البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العسكرة الاستشراقيّة وانعكاساتها الكوارثيّة على العرب والمسلمين

الباحث :  د. صالح زهر الدين
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  19
السنة :  السنة الخامسة - صيف 2019م / 1440هـ
تاريخ إضافة البحث :  August / 31 / 2019
عدد زيارات البحث :  1484
تحميل  ( 1.223 MB )
لم يحظَ موضوع «العسكرة الاستشراقيّة» أو «الاستشراق العسكري» ضد العرب والمسلمين في منطقتنا، بما حظي به «الاستشراق السياسي» ورموزه على هذا الصعيد. وليس باستطاعتنا القول أن هذا التقصير ناجمٌ عن عدم اهتمام الباحثين والمؤرّخين بهذه المسألة، بقدر ما هو نقص في المراجع والمصادر، أو عدم انتباهٍ إلى هذه القضية الخطيرة والحساسة معًا.
فانطلاقًا من قناعتنا بالترابط الوثيق بين السياسة والحرب، والحرب بطبيعتها «امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى»[1] على حد قول المفكر العسكري كلاوزفيتز[2]*، فإن الاستشراق العسكري يستحقّ أن يُعطى أهميةً خاصةً في هذا الإطار، شأنه شأن الاستشراق السياسي، وهو بالتالي تتويجٌ له... وبالمقارنة مع المستشرقين السياسيين فإنّ دور زملائهم في السلك العسكري، كان مميزًا وذا فعاليةٍ سلبيةٍ بالنسبة لوطننا وأمتنا العربيّة والإسلاميّة.
واستنادًا إلى المقولة التي تؤكد أنْ «لا شيءَ ينجح في الحرب إلا إذا تم التفكير فيه وتصميمه وإنضاجه بإرادةٍ قويّةٍ»[3]، فقد مثّل المستشرقون العسكريون نواة «القوة الضاربة» ضدّ شعبنا ووطننا وثرواتنا، ولم يتم ذلك إلا وفق العملية السياسية الممنهجة والموجَّهة والمصمِّمة على تدميرنا، متسلّحةً بإرادةٍ فولاذيةٍ نضجت مع الزمن، وذلك عبر الفكرة القائلة بـ«المحورية الأوروبية» أو «أوروبا المركز» ولمصلحتها؛ إنها «العجرفة الثقافية»، و«اللؤم الروحي»، و«العهر السياسي والعسكري» في أعلى درجاته فعلًا. ‎ ‏
ولعل خير معبّرٍ عن هذا الواقع، هو ما أشار إليه المستشرق غوغويير (Gogoyére) في ترجمته لألفية ابن مالك بقوله: «إن الهدف الذي يسعى إليه الاستشراق هو الذي يطرحه المهندس العسكري على نفسه، حين يدرس منشآت العدو الدفاعية والهجومية: إنه التدمير»[4]. وفي معرض ذلك، قال د. أنور عبد الملك: «لقد ضَمَّ الاستشراق السياسي خليطًا من الجامعيين ورجال الأعمال والعسكريين والموظفين الاستعماريين والمبشّرين والصحفيين والمغامرين، الذين كان هدفهم يقتصر على التعرف إلى الحقل المزمع احتلاله، والولوج إلى أفئدة الشعوب من أجل تأمين انصياعها للقوى الأوروبية على نحوٍ أفضلَ»[5]. بمعنى أن هذا الفريق كان عبارةٌ عن «جنود نظاميين»، ينفّذون «أمرًا عسكريًّا» من قيادةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ في الوقت نفسه؛ ومن أولى مهامّهم، العمل على تحسين الوجه الاستعماري لدى شعوب الشرق، وبذل كل الجهود والإمكانات بغية احتلال العقول والقلوب قبل الإقدام على احتلال الأرض والسيطرة على ثرواتها...
كيف لا، وقد شكل الشرق «مختبرًا» لتجارب المستشرقين وأبحاثهم وتحليلاتهم. كما شكّل في الوقت نفسه «مصنعًا» لإنتاج مستشرقين جددٍ (أو لإعادة إنتاج)، يساهمون في إماطة ‎اللثام عن كثيرٍ من مجهولات هذا الشرق، بكل تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وأنظمة الغزو.
والجدير بالذكر، أن المؤرخ والمفكر العسكري الفذّ، الجنرال كارل فون كلاوزفيتز، يعتبر أول من كتب عن التداخل الهائل بين السياسة والحرب، (حيث لم يسبقه إليه أحدٌ من قبل)، وعن تبعية الحرب للسياسة؛ وعندما كتب ذلك، كان في ‎الربع الأول من القرن التاسع عشر، (أي عندما كان الاستشراق في ذروته)، وكأنّه يكتب تحديدًا عن الاستشراق، بماهيّته وطبيعته وأهدافه، كما يعيشها هو كقائٍد عسكريٍّ ومؤرخٍ وفيلسوفٍ ومفكِّرٍ. وهو يقول في هذا الصدد: «إن الحرب لا تخصّ ميدان العلوم والفنون، لكنّها تخصّ الوجود الاجتماعي. إنّها نزاعٌ بين المصالح الكبرى يحلّه الدم، وبهذا فقط تختلف عن النزاعات الأخرى»[6].
وبتحديدٍ أدقَّ، يؤكد الجنرال كلاوزفيتز بقوله: «إن الحرب أداة من أدوات السياسة، وهي تحمل بالضرورة طابعَ هذه السياسة، وعليها أن تقيس كل الأمور بالمقياس الذي تستخدمه السياسة. وليست إدارة الحرب في خطوطها العريضة إلا سياسةً، ولكنها سياسةٌ تحمل السيف بدلًا من القلم، بدون أن يمنعها ذلك من أن تفكر حسب قوانينها الخاصة»[7].
وعلى الرغم من الخلافات الدائمة بين السياسيين والعسكريين حول كثيرٍ من المسائل، إلا أن توافقًا واضحًا يظهر من خلال هذه الخلافات بصدد الحرب. وعلى سبيل المثال ما جاء في كلمة السياسي الفرنسي الشهير كليمانصو قائلًا: «إن الحرب تبلغ من الجديّة مبلغًا لا يجوز معه أن تُترك للعسكريين وحدهم»[8].‎ ‏ وفي هذا الإطار، (وبسبب التنافس الاستعماري على المستعمرات والبلدان التابعة بين انجلترا وفرنسا)، كتب رئيس الوزراء البريطاني السابق المستر أتلي بمناسبة ظهور مذكرات الجنرال ديغول (رئيس فرنسا السابق): «إن ديغول كان بالتأكيد رجلًا عسكريًا كبيرًا، سوى أنه كان سياسيًّا سيّئًا». فردّ ديغول على ذلك بقوله: «إن السياسة مهمةٌ أكثرُ جدّيةً من أن تُتْرك للسياسيين وحدهم»[9]. هكذا يبدو أنه لا يوجد بين الفكرتين خلافٌ أو تناقضٌ.
على ضوء ذلك نتساءل: أين يقف الاستشراق في هذه القضية؟ ومن هم رموز الاستشراق العسكري المشهورون على هذا الصعيد؟
ليس سهلًا، في الواقع، أن نتناول هذا الموضوع بكل تفصيلاته، وبعمقٍ. وما يهمّنا هو تسليط الضوء على هذه ‏النقطة المهمّة في موضوع الاستشراق، وعلى بعض الرموز البارزة عسكريًّا، وبالتالي، الانعكاسات الكوارثيّة لأعمالهم الاستشراقيّة وعسكرتهم الخطيرة على العرب والمسلمين.
من هذا المنطلق، سنعالج مسألة الاستشراق العسكري على هذا الصعيد في كلٍّ من فرنسا وبريطانيا، باعتبارهما من أكثر الدول الأوروبيّة التي تعاملت مع شعبنا ومنطقتنا من منظارٍ تسلّطيٍّ استبداديٍّ احتلاليٍّ.
ولا نزال حتى اليوم -كعربٍ ومسلمين- نحصد ما زرعته هاتان الدولتان الاستعماريتان في منطقتنا، حيث كانت مصلحتهما هي الأولويّة في هذا المضمار، دون أيّ اعتبار للمصلحة العربيّة والإسلاميّة، إلا وفق ما تقتضيه مصلحتهما المشتركة.

الاستشراق العسكري الفرنسي
سنتناول في هذا العنوان ثلاثة رموزٍ، كان لهم، ولا شك، دورهم العسكري على منطقتنا العربية؛ مع العلم أن الكثيرين من، أبناء شعبنا لا يعلم عنهم وعن دورهم شيئًا، فضلًا عن أسمائهم التي لم تطرق أسماع بعضهم أيضًا.

هؤلاء الرموز الثلاثة هم:
1- لويس دي بوديكور (Louis de Beaudicourt)
2- لويس ماسينيون (Louis Massignon)
3- ليفي بروفنصال (Evariste Levi - Provençal)

فمن هو لويس دي بوديكور (1815-1882) [10]؟
ولد لويس دي بوديكور في باريس سنة 1815، من أبٍ يدعى بروسبير (Prosper)، يعمل في تجارة جمع الطوابع وبيعها. وهو من مناصري حزب الملكيين الشرعيين (آل بوربون).
وبعد أن شبّ لويس ورث عن والده حبّه للتجارة فأصبح رجل أعمالٍ، كما ورث عنه ميله السياسيّ فناصر حزب الملكيين الشرعيين، وإن لم يكن بوسعه تعاطي السياسة علنًا كون الحكم في تلك الفترة كان يضطهد مؤيدي الملكية، فقد نذر نفسه للأعمال الاجتماعية والدينية-كما يقول- فكان يؤسّس الجمعية ويرعاها حتى تزدهر ومن ثَمّ يتركها في عهدة أشخاصٍ أكفّاءَ، لينتقل بعدها إلى تأسيس جمعيةٍ أخرى تكون الظروف المستجدة قد استدعت قيامها-بنظر موجهيه ومؤيديه-.
 أسّس أوّلًا في شارع (فرنوي) (Verneuil) أوّل تجمعٍ كاثوليكيٍّ ملكيٍّ دعاه «المعهد الكاثوليكيّة» (‎(Institut Catholique‏، وكان يطمح من خلال مؤسسته هذه إلى قلب مفاهيم الثورة الفرنسية من الوجهة الدينية... ثم ما لبث أن دمج مؤسسته بمؤسسةٍ أخرى لها الأهداف نفسها وتدعى «النادي الكاثوليكي» بغية توحيد القوى. ثم انتقل بعدها إلى الانخراط في صفوف «جمعية القديس منصور دوبول» الملقب «أبو الأمة»، وكان اسمها «جمعية الرسالة» (وهى جمعية الآباء اللعازاريين للتبشير الهادف للسيطرة الدينية والسياسية والاقتصادية - وهو ما تؤكده مجلتهم المسماة «الرعية الجديدة»[11]. وسافر إلى أوروبا للحصول من الحبر الأعظم على الإنعامات التي تسبغ عادةً على المؤسسات الدينية في بداية انطلاقتها، كدليل موافقة الفاتيكان على شرعيتها.
في هذا الوقت كانت أخبار الصراع الدموي بين الفرنسيين والعرب في الجزائر تتصاعد حدّتها. وباعتباره كان على علاقةٍ وثيقةٍ بسياسيين وعسكريين فرنسيين، وجد نفسه أنه مدعوٌّ للقيام بدورٍ ما في هذه «المستعمرة» يكون موازيًا لدور البندقية والمدفع والجيش الفرنسي. بمعنى أن يقوم بدورٍ «سلميٍّ» لخدمة الاستعمار الفرنسي بدلًا من سياسة الحديد والنار -أو بالأحرى إلى جانبها-.
