البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نقد المنظور الاستشراقيّ للجهاد مايكل بونر

الباحث :  د.غيضان السيد علي
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  20
السنة :  خريف 2019 م / 1441 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 21 / 2020
عدد زيارات البحث :  999
تحميل  ( 963.347 KB )
إنَّ الجهاد في سبيل الله فريضة من أَجلّ الفرائض في الإسلام، فرضها الله وشرّعها لمقاصد سامية، ولغايات نبيلة، ولأهداف جليلة منها: الدفاع عن الدين، والنفس، والمال، والعرض، والكرامة الإنسانيّة، وكذلك إبلاغ الدعوة إلى دين الله الذي يُراد به ترقية الإنسان إلى كافة السعادات الدنيويّة والأخرويّة، وإخراج الناس كافّة من الظلمات إلى النور، ومن الوحشيّة الموحشة إلى المدنيّة المؤنسة. ومنها أيضًا نصرة المظلوم والوقوف بجواره لدفع الظلم عنه، وردع الباغي حتى يندحر ويرجع عن بغيه وغيّهِ وظلمه.
كما تعدّ عقيدة الجهاد ذروة سنام الأمر في الإسلام كما أخبر النبيّ محمّد P في الحديث الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه[1]. أي أنَّ الجهاد أعلى ما في هذا الدين وأرفعه؛ لأنَّ به إعلاء لكلمة الله، يظهر به الدين ويعلو على سائر الأديان، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو أعلاها بهذا الوصف وذاك الاعتبار. ولذلك كان الجهاد كلمة حقّ -مهما اعترض المعترضون وانتقده المنتقدون- لكن ليس بالعنف والنزق والحماس الطفوليّ، وإنّما بالوسائل الصحيحة والخطوات المدروسة.
ويعد الجهاد في الإسلام من أكثر الموضوعات التي تناولها المستشرقون ليوجهوا من خلاله سهام النقد إلى العقيدة الإسلاميّة، وإثارة العديد من الشُّبَه حولها، وتصويرها بأنَّها عقيدة دمويّة انتشر بواستطها الإسلام تحت حدّ السيف، وأنّ الجهاد في الإسلام لا يعني إلّا القتال، مختزلين معناه في جزء بسيط من مفهومه الكبير والواسع. ويعدّ هذا البحث بمثابة تناول نقديّ لرؤية أحد المستشرقين حول الجهاد، وهو المستشرق الأمريكيّ مايكل بونر الذي كتب عن مفهوم الجهاد بالفرنسيّة والإنجليزيّة الأمر الذي جعل رؤيته للجهاد تشكّل فهم العديد من الغربيّين سواء أكان في أوروبا أو الأمريكيّتين أو البلاد الناطقة بهاتين اللغتين -وما أكثرها- حول العالم. وهو الأمر الذي يجعل من الضروريّ الوقوف عند رؤيته وقفة نقديّة.

أوّلًا: من هو مايكل بونر؟ وما هي أهمّيّة كتاباته حول الجهاد؟     
مايكل ديفيد بونر Michael David Bonner هو أستاذ التاريخ الإسلاميّ بقسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة ميشيجان University of Michigan الأمريكيّة، وهو من أشهر المستشرقين المعاصرين الذين يولون اهتمامًا ملحوظًا بدراسة عقيدة الجهاد الإسلاميّ وأصوله في التاريخ الإسلاميّ. ولا شكّ أنّ هذا الاهتمام يأتي في إطار اهتماماته العامّة بالتاريخ الإسلاميّ الذي بدأ الاهتمام به منذ فترة مبكرة في حياته منذ أطروحته للدكتوراه التي حصل عليها من جامعة برنستون Princeton University عام 1997م والتي تخصّصت في دراسة أحوال الشرق الإسلاميّ الأدنى.
وقد أصدر بونر عدّة دراسات مهمّة حول الشرق الإسلاميّ، منها: عودة الثروة: دراسة الفقر والفقراء في الشرق الإسلاميّ الأدنى، الإسلام والديمقراطيّة والدولة في الجزائر، العلاقات العربيّة البيزنطيّة، الفقر والإحسان في سياقات الشرق الأوسط، العنف الأرستقراطيّ والحرب المقدّسة: دراسة عن الجهاد والحدود البيزنطيّة العربيّة، وأصول الجهاد. ويعد هذا المؤلَّف الأخير الذي كتبه بالفرنسيّة ونشره بباريس عام 2004 نسخة مختصرة للدراسة التي قام بها بعد ذلك وكتبها بتوسّع  باللغة الإنجليزيّة ونشرها بعد ذلك في عام 2006  تحت عنوان: الجهاد في التاريخ الإسلاميّ- دراسة في المذاهب والممارسةJihad in Islamic History-Doctrines and Practice. وقد اعتمدنا -بشكل كبير- على هذا الكتاب في تلك الرؤية النقديّة للمنظور الاستشراقيّ لعقيدة الجهاد عند مايكل بونر، وهو الأنموذج الذي تقوم عليه هذه الدراسة، والتي تكمن أهمّيّتها في أنّها تجاوزت محاولة الوقوف عند البحث في دراسة أصل الكلمة (الجهاد) واشتقاقها إلى كونها دراسة في تحوّل الممارسات الاجتماعيّة والسياسيّة وفي ارتباطها بتاريخ معيّن، وتناولت العديد من المفاهيم التي عكست رؤية بونر لمفهوم الجهاد في التاريخ الإسلاميّ. فضلًا عن أنّ تلك الرؤية قد كُتبت خصّيصًا لتخاطب القارئ الغربيّ وتزوّده بأهمّ المعلومات والمناقشات التي دارت حول عقيدة الجهاد في التاريخ الإسلاميّ مما ينعكس فعليًّا على ممارسات الغربيّين العمليّة مع المسلمين على وجه العموم، وخاصّة الجماعات الجهاديّة المعاصرة التي تظهر هنا أو هناك. وفي الحقيقة هي رؤية تعكس مدى إلمام المؤلِّف بالتفاصيل الدقيقة للتاريخ الإسلاميّ التي كان يتعرّض لها في أكثر من موضع، وإن ظلّ محتفظًا بالحديث عن الجهاد كبؤرة مركزيّة لتلك التفاصيل التاريخيّة.

