البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإعجاز القرآني قراءة تأصيليّة-نقديّة في شبهات المستشرقين

الباحث :  سامر توفيق عجمي
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  37
السنة :  شتاء 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 14 / 2024
عدد زيارات البحث :  277
تحميل  ( 610.072 KB )
الملخّص
يلاحظ الراصد لأدبيّات المستشرقين موقفًا متحيّزًا ضدّ القرآن الكريم، من جملته: إنكار إعجاز القرآن، وقد أثاروا شبهات عدّة لإثبات هذه النتيجة.
ويقوم نقد المستشرقين ومناقشة شبهاتهم على وضع مؤشِّرات المعجزة (ادّعاء النبوّة، التحدّي، صدور المُعجِز، عدم التصدّي) ثمّ تطبيقها على القرآن. وفي المؤشّرات، فقد ادّعى محمّد النبوة، وتحدّى الناس بالقرآن، وأنبأ عن عجزهم، وتُبيّن الشواهد التاريخيّة صدق هذا الإنباء، لاعتراف بلغاء العرب بأنّه ليس من صنع محمّد، فالأدب القرآنيّ أرقى كثيرًا من أيّ بقايا أدبيّة تعود إلى القرن السابع الميلاديّ.
فضلًا عن كونه معجزة في: منظومته العقائديّة والقيميّة والتشريعيّة، وقوّته في إحداث التحوّل الروحيّ، والإنباء عن الغيب وقصص الأنبياء، والكشف عن الحقائق العلميّة، والانسجام الداخليّ، وبداعة أسلوبه البيانيّ وتصويره الفنيّ، وطبيعة شخصيّة محمّد الأمّيّ الذي عاش في بيئة لا تعرف هذه المعارف؟!!

أمّا ما ادّعاه المستشرقون، أنّ محمّدًا أخذ القصص من مصادر بشريّة، ويهوديّة، ونصرانيّة، فلا تصمد أمام النقد التاريخيّ، بمحاكمة الشخصيّات التي استشهدوا بها، والدراسة المقارنة بين القصص التوراتيّ والقصص القرآنيّ، التي تثبت التباين الجوهريّ بينهما، فأين القصص التوراتيّ التي تهبط بالأنبياء إلى حضيض الشهوات الحيوانيّة (بين مخمور، ومتعرٍّ، وزانٍ بالمحصنات، وسكران ينكح ابنتيه، وغشّاش مخادع، وصانع أوثان...)، من قصص القرآن التي ترفعهم إلى الحضرة الإلهيّة؟!!

أمّا محاولة المستشرقين نفي إعجاز القرآن، باتّهامه بأنّه نصّ مضطرب، لفقدان الوحدة الموضوعيّة بين الآيات، والتكرار، وتعدّد القراءات... فهي تنطوي على مفارقة أنّهم تعاملوا مع القرآن كأنّه كتاب فلسفيّ أو أدبيّ أو تاريخيّ...، في حين أنّ ميزة القرآن أنّ له أسلوبه الخاصّ، فلا يخضع للقواعد التأليفيّة والضوابط التعبيريّة المألوفة، بل معيار أسلوبه هو في أن يكون متناسبًا مع غرضه الذي نزل لأجله وهو هداية الناس، وفقدان الوحدة الموضوعيّة والتكرار يخدمان هذا الهدف بامتياز، لتناغم الأوّل مع الطبيعة البشريّة بكافّة أبعادها وظروفها وحاجاتها و...، وكون التربية إنّما تؤثّر في بناء الشخصيّة، بالتكرار.

الكلمات المفتاحيّة: المستشرقون، الإعجاز، القرآن، النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

مقدِّمة
يدّعي المستشرقون أنّ القرآن من صنع محمّد وتأليفه، وليس وحيًا إلهيًّا نزل على قلب محمّد، وقد ركّزوا لتأييد فكرتهم هذه على نفي إعجاز القرآن، وبالتالي إنكار وحيانيّته، فيثبت أنّه من وضع محمّد وتصنيفه، فلا يكون محمّدٌ نبيًّا ولا الإسلام دينًا سماويًّا.
يقول ه. ج ويلز: «محمّد هو الذي صنع القرآن»[2].
ويقول: يوليوس فلهاوزن: «القرآن من عند محمّد ومن تأليفه»[3].
ويقول جورج سيل: «ممّا لا شكّ فيه ولا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، أنّ محمّدًا هو في الحقيقة مُصنِّف القرآن وأوّل واضعيه»[4].

وقد أثاروا شبهات عدّة لإثبات هذه النتيجة، تقوم على اتّهام النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه استلهم القرآن من الكتب الدينيّة القديمة كالتوراة والإنجيل، أو أنّه تعلَّم القرآن عند بشر، أو أنّ النصّ القرآنيّ مضطّرب باعتبار ما فيه من تكرار وفقدان الوحدة الموضوعيّة بين الآيات وتعدّد القراءات، أو...
ويحتاج نقد شبهات المستشرقين إلى تأسيس بعض المُقدِّمات النظريّة التي تُشكِّل المعيار الذي نحاكم في ضوئه تلك الشُّبهات، وتُمكِّننا من الإجابة عنها، ونتوقّف بداية عند بعض النقاط التي تمهِّد لفهم الإعجاز القرآنيّ وفق رؤيتنا العقائديّة.

أوّلًا: طرق إثبات وحيانيّة النصّ القرآنيّ
ثمّة طريقان يمكن اعتمادهما لإثبات وحيانيّة النصّ القرآنيّ وأنّ محمّدًا (مدَّعي النبوّة) صادق في كونه مُرسَلًا من الله عزّ وجلّ.
الأوّل: طريق محاكمة النصّ ذاته، أي التدبّر فيما يتضمّنه القرآن من عقائد وقيم وتشريعات وقصص و...، ورؤية كونها مضمونة الحقانيّة مطابقة للواقع، لموافقة العقائد للأدلّة العقليّة، والقيم للفطرة الإنسانيّة، والتشريعات للعدالة والإحسان، والقصص للمنطق النبويّ العام على امتداد حركة النبوّة، ولانسجامها مع حاجات الإنسان المختلفة، وتحقيقها الهدف الوجوديّ الذي خُلِق لأجله، ما يجعل الإنسان -حسب خبرته مع النصوص البشريّة- يحكم بأنّه يستحيل أنّ يأتي بها بشرٌ عاديٌّ، وهذا يعني أنّ النصّ يحمل شاهد صدقه معه، إذ عندما نعلم طريقة الفلاسفة في التعبير عن آرائهم، وأسلوب المُشرِّعين في سنّ القوانين، ومنهج المُصلِحين الاجتماعيّين في عملية إحداث التغيير المطلوب... لا يمكننا أن ننسب النصّ القرآنيّ إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره فيلسوفًا، أو صوفيًّا، أو مُصلِحًا اجتماعيًّا، أو قانونيًّا، أو أديبًا وشاعرًا...

قد يقال، هذا المنطق يختصّ بالإنسان المجرَّد عن كلّ خلفيّة مُسبقة، والباحث عن الحقيقة بنزاهة، والطالب للحكمة بموضوعيّة، والمتحرِّر من كلّ عصبيّة، يصل من خلال محاكمة نصّ القرآن في ذاته إلى أنّه لا يمكن أن يصدر إلّا عن مصدر غيبيّ خارج قابليّات البشر الذاتيّة... ومثل هذا الإنسان ليس له مصداق واقعيّ إلّا نادرًا، لأنّ الإنسان -غالبًا- ما يكون مُحمَّلًا بالتصوّرات والعقائد التي تصبغ لون نشاطه الذهنيّ وتُشكِّل برامج تفكيره في محاكمة النصوص، فيحتجب عن رؤية الحقّ بما هو حقّ فيما يرتبط بالنصّ القرآنيّ.

وهنا، تأتي أهمّيّة الطريق الثاني -وهو المعجزة-، الذي يقوم على أساس وجود تلازم منطقيّ بينها وبين الوحي والنبوّة؛ لأنّها شاهد صدق مُدَّعي النّبوة. ويتميّز الأوّل عنها، بأنّ شاهِدَ صدق النصّ القرآنيّ من ذاته بغض النظر عن كونه في مقام التحدّي.
وقد اشتغل المستشرقون –كما سيأتي- على فكّ هذا التلازم، بإنكار إعجاز القرآن.

ثانيًا: تحديد طبيعة المعجزة ومؤشِّراتها
الإعجاز: هو أن يصدر عن مُدّعي النبوّة فعلٌ يخرق قوانين الطبيعة المعهودة، يتحدّى به الناس على الإتيان بمثله، فإن عجزوا عن ذلك، تبيّن صدق نبوّته[5]. وبهذا يتبيّن أنّ للمعجزة أركانًا عدّة:

الأوّل: ادّعاء النبوة: بأن يكون هناك شخص يدّعي أنّه موحَى إليه ومُرسَل من قبل الله تعالى.
الثاني: التحدّي: أن يقول مدّعي النبوة: شاهد صدقي هو قدرتي على الإتيان بفعل تعجزون عنه.
الثالث: صدور الفعل المُعجِز: بنحو يكون خارقًا لنواميس الطبيعة، كتحويل العصا إلى أفعى.
الرابع: التطابق بين الشرط والنتيجة: بأن يكون الفعل الذي أتى به مدّعي النبوة مطابقًا من حيث النتيجة مع ما شرطه على نفسه من حيث المُقدِّمة[6].
الخامس: عدم التصدّي: أي عجز الناس عن الإتيان بمثل هذا الفعل، خصوصًا أهل الخبرة والاختصاص.
النتيجة: عندما تتحقّق هذه الأركان على نحو المُقدِّمة، يكون هناك تلازم بينها وبين إثبات النتيجة، وهي: صدق مدّعي النبوّة.
ووجه التلازم: أنّ الله تعالى الحكيم الهادي اللطيف: إمّا أن يُجري المعجزة على يد مُدَّعي النبوّة بلحاظ كونه صادقًا، فيثبت المطلوب.