على هذا الأساس سافر إلى الجزائر، واستقر بجوار قرية «بليدة» حيث أسّس مستعمرةً كاثوليكيةً صغيرةً يقتصر دورها على تبشير عرب الجوار بالديانة الكاثوليكية. واستقدم إليها مبشرين من «رهبانية مريم»؛ وكثيرًا ما كان يرافقه ضباطٌ فرنسيون ‎وحرسٌ من جنودهم أثناء تجواله وتنقلاته التبشيرية هذه...
وأثناء وجوده في الجزائر وصلت إلى مسامعه أخبار الفتنة الطائفية البغيضة بين الموارنة والدروز في لبنان (والتي كان لفرنسا في ما بعد الدور الأول والأساس فيها بعد الاتفاق بين قنصل فرنسا والمطران الماروني طوبيا عون على تدبير هذه الفتنة أثناء الاجتماعات في دير عين سعادة بأنطلياس، وفي إحدى غرفه المشهورة بهذه الحادثة التي ذكرها الدكتور أسد رستم للأستاذ كمال جنبلاط أثناء زيارة كانا يقومان بها إلى هذا الدير)[12]، فتأسّف «لمعاناة» الموارنة-كما قال- وبدأ يفكر في إيجاد حلٍّ لهم، فكان مشروعه واقتراحه السياسي والعسكري «القاضي بتوطين الموارنة في الجزائر». ولم يكن هذا الاقتراح-المشروع إلا نتيجةً للتباحث والتشاور مع بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين الفرنسيين الذين يوثق بهم -كما يقول- خصوصًا أولئك الموجودين في مهمّتهم السياسيّة والعسكرية في الجزائر، إضافةً إلى بعض الزعماء الموارنة من اللبنانيين.
وخلاصة مشروع دي بوديكور تتلخّص بنظرته إلى هذا الأمر على الوجه التالي: إذا نجح في توطين الموارنة في الجزائر يكون قد ساهم في حل مشكلتين عويصتين: الأولى مشكلة الموارنة، إذ يصبحون تحت حماية فرنسا المباشرة في الجزائر وينصرفون إلى الأعمال الزراعية التي يبرعون فيها، والثانية مشكلة فرنسا في الجزائر، إذ يصبح الموارنة الرديف العسكري للفرنسيين فيها ويحاربون إلى جانبهم. وكونهم يتكلّمون اللغة العربية فإنّهم سيتمكنون من التفاهم مع الجزائريين ولعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين الجزائريين والفرنسيين لمصلحة الاستعمار الفرنسي. ولم يكن لويس دي بوديكور وحيدًا في السعي لتحقيق هذا المشروع، بل كان إلى جانبه «الدوق دومال» (Duc d’Aumale) الحاكم الفرنسي في الجزائر بالإضافة إلى الأب لويس زوين (موفد مطرانية صيدا المارونية إلى فرنسا أثناء أحداث 1860)، والشيخ مرعي الدحداح (الذي كان يقطن فرنسا متخذًا من التجارة مهنةً له)[13]، الذي أصبح رئيسًا لشركة «إفريقيا والشرق» التي أسّسها لويس دي بوديكور لتحقيق هدفين: الأوّل تجاريٌّ ويرمي إلى إقامة توظيفاتٍ عقاريةٍ في إفريقيا، والثاني تخصيص أرباح هذه الشركة من أجل دعم استعمار المسيحيين الكاثوليك لإفريقيا وتوطين الموارنة في الجزائر.
وبقي هذا المشروع دون تحقيقٍ نظرًا لمعارضة الحكومة الفرنسية له. وأمام هذا الواقع الجديد سافر دي بوديكور إلى لبنان ليكرّس حياته وأعماله لمعاضدة الموارنة، وأصبح الأمين العام «لجمعية القديس لويس» في لبنان[14].
 والواقع، أن لويس دي بوديكور كان يتستّر بالطابع الديني لمهمته، بيد أن كتابه «تاريخ الجزائر» الذي صدر عام 1860، ينسف جميع ادعاءات دي بوديكور هذه، مفصحًا عن الدور السياسي والعسكري لمهمته، وينمحي عندها الشعور الديني كليًّا. فهو عندما يتكلم عن توطين الموارنة في الجزائر، فإنه يريد ذلك -كما يعترف- كي يحافظ على الوجود الفرنسي فيها، بجعلهم يشكّلون نوعًا من التجمعات «الفلاحية العسكرية» تفصل بين المستوطنات الفرنسية في الجزائر وبين الجزائريين (على غرار المستعمرات الصهيونية اليوم في فلسطين). إذًا فهو يريد استخدامهم درعًا واقيةً للوجود الفرنسي في الجزائر. ونلاحظ بالتالي تحوُّلًا في نظرة «دي بوديكور» من منطلقٍ دينيٍّ إلى منطلق قوميٍّ استعماريٍّ ذي بُعدٍ عسكريٍّ فرنسيٍّ ويخدم مصلحته.‏
‏والأخطر من ذلك، لقد تعدّت غيرة وحماسة «دي بوديكور»‎ ‏على موارنة جبل لبنان لتشمل جميع مسيحيّي الشرق، داعيًا فرنسا إلى إنشاء محميّةٍ لها في سوريا كلها بهدف جعلها نقطة ارتكازٍ لبسط نفوذها على العرب من جهةٍ وعلى الأتراك من جهةٍ أخرى[15]... وتحقّق الجزء الأكبر من هذا المشروع بعد الحرب العالمية الأولى وإخضاع سوريا ولبنان (بعد ولادتهما استعماريًّا) للسيطرة الفرنسية.
هذا، ومهما حاول «لويس دي بوديكور» أن يتلطّى بالستار الديني لمهمته السياسية والعسكرية،فإنه يبقى عاجزًا عن ذلك، حيث إن مؤلفاته المعبّرة عن طبيعة مهمته وحقيقتها، لا تستطيع إلّا أن تدين مؤلّفها نفسه؛ ولعلّ عناوين هذه المؤلفات تشير إلى هذه الحقيقة، ومنها مثلًا: «المواطنون في الجزائر» الذي صدر سنة1852؛ و«الحرب في الجزائر» الذي صدر سنة 1853 و«استعمار الجزائر» الذي صدر سنة 1856؛ و«تاريخ مستعمرة الجزائر» الذي صدر سنة 1860؛ و«فرنسا في سوريا» الذي صدر سنة 1860؛ وكتابه الشهير «فرنسا في لبنان» الذي نشر في باريس عام 1879... وقد توفي لويس دي بوديكور عن عمرٍ يناهز الثمانية والستين عامًا، ودفن في باريس بتاريخ 15 أيار/ مايو 1882.

لويس ماسينيون (1883 - 1962)
يختلف لويس ماسينيون عن لويس دي بوديكور في استشراقه، إذ لم يكن ماسينيون بحاجةٍ إلى «ستار» يتخفّى وراءه كما فعل سلفه وابن وطنه. لقد بدأ ماسينيون حياته الاستشراقية باشتراكه في المؤتمر الدولي الرابع عشر للمستشرقين الذي انعقد في نيسان/ أبريل سنة 1905 في الجزائر. وهناك تعرّف إلى المستشرق اليهودي المجري «غولدتسيهر» الذي كان في طليعة الذين أقاموا الجامعة العبرية سنة 1919، تلك الجامعة التي كانت الدعامة الأولى في الغزو الصهيوني الاستيطاني لفلسطين[16]. وكان لغولدتسيهر تأثيرٌ كبيرٌ - على ما يبدو - في آراء وتوجهات ماسينيون الاستشراقية.
ثمّ التقى بغولدتسيهر أثناء اشتراكه في مؤتمر المستشرقين الخامس عشر في كوبنهاغن. وحضر دروسًا في الجامع الأزهر في مصر كما فعل غولدتسيهر من قبل 1873 - 1874. ولمّا طُلب إلى غولدتسيهر وأسنوك هورخرونيه القيام بالتدريس في الجامعة المصرية القديمة التي أنشئت سنة 1910، اعتذرا وأوصيا بالأستاذ ماسينيون لهذا المنصب (كدليلٍ على العلاقة الوثيقة التي تربطهم ببعض فضلًا عن بعض القناعات والأهداف المشتركة)؛ فدُعي ماسينيون وألقى أربعين محاضرةً باللّغة العربية على طلاب الجامعة المصرية - وكان منهم الدكتور طه حسين الذي تأثّر به كثيرًا على ما يبدو. وكان كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» دليلًا واضحًا على ذلك، حيث يدعو فيه إلى «القومية المصرية» وسلخ مصر عن عروبتها؛ وقد جرت حملةٌ كبيرةٌ بسببه في الصحف والمجلات العربية بينه وبين المفكر العربي الكبير ساطع الحصري، ومن المرجّح أنه على أساس هذه العلاقة «ساهم ماسينيون في دائرة المعارف الإسلامية»[17]، التي يكثر فيها الدس والتشويه والافتراءات ضد العرب والإسلام. ومنذ السابع والعشرين من شهر آذار/ مارس 1917، أصبح ماسينيون تحت تصرّف وزارة الخارجية الفرنسية بوصفه ضابطًا ملحقًا بمكتب المندوب السامي الفرنسي في سوريا ولبنان. وكان ضمن الجيش الذي دخل القدس في عام 1917 تحت قيادة الجنرال ألنْبي العليا[18]، حيث صرح ألنْبي إثرها بقوله: «اليوم انتهت الحروب الصليبية».
وفي شهر كانون الاول/ ديسمبر 1919، كُلف لويس ماسينيون بمهمةٍ من قبل وزارة الشؤون الخارجية للاستقصاء عن الدستور السوري[19]. ولقد كلفه بهذه المهمة وزير الخارجية الفرنسي شخصيًّا آريستيد برياند (Aristide Briand) وكان قد التقى أيضًا بالجاسوس البريطاني الشهير، عالم الآثار، زميله في المهنة، لورنس العرب[20]. كما كُلف بمهمةٍ أخرى في عاميْ1923 - 1924، بإجراء تحقيقٍ حول الطوائف في المغرب[21].‎ ‏
ويشير د. عبد الرحمن بدوي إلى أن جانبين أساسيين في فكر ماسينيون، لا نستطيع إلا أن نشير إليهما بإيجازٍ (وقد جاء ذلك في معرض المدح): الأول: دراسة تراث العرب العلمي وقد كتب عنه فصلًا في كتاب «تاريخ العلم» الذي أصدره الناشر: «المطابع الجامعية الفرنسية» سنة 1957. وكان آخر بحثٍ تلقيناه منه قبيل وفاته بأيامٍ قليلةٍ هو عن «غيوم ماجلان واكتشاف العرب لها»، وفيه أثبت أن العرب قد عرفوا غيوم ماجلان، وهي الكواكب التي اهتدى بها ماجلان لما دخل المحيط الهادي وبواسطتها استطاع أن يتم دورته حول الأرض، والملاحون العرب قد اكتشفوها من قبله بزمانٍ طويلٍ وكانوا يهتدون بها في الملاحة... أما الجانب الآخر ‎فهو دراسة الأحوال الاجتماعية والأنظمة الاجتماعية في العالم الإسلامي على مر العصور[22].
ولا يسعنا هنا إلّا أن نشير إلى ما أكّده المستشرق ريتّر (Ritter) بقوله: «إن الغرب في أشد الحاجة إلى مجهوداتٍ علميةٍ أكثرَ تركيزًا تجاه دول العالم الثالث عامةً والشرق الأدنى خاصةً. وإن الذي لا يختلف عليه اثنان هو أن نظرة الغرب إلى الشرق، بل وأحداث الشرق الأوسط لا تخلو من نياتِ وخطط المستشرقين»[23].