ثانيًا: نقد رؤية مايكل بونر العامّة حول الجهاد:
ينطلق بونر في بحثه لمفهوم الجهاد وموضوعه من افتراضين مسبقين يريد البرهنة عليهما. وكان الافتراض الأوّل والأهمّ هو أنَّ عقيدة الجهاد في شكلها الراهن لم تأت دفعة واحدة؛ بل تشكّلت وتبلورت عبر مراحل متعدّدة، وليس في فترة زمنيّة محدّدة، وذلك من خلال تفاعلها مع الأحداث التاريخيّة التي مرت بها الأمّة الإسلاميّة؛ وأنّ مفهوم الجهاد لم يتوقّف أبدًا عن التغيير، وما زال يتغير حتى يومنا هذا، حتى وإن كان له جوهر أصليّ يعود إلى فترة معيّنة في الماضي، فإنّ هذا الجوهر قد تعّرض للتغيير عدّة مرّات!![2]. ويجادل بونر في أنّ كثيرًا من مظاهر عقيدة الجهاد كما نعرفها اليوم لم تظهر إلّا مع نهاية القرن الثامن الميلاديّ، أي عندما كانت دولة الخلافة العباسيّة تعزّز سلطتها ومكانتها، حيث أصبح الجهاد معروفًا لدى الجميع كعقيدة ومصدر للإلهام والتوجيه في بناء مجموعة من الدول الإسلاميّة الجديدة[3]. ومن ثمّ فلا غرابة في أن تتعدّد -عند بونر- الأصول التي تبلورت هذه العقيدة من خلالها؛ فنجد إلى جانب نصوص القرآن الكريم أصولًا أخرى مثل الأحاديث النبويّة (السنّة) والسير والمغازي والاجتهادات الفقهيّة المختلفة. ومن ثمّ عندما كتب بونر النسخة الأولى من كتابه عن الجهاد عَنْوَنه بـ«أصول الجهاد»، أي أنّ البحث في هذه الأصول هو النقطة الرئيسة والمحوريّة التي انطلق منها بونر في دراسته، فيقول: «في هذا الكتاب سأتحدّث عن أصول الجهاد بصيغة الجمع، بدلًا من «أصل»[4]. وهو الأمر الذي يرفضه التصوّر الإسلاميّ الذي يرى أنَّ كلّ عقائد الدين الإسلاميّ وفرائضه قد اكتملت في حياة الرسولP وبنزول الآية القرآنيّة الكريمة: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾[5].
 ومن ثمَّ فإنَّ الفرض الذي يفترضه بونر وينطلق منه هو فرض واهٍ، يعكس تحيّزًا واضحًا بعيدًا عن الموضوعيّة العلميّة التي ذكرها في مدخل كتابه، حيث قال: «على الرغم من أنّني لم أحاول إخفاء تفضيلاتي الخاصّة تجاه الحجج المختلفة التي بُذلت، إلّا أنّني حاولت حقًّا أن أتعامل معها بإنصاف ونزاهة»[6]. ولا شكّ أن القناعات الإسلاميّة التي لا يساورها الشكّ أو الارتياب عند عموم المسلمين وخواصّهم في مشارق الأرض ومغاربها قد اكتملت أثناء نزول الوحي، وكان ذلك من تمام النعم على أهل الإسلام؛ حيث أكمل الله تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبيّ غير نبيّهم، صلوات ربي وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله آخر الأنبياء والمرسلين، وبعثه إلى الجنّ والإنس كافّة، فلا حلال إلّا ما أحلّه، ولا حرام إلّا ما حرّمه، ولا دين إلّا ما شرّعه وارتضاه، ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ﴾[7]. ومن ثمّ استقرّ في وجدان كلّ مسلم أنّ من أضاف إلى الدين أمرًا ظنّ أنّه حسنٌ، فقد ادعى أنَّ محمدًا P قد خان الرسالة؛ ولذلك فإنّ ما يراه بونر أصولاً للجهاد ما هي إلّا تنويعات على مفهوم الجهاد تستند بالأساس وتقوم على ما ورد في القرآن الكريم وصحيح السنّة النبويّة الشريفة، ولو بذل بونر جهدًا كافيًا في محاولة توخّي الموضوعيّة العلميّة -كما ادّعى- لعاد إلى أيّ من كتب الفقه الإسلاميّ -والتي يكثر من ذكرها بين ثنايا كتبه عن الجهاد الإسلاميّ- ليستيقن أنَّ كلّ مسائل الجهاد قد استوفت أمورها ومسائلها بالاستناد إلى ما ورد في الكتاب والسنة في وقت محدّد ومعيّن.
 أمّا الافتراض الثاني الذي ينطلق منه بونر في معالجة موضوع الجهاد، فهو أنّ كلمة «جهاد» لا تعني باللغة العربيّة «الحرب المقدّسة» أو «الحرب العادلة»، ولكنّها تعني حرفيًّا «الكفاح»، وقد يتبعها بشكل مباشر تعبير «في سبيل الله» أو لا، كما هو الحال في معظم الأحيان، لكن يظلّ مفعوله ساريًا ليبقى المعنى المحدّد لكلمة الجهاد هو «القتال في سبيل الله»، مهما اختلف فهمنا لهذا المعنى[8]. ولا شكّ أنّ قصر مفهوم الجهاد على القتال يُعد فهمًا خاطئًا إلى حدّ كبير؛ لأنّ فيه قصر المفهوم العمليّ لذلك الواجب العظيم واجب الجهاد على جزء بسيط من مفهومه الكبير والواسع. فالجهاد في اللغة: بذل غاية الوسع، وإذا كان ذلك البذل في سبيل الحقّ والصدق بدل بذله في سبيل الأغراض الذاتيّة الفرديّة، فيعبّر القرآن الكريم عنه بلفظ الجهاد، وبذل هذا الوسع قد يكون باللسان، وقد يكون بإنفاق المال، وقد يكون بصرف الوقت والعمر، وقد يكون بتحمّل المحن والمشقّات، وقد يكون ببذل الروح والدم في القتال ضدّ الأعداء. فكل بذل قدر عليه الإنسان وأمكن له، فهو واجب عليه القيام به، ويتضمّنه لفظ الجهاد لغة وشرعًا، وليس المراد بـ «الجهاد» القتال فقط، ولو صحّ قصر الجهاد على القتال فقط وحصره فيه، لمّا صح إطلاقه على أعمال القلب واللسان مع أنّ الكتاب والسنة يؤكّدان ذلك.
