البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حياة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

الباحث :  مكي سعد الله
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  37
السنة :  شتاء 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 14 / 2024
عدد زيارات البحث :  1501
تحميل  ( 630.680 KB )
الملخّص
يتناول هذا البحث بالقراة والتحليل ما كتبه المستشرق الفرنسيّ الكونت دي بولانفيليه في كتابه «حياة محمّد؛ مع تأمّلات حول الديانة المحمّديّة وعادات المسلمين»، إذ يتميّز كونه من السير والتراجم الفكريّة التي تناولت سيرة المصطفىs بنوع من الموضوعيّة قياسًا بالمكتبة النبويّة الغربيّة عمومًا والاستشراقيّة خصوصًا، ويرجع السبب في ذلك إلى مشروعه الفكريّ الذي أسّسه على المراجعة والتدقيق والنقد، والمنهج العلميّ الموضوعيّ والمعتدل، ورفض الصدفة والقراءة السطحيّة، والاندفاع الأيديولوجيّ والتعصّب المذهبيّ والطائفيّ في كتابة التاريخ؛ ولهذا لم يعتمد بولانفيليه على مقارنة الكتابات، ولا المراجعات للتصويب والتقويم، ولا بالدخول في الديالكتيك العقائديّ بالدفاع عن انتماء محدّد، ولكنه استند إلى المنهج العلميّ والمعرفة التاريخيّة والعلوم الفلكيّة التي شكَّلت منعطفًا جديدًا وحديثًا في سيرة الرسول الأعظمs. وعليه يسعى البحث إلى الكشف عن أسرار الرؤى العلميّة التي قارب بها بولانفيليه حياة النبيّs ومنهجه الذي تبنَّاه، مخالفًا في ذلك مفكّري عصور التنوير ومستشرقي عصره، وتوصّل فيه إلى نتائج منصفة لشخصيّة شغلت الفكر العالميّ والإنسانيّ.

الكلمات المفتاحيّة: محمّد، الكونت دي بولانفيليه.

مدخل
اتّجه الفكر الأوروبيّ في عصر التنوير وما قبله إلى مقاربة الإسلام ونبيِّه، باعتباره نموذجًا إنسانيًّا وكونيًّا جديدًا ومتجدّدًا، من حيث الدعوة والتشريع، فانطلقت الأبحاث في منحى موحَّد ومسار ثابت ورهان مشترك، يتجلّى في تقويض سلطته والترهيب من قيمه ومبادئه وصناعة عدوّ وهميّ متخيَّل، يهدِّد المسيحيّة أوّلًا والعقلانّية ثانيّا والإنسانيّة جمعاء في وجودها البشريّ كخلاصة عامّة. فانتشرت الصور النمطيّة لرسوله الكريمs المنتجة كنسق ثقافيّ متكرّر عبر مكتبات وبيبليوغرافيّات فاسدة ومشوَّهة، مُشبعة بالتدليس والتفسيرات الخاطئة والتأويلات السطحيّة المرتجلة، فجاءت صورة الرسولs وظيفيّة وإجرائيّة تخدم مصالح بعينها واتجاهات دينيّة وفلسفيّة وسياسيّة مضبوطة ودقيقة.

ولإنجاز المهمّة وتحقيق أهدافها سخّرت المنظومة المركزيّة الغربيّة المؤسّسات الدينيّة اللاهوتيّة ومراكز السياسات والبحث في الأيديولوجيّات ومعاهد الاستشراق الأدبيّ والفكريّ والأنثروبولوجيّ للحفر عن كلّ موقف وشبهة ومشهد وتشريع يخدم أغراض الإساءة والتشويه والتنفير ويساعد على تفكيك نبوَّة محمّدs ويُكرّس ثقافة الدجل والكذب.
وسط هذا المحيط العدوانيّ الرافض للنبوَّة والقرآن، انبرى الكونت دو بولانفيليه، ليؤلّف سيرة للرسولs موسومة بعنوان «حياة محمّد» موافقًا في ذلك نظراءه من كتّاب السير والتراجم الذين تبنُّوا العنوان عينه، ولكن برؤية مغايرة ومنهج مخالف ومقاربة حديثة من حيث الآليّات وبنية التحليل، والاستقراء المنطقيّ للأحداث، برفض الصدفة والقراءة السطحيّة، والاندفاع الأيديولوجيّ والتعصّب المذهبيّ والطائفيّ.

أزمة الفكر
لم يتمكّن فكر الأنوار من التحرّر والتبعيّة للمنظور العنصريّ الاقصائيّ للثقافة العصر الوسيط وامتداداته المتغلغلة في المؤسّسات الأكاديميّة والكنسيّة الدينيّة والمنظومات الاستعماريّة التوسّعيّة وفروعها وأجنحتها المنضوية تحت سلطتها وأدبيّاتها، مع اختلافات بسيطة في التسمية والتضليل في تحديد الأهداف والغايات. فقد عجز هذا الفكر بادّعائه العقلانيّة والموضوعيّة والمنهجيّة من التخلّص من حالات الرفض المطلقة للنموذج الحضاريّ الإسلاميّ المغاير والمخالف للأنظمة الوضعيّة التي فشلت في فهم الوجود والكينونة ورسالة الإنسان، رغم فلسفات المغايرة ورسائل التسامح لجون لوك (John Locke) وفولتير (Voltaire)، فقد هيمنت أفكار الرفض والتشويه ومناهج التشكيك والانتقائيّة في اختيار المشاهد والشواهد الخادمة لأهوائهم وتوجّهاتهم لتوظيفها في عمليّات التدليس وإثارة الشبهات.
فيكفي للباحث استعراض المصنّفات من كتب ورسائل وترجمات للتأكيد على عمق المؤامرة وفساد النيّات وانحراف الأفكار، فجاءت عتبات الكتب موحية بالنتائج المتوخّاة والمرغوب في تحقيقها، كإنكار الوحي عن محمّدs بنسبة القرآن له «قرآن محمّد» (L’Alcoran de Mahomet) لأندريه دي ريير (André Du Ryer) و«محمّد، القرآن» (Le Koran/ Mahomet) لكلود إيتيان صافاري (Claude-Étienne Savary) ويضع المترجمون للقرآن الكريم اسم النبيّ محمّدs في أعلى الترجمة لإيهام القارئ والمتلقّي بتأليفه للنصّ القرآنيّ المقدّس.

ويحوّله آخرون إلى مشرع وواضع سنن وقوانين لإزالة صفات الألوهيّة من التشريع، وترويجُ أنّها قوانين وضوابط محلّيّة تخصّ فئة بعينها ومجتمع بذاته وإقليم بحدوده الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة كمؤلَّف فيكتور لوكو (Victor Lecou) الذي ترجمه صافاري (Savary) والموسوم ﺑــ«القوانين الأخلاقيّة والدينيّة والمدنيّة لمحمّد، نماذج من القرآن» (Les Lois morales, religieuses et civiles de Mahomet extraites du Koran) سنة 1850. وقد يصنّفونه ضمن كتب الملل والنحل البشريّة التي تفنّن أصحابها في تقنينها لتناسب رغباتهم وأهوائهم كالبوذيّة والمانويّة والكونفوشيوسيّة، فينتقل بهذا النصّ القرآنيّ وخطابه المعجز وبيانه البليغ إلى محاورات وتأمّلات بشريّة، تغرق في متاهات المتخيّل وهيامات الروحانيّات الشرقيّة وأسئلة الوجوديّات والنهايات، ومنها كتاب كلود دي فيسديلو (1656-1737) Claude de Visdelou «الكتب المقدّسة للشرق» (Les livres sacrés de l’Orient) (1875) والذي يضع الرسولs مع الكتب الوضعيّة «الأربعة لكونفيشيوس وأتباعه» (OU LES QUATRE LIVRES DE CONFUCIUS ET DE SES DISCIPLES)، و«قوانين مانو أوّل مشرّع هنديّ»(LES LOIS DE MANOU, PREMIER LÉGISLATEUR DE L’INDE) وقرآن محمّد (LE KORAN DE MAHOMET). وتعامل بعض الباحثين والمحلّلين والكتّاب المستشرقين خاصّة مع النصّ القرآنيّ باعتباره مؤلَّفًا ومصنَّفًا شخصيًّا لمحمّد -ص- كحال أستاذ التاريخ الفرنسيّ إيناس لويس غوندال (Ignace-Louis Gondal) (1854-1920) في كتابه «محمّد ومؤلَّفه» (Mahomet et son œuvre) (1897) والذي لخَّص فيه بعبارات مركّزة التفكير الغربيّ/ المسيحيّ المنكر للبعثة والرسالة جاعلًا من محمّدs دجّالًا متقمِّصًا للنبوّة «محمّد نبيّ مزيّف، وقرآنه كلام متناقض، وعباراته هراء وألفاظ فاحشة»[2] ويرى في النبيّ زعيمًا قوميًّا، يسعى لتحقيق مآرب سلطويّة قوميّة محلّيّة ترتبط بالعرق والتراب، لينفي عن الرسالة الروح العالميّة والإنسانيّة «أصبح محمّد بالفعل في الرابعة والعشرين من عمره، أحد المشاهير، فهو يعرف وطنه من الداخل والخارج، وكانت تزعجه عظمة الحضارة المسيحيّة التي شاهدها في بصرى (سوريا)، ويهينه منظر مكّة، ويؤلمه منظر المآسي التي لا حصر لها، التي أصابت عرقه بالحروب الداخليّة والسيطرة الأجنبيّة، فبدأت فكرة الثورة الاجتماعيّة والدينيّة تطارد ذهنه، فهو يحلم بمستقبل أفضل لوطنه؛ يخبره حدسه ويتكهّن بأنّ الساعة قد جاءت لإنجاز أشياء عظيمة ويكون هو البطل المختار من الله لهذا العمل العظيم»[3]. ومنهم من رتَّبه مع الدعاة والمبشّرين وأصحاب المشاريع الفكريّة من فلاسفة ومفكّرين ومعارضين ومتكلّمين الذين ترتبط مشاريعهم وقضاياهم بالزمان وتنتهي بانتهاء ديمومته في فلسفة آنيّة سريعة الانتهاء والنفاذ والنسيان، كأطروحة الباحث ريمون ديكاس (Raymond Ducasse) التي قدَّمها لمعهد علم اللاهوت بجنيف (سويسرا) سنة 1908، بعنوان «محمّد في زمانه» (Mahomet dans son temps) واستعرض فيها الحالة الدينيّة للعرب قبل محمّدs ثمّ حياته وأعماله وأخيرًا شخصيّته «على الرغم من اختلاف الروايات وافتقارها للموضوعيّة والحياد إلّا أنّ (محمّدًا كان مُلهمًا، مثيرًا للاحترام، مخلص ومتفانٍ في عمله»[4]. واعتبر الملاحدة من المادّيّين واللادينيّين أنّ الديانات كلّها دجل، وأنّ العالم تسيّره المادّيّات، وأمّا الغيبيّات والعوالم الآخرويّة، فلا تعدو أن تكون من ضروب العجائبيّة والغرائبيّة، وهو حال أصحاب كتب الإنكار ومنها المخطوط المنسوب إلى جان مكسيمليان لوكاس (Jean Maximilien Lucas) الموسوم ﺑـ«أبحاث دينيّة، أخلاقيّة وسياسيّة حول الدجّالين الثلاثة المشهورين؛ موسى والمسيح عيسى ومحمّد» (Dissertations théologiques, morales et politiques sur les trois fameux imposteurs: Moïse, J.-C. et Mahometوكتاب «بحث حول الدجّالين الثلاثة» Traité des trois imposteurs) لـ جان روسي دي ميسي (Jean Rousset de Missy) (1686-1762)[5]. وصنّف أخير جعل الإسلام في مواجهة الغرب، وواضعًا محمّدًاs في صدام مع المسيح -عليه السلام- منكرًا حقيقة تكامل الديانات السماويّة وقاعدتها في التوحيد، كما في كتاب «بول ريفال» (Paul Réveillère) (1908-1829) «الصليب والهلال» (Croix et croissant) سنة 1897 والذي أخلط فيه الأوصاف والصفات، والمزايا والسلبيّات، فجاءت عباراته متناقضة تجمع بين الأضداد والمتناقضات كقوله مثلًا «كان استثناءً في اعتداله بالنسبة للعرب، ليس ممتنعًا عن شرب الخمر فحسب، بل كان يصوم صيامًا صارمًا للغاية، كثير الوضوء المتكرر، يضاف إلى ذلك النظافة الدقيقة، وكان يرتدي الملابس الأكثر شيوعًا، وغالبًا ما تكون مرقعة»[6] لينتقل في القول إلى إثبات «أنّه عنيف بطبعه، مظهرًا طيبة لا حدود لها»[7] ومن صفاته أيضًا أنّه «كان مُتطيِّرًا، مؤمنًا بالأساطير والخرافات بشكل أعمى، مبالغ في حبّه لهذا المشرقيّ لدرجة الإفراط، معتقدًا بإخلاصه المطلق في علاقاته الحميميّة مع هذا الله الأعلى»[8] ومن صفاته الإيجابيّة المثيرة قدرته على حبّ الناس واكتساب مشاعرهم وعواطفهم «لقد كان لمحمّد هذه الموهبة الطبيعيّة الخارقة، وهي الأعظم في كلّ قوّته بأنّه محبوب عند الجميع»[9].شكّلت هذه المكتبة خلفيّة ثقافيّة ومعرفيّة ومرجعيّة للباحثين عبر العصور ابتداءً من القرن السادس عشر، فانطلقوا من أرضيَّتها ونواتها لبناء صورة وصناعة تمثُّلات والتأصيل لأنساق ثقافيّة حول الإسلام عمومًا ورسوله على وجه الدقّة والتخصيص، ولم تتمكّن عقلانيّة عصر الأنوار والتنوير، بمناهجها الثوريّة والطلائعيّة من التخلّص والتحرّر من هذه الرواسب والرؤى والتصوّرات إلاَّ في حالات نادرة ومحدودة. فسادت بذلك العتمة الأكاديميّة، وبالتكرار والاجترار اللامعقول شاعت المغالطات وانتشرت الأوهام والشبهات، ممَّا يستوجب تفعيل مناهج المراجعات العقلانيّة وآليّاتها، لتخليص الصور والأفكار من الإقصاء والعنصريّة والأيديولوجيّا المتطرّفة.

