البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمبريالية الفرنسية المصورة: صورة المغرب لدى الفرنسيين (1907-1956)

الباحث :  بلقاسم حرود
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  19
السنة :  السنة الخامسة - صيف 2019م / 1440هـ
تاريخ إضافة البحث :  August / 31 / 2019
عدد زيارات البحث :  1916
تحميل  ( 5.219 MB )
ملخص
يُعدُّ التمثيل المرئيّ واحدًا من أنجع الوسائل التي ساهمت في بناء فرنسا الإمبريالية في شمال إفريقيا. فقد ﭐستُعمِلَ التصوير الفوتوغرافي والصحافة المصورة بشكلٍ فعّالٍ في خطاب الاحتلال الفرنسي لتوصيل صورةٍ سلبيةٍ حول المغرب وتسهيل إقامة نظام الحماية ومهمة «التنوير الثقافي» المزعوم، ومِن ثَمّ رهن مستقبل المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال بالتحكّمات الفرنسية الاقتصادية والثقافية واللغوية. ويتناول هذا المقال بالدرس والتحليل بعض الصور المتضمَّنة في الجريدة الفرنسية «الجريدة الصغيرة المصورة» للكشف عن مدى ﭐرتباطها بأجندة الاحتلال الفرنسي والتزامها بأهدافها. وهذه القراءة النقدية للصور الفوتوغرافية في «الجريدة الصغيرة المصورة»وﭐرتباطها بمشاكل المغرب وثقافته في الفترة الممتدة من 1907 إلي 1956 لا تهدف إلى توضيح الفكرة الأساسية أنّ التصوير الفوتوغرافي وسيلةٌ من وسائل الأجندة الإمبريالية الفرنسية وحسب، بل وتسعى إلى تسليط الضوء حول كيفية عمل الإيديولوجيا في وسائل التمثيل المرئية، وكيف يتم التلاعب بها لاستصدار أحكامٍ تبدو طبيعيةً حول الآخر وثقافته.

الكلمات المفاتيح:
التمثيل المرئي. الاستعمار. التصوير الفوتوغرافي. الصحافة المصورة.

مقدمة:
تُعدُّ الإمبريالية الأوروبية واحدةً من أضخم مشاريع القرن العشرين إن لم تكن أضخمها على الإطلاق، نظرًا لما جنته القوى الكبرى منها من مكاسبَ ﭐقتصاديةٍ وﭐجتماعيةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ وفيرةٍ. وأعتقد جازمًا أنّه لولا البروباغاندا أو الدعاية لَمَا حقّق هذا المشروع مبتغاه. والدعاية لم تكن من وظيفة الأفراد وحسب، بل والمؤسسات الإعلامية التي ضمت مزيجًا متطوِّرًا من الإستراتيجيبن، وعلماء الأنثروبولوجيا، والإنثوغرافيا ورجال الصحافة والإعلاميين والمصورين. ولم يكن يُتَوقّع للإمبريالية أن تُسْتَقْبَلَ بهدوءٍ لأنّ نواياها لم تكن بريئةً. ومن ثم، كانت مبرراتها محبوكة بعناية فائقة. يقول بيتر دوﻳﻨﮕان ولويس ﮔان (1973) بأنه «تم تسخير قدرٍ كبيرٍ من الموارد لأغراضٍ دعائيةٍ معلنةٍ لتمجيد التوسع الامبريالي أو للدفاع عن السجل الامبريالي لقوةٍ ﭐمبرياليةٍ محددةٍ في وجه منتقديها في الداخل وأعدائها في الخارج».[1] ولم تكن الدعاية لهذا المشروع الضخم للكشف عن نبله وتنوير الرأي العام حول حتميته فحسب، بل بهدف السيطرة على الرأي العام خوفًا من ﭐنتقاد الإمبريالية وتبخيس غاياتها. لا يمكن بحال من الأحوال تتبّع  آثار الإمبريالية في هذا المقام، فهي هائلةٌ  ومتعددةٌ، حينيةٌ ومؤجلةٌ. فالامبريالية فعلت فَعْلَتها في الأفراد والجماعات والأعراق، وغيّرت مجرى الماضي والحاضر والمستقبل لكثيرٍ من الشعوب، كما أنّها لا تزال عائقًا مرهقًا في وجه التنمية في كثيرٍ من البلدان. وقد كان مهندسو الإمبريالية في الإمبراطوريات الأوربية على وعيٍ تامٍّ بالعواقب الوخيمة للعنف الامبريالي، والضغوط الدبلوماسية، والغزو العسكري ومن ثَمّ الاحتلال، لكنهم تغاضوا عن كل ذلك في سبيل تحقيق المنافع الاقتصادية والسياسية والثقافية المسطرة.
كانت القوى الأوروبية في حاجة إلى تبرير غزوها لإفريقيا، خاصةً في وقتٍ كانت تشهد فيه إفريقيا ثورةً حداثيةً، وكان الأفارقة يتمتعون بالسيطرة الكاملة على بلدانهم. صحيحٌ أنّه كانت تحدث مشاكلُ، وأزماتٌ ﭐجتماعيةٌ كانت على وشك أن تندلع، لكنها كانت مشاكلُ وأزماتٌ يمكن حلّها دون تدخُّلٍ خارجيٍّ. ففي كتابه ’وجهاتُ نظرٍ أفريقيةٌ حول الإمبريالية الأوروبية‘، يُصرّ الكاتب الغاني ألبرت أدو بواهن على فجائية الغزو الأوروبي لإفريقيا وعشوائيته. فبذكر العديد من الأمثلة لبلدانٍ إفريقيةٍ كانت تحاول تحديث أسلوب حياتها بحسب قدراتها وإمكاناتها، يُكذِّب بواهن مزاعم الأوروبيين بأن غزوهم كان من أجل تمدين الأفارقة وحسب: «إن الجوانب الأكثر إثارةً للدهشة في ﭐحتلال إفريقيا هي الفجائية والعشوائية. حتى وقتٍ متأخِّرٍ من عام 1880، لم تكن هناك دلائلُ حقيقيةٌ أو مؤشراتٌ على هذا الحدث الهائل والكارثي. على العكس من ذلك، فالأغلبية الساحقة من الدول والأنظمة السياسية الحاكمة في إفريقيا كانت تتمتع بسيادتها، وكان قادتها يتحكّمون في شؤونهم ومصائرهم».[2] لذلك ﭐحتاجت الإمبراطوريات إلى شرعنة أطماعها بمساعدةٍ من المؤسسات والأفراد على السواء. فبينما بلغت الأبحاث الإمبريالية ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان لا بد أن يصاحب ذلك إقناعٌ إيديولوجيٌّ يؤسس لجدوى هاته الأبحاث. سأحاول في هذا المقال الكشف عن مشاركة الصحيفة الصغيرة المصورة في تلميع صورة فرنسا في كلٍّ من أوروبا وإفريقيا، وﭐدّعاء التفوق الثقافي الفرنسي، وتأسيس وتوسيع مفهوم ’الآخر‘، وكذلك في توحيد الرأي العام الفرنسي حول المغرب.
كانت الدعاية الإمبريالية في فرنسا الأكثر قراءةً. كانت صحيفة الجمهورية، وصحيفة البرقية الجديدة، وبرقية الاحتلال، وصحيفة لو فيغارو، وصحيفة العهد الجديد، وصحيفة بريد الاحتلال، وصحيفةالاقتصادي المحتل، وصحيفة حوليات الاحتلال، وصحيفة الباريسي الصغير[3]، وغيرها من الدوريات المحلية والمتخصصة تقوم بتغطيةٍ واسعةٍ لجلّ ما كان يجري في المستعمرات. وهذا يكشف أهمية الدعاية في المشروع الامبريالي الفرنسي، حيث بدأ الاعتماد بشكلٍ أساسيٍّ على الصور المنقوشة، ولاحقًا على الصور الفوتوغرافية كوسيلةٍ جديدةٍ للإقناع، لأنها ﭐستحقت «هالةً كاملةً من المصداقية»[4] كما يقول ديفيد ليفي ستراوس. لقد عرف الناس بالفعل لغة الصحافة، وعادةً ما كانوا يفهمون الحقائق التي تريد الصحافة نشرها. لكن التصوير الفوتوغرافي كان جديدًا على القارئ، ولأن «لَحْظَهُ أصدق من لَفْظِه»[5]، فالأخبار المصورة كان من السهل عادةً فهمها وتصديقها، وكان هذا بالطبع في صالح الأحزاب السياسية والاجتماعية والدينية وجماعات الضغط.
لم تكن القصاصات من داخل أوروبا أكثر إثارةً من تلك القادمة من المستعمرات في آسيا وأمريكا وأفريقيا. كان الناس في أوربا يتطفلون لمعرفة المزيد عن سكان المستعمرات الأصليين فأشبعت الصور الفوتوغرافية هذا الفضول. يصف جولي كوديل هذا الفضول قائلا: إن »الدوريات ﭐستجابت لهوسٍ ﭐمبرياليٍّ بصور فن السكان الأصليين، وصور أجسامهم ومعمارهم ومآثرهم، من أجل إرضاء الفضول لدى القرّاء وتأكيد مفاهيمهم الخاصة بهوياتهم وهويات الآخرين».[6] في فرنسا، تدفقت آلاف الصور من المستعمرات في وقت كانت فيه نظريات التاريخ الطبيعي -خصوصًا نظرية التطور لشارلز داروين- تؤسس لأفضلية الجنس الأوربي على سائر أجناس الأرض كلها. لقد أصبحت نظرية داروين تفسيرًا عمليًّا لفكرة التطور، وبالتالي عزّزت تصورات الرأي العام حول جدارة أوربا لاستعمار المناطق ’المتخلفة‘. تقول إليزابيث إزرا: «أُغْرِقت فرنسا بين الحربين العالميتين بالكتب والأفلام والإعلانات والمعارض حول إفريقيا جنوب الصحراء والمغرب العربي وجنوب شرق آسيا وجزر الهند الغربية، لا بغرض التأكيد على الغرابة وتمايز ’الآخر‘، بل يتجاوزه إلى تمثيل الفرق الثقافي الاستعماري من الناحية السياسية على وجه التحديد، تأكيدًا على قوة فرنسا العسكرية ومكانتها كقوةٍ عالميةٍ».[7]

1.   الصور النمطية المتوارثة
تُعدُّ الصحيفة الصغيرة المصورة، والتي كانت ملحقةً للصحيفة الصغبرة، واحدةً من وسائل الاعلام التي ساهمت في بناء صورةٍ كاذبةٍ حول المغرب في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. والصحيفة الصغيرة هي واحدةٌ من أقدم الصحف في فرنسا، وﭐمتدّ نشرها في باريس في الفترة ما بين 1863 إلى 1944. وقد أسسها الصحافي الفرنسي، المصرفي ورجل الأعمال، موسى بوليدور ميلو (1813-1871)، وكانت صحيفةً شعبيةً جدًّا، حيث بلغت أوجها في الثمانينيات من القرن التاسع العشر، وباعت أكثر من مليون نسخة، بما فيها الملحق المصور
كانت الأحداث البارزة في أوروبا وفي المستعمرات دائما ما تحتل الصفحة الأولى في الصحيفة الصغيرة المصورة حتى تزداد شعبيتها وتتأكد هيمنتها على المجال الصحفي. وفي المغرب، وضعت الصحيفة عينها على الأحداث اليومية وﭐستغلتها لشرعنة الأطماع الفرنسية الامبريالية. ومن أبرز الأحداث التي ربطت الصحيفة بالمغرب هو قتل الطبيب الفرنسي إميل موشون المثير للجدل. ولد موشون سنة 1870 في مدينة شالون-سور-ساوون الفرنسية، ويعتبر واحدًا من الأطباء الفرنسيين الذين تركوا بصمةً في المغرب. تابع موشون دراسته الطبية في باريس وكرّس كلّ وقته لعمله فاستحقّ بذلك وسام الخدمة العامّة. تناولت أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه موضوع الرضاع الاصطناعي وحصلت على جائزتين من الكلية. كما رُشِّحَ كطبيبٍ مساعدٍ في قوات الاحتياط العسكرية الفرنسية في عام 1899. وقد دفعه حبه للسفر للانضمام لأطباء البحرية.وبما أن موشون أجرى عددًا من الدراسات حول الطاعون الذي ﭐجتاح البرتغال والبرازيل آنذاك وحول حمى التيفوس في اليونان، عينته وزارة الشؤون الفرنسية لشغل منصب طبيب في مستشفى سانت لويس في القدس حيث مكث من عام 1900 إلى عام 1905. هناك كرّس موشون كل وقته لدراسة أمراضٍ أخرى مثل الجدري والطاعون والكوليرا.