وبناءً عليه يكون القتال أخصّ من الجهاد؛ لأنّ قتال العدوّ يكون في وقت معيّن، لكنّ الإنسان المؤمن مجاهد طول حياته، فإنّه يجاهد صباح مساء، وفي كل لحظة من لحظات عمره. ومن ذلك صور الجهاد السلميّ الكثيرة التي أغفلها بونر في دراسته، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
جهاد النفس: ويكون بإرغامها على عدم ارتكاب المعاصي والسيّئات، ومجاهدة ما تقيم عليه من خطر ونقصان، والدعوة إلى كلّ سبل الخير، والصبر على المكاره، وتعلّم الهدي والعمل به والدعوة إليه. وذلك طبقًا لما رواه الألبانيّ في السلسلة الصحيحة أنّ رسول اللهP قال: «المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ الله». أو ما جاء عند ابن حبّان، والإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وابن المبارك، والنسائيّ، والبيهقيّ «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ».
جهاد المنافقين: وهو الجهاد الذي جاء بأمر قرآنيّ تمثّل في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾[9]. مع أنّ المنافقين كانوا يعيشون تحت حكم الإسلام خاضعين له، فلم يكن للجهاد بمعنى القتال ضدّهم معنًى، ولم يقاتل رسول اللهP ضدّهم أبدًا؛ لأنّ هذا الجهاد يراد به تبليغ الحق لهم، وجهاد إقامة الحجّة عليهم، ومقاومة فسادهم، وكل ذلك يتعلّق باللسان والقلب.
جهاد النساء: وهو ما ورد في صحيح البخاريّ وسنن ابن ماجة أنّ عائشة تقول: «قلت يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال نعم، جهاد لا قتال فيه؛ الحج، والعمرة». فقد سمّى الرسولP ذلك الجهد الذي تبذله المرأة في أداء الحج والعمرة والسفر جهادًا.
الجهاد ضد السلطان الجائر: فقد روى الترمذيّ وأبو داود في سننهما أنّ النبيP قال: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر».
 وأرى أن تهميش هذه الصور المختلفة لهذا النوع من الجهاد يعكس قناعة بونر بأنّه مسألة هامشيّة أو ثانويّة؛ ولذلك قصر مفهوم الجهاد على القتال فقط، وقد ترتّب على تصوّره هذا كثير من الأخطاء المتعمّدة والتي تعكس سوء نواياه، وبُعده عن الموضوعيّة. كان من أهمها أنّه نظر إلى الجهاد بوصفه امتدادًا لعمليّات النهب المسلّحة التي اعتاد عليها رجال الجاهليّة، غير أنّه قد تمّ تغيير مسارها، بدلًا من أن تكون عمليّات تتمّ داخل المجتمع الواحد، لتصبح عمليّات موجّهة للعدوّ الخارجيّ، عدوّ المجتمع والله[10]، حيث كانت تُشنّ العديد من الحملات والغزوات من أجل النهب والتدمير[11]. إذن، فهو بذلك يبعد تمامًا عن مقصد الإسلام من الجهاد الذي لم يكن عدواناً أبدًا، وإنّما كان ردًّا للعدوان وكسرًا للطغيان. فمقصد الإسلام هو إقامة السلام العالميّ الذي لن يتحقّق ما بقيت الأمم الظالمة الجشعة المتجبّرة التي لن تجدي معها الموعظة الحسنة أو الجدال بالتي هي أحسن، فما لم يهرق دم القتلة من الأمم الباغية لن يتوقّف إراقة دم المقتولين من المستضعفين.

ثالثًا- نقد رؤية بونر للجهاد في القرآن الكريم: 
يرى بونر أنَّ القرآن الكريم يمثّل أوّل الأصول التي تشكَّل منها مفهوم الجهاد، فيقول: «كان القرآن دائمًا أهمّ المصادر الإلهاميّة لعقيدة الجهاد وممارساتها، لكنّه لم يكن أبدًا المصدر الوحيد»[12]. فالقرآن -في نظر بونر- لا يفسر كلّ الحالات التي يمكن أن تواجه المجتمع المؤمن بأجياله المتعاقبة، حتى لو تمّ الأخذ في الاعتبار تشعّب موضوعاته رغم حجمه المحدود. كما يرى أنّ الآيات التي تتناول موضوعي الجهاد والقتال ليست كثيرة؛ إذ إنها تستأثر بالجزء الأكبر من سورتي الأنفال والتوبة فقط. هذا بالإضافة إلى الآيات المتناثرة في سور أخرى من القرآن، كما يرى أنّ الآيات التي تتحدّث عن القتال تتميّز بقوة ووضوح بارزين، ولكنها مع ذلك لا تشكّل عقيدة مكتملة ومتماسكة ومستقلّة[13]. ومن ثم يقرر بونر أنّه لكي يتم تقديم تصوّر ذي معنى للجهاد، فيجب أخذ الآيات القرآنيّة المتعدّدة التي تتحدّث عن الجهاد والقتال وربطها بالروايات التي تدور حول المجتمع الإسلاميّ المبكر وحروبه، ومقارنتها بهما، تمامًا كما جاءت في الروايات المبكرة في كتب السير والمغازي وأنواع أخرى[14].
ولا يخفى على القارئ أنّ بونر يريد أن يصل عبر تحليلاته الكثيرة في هذه النقطة إلى أنّ القرآن الكريم لا يقدّم صورة مكتملة عن الجهاد كما يبدو اليوم، وأنّه كمصدر رئيس من مصادر التشريع الإسلاميّ لا يمكنه أن يقدّم صورة مكتملة لعقيدة الجهاد الإسلاميّ كما تشكّلت في صورتها الراهنة دون النظر إلى مصادر أخرى خارج القرآن، أي في الأنواع الأدبيّة العربيّة الأخرى مثل: المغازي (الحملات العسكريّة)، والسير (السيرة النبويّة)، بالإضافة إلى التفسيرات القرآنيّة نفسها التي يتمّ تأويلها وإعطاؤها معان أخرى غير معانيها الظاهرة[15].