فما معنى إذًا أن يُكلَّف لويس ماسينيون من قِبل وزارة الخارجية الفرنسية بالاستقصاء عن الدستور السوري 1919 وحكومة الأمير فيصل العربية، في الوقت الذي كانت فيه اتفاقية سايكسبيكو الاستعمارية الصهيونية، ومن بعدها عملية فرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان وتوزيع الانتدابات على الدول العربية؟؛ إذ من المؤكد أن مهمة ماسينيون هذه لم تكن مهمةً «إنسانيةً» على الإِطلاق، وليست في مصلحة الشعب العربي السوري واللبناني خصوصًا، بل هي جزءٌ من مهمة «رصد واستطلاع ووضع خططٍ» ضروريةٍ للاستعمار الفرنسي قبل مباشرة وضع يده وإمكاناته على هذه المنطقة.
وإن الدارس المدقق سيكتشف هول الصدمة التي ستواجهه عندما يغرق في بحور الإطراء والمديح الذي يغدقه المستشرقون على ماضي الإسلام وحضارته وبناء أسسه الأولى، إذ اعتمد بعضهم منهج البناء والهدم في وقتٍ واحدٍ. وليس المدح إلا مظهرًا خادعًا لما يريد الوصول إليه... ذلك أن القضية لا تستمر على هذا النسق من التحليل والإِطراء، لأن ما بناه لن يستمر طويلًا، إلا ويتبعه بمنهجٍ آخرَ هو منهج «الهدم»... فيهدم ما بناه ويسقطه لبنةً لبنةً، وهكذا. ولكي نوضّح هذه القضية الخطيرة نورد ما قاله المستشرق: «غوستاف فون غرونباوم» (Gustav Von Grunebaum)‏ وهو يتحدث عن قبول العرب للدين الجديد.
1- إن نظامه الديني من أشد النظم والديانات إحكامًا وأعظمها توافُقًا وتماسُكًا.
2- كان هذا النظام ينطوي على أجوبةٍ مقنعةٍ للمسائل التي كانت تشغل مواطنيه، كما كان يتجاوب وروحَ العصر.
3 - إنه رفع العالم الناطق بالعربية إلى مستوى العوالم الأخرى، ذات الكتب المنزلة[24].
‎ كل ما سبق يوحي أن غرونباوم ينهج منهجًا موضوعيًّا إلى حدٍّ ما بحيث يمكن أن نقول: إنه يقترب من الحقيقة. لكننا لن نذهب بعيدًا، وسنرى بعد ذلك أنه يهدم كل ما بناه للوصول إلى غرضه وأهدافه الأساسية، فها هو يقول: «كان الهواء يفوح بالزهد، وكان الزّهّاد يحرمون الخمر، ويستحبّون الاعتدال الجنسي. وكما حدث في الإِسلام بعد ذلك، فالراجح أن العناصر المسيحية غلبت اليهودية في‎ تكوين وجهات نظرهم وسننهم، ولكن العربي الذي كان يبحث عن الصدق، لم يكن يعنيه كثيرًا ممن كان يأخذ آراءه الدينية التي يستولي عليها. ذلك أن حرمانه من كل ميراثٍ قوميٍّ أجبره على الأخذ من مختلف العقائد»[25].
وبالمنظار نفسه، رأى الدكتور عمر فروخ ‎ذلك المديح‏ والإِطراء، وقد وصفه ب «المخدّر المضرّ»، مؤكِّدًا ذلك بقوله «لقد مرّ الزمن الذي كان يجوز فيه للعرب أن يسكروا بخمرٍ يعصرها غيرهم. ولعل كثيرًا من جُمل الإِطراء والمديح للعرب قد قصد بها أصحابها إلهاء العرب عن حقيقة مركزهم وتركهم في غمرةٍ من هذا الخيال التائه. ولقد عرفت أنا ذلك من جُمَلٍ قالها غربيون لا وزن علميًا لهم، فجاءت جملهم بديعةً في سبكها ولكنها بعيدةٌ عن الصحة والصواب»[26]‎.
هكذا هو حال المستشرق لويس ماسينيون الذي «صال وجال على مسرح الشرق الإسلامي، واتخذ من معرفته الواسعة وعمله مادةً لخدمة الاستعمار الفرنسي في الشرق العربي والإسلامي -(وبالتالي لخدمة الصهيونية التي ورثت هذه التركة)- منذ سنة 1920؛ حيث أوكلتِ له بعد الحرب العالمية الأولى مهمةٌ استعماريةٌ كبرى لترغيب المسلمين في سوريا ولبنان في الاستعمار الفرنسي وفق تدابير الاحتلال»[27].
وليس أدل على ذلك من اعتراف ماسينيون نفسه حول العلاقات بين الاستشراق والاستعمار، عندما قال: «أنا نفسي كنت متحمِّسًا لعملية الاستعمار في ذلك الحين، وقد كتبت له لكي أُعرب عن أملي بفتحٍ قريبٍ للمغرب بقوّة السلاح، ‏ وقد أجابني بالموافقة؛ ‎ولنعترف‏ بأن المغرب كان في ذلك الحين يعاني من وضعٍ ‎رهيبٍ. لكن خمسين عامًا من الاحتلال ما كان لها بدون «ليوتي» وبدون مثله الأعلى الفرنجي -الإسلامي، أن تسفر عن شيءٍ يُذكر[28].
ومن المنطلق الاستعماري ذاته، والعداء للعرب (بحجة محبتهم) يدعو ماسينيون للمصالحة بين العرب وإسرائيل، أو كما يسميهم «بين الأشقاء»، بقوله: «... أرى أن على الأشقاء أن يجدوا سبيلًا للمصالحة. إذ إن كلا الفريقين، إسرائيل والعرب، يملك شهادةً داخليةً للإدلاء بها: إنها شهادة لغتهما التي هي لغةٌ مقدسةٌ، فضلًا عن أنها أداةُ بحثٍ علميٍّ مجردٍ. لقد كتبت النخبة اليهودية وفكّرت باللغة العربية خلال العصور الوسطى بكاملها. هنا تكمن المشكلة الجوهرية»[29].
وأثناء مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وبالتحديد في مرحلة الثلاثينات من القرن العشرين، عقد لويس ماسينيون سلسلةً من الندوات في بيروت، أثار بعدها ردّة فعل الكثيرين، ومنهم د. عمر فروخ الذي قال: «ماذا يفعل هذا الرجل هنا؟ وأين يحشر أنفه‎؟»[30]، وذلك بعد أن هاجم الإسلام والعرب في عقر دارهم -كما يقولون- مستقويًا بجيش دولته من ناحيةٍ، وبموقعه في عالم الفكر والاستشراق من ناحيةٍ ثانيةٍ.
ومجمل القول، أن ماسينيون «مؤرخ الفكر» (لاهتمامه‎‏ بالتاريخ العقدي والفكري للإسلام) عمل في الشرق المعاصر وأثّر في سياسات دولته (فرنسا) في التعامل مع هذا المشرق»[31]. ولو لم يكن «موظَّفًا» لدى وزارة خارجيته وموظفًا نشيطًا وأمينًا لها، ولو لم يكن أحد جنود (بل ضباط) السياسة الفرنسية في هذه المنطقة وخادمها المطيع، لكانت النخبة من شعبنا العربي قد ذكرته بالخير -على الأقل- لأن الوفاء هو من أولى عاداتنا، ولا نتذكّر مرّةً أننا قصّرنا في هذا الواجب مع من يستحقّه.
ويكفي في هذا المجال، أن نشير إلى واقعتين تتعلقان مباشرةً بمهمة لويس ماسينيون في بلادنا، بل كان له الدور الفعال في هاتين الواقعتين اللتين، لا ‎تختصران مهمة ماسينيون فقط، بل مهمّة كل من خطا خطواته في «علم الاستشراق». وخلاصة هاتين الحادثتين، هي أنه لولا الأعمال الاستشراقية التي زعمت أنها «بريئةٌ»، وغُلّفت بالطابع العلمي والأكاديمي، لما وصل الجنرالات الفرنسيون والإنجليز إلى القول في بلادنا -وفي قلبها بالتحديد- (في نفس الوقت الذي كان فيه المستشرق ماسينيون مكلَّفًا بمهمة «البحث والاستقصاء»)، ما لا يتجرّأ أيُّ مستشرقٍ على قوله، أو البَوْح عنه، حتى ولو كان من وزن ماسينيون وأهميته. وهذا ما عبّر عنه الجنرال غورو، أمام قبر البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي في دمشق، بكل تهكّمٍ وازدراءٍ، قائلًا: ها نحن عدنا يا صلاح الدين. كذلك الحال بالنسبة للجنرال ألنبي بعدما دخل إلى القدس وقال: اليوم انتهت الحروب الصليبية!!
أليس في ذلك روح العنصرية الصليبية وعمودها الفقري؟ وهل يمكن أن ننكر، بعد كل هذا، أن الإستشراق لم يكن إلا السلاح الأمضى والأفتك في أيدي رجال الحرب والسياسة الاستعمارية تجاه شعبنا ووطننا؟

ليفي بروفنصال (1894 - 1956)
مستشرقٌ فرنسيٌّ اشتهر بأبحاثه في تاريخ المسلمين في إسبانيا. ولد في مدينة الجزائر العاصمة سنة 1894 من أسرةٍ يهوديةٍ. تعلّم في ليسيه قسنطينة في الجزائر، ثم دخل كليّة الآداب في الجامعة حيث نال فيها الليسانس سنة 1913، وقد تتلمذ على رينيه باسّي ‎(René Basset) ‏ وجيروم كركو بينو الشهير بأبحاثه في التاريخ الروماني. وتردّد بين اتجاهي هذين الأستاذين: الدراسات العربية والدراسات الرومانية.
بعد سنةٍ واحدةٍ على تخرّجه ونيله الليسانس في الآداب، نشبت الحرب العالمية الأولى، فالتحق بالجيش الفرنسي في الشرق، وجرح في معركة الدردنيل الشهيرة، فأرسل إلى مدينة الإسكندرية بمصر للعلاج من جراحه. فلمّا شفي منها عاد إلى فرنسا، ثم «أرسل إلى مراكش ضابطًا في الشؤون الإسلاميّة»[32]،‎ حيث «عُهد إليه بقيادة موقعٍ في وادي ورجلة بالقرب من حدود الريف في المغرب، فكان لهذا أثره الحاسم في تحديد اتجاهه، إذ اختار الدراسات العربية نهائيًّا»[33].
ونظرًا لأهميته في هذا الميدان، فقد احتلّ ليفي بروفنصال مكانةً محترمةً في نفوس كبار السياسيّين والعسكريين الفرنسيين، خصوصًا من كانت خدمته منهم «ميدانيةً» وفي المغرب العربي تحديدًا. وعلى هذا الأساس، كلّفه المارشال «‎ليوتي» -القائد العام- بمهمةٍ في معهد الدراسات العليا المراكشية في الرّباط، وعُيِّن أستاذًا فيه سنة 1920، ثم مديرًا له سنة 1926، فأقام في وظيفته حتى العام 1935، وكان قد قدّم رسالتين للحصول على دكتوراه الدولة، وُفّق فيهما وحصل على شهادته تلك سنة 1922. وكانت هاتان الرسالتان بعنوان:
الأولى: مؤرّخو الشرفاء: بحث في كتب التاريخ والسير في مراكش من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر.
الثانية: نصوصٌ عربيةٌ من ورغة: لهجة جبالا (في شمال مراكش) [34].