الصورة الأولى ﭐستشراقية بامتيازٍ. فهي تشبه بشكلٍ أو بآخرَ أوصاف الموريسكي في الأدب والفن الغرببين في القرون الوسطى، وتظهر تقاطعًا واضحًا مع الصور النمطية والأوصاف الفضفاضة التي ﭐتُّخِذَتْ للمـــوريسكي واليهـــودي والعثماني باعتبارها مناوراتٍ للدفاع عن النفس ضد من ﭐعتبروا خطرًا وشيكًا. حقيقة الأمر أنّ الفرنسيين ورثوا تلك الصورة السلبية عن شمال إفريقيا من اليونان والرومان أثناء حكمهم للمنطقة. ويؤكّد ذلك قول الكاتب وليام كوهين أن «ردود أفعال الفرنسيين الأولية كانت سلبيةًتجاه إفريقيا وسكّانها قبل أن تطأ أقدامهم القارة بفترةٍ طويلةٍ، وكانت ﭐنطباعاتهم الأولى تستند إلى حدٍّ كبيرٍ إلى الأفكار التي تلقّوها من ثقافاتٍ أخرى سبقتهم إلى التعامل مع السود»[8]، فأن يكون الموريسكي أسودَ غيرَ أوربيٍّ وغيرَ مسيحيٍّ، فتلك أعذارٌ كافيةٌ حتى يصفه الأدباء والفنانون الأوربيون ’بالآخر‘ مع ما لمفهوم الآخر من معانٍ سلبيةٍ، متحضِّرًا حينًا، ومتوحِّشًا أحيانًا أخرى، ﭐجتماعيًّا في وقتٍ وثائرًا في أوقاتٍ أخرى. وتوضّح إميلي بارتلز أنّ ’الآخر‘ في الأدب الغربيّ لا يكون بالضرورة شرِّيرًا على الدوام، لكن ﭐختلافه عن المجتمع الغربي يعتبر ﭐختلافًا سلبيًّا: «فبينما كان سواد البشرة والإسلام يُصَنَّفَانِ شرًّا، ظلت أوصاف عصر النهضة للموريسكي مبهمةً، متنوعةً، غيرَ متسقةٍ، ومتناقضةٍ. وما ﭐستقر عليه النُّقّاد هو أن مصطلح ’الموريسكي‘ كان يستعمل كمرادفٍ لبعض المصطلحات الغامضة مثل ’الإفريقي‘، و’الأثيوبي‘، و’الزنجي‘، وحتى ’الهندي‘ لتحديد وجهٍ من مناطقَ مختلفةٍ من إفريقيا أو من إفريقيا كلها (أو من خارج أفريقيا) سواءً أكان أسود أم مسلمًا، كلاهما أو لا بواحدٍ منهما».[9]
كان حضور الموريسكيين قويّا في تاريخ أوربا وعلاقاتها الدبلوماسية نظرًا لوجودهم في إسبانيا لثمانية قرونٍ خلت. والواقع أن الموريسكيين هم جزءٌ من الشرق- الذي كان يضمّ تركيا واليونان والشرق الأوسط وشمال إفريقيا- والذي فرض سحره على المخيال الأوروبي قبل ظهور التصوير الفوتوغرافي بكثيرٍ. فقد ظهرت بالفعل شخصيات في ملابس شرقية في أعمالٍ فنيةٍ للايطاليين جيوفاني بيليني (ح. 1430-1516)، وباولو ﭬﻴرونيزي (1528-1588)، والهولندي رامبرانت (1606-1669). حتى هذه اللحظات، كانت علاقات الأوروبيين مع الشرق محدودة اللهم من خلال التجارة أو الحملات العسكرية. في عام 1798، أصبح الشرق أكثر عرضةً للتمثُّلات النمطيّة الأوربية بسبب غزو نابليون لمصر وﭐحتلالها. وكان هذا الغزو فرصة للمسافرين لتسجيل ﭐنطباعاتهم فنًّا، نثرًا وشعرًا. وقد أسفرت حملة نابليون الصليبية في مصر عن نشر كتاب ’وصف مصر، أو مجموع الملاحظات والأبحاث التي تمت في مصر خلال الحملة الفرنسية‘ في أربعة وعشرين مجلدًا (1809-1822). وقد شارك في تأليفه أكثر من 160 باحثًا وعالمًا من المدنيين، كما ﭐستهدف توثيق الثقافة المحلية.
الصورة الأولىى تكرارٌ للوحة دولاكروا (1798-1863) الشهيرة «مشاهدُ من مذبحةٍ مَدينةٍ شيو»[10] والتي رسمها عام 1824. ﭐستغل دولاكروا الحرب بين اليونان والعثمانيين لكسب الشهرة والكشف عن وحشية الجيش العثماني وقسوته. اللوحة تذمّ الأتراك العثمانيين لتشابههم تماما مع الصور التي طالما وصفتهم بالكفار والأشرار والقتلة. من وجهة نظرٍ أوروبيةٍ خالصةٍ،كان على العثمانيين أن يظهروا دائمًا بصورة المذْنِبِ، وكانت صورة الموريسكيين لا تختلف عن صورة الأتراك العثمانيين باستثناء بعض التفاصيل القليلة. ما تمّ ترويجه عن الموريسكيين والأتراك العثمانيين كان متشابهًا إلى حدٍّ بعيدٍ، تارةً يكون إعجابًا وتارةً أخرى يكون ﭐشمئزازًا. وهذا يُجَلِّي مفهوم الصورة الأولى، في محاولةٍ لكسب تعاطف المشاهد مع موشون الذي تعرّض للضرب المبرح حتى الموت دون التفكير في ما إذا كان يستحقّ ذاك العقاب.
كما هو الحال في فرنسا، فإن التأثيرات الدبلوماسية والثقافية للأتراك العثمانيين والموريسكيين في أوربا كانت قد وضعهتم تلقائيًّا تحت مجهر النقد في العصر الإليزابيثي والعصور اليعقوبية في إنجلترا. علاوةً على ذلك، فإن الأدب آنذاك ألهم الكثير من الكُتّاب المسرحيين والمسافرين والروائيين والفنانين لتكوين صورةٍ محددةٍ عن العثمانيين والموريسكيين، خاصةً كتاب هاكليوت ’التنقلات الرئيسية‘ (1589م)، وكتاب «وصف إفريقيا» للحسن بن محمد الوزان المعروف بليو أفريكانوس الذي قُرئَ على نطاقٍ واسعٍ في أوروبا في النصف الأخير من 1500م وترجم إلى الإنجليزية من قبل جون ﭘوري ((1572-1636 عام 1600م. ومن ثمانينيات القرن السادس عشر إلىتاريخ إغلاق المسارح في إنجلترا عام 1648، كُتبت حوالي خمسين مسرحيةً لم تَخْلُ من شخصياتٍ شرقيةٍ في عموميتها أو في أجزاءٍ منها. لذلك فالنزعة الأدبية لتمثيل الشرق آنذاك لم تكن موجودةً فحسب بل طاغيةً.
ﭐستفادت الصورة الأولى من الصور الغربية المنتشرة للأتراك العثمانيين والموريسكيين لإحياء تلك الصور السلبية لهم إبّان القرنين السابع عشر والثامن عشر. كمَثَلِ وليام شكسبير الذي سجّل بأن لون البشرة كان مصدرًا للتمايز في المجتمع البريطاني، فإن الصورة تصور المغاربة سودًا قبحًا، متجهّمين وعدوانيين، على الرغم من أن الأبحاث الأنثروبولوجية وجدت أن المغاربة ﭐختلفت ألوانهم من أسودَ زنجيٍّ إلى قوقازيٍّ ذي شعرٍ أشقرَ وعيونٍ زرقاءَ. في هذه الصورة، يبدو موشون، الرجل ’النبيل‘ ذو الملابس الأوربية الأنيقة والبشرة الفاتحة، كضحيةٍ أعزلَ يموت تحت رحمة الرجم بالحجارة، لا لشيءٍ، فقط لأن المغاربة كما تقول الأخبار الأوروبية الرائجة آنذاك، ﭐعتقدوا عن ‘سذاجةٍ’ تورطه في التبشير بالمسيحية.