ولا يتوقّف بونر عند هذا الحد، بل يرى أنّ القرآن الكريم لا يقدّم رؤية مكتملة لعقيدة الجهاد وأنّه «كنصّ مقدّس عبارة عن خليط من العقائد المتعارضة فيما بينها، وكلّ واحدة تنسخ الأخرى»[16]. وكان الفقهاء دائمًا مجبرين على مواجهة تناقضاته الجليّة باستخدام آلية الناسخ والمنسوخ، أي أنّ النص الأخير يلغي النص السابق عليه في حالة تعارضه معه، حيث لا يهمّ كثيرًا وجود حكمين متناقضين في النصّ؛ بل الأهمّ هو مكانهما في التسلسل الزمنيّ لحياة محمّد[17].
وهنا تتضح أهداف بونر من معالجته لعقيدة الجهاد في ضوء القرآن الكريم، كما يتضح دور بونر نفسه بين المستشرقين، فهو من تلك الفئة التي تعرّضت للإسلام باسم البحث العلميّ، ولكنّها انحرفت عن جادة الصواب، فراحت تتلمّس نقاط الضعف في الإسلام، للتشكيك في صحّة الرسالة الإسلاميّة، وفي القرآن من حيث مصدره أو نصّه، وفي الحديث من حيث صحّته، وفي قيمة الفقه الإسلاميّ الذاتيّة... إلخ. 
فلو نظرنا نظرة واحدة لـ «كتاب الجهاد» في أحد كتب الفقه الإسلاميّ، وما أكثرها، سنجد أنّ القرآن الكريم قد قدّم تصورًا مكتملًا للجهاد كعقيدة أو كفريضة إسلاميّة، بدءًا من فضل الجهاد ومشروعيّته، وحكمه، وشروطه، ومسائله، والفرق بينه وبين القتال والرباط، وأحكام الحرب والهدنة، وحقوق الأسرى، وأهل الذمة، وأحكام الجزية، والسبي والغنائم. وإن كان دخول الحديث والسير والمغازي كتأكيدات وتوضيحات لأحكام القرآن التي لا يمكن أن تتعارض مع ما جاء فيه. كما أنّ الأحكام الفقهيّة التي تتعلّق بالتفصيلات الفرعيّة والثانويّة والهامشيّة التي تطرأ نتيجة التغيرات الزمنيّة، فهي مجرّد اجتهادات تدور حول النص القرآنيّ وتستند إليه، ومع ذلك تبقى مجرّد اجتهادات تقبل الإصابة والخطأ وتتعرّض لتغييرات دائمة حسب تطوّر الأزمان، ولا تدخل في صميم عقيدة الجهاد كما قُدّمت في القرآن الكريم.
كما أنّ آليّة الناسخ والمنسوخ التي يعتبرها بونر الأداة الناجزة التي يمكن من خلالها رفع التناقض الذي يزعم وجوده بين آيات القرآن الكريم، متجاهلًا تمامًا أنّ النسخ لا يلغي الحكم؛ لأنّه متناقض مع غيره كما يزعم بونر أو غيره، هي رؤية غير تامّة، حيث إنّ الحكمة من النسخ تكمن في عمليّة التدرّج في التشريع، دون إلغاء الحكم الأوّل، كمسألة تحريم الخمر في تدرّج ملحوظ. وهذا ما عجز بونر عن إدراكه، وجعل النسخ مجرّد آليّة فقهيّة لرفع التناقض بين الآيات، وهذا غير صحيح؛ بل هو من تخرّصات المستشرقين غير المنصفين.
كما يتضح هدف آخر لبونر من وراء هذه النقطة، وهو توجيه جهوده إلى محاولة زعزعة الاعتقاد بصحّة القرآن وفي مصدره، فيقول: «إنّ ما يمكننا تسميته بالقرآن التاريخيّ، الكتاب المقدّس للمسلمين، هو نتيجة لعمليّة معقّدة من الجمع والتحرير، تلك العمليّة التي كانت دائمًا موضع خلاف بين العلماء... كما أنّ الآيات القرآنيّة قد رُتبت في مجموعة من السور التي جاءت على شكل نثر مُقفّى في أغلبها، وعلى شكل شعر في حالات نادرة. كما أنّ ترتيب السور والآيات بداخلها لا يخضع لمنطق يمكن تقديره والتحقّق منه بسهولة، والشيء الذي يمكننا تأكيده أنّ الآيات كما نقرأها الآن في القرآن لا تتسلسل حسب الترتيب التي نزلت به على محمّد خلال مسيرته في مكة (610-622م)، ثم في المدينة المنورة (622-632م)»[18].
ولا شك أن تشكيك بونر ينصبّ هنا وبشكل مباشر على فكرة تدوين الوحي وجمعه، وأنَّ هذا التدوين كان جزئيًّا وناتجًا عن جهود فرديّة ومثارًا للاختلاف. وهو الأمر الذي طالما روَّج له المستشرقون في كلّ العصور منذ بداية الاستشراق وحتى اليوم. وقد تعددت الردود على هذه الفرية الاستشراقيّة. فمن الثابت أن فكرة تدوين الوحي كانت قائمة منذ نزوله، وقد كان الرسولP كلّما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدوّنوه، وقد بلغ عدد كُتَّاب الوحي -كما يذكر الثقات من العلماء- تسعة وعشرين كاتبًا أشهرهم الخلفاء الأربعة، ومعاوية، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وأُبّي بن كعب، وزيد بن ثابت[19]. أمّا من حيث ترتيب الآيات داخل السور وترتيب السور نفسه فقد تمّ في حياة الرسولP ولم يترك لاجتهادات المسلمين -كما يزعم بونر-؛ لأنَّ الأمين جبريل Q قد عارض النبيP القرآن مرتين في السنة الأخيرة من حياته، واستقر على ما هو عليه الآن، وهذا ما عليه أكثر علماء المسلمين[20].