وإمّا أن يُجري المُعجِزة [المفترض أنّها خرق لنواميس الطبيعة بنحو لا تقع بقدرة ذاتيّة بل غيبيّة] على يد مُدّعي النبوّة وإن كان كاذبًا.

والعقل يرى أنّ الله تعالى يمتنع عنه أن يُجري المعجزة على يدِّ الكذاب، لأنّ نتيجة ذلك: التغرير بالناس وتضليلهم وقذفهم في فخّ التلاعب والاحتيال من قِبَل مُدّعي النبوّة. ومقتضى حكمته: أن يفعل لهدف ولا يخلّ بالواجب، ومقتضى هدايته: إيصال الناس إلى الهدف الذي خلقهم لأجله. ومقتضى لطفه: أن يفعل بهم ما يقرِّبهم من الطاعة ويبعدهم عن المعصية؛ وإجراء المعجزة على يدّ الكذّاب، يضلّل الناس ويبعدهم عن الهدف، وذلك نَقْضٌ لغرضه، ولا يصدر عنه لأنّه خلاف مقتضى كمال ذاته وصفاته.

ثالثًا: مؤشِّرات إثبات إعجاز القرآن الكريم
إنّ الحكم على القرآن بكونه معجزة يخضع لذات منطق محاكمة المعجزة، بتطبيق مؤشِّراتها الكلّيّة، على القرآن الكريم صغرويًّا.
ونؤكِّد بدايةً على أنّ ما سنعرضه من شواهد على إعجاز القرآن، وإن لم يصلح كلُّ واحد منها دليلًا تامًّا مستقلًّا، لكنه في الحدّ الأدنى يُشكِّل قرينة إثبات ناقصة، وبالتالي، تكون الشواهد باقترانها على نحو المجموع مفيدة لليقين المطلوب في مثل هذه القضايا، في ضوء حساب الاحتمالات الرياضيّ.

المؤشِّر الأوّل: لا يشكّ أحدٌ في أنّ محمّدًا(صلى الله عليه وآله وسلم) قد ادّعى النبوة، وكرّر ادّعاءه هذا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف: 158). ولم يُرسِل الله بعده رسولًا يُخبرنا بأنّه من الأنبياء الكذبة، فلو لم يكن محمّد صادقًا، لكان ذلك تغريرًا بالجهل وإيقاعًا للناس بالضلال، وهو خلاف مقتضى الحكمة واللطف والهداية، (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقّة: 44-47). ولنضع هذه الفكرة جانبًا. كما ولنتجاوز ما نُسِب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) من صدور معجزات عدّة على يديه، كانشقاق القمر، لأنّها -كما معجزات الأنبياء السّابقين- تواجه فقدان القدرة على إثباتها بالأدلّة الحسّيّة، فيُقتصَر فيها على الأدلّة التاريخيّة، لأنّها قد انتهت في زمانها الخاصّ الذي حدثت فيه. أمّا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) يدّعي أنّه خاتم الأنبياء، فحينها لا بدّ أن تتميَّز معجزتُه بنحو يتناسب مع ادّعائه النبوّة الخاتمة، بأن يستمرّ حضورها على امتداد الزّمان، كي تكون شاهدًا حيًّا على صدقه.

المؤشِّر الثاني: التحدّي، حيث طلب محمّدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الناس الإتيان بمثل القرآن على نحو المنافسة من باب التعجيز، ومن الآيات الدّالة على ذلك:
الآيات التي يُستشعر منها التحدّي بالقرآن كلِّه[7].
الآية التي يظهر منها التحدّي بعشر سور[8].
الآيات التي تتحدّى بسورة[9].
وعند مراجعة الآيات المذكورة تظهر عناصر عدّة:
التحدي: (فَلْيَأْتُوا) (قُلْ فَأْتُوا) (فَأْتُوا)... إلخ.

شمول التحدّي، للجميع دون استثناء، حيث إنّ واو الجماعة تفيد عموم المخاطَبين، مضافًا إلى الجنّ، (وَالْجِنُّ)، بل مطلق النصير والظهير من دون الله (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ)، (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ).
وفي السياق، ثمّة شبهة طرحها بعض المستشرقين ترتبط بعموميّة التحدّي وخصوصيّته، من أنّ القرآن لو كان معجزةً، لكان عامًّا في تحدّيه، بمعنى أنّه ينبغي أن يكون المُخاطَب بالتحدّي هو عموم الناس، وهذا يستلزم أن يتمتّعوا بمجموعة قابليّات تُمكِّنهم من النظر في المعجزة والحكم عليها، ليكونوا مقصودين بخطاب التحدّي، فلو كان هناك مئة إنسان، يقال لهم: القرآن معجزة في بيانه وبلاغته و...، فيمكن العثور على عشرة من ضمنهم متخصّصون باللغة العربيّة، فيمكنهم محاكمة النصّ القرآنيّ، ّأما غير المتخصّص يقول: لا أملك الاستعداد للحكم على القرآن بكونه معجزة أم لا. وباختصار من شروط المعجزة أن يكون المقصود بالخطاب مؤهّلًا للتصدّي، والتحدّي بالقرآن يفقد هذا الشرط.

ويمكن مناقشة هذه الفكرة، بمنع هذا الشرط، إذ يكفي أن يكون المُخاطَب بالتحدّي فئة خاصة هي المتخصّصين، فإنّ عَجْزَ المتخصّصين آكد في الإعجاز، لأنّه من باب أولى لن يتمكّن غيرهم.
وعلى فرض التسليم بهذا الشرط، فإنّ أقصى ما يفيده هو أنّه على الفاقد للأهليّة أن يُحصِّلها.
كما أنّ هذا غير مختصّ بالقرآن، بل يشمل المعجزات كلِّها، فعندما تحدّى موسى(عليه السلام) بتحويل العصا إلى أفعى، فلم يكن مؤهّلًا لفعليّة الخطاب إلّا السّحرة، ومؤهَّل الخطاب في معجزة عيسى(عليه السلام) هو الأطبّاء مثلًا.
التحدّي جاء فرع التشكيك والتكذيب: (افْتَراهُ) (فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا)... إلخ.
الإتيان بالمثل دليل على نقض صدق محمّد في ادّعائه (إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)، (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وبالمقابل يكون العجز عن الإتيان بالمثل دليل على صدق محمّد في ادّعائه النبوّة...

الإنباء عن العجز عن الإتيان بمثل القرآن أو بعضه مؤبَّدًا (لا يأْتُونَ بِمِثْلِهِ).
ليس العجز على مستوى الأفراد، أو جماعة هنا أو هناك، بل الإنس والجنّ جميعًا (اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ).
المؤشِّر الثالث: عدم التصدّي، وإن كان ثمّة من استجاب للتحدّي، ولكن الاستجابة نفسها لا تفيد شيئًا، بل لا بدّ من أن يُضمَّ إليها الإتيان بالمثل فعلًا. فمع كثرة الأعداء الذين يهمّهم نقد القرآن ونقضه، فهل هناك من أتى بمثله؟

رابعًا: قرائن وشواهد إعجاز القرآن
أثبتنا فيما تقدّم أنّ مؤشّرات المعجزة من (مدّعي النبوّة+ التحدي+ عدم التصدّي) تنطبق على القرآن الكريم. ويبقى الأهمّ أنّ نثبت عجز أهل الاختصاص والخبرة عن التصدّي، مما يُثبِت بالتلازم أنّه معجزة، فتثبت نبوّة محمّد ووحيانّية كلامه وحقانيّة الإسلام.
ومن قرائن وشواهد إعجاز القرآن[10]:
طبيعة المعارف التوحيديّة الحقّة الموافقة لمنطق العقل والفطرة السليمة.
قوةّ القرآن في إحداث التحوّل الفكريّ والروحيّ في الهويّة الإنسانيّة.
المنظومة الأخلاقيّة والقيم الإنسانيّة التي يتضمّنها القرآن.
القواعد التشريعيّة العامّة التي تنطلق من العدل والإحسان.
الإخبار عن الأمور الغيبيّة الماضية والمستقبليّة.
الكشف عن حقائق في عالم الطبيعة التي لم تكن معهودة في زمن نزول النصّ، وقد كشفت عنها العلوم التجريبيّة الحديثة، كإرسال الرّياح لواقح، والجبال أوتادًا، والزوجيّة في النبات...