لقد صورت الصحيفة الصغيرة موشون طبيبًا إنسانيًّا، شخصًا مسالمًا يواجه كلَّ خطرٍ محدقٍ بصبرٍ وإرادةٍ لمساعدة الناس مهما كان الثمن. أمّا الشخص الذي يطعن موشون فهو ’مخيفٌ‘، ’قبيحٌ‘ و’همجيٌّ‘، وهو أسودُ اللون ويرتدي لباسًا أسودَ، في هيئةٍ متناقضةٍ مع موشون ببشرته الفاتحة وملابسه البيضاء. وهذه إشارةٌ إلى ما كان يُروَّج آنذاك من أن السواد شرٌّ، بينما البياض نقاءٌ، براءةٌ وخيرٌ. علاوةً على ذلك، فما دامت الصورة موجهةً للجمهور الفرنسي أوّلًا، فإن الهدف من ذلك كسب تعاطفهم مع موشون وعائلته، والضغط على الحكومة لغزو المغرب، بعدما تبين لهم هشاشةالبلاد الدفاعية من خلال الأسلحة البدائية التي ﭐستخدموها لقتل موشون (الحجارة والخناجر).
تضمْ الصورة الصغار والكبار معًا. ومشاركة طفلٍ في رجم موشون (على يسار الرجل صاحب الخنجر) رسالةٌ ﭐستعماريةٌ واضحةٌ مفادها أنّ البراءة التي تعتبر خاصية الطفل الأولى مفقودةٌ في المغرب. فإذا كان الأطفال يمثّلون الأمل في التغيير والتقدم والتنمية، فإن الصورة تُصرّ على أن «الهمجية» يرثها الأبناء عن الآباء في المغرب. وبالتالي، فما دام دور فرنسا هو جلب «النور» إلى إفريقيا «المظلمة»، فغزو المغرب أصبحأمرًا «واجبًا». لكن من وجهة نظر المقاومة المغربية فالطفل المشارك في رجم موشون ضمانةٌ لاستمرار المقاومة عبر الأجيال ومثالٌ حيٌّ لانخراط المغاربة في الدفاع عن حرية بلدهم ويقظتهم لمواجهة كلِّ خطرٍ يهدّد هوية المجتمع المغربي وحريته.
بعد وفاة موشون بثلاثِ سنواتٍ، نُشِرَتْ دراسته الإثنوغرافية «السحر في المغرب» (1910)، ووضعته في منزلة الرجل «العاقل» في مواجهة مجتمعٍ من «المجانين». وتشير جوليا كلانسي سميث في هذا الصدد إلى أن «الكتاب صوّر موشون، المدافع عن النظافة الأخلاقية والصحية، كنموذجٍ للعقلانية، بيد أنّ المغاربة المغمورين يقبعون تحت وطأة الخرافة».[11] توقفت وسائل الإعلام الفرنسية عند حادثة قتل موشون، لأنّ قتله كان تهديدًا لنجاح المشروع الامبريالي الفرنسي. «بعد عامٍ على مقتله، ظهرت سيرةٌ مطوَّلةٌ تشيد بهذا الطبيب المجاهد وتعتبره تجسيدًا لمهمة ’التنوير الثقافي‘ الفرنسية».[12] وعلى الرغم من أن موشون ﭐعتُبِر ضحيةً لعنفٍ همجيٍّ، إلّا أن الحادث كان واحدًا من بوادر المقاومة المغربية ضد الإمبريالية الفرنسية.
يبدو أن الصورة الأولى جزءٌ من سلسلة صورٍ متصلةٍ من الأرشيف الأوروبي الموسّع حول المغرب، حيث العلاقة ثابتةٌ بين «الغرب الصالح لمتحضّر» و«الشرق الهمجيّ المتخلّف». علاوةً على ذلك، فالصورة تدفع المشاهد للتعاطف مع موشون منذ البداية بسبب مشاركةِ عامة الناس في قتل شخصٍ أعزلَ. وهذه الإشارة إلى المجتمع المغربي بصيغته الجماعية تُذَكِّرُ بالانتقادات الأوروبية المناهضة لتنظيم الأسرة والزواج ومعدل المواليد في إفريقيا. فالقيم المسيحية ﭐنتقدت تعدد الزوجات والزواج العرفي بكلِّ صراحةٍ. فالزواج في إفريقيا وتعدّد الزوجات والأسر الموسّعة ظواهرُ لم يُنظَر إليها بعين الاختلاف في أوربا، بل كسلوكياتٍ غريبةٍ يجب الاستهزاء بها وتبخيسها ثم القضاء عليها، حتى تخضع المجتمعات الإفريقية للنموذج الأوروبي المسيحي. كانت المستعمرات كثيرًا ما توصف بالازدحام والمجاعة والمرض والفقر والقلاقل، ومن ثَمّ كان الاستخفاف بالعائلة الإفريقية مقارنةً بالأسر الصغيرة في أوربا من حيث قدرتها على التغلّب على المشاكل الاجتماعية والصحية والاقتصادية. كان هذا في وقتٍ لم تكن فيه المجتمعات تأْبه للعنصر البشري كقاطرةٍ للتنمية، لكنه أصبح واضحًا في الوقت الراهن أنّ المجتمعات المأهولة أثبتت قوّتها الاقتصادية بفضل ﭐستغلال اليد العاملة والعنصر البشري لتقوية الاقتصاد المحلي.
أصبح مقتل موشون حدثًا سياسيًّا في فرنسا. فعلى الرغم من أن الصورة الأولى والصورة الثالثة تنتميان إلى صحيفتين مختلفتين، إلا أن المرجعية التي أنتجتهما تكاد تكون واحدةً. تلمّح الصورة الثالثة إلى كراهية المغاربة الجماعية ’للحضارة‘، طالما يُعتبر موشون مثالًا للحضارة الفرنسية (الأوروبية) في أعين الرأي العام الفرنسي. علاوةً على ذلك، فالصورة تفضح هشاشة القدرة الدفاعية المغربية، حيث تُسْتخدَم الأسلحة البدائية كالخناجر والعِصِيّ. وهناك إشارةٌ لافتةٌ في الصورة الثالثة تم ﭐستبعادها في الصورة الأولى. هناك رايةٌ بيضاءُ فوق بنايةٍ مغربيةٍ بدلًا من العلم الأحمر المستخدم رسميًّا في المغرب آنذاك، وذاك لم يكن ﭐختيارًا عشوائيًّا. لم تكن الراية البيضاء مرتبطةً بفرنسا وحسب، نظرًا لوجود اللون الأبيض على علمها للدلالة على الملكية، بل عُرِفَتْ دوليًّا كعلامةٍ وقائيةٍ ضد هجومٍ أو طلبًا لوقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة التفاوض. ولقد رُفِعَتْ أيضاً دلالة على الاستسلام لأنه عادة ما يكون الجيش الأضعف هو السبّاق إلى التفاوض. فرفرفة الراية البيضاء على الأراضي المغربية إذن دلالة على ضعف هذا البلد وسعيه إلى طلب ‘الحماية’.
كيفما كانت الصورة الفوتوغرافية فهي تحتمل تفسيراتٍ مختلفةً، إذ إنّ الصورة الأولى والصورة الثالثة ربما تكشفان عما يتجاوز الخطاب الاستعماري المبثوث فيهما. صحيحٌ أنّ الخطاب الاستعماري كان يهدف إلى تقديم المستعْمَر كإنسانٍ متخلِّفٍ ومتوحِّشٍ، نقيضٍ للإنسان الأوربي ’المتقدَّم‘ ’المتحضر‘، إلا أن هذا التناقض لم يتأسّس بنجاحٍ كما أراد المستعمر لأنّ المستَعْمَرَ لم يكن أبدًا ثابتًّا وثانويًّا. فالمسْتَعْمَر ترسٌ أساسيٌّ في المشروع الاستعماري، وبالتالي من غير الممكن الاستغناء عنه. من وجهة نظر المقاومة المغربية، تكشف الصورة الأولى عن عددٍ من الحقائق التي ترفع من شأن المجتمع المغربي، الذي كان يعتبر في نظر الفرنسيين ضعيفًا جدًّا، بهيميًّا، وهمجيًّا. الثقافتان المتعارضتان (المغربية مقابل الفرنسية) تحضران بالتساوي في الصورة الأولى على شكل رموزٍ واضحةٍ. أوّلًا، ففي الوقت الذي يمثّل فيه موشون الثقافة الفرنسيةَ بسرواله الأوربي وحذائه وسترته وقميصه وربطة عنقه وقبّعته،يمثّل المغربَ جمعٌ من الناس في جلابيبهم المغربية وسراويلهم الفضفاضة، وطرابيشهم الحمراء وبِلاَغِهِمُ الفريدة، زيادةً على الخنجر والجراب التقليديين معلَّقَيْن على الملابس ويضفيَان نكهةً ذكوريةً مغربيةً خالصةً، ويعكسان شرف الانتماء لهذه الثقافة. كما أن الرجم الجماعي ﭐنتصر على فردانية موشون الذي تغلغل لوحده في المجتمع المغربي. وتأتي هذه المشاركة الجماعية للقضاء على ’الخطر‘ الممثل في موشون لتكشف عن الموافقة الجماعية على سلبية المشروع الإمبريالي الفرنسي في إفريقيا، وكذلك عن الموافقة الجماعية لمقاومته. فالإشارة إلى مشاركة العامة في تطبيق القانون في الخطاب الاستعماري دليلٌ على عدم وجود القانون كمؤسسةٍ في البلاد، لكنه يصبح سمةً إيجابيةً للشعب المغربي، حيث يصوّرهم كحَمَلَةٍ للحق مدافعين عن العدالة. فالذي فعله موشون كان جزءًا من المشروع الإمبريالي الفرنسي وما فعله قَتَلَتُهُ كان جزءًا من المقاومة ضد هذا المشروع. وكان هذا فاتحة خيرٍ للمقاومة المغربية التي ﭐندلعت في جميع أنحاء البلاد. في الصورة الأولى يرتبط قتل موشون بالحجارة، هي ظاهرةٌ كانت أوروبا تحاول القضاء عليها آنذاك. وفي الصورة الثالثة تُسْتَخْدَمُ العصيّ بدلا من الأحجار لاغتيال موشون. وعلى الرغم من ﭐختلاف الروايتين، إلا أن ذلك يظهر ﭐستعداد الناس للدفاع عن بلدهم بأيِّ نوعٍ من الأسلحة المتاحة. وتؤكّد ذلك الصورة السابعة حيث يفضّل الجندي المغربي بندقية العدو على رمحه لأن البندقية أشدُّ فتكًا.