وتستمرّ سهام بونر المسمومة الموجّهة نحو القرآن الكريم، فيرى أنَّ القرآن من تأليف محمّدP وهي فرية قديمة سبقه إليها الكثير من المستشرقين من أمثال: جورج سيل G.Sale في مقدمة ترجمته الإنجليزيّة لمعاني القرآن الكريم التي صدرت عام 1736م. وكذلك إرنست رينان E. Renan الذي اعتبر أنّ الرسالة المحمّديّة تعدّ امتدادًا طبيعيًّا للحركة الدينيّة التي كانت سائدة في عصر محمّدP دون أن تشتمل هذه الرسالة على أيّ جديد[21]. وغيرهما من أمثال ريتشارد بيل، وكاسميركي، ولوت، وبارت، وكلٌّ منهم كان له تبريراته الخاصّة التي تختلف عن الآخرين، أمّا بونر فقد استندت تبريراته على تأمّل آيات الجهاد وخاصّة قول الله تعالى: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ﴾[22]. وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ 10 تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾[23]، فيشير بناء على ما ورد فيها من مفردات إلى تعليقات الدراسات الحديثة على مفردات التجارة في القرآن، حيث ترى أنّ محمّدًا كان تاجرًا قبل كلّ شيء، وأنّ التجارة كانت الطبيعة الغالبة على كلّ أهل مكة[24]. ورغم إشارة بونر إلى آيات التحدّي الشهيرة، حيث تحدّى الله المشكّكين أن يأتوا بمثل هذه الكلمات القرآنيّة التي تفيض بلاغة وجمالًا، وقد شكّل عجزهم عن الإتيان بمثلها تأكيدًا على صحّة دعوى الرسول والرسالة[25]. إلا إنَّه رغم ذلك يبدي عدم اقتناعه بمثل هذا التحدّي في أجزاء متفرّقة من كتاباته، تلميحًا أكثر منه تصريحًا في موارد شتّى ومتفرّقة.

رابعًا- تشكيك بونر في السيرة والمغازي والحديث كأصول للجهاد:
على الرغم من أنَّ بونر زعم أنّ الأصول التي تشكّلت منها عقيدة الجهاد هي القرآن الكريم، والسير والمغازي والحديث. وقام أوّلًا بالتشكيك في المصدر الأول، وانتقل بالتالي إلى بقيّة الأصول، فرأى أنَّ السيرة كما نقرأها اليوم قد خضعت لتنقيحات، فيقول: «لقد خضعت سيرة ابن إسحاق لعمليّة مستمرّة من التنقيحات، وأنَّ السيرة التي بين أيدينا اليوم ما هي إلّا سيرة قام بتنقيحها عالم يسمّى ابن هشام المتوفّى عام 834م»[26]. وأنّ الكتابات المبكرة قد اختفت ولا نعرف غير عناوينها، وأنّ أقدم مصادر السيرة نعثر عليها في كتابات ابن هشام والواقدي المتوفيين في النصف الأول من القرن التاسع الميلاديّ، وهي كتابات -كما يرى بونر- لا تأخذنا أبعد من نصف القرن الثامن الميلاديّ، كما أنّ الآثار الموجودة على النقوش والقطع النقديّة والوثائق الأصليّة أو نتائج البحوث الأثريّة لم تتمكّن من تقديم أدلّة أو تدعيمات على هذه المعلومات، ولم تستطع أن تدلّل، ولو بقدر بسيط على ارتباط هذه المعلومات وعلاقتها بحياة النبيّ محمّد ومساره في شبه الجزيرة العربيّة، الأمر الذي يعبر فيه بونر عن نقص في المعلومات نتج عنه جدل كبير في العصر الحديث، وهو الأمر الذي يعكس خلافاً كبيرًا حول مصداقيّتها بوصفها تحمل الحقيقة الموضوعيّة. كما يؤكّد بونر فكرته العامّة -وهي أنّ السيرة والمغازي تفتقد إلى المصداقيّة الموضوعيّة، فيما تحمل من أفكار وأخبار وأنباء ساهمت في بناء مفهوم الجهاد كعقيدة إسلاميّة- بالقول إنّ بعض علماء العصر الحديث (لم يذكر اسمه ولا أيّ معلومات عنه) يرى أنّ أعمال السيرة والمغازي بكلّ تفاصيلها الغزيرة عرضة للتناقض، ليس بالمقارنة بين بعضها فقط (على سبيل المثال، ابن اسحق/ ابن هشام مقارنة مع الواقدي)، بل داخل كلّ نصّ فرديّ[27]. ويعدّ هذا -من وجهة نظرنا- رأيًا غريبًا فيما يخصّ كتب السيرة والمغازي، فجلّ كتب السيرة تتفق في الأحداث العامّة، سواء أكان حول سيرة الرسولP أم حول غزواته، أمّا الاختلاف في التفاصيل الدقيقة جدًّا غير المؤثّرة، فمن الطبيعي أن توجد بين راوٍ وآخر، وهذه طبيعة المرويّات على وجه العموم.
أمَّا عن السنّة النبويّة أو الحديث الذي هو ثاني أكبر مصدر للشريعة الإسلاميّة بعد القرآن الكريم، فهي ليست أصلًا مستقلًا عن القرآن الكريم، ولا يمكن أن تنفصم عنه في يوم من الأيّام -كما يزعم بونر-؛ بل هي وثيقة الصلة بالقرآن فهي بمثابة «تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره»[28]. ومع ذلك يطبّق بونر عليها منهجه المعتاد الذي يبدأ بالتشكيك في صحّتها، ثم ينتهي إلى أنّها ساعدت على نشر الإسلام بالسيف. وهذا يبدو واضحًا منذ البداية، حيث يعرّف السّنة أو الحديث بأنهما: عبارة عن تقارير حول أقوال وأفعال موثوقة نُسبت إلى النبيّ محمّد، أو لمن حوله من الصحابة، أو للأشخاص المبجّلين من الأجيال التالية (التابعين)[29]. في حين أنّ تعريف السنّة عند عموم المسلمين هي: «كل ما أُثر عن النبيP من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خَلقية أو خُلقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها». ويبدأ بونر بالتشكيك في صحّة السنّة بالإشارة إلى جهود المستشرق المَجَريّ إجناتس جولد تسيهر Ignaz Goldziher (0581-1291م) ومقالته الشهيرة عن الأحاديث النبويّة التي رأى فيها أنّ القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطوّر الإسلام الدينيّ والتاريخيّ والاجتماعيّ في القرن الأوّل والثاني. فالحديث بالنسبة له لا يعدّ وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأوّل؛ عهد طفولته، وإنّما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلاميّ في عصور المراحل الناضجة لتطوّر الإسلام. وينتهي إلى القول بأنّه قد تمّ اختراع كمٍّ هائل من الأحاديث في العصر الأمويّ عندما اشتدت الخصومة بين الأمويّين والعلماء الصالحين، ففي سبيل محاربة الطغيان والخروج عن الدين راح العلماء يخترعون الأحاديث التي تسعفهم في هذا الصدد، وفي الوقت نفسه راحت الحكومة الأمويّة تعمل في الاتجاه المضادّ، وتضع أو تدعو إلى وضع أحاديث تسند وجهات نظرها، وقد استطاعت أن تجنّد بعض العلماء الذين ساعدوها في هذا المجال. ولكن الأمر لم يقف عند حدّ وضع أحاديث تخدم أغراضًا سياسيّة، بل تعدّاه إلى النواحي الدينيّة في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة، وقد استمرّ هذا الحال في وضع الأحاديث في القرن الثاني أيضًا. هذا هو ملخّص المزاعم التي روجها جولدتسيهر ليهدم بها الأصل الثاني للإسلام وهو السنّة[30]، وهذا الذي أشار إليه بونر، معوّلًا عليه مع ما يراه بعض علماء الحديث المسلمين من أنّ بعض الأحاديث الموجودة في الصحيحين قد تعرّضت للتزوير والتزييف لينتهي إلى تعميم غريب؛ إذ يقول: «ومن ثمّ يتضح أنّ السنّة كلّها أو معظمها مزوّرة It is thus all or mostly forged»[31].  كما يستشهد بونر بقول المستشرق الألمانيّ جوزيف شاخت  J. Schachtالذي يرى أنّه لا وجود لحديث يمكنه أن يثبت بأنّه يعود إلى ما قبل سنة مئة هجريّة، هذا فضلًا عن جهوده لهدم السنّة النبويّة[32]. ولا شكّ أنّ جهود العلماء المسلمين قد وقفت بشكل شبه متكامل على ما هو صحيح وما هو باطل من السنة، وهو الأمر الذي ينوء تفصيله في هذا الإطار.