وليس من الصدفة أبدًا أن يكلف بروفنصال (عسكريًّا من قبل المارشال ليوتي) لإعداد مثل هذه الأبحاث المتعلقة ب «اللهجات العربية» كضربةٍ أولى للّغة العربية الفصحى، بغية زعزعة أركانها وخلخلة بنيانها من ناحيةٍ، ولإحداث شرخٍ كبيرٍ بين أبنائها عبر هذه الطريقة من ناحيةٍ ثانيةٍ، ولزرع ‎الشك في نفوس المسلمين ولغتهم القرآنية من ناحيةٍ ثالثةٍ.
واتسع اهتمام بروفنصال بمراكش ولهجتها، وما لبث أن شمل إسبانيا الإسلامية كلِّها، لأنّه أدرك أنه لا يمكن الفصل بين تاريخ المغرب وتاريخ إسبانيا الإسلامية. وابتداءً من سنة 1928 وجّه عنايته إلى تاريخ المسلمين في إسبانيا، موجِّهًا اهتمامه أساسًا إلى النُّظُم والحياة الاجتماعية، كما أولى من الاهتمام بالأحداث التاريخية السياسية، وفقًا لمطالب الاستعمار وحاجته.
وفي سنة 1935 استعفى من إدارة معهد الرباط ليتفرّغ للتدريس والتأليف، فعُيّن مدير شرفٍ له. وفي سنة 1938 دعته جامعة فؤاد الأول بمصر أستاذًا زائرًا وعينته في اللجنة المكلفة بتحقيق كتاب الذخيرة لابن بسام. وفي سنة 1939 جُنّد في القيادة العليا لإفريقيا الشمالية في الحرب العالمية الثانية، وأطلق في منتصف العام 1940 ثم أحالته حكومة فيشي على المعاش فعاد إلى التدريس.
ومن سنة 1943 إلى سنة 1944، انتدبته حكومة الجمهورية الفرنسية في مهمّاتٍ خطيرةٍ بين لندن والقاهرة والقدس ودمشق؛ وفي سنة 1945 ألحقه وزير التربية الفرنسية بديوانه في باريس، وعيّن في السنة ذاتها أستاذًا للغة العربية والحضارة الإسلامية في كلية الآداب بباريس (السوربون)، وبقي في هذا المنصب حتى وفاته سنة 1956. كما عُيّن أيضًا وكيلًا لمعهد الدراسات الشرقية المعاصرة، ومديرًا لمعهد الدراسات السّاميّة في جامعة باريس. ولم ‎يقتصر جهده على التدريس والإدارة، فقد كان حتى سنة 1939 مدير المطبعة الفرنسية لدائرة المعارف الإسلامية.
وقد كوفئ على بلائه في الحرب وجهوده في الاستشراق بأوسمةٍ رفيعةٍ منها وسام جوقة الشرف وعضوية جمعياتٍ كثيرةٍ منها مجمع إسبانيا، وجمعية إنجلترا الآسيوية[35].
والجدير بالذكر،‏ أنّه بعد قيام الحرب العالمية الثانية وهزيمة فرنسا في حزيران/ يونيو 1940، صدرت في فرنسا قوانينُ ضد اليهود. لكن بفضل تدخّل بعض أصدقائه -من سياسيين وعسكريين- في فرنسا، أعفي من تطبيق هذه القوانين عليه، وعُيّن -اسميًّا- أستاذًا في كلية الآداب بجامعة تولوز (جنوبي فرنسا) في 1945. فأخذ في تحرير المجلد الأول من كتابه «تاريخ إسبانيا الإسلامية» وهو من أهم أعمال بروفنصال -كما يذكر د. عبد الرحمن بدوي- وقد صدر منه ثلاثة مجلداتٍ تحت عنوان: (Histoire de l’Espagne Musulmane) (تاريخ إسبانيا الإسلامية).
وفي سنة 1954 أسس مجلة «Arabica» التي أصبحت أهم مجلّةٍ فرنسيةٍ متخصّصةٍ في الآداب العربية والعلوم الإسلامية[36]. فضلاً عن ذلك، فقد ترك ليفي بروفنصال أكثر من عشرين مؤلَّفًا تتناول الحضارة العربية والإسلام،[37] حيث ترجم بعضها إلى اللّغة العربية كما هو الحال بالنسبة لكتاب «حضارة العرب في الأندلس».
وعلى الرغم من الدور البارز الذي قام به ليفي بروفنصال في خدمة السياسة الفرنسية وعسكريتها، ضد العرب والمسلمين، خصوصًا في المغرب العربي فقد ذكر د. ذوقان قرقوط، الذي ترجم كتاب «حضارة العرب في الأندلس» يقول: «إن ‎هذا الكتاب هو عرضٌ موجزٌ لحضارة العرب في الأندلس، وإبرازٌ نزيهٌ للروابط التي كانت تربط تلك الحضارة بالشرق العربي. كما فيه اعترافٌ صريحٌ لأثر الحضارة العربية عامّةً على الحضارة الغربية المعاصرة.
يتقصّى المؤلف في بحثه هذا شخصية الحضارة العربية الإسبانية، ويبرز لها خواصَّها ببنائها الاجتماعي ومُثُلها الأخلاقية والثقافية وارتباطها الوثيق بالروح العربية الأصيلة، على الرغم من بعد المسافة واختلاف التربة والمناخ بين صحراء العرب وبلاد الأندلس».
ويضيف د. قرقوط قائلا: «دامت الأندلس بعد العرب زعيمة الفكر والمدنية واحتفظت بكامل إشعاعها، ففتنت سادتها الجدد، وأضحت للغرب كما كانت أثينا لروما عندما غدت مقاطعةً في إمبراطوريّتها. فعلى الرغم من كونها مغلوبةً، نستطيع أن نقول بأنها استولت هي نفسها على قاهريها.
ولم تقف الأندلس عند الاقتباس عن حضارة بغداد، بل أخذت تعمل على أن يشعّ نفوذها كأمّةٍ عظيمةٍ متمدّنةٍ إلى خارج حدودها... هذا ما يبيّنه المؤلف في هذا الكتاب، وهو أعمق من تعرض للحضارة الأندلسية، وأنزه من ذكر فضلها وغايتها»[38].
وتأكيدًا لذلك فقد كتب د. عبد المنعم ماجد في هذا الصدد:
إنّ المسلمين في الأندلس تركوا طابعًا إسلاميًّا لا يُمحى؛ وإنهم أسهموا بنصيبٍ وافرٍ في تقدّم الإنسانية، وإن الإسلام لم يكن مجرّدَ موجةٍ عابرةٍ فيها، وإنّما حركةً حضاريةً فعّاليةً تقدّميةً»[39].
ومهما يكن من أمر فليس باستطاعتنا أن نمنح «صك براءةٍ» بمثل هذه البساطة لشخصيةٍ يهوديّةٍ مهمّةٍ من وزن ليفي بروفنصال، مع تأكيدنا بأن ما «خدم» به حضارة العرب والإسلام لا يساوي نقطةً واحدةً في «بحر خدماته» السياسية والعسكرية والثقافية للإدارة الفرنسية والاستعمار بشكلٍ عامٍّ، وقد كان لبني قومه، ولا شك، نصيب من خدماته هذه، (مع اعترافنا ببعض إيجابيّاته البحثيّة).

الاستشراق العسكري البريطاني
لم يتفق الباحثون والمؤرخون والمستشرقون بالذات، على العدد الذي جندته إنجلترا لخدمة أغراضها السياسية والعسكرية في ميدان الاستشراق؛ لكنهم متفقون، ولا شك، من خلال إحصاءاتهم في هذا المجال، أن بريطانيا تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد مستشرقيها الذين تبوّؤوا مناصبَ حسّاسةً في المضمار السياسي أو في القوات العسكرية، خصوصًا في الهند. ومصر، وفلسطين والجزيرة العربية، والعراق. ولم يكن ذلك ضروريًّا بالطبع، لولا استماتة التاج البريطاني في المحافظة على «درّة التاج» نفسه، والممثلة بالهند. وهذا ما يستلزم بدوره تأمين الطرق المؤدية إليها.
من هنا، يؤكد د. ميشال جحا بقوله: «إنّ عددًا من مستشرقي هذا العصر كانوا ممن عملوا في السلك الدبلوماسي، أو ممن انخرطوا في سلك الجندية وعملوا في خدمة التاج البريطاني كضباطٍ أو كانوا أبناء ضباطٍ أو موظفين في وزارة المستعمرات البريطانية[40].
وبما أنه من الصعوبة الإحاطة بجميع هؤلاء، فإن من الممكن والضرورة أن نشير إلى نماذجَ من هذا النوع، أو بالأحرى عيّناتٍ تُلقي ضوءًا على ما نحن بصدده، خصوصًا وأن بعض هذه العيّنات كانت قد فاقت شهرتها حدود بلادها، وتجاوزتها إلى نطاقٍ دوليٍّ، حتى أن كثيرًا من القرارات والأحداث ارتبطت بالشخصيات التي حركتها، أو كان لها تأثيرٌ وفعاليّةٌ في تحريكها، أو كونها كانت في مركز القرار والفعل معًا. ومن بين هؤلاء نذكر على سبيل المثال: إدوارد هنري بالمر (E.H. Palmer)، ولورنس العرب، وتشارلز هنري تشرشل ‎ (Ch. H. Churchill)، إلخ...

‎ إدوارد هنري بالمر (1840 - 1882)
ولد بالمر في كامبردج سنة 1840، وقتل في مصر سنة 1882. وقد وصفه الدكتور عبد الرحمن بدوي في معرض تعريفه: «مستشرقٌ انجليزيٌّ ومن عملاء الاستعمار البريطاني؛ لقي حتفه جزاءً وفاقًا لعمله هذا»[41]. ‎ ‏
‏تولَّع منذ طفولته بتعلّم اللّغات، وساعده في شبابه أحد موظفي الحكومة الهندية ويُدعى سيد عبد الله، فأفاد منه بدروسٍ في اللّغات الفارسية والأوردية والعربية. وفي الوقت نفسه تلقّى دروسًا في العربية على يدي سوريٍّ مسيحيٍّ يدعى رزق الله حسّون. وبعدها دخل جامعة كمبردج. كان يتقن عددًا من اللّغات الشرقية، أكسبته شهرةً فائقةً[42].
وحدث أن أنشئت هيئةٌ «لاستكشاف فلسطين» بغرض «اكتشاف الارتباط بين التاريخ المقدس والجغرافيا المقدسة» أي المتعلقين بالكتاب المقدس. وكان من ضمن برنامجها استكشاف جزيرة سيناء ومسيرة بني إسرائيل في صحرائها. ويقترح المشروع «تتبع بني إسرائيل في رحلاتهم الكثيرة من مصر إلى سيناء، ومن سيناء إلى قديش، ومن ثم إلى أرض الميعاد»[43]. وتألّفت البعثة الاستكشافية من السير هنري جيمس، رئيس مساحة المدفعية ومن الكابتن تشارلز ولسون، من هيئة سلاح المهندسين الملكية، ومن بالمر بوصفه مترجمًا وجامعًا للنقوش وباحثًا. بيد أن د. ميشال جحا يشير إلى «أن بالمر عُيِّن كبير مترجمي القوات البريطانية في مصر...» [44]. المستشرق الإنجليزي هذا يصف مهمّته بنفسه بالقول: «كان ‎عملي يقوم أساسًا على الحصول من البدو على أسماء الأماكن في شبه جزيرة سيناء، بينما كان الضباط يقومون بالمساحة...» [45].
يبدو من خلال ذلك، أن مهمة أدوارد بالمر كانت بكل تفاصيلها مهمةً مخابراتيةً تجسّسيةً ذاتَ طابعٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ، كما عني في الوقت نفسه، بتسجيل عادات البدو وأعرافهم؛ وهذا ما تبيّنه بوضوح آثاره ومؤلفاته. والواقع، أن بالمر لم يكتف بهذه الرحلة فقط؛ فبعد عودته إلى إنجلترا مع البعثة سنة 1869، رجع مع شابٍّ يدعى «تشارلز دريك» (Ch. Drake) لاستكشاف سيناء مرةً أخرى، خصوصًا في شمال شرقها. وكان يهدف خصوصًا إلى تحديد موقع قديش، والبحث في أرض مواب عن نقوشٍ.