المدوّنة
يُعدُّ الكونت هنري بولانفيليه (Henri comte de Boulainvilliers) المولود بتاريخ 1658، بسان سير (Saint-Saire) بفرنسا، والمتوفّى بباريس سنة 1722، من الفلاسفة المشرّعين في الفكر السياسيّ، ومن المؤرّخين أصحاب المناهج الحديثة في كتابة التاريخ وإعادة مراجعته، ومن روّاد التجديد في فلسفة الحكم والتسيير، حيث يعتبر فنّ الحكم نوعًا من العلوم التي يجب إتقانها وفق معايير الحكم الراشد الذي يؤمّن الحقوق ويسهر على تطبيق الواجبات. كانت اهتماماته البحثيّة متعدّدة المشارب والاتجاهات من التاريخ الى السياسة والاجتماع ومنها إلى الأديان، فكتب في العهد القديم وتاريخ اليهود وحياة محمّد -ص-، واشتهر فكريًّا وسياسيًّا بمناهضته للاستبداد الأرستقراطيّ، فألّف العديد من الكتب السياسيّة والاجتماعيّة تناولت فكرة النبل والنبلاء في فرنسا (Essai sur la noblesse de France) سنة 1732، ويعتبر كتابه «حياة محمّد؛ مع تأمّلات حول الديانة المحمّديّة وعادات المسلمين» (La Vie de Mahomed; avec des réflexions sur la religion mahometane, & les coutumes des musulmans) سنة 1730، وقد كتبها ما بين 1719 و1721 وصدر جزؤها الثالث بعد وفاته، بعدما تمّت تكملة وإضافة الجزء المخطوط[10]، وشملت الطبعة الثانية تغييرًا طفيفًا في العنوان، بإضافة عبارة «تأمّلات حول الديانة المحمّديّة وعادات المسلمين»، من السير والتراجم الفكريّة التي تناولت سيرة المصطفى بنوع من الموضوعيّة قياسًا بالمكتبة النبويّة الغربيّة عمومًا والاستشراقيّة خصوصًا، ويرجع السبب في ذلك إلى مشروعه الفكريّ والاجتماعيّ والسياسيّ الذي أسّسه على المراجعة والتدقيق والنقد، فكانت سيرة الرسولs امتدادًا لمنهجه العلميّ الموضوعيّ، واستمراريّة للعقلانيّة العلميّة التي تجنح نحو محاربة الإقصاء وتسعى لإرساء ثقافة الاعتدال، فقد اعتبر منهجه في الاعتدال استكمالًا لمشروعه النقدّي الذي انتقد فيه بقوّة وشدّة كلّ أشكال الاستبداد الأرستوقراطيّ والعلميّ في منهجيّة كتابة التاريخ، فهو يناهض مركزيّة الكتابة التاريخيّة التي تتأسّس على المرجعيّة الأحاديّة والرؤية المؤدلجة الرافضة لكلّ مغايرة واختلاف «إنّ السرد التاريخيّ يمثّل عند بولانفيليه بشكل جيّد، خطاب العقلانيّة العلميّة، فإنّ مفهومه للتاريخ وكما أكّد منتقدوه، أنّه «علم»، مشبع بقوّة بالعقلانيّة، وفق ما يتماشى ومبادئ المؤرّخين الإنسانيّين في القرن السادس عشر الذين أرادوا إعطاء التاريخ مكانة علميّة، وبالتالي منعه وإبعاده من أن يصبح جنسًا أدبيًّا معيّنًا، وهو على عكس ميزيراي (Mézeray) لا يُدرج الوظيفة الترفيهيّة بين وظائف التاريخ»[11].

بكتابة بولانفيليه (Boulainvilliers) لسيرة الرسولs بطريقة مغايرة ومخالفة لتقاليد القرن السادس والسابع عشر اللذين جعلا من الإسلام ونبيِّه عدوًّا متوهّمًا ومتخيّلًا تتأسَّس من خلاله العلاقات بين الغرب والشرق وبين الإسلام والمسيحيّة، يكون الباحث المؤرّخ قد خلَّص البحث التاريخيّ من المركزيّة المهيمنة والمتسلّطة بمرجعيّات متعصّبة، وحرَّر أيضًا فكر الأنوار من تكراره للأخطاء والأغلاط التي تزخر بها مؤلّفات ومصنّفات العديد من المؤرّخين «بإعادة بعثه لسيرة محمّد يكون بولانفيليه مصدر إلهام لفولتير، الذي كان له موقف مغاير من العرب... وبهذه الرؤية يصبح بولانفيليه محاميًا ومدافعًا عن فكر الأنوار ومناهضيه، بوضعه نقدًا جذريًّا لعصره كّله، والذي لا يمكن اختزاله بسهولة في تصنيفات علم التاريخ»[12] وتكمن أهمّيّة الكتاب في إخضاع المعلومات التاريخيّة المتوارثة والأحكام النقديّة والتصوّرات إلى المنظور العقليّ، والمنهج التحليليّ الاستقرائيّ الذي يتجاوز المطلق والنهائيّ، ويفتح أبواب النقد والتفسير والتأويل للأحكام، من خلال آليّات ومعايير المراجعة لكلّ مكتسب قبليّ «يدخل كتاب «حياة محمّد» ضمن الحركة الواسعة من تكذيب وتفنيد التصوّرات والتمثُّلات حول الإسلام كدين عنيف ووحشيّ، وهي الصور التي سيطرت على المشهد الثقافيّ (الغربيّ) في القرن السادس عشر، وكان بايل (بيار بايل) أوّل المنكرين لهذه الأطروحات، حين اتّجه الفلاسفة والرحالة إلى دراسة القرآن وثقافة التُرك العثمانيّين»[13]، أمّا المؤرخ الذي تجاهل شبهة انتشار الإسلام بالسيف، كما تُروَّج له الدراسات الاستشراقيّة، فذلك إشارة إلى المعجم الموسوعيّ «المعجم التاريخيّ والنقديّ» (Dictionnaire historique et critique) الذي ألّفه بيار بايل (Pierre Bayle) وأنكر فيه انشار الاسلام بالعنف والسيف «لا يمكن تفسير الانتشار السريع للديانة المحمّديّة باستخدام واستعمال العنف المسلح»[14]. وبلغت قيمة الكتاب العلميّة مكانة راقية، أشاد بها كتَّاب ونقَّاد السير الذاتيّة، واعتبروها أوّل سيرة منصفة لنبيِّ الإسلام محمّدs، فقد وصفها الباحث بالمعهد الجامعيّ الأوروبيّ (Institut Universitaire d’Etudes Européennes) والمؤرّخ الإيطاليّ فابريزو فريجوري(Fabrizio Frigerio) بأنّها «أّول مؤلّف قدّم محمّد والدين الإسلاميّ بطريقة إيجابيّة»[15] ويعتقد الباحث في دراسته الرائدة الموسومة ﺑ»مصدر مجهول لسيرة محمّد لبولانفيليه» (Une source méconnue de la Vie de Mahomed) إنّ أسباب الالتزام العلميّ للكاتب يعود إلى تكوينه وتخصّصه في علم الفلك، فبإسقاطه للفكر والنظريّات الفلكيّة على السيرة النبويّة، تمكَّن من الإقرار بصحّة ومصداقيّة النبوّة والرسالة «في كتابة بولانفيليه مصادر جديدة تُضاف إلى المصادر المعاصرة المعروفة، والتي أضافت فوائد خاصة ومتميِّزة لسيرة محمد ودعوته كمصلح ديني ومُؤسِّس لدين جديد، وتتمثّل في التفاسير والتأويلات الفلكيّة الأصيلة والجديدة والتي تميَّز بها الكاتب دون غيره»[16]. ويرى الباحث الإيطاليّ ديغو فانتورينو في مقارنته بين المفكّر الفرنسيّ مونتسكيو (Montesquieu) (1689-1755) ومؤلِّف «حياة محمّد» بولانفيليه في رحلاتهم المعرفيّة ومطالعاتهم حول العالم الإسلاميّ اختلاف الرؤى والأهداف والمناهج «حين كان مونتسكيو يجوب أوروبّا مُتنكّرًا في هيئة فارسيّ بدقّة وقحة، كان الكونت بولانفيليه قابعًا في قصره بنورمانديا، مسافرًا في الاتجاه المعاكس نحو الأراضي المجهولة للإسلام، كلاهما يعرف عمَّا يبحث، فالأوّل يريد كشف مغالطات الأوروبيّين، بينما الثاني ولأوّل مرّة يسعى لمعرفة مزايا العرب ورسولهم»[17].
تمكن بولانفيليه حسب فابريزو فريجوري بحدسه ومنهجه العلميّ المستند على العلوم الفلكيّة من إدراك نبوّة محمّدs بوعي علميّ واعتقاد موضوعيّ يقوم على الحجّة والبرهان، فجاءت الاستنتاجات خاضعة لمعايير الحجاج اليقينيّ والاستقراء المنطقيّ بعيدًا عن الجدليّات والمراجعات التاريخيّة التي تستقي المواقف والمشاهد من ذخائر الكتب وخزائن المصنّفات، ثمّ تتبعها بعمليّات التفنيد والتصويب، ممَّا يُحوِّل الكتابة السيرذاتيّة إلى إشكاليّة جدليّة، فتفتقد المصداقيّة والجماليّة. فقد استطاع بولانفيليه بفضل تكوينه الفلكيّ من حصر جملة من الإشكالات والأحداث التي رأى بأنّها تشكّل أدلّة دامغة على صدق نبوءة محمّدs وتأكيد على أنّ رسالته دعوة إلهيّة، وهي: «في الأوّل نجد أربعة موضوعات تتعلّق بمحمّد؛ موضوع الجزيرة العربيّة، و«مولد محمّد» و«دعوة محمّد» و«الهجرة أو ملكيّة محمّد» وهي الموضوعات التي حلّلها بولانفيليه ووضحها في علاقاتها المتبادلة»[18] فهذه الظواهر المركزيّة والأساسيّة من حياة محمّدs تكشف عن المصادر المجهولة في ترجمة بولانفيليه والمتمثّلة أساسًا في أبحاثه الفلكيّة، ومنها كتاباه حول حركة الشمس وتفسير أحكام المواليد فلكيًّا «تُظهر القراءة المتأنّية لهذه الصفحات أنّ الصفات التي نسبها بولانفيلييه إلى محمّد وإلى الإسلام في كتابه «حياة محمّد» قد تمّ ذكرها بوضوح في تفسيره لهذه المواضيع وتمّ تفسيرها من خلال تأثير العوامل الفلكيّة الدقيقة. وبما أنّ مخطوطة حياة محمّد (بين 1719 و1721) متأخّرة عن مخطوطتي تاريخ حركة أوج الشمس (l’Histoire du mouvement de l’Apogée du Soleil) (1711) والممارسة المختصرة للأحكام الفلكيّة على المواليد (la Pratique abrégée des jugemens Astronomiques sur les Natiuités) (1717)، فيمكننا أن نستنتج أنّ هذين العملين الأخيرين يجب أن يظهرا بالمنطق ضمن مصادر الأوّل (أي كتاب حياة محمّد)»[19]. إنّ ميلاد محمّدs في يوم معيّن وتوقيت محدّد، وانبثاقه في شبه جزيرة العرب زمانيًّا ومكانيًّا ليس صدفة وحدثًا اعتباطيًّا، فهو فعل غير طبيعي وحدث غير عادِيّ، لارتباطه بالعلوم الفلكيّة حسب بولانفيليه وحركة التسلسل الزمنيّ ودورته «تجدر الإشارة إلى أنّ مسألة التسلسل الزمنيّ هذه تسمح له (بولانفيليه) بتخطّي «زميله» المُنجّم جوزيف جوست سكاليجر (Joseph-Juste Scaliger) الذي كان مهتمًّا جدًّا بالتسلسل الزمنيّ، نظرًا لأنّه هو مخترع «الفترة اليوليانيّة» البالغة 7980 عامًا، والذي يسمح لك بالمرور من خطّ زمنيّ لآخر، وهذا ليس خلافًا بسيطًا بين العلماء، لأنّ دقّة تفسير المخطّط بالنسبة للمنجّمين تعتمد على دقّة تاريخ ووقت الولادة، وهكذا فإنّ الدقّة المقدّمة فيما يتعلّق بوقت ميلاد محمّد «في «نقطة الفجر» تشير إلى أنّه في الوقت الذي جاء فيه إلى العالم كانت الشمس في البيت الأوّل، وهو ما تختصّ به الشخصيّة الرائعة المُتميِّزة وفقًا لقواعد التفسير الفلكيّ، وهذا ما لاحظه بولانفيليه في كتابه «تاريخ حركة أوج الشمس»»[20].