كان المغرب تحت أنظار الصحافة الفرنسية، ما أدى إلى ﭐستغلال الأحداث المتتالية بدهاءٍ كبيرٍ من طرف الصحيفة الصغيرة من أجل التشهير بهشاشة المغرب وضعفه، وتكريس الصور السلبية حول هذا البلد وإخماد النقد الداخلي والخارجي للاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا. بعد أن ﭐستخدمت فرنسا مقتل موشون كذريعةٍ لغزو مدينة وجدة عام1907م ومن ثَمّ بقية مناطق المغرب، كل ما حدث في المغرب بعد ذلك لم يكن يعني المغاربة فقط بل الفرنسيين أيضًا. ركز اللوبي السياسي في فرنسا عيونه على ما كان يجري في المغرب وكان كل شيءٍ يُفَسَّرُ سياسيًّا وإيديولوجيًّا لصالح فرنسا ومصالحها في شمال إفريقيا في وقتٍ كانت فيه الأزمات الاقتصادية والخلافات الحادة بين النشطاء السياسيين في المغرب مناسبةً لإضفاء الشرعية على مشروع الحماية الذي تقدمت به فرنسا وإسبانيا، وتسويغ التدخل في إدارة بلدٍ ’عاجزٍ‘ عن إدارة شؤونه بنفسه.

2.   دور الصورة في قلب المفاهيم
تلخص الصورة الرابعة ما كان على الأرجح واحدًا من الحوادث الكبرى في مغرب القرن العشرين. بعد وفاة الدكتور موشون، ﭐستخدمت فرنسا مقتله كذريعةٍ لغزو مدينة وجدة العام في 29 مارس عام 1907م. وبعد بضعة أشهرٍ، قام حشدٌ ناقمٌ على التدخل الأجنبي في المغرب بقتل ثلاثة فرنسيين وثلاثة إسبانيين وثلاثة إيطاليين كانوا يعملون لحساب نقابةٍ على الميناء والسكك الحديدية بمدينة الدار البيضاء. وكرد فعلٍ على ذلك، قصف الفرنسيون المدينة وﭐجتاحوها في 5 أغسطس من العام نفسه، ﻓﭐحتلوها وﭐحتلوا الأجزاء الداخلية من الشاوية. بعد ذلك ﭐحتلت فرنسا الرباط، وطالبت بتأمين قدره ستون مليون فرنكٍ لتغطية نفقاتها، ومبلغاً قدره 13,069,600 فرنكٍ تعويضًا عن الأضرار التي عانى منها التجار الفرنسيون. وقد أدى ذلك بالسلطان عبد العزيز إلى فرض ضرائبَ باهظةٍ أثقلت كاهل السكان، ما وضع شعبيته على المحك حتى وصل الأمر إلى فقدان ثقة الرعية به. وفي أغسطس من عام 1908، خلع علماء فاس عبد العزيز وبايعوا شقيقه عبد الحفيظ سلطانًا على البلاد. وفي محاولةٍ منه لاستدراك ما فاته، غادر السلطان عبد العزيز مدينة الرباط في جيش قوامه 5000 رجلٍ متجهًا إلى مراكش، حيث هُزِمَ جيشه في 19 أغسطس، فحاول الفرار لكنه سقط أسيرًا وأُحيل على التقاعد هو وعائلته في مدينة طنجة.
قد تنقل الصورة الرابعة ما حدث بالضبط في مدينة مراكش، لكنها تحمل أكثر من دلالةٍ، وكلها في صالح فرنسا وحلفائها الأوروبيين. بالنسبة لعامة الناس، كان هذا هو المثال الأكثر تجسيدًا لضعف المغرب والذي عرّضه للأطماع الخارجية. فمن المعلوم أن قوة الشعوب تكمن في حكمة زعمائها وشهامتهم وصدقهم وشجاعتهم. لكن هذا الحدث التاريخي يفضح ﭐنقسام البلد وتفتّت القيادة بسبب رغبات أخوين ’متهورين‘ (السلطان عبد العزيز والسلطان عبد الحفيظ). علاوةً على ذلك، فعنوان الصورة هو ’هروب عبد العزيز‘ وهو الخبر المفرح لفرنسا وإسبانيا وألمانيا حتى يسارعوا لمباركة السلطان عبد الحفيظ فيوقّع لهم على المزيد من الامتيازات ويحقق أمانيهم لرؤية المغرب تحت سيادتها.
تصوِّرُ الصورة الرابعة السلطان عبد العزيز ’جباناً‘، يحاول إنقاذ نفسه، في وقت يواجه فيه مرافقوه الموت والأسر والذلّ. عادةً لا يُسْمح للجندي كيفما كانت رتبته أن يضعف أو يستسلم، إلا أن الأسوأ في هذا المقام حدث، فالأمر يتعلق بضعف السلطان وإدباره. والصورة تجمع كل مقومات الشجاعة والشهامة والقوة (الخيل والجنود والأسلحة مهما كانت بدائيةً) التي من شأنها أن تساعد أيّ جنديٍّ على القتال وكسب الحرب؛ ومع ذلك، تنقلب كل مفاهيمها رأسًا على عقبٍ. فهذه المقومات تبدو على أنها مظاهرُ خداعةٌ تخفي زعيمًا وجيشًا ’جبناء‘ ’ضعفاء‘، بسبب الاضطرابات التي يعاني منها البلد كله، لا بسبب قوة السلطان عبد الحفيظ وجيشه، لأن هذا سيتبين ضعفه أكثر من ضعف أخيه.
في الواقع ما تكشف عنه الصورة الرابعة لم يكن جديدًا، بل كان في صلب ﭐنشغالات الحياة السياسية المغربية. إذا كان الفرنسيون يريدون أن يظهر السلطان عبد العزيز ’جبانًا‘ لا يصلح للقيادة، فإنّ صُنّاع القرار بالمغرب كانوا بالفعل قد أوشكوا على الإطاحة به، لا لأنه كان بالفعل «جبانًا»، وإنما لأنه كان غيرَ ناضجٍ بما يكفي لقيادة مغربٍ مضطربٍ آنذاك. لم يكن المغاربة يتباكون على ضعفه، بل كانوا يتأهبون لمبايعة من كانوا يرونه أقوى منه على قيادة البلاد في تلك اللحظات الحساسة. وهذه لم تكن علامةً على ضعف المجتمع المغربي، بل دليلًا على اليقظة والمقاومة. إضافةً إلى ذلك، حتى هروب السلطان عبد العزيز من ميدان المعركة كان سلوكًا عادلًا نظرا للاختلاف العسكري الصارخ بين فرنسا والمغرب في ذلك الوقت. قد لا يكون ما تسميه الصحيفة المصورة ’هروبًا‘ من ميدان المعركة ليس إلا خطةً ﭐستراتيجيةً لإعادة التنظيم والمناورة، وهذا ما حدث فعلًا. جهز السلطان عبد العزيز ما بقي من رجاله متجهًا إلى مراكش من أجل تقوية شوكته، لكنه خسر المعركة في النهاية. فالصورة الرابعة تسعى جاهدةً لكشف ضعف المغرب من خلال ضعف السلطان عبد العزيز، لكن السجلات التاريخية تكشف أيضًا أن فرنسا واجهت مقاومةً شرسةً جدًّا في شمال إفريقيا. ولو كان السلطان ضعيفًا، لما شارك في المعركة بنفسه. فهو يظهر بملابسَ نظيفةٍ قد تفيد بسالة الجنود وذودهم عن رمز وحدتهم، وقد تفيد أيضًا قدرة السلطان على القتال في المعركة دون أن يتعرض للإصابة. يمكن القول إذًا أن التراجع عن ميدان المعركة لا يتعلق بالشجاعة والإقدام بقدر ما يتعلق بفهمٍ عمليٍّ دقيقٍ لما يتطلبه الموقف والاستفادة منه. والحقيقة هي أنه على الرغم من أن الخطاب الاستعماري كان يميل إلى الحط من المستعمَر، كان المشروع الاستعماري مفيدًا للمستعمِر والمستعمَر كما كان ضارًّا لكليهما. سواءً في أوقات السلم أو الحرب، كان المستعمَر والمستعمِر يتقدمان ويتراجعان ثقافيًّا وﭐقتصاديًّا وسياسيًّا وﭐجتماعيًّا.

3.   سحر الحضارة الفرنسية وذوبان المحتل فيها
تجسد الصورة الخامسة المركزية الأوروبية بامتيازٍ. في العام 1907، دخلت فرنسا المغرب، وها هي للتو تدّعي أنها جذبت بالفعل ﭐهتمام السكان وحصلت على موافقتهم. لقد تجند الناس خدمة لفرنسا وقتال إخوانهم وملاحقتهم كما تشهد بذلك الصورة. إنه ’سحر‘ الحضارة الفرنسية و’عظمتها‘ و’تقدّمها‘ هو ما رغَّبَ المستعمرات في فرنسا كما تزعم الدعاية الامبريالية. كانت فرنسا تعتقد أنها ملاذ كلِّ متعطِّشٍ ’للتنوير‘ و’الحضارة‘، وعلى هذا الأساس دعت الدعاية للتوسع الإمبريالي في إفريقيا وفي أماكنَ أخرى من العالم. فحاول الفرنسيون إقناع عامة الفرنسيين وسكان المستعمرات أن الإحساس بواجب ’تنوير‘ العالم هو الذي كان وراء الحملات الاستعمارية؛ وكانت الاستجابة الفورية للمستعمرات هي التي منحت فرنسا كل تلك المستعمرات. تقول أليس كونكلين: «كل القوى الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر ﭐدّعت طبعًا أنها تنفّذ عملًا حضاريًّا في مستعمراتها وراء البحار؛ لكن الجمهورية الفرنسية هي الوحيدة التي ﭐعتبرت ذلكمذهبًا امبرياليًّا رسميًّا. منذ العام 1870، لما بدأت فرنسا في توسعة مممتلكاتها في إفريقيا والصين الهندية، أعلن الدعائيون الفرنسيون، ويليهم السياسيون، أن الحكومة الفرنسية هي وحدها من بين الدول الغربية من كان لها رسالةٌ خاصةٌ -أو ما يسميه الفرنسيون مهمة التنوير الحضاري - لتمدين الشعوب الأصلية التي دخلت تحت سيطرتها الآن».[13]
في الوقت الذي تسلط فيه الصورة الخامسة الضوء على قدرة فرنسا لتذويب المستعْمَر وﭐستيعابه حسب المعايير الفرنسية، فإنها تكشف عن جانبٍ مظلمٍ وهَشٍّ في الثقافة المغربية. كان الجنود يصطفُّون بسهولةٍ إلى جانب فرنسا، فيقاتلون إخوانهم، وعندما يُنْعَتُون بالخونة، تعتبرهم فرنسا أصدقاء لها. والمثير للسخرية أن فرنسا كانت لا تتساهل مع الجنود الخونة لكنها كانت تحمي أولئك الذين خانوا بلادهم لصالح المشروع الاستعماري. كان المشروع الامبريالي فوق كل المصالح، وكل من تجرأ على الإضرار به ﭐعْتُبِرَ عدوًّا للحضارة والتنوير في نظر اللوبي الامبريالي الفرنسي وعامة الناس كذلك.
