كانوا يتشكلون وقتها في مجملهم من المراقبين المدنيِّين وضباط الاستعلامات وموظفي الدولة الحامية، ممن كان يجري تعيينهم في مختلف جهات المغرب الأقصى، وكان نظر المقيم العام الفرنسي في ذلك الوقت المارشال لويس هوبير ڭونزالڤي ليوطي (Louis Hubert Gonzalve Lyautey)، قد ذهب إلى ضرورة أن تزودهم إدارة الحماية الفرنسيَّة بالحدِّ المعقول من المعرفة باللُّغات واللَّهجات الرائجة في البلاد، والقدر الكافي الضروري من تاريخها الاجتماعي والثَّقافي، بما في ذلك عادات وتقاليد السُّكان وأنظمتهم القبليَّة والمخزنية وغيرها، بشكلٍ يقلل من اعتمادهم على المترجمين المحلِّيين، ويسهل مهامهم في المناطق النائية الَّتي سيتم تعيينهم بها. انظر: رولان (لوبيل)، الرحالة الفرنسيون في بلاد المغرب: من القرن السادس عشر إلى ثلاثينات القرن العشرين، [تعريب: حسن بحراوي]، الرباط: مطبعة الأمنية، منشورات دار الأمان، ط1، 2017، صص4-5؛ عبد القادر (بوراس)، «آفاق وحدود استثمار تقارير ضباط الشُّؤون الأهليَّة في كتابة التاريخ»، ضمن كتاب جماعي بعنوان: وثائق عهد الحماية: رصد أولي، [تنسيق: إبراهيم بوطالب]، ال محمَّدية: مطبعة فضالة، إنجاز الجمعية المغربية للبحث التَّاريخي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانيَّة بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 57، ط1، 1996، (صص89-112)، صص97-98.
[8]- الهاشمي (الناصري الهشتوكي)، رحلة إلى فرنسا مع السُّلطان المولى يوسف قصد تدشين مسجد باريس سنة 1926م، [دراسة وتحقيق: مصطفى عبد الله الغاشي، تقديم: جعفر ابن الحاج السلمي]، تطوان: مطبوعات باب الحكمة، منشورات كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بتطوان، مختبر حوار الثَّقافات والأبحاث المتوسطية، ط1، 2020، ص54.
[9]- انظر: عبد الله (العروي)، الأصول الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة للوطنيَّة المغربية 1830-1912، [تعريب: محمَّد حاتمي و محمَّد جادور، تقديم: عبد المجيد القدوري]، الدار البيضاء: منشورات المركز الثَّقافي العربي، ط1، 2016، ص38.
[10]- محمَّد (المختار السوسي)، المعسول، (20 جزء)، الدَّار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1382هـ/ 1962م، ج14، ص159.
[11]- Jules (Erckmann), Le Maroc Moderne, Paris: Challamel Ainé Editeur, 1885, p.6.
[12]- رولان (لوبيل)، الرَّحالة الفرنسيون في بلاد المغرب...، م.س.ذ، ص212.
[13]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص161.
[14]- زار بلاد المغرب الأقصى في الفترة التَّاريخيَّة المتراوحة ما بين سنوات 1908م و1936م عدة رحالات أوروپيات، وهن على التَّتالي:
- Mathilde (Zeys), Une Française au Maroc, Paris: Librairie Hachette, 1908.
- Doctoresse (Legy), Notes de route: Voyage à Marrakech, Alger: Imprimerie P. Crescenzo, 1910.
- Maddalena (Cisotti Ferrara), Nel Marocco: Ricordi personali di vita intima, Milano: Fratelli Treves, 1912.
- Claude (Lorris), Dans le Maghreb en Flammes, Paris: La renaissance du livre, 1921. (Fait en 1917).
- Henriette (Celarié), Un mois au Maroc, Paris: Librairie Hachette, 1923.
- Alice (Luis Barthou), Au Maghreb parmi les fleurs, Paris: Grasset, 1925.
- Françoise (de Sourdon), Le Marocaine: Son âne, Sa ville, Paris: La renaissance du livre, 1929.
- Henriette (Willette), Au Maroc: Villes et Paysages, Paris: Fasquelle, 1930.
- Jeanine (Berthel), Impression marocaines, Paris: Les œuvres représentatives, 1930.
- Alice (la Mazière), Le Maroc secret, Paris: ةdition Baudinière, 1932.
- Marie (Thérèse Gadala), La féerie marocaine, Grenoble: B. Artaud, 1932. (Fait en 1930).