لقد أسّس وبنى نظريّاته في الفكر السياسيّ والبناء المؤسّساتيّ والتشريعات الدستوريّة على أحكام التاريخ العلميّ الموثّق بالتصنيفات العقلانيّة والمعايير الموضوعيّة، التي تمكّنه من دحض رواسب فكريّة، خلَّدها التاريخ المزيّف «هناك تقليد عام يعود تاريخه إلى العصور الوسطى جعل من محمّد شيطانًا دجّالًا، قام بإقناع جموع جاهلة بالغلوّ والتعصّب، وجلبها لتدمير العالم المسيحيّ، لكن بولانفيليه يوضح صراحة أنّ الغرض من عمله (حياة محمّد) هو تحدّي هذه الثوابت التي سادت في الخطاب المناهض للمسلمين منذ قرون»[21]. واعتبر الباحث والأستاذ الجامعيّ الفرنسيّ ايف سيطون (Yves Citton) في أبحاثه حول «الحداثة البديلة للتنوير» (Altermodernités des Lumières) كتاب بولانفيليه «حياة محمّد» بأنّه «تمجيد ومدح للذكاء الإنسانيّ»[22].
إنّ استحقاق المفكّر الحداثيّ التنويريّ وسام وتزكية لا ترتبط بالزمن في المقام الأوّل، وإنّما هي إشادة ولقب ومرتبة علميّة، تتعلّق بالأبحاث وقيمتها وفاعليّتها وتأثيرها، فكان بولانفيليه جديرًا بها نظرًا لفكره الطلائعيّ الإنسانيّ الذي سبق به عصره، فكانت كتاباته فتوحات حداثيّة، أثارت التساؤلات والإشكالات في المنظومة الفكريّة والمعرفيّة الأوروبيّة المتمركزة حول نفسها ممَّا دفعها إلى المراجعة والتصويب، أمام أفكار التجديد والإنصاف والاعتدال «يبدو من الحكمة بشكل خاصّ إدراج بولانفيليه في هذا التقليد الحداثيّ البديل، لأنّه لعب دورًا مركزيًّا في نشر السبينوزيّة داخل التنوير الراديكاليّ، وابتعد عن المركزيّة الأوروبيّة باعترافه ببعض المزايا والعادات والقيم والمعتقدات المنتشرة على نطاق واسع في العالم العربيّ الإسلاميّ، والتي تساعد وتعمل في المقام الأوّل على الترويج لصورة الديمقراطيّة الراديكاليّة التي ينظّمها التفاعل الوثيق بين العادات المشتركة والذكاء الإصلاحيّ، وهو التفاعل الذي يلعب الدين في قلبه دورًا مركزيًّا. فالأديان، مثل اللغة، هي في الواقع جزء أساسيّ من النسيج العلائقيّ الذي يشكّل المشترك الذي من خلاله يتمّ إعادة إنتاج قوّة الجمهور يوميًّا...والسؤال بشكل عامّ هو هل كانت الأديان، شريكة في الحداثة الاستعماريّة كضمان لنهب العالم خارج أوروبا»[23].

تأمّلات في الحياة العقليّة والدينيّة للعرب
مهَّد الكتاب بتحذير من الناشر، مفاده توضيحًا للقراء بأنّ بولانفيليه أكمل الجزءين الأوّل والثاني، بينما الجزء الثالث فقد تمَّ تحريره ونشره بعد وفاته، وقد اشتمل الجزء الأوّل الذي أطلق عليه الكاتب عنوان «الكتاب الأوّل» ويحتوي على مجموعة من المحاور المتناسقة والمتناغمة مع الموضوع، موزّعة على مئة وخمس وسبعين صفحة (175) بدأها بوصف عام للجزيرة العربيّة، لكن دون الذهاب إلى التقارير الجغرافيّة التي تحدّد الحدود والتضاريس وأنواع الفلاحة والمناخ وغيرها من المطالب التي يلتزم بها الجغرافّيون، فجاء وصفه مركّزًا حول سقوط الحضارات، مخصّصًا الحضارتين اليونانيّة والرومانيّة بالإشارة والنموذج، ومذكّرًا بالخصائص الفسيولوجيّة والسيكولوجيّة للشعوب، فالعرب «روحانيّون، كرماء، نزهاء ونبلاء، متحرّرين من مشاعر تقلّب الأمزجة التي أصابت أهل الشمال نظرًا؛ لتغيُّر الفصول التي ولَّدت عندهم الجهل والكسل، الذي حاول اليونانيّون والرومانيّون محاربته منذ خمسة عشر أو عشرين قرنًا»[24]، ويرى في هذا التقديم حول حالة العرب وأحوالهم والحضارات العتيقة وزوالها، أنّ الخلفيّات الفكريّة والأيديولوجيّة المؤسّسة لفكرة وثقافة الصور النمطيّة لانتشار الإسلام بالعنف، لا تقوم على قواعد منطقيّة وحجج برهانيّة مقنعة، فهي إلى التمثُّلات الوهميّة والأراجيف والأوهام أقرب، وأكثر استجابة للأهواء وخدمة للمركزيّة الأوروبيّة واللاهوت الكنسيّ المتطرّف، «إنّ محمّدًا هو مؤسّس الإمبراطوريّة الأكثر اتّساعًا ومهابة، وهي أكبر من الإمبراطوريّتين المقدونيّة والرومانيّة، وهو أوّل ملك عاهل للعرب. وما يهمّنا هو الناحية الدينيّة، وإقامته لدين جديد، لقد رسّخت عندنا حقيقة تأسّست، على أكذوبة وقحة، نسجتها التصوّرات المسبقة، أنّ قوّة السلاح هي وسيلة الانتشار، ونحن نزدري هذه الموضوع (الفكرة)؛ لأنّ الرعب (الترهيب) لا يتماشى مع الفكرة المحمّديّة»[25] ويستطرد الباحث في توصيفه للحالة الثقافيّة والفكريّة التي سادت عصره والعصور السابقة، مُذكّرًا بالجحود الكبير والإنكار المتعمّد والمقصود لفضل العرب ومنجزهم العلميّ والحضاريّ في جميع الحقول العلميّة والتقنيّة والتي كانت سببًا في تنمية المعرفة الإنسانيّة عمومًا، ويأخذ الجحود سبلًا متنوّعة، أهمّها التقليل من جهودهم بالتكتّم والاختزال والاقصاء، فكان التجاهل الإراديّ منهجًا لصناعة صورة نمطيّة تبعد العرب عن المدنيّة والحضارة وتقرّبهم من الوحشيّة والبربريّة، ويتجلّى الإهمال الآخر في ضعف النخب العلميّة من إنتيليجنسيا ثقافيّة واستشراق علميّ موضوعيّ في الإقرار بالمكتبة العربيّة العلميّة والأدبيّة ودورها في نشر المعرفة والعلوم الطبّيّة والفلسفيّة والتقنيّة والتي كانت مصدرًا ومنهلًا للعلماء الغربيّين في فترات ركودهم العلميّ؛ «ولذلك فمن العدل أن نشكو بأنّ هناك عددًا قليلًا جدًّا من العلماء الذين اجتهدوا في فهم اللغة والثقافة العربيّة، ومن النادر أن يعترف هؤلاء بفضلها، والقليل من بين هذا العدد، من يُقرُّ بهذا التكوين العموميّ العام من خلال ترجمة بعض المخطوطات التي تزخر بها مكتبة الملك وهي من أوفر الكنوز في العالم»[26].

مستقرئًا الأسباب الموضوعيّة، يفسّر بولانفيليه الصور النمطيّة السلبيّة لصورة العرب وحضارتهم وتاريخهم بجهل الأمم بالتاريخ الصحيح الموثّق «يجب أن لا نتعجّب، فبالرغم من أنّ العرب من الشعوب العتيقة والمعروفة، إلّا أنّهم لم يكونوا معروفين عند اليونانيّين والرومانيّين»[27] وهذا الجهل اللاطبيعيّ واللامنطقيّ فسح المجال والميدان للمتخيَّل الأيديولوجيّ، بنسج صور نمطيّة ارتبطت في أغلبها بالعنف والبربريّة والوحشيّة، ولعبت المرويّات الكبرى أدوارًا مركزّية في الترويج لهذه التصوُّرات ونشرها وتصديقها لتنال وتصل إلى مراتب المصداقيّة والمشروعيّة. وبقراءاته التاريخيّة وتحقيق مصادرها بالرؤية النقديّة الثاقبة، ومنهجيّته في الكتابة الدستوريّة والتوثيق التاريخيّ للدولة الفرنسيّة، خاصّة التأليف في حقلي الحوكمة وبناء الدول وصناعة الحكومات، تمكن من إدراك الحقائق التاريخيّة والاطلاع على التاريخ العميق والعتيد للعرب «البُعد المكانيّ عن العرب واختلاف الدين جعلنا ننظر لهم (العرب) كبرابرة، ولكن رغم المسافة، فإنّني بالعودة إلى الأصول والمنابع تمكّنتُ من الإعجاب بهذا التاريخ المجيد»[28].
تمكّن الباحث بتطبيقاته المنهجيّة من استنباط أحكام تنأى بقيمتها العلميّة عن الحدس الغرائزيّ والتخمين الوهميّ والاندفاع الأيديولوجيّ والتعصّب المذهبيّ، فجاءت صوره مستمدّة من الواقع بمواصفات المطابقة العلميّة للمعايير، ناصعة في تجلّياتها وواضحة في نتائجها، توحي بالتحكّم في آليّات البحث، فمن خلال المؤشّرات المناخيّة والمعطيات البيئيّة، تشكَّلت صورة العربيّ، فظهرت بأنّها تتمتّع بصفات ثابتة وهويّة ديناميّة، متفائلة ومتكيّفة مع واقعها ومحيطها، متفاعلة ومنسجمة مع الظروف ومتغيّرات الحياة: «البنية الجسديّة الطبيعيّة للعرب صلبة وقويّة، إنّهم لا يتعّرضون تقريبًا للأمراض كغيرهم من البشر، فقد تعوّدوا على الصبر والعمل منذ الطفولة، ويساعد نقاء الهواء وحرارة المناخ التي تسبّب لهم التعرّق، على المحافظة على صحّتهم حتّى مراحل متقدّمة من الشيخوخة»[29]. لقد صقلت الصحراء بمحتوياتها وبياناتها ومكوِّناتها الإنسان العربيّ، وأكسبته القيم النبيلة والمبادئ الإنسانيّة الراقية والسامية التي تُؤمِّن الثبات على الفعل والقول، «ونتيجة لهذه البنية الجسديّة، فإنّ قراره عادة ما يكون سليمًا وواضحًا ودقيقًا؛ وهو أيضًا لا يتزعزع تقريبًا، بسبب قلّة شغفه، فهو جادّ وكئيب، ولكن دون نزوة مزاج وروح دعابة سيّئة، كما أنّ بساطة أخلاقه تبعده عن الدناءة والتكبّر، فنجد عنده الإنسانيّة الممزوجة بالكبرياء النافعة، التي تُعزى إلى صلابة مشاعره وصدقها»[30].