وسافر إلى القدس حيث نقل الكتابات الكوفية الموجودة على قبة الصخرة واستكشف القدس القديمة. ثم سافر مع زميله إلى لبنان ومنه إلى دمشق حيث التقى بالكابتن بورتون الذي سيصبح في ما بعد السير ريتشارد بورتون، وكان آنذاك قنصلًا بريطانيًّا في العاصمة السورية. وكان بورتون قد «التحق قبلًا بالجيش الإنجليزي بالهند. وزار بالمر مصر والسويس، واستقل سفينة الحج إلى ينبع والمدينة ومكّة، ثم قصد إلى مجاهل إفريقيا الشرقية والحبشة، ورحل إلى أواسط إفريقيا وغربها، واكتشف بحيرتَيْ تنجانيقا وفكتوريا، ثم عاد إلى مصر وقام بمسحٍ جيولوجيٍّ لأراضٍ لم تُمسح من قبلُ»[46]. بعد ذلك سافر بالمر إلى جبل العلويين، وواصل السفر إلى إستانبول... ولقد زادت هذه الأسفار في خبرته واطلاعه، ألّف على أثرها عددًا من المؤلفات، كان منها: «أورشليم مدينة هيرود وصلاح الدين» بالاشتراك مع وولتر بيزنت، (Walter Besant)‎، ‏و«موجز جغرافيا الكتاب المقدس» و«تاريخ الأمّة اليهودية»... وبدعوةٍ من ماكس ميلر (Max Müller) قام بترجمة جديدةٍ للقرآن كي تنشر في سلسلة «كتب الشرق المقدسة» التي كان ميلر يتولى إصدارها. وقد اشتهرت هذه الترجمة بعد طبعها مع مقدمةٍ بقلم المستشرق الإنجليزي رينولد ألين نيكلسون (R.A. Nickolson).
فضلًا عن ذلك، فقد مارس بالمر العمل الصحافي بسبب ضآلة راتبه أستاذًا ‎في جامعة كامبردج؛ وكان ذلك في جريدتي «ديلى نيوز» (Daily News) و«ستاندرد» (Standard).
ولمّا راحت بريطانيا سنة 1882 تعد عدّتها الاحتلال مصر، دعاه الرئيس الأول للبحرية الإنجليزية لورد نورثبروك (Northbrook) في 27 حزيران/ يونيو 1882 لمقابلته. وفي المقابلة أخبره أن بريطانيا تريد الاستفادة من خبرته بسيناء والاتصال بأهلها (وهو على معرفةٍ بهم من قبل) لكي يقوم بتأليبهم ضد مصر، خصوصًا أثناء ثورة أحمد عرابي باشا، ويستخدمهم بالتالي لتأمين الجانب الشرقي من قناة السويس لصالح بريطانيا. ووافق بالمر على القيام بهذه المهمّة الدنيئة التي لا تليق بعالِمٍ أبدًا. وقد وصف صديقه وولتر بيزنت ‎ ‏ (Walter Besant)هذه المهمة بالدقة فقال: «كانت مهمة بالمر كما فهمها، ما يلي: كان يمكن أن يذهب إلى صحراء شبه جزيرة سيناء... وكان عليه أن يتنقّل بين الشعب فيها، من قبيلةٍ إلى قبيلةٍ، لمعرفة مدى الاهتياج بين الناس أوّلًا ضد عرابي باشا، وثانيًا، المحاولة في أن يفصل مجموع القبائل، إذا استطاع، عن القضية المصرية، ومن أجل هذا كان عليه أن يقوم بإجراء ترتيباتٍ مع الشيوخ لجعلهم يلتزمون السكون، أو عند الضرورة أن ينضمّوا إلى القوات البريطانية ويحاربوا في صفوفها ضد الجيش المصري، أو أن يعمل بطريقةٍ أخرى من شأنها خدمة المصالح البريطانية. وبما أن القلق الإنجليزي كان شديدًا على سلامة قناة السويس، فكان عليه أن يتخذ أيَّ خطواتٍ يراها هي الأفضل من أجل الحراسة الفعلية للشواطئ الشرقية للقناة، أو لإصلاح القناة، لو حاول عرابي تدميرها. وكان تأمين سلامة القناة يبدو في ذلك الوقت أهم نقطةٍ على الإطلاق. هذا، ولم تُعطَ له تعليماتٌ مكتوبةٌ أبدًا، بل أُعطيت له التعليماتُ كلُّها شفويًّا أثناء المحادثة معه»[47].
نفّذ بالمر المهمّة على أكمل وجهٍ، والتقى بعددٍ من شيوخ القبائل وهو يلبس لباسًا عربيًّا كاملًا «مثلما يلبس العربي المسلم في المدن»، كما قال، من بينهم عرب قبيلة طرابين، وقبيلة التياهة التي يقول عنها أنها أقوى القبائل العربية في سيناء ‎وأشدّها قدرةً على القتال. كما التقى شيخ قبيلة الحويطات في بواتة (Bowateh) ويدعى مطر أبو صوفية فاستخدمه بالمر لإرسال الرسائل إلى السويس، حيث وصل إليها بالمر في ما بعد وأقام على ظهر باخرةٍ متعاونًا مع السير بوشانب سيمور (Sir Beauchamp Seymour) من الأميرالية[48].
وأثناء مهمة نقل البدو إلى القنال، كان برفقة أدوارد بالمر أربعة أشخاصٍ من معاونيه هم: الكابتن وليم جون جل (Gell)، واللفتنانت هارولد شارنغتون (Charrington) وخادمٌ سوريٌّ مسيحيٌّ يدعى خليل عتيق، وأحد معاونيه اليهود ويدعى «باخور حسون». وإلى جانب هذه الجماعة، كان معهم مطر أبو صوفية وابن أخيه سلامة بن عايض وعددٌ من الجمّالين.
وقد نصب بعض البدو كمينًا لأولئك الخمسة، واقتادوهم إلى وادي سُدْر (في الجنوب الغربي من سيناء) وقتلوهم وألقوا بهم في وادٍ سحيقٍ[49].
وهكذا لقي بالمر جزاءه عمّا قام به من تجسّسٍ ودسائسَ وتآمرٍ تمهيدًا لغزو بريطانيا لمصر واحتلالها لها، احتلالًا دام من ذلك التاريخ حتى سنة 1956، بعد تأميم شركة قناة السويس إثر القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس جمال عبد الناصر.
وكان لبالمر وأمثاله أن يستحق نهاية غير هذه النهاية، بل وأبشع، حتى أن زميله في الاستشراق، ومواطنه آرثر آربري قال: «إن بالمر يستحق هذه النهاية، لأني -يقول آربري-أؤمن وبكلٍ رسوخٍ وقوّةٍ، أنّ المهمّة الحقيقية للعالم هي العلم، لا السياسة»[50].
ويبدو أن آرثر آربري لم يصرح بذلك إلا تكفيرًا لذنوبه عن مهمته التي كُلّف بها عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث نُقل إلى قسم الرقابة على البريد التابع لوزارة الحرب في ليفربول، فأمضى فيه ستة أشهرٍ نُقل بعدها إلى وزارة الإعلام في لندن، فبقي في هذا العمل أربع سنواتٍ يُصدر بنفسه أو مع غيره، منشوراتٍ لا نهاية لها للدعاية البريطانية في الشرق الأوسط باللغتين العربية والفارسية؛ بل إنه ظهر في فيلم للدعاية البريطانية[51].

لورنس العرب (1888 - 1935)
يعتبر توماس أدوارد لورنس (الملقب بلورنس العرب) في طليعة الرجال الذين قدموا لبريطانيا والصهيونية معًا، خدماتٍ تعجز عن تحقيقها مؤسّساتٌ كبيرةٌ، لـذلك يُعتبر من أشهر رجال بريطانيا العظماء.
ولـد لورنس في مقاطعة ويلز الإنجليزية في 16 آب/ أغسطس سنة 1888. وهو ابن غير شرعي للسير توماس روبرت تشابمان من السيدة سارة مادن، مربّية بناته الأربع من زوجته الأولى. إلا أن توماس غيّر اسم عائلته بعدما هاجر من إيرلندا إلى إنكلترا، وأصبح يُعرف باسم لورنس منذ ذلك الحين.
في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1907، التحق لورنس بكلية يسوع في أكسفورد. وهناك سجل لنفسه عـدّة اكتشافاتٍ رائعةٍ عندما كــان يقوم بالتنقيب عن الآثار تحت مياه البحـر. واستطاع من خلال ذلك أن يستـرعي انتباه بعض مشاهير علماء الآثار الذين كانوا يتمتعون بمراكزَ هامّةٍ في جهاز الاستخبارات البريطانية وكان على رأسهم الدكتور دايفيد جورج هوغارت، أستاذ لورنس، وكذلك ليونارد وولي.
«كان هوغـارت، ضابط الاستخبارات البريطانية المتخصص بشؤون الشرق الأوسط. وكانت معلوماته عن أوضاع البلدان العـربية في ظل الحكم العثماني لا تضـاهى في ذلك الحين. فقد أمضى هوغـارت، وقتًا طويلًا يــدرس أحوال هـذه المنطقة من النواحي السياسية والوطنية والدينية، والتحـركات السرية ونوعية قياداتها، ونشاط الألمان والفرنسيين، والبوليس السـري التابع لهم، وطبيعة الأرض الإسلامية ونفسية الحكام العسكريين فيها، وجوّ المعارك المتوقع في حال نشوب حربٍ.
والواقع‏ أنه كان للدكتور هوغرات تأثيرٌ هامٌّ على مجرى حياة لـورنس. كما لم ‎يكن ذلك بعيدًا عن نشاط المخابرات البريطانية في محاولتها كسب لورنس إلى صفوفها، حيث أشارت إلى أستاذه بضـرورة الاهتمام به بعد نجاحاته واكتشافاته وتفــوّقه، وتجييـر كلّ ذلـك لصالح السياسة البريطانية بمجملها. وهكـذا تمكّن لـورنس، بواسطة هوغـارت، من الحصول على منحـةٍ خـوّلته الاشتراك في رحلةٍ «علميـةٍ» للقيام بالبحث والتنقيب عن الآثار في وادي الفرات. كـانت هــذه البعثة برئاسة هوغارت نفسه الذي عيّن لورنس في بعثته رئيسًا على فرق العمل التي كانت تتألّف من الأكراد والعـرب والتركمان والأرمن. وقد نجحت هـذه البعثة في العثور على مدينة كركميش التي كانت قديمًا عاصمة الإمبراطورية الحثّية... هـذا ويضم متحف أشمولين في أكسفورد الكثير من الآثار التي «وهبهـا» لورنس لـه لعرضهـا فيه قبل أن يبلغ العشرين من عمره[52]. وفي معرض الإشارة إلى أهمية هذه البعثة يقول الأستاذ زهدي الفاتح: «ظلت مهمـة هذه البعثة سرًّا دفينـًا، إلا أن أفرادها كانوا يعملون في مناطقَ مهمّةٍ للغاية، عسكـريًّا واستراتيجيًّا، ويمكن تشبيه مهمة هــذه البعثة ومموليها بأيِّ بعثةٍ أميركيةٍ مماثلةٍ في هذه الأيام، تموّلها المخابرات المركزية الأميركيّة»[53].