- Jane (Guy), Cinq semaine au Maroc, Paris: Librairie A. Lemerre, 1932.
- Marise (Périale), Le Maroc à 60 km à l’heure, Casablanca: Imprimerie du petit marocain et de la vigie marocaine, 1936. (Fait en 1934).
- Marie (Bugéja), Le feu du Maroc, Tanger: Les éditions internationales, 1937.
- Madeline (Saint René Taillandier), Ce monde disparu: Souvenirs, Syrie, Palestine, Liban, Maroc, Paris : Plon, 1947. (Fait en 1901-1906).
- Aline (R. de Lens), Journal 1902-1924: L’amoure, je le supplie de m’épargner, Paris: la cause des livres, 2007, (Fait en 1913 -1925).
[15]- رولان (لوبيل)، الرحالة الفرنسيون في بلاد المغرب ...، م.س.ذ، صص207-208.
[16]- Reynolde (Ladreit de Lacharrière), Voyage dans le Maroc occidental…, op.cit., p.8.
[17]- كانت هذه الرحالة المُغامِرة الفرنسيَّة الشابة، أثناء زيارتها لبلاد المغرب الأقصى، بين سنتيْ 1910م و1911م، تعاني كثيرًا من مرض فقر الدم الحاد. انظر:
- Reynolde (Ladreit de Lacharrière), Voyage dans le Maroc occidental…, op.cit., p.7.
[18]- Pierre (Loti), Au Maroc, Paris: Calmann Lévy ةditeur, 1890, p.IV.
[19]- Reynolde (Ladreit de Lacharrière), Voyage dans le Maroc occidental…, op.cit., p.8.
[20]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص50.
[21]- محمَّد (ناجي بن عمر)، مرايا العتمة: مدخل إلى السوسيولوجيا الاستعماريَّة بالمغرب (1864-1925): أعمال مترجمة، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بأڭادير، ط1، 2020، ص4.
[22]- أحمد (بن خالد الناصري)، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، (تسعة أجزاء)، [تحقيق وتعليق: أحمد النَّاصري، أشرف على النشر: محمَّد حجي، وإبراهيم بوطالب، وأحمد التوفيق]، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، منشورات وزارة الثَّقافة والاتِّصال المغربيَّة، ط1، 2001، ج8، ص116؛ محمَّد (بن محمَّد بن مصطفى المشرفي)، الحلل البهية في ملوك الدَّولة العلوية وعد بعض مفاخرها غير المتناهية، [دراسة وتحقيق: إدريس بوهليلة، تقديم: أحمد التوفيق]، الرباط: مطبعة الأمنية، منشورات وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة المغربية، ط2، 1440هـ/ 2018م، ص421.
[23]- حسن (أحمد الحجوي)، العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي (1757-1912)، الدار البيضاء: منشورات المركز الثَّقافي العربي، ط1، 2003، ص115.
[24]- علال (الخديمي)، الحركة الحفيظية أو المغرب قبل فرض الحماية الفرنسيَّة: الوضعية الدَّاخليَّة وتحدِّيات العلاقات الخارجيَّة (1894-1912)، الرباط: منشورات دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط1، 2009، ص5؛ علال (الخديمي)، المغرب في مواجهة التَّحديات الخارجيَّة (1851-1947): دراسات في تاريخ العلاقات الدُّولية، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، ط1، 2006، صص85-86؛ مجموعة من المؤلفين، موجز تاريخ المغرب، [إشراف وتقديم: محمَّد القبلي]، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، ط1، 2015، ص311؛ عبد الإله (بلقزيز)، الخطاب الإصلاحي في المغرب: التكوين والمصادر (1844-1918)، بيروت: منتدى المعارف، ط2، 2017، صص68-79.
[25]- حول أسباب ونتائج اغتيال الدُّكتور إيميل موشام (ةmile Mauchamp)، انظر: علال (الخديمي)، المغرب في مواجهة التَّحديات الخارجية...، م.س.ذ، ص.88؛ محمَّد (ناجي بن عمر)، مرايا العتمة...، م.س.ذ، صص92-104.
[26]- انظر: عبد القادر (بوراس)، «ملاحظات أولية حول مفهوم الحماية الفرنسيَّة بالمغرب»، ضمن كتاب جماعي بعنوان: الحماية: المفاهيم، والإشكاليَّات القانونية، [تنسيق: علال ركوك، وحفيظة الهاني، ورشيد يشوتي]، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، ط1، 2016، (صص.11-17)، ص13؛ فيليكس (بروني)، في الدار البيضاء: من 1 إلى 7 غشت 1907م، [ترجمة: بوشعيب الساوري، تقديم: علال الخديمي]، الدَّار البيضاء: مطبعة القرويين، منشورات القلم المغربي، ط1، 2019، ص14.