وفي ردّه الضمنيّ على مقولة «انعزاليّة العرب» السائدة كصورة مكرّرة ومتجذّرة في المرويّات الكبرى والدراسات الاستشراقيّة والفكر الكولونياليّ، فإنّ المؤرّخ ينحى إلى التفسير السيكولوجيّ للظاهرة والتي يرى فيها خلوة روحيّة وفكريّة تمكِّن الذات من التمركز والتواجد ضمن بعدها الروحانيّ، بالإضافة إلى أنّها فسحة وساحة للتأّمل في الملكوت ونافذة يطلُّ من خلالها العقل الواعي عن الكون وبنائه وتسييره وخلقه وخالقه، وهي الغيبيّات التي تؤهّل الإنسان وتهديه إلى الإيمان والتفكير ضرورة وحتميّة وجود الرسالات والأنبياء والرسل، ويرى أنّ الإشكاليّة تكمن في تقويم أخلاقهم وعاداتهم وفق معايير أوروبيّة غربيّة تمتاز بالخصوصيّة التي لا يمكن تعميمها واعتبارها مقياسًا للحكم على الأمم وثقافاتهم «إنذ المفارقة الكبيرة في أخلاقنا، هو التبديد والذي يعتبر طابعها الرئيسيّ، وهذا ما يجعلنا ننظر بخوف إلى هذه العزلة العظيمة؛ ونرى فيها سلبًا لكلّ مظاهر المتعة والرضى وعدم استغلال الفراغ كتسلية، ولكنّنا نحكم بشكل سيّئ على مشاعرهم، ونربطها بمشاعرنا، إنّهم يدركون أنّ هذه العزلة، بعد الحرّيّة، هي أوّل ممتلكاتهم؛ إنّها هي التي حافظت على ضبط النفس بينهم، وازدراء الثروات والملذّات التي لا يسعنا إلّا أن نعجب بها في قصصهم، إّنها هي التي تسمح لهم بالسيطرة على المشاعر المتهوّرة بسعادة والتي كثيرًا ما تزعجنا داخل المجتمع، ولكنّها (العزلة) لا تساعدهم على تنمية معارفهم التي يسعون لتطويرها وفق عبقريّتهم الخاصّة»[31].
إنّ الوحدة والعزلة التي عاشها العرب في عصورهم الأولى، ليست عقوبة «سجنًا انفراديًّا» أو نفيًا إراديًّا أو فوبيا الغيرّية، وإنّما هي نمط حياة وأسلوب عيش فرضته ظروفهم التجاريّة والزراعيّة وانتماءاتهم القبليّة ووجدانيّات الأرض والمهد والمولد والأصل، فالأرض هي الهويّة، والتمسّك بها عربون انتماء ومحبّة ووفاء للتاريخ والأصالة، فمنها وفيها تعلموا الكرم والشجاعة والنخوة والقيم السامية، فبترابها تغنّوا وبأطلالها بكوا، فهي صورة لتجلّيات الفرح والفراق والترحال؛ ولذلك تستوجب أيّ مقاربة لظاهرة الوحدة، إدراك السيكولوجيّات العامّة للعربيّ وبنياته النفسيّة والاجتماعيّة، فالعزلة ليست اغترابًا ثقافيًّا واجتماعيًّا أو مرضًا انطوائيًّا، تنتجه ظروف الحياة وملابساتها، فهي عزلة الذات في نفسها وأناها مشابهة للعزلة بالمفهوم الصوفيّ تلك الحالة التي يسلكها المُريد لمعرفة ربّه «هذه التأمّلات حول عزلة العرب يجب أن تجعلنا نحكم بمدى روحانيّتهم ​​الطبيعيّة... وهو مبدأ من أفضل صفاتهم، فهم لا يخجلون ولا يستحيون مما يعيشونه بمفردهم؛ كما أنّهم ليسوا أقلّ أدبًا، ولا أقلّ مهارة في التعريض وتصريف الأمور بسبب أنّ مجتمعهم صغير، على العكس من ذلك، فقد تعوّدوا على التحكّم في أنفسهم دائمًا بشكل مثاليّ، فهم لا يستخدمون الأكاذيب أو الطيش إلّا قليلًا، كما أنّهم يسيطرون على أنفسهم دون إفراط في حالتي الغضب أو الفرح»[32]، فقد كانت الصحراء بفضاءاتها الواسعة مدرسة لتعليم العربيّ في وحدته أرقى أنواع القيم التي تجاوزت في قيمتها الكنوز المادّيّة والأوسمة المعنويّة «إنّ الأمّة العربيّة، المنعزلة والمنتشرة في الصحاري، والتي لم تكن معروفة لبقيّة العالم منذ زمن طويل، لم تكن أبدًا جديرة بالازدراء؛ لأنّها امتلكت دائمًا مزايا طبيعيّة، ومارست الفضائل تستحقّ أن تكون أعلى الثروات»[33].

يُقرُّ المؤرّخ بصعوبة تصويب الصور النمطيّة والنظرة العدوانيّة الإقصائيّة التي ارتبطت بالعرب وبحياتهم الاجتماعيّة والثقافيّة والعقليّة؛ ذلك أنّ التداول المتكرِّر للصور والتمثُّلات في المصنّفات التاريخيّة والمرويّات الكبرى التي وظّفتها المركزيّات الثقافيّة والمؤسّسات الفكريّة والقوى الكولونياليّة، دفعها لتأخذ طابع المصداقيّة، في غياب مناهج النقد الموضوعيّة وإقصاء «الآخر» المختلف المغاير من التعبير عن هويّته والدفاع عن مقوّمات حضارته وثقافته، فمركزيّة الغرب المهيمنة بفضل تنوّع سلطاته العسكريّة والسياسيّة والإعلاميّة، مكَّنت الخطاب الأحاديّ من السيطرة والترويج للصورة التي يراها وظيفيّة وإجرائيّة لمصالحه ومواقفه وتوسّعاته الاستعماريّة؛ ولذلك فالمركزيّات تختار وتستقي الصفات التي تناسبها وتفسّرها تأويلًا وفق منافعها وبراغماتيّتها المتطرّفة «أنا لا أتحدّث عن الأخطاء التي يمكن أن تعزى إلى التكوين والبنية الجسديّة للإنسان، ومنها الغطرسة أثناء الرخاء، وسوء استغلال الثروة، الجشع، تقسيم المصالح، الكبرياء؛ لكنّي ما أريد أن أتحدّث عنه هو قساوة القلب المنسوبة إليهم، وهي نتيجة ضروريّة لمزاجهم، وحياة العزلة التي اعتادوا عليها منذ شبابهم الأوّل»[34]، ففي باب «القسوة» التي يُنْعَت بها العربيّ، فهي مصطلح مترجم عن (Dureté)، والذي يدلّ في عرف المركزيّة الغربيّة ومنظوماتها الفكريّة على العنف واستخدام القوّة، والحقيقة فهي صفة خاصّة بالمادّة، فالشدّة والصلابة من خصائص المواد بمختلف أنواعها سواء أكانت «من مختلف المعادن؛ ألمنيوم، فولاذ، فلزات، مواد صلبة، أو مواد شبه بلّوريّة»[35]، وقد استعارت المنظومات الثقافيّة الغربيّة مفهوم القسوة والشدّة لتصنيف العربيّ خارج أطر الحضارة والإنسانيّة، وهو المفهوم الذي جاء في معجم الأكاديميّة الفرنسيّة ضمن سردها لمجموعة من المعاني المتعلّقة بالمصطلح «الشديد، وفاقد الإحساس، واللاإنسانيّ»[36]، متجاهلين بقيّة الدلالات والتي منها «الالتزام والصرامة»[37]، فالقساوة عمد العربيّ لا تأخذ المحمولات الدلاليّة ذاتها في المعجميّة المادّيّة والتي يتمّ إسقاطها دون منهجيّة ودون سياقات أسلوبيّة مناسبة ومطابقة. فالشدّة توحي بالقوّة البدنيّة التي تتطلّبها البيئة الصحراويّة وبنوع من المقاومة السلميّة لمتطلّبات الحياة وقواها الطبيعيّة وغير الطبيعيّة، وسلوك تفرضه ظروف الحياة للتأقلم والتكيّف، ولا علاقة لها بالعنف بنوعيه البدنيّ واللفظيّ، ولا بالقساوة في افتقاد العاطفة والسيكولوجيّة الوجدانيّة، فالتاريخ النفسيّ للعربيّ زاخر بالمواقف التي يتجلّى فيها الحنين للأوطان والرأفة بالحيوان ونجدَة الملهوف وإسعاف عابر السبيل، فللحروب عندهم طقوس خاصّة وضوابط أخلاقيّة، وفي هجائهم قيم ونواميس تحدّد الكيفيّة والطريقة والأسلوب «إنّ نوع القسوة أو الشدّة التي مارسها العرب الأوائل، لم تكن لتعبِّر عن قساوتهم أو فقدانهم وتجرّدهم من كلّ شعور وإحساس بالكرم أو الإنسانيّة، فقد كانوا حكماء يراعون العدالة والأمن العام»[38]. فالقساوة هي نموذج وسلوك عفويّ تنظيميّ وعرف عامّ، يأخذ طابع الالتزام والصرامة لتنظيم شؤون الحياة للقضاء على الفوضى، وتهدف إلى تثبيت سلطة الالتزام ونشر ثقافة العقوبة المناسبة للمخطئ، وهي ضرب من ضروب العدالة، فالعدالة الاجتماعيّة تستوجب صفة القوامة والقدوة والكفاءة، وهذه الصفات تتفرد بها الشخصيّة القياديّة في الأسرة أو القبيلة والدولة، فنجاح القائم على شؤون الرعيّة يقوّم علّة قوّته في التشريع والتنفيذ.
يحارب الكاتب بازدراء شديد التهميش المتعمّد الذي تمارسه السلطة المركزيّة الغربيّة على العرب، بحرمانهم من حقوقهم الإنسانيّة في اختيار قيمهم والتميُّز بشخصيّتهم والتمسّك بهويّاتهم وخصوصيّاتهم الثقافيّة التي تعبِّر عن كيانهم ووجودهم، ويندّد بالإجحاف الإراديّ المقصود والممنهج من اختزال أدوارهم الحضاريّة وتقزيم مساهماتهم والانتقاص من نبلهم وأخلاقهم وسماحتهم، «إنّني أتحدّث عن هذا الاحتقار الهمجيّ لكلّ ما أحبَّته الشعوب الأخرى أو قدَّرته؛ من هذه المعايير المعتمدة في تقويم آرائهم واستخداماتهم دون قياس أو حدود؛ ومن هذه القسوة التي قادتهم إلى إقصاء نصف سكّان العالم، وحرمان ما تبقى منهم من المساهمة في المعارف التي اكتسبتها البشريّة خلال الخبرة الطويلة»[39].