طبيعة شخصيّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي جاء بالقرآن.
التوافق المضمونيّ بين الآيات وقوة الانسجام الداخليّ وعدم وقوع الاختلاف فيها، قال تعالى: (أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمّد: 24)، فكلُّ واحدٍ منّا إذا تأمّل في تاريخه الشخصيّ يرى اختلافًا حسب مراحل حياته وظروفه وحالاته، فهذا ملّا صدرا يقول: «إنّني قد كنت في سالف الزمان شديد الذَّبِّ عن تأصُّل الماهيّات واعتباريّة الوجود، حتى هداني ربّي وأراني برهانه، فانكشف لي غاية الانكشاف أنَّ الأمر فيها على عكس ما تصوّروه وقرّروه... فالوجودات حقائق متأصَّلة والماهيّات هي الأعيان الثابتة التي ما شمَّت رائحة الوجود أصلًا»[11]. لكن، القرآن الكريم رغم أنّه نزل نجومًا في 23 عامًا، ورغم الحالات المختلفة التي كان يمرّ بها النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، من: فرح وحزن، وغضب وسكون، وانتصار وهزيمة، وحصار وانفراج...، ورغم أنّه بشر[12] تنمو شخصيّته وتتطوّر أفكاره وتنضج خبرته، لا نجد أنّ ذلك كلّه انعكس على القرآن، فلا نجد في معارفه وقيمه وتشريعاته اختلافًا أو تهافتًا أو تناقضًا، كأنّه أُنزِل دفعةً واحدة.

ومن أهمّ القرائن قوّة البيان، وطبيعة سبك الجمل وتركيبها، وتوزيع الكلام، والنغم، والإيقاع، والتصوير الفنّيّ... والإبداع في الأسلوب التعبيريّ، حيث إنّ العرب لم تشهد إلّا النثر والشعر كأدوات للتعبير اللغويّ عن المراد، وما جاء به القرآن أسلوب ثالث، وقد شملت قوّة بيانه تموضع المفردات داخل الآية، بحيث لو أبدلنا الكلمة بكلمة أخرى، فإنّها لا تؤدّي المعنى ذاته الذي تريد الآية إيصاله إلى ذهن السّامع، فمثلًا كلمة «ضيزى»، في قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ) (النجم: 21-22) لو أبدلناها بما يرادفها: «جائرة» أو «ناقصة»، لم تُفِد المعنى، فغرابة وزن لفظ: «ضيزى»، يتناسب مع غرابة الأشياء التي قالوها بحقّ الله تعالى، فقد أدّى القرآن غرابة المعنى بغرابة اللفظ والمعنى. وكذلك الحال في تجسيد المعاني بصور فنّيّة كأنّ السّامع يعيش المعنى في الواقع ويشاهده بحواسّه، كقوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (آل عمران: 117)، وعندما يقرأ الإنسان هذه الآية، يتفاعل مع جرسها الحروفيّ وإيقاعها الصوتيّ، فيشعر بصوت الريح الشديد... إلخ من مئات الشواهد في القرآن الكريم.

خامسًا: اعترافات بلغاء العرب بأنّ القرآن ليس كلام بشر
ويكفي اعتراف المشركين من بلغاء العرب بفصاحة القرآن وقوّة بيانه وبأنّه يعلو ولا يُعلى عليه، وأنّه يحطِم ما تحته، ومن الشواهد:

الوليد بن المغيرة:
جاء الوليد إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقرأ عليه القرآن، فكأنّه رقّ له. فعاتبه أبو جهل وأغراه بالمال طالبًا منه أن يقول في محمّد قولًا يبلغ قومه أنّك مُنكِرٌ له، فقال الوليد: ما فيكم من رجلٍ أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برَجِزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ منّي، والله، ما يشبه الذي يقول محمّدٌ شيئًا من هذا. والله، إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمُثمِر أعلاه، مُغدِق أسفله، وإنّه ليعلو وما يُعلَى، وإنه ليَحطِمُ ما تحته[13].

عُتبة بن ربيعة
قصد عُتبة بن ربيعة يومًا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليكلّمه ويقترح عليه أمورًا، لعلّ يقبل الكفّ عن الدّعوة النبويّة، فأسمعه النبيّ آيات من سورة (فصّلت:1-5)، و«عُتْبة» مُنصِت لها، فعاد إلى أصحابه وقال: إنّي قد سمعت قولًا واللهِ ما سمعت مثله قط، واللهِ ما هو بالشِّعر، ولا بالسِّحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أَطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرّجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فواللهِ ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأٌ عظيم...[14].

الطفيل بن عمر الدوسيّ
كان الطفيل رجلًا شاعرًا لبيبًا، قدم مكّة ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بها، فقال له رجال من قريش: يا طُفيل إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أَظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر، يُفرِّق بين الرجل وأبيه، وبينه وأخيه وزوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا، فلا تكلِّمَنَّه، ولا تَسْمَعَنَّ منه شيئًا. إلى أن قال الطفيل في نفسه: إنّي لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عَلَيّ الحَسَن من القبيح، فما يمنعني أن أَسمع من هذا الرجل، فإنْ كان الّذي يأتي به حسنًا قَبِلتُه وإن كان قبيحًا تَرَكْتُه. فقصد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فتلا عليه القرآن، فقال الطفيل: واللهِ، ما سمعت قولًا قطّ أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه. فأسلَم، وشهد شهادة الحقّ[15].

ابن المقفّع وابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصانيّ
ثمّة نموذج حاول التصدّي إلى مثل القرآن، ولكنه اعترف بالعجز أمام دهشته بعظمة القرآن الكريم، وأهمّ مثال يمكن طرحه في المقام: أنّه اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الدّيصاني الزنديق، وعبد الملك البصريّ، وابن المقفّع (صاحب كتاب كليلة ودِمنة تأليفًا أو ترجمةً)، عند بيت الله الحرام، يطعنون بالقرآن، واتّفقوا على نقضه، بهدف إبطال نبوّة محمّد، وبالتالي إبطال الإسلام، كما هو حال منطق المستشرقين.

لكنّهم عندما اجتمعوا، أقروا بالعجز ليس عن الإتيان بمثل القرآن، بل بآية منه، فقال ابن المقفّع: يا قوم إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر [وهي بعينها كلمة الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعه]، وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود: 44)، لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها[16].
والخلاصة، أنّ المعاصرين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقريبي العهد منه، وهم أرباب البلاغة والفصاحة والشعر والأدب والمعرفة بأساليب العرب ونظم كلامهم... اعترفوا بالعجز عن الإتيان بمثله وأنّه ليس كلام بشر، فكيف يكون النبيّ قد تعلَّمه من غيره من البشر كما ادّعى المستشرقون؟! فعدم استجابة العرب للتحدّي والعجز عن التصدّي، تدلّ على أنّ القرآن أنزل من عند الله تعالى للملازمة التي ذكرناها بين تحقّق مؤشّرات المعجزة وصدق مدّعي النبوّة. يقول تعالى: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (هود: 13-14).

نعم، هناك من حاول التصدّي، ولكن جاء بما تضحك منه الثكلى، ومن النماذج على ذلك هذيانات مُسَيْلمة[17]:
«يَا ضُفْدَعُ بِنْتَ الضُّفْدَعَيْنِ، نَقِّي كَمَا تُنَقِّينَ لَا الْمَاءُ تُكَدِّرِينَ، وَلَا الشَّارِبُ تَمْنَعِينَ».
«لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، إِذْ أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمة تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاق وحَشَى».
«الْفِيلُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلُ؟ لَهُ زُلقُومٌ طَوِيلٌ».
«وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، إِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ».
ومعارضة سورة العصر بقوله: «يَا وَبْرُ إِنَّمَا أَنْتَ أُذُنَانِ وَصَدْرٌ، وَسَائِرُكَ حَقْرٌ نَقْر»[18].
وكذلك حال: الأسود العنسيّ، طلحة بن خويلد الأسدي، سجاح بنت الحارث التميميّة.
وكذلك هرطقات كاتب رسالة «حسن الإيجاز»[19]: زعم أنّه يمكنه معارضة القرآن بمثله، مثل معارضة سورة الفاتحة بقوله: «الحمد الرحمن ربِّ الأكوان، الملك الدّيَّان، لك العبادة، وبك المستعان، اهدنا صراط الإيمان»[20].
وسخافات عليّ محمّد الشيرازي (ت 1266هـ) في كتابه الذي أسماه البيان وادّعى أنّه أفضل من القرآن، كقوله: «قل إنّا جعلناك حبيبًا حبانًا للحابين. قل إنّا جعلناك برهانًا بريهًا للبارهين...». وعلى هذا المنوال، أو مثل قوله: «بسم الله الأقدم القدام القادم القدمان المتقدّم القيدوم المقدام ذي القدامين ذي القدامات ذي الأقدام...»!!!

سادسًا: شبهة تعلّم النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن عند البشر
يزعم وليم ميور أنّ «المصادر السوريّة كانت الأبرز في صيرورة معارف محمّد»[21]. وهذه المعارف اكتسبها خلال رحلتين إلى سوريا حيث تهيّأت له الفرصة للتعرف على معتقدات الكنيسة السوريّة، ومحاورة الرهبان الذين صادفهم[22]. بل ذهب إلى أنّه لعلّ محمّدًا اعتنق المسيحيّة وأصبح تابعًا مؤمنًا لمعتقد المسيح[23].
كما يعتقد ميور أنّه كان ثمّة أثر لخديجة التي كانت تقرأ النصوص المقدّسة[24]، وكذلك زيد بن حارثة الذي حمل معه من موطنه تعاليم مسيحيّة ربّما شكّلت موضوعات للتحاور بينه وبين والده بالتبنّي «محمّد» الذي كان عقله يبحث في شتّى الاتجاهات عن الحقيقة الدينيّة[25].