بالنظر إلى الصورة دون قراءة ما تحتها، يُخَيَّلُ للمشاهد أن مجموعةً من الناس من شمال إفريقيا يتقاتلون فيما بينهم، إذ ليس من الواضح تمامًا ما إذا كان الفرسان في خدمة فرنسا نظرًا لتشابه ملابسهم وملامحهم. وهذا يلمّح إلى درجة التغلغل الذي حققته فرنسا في مجتمعات شمال إفريقيا، حيث نجحت في شنّ حربٍ بين أفراد المجتمع الواحد أو باستخدام جنودٍ لن يستفيدوا من ذلك في شيءٍ. كما تصرّ الصورة على الفوضى التي عاشها المغرب على جميع المستويات. ودليل ذلك ما تظهره الصورة الخامسة من تآكل بعض المباني وﭐنهيارها نتيجةً للتدمير أو الإهمال، وهذا التدهور على مستوى المباني قد يعكس تدهور المجتمع المغربي برمته، في تناقضٍ تامٍّ مع المجتمع الفرنسي الذي كان يشهد ﭐزدهارًا معماريًّا آنذاك، والذي يتجلى في المباني الجديدة التي بنتها فرنسا في المغرب لتسهيل السيطرة على البلاد، ونهب الثروات وترويج بضائعها في الأسواق. محطات القطار ومكاتب البريد ومخافر الشرطة ومقرات إقامة الموظفين والمستوطنين الفرنسيين والعديد من المباني الأخرى باختلاف خدماتها تشهد على المعمار الفرنسي المتميز بالمباني المنفصلة، والسقوف المنحدرة، والنوافذ الواسعة. صحيحٌ أنّ فرنسا حافظت على المدن القديمة، لكنها أصرت على بناء المدن الجديدة جنبًا إلى جنبٍ مع المدن القديمة التي بناها العلويون ومن سبقهم من المرابطين والموحدين والسعديين والوطّاسيين حتى يعتقد الناس في صحة نيتها لجلب الحضارة إلى المستعمرات. ويعلّق موريس لُنْ على هذا الاختيار المعماري قائلًا: إنّ »العمل الذي حققه ليوطي في المغرب منذ الحرب سيبقى مجْدًا لا يفنى بالنسبة لفرنسا.«[14] وتتجلى حنكة ليوطي في رغبته الحفاظ على المدن القديمة ليطمئن المغاربة على ثقافتهم وتراثهم، ويتجنب ردود الأفعال العنيفة مثل التي كانت في الجزائر عندما هدمت الآثار والبنى القديمة وﭐبْدِلَتْ ببناياتٍ فرنسيةٍ جديدةٍ، وحتى يقلل من النفقات المخصصة لتجديد البنية التحتية للبلاد.

تسليط الضوء على فكرة الفوضى في المغرب كان وسيلًة متوقعةً من فرنسا لتقديم مهمة ’التنوير الحضاري‘ كشرطٍ أساسيٍّ للإصلاح في المغرب. وقد حاولت الصحيفة الصغيرة جاهدةً المبالغة في أيِّ حدثٍ كان حتى تفضح المغرب كبلدٍ غيرِ منظَّمٍ، غير مستقرٍّ، وتروَّج صورةٌ سلبيةٌ عنه وعن شعبه. من خلال الصورة السادسة، أول شعور يتملَّكُ القارئ هو أن المغرب كان يعيش ﭐنفلاتًا خطيرًا على كافة الأصعدة، خاصّةً على الصعيد الأمني، لأنّ السلام والاستقرار هما الصفتان اللتان تميزان المجتمعات المتماسكة من المجتمعات المنهارة. ومتى غاب السلام، فإنّ أعمال الشغب والفوضى تصبح واقعًا معيشًا. ما يبدو للوهلة الأولى في هذه الصورة هو أنّ قطاع الطرق المغاربة الذين يهاجمون عربة البريد قد يعترضون أيًّا من المارة، سعيًا وراء المال والمتاع، لأن مجتمعًا فوضويًّا لا يمكن إلّا أن يكون مرتعًا للعصابات وقطّاع الطرق. وبحسب الصحيفة الصغيرة، فهذا المجتمع الفوضوي هو الدافع الأكثر إقناعًا لتحقيق مهمة ’التنوير الحضاري‘ في المغرب ومساعدة الناس على الانتقال من ’الظلام‘ إلى ’النور‘. ومع ذلك، فإن الصورة تحتمل معانيَ مختلفةً. فالمغرب كان في بدايةنضاله من أجل الحرية، لذلك يحتمل أن أولئك، الذين تسميهم الصحيفة الصغيرة المصورة قُطاع طرقٍ، كانوا رجال مقاومة مهمتهم مقاطعة عربة البريد لما قد تحمله من أخبارٍ حيويةٍ أو عرقلةِ عمل الإدارة الفرنسية على التراب المغربي بكل بساطةٍ. قائد العربة واللذان معه يلبسون زيًّا فرنسيًّا ويحاولون الدفاع عن أنفسهم، وأحدهم يحمل مسدّسًا. وهذا يؤكد القيمة التكتيكية والمادية للبريد المنقول. توقَّع الفرنسيون أن يكون عملهم سهلًا على الأراضي المغربية. لكنهم بمجرد أن واجهوا مقاومةً عنيفةً وشرسةً، وصفوا المغاربة باللصوص والقراصنة وقُطّاع الطرق. تستعرض الصورة السادسة الثقافتين المغربية والفرنسية بشكلٍ تدافعيٍّ، في مواجهة بعضهم البعض. فهي تحدّد ﭐختلافاتٍ واضحةً بين المغاربة بملابسهم وبنادقهم المحلية، والفرنسيين بملابسهم الأوروبية ومسدساتهم الفرنسية. علاوةً على ذلك، فالصورة تلمّح للمشاركة الجماعية للمغاربة في القتال ما قد يوحي إيجابًا على إجماعهم على قتال المستعمر. إن الأمر ليس مجردَ قتالٍ بين مجموعتين من الناس، وإنما هو صراعٌ بين ثقافتين، واحدةٍ تدافع عن سيادتها، والأخرى تحاول تحقيق طموحاتها الامبريالية.
تستعرض الصورة السابعة وجهًا آخرَ من أوْجُه الذوبان في الثقافة الفرنسية. أوّلًا، لقد بلغ بهذا الجندي المغربي الاستلاب درجةً كبيرةً. فهو على استعدادٍ للقتال من أجل فرنسا، ’وطنه الأم‘، ومستعدٌّ للموت من أجلها كذلك. إنه يعرض رغبتين متعارضتين تجاه المستعْمِر. فهو يمثل الجانب المغربي وهو على ﭐستعدادٍ لإسقاط الأغلال الاستعمارية، ويمثل الجانب المغربي الآخر الخاضع لمزاعم ’التنوير‘ و’الحضارة‘. كان هذا هو الحال إذًا، فالمغاربة كانوا منقسمين ما بين محاربة العدو وبين القتال إلى جانبه. وتُعلّق سوزان ميلر على هذه الحال قائلةً: إنّ »الموقف كان يدعو للسخرية. بينما كان عشرات الآلاف من الجنود المغاربة يقاتلون ويموتون إلى جانب الفرنسيين في خنادق التحالف، كان إخوانهم وأبناء عمومتهم يقاتلون فرنسيين آخرين في أودية جبال الأطلس المتوسط وجبال الريف، وجبال الأطلس الكبير.«[15] لم يكن هذا الإحساس المتناقض ينتاب المغاربة فقط بل حتى الفرنسيين. فبينما كانت فرنسا تدّعي التفوق والنقاء والنزاهة، وجدت نفسها قد سقطت في فخّ الاعتماد على الآخر لتحقيق ذلك. ففي التحليل النفسي الفرويدي، مصطلح ’التناقض‘ يصف مشاعر الحب والكراهية المختلطة تجاه الشخص الواحد؛ والشخص الذي يعاني من هذه الحالة من التناقض لا يمكن له الجمع بين مشاعر الحب والكراهية في الوقت نفسه وبالدرجة نفسها، فمتى ﭐرتفع أحد هذين الإحساسين ﭐنْكَبَت الآخر.
وتلخّص الصورة السابعة شعورين متناقضين تجاه فرنسا الامبريالية، فهي تسجّل ﭐستياءً من هذا المحتل كما تسجّل في الوقت نفسه محبةً لفرنسا إلى حدّ التضحية من أجلها. فجاذبية فرنسا الامبريالية وبريقها يدفعان الجندي المغربي المفتون للتضحية بحريته من أجل رفاهية الإمبراطورية الفرنسية وتوسعتها. وكان هذا واحدًا من أهداف القوى الاستعمارية، حيث كان من المتوقّع من سكان المستعمرات أن يتخلّوْا عن ﭐنتمائهم الثقافي والاندماج في جماعيةٍ امبرياليةٍ كبرى. كان الفرنسيون يتوقعون المقاومة لكنهم كانوا يخططون لوأدها بدهاءٍ، فيتسنّى لهم فرض هويةٍ جديدةٍ وبناءِ نسخةٍ طبق الأصل من وطنهم الأمّ. يتماهى الجندي المغربي إذًا مع عبوديته دون إكراهٍ واضحٍ.
استفادت فرنسا كثيرًا من مشروع الإدماج في الجزائر، والذي ولّد ثوراتٍ وأعمالَ شغبٍ كثيرةً. بحسب ريتشارد ﭘينل، فإن فرنسا حاولت بذكاءٍ تطبيق مشروع ’المشاركة‘ في المغرب، حتى تسمح للمغاربة (صوريًّا على الأقلّ) في حكم البلاد: «تحولت السياسة إلى فكرة «المشاركة»: كان على الجيشالفرنسي فرض سيطرته، والحفاظ على المؤسسات المحلية القائمة، كما يتم ﭐحتواء القادة المحليين وجعلهم يعتمدون على الفرنسيين. وسيسمح لقليلٍ من السكان الأصليين أن يصبحوا رعايا فرنسيين شريطة إظهار ولائِهم لفرنسا».[16] والهدف الأسمى للجيش الفرنسي من كل هذا هو إخماد الثورات المسلحة والحفاظ على علاقةٍ سلميةٍ مع السكان المحليين، خصوصًا أعيان المدن وأثريائها، بالإضافة إلى القياد لقدرتهم على الحفاظ على الأمن والنظام. تعرض هذه الصورة شعور الإدارة الاستعمارية الفرنسية بالفخر لاستمالتها الكثير من المؤيدين والمتعاطفين في المستعمرات، فهي كانت تنحاز للجنود المغاربة الذين سهّلوا عملها في المغرب وتعتبرهم أبطالًا قوميين،لكن رجال المقاومة كانوا يعتبرونهم ’بَيّاعةً‘ أو خونةً أُبيحت دماؤهم. فالقاسم المشترك بين ’الحركيّة‘ في الجزائر و’البيَّاعة‘ في المغرب هو ’الخيانة‘. أيًّا كانت الأسباب التي دفعت بعض المغاربة لقتال إخوانهم، فهي لم تكن كافيةً لرجال المقاومة لتبرئتهم من خطيئة الوقوع في أحضان المحتلّ. فرجال المقاومة لم يكونوا يفاوضون حول حرية البلاد، لكن ’البيّاعة‘ كانوا يريدون الامتيازات في المقابل. فقد كانوا يعلّمون أطفالهم في المدارس الفرنسية، ويحصلون على رواتبَ شهريةٍ، كما ﭐنخرطوا في نمط الحياة الفرنسي.