ومن التشكيك في أصل السنّة النبويّة ينتقل بنا بونر إلى فرية أخرى يزعم فيها أنّ السنة النبويّة ساعدت على انتشار الإسلام بحدّ السيف، ونشر الدين عن طريق القتال. ويستشهد بفهمه الخاطئ لقول النبيّP: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». وهو الأمر الذي يعبّر عن فهم خاطئ تمامًا؛ فقد فَهْمَ منه بونر لجهله بفقه اللغة العربيّة، أنّه يجب استخدام السيف لنشر الإسلام؛ إذ كلمة (الناس) في «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» لا يقصد منها الكون كلّه أو البشريّة كلها، لأنّ (ال) في الناس للعهد، تأمّل قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ
فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾[33]، فلو نظرنا إلى مدلول كلمة الناس الأولى في الآية سنجدها تقصد المنافقين، أمّا كلمة الناس الأخرى، فيُقصد بها كفار مكّة، فكلمة الناس في الحديث تعني مجموعة معهودة ومخصوصة من الناس؛ وهم مشركو مكّة الذين أخرجوا المسلمين، وحاربوا النبيّP ونكثوا عهودهم ولا يَرقُبون في مؤمن إلًّا ولا ذمّة، وبالتالي فإنّ المقصود بقتال الناس قتال المشركين المعتدين آنذاك وليس البشر أجمعين، حيث إنَّ كلمة (الناس) هي من العامّ الذي أريد به الخاص، و(أقاتل) تعني ردّ العدوان المبدوء من جهة كفار مكّة آنذاك[34]. فاستعمال لفظ «أقاتل» من «المقاتلة» على خلاف لفظ «اقتل»، حيث يدلّ اللفظ الأوّل على المفاعلة/ المقاتلة، فليس المسلم هو الذي يبدأ القتال، ولكن ﴿فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ﴾[35]. وقد نزلت هذه الآية أيضًا في كفار مكّة الذين كانوا يقاتلون المسلمين عند المسجد الحرام.

خامسًا- دوافع الفتوحات الكبرى والموقف من عقيدة الاستشهاد:
تناول بونر موضوع الفتوحات الكبرى في الإسلام على طريقة سلفه الانجليزيّ الجنرال جون باجوت جلوب (1897-1986) Gohn Bagot Gluppالذي كرَّس كتابه «الفتوحات العربيّة الكبرى» للانتقاص من البراعة العسكريّة الإسلاميّة وتشويه الفتوحات وازدراء المقدّسات الإسلاميّة؛ إذ إنَّ بونر يتساءل مندهشًا كما تساءل جلوب من قبل[36]: كيف استطاعت أمّة عاشت ردحًا طويلًا من الزمن تعيش على هامش العالم المتحضر أن تنهض فجأة وتهزم القوّتين العظيمتين في ذلك الوقت (الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة والإمبراطوريّة الساسانيّة الفارسيّة)؟ وكيف تسنّى لهذه الأمّة الناشئة أن تجتاح هاتين القوّتين وتحكم سيطرتها عليهما؟[37]. وسرعان ما يجد مجموعة من الأسباب التي يفسّر من خلالها هذا الاندهاش، وتتمثل في ما يأتي:

1 - الصراع المدمّر بين الإمبراطوريّتين العظيمتين:
يرى بونر أنَّ أهم الأسباب الذي مكّنت المسلمين من الانتصار هو ذلك الصراع المدمّر بين الإمبراطوريّة الفارسيّة والإمبراطوريّة الرومانيّة الذي أدّى في النهاية إلى ضعفهما، ووهنهما، واستنزاف كثير من مواردهما، وتخريب العديد من مدنهما ومناطقهما، وهو الأمر الذي عاد بالنفع على العرب الوافدين. بالإضافة إلى كراهية السكان المحليّين والاستياء العام الذي ساد بين رعاياهما في المستعمرات التابعة للإمبراطوريّتين الذين استنزفوهم من أجل حروبهما وصراعاتهما غير المجدية نفعًا[38]. ولا شكّ أنّ هذا سبب واهٍ وتبرير غير منطقيّ لهزيمة القوّتين العظيمتين من جانب بونر؛ لأنَّ هاتين القوّتين -كما يشير المستشرق جلوب- كان لهما حظ وافر من الجيوش النظاميّة رفيعة التدريب، المتطوّرة في الخدمات الإداريّة والتنظيميّة؛ فقد كان -فيما يذكر جلوب- لكلّ فصيل من المشاة مؤلّف من ستة عشر رجلًا عربة خاصّة لجنوده لحمل الفؤوس والمجارف لأعمال الحفر ومطحنة لطحن القمح، وغير ذلك من الأدوات والمعدّات. وكانت تسير مع الجيش وحدة إسعاف تضم الأطبّاء والجراحين وحملة ناقلات الجرحى. وكان التنفيذ التعبويّ والعسكريّ ينفّذ بدقّة ونظام ومثابرة. كما توافرت لطلبة العلوم العسكريّة كتب عدّة لدراسة الفنون الحربيّة، وأمام هذه الجيوش النظاميّة التدريب يقف العرب في جماعات من أبناء القبائل غير المدرّبين ولا يعرفون شيئًا عن التعبئة وفنون الحرب ولا عن النظام والكتب العسكريّة، وليست لديهم إدارة أو رواتب أو أطباء، وكان سلاحهم أقلّ شأناً وأهمّيّة من سلاح عدوّهم[39]. الأمر الذي يجعل إدعاء بونر محض وهم لا أساس له من الصحة. 