كما يرى ميور أنّ «لماريّة القبطية أثر ظهر في القرآن، ولا سيّما في قصص المسيح والتكلّم بالمهد وهبة الحياة إلى طير مصنوع من الطّين»[26].
مضافًا إلى وجود أماكن يتواجد فيها المسيحيّون في الجزيرة العربيّة، وكان محمّد يستمع لأحاديثهم بسرور حتى غدت مصدرًا لكثير ممّا لمسناه في القرآن، كقصّة الكهف الخياليّة[27].

مضافًا إلى «أنّ محمّدًا كانت تجمعه صلة باليهود منذ فترات مبكرة من حياته، حتى غدت سببًا في إحاطته بتاريخهم، بل إنّ ما يظهر في القرآن من تفصيلات دليل على اضطلاعه بصلة وثيقة مع بعض الأعلام اليهود، ولا سيّما في مرحلة ما قبل الهجرة»[28]. وقد نمّقت مخيّلة محمّد التاريخ اليهوديّ لتغدو قسمًا رئيسًا في القرآن»[29].
ويذهب إلى هذا الرأي: تيودور نولدكه[30]، وكارل يوهان تورنبيرغ[31]، وكارل فلهلم زترستين[32]، وأبراهام غايغر[33]، وبرنارد لويس[34]، وإجناس جولدتسيهر[35].

ويمكن مناقشة هذه المسألة بأنّ وجود مشتركات في بعض العقائد والقيم الأخلاقيّة والتشريعات والسنن والطقوس كالصلاة والصوم والختان والذبائح و... بين التراث اليهوديّ أو النصرانيّ وبين الإسلام، له احتمالان، الأوّل ما ذكره المستشرقون، وهناك احتمال آخر، وهو الحقّ، وحدة مصدر القرآن الوحيانيّ مع مصادر الأديان السابقة -رغم ما لحقها من تحريف-.

أمّا ادّعاء المستشرقين أنّه تعلّم عند بشر، فيناقش بمحاكمة قرائنهم وشواهدهم، ضمن نقاط:
الأولى: أنّ القرآن الكريم قد سَبَق إلى عرض هذه الشُّبهة: (وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ) (الدخان: 14)، وأجاب عنها: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل: 103). فقد ذُكِر في أسباب نزولها أنّ المشركين كانوا يقولون: إنّ محمّدًا تلقّى تعليمه عند بشر، وقول المستشرقين يشابهه أو مأخوذ عنه.

عن ابن عبّاس، قال: قالت قريش: إنّما يُعلِّمه بَلْعام، وكان قينًا بمكّة، روميًّا نصرانيًّا.
وقال الضحّاك أراد به: سلمان الفارسيّ (ره)، قالوا: إنّه يتعلّم القصص منه.
وقال مُجاهد وقتادة: أرادوا به عبدًا لبني الحضرميّ روميًّا، يقال له: يعيش أو عائش، صاحب كتاب، أسلَم وحسُنَ إسلامُه.
وقال عبد الله بن مسلم: كان غلامان في الجاهليّة نصرانيّان من أهل عين التّمر، اسم أحدهما: يسار، واسم الآخر: خير، كانا صيقليّن يقرآن كتابًا لهما بلسانهم، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ربّما مرّ بهما، واستمع لقراءتهما، فقالوا: إنّما يتعلَّم منهما[36].

وردُّ القرآن يبتني على مقدِّمة مطويّة سلّطنا الضوء عليها سابقًا، وهي أنّ كبار بلغاء العرب اعترفوا بأنّ القرآن يعلو ولا يُعلى عليه ويحطِم ما دونه، فكيف يكون الذي يُعلِّمه هو بشر لا يتكلّم العربيّة أو يتكلّمها بلسان غير فصيح؟!! فالأدب القرآنيّ أرقى كثيرًا من أيّ بقايا أدبيّة تعود للقرن السابع الميلاديّ.
والثانية: من المستحيل -عادةً- لطفل عمره 12 سنة أن يتعلّم بالتقائه بالراهب بحيرا أو غيره في سفره إلى الشّام مع عمّه في رحلتين قصيرتين كلّ هذه التفاصيل السرديّة؟!! وأمّا زيد بن حارثة فقد كان غلامًا صغيرًا عندما جاء حكيم بن حزام بن خويلد به من الشام، وعلى فرض أنّ قبيلته اعتنقت المسيحيّة، فهي لم تستحكم به إلى درجة أنّه محيط بعقائدها وتاريخها.

وأمّا ماريا فكانت في مرحلة متأخّرة من البعثة النبويّة في حدود السنة الـ 7 هجريّة.
وأمّا أَخْذه عن سلمان الفارسيّ لكونه من علماء الفرس المتخصّصين بالأديان والمذاهب، فينفيه أنّ سلمان آمن بنبوّة محمّدs في المدينة المنوّرة!! ولو كان محمّدٌ أخذ عن سلمان، فلماذا يتّبعه مع معرفته بأنّه تعلَّم منه؟!! وبهذا، يظهر الحال في باقي النماذج.

والثالثة: الوثائق والكتب القديمة اليهوديّة أو المسيحيّة لم يكن لها وجود باللغة العربيّة، والكتب التي يُدّعى أنّ محمّدًا أخذ منها لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وعلى فرض وجودها في مكّة أو قريبًا منها لم تكن باللغة العربيّة، بل باللغات اليونانية والآراميّة والعبريّة...[37].
والرابعة: لو كان محمّد فعلًا أخذ عن الرهبان وغيرهم من الّذين ادّعى المستشرقون اتّصاله بهم من الذين عاشوا داخل البيئة العربيّة، لكتب المؤرّخون المسيحيّون في تلك الفترة عنهم، ولكن لا عين ولا أثر لذلك في كتب التاريخ المسيحيّة التي كُتبت في تلك الفترة خصوصًا ضدّ الإسلام.
والخامسة: لم يشر أيّ مصدر تاريخيّ إلى اتصال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في المرحلة المكّيّة باليهود والنصارى، خصوصًا أولئك الذين كانوا على اطّلاع على تفاصيل عقائد اليهود والنصارى وتاريخهما. وعلى فرض ذلك أين هي العقائد المسيحيّة من التثليث والصلب وألوهيّة المسيح و... من عقائد الإسلام في التوحيد وإنكار الأبوّة والبنوّة وتأكيد الطبيعة البشريّة للمسيح وإنكار الصلب والغفران للخطايا بهذه الطريقة؟!!

فتحليلات المستشرقين هي انطباعات شخصيّة واستحسانات لا تستند إلى أدلّة ووثائق تاريخيّة.
والخلاصة: بما أنّ محمّدًا لم يتعلّم عند بشر، فلا بُدَّ من أن يكون قد استلهم القرآن من مصدر غيبيّ.
قال تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت: 48-49).

فهذه الآيات تنفي أنّ تكون سيرة محمّد أو المعهود عنه أنّه كان يقرأ ويكتب قبل نزول القرآن عليه، وبذلك تثبت أمّيّته، بمعنى: أنّه لم يكن يُحسِن القراءة والكتابة، والحال أنّ العرب تعرف ذلك لأنّهم خالطوه وعاشروه، وبالتالي من المُفترَض مع معرفتهم بأميّة محمّد أن لا يُشكّكوا ويرتابوا في أنّ هذا القرآن وحيّ إلهيّ ولم يحصل عليه محمّد من خلال قراءته للكتب الدينيّة السابقة عليه، حتى ينسبوه إلى ذلك، إلّا إذا كانوا يريدون الباطل -والأمر كذلك- فهم جحدوا الآيات وكذّبوا بها عن ظلم واستكبار وعناد، فالقرآن ليس كتابًا مؤلَّفًا مخطوطًا قد ألّفه محمّد واحتفظ به، ثم يذكر في كلّ مناسبة فكرة منه، ولو كانت هذه الآيات نازلة من عند غير الله تعالى وينسبها محمّد إليه (قل إنّما الآيات من عند الله) مع قوّة تأثيره في نفوس الناس، لكان يجب عن الله أن يفضح ألاعيب محمّد ويكشف أباطيله، بينما الحال أنّه لم يحصل ذلك، خصوصًا مع ادّعاء محمّد (كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا)، الذي يكرّر فيه التحدّي مرّة تلو أخرى.

كما ردّ القرآن في قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) (يونس: 15-17).

فهذه الآية تنفي أن يكون القرآن من عند محمّد، لأنّه لو كان من عنده لكان يملك حقّ التبديل والتغيير، بل لكان حصل ذلك فعلًا، لأنّ كلّ شخص نتيجة تطوّر شخصيّته ونموّ أفكاره وتغيّر أحواله وحالاته، يُبدو له ويُبدّل ويعدّل في تصوّراته ومفاهيمه وقوانينه و...، لكن محمّدًا ادّعى أنّه لا يمكنه القيام بذلك (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي) فقد سلب عن نفسه هذه القدرة وهذا الحقّ، مُعلِّلًا ذلك بقوله: (إن أتّبع إلّا ما يوحى إليّ)، وخير شاهد على ذلك، أنّني لبثت فيكم عمرًا، وعشت بينكم، وكنت أحدكم لما يقارب أربعين سنة، لم أتلقَّ تعليمًا عند أحد، ولم يصدر عنّي شعر أو نثر، فلو كان من عندي لكان ينبغي عليّ أن تظهر عليّ آثار ذلك قبل هذا العمر، ولكنّي تلوته عليكم وأدراكم الله به لمشيئته تعالى، فالأمر في القرآن إلى مشيئة الله، «فإنّي مكثت فيكم عمرًا من قبل نزول القرآن، وعشت بينكم، وعاشرتكم وعاشرتموني وخالطتكم وخالطتموني، فوجدتموني لا خبر عندي من وحي القرآن، ولو كان ذلك إليّ وبيدي، لبادرت إليه قبل ذلك، وبدت من ذلك آثار ولاحت لوائحه، فليس إليّ من الأمر شيء، وإنّما الأمر في ذلك إلى مشيئة الله»[38].