في عام 2010، تعاطف المخرجان إيزابيل كلارك ودانيال كوستيل مع ’الحرْكة‘ في الجزائر في شريطهما الوثائقي ’الجرح: مأساة الحرْكة‘. وهذا الوثائقي الذي موّله التلفزيون العام الفرنسي تحوّل إلى كتابٍ على يد فنْسِنْت كراﭘانزانو تحت عنوان: ’الحرْكة: الجرح الذي لا يبرأ‘[17]. كل دولة تُعَلِّمُ أبناءها وجنودها الدفاع عن الوطن الأم والذوذ عن حماه، وكلُّ من تخلّف عن ذلك يُعتبر خائنًا، إلا أن فرنسا أرادت إقناع العالم أن للحرْكة أسبابًا موضوعيةً دفعتهم للتحالف مع الفرنسيين في حروبهم في المستعمرات. ويحتوي الكتاب على ثلاثة أجزاء، إلا أن الجزء الثاني هو الأهم لأنه يحتوي على شهادات الحرْكة ويصور لماذا وكيف ﭐختاروا القتال إلى جانب الفرنسيين. ويعتقد معظم الحرْكة أنهم كانوا أفضل من إخوانهم بسبب الإمتيازات التي لم تكن لدى إخوانهم.لكن بُعَيْدَ ﭐستقلال الجزائر، تم ترحيل الحرْكة الذين نجوا من القتل على يد الحركة الوطنية إلى فرنسا حيث سُجِنَ البعض في المخيمات لما يقرب العشرين عامًا. لقد أصبحوا في مأمنٍ لكن لم يسمح لهم أبدًا أن يعيشوا بين الفرنسيين.
حدث هذا لجميع الخونة في المستعمرات. لقد خدعتهم فرنسا فاعتقدوا أنهم أفضل من الآخرين، ليس لأنهم كانوا بالفعل هم الأفضل ولكن لأن فرنسا كانت تدفع لهم بسبب سكوتهم. أولئك الذين عرفتهم المقاومة في المغرب على أنهم خونة قُتِلوا على الفور، بيد أن الذين كانوا يعملون سرًّا لم تخرج فرنسا حتى قلدتهم المناصب العليا في البلاد. بعد الاستقلال، كانت فرنسا مترددةً حول الترحيب بما سمتهم ’المتعاونين‘ لأنها كانت تعلم أن الذين خانوا أوطانهم يمكن أن يخونوا فرنسا كذلك، فسكتت عن قضيتهم ولم تعترف بجهودهم في إرساء سطوتها بشمال إفريقيا. يقول روبرت بوروفسكي: »موضوع المتعاونين على عهد الاستعمار هو واحدٌ من أكثر الموضوعات التي طالها التعتيم في الوقت الراهن. لقد لعب المتعاونون دورًا حاسمًا في الحفاظ على السلطة الاستعمارية من خلال القيام بدور الوسطاء في عملية الاحتلال. وقد سمحوا لقلةٍ قليلةٍ بحكم أغلبيةٍ ساحقةٍ.«[18]
وهذا يكشف عن خطاب فرنسا المزدوج حول الولاء والوطنية والحضارة والتنوير. في عام 2001، وفي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تواجه ﭐنتقاداتٍ لاذعةً بخصوص موضوع المتعاونين، ﭐضطرت لتخصص الخامس والعشرين (25) من سبتمبر يومًا تذكاريًّا للحرْكة، لتجديد الدعم لهم والاعتراف ’بتضحياتهم‘. لكن هذا وأمثاله من القوانين التضامنية العديدة لم تفعل شيئا يُذْكر لتحسين أوضاع الحرْكة الرهيبة. في الواقع، يمكن ﭐعتبار الخامس والعشرين من سبتمبر يومًا لتشتّت الحرْكة، لأن الاعتراف بهم جرّدهم من ﭐنتمائهم لفرنسا ولم يَرُدَّ لهم ﭐنتماءهم للجزائر. هم حرْكة، أقليةٌ بهويةٍ جديدةٍ لا يعترف بها إلا القلة من الفرنسيين. في الشريط الوثائقي ’الجرح: مأساة الحرْكة‘، يبدو الخطاب الأحادي لإضفاء الشرعية على قضية الحرْكة واضحًا جليًّا، وهذا يكشف عن سياسة فرنسا في تفريخ الأقليات ودعمها.
في المغرب، لم يتوقع الخونة أن يعودالملك محمد الخامس من المنفى. لكنه لما عاد، هرعوا إلى طلب المغفرة من خيانتهم. إلا أن الأمور لم تَسِر وفق توقعاتهم. لم يكن سهلًا على الناس أن ينسوا خيانتهم فبدأت محاولات الانتقام منهم. ففي 19 نوفمبر 1955 على سبيل المثال، ذهب الباشا ابن البغداديإلى القصرالملكي بفاس لطلب الصفح من الملك، فعرفه الناس قبل دخوله فهاجموه. حاول حماية نفسه باستخدام بندقيةٍ، لكن شخصًا فاجأه فطعنه بخنجرٍ. وقد لقي القياد بن العربى الفشتالي وعبد الله بن عبد الهادي زنيبر واليمّوري وغيرهم نفس المصير.[19]
على الرغم من التنازلات و’التضحيات‘ التي قدمها المتعاونون في شمال إفريقيا بشكلٍ عامٍّ وفي المغرب على وجه الخصوص، كانوا لفرنسا بمثابة ’الآخر‘. فإذا كانت فرنسا تعتبر رعاياها الذين ﭐستقروا في المستعمرات في إفريقيا فرنسيين ’مختلفين‘ أو ’ذوي الأقدام السوداء‘[20]، فإنّه من السهل الجزم أنها لن تعامل المتعاونين كفرنسيين من الدرجة الأولى. في الواقع، بعد ﭐستقلال المغرب، فقد المتعاونون ﭐنتماءهم للمغرب ولفرنسا على حدٍّ سواءٍ، وأصبحوا أقليةً. فهم ظنوا أن تعاونهم مع المحتل سيكون مجرد مغامرةٍ تنتهي باستقلال البلاد، لكن إيديولوجيا الخطاب الامبريالي أوقعتهم في الشَّرَك وجعلتهم في مواجهة الاتهامات بالخيانة وعرضةً للنفي والقتل. أُعدِم مئاتٌ من المتعاونين سرًّا أو علنًا بالرغم من المطالبات المتكررة بمسامحتهم. في مراكش وحدها، قُتل أكثر من أربعين بيّاعًا يوم 2 من مايو 1956م، ومثل ذلك وقع في مدنٍ مختلفةٍ من المغرب.[21]
ﭐستفادت فرنسا كثيرًا من جهود السكان الأصليين وتضحياتهم لإرساء وجودها في المستعمرات، كما عززت جيوشها بهم في الحربين العالميتين، إلا أن الوعي الأوروبي الجماعي لا يمكن أبدا أن يعتبر المستَعْمَر ندًّا للرجل أو المرأة الفرنسية (الأوربية). لقد كان ذلك ممكنًا من خلال الصورة الفوتوغرافية فقط. يقول فوغارتي: »ﭐرتبط السكان الأصليون ﭐرتباطًا وثيقًا مع الأمة الفرنسية من خلال القتال والموت ضد عدو مشترك -وقد ﭐعتبر كثيرٌ من الفرنسيين أنه لا يوجد دليلٌ أسمى من الإخلاص للأمة من المشاركة في الدفاع عنها خصوصًا في سنوات الحاجة هاته. إلا أن الهوية العرقية والثقافية لهؤلاء الرجال تميّزهم وتجعل ﭐندماجهم الكامل في الأمة الفرنسية، والذي يصرّ الخطاب الرسمي على تسميتها ’بالوطن الأب‘، صعبًا إن لم يكن مستحيلًا».[22] كان من الممكن خطابيًّا جلب الحضارة والتنوير إلى إفريقيا ’المظلمة‘، لكن في واقع الأمر كانت هناك عوائقُ عرقيةٌ وثقافيةٌ ودينيةٌ حولت المتعاونين المغاربة إلى عبيدٍ بدل مواطنين فرنسيين، وكشفت النقاب عن مخطط ضخم من القهر الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. ويضيف فوغارتي أن من كان على ﭐستعداد للموت من أجل فرنسا في المستعمرات أو في الحربين العالميتين كان يُمَجَّدُ ويعتبر فرنسيًّا لا لأنّ فرنسا كانت تعيش المساواة والعدالة التي كانت تتبجح بها الجمهورية كما يدّعي الكثيرون: «فالواقع كان أكثر تعقيدًا؛ من بعض الجوانب، كانت المصلحة الذاتية والنفعية وراء نشر غير البيض في صفوف الجيش الفرنسي للقتال في المعارك في أوروبا، بدلا من التمييز العنصري. ففرنسا تكبدت خسائرَ رهيبةً منذ الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى، وسرعان ما عانى الجيش الفرنسي من أزمةٍ في القوى العاملة، وﭐزدادت هذه الأزمة تفاقمًا مع ﭐستمرار الحرب».[23] وبالتالي، كثرت المطالبات باستقدام مزيدٍ من الجنود من المستعمرات لمعالجة الأزمة. وقد تّم تسريب أخبارٍ في العديد من المناسبات مفادها أنّ ﭐستخدام الجنود الأفارقة سيحقن دماء الجنود الفرنسيين ’الغالية‘. عمومًا، كانت المستعمرات خَزّانًا من الرجال لفرنسا من أجل تجنّب قتل رجالها ’الأخيار‘. يقول فوغارتي: »من هذا المنطلق إذًا، فإن وجود المستعْمَرِ في الجيش الفرنسي هو مثالٌ آخرُ على العلاقة الاستغلالية والمتأصلة في جميع النظم الاستعمارية بين الميتروبول والمستعمرات».[24] كانت هذه مغامرةٌ غيرُ محسوبةٍ من فرنسا حيث أصبحت في وقتٍ لاحقٍ تهدد قدرتها على السيطرة على المستعمرات. فتدريب آلاف الجنود المحليين من المستعمرات وتسليحهم والسماح لهم بأن يكونوا أعضاء في الجيش الفرنسي قد يؤدي في وقتٍ لاحقٍ إلى موجةٍ من العصيان ويخلق صراعاتٍ يتقاتل فيها الجنود المحليون المدربون والجيش الفرنسي بنفس الخطط الحربية وبنفس الأسلحة.