ينعطف الباحث إلى فضاءات الجزيرة العربيّة، وأهم حواضرها، لتتصدّر مكة هرمها ونواتها بتاريخها وموقعها، فعراقة المدينة تعود إلى أصل الإنسان والأديان، فمكّة فضاء صحراويّ، قاسٍ بمناخه وتضاريسه وحتى ميَّاهه، ولكنّها أكثر الأوطان عمرانًا وقداسة، ففيها البيت العتيق الذي يطلق عليه الكاتب الاسم الخالد والأزليّ «البيت المربّع»، فهي «مدينة الجزيرة العربيّة يُنظر إليها أيضًا على أنّها مكان مقدّس، قبل محمّد وبعده، وهي موطن للعبادة الأبديّة، وهي الأكثر سكّانًا منذ فترة طويلة»[40]. تفسّر هذه المواصفات أسباب اختيارها لتكون منزل الوحي ومهده، فالاختيار لم يكن اعتباطيًّا ولا عشوائيًّا، ويتجاوز الصدفة، ويرى الكاتب أنّ العمليّة هي امتداد لحنيفيّة إبراهيمA، وإلّا فكيف نفسّر تأويلًا الظاهر الآتية «لا نتعجّب من الاختيار الخاصّ لهذه المدينة ومعبدها الذي يزورها وضواحيها عدد هائل من الحجّاج، أين يوجد دين محمّد المعلن، والذين يشكّلون نصف سكّان قارّتنا، دون جوع في صحراء قاحلة ومخيفة، وبالعكس فهي تتوفّر على وفرة دائمة»[41]، وبالإضافة إلى انتقاء المدينة تمَّ اصطفاء محمّدs الشاب المكّيّ المؤهّل لتحمّل الرسالة والدعوة، فقد تميَّزت أخلاقه منذ شبابه، وتفرّدت صفاته ومزاياه، بالتعالي عن كلّ سلوك قبيح وعن كلّ ما يهين الكرامة الإنسانيّة بالانغماس في الفواحش، من شهوات وانحرافات سلوكيّة وشرك، فقد كان كثير التأمّل في مغارات مكّة وجبالها، متّخذًا منها خلوة للعبادة التأمّليّة والتفكير في ملكوت الله، فالله يتجلّى في مخلوقاته كرسائل للدلالة على وحدانيّته «وهناك أيضًا كهف آخر (حراء) كان النبيّ غالبًا ما يعتزل فيه في شبابه لينفصل عن العالم وينشغل بالأفكار التي استخلصها من تصوّراته حول الدين، على الرغم من أنّه لم يكن مكلّفًا بدعوة خاصّة بعد»[42]. وحين يستمرّ في عرض وسرد الأحداث المتعلّقة بمكّة وتاريخها وقدسيّتها، يطوف مذكّرًا بأهمّ الأحداث التاريخيّة التي تعرّضت لها المنطقة برمّتها، مُنوِّهًا بنجاة الكعبة من كلّ المؤامرات والصراعات المذهبيّة والسياسيّة؛ مما يؤكّد قيمتها وقدسيّتها لتنطلق منها دعوات آخر دين سماويٍّ، معتدل بتشريعه وأنظمته، محافظًا على الكرامة الإنسانيّة في أعلى مراتبها ومنازلها «إنّ قصديّة اختيار أماكن بعينها وأجناس محدَّدين لحمل فكرة (مقدّسة) يوحي بأنّ مكّة كانت مقدّسة منذ خلق العالم على يد سيّد الطبيعة المطلق، الذي انتقى هذه الصحراء المغطاة بالرمال والصخور، ليؤكّد فكرة أنّ مكّة قد تمَّ تقديسها منذ أصل العالم، مفضلًا إيذاها على أخصب مناخات الأرض، لإخضاع الرجال نحوه ودفعهم لبذل الجهود للوصول إليه، دون مغالطات وأحكام مسبقة، مكتسبة من رجال دين عبر العصور»[43].

أمّا المدينة المنورة فهي ثاني أكبر حواضر الجزيرة، أصولها متجذّرة في التاريخ وأصالتها عريقة عراقة سكّانها بتنوّع ثقافاتهم وعقائدهم ومذاهبهم، وهي من الناحية الإسلاميّة أوّل عاصمة في تاريخ الإسلام، وموطن الهجرة والتشريع القرآنيّ، وفيها أسّس النبيّ محمّدs مسجده وأقام بيته، وتضمّ رفاة شهداء الإسلام، وقد وصفها الكاتب بأنّها من أهمّ المدن الإسلاميّة «بعد مدينة مكّة، تُعدُّ المدينة المنوّرة دائمًا الأكثر شهرة في شبه الجزيرة العربيّة، ليس بسبب قدمها أو ثرواتها، ولكن بسبب اختيار النبيّ الإقامة فيها، عندما أجبرته مصلحة دينه على هجرتها، والتخلّي عنها، بعدما تنكّر سكّانها له وتجاهلهم للحقيقة، وليحفظ نفسه، وينظّم وقته لإنجاح أعماله، وهي أيضًا المكان الذي توفّي فيه، والذي لا يزال قبره يزوره اليوم جميع الذين يقومون بالحجّ العظيم»[44]. ثمّ يستطرد مسترسلًا في سرد تاريخ المدينة قبل رسالة محمّدs، داعيًا إلى مراجعة بعض الكتابات المتعلّقة بتاريخها، وتخليصها من المغالطات التاريخيّة وضرورة التدقيق في مصادرها، خاصّة ما تعلّق بتاريخ وصول الديانتين المسيحيّة واليهوديّة إلى جزيرة العرب[45].

وقبل أن يختتم تأمّلاته حول بيئة العرب وحياتهم العقليّة والاجتماعيّة والدينيّة، يلخّص مجمل آرائه في استعراض حالة العرب وإرهاصاتهم «سنكون قادرين على الحكم من خلال هذه القواعد التي أسّس عليها محمّد نظامه الدينيّ، أنّه لا يسعى لإرضاء رغبات مواطنيه، واحترام ما يناسب مشاعرهم والأخلاق السائدة في البلاد؛ ولكن أفكاره تتناسب مع طبيعة الجنس البشريّ، لدرجة أنّ استجابة الناس له كانت قويّة في أقلّ من أربعين سنة (XL)، فكان الوقت كافيا لسماع العقيدة وإخضاع العقول»[46].
تعتبر هذه الشهادة الختاميّة للباب الأوّل من الكتاب، التزكية الأكثر صراحة وقوّة وجرأة، فقد التزم بها بولانفيليه بالشجاعة العلميّة والأدبيّة والأخلاقيّة، كاشفًا عن شخصيّة قويّة، معتدلة، فهي عبارة عن تحدٍّ للمركزيّات الأوروبيّة واللاهوت الكنسيّ والتنوير المنحرف، وتأكيد على العقلانيّة العلميّة في أرقى صورها وتجلّياتها وتمظهراتها من حيث إنّها منهج استقرائيّ، منطقيّ، متجاوزًا الأهواء والانتماءات الأيديولوجيّة والتعصّبات الدينيّة والملل والنحل المذهبيّة والطائفيّة، ومؤسّسًا لأكاديميّة تاريخيّة موضوعيّة تعتقد برسالة الأخلاق في البحث العلميّ، وتؤمن بالقطيعة المعرفيّة مع الأبستمولوجيا المتحيِّزة، «ومن الضروريّ أيضًا الانتباه إلى اختيار الوسائل التي يستخدمها هذا المُشرِّع الجديد، لهداية الناس بنفس الحماس الذي يتمتّع به، ويبدو أنّها وسائل تتعلّق بمعرفة كاملة لأخلاق أولئك الذين اعتمد عليهم لتنفيذ هذا المشروع تحت قيادته ودوام الاستمراريّة بعد وفاته، وهم ينظرون خصوصًا إلى هذه الموهبة الإقناعيّة التي يتمتّع بها والتي نجح بها و تمكَّن من خلالها من جلب رجال فظيّن إلى عقيدة غامضة لا يمكن تفسيرها، ومع ذلك كان قادرًا على ملامسة مشاعرهم، وكان بطلهم الأكثر سموًّا في القيم والكرم والاعتدال والحكمة (بطل في الروح والذكاء والعواطف) وأقنعهم بالكيفيّة الأكثر بساطة بعيدًا عن الاندفاعيّة، كما تمكّن من إقناعهم للإيمان بكلّ ما آمن به دون معجزة أو هيبة أو ملكة خارقة للطبيعة»[47].

حياة محمّد؛ أخلاق وصفات تستشرف النبوَّة
افتتح الباحث كتابه وخطابه الخاصّ والمتميّز عن محمّدs موضحًا الإشكاليّة الأولى المرتبطة بالاسم والهوية والطفولة، فلا تختلف معلومات الهويّة والطفولة عن تلك المتداولة في كتب السيرة مع اختلافات طفيفة ترجع إلى اختلاف الرواة، أمّا الاسم فإنّه على خلاف كلّ المؤرّخين (تقريبًا) يعتمد الاسم العربيّ محمّد (Mahomed) أو (Mohamed) على عكس اسم (ماهومي) (Mahomet) المنتشر في المرويّات السرديّة الكبرى للمركزيّة الغربيّة والذي يرتبط بالسلبيّة في نفي النبوّة عن محمّدs وعدم مشروعيّة رسالته واعتبارها خليطًا ومزيجًا من الأساطير والديانات السابقة، بالإضافة إلى صفات الدجل والاحتيال والعنف التي ضمّنوها لشخصه المبجّل. ولعلّ أوّل الصعوبات والعراقيل التي اعترضت طريقه في البحث والتنقيب، كثافة الصور الفاسدة حول سيرة محمّدs والتصوّرات الوهميّة والتشويهات والمغالطات التي احتوتها المكتبات الغربيّة بأحجام ضخمة وكمّيّات هائلة من المصنَّفات التي تصعب معها عمليّات التصويب والتصحيح، فيعلن متفاجئًّا «آثار مذهلة! لا ترتبط بشكل جيّد بالفكرة التي نملكها عن نفس محمّد؛ من مثل أنّه محتال بغيض وخبيث، متشبّع بالعيوب في الناحيتين الجسديّة والعقليّة؛ يعاني من نوبات صرع والتي من الطبيعيّ أنّها تؤدّي إلى مضاعفة الرعب في شخصيّته، ويحرص على توظيفها في عمليّات التمويه لخداع الشهود المرقبين لأفكاره وسلوكه»[48] تكمن عبقريّة محمّدs الأولى حسب الكاتب في تمكّنه من استيعاب جميع الطوائف والأعراق والأديان التي حاولت التواجد في جزيرة العرب، أو تلك التي تبحث عن التموضع في خارطة دينيّة واجتماعيّة جديدة، ولكن دعوته استقطبت الحركات جميعها، بفضل وئام دينيّ مقدّس يحترم العقائد والخصوصيّات كلّها «بذلت أيضًا كلّ هذه الشعوب المختلفة، كلّ جهودها لإدخال دينها إلى شبه الجزيرة العربيّة، الأمر الذي كان سيؤدّي بوضوح إلى تدمير جميع التقاليد القديمة والمفاهيم الراسخة عمومًا؛ ولكن محمّدًا تولّى الدفاع عنها، وعرف كيفيّة الحفاظ عليها من خلال إدخالها في نظامه الجديد مع العديد من العقائد اليهوديّة والمسيحيّة، ونجح في التوفيق بين العقول بشكل أفضل بكثير مما يمكن أن تفعله أيّ طائفة أخرى»[49].

إنّ الإفراط في الأنانيّة والتطرّف في الأيديولوجيا بمختلف تجلّياتها، دفعت إلى إنتاج أنماط سلوكيّة وسياقات ثقافيّة، تناصب العداء لكلّ مختلف ولكلّ فكرة أو دعوة أو عقيدة مغايرة للبنية الثقافيّة «للأنا» المتمركزة في لا وعيها؛ حيث أفرز هذا التمركز انتقائيّة تاريخيّة وإقصائيّة لثقافة الاختلاف وتهميش للغيرة «لا يمكننا أن نتخيّل شدّة ظلم الرجال وحجم العداء والهوى التي يدينون بها من يخالف تصوّراتهم وما لا يتوافق مع تحيّزاتهم»[50] لقد كانت خطابات العداوة في الغرب حربًا معرفيّة وفكريّة/ ثقافيّة، حمل لواءها فكر ادّعى اعتقادًا وإيمانًا بالتنوير في مناهجه ووسائله، ولكنّه خان الوديعة تحت سلطة الأيديولوجيا والتعصّب، فجاءت ممارساته البحثيّة ملغّمة بإثارة الشبهات، مشوِّهة للحقائق بتوظيف مناهج التأويل المعياريّة التي لا ترى في الإسلام إلّا ما تريده مبادئ الصناعة الفكريّة للمركزيّة؛ ولذلك يقدّم الكاتب نموذجًا عقلانيًّا عن التهميش المقصود، ففي محور العقيدة والوحدانيّة والتوحيد، يرى أنّ العرب رغم ثقافاتهم المحدودة وعزلتهم عن العالم وتموقعهم بين أمّتين كبيرتين الأولى أوروبا المسيحيّة والثانية الصينيّة الإلحاديّة، إلّا أنّهم تمكّنوا بفضل حدسهم واستنتاجاتهم ومراجعاتهم لبنية الكون والتأمّل فيه من إدراك وحدانيّة الخالق «على الجانب الآخر مبادئ مختلفة تمامًا عن مبادئنا، فنحن لا نلاحظ حتّى التقدّم البسيط في التفكير البشريّ، الذي تمَّ التخلّي عنه لنفسه، وحُرمنا من نجدته في الكشف والإنارة، إنّ العرب، الذين هم في الوسط بيننا وبين الصينيّين، يعتمدون، كما رأينا، على تقاليدهم الأبويّة، والتي احتفظوا بها حول خلق العالم، كالطوفان والعديد من الأحداث التي تثبت وجود الله غير المرئيّ والخوف من أحكامه»[51].