وفي هذا السياق، يتبيّن أنّ واحدًا من وجوه إعجاز القرآن الكريم هو شخصيّة النبيّ محمّد نفسه، كما يشهد له قوله تعالى في أحد وجهي تفسيره: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 23).
أرجع بعض ضمير «الهاء» في قوله: (مِن مِثْلِهِ) إلى المُنزَّل أي القرآن الكريم، فيكون معنى الآية: إن كنتم في شك في المُنزَّل -أي القرآن- فأتوا بسورة مثل المُنزَّل، فتكون هذ الآية مسانخة لباقي الآيات المُتقدَّمة في المعنى.

وقال آخرون، -وهو الوجه الذي نرجِّحه- إنّ ضمير «الهاء» يعود على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فمعنى الآية: إن كنتم في شكٍّ من المُنزَّل على محمّد، فأتوا بسورة من شخص أمّيّ مثل محمّد، لا يعرف القراءة والكتابة، ولم يتلقَّ تعليمه عند أحد، ونشأ وترعرع في بيئة وثنيّة غير حضاريّة، لا تعرف العقائد التوحيديّة والقيم الأخلاقيّة وسنّ التشريعات والقوانين و... ولو كان من عند محمّد الطامع في الدنيا والملك والسيطرة والشهرة و... لما صبر أربعين عامًا ليدّعي نزول الوحي عليه، ولما تأخّر كلّ هذه المُدّة، مع عدم وجود ضمانة لاستمرار حياته، فلو كان لمحمّد أطماع شخصيّة سيستغلّ الفرصة من صغره في سنّ الثلاثين أو قبل ذلك مثلًا ليبلّغ القرآن فيحقّق أغراضه. كما يُشعِر به قوله تعالى: (قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (يونس: 16).

سابعًا: مصادر القصص القرآني بين أنباء الغيب والأخذ من البشر والكتب القديمة
واحدة من أهم قرائن وشواهد إثبات إعجاز القرآن هو ما تضمّنته نصوصه من قصص الأنبياء، باعتبارها من: «أنباء الغيب»[39].
ومن شواهد ذلك في القرآن الكريم:
قوله تعالى في قصّة نوح (عليه السلام): (تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ). (هود: 49)
وقوله تعالى في قصّة يوسف (عليه السلام): (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ). (يوسف: 102)
وقوله عزّ وجلّ في قصّة زكريا ومريم (عليه السلام): (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران: 44)

والسؤال الأساس: ما هو التلازم المنطقيّ بين «أنباء الغيب» وكون القرآن معجزة؟
يكمن الجواب في الآيات نفسها، حيث إنّها تفيد أمورًا:
الأوّل: أنّ محمّدًا وقومه لم يكن لديهم علم بتفاصيل قصص الأنبياءb التي عرضها القرآن (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ).
والثاني: بالتالي، هذه القصص كانت غائبة عن أذهانهم، فينطبق على إخباره النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها: «أنباء الغيب»، لأنّ مفهوم الغيب يشمل كلّ ما توارى عن الحواس وتستّر عن العيون[40]، بخلاف الشهادة التي تعني: المشهود الحاضر في الجهاز الإدراكيّ للإنسان.
والثالث: أنّ محمّدًا نقل تلك القصص بتفاصيلها الدقيقة كأنّه يعاينها، مع أنّه لم يكن حاضرًا في تلك الأزمنة وشاهدًا على تلك الأحداث روَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ.
والرابع: أنّ محمّدًا الذي يشارك البشر في أجهزته الإدراكيّة، ليس له طريق ذاتيّ إلى «عالم الغيب»، فلا يبقى إلّا أن يحصل عليها من مصدر خارجيّ.
والخامس: هذا المصدر الخارجيّ -على سبيل منع الخلوّ- إمّا بشر مثله، كما نسب المشركون إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، وبيّنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) (النحل: 103)، وتبعهم المستشرقون كما سنعرضه.

وإمّا بتعليم إلهيّ، وبالتالي يكون إظهار الغيب لمحمّد لكون الله تعالى ارتضاه رسولًا موحَى إليه، كما في قوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ...) (الجن: 26).
النتيجة: ننفي أحد طرفي الترديد، وهو كونه مُعلَّمًا من بشر، فيثبت الطرف الثاني: وهو التعليم الإلهيّ -حيث لا طرف ثالثًا-، وبالتالي الوحي والنبوّة (تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ).

وقد تقدّم أنّ رؤية المستشرقين تقوم على الطرف الأوّل من الترديد. يقول ميور: «إذا تتبّعنا قصص القرآن المسيحيّة، لا شكّ سنلمس أنّ محمّدًا تمكّن من الاطّلاع والاستعارة من الأناجيل الأبوكريفيّة[41]، على نطاق واسع؛ وذلك لأنّ القسم الأكبر مما ورد من تفاصيل هذه الأناجيل يتطابق دون أيّ وجه حكمة مع ما جاء في القرآن»[42]. خصوصًا إنجيل برنابا، وإنجيل الباسليديّين.
ويقيم ميور دليلًا على كون القرآن ليس وحيًّا بل مُنتحَلًا من خلال التطابق بينه وبين الكتاب المقدّس، فيقول: «لكلّ أولئك الذين لم يدرسوا وحي محمّد، قد يكون المفيد إيراد أمثلة توضح التطابق مع الكتب المقدّسة اليهوديّة، والانحرافات الغريبة والخياليّة عنها، لا سيّما قصّة آدم، وقصّة هابيل وقابيل، وقصّة إبراهيم، وقصّة يوسف ويعقوب وقصص سليمان، وملكة سبأ»[43].

ويمكن مناقشة هذه المسألة بالدراسة المقارنة بين القصص التوراتيّ أو غيره وبين القصص القرآنيّ. حيث إنّنا سنلاحظ أنّ ثمّة تباينًا جوهريًّا بينهما، فأين القصص في التوراة التي تهبط بالروح النبويّة إلى حضيض الشهوات الحيوانيّة (فالأنبياء في الرؤية التوراتيّة بين سكران مخمور، ومتعرٍّ -كنوح-، وزانٍ بالمحصنات -كداود-، ومخمور ينكح ابنتيه ويأتي بنسل منهما -كلوط-[44]، وغشّاش مخادع -كيعقوب-، وصانع لأوثان -كهارون-... إلخ)، من قصص القرآن التي ترفعهم إلى الحضور في الحضرة الإلهيّة؟!! ووجود عناصر مشتركة بينهما لا يعني وحدة «فلسفة القصّة»، فإنّها تقاطعات طبيعيّة، لواقعيّة القصّة وأحداثها التاريخيّة في الجمَلة. وقد تعمّد المستشرقون إغفال التوازي العقائديّ بين الرؤيتين.
وليس الاختلاف بين الرؤيتين عقائديًّا فقط، بل حتى تجاوزنا هذا الجانب، فنلاحظ أنّ هناك اختلافًا في تفاصيل القصّة، من ناحية أنّ القرآن إمّا أنّه يخالف ما ورد في القصّة التوارتيّة ويعدّل فيها وإمّا يضيف إليها جديدًا، فمن أين يستمدّ محمّد هذه المعطيات الجديدة؟!!

فمثلًا، في قصّة موسى(عليه السلام) ورد في سِفر الخروج: الإصحاح الثاني: 5-10: أنّ ابنة فرعون هي التي كانت في النّهر تغتسل ورأت الصبيّ يبكي، فأخذته وكفلته لمرضعة (أمّ الصبيّ)، «وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ: «مُوسَى» وَقَالَتْ: «إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ».
أمّا في القرآن، فيقول تعالى: Nوَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًاM (القصص: 11).
ومن يقارن القصّة يلاحظ أنّه: أين التوراة من الأسلوب الأدبيّ والمضمونيّ للقرآن؟!!
وعلى كلّ حال، بالعودة إلى المقارنة من الناحية العقائديّة، نعرض نموذجًا واحدًا عن قصّة هارون:

ورد في: سفر الخروج: الأصحاح الثاني والثلاثون: وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا...». فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا»... فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلًا مَسْبُوكًا...
فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اذْهَبِ انْزِلْ. لأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ شَعْبُكَ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلًا مَسْبُوكًا، وَسَجَدُوا لَهُ وَذَبَحُوا لَهُ وَقَالُوا: هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ»...

وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «مَاذَا صَنَعَ بِكَ هذَا الشَّعْبُ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيْهِ خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟»...
فَضَرَبَ الرَّبُّ الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ هَارُونُ.
فهذا النصّ ينسب إلى هارون صناعة العجل، وخلق البيئة الحاضنة للوثنيّة والشرك وعبادة غير الله تعالى... إلخ، وأين هذا من هارون(عليه السلام) في الرؤية القرآنيّة الذي كان وزيرًا لموسى وأخلفه في قومه ليصلح[45]، وأنّه رحمة[46]، وأنّ الله آتاه الفرقان وضياءً وذكرًا[47]، والذي اعتبر صناعة العجل فتنة ودعا بني إسرائيل إلى ربوبيّة الرحمن... Nلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِيM (طه: 90).