والجدير بالذكر أن لورنس تعرّف على جميع المواقع الاستراتيجية التي كـانت موجودةً في المنطقة بأسرهـا. كيف لا، وهو الـذي تجوّل في جميـع أرجاء المنطقة سيرًا على الأقدام، يشاهد مواقعها، ‎ ‏ ويدقّق ويبحث، حتى «أصبح مرجعًا للمعلومات الدقيقة عن منطقة الشرق الأوسط، وطبيعة تكوينها ومعـالمهــا الطوبوغرافية»[54]. وقد بلغ حدًّا من النشاط، جعل الأتراك يرتابون بأمره في عـام 1912، وعندما شعر بملاحقته ومراقبته من قبلهم، كتب إلى أستاذه هوغارت يقــول: هذه الدولة العجوز، ما زال فيها بعض حياةٍ بعد، إنّها تراقبني»[55].
 من خلال هذه الكلمات، تتوضـح مهمّة لورنس بالتحديد، وتجاوز العلاقة «العلمية» بينه وبين أستاذه إلى ما هو أبعدُ من ذلك بكثيرٍ، عبـر استغلال اختصاصه بتوجيهاتٍ استخباراتيةٍ، يمثل هوغارت حلقة الاتصال المركزية فيها. ولو كان نشاطه بعيدًا عن هذا الواقع، لما أظهر قلقه وخوفه من المراقبة العثمانية، ليبلغ المخابرات البريطانية وحدها بما يتعرض له.
هذا وقد عبّر لورنس نفسه عن طبيعة العلاقة الوثيقة التي تربطه بالاستخبارات عبـر أستاذه -عــالم الآثار- حيث ألحق بمدرســة الإرساليين الأميركيين في جبيل بلبنان، لتحسين لغته العربية. إلا أنه قال في ذلك: «لسببٍ ما يريدني هــوغارت إتقان العربية»[56].
‎ وبالفعل، فقد توضّح هذا السبب في ما بعد عندما عمدت الاستخبارات البريطانية لتحويله من عـالم آثارٍ إلى عسكـريٍّ خبيرٍ في شؤون المنطقة. وفي هـذا المجال برزت موهبة لورنس العسكرية النابعة من معرفته لكل التفاصيل الدقيقة، المتعلقة بمنطقة عمله. لذلك، عُيِّن في دائرة الخرائط التابعة لرئاسة القوات البريطانية في الشرق الأوسط، حتى أن الضباط أنفسهم كانوا يستشيرونه بشأن أيِّ خطّةٍ يريدون الاتفاق عليهـا، مع العلم أنه كان واحدًا من فرقةٍ خاصـةٍ تتألف إلى جانبه من ليونارد وولي، ‎ونيوكومب، عهد إليها الإنكليز مهمة القيام بوضع الخرائط، خاصةً تلك المتعلقة بشبه جزيرة سيناء، بعد توغّلهم فيها متخفّين. ونجحــوا نجاحًا كبيرًا.
بالإضافة لكلّ ذلـك، فقد شغف لورنس بمطالعـة الكتب العسكرية ووقائع الحروب والتعمق في دراستها واستيعـابها. ونظرًا لتأثّـره بها فـإنه اختار مـوضـوع الهندسة المعمارية العسكـرية التي شيّـد الصليبيون قلاعهم بموجبها، موضـوعـًا لأطروحته الجامعية تحت عنوان «قلاع الصليبيين»، نال عليها مرتبةً الشـرف الأولى لأنه اعتمد فيها على التزوير والتشويه قائلًا بأن الصليبيين هم الذين نقلوا إلى الشرق الأوسط علوم الهندسة الحربية في الغرب.
وفي كانون الثاني/ يناير 1914، انخرط لورنس رسميًّا في سلك الاستخبارات البريطانية العسكرية. ونقل من قسم الخرائط إلى دائرة المخابرات السرية التي كـان عملها منحصرًا في المناطق التي يحتلها الأتراك، حيث عُيّن رئيسًا لأحــد فروع تلك الدائرة. ولكي يكون جديرًا بالمسؤولية الجديدة، وناجحًا في تنفيذ سيـاسة أسيـاده، فإنه سعى لتجنيـد عددٍ من الشبان المحليين في دائرته، انطلاقًا من التسهيلات المتوفرة لهم في التوغل إلى ما وراء المناطق المحتلة والخروج منها بعـد حصولهم ‏على كافة المعلومات المطلوبة.
وبالإضافة لذلك، فقد تولّى عملية استجواب أسرى الأتراك توصّلًا إلى معرفة أماكن قواتهم وعددها. وبالفعل نجح لورنس في هـذا المجال نجاحًا كبيـرًا واعتبر رجــل مخابراتٍ من الطراز الأول، في الوقت الذي شكّلت فيه الحـرب العالميـة الأولى نقطةَ تحوّلٍ بارزةً في تاريخ الاستخبارات. «قبلهـا، كان هـذا العلم ذا أهميةٍ ثانويةٍ، في حين أصبح بعدها يشكل دعامةً في مقدمـة الدعامات، في الحـرب كما في السلم. لم تَعُدْ الاستخبارات وفنونها المختلفة، كما كانت قبل الحرب، طفلًا يحبـو متلمِّسًا طريقه. أصبحت مكتملة النمـوّ شديـدة البأس، تعتمد على نفسها ويعتمد عليها الآخرون. وهذا مـا أدى في ما بعـد، إلى التفاعل المستمر بينهـا وبين المعلوماتية»[57].
بلغ لورنس في عمله الاستخباري هذا مرتبةً عاليةً؛ وكانت علاقاته المباشـرة مع القادة الإنكليز -سياسيين وعسكـريين- لها الطابع الفاعل والمؤثـر على مجمل السياسة البريطانية، من خلال لقاءاته مع اللورد كيتشنر، المقيم البريطاني في مصر؛ والدكتور هــوغـارت، ضابط الاستخبارات المتخصّص بشؤون الشرق الأوسط؛ والكولونيل جيلبرت كلايتون رئيس قلم الاستخبارات البريطانية في القاهرة. والآنسة جـروترود بــل (Bell)، المستشارة السياسية للسير بيرسي كــوكس، رئيس المكتب السياسي في الشرق بصورةٍ غيرِ رسميةٍ؛ والكولــونيل بيتش، الضابط البارز في قسم الاستعلامات التابع للفرقة التي يقودها الجنرال تاونسـنـد، بالإضافة إلى عــددٍ من زملائه «العلماء» أمثال مارك سايكس ولوبري هوبرت وكورنواليس ونيوكومب وليونارد وولي ولويد جورج، إلخ...
هـذه الشبكة الاستخبارية التي لعب فيهـا لورنس الدور البارز -تحت ستـار البحث العلمي والاستشراق- كان لها أهميتها الكبرى لإنكلترا. إذ كـانت بمثابة أعينها وآذانها وأصابعها في المنطقة العربيـة، حتى أنها شاركت عمليًّا في المعارك العسكرية أثناء الحرب العالمية الأولى، في الوقت الذي كـانت تمارس فيـه عمل التجسس والاستخبارات. وفي معـرض ذلـك، يقــول أيسـر هـرئيــل، رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الأسبق (الموساد): «إن شبكات الجاسوسية ما هي إلا نوعٌ من الحرب الباردة، ولكنها حربُ أدمغةٍ لا حربُ سلاحٍ ونارٍ»[58].
وبالفعل فقد كان لورنس دماغ بريطانيا في المنطقة العربية. وبرز دوره الكبير في الحرب العالمية الأولى، من خلال أيِّ مهمةٍ كُلِّف بها، إن كان ذلـك في مصر، أو العــراق أو سوريـا أو في الجزيـرة العربيـة. كما بـرز نشاطه واضحًا في المجال السياسي والعسكري والاجتماعي والاستخباري، دون أيِّ تقصير أو إهمال.
وانطلاقًا من التوجيهات التي تلقّاها لـورنس من المخابرات البريطانية، فإنه زعم مناصرته للقضايا العربية والوقوف بجانب قادة الثورة العربية ضـد الأتراك دفاعًا عن الحق العـربي. بيــد أن ذلـك لم يكن إلا حلقةً في سلسلةٍ تهــدف إلى تطويق المنطقة وخنقها وربطهـا بالمشاريع الاستعمارية البريطانية وتفويت الفرصة على الفرنسيين. وقد عبّـر لورنس عن ذلـك في رسالةٍ بعث بها إلى الدكتور هــوغـارت أعرب فيها عن مخـاوفه من أطماع فرنســا في الشرق الأوسط قائلًا: «إنني أرى أنّ فرنسا، لا تركيا، هي عدوّتنا في ما يتعلق بسوريا»[59].
كما كان يُكثر من الظهـور باللباس العربي، ســواءً في القاهرة أو غيرها من المدن العربية والأجنبية -خاصة في باريس أثناء انعقاد مؤتمر الصلح- كي يلفت الأنظار إلى شخصه أكثر من اللزوم... وقد «رفض ارتداء الملابس العسكرية عندما اشترط عليه الجنرال ويميس قائد القوات البريطانية في مصر، ذلك عند مرافقته إلى الخرطوم في السودان للقاء الجنرال وينغات، القائد العام للقوات البريطانية في شبه الجزيرة العربية»[60]. والواقع أن تصرف لورنس بهذا الشكل كـان نابعـًـا من سياسـة ‎المراوغة والـدجل البريطانية، لإيهام العـرب بأنها نصيرتهم وحـاميـة مصـالحهم وحقوقهم. هذا في الوقت الذي كـان فيه لـورنس يلعب دور «ضابط الارتباط» بين قادة الثورة العربية من جهةٍ، وبريطانيا من جهةٍ ثانيةٍ.
في الوقت ذاته، كـانت التقـاريــر التي يـرفعهـــا لـورنس إلى المخابرات الإنكليزية، تكشف حقيقة السياسة البريطانية حيال العرب وثورتهم. ففي أحد هـذه التقارير السريّة، حدد لورنس في شهر كانون الثاني/ يناير 1916، الأهداف الرئيسيـة لبريطانيا وللغرب عامةً فقال: «... أهدافنا الرئيسيـة: تفتيت الوحــدة الإسلامية ودحر الإمبراطورية العثمانية وتدميرها... وإذا عرفنا كيف نعامل العرب، وهم الأقل وعيًا للاستقرار من الأتراك، فسيبقون في دوامةٍ من الفوضى السياسية داخل دويلاتٍ صغيرةٍ حاقدةٍ ومتنافرةٍ، غيرِ قابلة للتماسك، إلا أنها على استعدادٍ دائمٍ لتشكيل قــوةٍ موحدةٍ ضد أيِّ قوّةٍ خارجيةٍ»[61]. إنه التعبير الحيّ عن روح تقرير كامبل بنرمان...
في هذه الفترة أيضًا (كانون الثاني 1916)، كان الكــولونيـل جيلبرت كـلايتون يعكف في المكتب العربي البريطاني في القاهرة، مع عددٍ من ضباط الاستخبارات البريطانية هناك على إعداد مخطَّطٍ عمليٍّ لتطوير حـركة القـومية العـربية في خــدمة الأهداف الحربية البريطانية... وقـد «سبق لماكس نوردو،‏ المفكر الصهيوني، أن أشار في أوائل هذا القرن إلى إمكان استغلال حركة القومية العـربية لضـرب العرب أنفسهم بحكـام الإمبراطورية العثمانية، والقضاء على الإثنين معًـا، في فلسطين خاصةً، فيدخل اليهود هذه الأخيرة فارغةً من السكان»[62].