[27]- محمَّد (معروف الدفالي)، أصول الحركة الوطنيَّة: بين السَّلفية المجدِّدة والسَّلفية الجديدة، الرباط: مطابع الرباط نت، منشورات مجلة أمل للتَّاريخ و الثَّقافة والمجتمع، ط1، 2014، ص17.
[28]- محمَّد (بن محمَّد بن عبد الله المؤقت)، الرِّحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتيَّة ويسمى أيضًا السيف المسلول على المعرض عن سنة الرسول ﷺ، (3 أجزاء)، القاهرة: منشورات مكتبة الثَّقافة الدينية، ط1، 2012، ج1، ص23.
[29]- المصدر نفسه، ص24.
[30]- Antonio (de San Martيn), La ciudad del sueٌo: Viaje al interior de Marruecos, Madrid: Imprenta de Santos Larié, Editor Urbano Manini, 1870, pp.6-7; ةtienne (Richet), Voyage au Maroc, Paris: ةditions Populaires, 1909, p.5.
[31]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص13.
[32]- المصدر نفسه والصَّفحة نفسها.
[33]- المصدر نفسه، ص103.
[34]- رولان (لوبيل)، الرَّحالة الفرنسيون في بلاد المغرب...، م.س.ذ، ص211.
[35]- رولان (لوبيل)، الرَّحالة الفرنسيون في بلاد المغرب...، م.س.ذ، ص207.
[36]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص8.
[37]- رولان (لوبيل)، الرَّحالة الفرنسيون في بلاد المغرب...، م.س.ذ، ص208.
[38]- Reynolde (Ladreit de Lacharrière), Voyage dans le Maroc occidental…, op.cit., p.8.
[39]- إنَّ الدَّليل على هذا الكلام، هو تأخُّر ترجمة هذه المدونة الرِّحلية إلى اللُّغة العربيَّة، الَّتي تفصلنا عن صدروها، نحو قرن وثمانية أعوام.
[40]- محمَّد (المازوني)، من قضايا البحث التَّاريخي: مقدِّمات أوَّليَّة، أڭادير: طباعة ونشر سوس، ط1، 2012، صص78-79.
[41]- سمير (بوزويتة)، مكر الصُّورة: المغرب في الكتابات الفرنسيَّة (1832-1912)، الدَّار البيضاء: أفريقيا الشرق، ط1، 2007، ص5.
[42]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص136.
[43]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص24.
[44]- المصدر نفسه، ص135.
[45]- المصدر نفسه والصفحة ذاتها.
[46]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، والصفحة ذاتها.
[47]- المصدر نفسه، ص24.
[48]- المصدر نفسه، ص135.
[49]- المصدر نفسه، ص136.
[50]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص115.
[51]- المصدر نفسه، ص136.
[52]- المصدر نفسه.
[53]- المصدر نفسه، ص116.
[54]- المصدر نفسه، ص65.
[55]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص84.
[56]- أي قصبة القائد الذائع الصيت المدعو حيدة وميس.
[57]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، صص161-162.
[58]- م.ن، .ذ، ص67.
[59]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص141.
[60]- م.ن، ص25.
[61]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، صص141-142.
[62]- انظر: الجيلالي (الغرابي)، دراسات في الثَّقافة الشَّعبيَّة، بيروت: منشورات دار الكتب العلميَّة، ط1، 2013، ص5.
[63]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، صص51-52.
[64]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص54.
[65]- قال الرَّحالة والرَّاهب الفرنسي الطَّائر الصِّيت شارل دو فوكو (Charles de Foucauld): «يبدو أنَّ غاية قدوم النَّاس إلى السُّوق كانت بالأحرى رغبة في التَّسلية وقصد الاتِّصال وليس اقتناء البضائع». انظر: شارل (دو فوكو)، التعرف على المغرب 1883-1884: الرِّحلة، [ترجمة: المختار بلعربي]، الدَّار البيضاء: دار الثَّقافة للنَّشر والتَّوزيع، إشراف الجمعيَّة المغربيَّة للتَّأليف والتَّرجمة والنَّشر، ط1، 1419هـ/ 1999م، ص193.
[66]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، صص25-26.
[67]- م.ن. ص81.
[68]- رينولد (دو لادريت دو لاشاريير)، عين على الحريم...، م.س.ذ، ص121.