أمّا الوارد في القصة القرآنيّة أنّ الذي قام بذلك هو السامريّ[48].
ثامنًا: شبهة نفي الإعجاز بسبب اضطراب النصّ القرآنيّ
من الشُّبهات التي يطرحها المستشرقون حول القرآن لنفي كونه معجزة وموحَى به من عند الله تعالى، هو أنّه نصّ مضطرب. يقول جولدتسيهر: «لا يوجد كتاب تشريعيٌّ اعترفت به طائفة دينيّة اعترافًا عقديًّا على أنّه نصّ مُنزَل أو موحَى به، يُقدّم نصّه في أقدم عصور تداوله بمثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات، كما نجد في النصّ القرآنيّ»[49].

وباستقراء كلماتهم يمكن استخلاص اضطرابه في أمور، منها: فقدان الوحدة الموضوعيّة بين الآيات، والتكرار، وتعدّد القراءات... نبحث عنها بالترتيب.

فقدان الوحدة الموضوعيّة بين الآيات
أمّا فيما يتعلّق باللاترابط بين النصوص القرآنيّة في السّورة الواحدة، بأنّه تارة تتحدّث السورة عن قضية عقائديّة كالتوحيد، ثمّ تنعطف منها إلى الحديث عن تشريع ما كالصلاة، ثم عن قضية تاريخيّة، أو مثل، أو...
يقول زترستين: «غالبًا ما تكون هناك الكثير من التكرارات المُتعبة، فضلًا عن التحوّلات المباشرة من موضوع إلى آخر، ما يجعل انطباعًا مزعجًا للغاية عند القراءة»[50].

التكرار المضمونيّ
وفيما يتعلّق بتكرار الموضوعات، فنلاحظ مثلًا تكرّر ذكر قصّة آدم أو موسى أو إبراهيم أو الحديث عن الصلاة أو الزكاة أو... في سور كثيرة.

يقول كارل يوهان تورنبيرغ: «إنّ القرآن كرّر مرارًا وتكرارًا قصص الشعوب القديمة نفسها عن الأنبياء القدماء، وعن الشعوب الذين تمّ تدميرهم من دون السماح لهم بالتحذير... ويمكن للمرء أن يرى بسهولة التمييز غير المفهوم بين هذا السجل الدينيّ والكتابات المقدّسة لدينا»[51].
وبالنتيجة، أسلوب القرآن غير مألوف عند العرب، بل في أيّ أدب تعبيريّ، فالثقافات عادة ما تكتب في ضوء قانون الوحدة الموضوعيّة الذي يقوم على أساس الترابط وعدم التكرار، فتُعبِّر عن فكرة ما في نصّ إنشائيّ مترابط الأفكار متناسق، لكن القرآن نصٌّ لا ترابط بين أفكاره، وهناك تكرار عبثيّ لموضوعاته، وهذا يدلّ على أنّه من صناعة محمّد وليس من عند الله، فهو ليس معجزّة بل مزعجًا.

والمفارقة أنّ هذه الشُّبهة تتعامل مع القرآن كأنّه كتاب كباقي الكتب، في حين أنّ ميزة القرآن بأنّ له أسلوبه الخاصّ في التعبير عن مراده في ضوء ما يُحقِّق أهدافه. فالقرآن ليس كتابًا قد خطّته أنامل فيلسوف أو أديب أو... وليس كتابًا علميًّا أو تأريخيًّا... كي يكون خاضعًا لشروط البحث العلميّ والأكاديميّ وما عهده الناس من أسلوب المؤلِّفين، فتكون الأفكار مترابطة بشكل هندسيّ، على نحو: باب أوّل يتألّف من فصل كذا وكذا، حتى لو تجاوزنا، ليس هناك شيء مُلزِم للنصِّ القرآنيّ بنحو يكون هناك وحدة موضوعية لكلِّ سورة البقرة -مثلًا-.

هذا، لا يعني تحرّر النصّ القرآنيّ من أيّ ضابط موضوعيّ. فهناك بحث عند بعض العلماء يسمّونها وحدة الغرض، أي أنّ كلَّ سورة لها غرض خاصّ يترتّب عليها، فالسورة لو لم تعبر عن موضوع واحد لكنّها لها غرض واحد، وممّن ركّز على هذا الاتجاه في مفتتح تفسير السور العلّامة الطباطبائيّ في كتابه الميزان في تفسير القرآن.
يقول مثلًا في مطلع سورة الطور: «غرض السورة إنذار أهل التكذيب والعناد من الكفار بالعذاب الذي أُعِدَّ لهم يوم القيامة»[52].

فالقرآن له أسلوب خاصّ، وهو أحد أوجه إعجازه بأنّه ليس نثرًا ولا شعرًا، فلا يخضع لقواعدهما التأليفيّة وضوابطهما التعبيريّة، بل من وجوه إعجازه أنّه ليس له وحدة موضوعيّة، ومحوريّة الترتيب بين الآيات تقوم على أساس تحقيق الغرض، فإذا لم يحقّق هذا الأسلوب القائم على أساس اللاترابط الموضوعيّ والتكرار الغرض، فينفتح باب الإشكال، ولكن إذا كان هذه الأسلوب يحقّق الغرض، فهو فعل حكيم، لأنّ الفعل الحكيم ما يحقّق الهدف ولا يخلّ بالغرض.
وهدف القرآن وغرضه كما صرّح، هو: الهداية، والإخراج من الظلمات إلى النور، بمعنى إيصال الناس إلى الهدف الوجوديّ الذي خُلِقوا لأجله، وهو «معرفة الله وعبادته تعالى»، بإراءة الطريق والإيصال إلى المطلوب، فالقرآن يضيء صراط كدح الإنسان إلى لقائه تعالى، ويأخذ بيده إليه.

فمعيار الأسلوب القرآنيّ هو في أن يكون متناسبًا ومنسجمًا مع الغرض الذي لأجله نزل القرآن، فلو كان الأسلوب القرآنيّ بغير هذا الأسلوب لما حقَّق الغرض، في الحدِّ الأدنى إن لم يكن مُطلقًا ودائمًا، فأكثريًّا وغالبًا.
فهذا الأسلوب الخاصّ بالقرآن، يجعل النفس البشريّة لا تشعر بالضّجر والملل، كما أنّه يشعر بالتفرّد والخصوصيّة، لا كأنّه يطالع كتاب فيلسوف لتغذية عقله وتكوين صورة كاملة حول موضوع معيّن، أو يقرأ قصّةً ورواية أدبيّة ليطّلع على الأحداث كلّها بطريقة متسلسلة حسب تاريخ الوقائع. نعم، لو كان الأمر كذلك لتحدّث الله تعالى عن قصّة موسى(عليه السلام) في فصل خاصّ وسماه: سورة موسى، وينتهي الحديث عن قصّة موسى، ثم لا يتحدّث في سورة أخرى عنه، وهكذا سورة نوح، سورة إبراهيم، سورة عيسى... بمعنى أنّه تنتهي قصة نوح في تلك السورة أو قصّة عيسى...، ثم مثلًا يتحدّث القرآن في سورة خاصّة عن الألوهيّة والصفات الإلهيّة و... في سورة خاصّة يطلق عليها اسمها: سورة التوحيد، وفي الشرائع يتحدّث عن النكاح ويجمع موضوعاته في سورة واحدة معتمدًا التقسيم الذي يعتمده المؤلِّفون. لكن هذا يخلُّ بالغرض القرآنيّ الذي هو الهداية، فيكون خلاف مقتضى الحكمة، فإنّما يتحقّق الغرض بهذه الطريقة، لأنّ النفس البشريّة تتكون من دوائر وأبعاد، فهناك البعد الذهنيّ، والقلبيّ، والبدنيّ، والسلوكيّ...، كما أنّ للإنسان رغبات وحاجات متنوّعة، ويمرّ بظروف مختلفة، نفسيّة وروحيّة وعاطفيّة وصحيّة وماليّة واقتصاديّة وسياسيّة وأمنيّة واجتماعيّة وأسريّة... بل في داخل كلّ فرد تعيش مجموعة من الشخصيّات: الطّفل، والملاك، وفرعون، والشيطان، والوحش... والنصّ القرآنيّ يتناغم مع الطبيعة البشريّة بكافّة أبعادها وظروفها وحاجاتها و...، فهو تارة يخاطب العقل، ثمّ ينتقل ليخاطب القلب، ثمّ ينعطف نحو السلوك، وتارة يعالج موضوعًا عقائديًّا، وأخرى اقتصاديًّا، وثالثة أخلاقيًّا... كما أنّ القرآن نزل للناس جميًعا، وهم ليسوا على نسق واحد، فهناك من يهتدي بقصّة، أو موعظة، أو مَثَل... هذا التنوّع هو الذي يُحدِث التأثير المطلوب في الشخصيّة.

والخلاصة، أنّ الضابط الجامع، ليس من الضروريّ أن يكون وحدة الموضوع، بل تكفي وحدة الغرض، والقرآن كتاب هداية، يحقّق بأسلوبه هذا الغرض.