ومن المؤكّد أنّ ادّعاء لورنس السعي إلى منح العـرب الحرية والاستقلال، ‎كـان قائمًا على أساس اعتباراتٍ محدّدةٍ واضحةٍ: فقد كـان مصمِّمـًا على إلحاق البلدان العـربية بالإمبراطورية البريطانية، إيمانًا منه بأنّ هذا الـوعد هـو الوسيلة الأفضل لدفعهم للقتال إلى جانب الإنكليز، على الرغم من أن السياسة الإنكليزية، وهو واحد من المخططين لأسسها، لن تنفّذ أبدًا ذلك الوعد الذي حلم بـه العرب طويلًا ومن أجله حاربوا. وفي إحـدى رسائله إلى صـديقته شارلوت شـو في 19 آذار/ مارس 1924، يوضّح لورنس قائلًا: «لقد ساعدت على حبـك المؤامرة... وخـاطرت، لإيماني أن وقوف العرب إلى جانبنا هو عاملٌ حيــويٌّ لتحقيق أملنا بانتصارٍ سـريعٍ، بخسِ الثمن، في الشرق، والأفضل لنا أن ننتصر وننكث بوعدنا من أن ننكسر»[63].
على ضوء ذلك، تبدو بصمات لورنس واضحةً في توقيع اتفاقية سايكس-بيكو وبنودها، خاصةً وأن مارك سايكس كان أحد زملائه وأصدقائه. وقـد كان هـذا الاتفاق صهيونيًّا كليًّا بدليل اعتناق موقّعَيْـه، البريطاني والفرنسي، للصهيونية سنـة 1915، باعتراف كريستوفر ابن مارك سايكس نفسه، وكذلك حاييم وايزمن، زعيم الحركة الصهيونية... اعتناقًا لم يَدْرِ به العرب - كما قال - (في كتابه: «دراسة مأثؤتين»)...
أما بالنسبة لوعد بلفور، فإن لورنس نفسه «لم يُخْفِ تأييده لهذا الوعد، الذي اعتبره وسيلةً لإبعاد مطامع الفرنسيين عن فلسطين وسوريا كلها، إلا أنّه كان يخفي أمرًا مذهلًا: فقد كــان يعمل لإقامة دولةٍ عربيـةٍ قوميـةٍ في سوريــا، تحت الحماية البريطانية، ولكن بتمويلٍ وتوجيهٍ من الصهيونية العالميـة... وعندما طلب إليه إنكــار محتويات رسالة شتمٍ وتحقيـرٍ، وجّهها إلى الدكتور ماك أنيس، كاهن الأبرشية الانكليكانية في‏ القدس، لاعتراض الأخير على فكرة إقامة «وطنٍ قــوميٍّ يهوديٍّ» في فلسطين... رفض ذلك وعـاود الكتابة إلى الكاهن يلومه على احتجاجـه: كـان الأفضل لك أن تفعل شيئًا آخرَ غير الاحتجاج، لكنك غيرُ صالحٍ حتى لتنظيف حذاء وايزمن»[64].
هذا في الوقت الذي كان فيه لورنس «يقدّر تقديرًا كبيرًا حاييم وايزمن منذ أن التقيـا في فلسطين بعـد سقـوط القدس، ليبحث مـع الأمير فيصـل (ابن الشريف حسين) المقترحات الصهيونية الخاصة بتوطين اليهود في الديار المقدسة»[65].
هـذا يعني بصورةٍ واضحـةٍ أن لورنس لم يكن فقط ممثلًا لبريطانيا في بـلاد العرب، بل كان إلى جانب ذلك رسولًا أمينًا للصهيونية يحمل أفكارها ومقترحاتها ويعمل بتوجيهـاتها وعلى أسـاسها، حتى مـع الذين وعدهم بالحـريـة والاستقلال وتخليصهم من الحكم التركي.
ونظرًا للخدمـات الكبيرة التي قدّمها لـورنس لبريطانيا من خلال مهمته، الاستخبارية الاستشراقية، في المنطقة العـربية، فقد «بكى ونستون تشرشل في جنازته يـوم 13 أيار/ مايو 1935، ووصفه بأنه الأكثر شهـرًة بين رجالات بريطانيا العظماء، مؤكِّدًا أنه لن يظهر له مثيلٌ، مهما كانت الحاجة إليه ماسةً... وقد أطلق عليه أسماءٌ عديدةٌ كـ«لـورنس العرب»، و«أميـر مكة» و«ملك الغرب غير المتـوّج» نظرًا لنشاطه ودقة معلوماته التي نقلها عن المنـطقـة العـربيـة إلى الاستخبارات البريطانية... لذلك أقيم له تمثالٌ مع تمثالَيْ نلسون وولنغتـون في كاتدرائية سان بول ببريطانيا»[66].
وممّا يجدر الإشارة إليه أيضًا، أن «لورنس العرب» كان جاسوسًا ماهـرًا، بل أستاذًا في فنّ التجسس، «يدين له المارشال ألنبي (Allemby) بالنصر الذي أحرزه في ميدان فلسطين. فلولا التقارير الوافية التي كـانت تصله من لورنس عن حركات الأعداء بواسطة شبكة الجاسوسية التي نظمها بإتقانٍ، مـع ضغط غاراته غيـر المنظمة، لما تقدمت الحملة بمثل هذه السرعة ولا ظفرت بهذا النصر»[67].
وفي كتـاب «كبار المعـاصرين»، دُبّج مقالٌ بيـراع أقدر ساسة هذا العصـر وأبعدهم صيتًا وأعمقهم في مصائر البشرية أثرًا، ونستون تشرشل، جاء فيه: «كتب الملك جـورج الخامس إلى أخ لورنس (بعد وفاته) يقول: إنّ اسمه سيخلد في صفحات التاريخ»، وهذا حقُّ لا شـكَّ فيه، ولكني أزيــد عليه أن اسمه سيخلد في الأدب الإنجليزي، وفي تقاليد سلاح الطيران الملكي، وفي سجلات الحرب. وفي أساطير جزيرة العرب...»[68].
فهذا هو العالم الكبير، والمستشرق الشهير، لورنس العرب، على حقيقته؛ وليس هو إلا النموذج الحيّ للاستشراق العسكري البريطاني والغربي عمومًا.
هذا، وقد ترك لورنس كتابًا مهمًّا يحتوي على كثيـرٍ من الأحداث والأسرار التي عاشها بكل جوارحه، وكان في معظمها محرِّكًا ومشاركًا بصورةٍ شخصيةٍ. كما انتقى له عنوانًا مثيرًا أيضـًا، وهو: «أعمـدة الحكمة السبعـة»، وقد تُرجم إلى مختلف اللغات العالمية، ومنها العربية والفرنسية.
تناوله الكثيرون من مشاهير العالم، وأدلوا برأيهم فيه. وكان من بينهم عظماء الإنكليز، حيث قال ونستون تشرشل: «إن أعمدة الحكمة السبعة هي قصـة الحرب والمغامرة، وهي المختصر التامّ لما يمكن أن يعنيه العرب للعالم. لهذا فلقد احتل مركزه فورًا، بين الكتب الكلاسيكية الإنكليزية...»[69].
أما السير هربرت صمـوئيل، أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، وهو صهيوني قحّ، وصديق لورنس، قال: «سيظل هـذا الكتاب نموذجاً على أضخم مـا أنتجته العبقرية»[70].
وبدوره - قال جون فيلبي: «هذا مؤلَّفٌ عظيمٌ، وقد يكــون من أضخم ما صـدر في هذا القرن...»[71].
وإذا مـا غصنا في العمق السياسي والعسكـري والإيديولوجي والاجتماعي والـوظيفي وحتى النفسي لكـل من هؤلاء، نجـد أن تعبيرًا واحدًا يختصر مجــرى حياتهم وتفكيرهم وتطلعاتهم المستقبلية؛ وهذا التعبير الواحد هو «الصهيونية».

تشارلز هنري تشرشل
كـان هذا المستشرق «حفيدًا للدوق مـارلبورو؛ ولذلك فهـو الجدّ الأعلى لونستون تشرشل»[72]. كما كان واحدًا من الرعيل الأول من الصهيونيين السياسيين والعسكريين غيـر اليهود. وقـد عمل ضـابـطًا في الحملة البريطانية التي أُرسلت إلى سـوريـا وساعدت السلطان العثماني على الإطاحة بمحمد علي باشا (والي مصـر)، وإجلاء جيوشه عن بلاد الشام. إضافةً لذلك، فقــد كان تشرشل ينتقد سياسـة بالمـرستون الشرقية التي ترمي إلى الإبقاء على الإمبراطورية العثمانية على قيد الحيـاة قدر المستطاع، ويدعو بدلًا من ذلك إلى تحرير سوريا وفلسطين من تركيا ووضعها تحت الوصاية البريطانية. أما اليهود فهم بنظره مستوطنون وحماة للمصالح البريطانية.
وفي 14 حزيران/ يونيو 1841 كتب تشارلز تشرشل لموسى مونتفيـوري، رئيس مجلس الوكلاء اليهــودي في لندن، يقول: «لا أخفي عنك رغبتي الجـامحة في «أن أرى قومك يحاولون استعادة وجودكم كشعبٍ، وأرى أن المـوضوع ميسورٌ تمامـًا؛ لكنْ، هناك شرطان ضروريان لذلك: أولهما أن يتولى اليهود أنفسهم الموضوع عالميًّا وبالإجماع، وثانيهما أن تساعدهم القوى الأوروبية على تحقيق أهدافهم»[73].
وفي عام 1842، بعث تشارلز تشرشل رسالةً إلى مونتفيوري أيضًا طالبًا منه أن ينقل لليهود الألمان «خطابًا ألمانيًّا» أرفقه مـع رسالـةٍ واقترح فيـه: «أن يقدّم يهــود إنجلترا، بالتعاون مع إخوتهم في أوروبا، طلبًا للحكومة البريطانية بوساطة وزير خارجيتها «إيرل أبردين» لإيفاد شخصٍ كفؤٍ للإقامة في سوريا تكـون مهمته الإشـراف على مصالح اليهود هناك»[74]. لكن هذا الطلب قوبل بالرفض اليهـودي. هذا وقد ترك تشرشل عددًا من المؤلفات منها: «عشرُ سنواتٍ في جبل لبنان» - و«بين الدروز والموارنة» إلخ...
وخلاصة القول: إن مهمة «البحث العلمي» والآثار» و«الاستشراق»، لم تكن لــدى رجال بريطانيا والغرب في المنطقة، سوى الستار الذي اختفت وراءه كـل المهمات السياسية والعسكرية والتجسّسية القذرة، لإنكلترا عندنا. كما كانت «الواجهة البريئة» لأكبر جرائم العصر في القرن العشرين بحق العرب والمسلمين والإنسانية جمعاء، والمتمثلة بجريمة ذبح شعب فلسطين العربي وتشريده من دياره وأرضه، بغية اغتصابها وإقامة دولة الاحتلال الصهيوني فوقها، إضافةً إلى خطط تمزيق الشعب العربي والإسلامي ونهب ثروات بلاده والتحكّم بوجوده ومصيره معًا. وقد كان الاستشراق العسكري الغربي هو الذراع الأيمن للاستعمار إلى جانب الذراع الأيسر له (الاستشراق السياسي)... ولا نزال حتى اليوم نعاني من مخلّفات ما زرعه الاستعمار في بلادنا، وما تركه لنا من مآسٍ وكوارثَ...


------------------------------------
[1]    أنظر: الجنرال كارل فون كلاوزفيتز «الوجيز في الحرب». ترجمة أكرم ديري، والهيثم الأيوبي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت 1974. ص 31 و37.
[2]    الجنرال كارل فون كلاوزفيتز هو أحد كبار العسكريين الألمان، وقد وصفه لينين، قائد الثورة الإشتراكية في روسيا عام 1917 بقوله: «إن كالوزفيتز هو من أعمق المفكرين العسكريين ومن أعاظم فلاسفة الحرب ومؤرخيها. وقد أضحت أفكاره الأساسية اليوم الزاد الذي لا ينكر لكل مفكر» (راجع: كلاوزفيتز «الوجيز في الحرب». المرجع السابق نفسه، ص 53).