للصورة الثامنة الكثير من القواسم المشتركة مع الصورة الأولى بحيث إن ﭐستخدام الحجارة في رجم موشون يلمح إلى بدائية التسليح والقتال في المجتمع المغربي آنذاك. والصورة الثامنة تشير إلى هذه الهشاشة العسكرية على لسان الضابط الفرنسي قائلًا أن المغاربة كانوا يشنّون الحرب ضد الفرنسيين باستخدام البنادق الفرنسية. ولم يستسغ أن يحارب المغاربةُ الفرنسيين بأسلحتهم التي كانوا يتباهون بها. تقول ويندي هامبلت أن ’الهمج‘ كان يُتَوَقَّعُ منهم الخضوع للأوروبيين ’المتحضرين‘، والافتتان بأسلوبهم وتقدّمهم، والانتقال من ’البدائية‘ إلى ’التنوير‘:«لقد ﭐعتبر الأوروبيون الإنسان الإفريقي كصورةٍ بدائيةٍ للإنسان الأوروبي قبل يتحضر ويتثقف. كان يُنْظَرُ للأفارقة على أنهم كمثل الأوروبيين قبل أن يتطوروا. وكما لو كانوا لو أن التاريخ لم يعط لأوروبا دفعةً لصعود سلم التطور. لقد كان الأفارقة شعوبًا خارج التاريخ بشكلٍ كلِّيٍّ».[25]
وتعرض الصورة الثامنة أيضًا وجهًا آخرَ من وجوه الاستلاب الثقافي لدى الجنود المغاربة. أوّلًا، فالصورة تُصِرُّ على وضع ﭐختلافاتٍ فارقةٍ بين الجنود الفرنسيين ببزّاتهم العسكرية الموحدة، على عكس المغاربة الذين يرتدون ملابسَ عاديةً لا تميّزهم عن المدنيين في شيءٍ. ثانيًا، يظهر المقاتل المغربي المصاب ﭐختياره لبندقيةٍ فرنسيةٍ بدلا من الرمح أو الخنجر المحلي. وهذا ﭐعترافٌ ضِمنيٌّ بنجاعة الأسلحة الفرنسية وهشاشة العرض العسكري المغربي. ثالثًا، تلمح الصورة إلى تفوّق فرنسا حتى لو كان المغاربة يستخدمون الأسلحة الفرنسية في قتالهم. وهذا يدلّ على أن المغاربة لم يكن بمقدورهم الاستمرار في المقاومة لأنهم كانوا يفتقدون لبراعة الفرنسيين ودقتهم وخططهم الحربية. فإصابة المقاتل المغربي وسهولة المعركة بالنسبة للفرنسيين، وذلك واضحٌ على ملابسهم النظيفة، دليلٌ على أنهم بذلوا القليل من الجهد لإنهاء المعركة ليتأكد ’تفوّق‘ فرنسا ويُفْضَح ’تقهقر‘ المغرب. وعلى الرغم من أن المسؤول الفرنسي يعترف بأن الجنود المغاربة يقتلون الجنود الفرنسيين باستخدام البنادق الفرنسية، إلا أن الصورة تقدم الضحايا المغاربة فقط. هناك أربعة مصابين كلهم مغاربةٌ. وهذه محاولةٌ لإثبات التفوّق الفرنسي والقدرة على هَزْم العدو دون خسائرَ.
ومع كل هذا، فهناك إشاراتٌ إيجابيةٌ للمحارب المغربي. أوّلًا، إذا كان المقاتل المغربي المصاب في الصورة الثامنة يرتدي زيًّا مدنيًّا، فهذا قد يعني أن معظم المغاربة كانوا على ﭐستعداد للقتال من أجل حرية بلدهم. فالناس لم يكونوا في حاجةٍ إلى الانضمام للجيش للقيام بذلك، فربما لم تكن البزة العسكرية هي الضامنة للشجاعة والمقاومة والانتصار. إن لم يكن للمغرب جيشٌ قويٌّ كجيش فرنسا، فإنه كان حَرِيًّا بالبلاد أن تفخر برجالها الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الإدارة الاستعمارية. ثانيًا، فالمقاتل المغربي المصاب يمسك بالبندقية بإصرارٍ كبيرٍ ويشير بها إلى المسؤول الفرنسي، عربونًا عن ولائِه لبلده، وإصرارًا منه على إفشال المخططات الفرنسية الامبريالية. كما يلخص المشهد ﭐستعداد الوطنيين المغاربة لقتال الإدارة الاستعمارية الفرنسية حتى آخر رمقٍ في حياتهم. لما ﭐكتشف الفرنسيون أن بنادقهم الخاصة كانت تُسْتَخْدَمُ لقتل زملائهم، فقد تيقنوا أن الأمور قد تكون أكثر خطورةً من ذلك. فقد كان من الممكن أن رجال المقاومة كانوا على درايةٍ بمخططات فرنسا الحربية وحركاتها وأسرارها. فالذي كان متوقَّعًا من بلدٍ ’متخلِّفٍ‘ مثل المغرب هو الاستسلام بسهولةٍ، لكنه أصبح كابوسًا للفرنسيين.

4. مزاعم التنوير الحضاري في الخطاب الامبريالي الفرنسي
تُلخّص الصورة التاسعة جوهر الخطاب الامبريالي الفرنسي في القرن العشرين. تجسّد المرأة الجميلة الطويلة العلياء فرنسا وهي ترسو على الشواطئ المغربية جالبةً معها الذهب والكتب والنور. وهذه واحدةٌ من الأساطير التي بنت عليها فرنسا خطابها الامبريالي. وحتّى تُحوِّل فرنسا ﭐهتمام سكان المستعمرات عن الدافع الحقيقي وراء الحماية، سلّطت الضوء على أهدافها ’الإنسانية‘. تحدّد هذه الصورة تبايناتٍ صارخةٍ بين فرنسا ’المتفوقة‘ والمغرب ’المتقهقر‘. فرنسا تمثلها ﭐمرأةٌ بيضاءُ وترتدي لباسًا أبيضَ، أما الشعب المغربي فكلهم سودٌ، إيحاءً بثنائية النور والظلام. وتتعزز هذه الثنائية في أعلى الصورة حيث الجندي الفرنسي، الرجل الأبيض ذو البزة البيضاء والخوذة البيضاء، يأمر رجلًا مغربيًّا، بملابسه الداكنة، بتأدية التحية لفرنسا، المرأة الجميلة الذي تجلب له كل شيء لا يملكه. وتستعرض الصورة مدى ﭐفتتان الشعب المغربي بوصول فرنسا. فبينما تسعةٌ من المغاربة يتحَلَّقُون حول المرأة الجميلة وهم في ﭐنشغالٍ بجمالها، وإشراقتها، وملابسها، والذهب والكتب التي جلبتها، يقف البعض الآخر وهم يمتطون إبلهم (أعلى الصورة على اليمين) فرحين بمقدمها. وهذا يتعارض والسجلات التاريخية التي شهدت على المقاومة الشرسة التي لقِيَتْهَا فرنسا أثناء ﭐحتلالها المغرب. وتُجسّد الصورة التاسعة تفوُّق فرنسا من الناحية البيولوجية والعرقية كذلك. فجسد المرأة الفرنسية الجميلة يضاعف أجساد الرجال المغاربة حجمًا، وهذا يشيرإلى أن الأفارقة والمغاربة على وجه الخصوص كان يُنظر إليهم على أنهم أقلُّ شأنًا من الناحية البيولوجية. علاوةً على ذلك، فتصوير فرنسا كامرأةٍ جميلةٍ له دلالاتٌ جنسيةٌ وﭐجتماعيةٌ وسياسيةٌ. قوة المرأة الجميلة في إغواء المغاربة جارفةٌ مدمرةٌ. كما أن الصورة تحدِّد وجهًا آخرَ من أوجه التباين بين المجتمع الفرنسي، مجتمع المساواة، حيث يهيمن الرجال والنساء على حدٍّ سواءٍ والمجتمع المغربي ’الذكوري‘. ففرنسا، بلد المبادئ الثلاثة: الحرية والمساواة والإخاء[26]، يتجسد عادلًا بين المرأة والرجل موكلًا لهما مهمة التنوير الحضاري على الأراضي المغربية. ويظهر المغرب عكس ذلك، ظالمًا للمرأة مهمِّشًا لها، لمجرد غيابها من الظهور مع الرجل جنبًا إلى جنبٍ.
تحيل المرأة الفرنسية الجميلة في الصورة التاسعة على ماريان، رمز الحرية والعقل عند الفرنسيين، وإلهة الحرية عند الرومان. وقد ﭐرتبطت ماريان بالشعار الفرنسي (الحرية والمساواة والإخاء)، ومثلت ﭐنتصار الجمهورية الفرنسية. وقد ظلت حاضرةً في التاريخ الفرنسي منذ ثورة 1789، ولا تزال محفورةً على قطع اليورو المعدنية وعلى الطوابع البريدية. وبما أن ماريان جاءت لتجلب الحضارة والغنى والسلام إلى المغرب،فذلك لأن المغرب، كما توحي بذلك الصورة، كان يفتقر إلى الحضارة، وكان بلدًا فقيرًا ومضطربًا. وقد ﭐعتقد الفرنسيون أن تلك الذرائع كانت كافيةً للتدخل في المنطقة لتقديم ’المساعدة‘. لكنه ﭐنكشف بأن البرامج الاقتصادية والسياسية في فرنسا كانت ترى ﭐحتلال المغرب ومعظم إفريقيا وقودًا للمشاريع الاقتصادية الفرنسية الضامنة لبقاء فرنسا ضمن القوى العالمية الكبرى. كما أن ﭐفتتاح بعثة ’التنوير الحضاري‘ بواسطة ﭐمرأةٍ جميلةٍ قد يعني أن الإفريقي بشكلٍ عامٍّ كان يُعتبر فحلًا شَبِقًا. وقد وقع الجدل حول ذلك في وقتٍ مبكِّر في أوروبا، حيث ﭐنقسم الناس ما بين معجَبٍ بالرجل الإفريقي وذكورته وفحولته، وكارهٍ ’لرغباته الحيوانية‘. وهذا تكرارٌ للاتهامات الموجهة للموريسكي في المسرح اليعقوبي والإليزابيثي. وﭐسترواء مجتمعات شمال إفريقيا من تعدّد الزوجات وما ملكت الأيْمان دفعت الأوروبيين إلى ﭐستغلال هذه الرغبة الجامحة في النساء من خلال ﭐستعمال الحسناوات على رأس الحملة الامبريالية، وهم على يقينٍ أن هذه المجتمعات لن تقاوم جمالها وسحرها وجاذبيتها.