إنّ أخلاق محمّدs المستخلصة من سلوكيّاته وطرائقه في الدعوة ووسائله المشروعة والالتزام بالقيم السامية في المحافظة على الكرامة البشريّة، جعلت كلّ عقل منطقيّ يدرك عظمة شخصيّته وينفي عنه كلّ الصفات المشينة والعيوب المكذوبة التي اختلقها الرواة ومصنّفو السير المحرّفة لأغراض متنوّعة ومختلفة «ندرك في شخص محمّد نفسه التخطيط لمثل هذه الأشياء العظيمة، وتنفيذها بنجاح كبير، في الدين كما في السياسة، وهي ليست موضوعات حقيرة تعود إلى ضعفه الطبيعيّ، فتقودنا الفطرة السليمة، على العكس من ذلك، إلى الحكم على أنّه حتى إذا كان محتالًا قد وُفّق في دمجهم (أتباعه) في مشاعره وإخضاعهم لأفكاره، لدرجة أنّ كلّ مظاهر موضوعاته تأخذ طابع الحقيقة لأولئك الذين استجابوا له»[52].
يرى الباحث أنّ معاداة الإسلام ممثلًا في شخص الرسول الكريمs ليست مقنعة؛ لأنّها غير عقلانيّة، ولا تستند على بعد دينيّ، فهي تتنافى مع العقيدة التوحيديّة، فيتساءل مستفهمًا ومستغربًا ومتعجّبًا، فكيف للعدالة الإلهيّة أن تشجّع دجّالًا ومحتالًا لينجح في تعميم ونشر دين استجاب له نصف سكّان العالم: «يجب أن ندرك أنّ هذا الانتقام يقلّل من تفكيرنا إلى حدّ العبث؛ لأنّه إذا كان نجاح هذه الشخصيّة قد تمَّ دون وسائل طبيعيّة، فإنّ النجاح لا يمكن أن يكون إلّا لله، الذي سيتّهمه الأشرار بأنّه ضلّل نصف العالم، ودمّر وحيه بعنف»[53] وفي قراءة جديدة للتاريخ يذهب الباحث إلى أنّ ميلاد محمّدs كان معلومًا ومنتظرًا في جزيرة العرب كمُنقذ ومُخلّص، حسب معطيات ومؤشّرات منتقاة من مصادر مختلفة شكَّلت إيمانًا وقناعة. «يبدو بحسب المؤلّفين العرب، أنّ الأمّة كلّها كانت مستعدّة لمحمّد، بل كانت تنتظره بفارغ الصبر لعدّة قرون (واسمه حسب الأصل يعبّر عن مرغوب الشعوب) والذي يعني أيضًا بحسب تفسير آخر؛ المُعين والمعزّي»[54] وينبِّه الكاتب إلى وجوب تخليص السيرة من الأساطير والخرافات التي تنسجها مُخيّلة العامّة والمؤرّخين بتبنِّيهم خوارق وهميّة متخيَّلة لإضفاء طابع القداسة على الأحداث والمواقف والمشاهد، ولبناء مرويّات مضخّمة، «لكن رغم أنّ محمّدًا نفسه يعترف بأنّه عاش بين قومه، منذ ولادته وحتى سنّ الأربعين، دون أيّ تميُّز خاصّ، وبالتالي دون أيّ موهبة خارقة للطبيعة يمكن أن تجذب الانتباه. ومع ذلك، فإنّ حماسة محبّي الخيال والعاطفة، كانوا غير راضين عن بساطة الطرق الشائعة، ولا يمكنهم إلّا أن يتخيّلوا عدّة ظروف يزعمون أنها بشَّرت بهذه الولادة، وأعلنتها للسماء والأرض»[55].

يعتقد الباحث أنّ سلامة الأصول وعراقة الأنساب ووضوحها ونقاوتها، تساهم بقسط وافر وثمين في القابليّة لتلقّي الرسالة وتصديقها، مما يدحض اتهامات المشكّكين والمغرضين الذين يصطادون الشبهات ويثيرون الريبة، ولمّا كان نسب محمّدs بيِّنًا وناصعًا بامتداداته التاريخيّة المعروضة في علم الأنساب، كانت فكرة الصدق والثقة دليلًا وبرهانًا على نبوءته ومشروعيّة دعوته: «دعونا نأتي أخيرًا إلى النسب المؤكّد والمعترف به لهذا النبيّ المشهور، الذي دمّر العديد من الإمبراطوريّات والممالك، وحتّى لو كان أصله موضع شكّ، فلا بمكن لأحد أن يحقّق هذا المجد الذي خرج من عروقه ... لقد كان سليلًا مباشرًا للبطريرك إبراهيم، المعروف لدى المسيحيّين، وكذلك عند العرب واليهود، والذي كان أبًا لأمّتين تمّ اختيارهما لمشاريع مختلفة برعاية إلهيّة»[56]. ويسترسل المؤرّخ في سرد طفولة المصطفى وكفالته وملامح النبوّة التي بدأت تتضح معالمها من خلال إشارات وومضات في إرساليّات سلوكيّة تميّزه عن أقرانه ونظرائه من شباب مكّة ورجالها، فقد بعث الله في قلبه ونفسه نورًا إلهيًّا، أزال من جوفه وجوهره كلّ مظاهر الحقد والحسد وكلّ المثالب والعيوب التي تزدري بالكرامة البشريّة، كما بعث في قلبه الرأفة والرحمة وحسن الإدراك والتأمّل، وهي الصفات والمزايا التي يعتقد المفسّرون بأنّها من إرهاصات وبشائر النبوّة، فهي أدوات التفرُّد التي تميَّز بها الأنبياء والصالحون من عباده، «وأمّا هذا النور النبويّ الذي ينبغي تعريفه، لإدراك ما سيحدث مستقبلًا، لأنّ المسلمين يعظّمونه تعظيمًا خاصًا، ويفسِّرونه بأنّه دليل داخليّ يذكّر الإنسان دائمًا باستخدام العقل الذي يكسبه عادة الحكمة والفطنة التي غالبًا ما تكشف له المستقبل وسرائر الذين يحاورونه، ويدعون (العرب) أنّ هذا النور أُعطي لآدم بعد كفّارته ومنه إلى بقيّة الأنبياء والعديد من الرجال الحكماء الشجعان، القُدوات بتقواهم»[57].

تميّز شخصيّة النبيّ محمّدs وتفرّدها
ولعلّ اللافت للانتباه في سرديّات بولانفيليه، تأكيده المطلق والمتكرّر لظاهرة التميُّز والتفرُّد التي ارتبطت بشخص الرسولs وشخصيّته قبل البعثةـ فأبانت عن صفات ومزايا وشمائل نادرة وخاصّة، كنبذ العنف والوثنيّة والسموّ بالنفس في فضاءات التقوى والكرم والنبل، وتُنبئ هذه الأخلاق عن الانسجام النفسيّ والتوازن الذهنيّ والتوافق الطبيعيّ الذي يؤهّل صاحبها إلى تحمّل أنبل الرسالات وأبلغ البيان. فكان اتّزان النفس وسيلة للتدبر في شؤون الكون وخباياه وأسراره، وآليّة لدراسة المجتمع والتعرّف على مكوّناته وأسراره لوضع استراتيجيّات الدعوة الناجعة، وتُمكِّن المجتمع من استقبال وتلقّي التعاليم والتشريعات دون انفصام وعدوانيّة واضطرابات نفسيّة وعقائديّة «ويقال أيضًا إنّه أدان عبادة الأصنام، لكنّه لم يكن لديه السلطة الكافية لتدميرها، وهذا العمل العظيم مؤجّل لأجياله القادمة، ولكن من المؤكّد دائمًا أنّه تميَّز بنفسه بين معاصريه بالتقوى القويّة، وبممارسة العديد من الفضائل، منها الكرم وكرم الضيافة التي منحته أكبر عدد من الأصدقاء ومزيدًا من التقدير»[58].

إنّ أخلاق محمّدs هي التي أسَّست أعظم الإمبراطوريّات، التي لا تتحدّد بالتاريخ ولا بالجغرافيا، متنوّعة من حيث الثقافات والأعراق والأجناس، انصهروا جميعهم في بوتقة التعاليم السمحة والتشريعات الفطريّة المؤمنة للكرامة الإنسانّية منصفة وعادلة في أحكامها وقوانينها، وفي ظلّ هذا المناخ الربانيّ انشغل الناس بالدعوة ونشر العقيدة، متجاهلين الدنيا وغنائمها على عكس شواهد التاريخ ونماذجه التي شهدت أحداثًا دمويّة وإبادات جماعيّة بسبب الأنفال والمكاسب «أحفاد محمّد الحقيقيّون يشغلون أنفسهم بالتقوى فقط ويبتعدون عن الغرور، ولا يفكّرون في الإمبراطوريّة ولا في ثرواتها ولا في أيّ شيء آخر يصرفهم عن الهدف الأعظم لخلاصهم»[59].
وفي تعامله مع الأديان السابقة، فإنّ محمّدًاs أفصح عن التزامه القويّ بأحكام القرآن الكريم، الذي طلب من الرسول والمؤمنين الإقرار الكلّيّ والمطلق بوجوب الإيمان بجميع الرسل والأنبياء، وربط ذلك بأركان العقيدة، فلم يتطرّق إلى هذه الديانات وتعاليمها إلّا بأنّها أرضيّة توحيديّة للإسلام، ولكنه انتقد الرهبان والقساوسة ورجال الدين الذين حرّفوا الرسالات والعقائد وجعلوها وسيلة لتحقيق رغباتهم ونزواتهم وأهدافهم السياسيّة والشخصيّة والاقتصاديّة «نظر إلى الأساقفة والكهنة وكلّ رجال الدين العلمانيّين؛ أوّلًا، كتجمّع سياسيّ من الرجال اجتمعوا في مرحلة، لجعل الدين خادمًا لأهوائهم، وشهواتهم، وجشعهم، وأبّهتهم، وهيمنتهم؛ وتمكّنوا من العثور على سِرٍّ لإقناع الناس بأنّ الطاعة العمياء التي يطالبون بها حقّ إلهيّ»[60].

أمّا عن أسفاره ورحلاته، فإنّه يرى بأنّها صقلت شخصيّته وأكسبته التجارب والخبرات والدروس والمواعظ حول تأسيس الدول وبناء الأمم وكيفيّة التعامل مع الشعوب على اختلاف ثقافاتها وعقائدها ودرجاتها الفكريّة والاجتماعيّة، بالإضافة إلى إدراك أسباب سقوط الدول والحضارات والإمبراطوريّات وزوالها وانهيارها « نستطيع أن نحكم جيّدًا أنّ عقلًا عادلًا وصلبًا مثل عقل محمّد، لا يمكنه أن يتصوّر مثل هذه الانتهاكات، دون أن ينذر بالدمار والتفكّك الوشيك للدولة التي حكموها، بل ويمكننا أن نواصل التخمين إلى أبعد من ذلك، ونعتقد أنّ هذه الأفكار قادته، منذ ذلك الحين فصاعدًا إلى التخطيط بجميع الوسائل لإعادة توحيد الأمّة العربيّة»[61].