ونضيف في مسألة التكرار:
أوّلًا: أنّ القرآن أكّد على التكرار بما يخدم غرض الهداية، قال تعالى: Nاللَّهُ نَزَّلَ أَحسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إِلَىٰ ذِكرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍM (الزمر: 23).
فالمتشابه في هذه الآية بمعنى أنّ القرآن الكريم يشتمل على آيات مُتكرِّرة المضمون، يُشبه بعضُها بعضًا، ويؤيّد بعضُها بعضًا، فقد كرَّر القصص والمغازي، كما كرَّر ما يرجع إلى التوحيد بأقسامه، إلى غير ذلك من المعاني المُتكرِّرة[53].
ثانيًا: البعد التربويّ للتكرار، التربية هي عمليّة التغيير التدريجيّ للشخصيّة الإنسانيّة من النقص إلى الكمال المُستعدَّة له بأصل التكوين، فإذا أردنا إحداث تحوِّل في الشخصيّة من وضعيّة موجودة إلى وضعيّة مرغوبة، يتوسَّط بين الأمر القائم وما هو كائن، وبين ما ينبغي أن يكون، عمليّة التدريب والتعليم بالتكرار والممارسة والمواظبة، مثلًا عندما يتحدَّث علماء الأخلاق عن كيفيّة تحويل خُلُقٍ ما من حالة إلى ملكة راسخة مستقرّة في النفس البشريّة بحيث يصدر الفعل عن الإنسان بلا رويّة، يؤكِّدون على أهمّيّة الدّربة والعادة والتكرار والمواظبة، بل حتى الرياضيّون يؤكِّدون بأنّه إذا أردنا التربية البدنيّة وبناء العضلات، فيحتاج -مثلًا- تدريب عضلة الصدر إلى 3 جولات، في كلِّ جولة 10 تكرارات، لمدّة زمنيّة معيّنة، وكذلك التعليم المدرسيّ، يقوم على أساس مبدأ التكرار للمعلومة لغرسها في نفس المتعلِّم، فالتكرار هو الذي يؤدّي إلى نمو الذهن أو الخُلُق أو العضلات أو... إلخ.

فالتكرار في القرآن مُتعمَّد، لأنَّ التربية والتأديب والتعليم، إنّما تؤثّر في بناء الشخصيّة، بالتكرار، وإذا كانت وظيفة القرآن تربية الإنسان بأبعاد هويّته المختلفة، فلا بُدَّ من استخدام أسلوب التكرار لتحقيق الهدف.

اضطراب النصّ القرآنيّ بسبب تعدّد القراءات
ومن جملة الشُّبهات التي يطرحها المستشرقون حول النصّ القرآنيّ ليجرّدوه من إعجازه، أنّه نصٌّ مضطّرب من حيث تعدّد القراءات القرآنيّة، فلو كان معجزة، فهذا يعني أنّه موحَى به من عند الله تعالى، وبالتالي لا يكون مضّطربًا وغير ثابت ويقبل التبديل والتغيير.
طبعًا، سنتجاوز مناقشة مقارنته النصّ القرآنيّ بالكتب السماويّة الأخرى، لأنّها من السخرية بمكان، فعن أيّ كتب يتحدّث عن النصّ التوراتيّ أو الإنجيليّ، وهي في أسلوب التعبير والكتابة وتناقض المضمون مما يثير ضحك الثكلى، فضلًا عن أنّه لا يوجد نصّ توراتيّ واحد أو إنجيليّ واحد متّصل سنده بموسى أو عيسى، وإنّما الوثائق التاريخيّة تفيد تدوينها بعد موسى والمسيح بعشرات السنين.

وعلى كلّ حال، النقطة التي نريد التركيز عليها تتعلّق بتعدّد القراءات.
أوّلًا: إنّ طبيعة الخطّ العربيّ أدّت الدّور الأهمّ في تعدّد القراءات، لأنّه بغير تشكيل وتعجيم، فليس فيه نقاط، وبالتالي لا يتمّ التمييز بين التاء والياء مثلًا كقراءة ابن كثير (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَيَعْلَمُونَ) بالياء، وقراءة عاصم (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ) بالتَّاء، كما أنّه يخلو من ضبط الحركات، فقد يقرأ آخر الكلمة بالضمّ أو الفتح كما في قوله تعالى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ) (لَقَدْ عَلِمْتُ) فقد قُرأت بالفتح والضمّ، أو يقع الخلاف في تحريك الكلمة، مثل: (فسُحُقًا) بضمتين كقراءة الكسائيّ أو (فسُحْقًا) بالتخفيف كقراءة حفص...

فالصورة الكتبيّة للكلمة مُوجِبة لاختلاف الصورة الصوتيّة لها، حيث إنّه كثيرًا ما تتشابه الكلمات عند عزل النقاط والحركات في الرسم والخطّ، وبالتالي يتغيّر الضبط والمعنى تبعًا لذلك، ومن هنا دخل الاجتهاد الشخصيّ إلى عالم القراءة.
عن الإمام الباقر(عليه السلام): «إنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قِبَل الرواة»[54].
يقول المحقق الهمداني: «الذي يغلب على الظنّ أنّ عمدة الاختلاف بين القُرَّاء نشأ من الاجتهاد والرأي والاختلاف في قراءة المصاحف العثمانيّة العارية عن الإعراب والنقط، مع ما فيها من التباس بعض الكلمات ببعض بحسب رسم خطّه»[55].
وبالتالي، فإنّ تعدّد القراءات ليس من ناحية محمّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّها لم تصل إلينا عن طريق التواتر، كي يُشكَل بأنّ النصّ القرآنيّ مضّطرب. فالقراءات متأخِّرة عن نزول القرآن، فلا تضرُّ في إعجازه، لأنّ اختلاف الحرف والحركة، لا يخلُّ بأصل النصِّ وإعجازه.

ثانيًا: النصّ القرآنيّ الذي نزل قبل تعدّد القراءات، كان على مسمع أمراء البلاغة وأرباب اللغة، ولم يُشكلوا عليه، بأنّك يا محمّد، تقرأ وتضبط الكلمات بخلاف أسلوب التعبير العربيّ الذي نمارسه وعهدناه، وأنت تقول: بلسان عربيّ مبين؟!! بل على العكس من ذلك -كما تقدّم- فقد قبض النصّ القرآنيّ على عقولهم وقلوبهم، وأثار دهشتهم، واعترفوا بالعجز أمامه، وأنّه ليس من كلام الإنس أو الجنّ.
ثالثًا: هذا كلّه، على فرض حصريّة إعجاز القرآن بالبيانيّ والأدبيّ، لكن بيّنا سابقًا أنّ إعجاز القرآن يتجاوز البعد البلاغيّ والأدبيّ إلى الإعجاز المضمونيّ في عقائده ومعارفه، والإعجاز الغيبيّ في الإنباء عن الغيب والقصص النبويّ، والإعجاز العلميّ الكاشف عن الحقائق الطبيعيّة التي لم تكن معروفة في عهد نزول النصّ وكشف عنها العلم لاحقًا... إلخ.

شبهة تحدّي القرآن بالمعارف التوحيديّة حصرًا دون البيان والبلاغة
نعم، تبقى نقطة مهمّة في هذا السياق، وهي محاولة نولدكه، التركيز على الجانب المعرفيّ من القرآن في التحدّي ليُفرِغ به المعجزة من روحها وحقيقتها، حيث قال: «إذا تفحّصنا تحدّي محمّد عن كثب، اكتشفنا أنّه لم يتّحدَّ خصومه أن يأتوا بما يضاهي القرآن من ناحية شعريّة أو خطابيّة، بل بما يضاهيه من حيث الجوهر، وهذا ما لم يكن في وسع أعدائه بطبيعة الحال. فكيف كان لهم أن يدافعوا عن الإيمان القديم بالآلهة، وكانوا على اقتناع شديد به، بالطريقة نفسها التي دافع فيها ذاك عن وحدة الله وما يتعلّق بها من عقائد»[56].

وبالتالي، يكون انصراف العرب عن الاستجابة للتحدّي، ليس بسبب القوّة الإعجازيّة للقرآن الكريم، وإنّما بسبب أنّهم لا يعتقدون بالمعارف ذاتها التي يعرضها القرآن، ولا يملكون قوّة المنطق في الدفاع عن عقائدهم القديمة، في حين أنّ محمّدًا يملك قوّة المنطق في الدفاع عن عقيدة التوحيد، فيكون اللاتحدّي من قبل العرب ليس بسبب المقتضي، أي إعجاز القرآن في بيانه وأسلوبه وأدبه و...، ولا لقصور ذاتيّ في المشركين، بل لعوامل خارجيّة تتعلّق بضعف منطق المشركين، فالمقتضي للتحدّي موجود، ولكن هناك مانع، في حين أنّ الإعجاز يعني اللااقتضاء لا وجدان المانع أو فقدان الشرط.
لكن، ما يدّعيه نولدكه، هو خلاف ما فهمه العرب المعاصرون للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ تبيّن من النصوص التي عرضناها سابقًا أنّهم فهموا التحدّي في الجانب الأدبيّ والتعبيريّ والبيانيّ، ولذا كانوا يحاكمون النصّ في ضوء ميزان الأدب واللغة، كما في تصريح الوليد بن المغيرة: «فوالله، ما فيكم من رجلٍ أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برَجِزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ منّي، والله، ما يشبه الذي يقول محمّدٌ شيئًا من هذا. والله، إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمُثمِر أعلاه، مُغدِق أسفله، وإنّه ليعلو وما يُعلَى، وإنه ليَحطِمُ ما تحته».