1 - شظف العيش والجوع والفقر:
يرى بونر أنَّه بحلول القرن السابع كان الجفاف المتواصل والتصحّر قد دمّرا العديد من مراكز الحضارة بشبه الجزيرة العربيّة؛ فدفع الفقر والعوز أصحاب هذه البلاد الذين توحّدوا فجأة تحت راية الإسلام إلى اجتياح الأراضي الأكثر ثراء في البلاد المجاورة التي كانت تنعم برخاء اقتصاديّ. ومن ثمَّ لم تكن الفتوحات الكبرى -عند بونر- نتيجة لتعاليم الإسلام الجديدة؛ بل نتيجة لعوامل أخرى ذات طابع مادّيّ خالص[40]. ومن السهل بيان تهافت هذا الرأي؛ وذلك لأنّ العرب كانوا دائمًا في حالة من الجوع والفقر والعوز قبل النبيّ محمّدP وبعده، الأمر الذي أدّى بالمستشرق «جلوب» وهو يفند زعم الجوع والفقر كسبب للفتوحات الكبرى أن يتساءل: لماذا وما الذي أدّى إلى أن يصبحوا قومًا لا يُغلبون مدّة ربع قرن؟ فيرفض «جلوب» هذا السبب ويردّ على القائلين به أنّهم فسّروا ذلك بعقليّة عصرهم هم؛ إذ يميل كلّ عصر من العصور إلى أن ينسب إلى العهود التاريخيّة الأخرى العقليّة الخاصّة به. فلقد نسب أسلافنا (أسلاف جلوب) من ذوي التفكير الدينيّ الفتوحات العربيّة إلى الحماس الدينيّ الإسلاميّ، أمَّا في عصرنا المادّيّ الحاضر، فقد أصبح من المألوف أن تنسب مثل هذه التفجيرات للطاقة إلى الدوافع الاقتصاديّة، وإلى ضغط المجاعة في الجزيرة العربيّة، ثم يشير جلوب إلى أمثلة متعدّدة من زهد القادة الفاتحين في الغنائم الحربيّة كأقوى دليل على نفي هذا الافتراض[41]. كما نسي بونر أو تناسى أنّ القتال في سبيل الله هو تكليف وأمر إلهيّ ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ ﴾[42]، وهذا التكليف كان ثابتًا على المسلمين، وقد فرض على بعضهم فرض عين وفرض كفاية على آخرين.

2 - الحماسة الدينيّة والرغبة في الاستشهاد:
تأثر بونر بأفكار المستشرقين «إدوارد جيبون» و«جون جلوب»، وكان الأخير قد ابتكر مصطلح «الحماسة الدينيّة» ليكون بديلًا عن فريضة الجهاد في سبيل الله كما يؤمن بها المسلمون، وجعلها السبب الأوّل في الفتح، والسبب الأول في انتصار المسلمين، وهو يحرص على وصف هذه الحماسة على أنّها اندفاع عاطفيّ أهوج[43].  ويرى بونر أنَّ الحماس الدينيّ العجيب هو بمثابة النقطة الوحيدة التي يتفق عليها معظم الباحثين في تاريخ الفتوحات الإسلاميّة المبكرة الذي يتمتّع به المحاربون المسلمون[44]. أي أنَّ بونر يعزو الانتصارات المذهلة التي حقّقها المسلمون الأوائل على الإمبراطوريّات العظيمة المتاخمة لهم إلى الروح الحماسيّة للمسلمين ولمعنويّاتهم العالية، وخاصّة أنّ هذه المعنويّات قد اشتدّت عن طريق الإيمان بأنّهم إنّما يقاتلون في سبيل الله، وأنّ من يستشهدون منهم سينتقلون سريعًا إلى الفردوس الأعلى من الجنّة، لكن بونر -رغم ذلك- يرى أنّ مفهوم الاستشهاد Martyrdom هو مفهوم مسيحيّ يطلق على الشخص الذي له أجر عظيم في الآخرة على معاناته وقتله.  كما يرى بونر أنَّه لا توجد إشارة مباشرة في أيّ موضع من القرآن تبيّن أنَّ الشهيد هو الشخص الذي قُتل في المعركة، ولكن الفقهاء المسلمين هم من فسروه بهذه الطريقة. ولا شكّ أنّ هذا زعم ما كان ليصدر من باحث يتوخّى أبسط قواعد النزاهة والموضوعيّة، بل وصل به الحدّ إلى السخرية من مفهوم الشهادة حدًّا يثير الاشمئزاز؛ حيث يذكر على سبيل اللمز والسخرية في هذا الصدد قصة مقاتل نجا بأعجوبة من جرح أصابه في المعركة، فرأى زوجته من الحور العين تقترب منه، لكنّها اختفت بسرعة عند اكتشافها أنّه لم يمت بعد، وظلّ يتطلّع لفرصة أخرى كي يجتمع بهذه الحوريّة للأبد[45]. وهكذا يخرج بونر من حيّز المناقشة العلميّة الجادّة إلى حيّز الخرافات التي لا يُبْنى عليها بحث علميّ رصين، وإنّما يقصد بها التشويه الإيديولوجيّ لعقيدة إسلاميّة سامية.