معالم النبوّة ومؤشراتها قولًا وفعلًا
إنّ مواقف النبيّ محمّدs شهادات قائمة ودلائل صريحة ومبيّنة تثبت استعداداته لتحمّل رسالة الإسلام وتلقّي الوحي الإلهيّ، فقد عبَّرت مواقفه من الديانات السابقة عن مستويات الاصطفاء الربّانيّ له، والاختيار الضمنيّ ليكون رسول الإنسانيّة عدلًا وتسامحًا، فلم يناصبها العداء بالنقد والانتقاد والانتقاص والتكذيب والتحريف والتدليس، مترفّعًا بأخلاق العظماء عن السقوط في فضاءات التنافسيّة وثقافة البدائل والتفاضل، فقد اتّجهت رسالته ومنهجيّته في الدعوة إلى التأكيد على وحدانيّة الخالق، باعتبارها القاعدة المركزيّة لكلّ ديانة؛ ولذلك تمركزت انتقاداته على مثالب الشرك وعيوبه والاعتقاد بالقيادة الجماعيّة للكون، وهو القانون الذي يرفضه المنطق والطبيعة والفطرة السليمة، وقد خلص بولانفيليه لهذه النتائج من أبحاثه وممارساته في حقل بناء الدول وتسييرها، فالتأصيل للتعاليم الجديدة ينطلق من جماليّات المنهج ونجاعته، وقوّة الشخصيّة القياديّة وثباتها وخضوع مبادئها للمنطق والطبيعة البشريّة والرؤية العالميّة للمصير الإنسانيّ، بعيدًا عن التعصّب والحدود الجغرافيّة «إنّ الطريقة التي هاجم بها الدين المسيحيّ ليست مباشرة، فهي مثيرة للسخرية، ويبدو أنّها تنطبق فقط على الانتهاكات التي يعرفها الجميع، والتي كان هو نفسه شاهدًا عليها، ومنها عدم توحيد الله كأساس لكلّ حقيقة في الدين، مع ضرورة محبّته، وطاعة قوانينه، وهذا فقط بفضل استخدام العقل الذي منحنا، بالإضافة إلى الإيمان بالقيامة والحساب الأخير والجزاء، وهذه كلّها أسس العقائد المسيحيّة، فقد آمن برسالة يسوع المسيح وميلاده من عذراء ومعجزاته وقداسة عقيدته، فقد صدَّق بكلّ ما جاءت به، فقط أدان الانتهاكات التي لا يمكن تصديقها»[62]. وفي سياق عقيدة التثليث، فإنّه تمكّن من تفنيدها منطقيًّا بالتأكيد على وحدانيّة الله في ذاته وروحه وكينونته ووجوده، داحضًا دعوات الانقسام والانشطار بين الذات والروح والعقل والجسد والتشخيص، فالله واحد في ذاته ووجوده، مُوحّد في الصفات والأسماء، لا تدركه الأبصار وهو يدركها، متفرّد بالألوهيّة والقاضي بين الناس بالعدل يوم القيامة، «لقد كان مصدومًا من العقيدة التي تفصل بين الإله عن روحه، لتجعلهما شخصيّتين متميّزتين، ودون الرجوع إلى الأفلاطونيّة ولا للتأمّلات الفلسفيّة لهذه المدرسة، فقد اعتقد أنّه يُعيد لله مجده الحقيقيّ، وللشعب استخدام العقل الأكثر صحّة من خلال إلغاء جميع الأفكار المشوّشة والملتبسة والمثيرة للجدل التي كشفت عن العديد من المشاجرات، باختزال إيمان المؤمنين إلى الاعتراف بإله واحد لامتناهٍ، خالق الكون، العادل والمجزي عن الخير والشر، لقد صاغ هذا القانون الرئيسيّ الذي يدين الجمعيّات، وكلّ أولئك الذين يتجاهلون بساطة الوجود الإلهيّ، بأن نسبوا له ابنا وأعطوه روحًا مغايرة له»[63] وفي حقل المعجزات والكرامات يرى أنّه من المعقول هيكلة الظاهرة بوضعها في قالبها الطبيعيّ وإطارها الدينيّ، فهي ليست غاية في ذاتها، ولا هدفًا دنيويًّا تحقّق به المآرب، بقدر ما هي وسيلة وآليّة لخدمة الدين ومنهج حجاجيّ إقناعيّ غرضه يقينيّ بإثبات التوحيد وقدرات الله، المنزّه عن الشرك والمشاركة في الملك والحكم والتشريع، فهو الغنيّ بقوّته وجبروته، وطلبه المساعدة من البشر ضرب من الوثنيّة الصريحة، وتكريمه لبعض عباده الصالحين يجب أن لا يتجاوز منطق التوحيد وسننه، وهذا ما أدركه محمّدs بتصوّره الإيمانيّ التوحيديّ، وبذلك يكون قد استشرف ضمنيًّا انحرافات الكنيسة ورجالها، حين حولوا العمل العباديّ إلى استغلالات مادّيّة وتجارة أخرويّة باستصدار صكوك للغفران والعفو عن الذنوب والخطايا والتحكّم في القضاء والقدر، مع السيطرة المطلقة للفكر الأسطوريّ باختلاق العجائب والمعجزات ورفض العقل وكلّ أشكال تجلّياته: «إنّ مبدأ عبادة الصور لا يمكن أن يكون سوى فكرة جمعيّة القدّيسين بالألوهيّة؛ (إنّه الرأي القائل بالقدرة على صنع المعجزات والآيات، التي كان يعتقد أنّها مخصّصة لله وحده، مع ذلك انتشر على بعض الموتى الذين اعتبروا مباركين قبل الجزاء النهائيّ) لقد نهى (محمّد) عن هذا الشعور، وأدانه ليس فقط باعتباره تناقضًا واضحًا، بل باعتباره إهانة لله الذي لا يمكن أن يكون له رفيق»[64]. تجاوزت رسالة محمّدs ودعوته كلّ تناقضات الديانات السابقة والملل والنحل التي سادت الجزيرة وغيرها من مناطق المعمورة، التي أثقلت المريدين والأتباع بالنفقات والعبادات المتناقضة، مع حرمانهم حقوق التفكير والحرّيّة والتفكير وفقدانهم لأهمّ مقاصد الشرائع من حفظ للنفس والمال والعقل والنسل، فجاءت العقيدة الإسلاميّة مجسّدة في قيم راقية، معتدلة وسامية تحفظ الكرامة والعقل والدين وتؤمّن التوازن بين الدنيويّ والآخرويّ، وتحرّم الشرك والعبوديّة والتبعيّة البشريّة، ممَّا أدّى إلى انتشارها بسرعة، فقد وجد فيها كلّ عابد ضالّته وموقعه دون وسائط مادّيّة أو بشريّة، ويرى الباحث أنّ محمّدًاs اهتدى إلى هذه النتائج بعد تأمّل طويل وتفكير دقيق، وهذا لا يصدر بعفويّة ومصادفة «هذه هي الطريقة التي تصوّر بها محمّد تصميم نظام دينيّ خالٍ من كلّ التناقضات، ومن أيّ غموض يمكن أن يجبر العقل، الذي يقلّل من تصوّر الناس في الاكتفاء بعبادة بسيطة وثابتة، على الرغم من الثورات والحماس الأعمى الذي غالبًا ما يخرجهم عن طبيعتهم، وهو نظام لا يمكن أن يُعزى إلى اقتراح راهب جاهل، أو محتال غريب، متشبّع بالرذائل والعيوب الطبيعيّة، ليضطروا بعد ذلك إلى التنكّر بكلّ أنواع الحيل لجعله نبيّهم (...)، ولكن يبدو أنّ هذا كان نتيجة لتأمّل طويل وقويّ في طبيعة الأشياء، وفي حالة العالم وتصرّفاته في ذلك الوقت، وفي مدى توافق موضوعات الدين مع العقل»[65].

إنّ مواقف الإشادة بمحمّدs متعدّدة ومتنوّعة من حيث القيمة العلميّة والصدق العقائديّ والجرأة والشجاعة في المناظرة والبيان والمحاججة البرهانيّة في متن السيرة على امتداد صفحات طويلة، وهي شهادات تزكية وتقدير عقلانيّة مصدرها العقل الواعي تعبِّر عن معاناته وثباته على تغيير واقع محدود جغرافيًّا ليكون نواة لتغيير عالميّ وإنسانيّ ولثورة فكريّة عقائديّة، شملت الإنسان في جوهره ووعيه لتنقله من عوالم الإحباط والاضطراب إلى فضاءات الرحمة والمودّة والأمان وإلى مناخات التوازن والانسجام والتناغم بين المادّة والروح والعقل والقلب والظاهر والباطن ويلخّص كلّ ذلك بقوله «لا يزال بوسعنا أن نعتبر هذا النظام بمثابة العمل الأكثر إثارة للدهشة والذي يمكن أن يحدّده الطموح المطلق لرجل يتمتّع بشجاعة كبيرة... ولإنجاح هذا المشروع المذهل، كان من الضروريّ تغيير قلوب جميع البشر وعقولهم، وإبعادهم عن أنفسهم، وعن عاداتهم، وعن تحيّزاتهم، وعن المعرفة التي تغذّوا عليها… وأخيرًا التنويه بالهدوء في مواجهة الصعوبات لتحقيق هذا التصميم بعد تأمّل كبير وشجاعة قويّة»[66].

مكانة العقل في تفسير عقيدة محمّدs
تخصّص بولانفيليه في العلوم الفلكيّة ومنهاجها وخَبر تحرّكات الأفلاك والمجرّات والكواكب وصنّف فيها مؤلّفات متخصّصة خاصّة في حركة الشمس ومحيطها، واستنتج من دورانها أحكامًا فلكيّة تنعكس على الكون بمكوّناته البشريّة والحيوانيّة والنباتيّة، وحاول إسقاط العديد من القوانين الفلكيّة على سيرة الرسولs وتأويل تواريخ الميلاد والوفاء، لأنّها توحي بدلالات واضحة حول شأن الفتى القرشيّ ومستقبله، ويرى أنّ الأحداث لم تكن عفويّة ذات حضور طبيعيّ بقدر ما تحمل نتائج وأفكارًا علميّة مقصودة.

ولعلّ أهمّ استنتاج خلص إليه الباحث أنّ الكواكب ظواهر كونيّة، لا علاقة لها بالعقائد والقوّة والعبادة؛ لذلك أنكر محمّد -ص- عبادتها مع ما يحيط في فلكها من نجوم، على الرغم من تاريخيّة العبادة المتغلغلة في تاريخ الشعوب والأمم، والمتجذّرة في عقائدهم وثقافاتهم، أمّا تغيُّراتها فتخضع لعوامل طبيعيّة عاديّة ولا علاقة لها بالآلهة والغيب «كان محمّد، على غرار جميع الأنبياء الآخرين، قد أدان عبادة النجوم لسبب وجيه ...يتعلّق بإساءة استخدام للمفهوم، لأنّ ترتيب الأشياء الطبيعيّة ليس سوى تنفيذ لإرادة الله تعالى، الإرادة غير المتغيّرة ولا العرضيّة، ولكنّها محدّدة بقضاء أبديّ، تخضع لها حركة المحرّكات الأولى والأخيرة»[67].

حقل كبير وموضوع عميق شغل المركزيّة الغربيّة والفكر الاستشراقيّ ووفق أحكامه تأسّست صور نمطيّة أساءت لصورة المصطفى، وتداولتها خطابات التشويه والتزوير، لتشكِّل تمثُّلات مخالفة لشخصيّة الرسولs وخُلقه وبنيته الاجتماعيّة، وتجلّت التيمة في فلسفة الزواج وتعدّد زيجاته التي أوَّلها الفكر المتعصّب وفق النظريّة المادّيّة الجسديّة، المرتبطة بالعلاقة بين الجنسين، فجاءت الرؤية الأحاديّة بتفسير سطحيّ ومحدود لا يتجاوز اللذّة والنزوة والغريزة، ولكن بولانفيليه وبتطبيقاته للمناهج العقلانيّة وآليّاتها استطاع تفكيك التصوّرات وتقويض الرؤى «علاوة على ذلك، سنواجه دائمًا صعوبة في تخيّل كيف يمكن لرجل أن يتمتّع بشخصيّة جدّيّة مثل النبيّ؛ مسؤول عن تعليم الناس وإصلاح عقيدتهم وأخلاقهم، وهو جهاز ومستودع الأحكام للإلهيّة ترغيبًا وترهيبًا وواعظًا مجتهدًا بالحقائق الأبديّة التي توحى إليه من لحظة إلى أخرى، والتي يجب بالتالي أن تشغل كلّ اهتمامه يوميًّا أن ينجرف للملذّات التي يبدو أنّها من اهتمامات الأشخاص العاطلين والذين لا تتعدّى انشغالاتهم تلبية تصوّرات الجسد»[68].
وفلكيًّا يرى أن توافق يوم وشهر ميلاد محمّدs مع يوم وشهر ميلاد السيّد المسيحA ليس مصادفة طبيعيّة، بقدر ما أنّ هذا التقاطع دلالة على استمراريّة دعوة التوحيد، فالأسس القاعديّة لكلّ الديانات السماويّة تقوم على مبدإ التوحيد ونبذ الوثنيّة والشرك بمختلف تمظهراته[69] ويرى بولانفيليه أنّ ميلاد محمّدs وفق مراجعاته التاريخيّة وما عثر عليه من معلومات في المصنّفات التاريخيّة الأكثر مصداقيّة وتوثيقًا أنّ «ميلاده كان فجر يوم الاثنين 8 من شهر ربيع الأوّل، والذي يوافق بالضبط إلى 9 أبريل من نفس العام 571 للسيّد المسيح»[70] ويقدّم الباحث السويسريّ فابريزو فريجوري (Fabrizio Frigerio) تفسيرا فلكيًّا لميلاده -ص- نوردها كاملة كما قرأها وشرحها، «أمّا بالنسبة لكوكب الزهرة، فقد أدخل بولانفيلييه في تفسيره لموقع هذا الكوكب في خريطة ميلاد محمّد، موقع منتصف السماء في خريطة مكّة، الذي قدّمه عند تعامله مع شبه الجزيرة العربيّة، حيث يشير إلى أنّ «النقطة العموديّة يجب أن تكون ثابتة في هذه المدينة عند الدرجة 16 و20 دقيقة من برج الثور» هذه النقطة التي تسمّى في علم التنجيم «السماء الوسطى»، تتوافق مع موقع كوكب الزهرة في خريطة ميلاد محمّد، في حدود بضع درجات. ويتمّ تفسير هذا الاقتران على أنّه ضمان لجاذبيّة طبيعيّة (في خريطة ميلاد محمّد، الزهرة قويّة، كونها في برج الثور موطنه) وهي القوّة التي يمارسها محمّد على سكّان مكّة وفيما يتعلّق بأهمّيّة كوكب الزهرة بالنسبة للإسلام، يطرح بولانفيليه رأيًا شخصيًّا يعتمد على اعتبارات فلكيّة تربط بشكل وثيق بخريطة ميلاد محمّد بتلك الموجودة في مكّة، حيث يقع كوكب الزهرة على الصاعد»[71].