ومن الشّواهد على ذلك أيضًا: أنّ طريقة معارضة القرآن ممّن حاول ذلك، كانت بلحاظ السياق التعبيريّ والبلاغيّ، بدءًا من مسيلمة الكذّاب، في قوله مثلًا: «الفيل، ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له مشفر طويل، وذنب أثيل، وما ذلك بخلق ربّنا بقليل»، ومرورًا باعتراف ابن المقفّع وغيره بالعجز عن الإتيان بآية من مثله من حيث قوّة البيان والبلاغة والفصاحة.

الخاتمة
الذي يتابع كتب المستشرقين ويرصد تراثهم، يلاحظ أمرين:
الأوّل: أنّهم لم يأتوا بجديد من ناحية الشُّبهات والأفكار التي يطرحونها، وإنّما يجترّون كلّ قديم قد أجاب عنه علماؤنا وناقشوه، ولكنّهم يُلبسونه ثوب التحقيق والبحث في ضوء المناهج العلميّة الموضوعيّة، وهم أبعد ما يكون عن ذلك.
والثاني: الذي يغلب على الظنّ أنّ أزمة الإنسان المستشرق الذي احتكّ بالقرآن عن قرب، ليست معرفيّة في خطّ علاقتهم بالقرآن الكريم، بل هي مشكلة نفسيّة-أخلاقيّة، ويمكن الخروج بهذه النتيجة بعد التأمّل في مجموعة نقاط:
الأولى: أنّ الحقّ واضح من ناحيتين: أنّ شاهد صدق النصّ القرآنيّ مستبطن في ذاته، بمطابقته للأدلّة العقليّة ونداء الفطرة العاشقة للحقّ. والثاني: إعجازه الواضح الذي يضغط على العقل ليصدِّق به.
الثانية: أن إنكار الحقّ والجحود سببه: الظلم، والعلوّ، والبغي، والحسد الدينيّ، وابتغاء الفتنة، والشعور بمركزية الذّات الغربيّة، والمصالح الدنيويّة...
قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل: 14)، هذه الآية تدلّ على أنّ الجحود وقع بعد اليقين، وسبب الجحود: نفسيّ-أخلاقيّ (الظلم والعلوّ).
وقال تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: 75)، هذه الآية تدل على أنّ التحريف وقع بعد التعقّل والعلم، بهدف أن يشتروا به ثمنًا قليلًا وهو المصالح الدنيويّة.
وقال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ) (البقرة: 109)، الآية تفيد أنّه تبيّن لهم الحقّ، ولكن أنكروا بسبب الحسد.
وهذا هو حال كثير من المستشرقين، الذين أعمتهم حجب مركزيّة الذات الغربيّة والحسد والبغي والظلم والعلوّ عن الإقرار بالحقّ بعدما شاهدوه من بيّنات الصدّق في القرآن الكريم.

لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، دار الفكر، 1979م.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: محمّد حسين شمس الدين، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 1419هـ.
ابن هشام الحميري، عبد الملك، السيرة النبويّة، مكتبة محمّد علي صبيح، ميدان الأزهر-مصر، 1963م.
جولدتسيهر، أجناس، العقيدة والشريعة في الإسلام، نقله إلى العربية: محمّد ويسف موسى، عبد العزيز عبد الحق، على حسن عبد القادر، دار الكتاب المصريّ، القاهرة، ط1، 1946م.
الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت، ط4، 1975م.
الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمّد، المفردات في غريب القرآن، دار القلم، ط1، 1412هـ.
سال، جرجس، مقالة في الإسلام، ترجمة وتحقيق: هاشم العربيّ، منشورات أسمار، ضمن سلسلة الإسلام من منظور آخر، ط1، 2006م.
السبحاني، جعفر، المناهج التفسيرية في علوم القرآن، دار الولاء للطباعة والنشر، بيروت، 2013م.
السعيدي، عصام هادي كاظم، الدراسات القرآنية في الاستشراق السويديّ، العتبة العبّاسيّة المقدّسة، المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة، النجف- العراق، ط1، 2020م.
صدر المتألّهين، محمّد الشيرازي، المشاعر، تقديم: هنري كوربان، مؤسّسة التاريخ العربيّ، بيروت، ط1، 2000م.
الطباطبائيّ، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة- قم المقدّسة.
الطبرسيّ، أحمد بن علي، الاحتجاج، تعليق: السيّد محمّد باقر الخرسان، منشورات مطابع النعمان، النجف الأشرف، 1966م.
الطبري، محمّد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان.
غايغر، أبرهام، اليهودية والإسلام، ترجمة: نبيل فياض، دار الرافدين، بغداد، ط1، 2018م.
غراب، أحمد عبد الحميد، رؤية إسلامية استشراقيّة، المنتدى الإسلاميّ، لندن، 1411هـ.
الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، تعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط3، 1388ه.
لوبون، غوستاف، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، مؤسّسة هنداوي للنشر والثقافة، القاهرة، 2012م.
نولدكه، تيودور، تاريخ القرآن، ترجمة: جورج تامر، مؤسسة كونراد، بيروت، 2004م.
الهمداني، آقا رضا، مصباح الفقيه، مؤسّسة الجعفريّة لإحياء التراث ومؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، ط1، 1416ه.
ويلز، هربرت جورج، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد، ط3، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب.

-------------------------------------------------
[1](*)- باحث في الدراسات القرآنية ـ لبنان.
[2]- ويلز، معالم تاريخ الإنسانيّة، ص626.
[3]- لوبون، حضارة العرب، ص111.
[4]- سال، مقالة في الإسلام، ص116.
[5]- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص33.
[6]- مثلًا: روي أنّ مسيلمة الكذّاب أراد أن يتشبّه بالنبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، عندما بلغه أنّه بصق في بئر فأصبح ماؤه كثيرًا، فبصق في بئر، فغاض ماؤه، وصار أجاجًا مالحًا، فتخلّفت النتيجة عن الشّرط، فيكون ذلك -رغم كونًه فعلًا على خلاف نواميس الطبيعة- دليل كذب، لا صدق.
[7]- الإسراء: 88؛ والقصص: 49؛ والطور: 34.
[8]- هود: 13.
[9]- يونس: 38.
[10]- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص57-70.
[11]- صدر المتألّهين، المشاعر، ص81.
[12]- ( إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) الكهف: 110.
[13]- الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج12، ص309. وابن كثير، البداية والنهاية، ج3، ص78.
[14]- الحميري، ابن هشام، السيرة النبويّة، ج1، ص190.
[15]- م.ن، ص382.
[16]- الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص142
[17]- انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج4، ص271.
[18]- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج4، م.س.
[19]- كتيب صدر من المطبعة الإنكليزيّة الأمريكانيّة، بولاق- مصر، سنة 1912م.
[20]- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص94.
[21]- Muir, The Life of Mahomet vol.II. P. 134.
[22]- Muir, The Life of Mahomet vol. I. P. 18.
[23]- vol. II. P19.
[24]- vol. II. P.66.
[25]- vol. II.p.49 -50.
[26]- Muir, The sources of Islam, p. vii.
[27]- Muir, The sources of Islam, p. vi.
[28]- Muir, The Life of Mahomet vol. II. P. 8.
[29]- Muir, The Life of Mahomet vol. I. P. 214.
[30]- نولدكه، تاريخ القرآن، ص4-7.
[31]- انظر: السعيدي، الدراسات القرآنيّة في الاستشراق السويديّ، ص90.
[32]- Zettersteen, Karl Vilhelm, Koranen, p.16.
[33]- غايغر، اليهوديّة والإسلام، ص45.
[34]- انظر: غراب، رؤية إسلاميّة استشراقيّة، ص112.
[35]- جولدتسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ص5-6.
[36]- الطبرسي، مجمع البيان، ج6، ص200.
[37]- Watt, W. Montgomery, Muhammad at Mecca, oxfod University Press, Oxford 1953. Op. cit. p52.
[38]- الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج10، ص29.
[39]- الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص64.
[40]- قال ابن فارس: «أصل صحيح يدلّ على تستّر الشي‌ء عن العيون». معجم مقاييس اللغة، ج4، ص403. وقال الراغب الأصفهاني: «الغيب مصدر غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين ... واستعمل في كل غائب عن الحاسة وعما يغيب عن علم الإنسان». المفردات في غريب القرآن، ص366.
[41]- تطلق كلمة :»أبو كريفا» على ما هو زائف وتافه.
[42]- vol. II. P308.
[43]- Muir, composition, P. 47.
[44]- ورد في: سِفر التكوين: الأصحاح: 19 : «وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي الْمَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: «أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ.
هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا». فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلاَ بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: «إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلِي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا». فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلاَ بِقِيَامِهَا. فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوآب»، وَهُوَ أَبُو الْمُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. وَالصَّغِيرَةُ أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ «بِنْ عَمِّي»، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ.
[45]- الأعراف: 142.
[46]- مريم: 53.
[47]- الأنبياء: 48.
[48]- طه: 87-98.
[49]- جولدتسيهر، العقيدة والشريعة، ص22.
[50]- Zettersteen, Karl Vilhelm, Koranen, p.26.
[51]- Tornberg, Karl Johann, Koranen, p.10.
[52]- الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص5.
[53]- السبحاني، المناهج التفسيريّة في علوم القرآن، ج1، ص159.
[54]- الكلينيّ، الكافي، ج2، ص630.
[55]- الهمدانيّ، مصباح الفقيه، ج12، ص114.
[56]- نولدكه، تاريخ القرآن، ج1، ص50-51