[3]    كلاوزفيتز. المرجع السابق نفسه. ص 28.
[4]    اُنظر: ماسينيون في «أيام الثلاثاء في دار السلام». II. عام 1958. ص 9.
[5]   راجع: د. أنور عبد الملك في مقال عنوانه: «الاستشراق في أزمةٍ» وهو فصلٌ من كتابه «الجدلية الاجتماعية».
La dialectique sociale Paris. Le seuil 1971. P.p. 79-113.
أيضاً: مجلة «الفكر العربي». بيروت. العدد 31. ك2 / يناير - آذار / مارس سنة 1983. ص 73. (ترجمة د. حسن قبيسي).
[6]    راجع: كلاوز فيتز. المرجع السابق نفسه. ص 25.
[7]    المرجع السابق نفسه. ص 480.
[8]    المرجع نفسه ص 26.
[9]    المرجع نفسه والصفحة نفسها.
[10]  راجع في هذا الإطار كتاب: Louis de beaudicourt. La france au Liban. Paris 1879
 وقد ترجم إلى اللغة العربية من قبل كرم جوزف أنطون، تقديم د. جوزف أبو نهرا بعنوان: «دور فرنسا في لبنان» لويس دي بوديكور. بيروت 1982. دون تحديد دار النشر.
[11]  راجع مجلة «الرعية الجديدة» (للآباء اللعازاريين). العدد 178. روميةـ لبنان أيار/ مايو 1982. ص 28 - 29.
وكتابنا الذي هو بعنوان «التبشير وأثره في جبل لبنان». كتاب «رسالة الجهاد». رقم 9. مالطا. الطبعة الأولى ك1 1986. ص 15 - 17.
[12]  اُنظر: كمال جنبلاط «حقيقة الثورة اللبنانية». المركز الوطني للمعلومات والدراسات الدار التقدمية. بيروت - المختارة. الطبعة الرابعة آذار/ مارس 1987. ص 75.
[13]  راجع: مجلة «النهار العربي الدولي» العـدد 245 سنة 1982 في مقالٍ بعنوان: «تـوطين موارنة لبنان في الجزائر» تحقيق سركيس أبو زيد ومنير مخلوف. ولويس دي بوديكور «دور فرنسا في لبنان» ترجمة كرم جوزف انطون. ص 9.
[14]  المرجع نفسه والصفحة نفسها. وكذلك
M. Prevost et R. d’Amat-Dictionnaire de biographie française.Tome 5. Paris 1951. Q.V.
[15]  لويس دي بوديكور «دور فرنسا في لبنان»... ص 26.
[16]  راجع: جريدة «الدعــوة الإسلامية» تاريــخ 28 أيلول/ سبتمبر 1988. ص 4. (مقـال حول الاستشراق» للأستاذ خليل حسّونة).
[17]  راجع: د. عبد الرحمن بدوي «موسوعة المستشرقين». ص 367. ومصطفى نصر المسلاتي «الاستشراق السياسي» ص 267.
[18]  اُنظر: د. ميشال جحا «الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا». ص 284.
[19]  اُنظر: جان ماريّون «لويس ماسينيون». ترجمة منى النجار. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص 7. كذلك:
Jean Marillon, «Louis Massignon». Paris 1964. Introduction
[20]  راجع: مجلة «الفكر العربي». العدد 31. ص 360.
[21]  أنظر: جان ماريون. المرجع السابق. ص 7.
[22]  د. عبد الرحمن بدوي. «موسوعة المستشرقين». المرجع السابق نفسه. ص 367.
[23]  راجع: مصطفى نصر المسلاتي. ص 4.
[24]  راجع: غوستاف فون غرونباوم «حضارة الإسلام» ترجمة عبد العزيز جاويد القاهرة. دار مصر للطباعة 1956. ص 98. ومصطفى المسلاتي... ص41 - 42.
[25]  غوستاف فون غرونباوم. المرجع السابق. ص 100 - 99. والمسلاتي.ص 42.
[26]  اُنظر: عمر فروخ «عبقرية العرب في العلم والفلسفة». ص 24 - 23.
[27]  راجع: محمد صالح يونس «الغزو الثقافي سلاح الصهيونية والصليبيّة الجديدة». كتاب رسالة الجهاد ص 20 - 19. كذلك: ‎ ‏‏خليل حسونة في مقاله عن الاستشراق، نشر في جديدة «الدعوة الإسلامية»، 28 أيلول / سبتمبر 1988. ص4.
[28]  اُنظر: لويس ماسينيون «فوكو في الصحراء أمام إله إبراهيم وهاجر وإسماعيل». أيام الثلاثاء في دار السلام 1959. ص 95. (بالفرنسية). ‏كذلك: مجلة «الفكر العربي» العدد 31. ص‎ 94.
[29]  جاك بيرك ولويس ماسينيون «حوار حول العرب» مجلة (اسبري28) (فكر28). العدد 288. سنة1960. ص 1506 (بالفرنسية)
‎J. BerQue ct L. Massignon. dialogue sur les arabes. Esprit XXVIII. 1960. N° 288.‏‎ P P. 1506‏
[30]  ‏ د. أديب عامر في مقال له بمجلة «الفكر العربي» العدد 31. ص 351.
[31]  ‏ د. رضوان السيّد في افتتاحيّة لمجلة «الفكر العربي»، العدد 31. ص 5.
[32]  اُنظر: نجيب العقيقي «المستشرقون» طبعة دار المعارف بمصر 1947. ص 70.
[33]  ‎ راجع: د. عبد الرحمن بدوي «موسوعة المستشرقين». ص 354
[34]  ‏ اُنظر للتوسع في الموضوع: د. عبد الرحمن بدوي. المرجع نفسه. والصفحة نفسها. ونجيب العقيقي. المرجع نفسه. ص 71 - 70.
[35]  راجع: نجيب العقيقي. المرجع السابق نفسه. ص 71.
[36]  اُنظر: د. عبد الرحمن بدوي «موسوعة المستشرقين». ص 355
[37]  راجع في هذا الصدد: ‎ ‏
‎Régis Blachère, in Arabica, tome III, fase 2. P. 133 - 146, avec bibliographie.‏
ود. عبد الرحمن بدوي. «موسوعة المستشرقين» ص 357 - 355
ونجيب العقيقي «المستشرقون» طبعة 1947. ص 72 - 71.
[38]  اُنظر: ليفي بروفنصال «حضارة العرب في الأندلس» ترجمة د. ذوقــان قرقـوط. مكتبة الحيــاة. بيروت. د. ت. صفحة الغلاف الأخير والمقدمة.
[39]  راجع: د. عبد المنعم ماجد «العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الـوسطى»منشورات مكتبة الجامعة العربية. بيروت 1966. ص 258
[40]  د. ميشال جحا «الدراسات العربية الإسلامية في أوروبا». ص 34.
[41]  د. عبد الرحمن بدوي. مرجع سبق ذكره. ص 42.
[42]  العقيقي. مرجع سبق ذكره. ص 89 - 88.
[43]  اُنظر في هذا الصدد:
‎Arthur John Arberry: oriental essays: portraits of seven scholars, PP. 122. London. ‎E. Allen and Unwin, 1960. ‏
ود. بدوي. ص 42.
[44]  د. ميشال جحا. مرجع سبق ذكره. ص 38.
[45]  د. عبد الرحمن بدوي... مرجع سبق ذكره. ص 42. كذلك:
‎Arthur John Arberry: oriental essays... op. PP. 123.
[46]  اُنظر: د. ميشال جحا. مرجع سبق ذكـره.ص 39. ونجيب العقيقي. مرجعٌ سبق ذكره. ص 90 - 89.
[47]  اُنظر تفصيلات هذه المهمة في كتاب: Arthur John Arberry: oriental essays... op. P P.150- 151
[48]  المرجع السابق نفسه. ص 154 - 156
[49]  راجع: نجيب العقيقي. مرجع سبق ذكره. ص 89.
وميشال جحا. مرجع سابق. ص 38. وعبد الرحمن بدوي. مرجع سابق. ص 46.
[50]  اُنظر: ‎Arthur J. Arberey : op. PP. 159‏
[51]  راجع: د. عبد الرحمن بدوي.مرجع سبق ذكره. ص6.
[52]  اُنظر: زهدي الفاتح «لورنس العرب على خطى هرتزل» دار النفائس بيروت.‏ الطبعة الأولى 1971. ص 33.
[53]  راجع: انتوني ناتنغ ولوبل توماس «لورنس لغز الجزيرة العربية» دار النفائس، مؤسسة المعارف، بيروت 1982. ص 16.
[54]  زهدي الفاتح. مرجع سبق ذكره. ص 14 - 33.
[55]  انتوني ناتنغ ولويل توماس. مرجع سبق ذكره. ص 30.
[56]  زهدي الفاتح. ص 34.
[57]  دايفيد كان «حرب الاستخبارات» ترجمة عبـد اللطيف أفيوني. المؤسسة العربيـة للدراسات والنشر. بيروت. الطبعة الثانية 1982 ص 52 - 51
[58]  راجع: دينيس أيزنبرغ وآخرون: «الموساد جهاز المخابرات الإسرائيلية السري». المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. الطبعة الأولى 1981. ص 11.
[59]  أنتوني ناتنغ ولويل توماس. مرجعٌ سبق ذكره. ص 35 - 36.
[60]  المرجع نفسه. ص 68 - 69.
كما أن مذكرات رستم حيدر الخاصة بمؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 تذكر في كثيرٍ من مواضعها ظهور لورنس باللباس العربي، فضلًا عن الصور الفوتوغرافية له. (راجع: نجدة فتحي صفوة. «مذكرات رستم حيدر» الدار العربية للموسوعات. بيروت. الطبعة الأولى سنة 1988).
[61]  زهدي الفاتح. مرجع سابق ص 64.
[62]  المرجع نفسه. والصفحة نفسها.
[63]  المرجع نفسه. ص 70 - 69.
[64]  المرجع نفسه. ص 29 نقلاً عن كتاب:
فيليب نايتلى وكولين سمبسون «تقارير لورنس السرية» منشورات نلسون 1969. ص 108 و176.
[65]  أنتوني ناتنغ ولويل توماس. مرجع سابق 238.
[66]  زهدي الفاتح. ص 28و 32 - ا3 و 35.
[67]  عمر أبو النصر «الجاسوسية حرب الخفاء بين المخابرات والتجسس والأسرار بين دول العالم» دار الأمم للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت، د. ت. ص 42.
[68]  بريدج... وتشرشل «لورنس بطل الجزيرة» ترجمة محمد بدران، وأحمد حلمي علي. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة، د. ت. ص 96.
[69]  راجع: ريجينا الشريف «الصهيونية غير اليهودية، جذورها في التاريخ الغربي» ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز. الكويت 1985. ص 135.
[70]  اُنظر: ريجينا الشريف. المرجع السابق. ص 129. كذلك:
 ‎Israel cohen: the zionist Movement, New York‏ 1946. P. p. 51.
[71]  راجع تفاصيل ذلك في كتاب:
‎Franz Kobler: the vision Was there, (london 1956). P.p. 65. ‏
وريجينا الشريف. المرجع السابق. ص 130.
[72]  اُنظر: توماس أدوارد لورنس. «أعمدة الحكمة السبعة». منشورات دار الآفاق الجديدة. بيروت. الطبعة الرابعة. 1980. الغلاف الأخير.
[73]  المرجع نفسه. والصفحة نفسها.
[74]  المرجع نفسه.