أمّا سنة الواحد والأربعين، فقد شهدت ميلاد نبيِّ غيَّر الكون والمصير الإنسانيّ، وأحدث ثورة في عوالم العقائد والتشريع الاجتماعيّ والسياسيّ في بناء الأمم، وتنظيم شؤون الحياة من أقلّ ذرّات الوجود إلى أكبر وأعقد القضايا، وبيَّنت الأحكام عن إنسانيّة القوانين وصلاحيّتها لكلّ الأزمنة والأمكنة «ونصل إلى هذه السنة المشهورة، وهي العام الحادي والأربعين الشهير من حياة محمّد، بدءًا من 20 أبريل 611، حيث سنشهد تحوّل رجل معيَّن إلى نبيِّ، سنة يُنيرها الوحي الرائع الاستثنائيّ، الذي لا يسبق الحوادث والذي يفسر ويبيّن أسباب العناية الإلهيّة في تدبيراتها المختلفة، وإظهار رسالته الرئيسيّة في قيادة الناس إلى معرفة الحقيقة وتطبيق الأعمال الصالحة، بمعنى تلك الأفعال الصالحة المتعلّقة بالعدالة والصالح العام للمجتمع»[72]. ويرى الباحث أنّ ميلادهs في فترة تقاطع الشمس والقمر والموقع المتوسّط لكوكب الزهرة له دلالات دينيّة وفلسفيّة ووجدانيّة «إنّ الاستقبال المتبادل للشمس والقمر يضمن له امتلاك السلطة السياديّة، ويمنحه موقع كوكب الزهرة في وسط السماء في وطنه الحقّ في جذب مواطنيه إلى آرائه»[73].

وهكذا يفسِّر المؤرّخ الفلكيّ أهمّ أحداث ميلاد المصطفى فلكيًّا بتأويل حركة الشمس بأنّها تمثِّل القوّة بالنسبة له، أمّا المريخ في تقاطعاته مع الشمس، فهو يوحي بالصعوبات، في حين يشكّل تقاطع المشتري وزحل العلامة القويّة في الحرب والانتصار فيها[74].
وختامًا يلخّص بولانفيليه موقفه النهائيّ من دين محمّدs ودعوته في ثلاثة محاور أساسيّة ومركزيّة، وتشكِّل في عمومها الرؤية الموضوعيّة لتعاليم دين خاطب الفطرة الإنسانيّة، فاستجابت له العقول والقلوب لما استخلصته من رقيٍّ ونبل وكرم ورأفة ومودّة، فيقول «الأوّل هو الإيمان بالحقيقة، بمعنى وجود ووحدانيّة الله، مجرّد من كلّ قوّة أخرى يمكن تخيّلها أنّها تشاركه السلطة والإرادة...والثاني الإيمان بالله الخالق الأزليّ، العارف والقويّ والعادل في الخير والشرّ في الدنيا وما بعد الموت؛ لأنّ الجميع سيبعثون أمامه والثالث الاعتقاد بأنّ الله رؤوف بعباده الجاهلين الذين ضلّوا السبيل بسبب الافتقار للتعليم الذي يخلّصهم من الرذائل....»[75].

خاتمة
يحاول الكاتب تحطيم الأساطير التي خيطت حول العرب وتخليصهم من الصور النمطيّة والتمثّلات الأيديولوجيّة للمركزيّات الغربيّة والتي جعلت من العرق العربيّ نموذجًا لكلّ المظاهر السلبيّة من وحشيّة وبربريّة وقساوة.
شكَّلت الكعبة الشريفة فكرة أساسيّة ومركزيّة في وصف الكاتب، فقد تجاوز بوصفه التقارير الجغرافيّة والأنثروبولوجيّة ليحلق في فضاء الدلالة وأسباب الاختيار لتكون مهد القرآن ورسالة محمّد، التي هي امتداد لدين إبراهيم وأتباعه.
حاول الكاتب قراءة سيرة النبيّs قراءة علميّة موضوعيّة انطلاقًا من تاريخ بناء الدول والجمهوريّات في الغرب، فتحوَّلت الأحداث إلى علامات استشرافيّة تتنبّأ بإرهاصات ظهور النبيّ محمّدs.
يرى المؤرّخ الفلكيّ أنّ تواريخ ميلاد محمّدs لها تفسيرات فلكيّة وفق توافقاتها مع حركات الكواكب وتقاطعها.
تعدّ سيرة بولانفيليه السيرة الغربيّة الأكثر موضوعيّة وإنصافًا للرسول الأعظمs.


لائحة المصادر والمراجع
المصادر (مدوّنة البحث)
le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX.

المراجع
Boulainvilliers, L’anti-absolutisme aristocratique légitimé par l’histoire, Presses universitaires d’Aix-Marseille, 1999.
Dictionnaire de l’Académie Française, Tome Premier,3eme Edition (A-K)Jean Batiste Coignard Imprimeur, Paris, MDCCXL.
Diego Venturino, Un prophète «philosophe»? Une Vie de Mahomed à l’aube des Lumières, Dix-huitième Siècle, n°24,1992.
Fabrizio Frigerio, Une source méconnue de la Vie de Mahomed du comte de Boulainvilliers, Studi settecenteschi, Naples Biblios, NO 21, 2001.
Ignace-Louis Gondal, Mahomet et son œuvre, Librairie Bloud et Barral 1897.
Lorenzo Rustighi, Pour une théologie politique du contemporain: la perspective de Boulainvilliers, Revue Dix-huitième siècle 2016/1 (n° 48).
Olivier Tholozan La méthode historique de Boulainvilliers, in Henri de Boulainvilliers, L’anti-absolutisme aristocratique légitimé par l’histoire, Presses universitaires d’Aix-Marseille, 1999.
Pierre Bayle, Tome 4, Cinquième édition augmentée de remarques critiques, LA COMPAGNIE DES LIBRAIRES, AMSTERDAM, M. D C C. XXXIV,1720.
Paul Réveillère, Croix et croissant, BERGER-LEVRAULT & Cie, ÉDITEURS, Paris, 1897.
Raymond Ducasse, Mahomet dans son temps, Imprimerie Louis Gilbert & C Grand Rue, 40, GENÈVE,1908.
Yves Citton «Boulainvilliers et l’Islam. Lumières théologico-politiques de l’altermodernité» in Pascale Pellerin (éd.), La réception des Lumières dans le monde arabo-musulman, Paris, Classiques Garnier, 2017.


--------------------------------
[1][*]- باحث وأستاذ، جامعة تبسه بالجزائر.
[2]- Ignace-Louis Gondal, Mahomet et son œuvre, Librairie Bloud et Barral, 1897, p29.
[3]- IBID, Ignace-Louis Gondal, p8- 9.
[4]- Raymond Ducasse, Mahomet dans son temps, Imprimerie Louis Gilbert & C Grand Rue, 40, GENÈVE, 1908, p63.
[5]- سعد الله، مكّي، حياة محمد أو حين نكتشف الحقيقة الكاملة للدجل، مقاربة في كشف انحراف الفكر والتصوّر ومزالق التأويل، ص196.
[6]- Paul Réveillère, Croix et croissant, BERGER-LEVRAULT & Cie, ÉDITEURS, Paris, 1897, p3.
[7]- IBID, P3.
[8]- IBID, Paul Réveillère, Croix et croissant, p4.
[9]- IBID, P4.
[10]- يبقى محرّر الجزء الثالث مجهولًا، ويمثّل قسمًا خارجيًّا بعيدًا عن السيرة الأصليّة التي كتبها بولانفيليه.
[11]- Olivier Tholozan,La méthode historique de Boulainvilliers, in Henri de Boulainvilliers, L’anti-absolutisme aristocratique légitimé par l’histoire, Presses universitaires d’Aix-Marseille, 1999, p52.
[12]- Lorenzo Rustighi, Pour une théologie politique du contemporain: la perspective de Boulainvilliers, Revue Dix-huitième siècle 2016/ 1 (n° 48), p371.
[13]- Ibid, Lorenzo Rustighi, p373.
[14]- Pierre Bayle, Tome 4, Cinquième édition augmentée de remarques critiques, LA COMPAGNIE DES LIBRAIRES, AMSTERDAM, M. D C C. XXXIV, 1720, p31.
[15]- Fabrizio Frigerio, Une source méconnue de la Vie de Mahomed du comte de Boulainvilliers, Studi settecenteschi, Naples Biblios, NO 21, 2001, P35.
[16]- Fabrizio Frigerio, p36.
[17]- Diego Venturino, Un prophète «philosophe» ? Une Vie de Mahomed à l’aube des Lumières, Dix-huitième Siècle, n°24,1992, p321.
[18]- Fabrizio Frigerio, Une source méconnue de la Vie de Mahomed du comte de Boulainvilliers, p36.
[19]- IBID, p36.
[20]- Fabrizio Frigerio, Une source méconnue de la Vie de Mahomed du comte de Boulainvilliers, p37.
[21]- Yves Citton «Boulainvilliers et l’Islam. Lumières théologico-politiques de l’altermodernité» in Pascale Pellerin (éd.), La réception des Lumières dans le monde arabo-musulman, Paris, Classiques Garnier, 2017, p39.
[22]- IBID, Yves Citton «Boulainvilliers et l’Islam, p39.
[23]- Yves Citton «Boulainvilliers et l’Islam. Lumières théologico-politiques de l’altermodernité», p48.
[24]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC. XXX, p3.
[25]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p5.
[26]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p7.
[27]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p9.
[28]- IBID, p8.
[29]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p39
[30]- IBID, p39.
[31]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p40.
[32]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p42.
[33]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p43.
[34]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p44
[35]- https://www.universalis.fr/index/durete/
[36]- Dictionnaire de l’Académie Française, Tome Premier, 3eme Edition (A-K) Jean Batiste Coignard Imprimeur, Paris, MDCCXL, p535.
[37]- IBID, Dictionnaire de l’Académie Française, Tome Premier, p535.
[38]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p51
[39]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p44
[40]- IBID, p54.
[41]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, pp57- 58 .
[42]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p57
[43]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p88.
[44]- IBID, p99.
[45]- jochen katz, p111.
[46]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC. XXX, p144
[47]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p144- 145.
[48]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M. DCC.XXX, p178- 179.
[49]- le comte Boulainvilliers Henri, p184
[50]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p185
[51]- le comte Boulainvilliers Henri, p190.
[52]- IBID, p193.
[53]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p194
[54]- le comte Boulainvilliers Henri, p194.
[55]- IBID, p195.
[56]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p199- 200.
[57]- IBID, P200- 201.
[58]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p206.
[59]- IBID, p206- 207.
[60]- le comte Boulainvilliers Henri, p224.
[61]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p239.
[62]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p242.
[63]- IBID, p244.
[64]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p244.
[65]-le comte Boulainvilliers Henri, p245.
[66]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p246.
[67]-le comte Boulainvilliers Henri, p252.
[68]- IBID, le comte Boulainvilliers Henri, p259.
[69]- IBID, p194.
[70]- IBID, p180.
[71]- Fabrizio Frigerio, Une source méconnue de la Vie de Mahomed du comte de Boulainvilliers, Studi settecenteschi, Naples Biblios, NO 21, 2001, P37.
[72]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, pp269- 270.
[73]- IBID, p240.
[74]- Fabrizio Frigerio, Une source méconnue de la Vie de Mahomed du comte de Boulainvilliers, P38.
[75]- le comte Boulainvilliers Henri, La vie de Mahomed, LONDRES, M.DCC.XXX, p325.