تستخدم الصحيفة المصورة نفس الخطاب الإنساني حتى عندما تتحدث عن الاحتلال الإيطالي لليبيا. فالصورة العاشرة صورةٌ كاربونيةٌ للصورة التاسعة وتكرارٌ لمضمونها، حيث تظهر ﭐمرأةٌ علياءُ جميلةٌ والتاج على رأسها وتحمل شعلةً في يدها رمزًا لحملة ’التنوير‘ الإيطالية في المغرب العربي. في الصورة العاشرة، يظهر الناس وهم في دهشة وخوفٍ في الآن ذاته. فبمجرد ما يضع الإيطاليون أقدامهم على الأراضي الليبية حتى يفرّ الناس منهم. تشترك الصورة التاسعة والصورة العاشرة في الدفاع عن الجانب الإنساني من الاحتلال الأوروبي لإفريقيا، كما لا تتورعان عن مساندتهما للحملات العسكرية المرافقة لبعثات ’التنوير الحضاري‘ هاته. في الصورة التاسعة، وجود الجندي الفرنسي وهو يأمر مغربيًّا بتحية فرنسا، السيدة الجميلة، هو رمز للسيطرة العسكرية وإنذارٌ بالاحتكاكات العنيفة مع الشعب المغربي. أما في الصورة العاشرة، فالغزو العسكري واضحٌ. جيشٌ جرارٌ يرافق السيدة الجميلة معزَّزًا بالسفن الحربية القادمة من بعيد. علاوة على ذلك، فالصورة تستعرض القوة العسكرية الإيطالية في ذلك الوقت، ما يوحي بتطور إيطاليا على مستوياتٍ عدةٍ، مقارنةً مع الحياة البدائية للشعب الليبي. تبالغ الصورة العاشرة في رصد النقائص العسكرية والاجتماعية والعرقية لليبيين من أجل تسليط الضوء ضمنياً على قوة الثقافة الإيطالية. كما تشير الصورة العاشرة مثلها مثل الصورة التاسعة إلى المجتمع الليبي ’الذكوري‘ مقارنة مع المجتمع الإيطالي ’العادل‘. إن لم تظهر النساء على الصور الفوتوغرافية، فالخطاب الاستعماري يستنتج على عجل أنّهن مهمشاتٌ؛ وهذا دليلٌ على فهمٍ سطحيٍّ للغاية للمجتمعات المغاربية.

خاتمة
خلاصة القول أن «الصحيفة الصغيرة المصورة» من خلال الصور العشر تستعرض على نطاقٍ واسعٍ ثنائيات الأسود/ والأبيض، والمتحضر/ والمتوحش، والفرنسي/ والآخر، لبناء صورةٍ شعبيةٍ حول المغرب في فرنسا، لا على أساس حقائقَ ملموسةٍ، وإنما أساسها المصالح الإيديولوجية والإمبريالية الفرنسية. وقد ساعدت شعبية «الصحيفة الصغيرة المصورة» على نشر صورٍ فضفاضةٍ وغيرِ دقيقةٍ حول المغرب، تغذيها في أغلب الأحيان الرغبات السياسيةفي الاحتلال والتوسّع، ورغبات عامة الناس في تقييم نوعية العرق أو اللون أو الثقافة التي ينتمون إليها أو التقدّم الذي وصلت إليه أوروبا مقارنةً ’بالآخر‘ بشكلٍ عامٍّ في وقتٍ كان فيه الاحتكاك بالثقافات الأخرى على أشُدِّه.

المراجع الأجنبية
- Bartles, Emily C. (Winter 1990). «Making more of the Moor: Aaron, Othello, and Renaissance Refashionings of Race». Shakespeare Quarterly. Vol. 41. N°. 4. 433-454.
Boahen, Albert Adu. (2011). African Perspectives on European Imperialism. New York: Diasporic Africa Press.
- Borofsky, Robert. Ed. (2000). Remembrance of Pacific Pasts: An Invitation to Remake History. Honolulu: University of Hawai’i Press.
- Clancy-Smith, Julia. Ed. (2001). North Africa, Islam and the Mediterranean World: From the Almoravids to the Algerian War. New York: Frank Cass Publishers.
- Codell, Julie F. Ed. (2003). Imperial Co-Histories: National Identities and the British and Colonial Press. New Jersey: Fairleigh Dickinson University Press.
- Cohen, William B. (2003). The French Encounter with Africans: White Response to Blacks, 1530 -1880. Bloomington: Indiana University Press.
- Conklin, Alice L. (1997). A Mission to Civilize: The Republican Idea of Empire in France and West Africa 1890- 1930. Stanford: Stanford University Press.
- Crapanzano, Vincent. (2011). The Harkis: the Wound That Never Heals. Chicago: University of Chicago Press.
- Duignan, Peter and Lewis H. Gann. (1973). Colonialism in Africa, 1870 -1960: A bibliographical guide to colonialism in sub-Saharan Africa. Vol. 3. Cambridge: Cambridge University Press.
- Ezra, Elizabeth. (2000). The Colonial Unconscious: Race and Culture in Interwar France. New York: Cornel University Press.
- Fogarty, Richard S. (2008). Race and War in France: Colonial subjects in the French Army, 1914 - 1918. Baltimore: The John Hopkins University Press.
- Hamblet, Wendy C. (2008). Savage Constructions: The Myth of African Savagery. Maryland: Lexington Books.
- Miller, Susan Gilson. (2013). A History of Modern Morocco. Cambridge and New York: Cambridge University Press.
- Pennell, C. Richard. (2000). Morocco since 1830: A History. London: C. Hurst and Co.
- Strauss, David Levi. (2003). Between the Eyes: Essays on Photography and Politics. New York: Aperture Foundation.
- Wright, Gwendolyn. (1991). The Politics of Design in French Colonial Urbanism. Chicago: University of Chicago press.

المراجع العربية
-    عبد الكريم غلاب (1987). تاريخ المقاومة المغربية. الرباط: مطبعة أيْديل.

------------------------------------
[1]     Peter Duignan and Lewis H. Gann, Colonialism in Africa, 1870-1960: A bibliographical guide to colonialism in sub-Saharan Africa, Vol. 3 (Cambridge: Cambridge University Press, 1973) 4
[2]     -Albert Adu Boahen, African Perspectives on European Imperialism (New York: Diasporic Africa Press, 2011) 1.
[3]     La RépubliQue, La Nouvelle dépêche, La Dépêche coloniale, Le Figaro, L’Ère nouvelle, Le Courrier colonial,L’Économiste colonial, Les Annales coloniales, et Le Petit Parisien.
[4]     David Levi Strauss, Between the Eyes: Essays on Photography and Politics (New York: Aperture Foundation, 2003) 70.
[5]    -أنظر المصدر نفسه، ص 71.
[6]     Julie F. Codell, ed., Imperial Co-Histories: National Identities and the British and Colonial Press (New Jersey: Fairleigh Dickinson University Press, 2003) 18.
[7]     Elizabeth Ezra, The Colonial Unconscious: Race and Culture in Interwar France (New York: Cornel University Press, 2000) 1-2.
[8]     William B. Cohen, The French Encounter With Africans: White Response to Blacks, 1530-1880 (Bloomington: Indiana University Press, 2003) 1.
[9]     Emily C. Bartles, «Making more of the Moor: Aaron, Othello, and Renaissance Refashionings of Race», Shakespeare Quarterly, vol. 41, n°. 4, Winter 1990: 433-454..
[10]  لم يكن دولاكروا مشهوراً قبل سنة1824، ولذلك قرر أن يخرج إلى الأضواء عبر عرض لوحةٍ حول الحرب في مدينة شيو. وقد أدرجت اللوحة تحت رقم 450 تحت عنوان: مشاهدُ من مذبحة مدينة شيو: عائلاتٌ يونانيةٌ تنتظر الموت أو السبي.
[11]    Julia Clancy-Smith, ed., North Africa, Islam and the Mediterranean World: From the Almoravids to the Algerian War (New York: Frank Cass Publishers, 2001) 143.
[12]  أنظر المصدر نفسه، ص 143.
[13]    Alice L. Conklin, A Mission to Civilize: The Republican Idea of Empire in France and West Africa 1890-1930 (Stanford: Stanford university Press, 1997) 1.
[14]    Gwendolyn Wright, The Politics of Design in French Colonial Urbanism (Chicago: University of Chicago press, 1991) 85.
[15]    Susan Gilson Miller, A History of Modern Morocco (Cambridge and New York: Cambridge University Press, 2013) 102-103.
[16]    C. Richard Pennell, Morocco since 1830: A History (London: C. Hurst and Co., 2000) 158-9.
[17]    Vincent Crapanzano, The Harkis: The Wound That Never Heals (Chicago: University of Chicago Press, 2011)
[18]    Robert Borofsky, ed., Remembrance of Pacific Pasts: An Invitation to Remake History (Honolulu: University of Hawai’i Press, 2000) 179.
[19]  عبد الكريم غلاب (1987)، تاريخ المقاومة المغربية (الرباط: مطبعة أيديل) ص 18.
[20]  ’ذوو الأقدام السوداء، مصطلح كان يُطْلَقُ على المقيمين بشمال أفريقيا (المغرب والجزائر وتونس) من أصل فرنسي أو أوروبي حتى نهاية الاحتلال الفرنسي ما بين 1956 و1962.
[21]  عبد الكريم غلاب (1987)، تاريخ المقاومة المغربية (الرباط: مطبعة أيْديل) ص 23.
[22]    Richard S. Fogarty, Race and War in France: Colonial subjects in the French Army, 1914-1918 (Baltimore: The John Hopkins University Press, 2008) 2.
[23]  أنظر المصدر نفسه، ص 7.
[24]  أنظر المصدر نفسه، ص 7.
[25]    Wendy C. Hamblet, Savage Constructions: The Myth of African Savagery (Maryland: Lexington Books, 2008) 98.
[26]  ’الحرية والمساواة والإخاء، هو شعار فرنسا (وهايتي)، ويعود تاريخه للثورة الفرنسية.