والجدير بالذكر هنا أنَّ بونر وغيره من المستشرقين استخدموا مصطلح «الحماسة الدينيّة» كبديل «لفريضة الجهاد في سبيل الله»، ورأوا أنّ تلك الحماسة كانت وسيلة لرفع المعنويّات، ولا شكّ أنّ الفارق شاسع بين الإيمان الحقيقيّ بالجهاد في سبيل الله وبين ارتفاع الروح المعنويّة، فالإيمان بالجهاد في سبيل الله كان هو الهدف ولم يكن ارتفاع المعنويّات إلّا نتيجة له، وهو أمر لا يستطيع بونر وغيره من المستشرقين إدراكه. فكان المقاتل المسلم يجاهد في سبيل الله، مؤمنًا بأنّ الدعم الإلهيّ أمر واقع ومؤكّد، وأنَّ الفئة القليلة المؤمنة الصابرة تغلب يقينًا الفئة الكبيرة الكافرة، وأنّ الشهادة شرف وهدف، وقد وعد الله المسلمين بالنصر أو بالشهادة، وأنَّ الرغبة الصادقة لدى المسلم في إعلاء كلمة الله هي التي تجعله يسعى بكلّ حماس لنيل إحدى الحسنيين.

سادسًا- بونر ومقولة نشر الإسلام بالسيف:
يلخص بونر عقيدة الجهاد من وجهة نظره في قوله: «كان الكفاح المسلح هو صلب الموضوع»[46]. حيث يرى أنّ الجهاد الإسلاميّ يختلف عن نظيره المسيحيّ واليهوديّ؛ حيث رفضت المسيحيّة القديمة -على سبيل المثال- استعمال العنف، فيما وُجد حديث شهير يقول «الجنّة تحت ظلال السيوف»[47]. وأنَّ النبي لم يمنعه مانع من سفك دماء أهل مكّة تحت راية الجهاد في سبيل الله، إلا أنّه وصحابته كانوا مستضعفين، فكان تسامحهم ضرورة ألجأهم إليها العجز وفقد النصير، حتى إذا واتتهم الفرصة في موطنهم الجديد انتهزوها وغمسوا أيديهم بالدماء، إشباعاً لغريزة الثأر والتشفّي!
وهنا يقع بونر في مغالطتين كبيرتين يعكسان تحيّزه وتعصّبه، أمّا الأولى، فإنَّ المسيحية القديمة لم ترفض استعمال العنف؛ إذ فرض الملك شارلمان (742-814 م) التعميدات المسيحيّة على السكسونيّين الوثنيّين بحدّ السيف. وفي الدانمارك استأصل الملك كنوت (995-1035م) المسيحيّ الوثنيّة من ممتلكاته بالقوّة والإرهاب. وكان الملك «أولاف ترايجفيسون Olaf Trygevesson» (369-0001م) يقوم بذبح هؤلاء الذين أبوا الدخول في المسيحيّة، أو يقوم بتقطيع أيديهم وأرجلهم أو بنفيهم وتشريدهم، وبهذه الوسائل نشر الدين المسيحيّ في «فيكن» بأسرها... إلى آخر ما يذكره محمّد عمارة من شواهد على نشر المسيحيّة بالسيف[48]. وهو ما يضيق المجال بذكره ها هنا.
أمّا المغالطة الثانية فإنّ النبي محمّدP لم يكن يومًا فظّ الطبع ولا غليظ القلب حتى يتحيّن الفرص للانتقام، والتاريخ يشهد أنّ خروج محمّدP من القرية الظالم أهلها إلى دار الأنصار لم يكن سببًا في تحوّل سياسته مع قريش من اللطف إلى العنف، ومن المسالمة إلى المقاومة، على الرغم من وضوح حقّه في هذا التحوّل وتمكّنه منه، فقد بايعه الأنصار قبل هجرته إليهم، وأعطوه المواثيق الغلاظ على مؤازرته ونصرته، فلو أنَّه فكّر في الثأر لرمى بهم في وجه عدوه من أوّل يوم، ولكانوا أطوع له من بنانه، ولكنّه لبث فيهم زهاء عامين شغل في أثنائهما شغلًا مستغرقًا بشعائر دينه، وشؤون قومه، وكان كلّ شيء في سيرته إذ ذاك يدل على أنّه قد تناسى الماضي بحسناته وسيّئاته، وأنّه قد اطمأن الاطمئنان كلّه إلى حياته الجديدة. وجملة القول: إنّ خوضه غمار الحرب لأوّل مرة كان حادثًا فجائيًّا حقًّا، لم تمهّد له مقدّمات من حياته بالمدينة، كما لم تمهّد له مقدّمات من ميوله ونزعاته، ولا من شخصيّته ومنزلته في قومه[49]. ولا أدلّ على ذلك من أنّهP عندما تمكّن من رقاب المشركين جميعًا في الفتح الأعظم قال مقولته المشهورة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وتعدّ مقولة بونر التي ترى أنَّ الإسلام انتشر بحدّ السيف، والتي تتردد على طول الخط الاستشراقيّ منذ بداياته وحتى اليوم مقولة حمّالة أوجه، فإمّا أن يكون المقصود منها أنَّ المسلمين أجبروا سكان البلاد التي تمّ فتحها على الدخول كرهًا في الإسلام، أو أن تكون دواعي الفتح في حدّ ذاته قد شجّعت هؤلاء السكان على التحوّل إلى الإسلام سواء أكان ذلك لأسباب مادّيّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة، أو أنّها أدّت في النهاية إلى اعتناق الإسلام عن اقتناع. والاحتمال الأوّل مرفوض بنص القرآن ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾[50]، أمّا الاحتمالان الثاني والثالث، فمفادهما أنَّ دواعي الفتح قد شجّعت الناس على الدخول في الإسلام أو أنَّ الناس اعتنقت الإسلام عن اقتناع، فلا يعني ذلك إكراه الناس على الدخول في الإسلام أو أنَّ الإسلام انتشر بحد السيف. كما أنَّ الواقع يشهد بأنَّ الإسلام انتشر في شرق آسيا ودخل الناس في دين الله أفواجًا نتيجة للأخلاق الكريمة التي تحلّى بها التجار المسلمون أثناء معاملاتهم مع أهل تلك البلاد.
وآيات القتال في القرآن الكريم لا تتناقض مع دعوة الإسلام إلى السلام، فهل كان يريد المستشرقون من الإسلام أن يمحو حقّ الدفاع عن النفس والحليف، وواجب الذود عن المستضعف والمظلوم؟ لا شكّ أن الجواب هو النفي؛ لأن الإسلام دين إحسان -كما يقول محمّد عبد الله درّاز-  ولكنّه إحسان لا يناقض العدل، ولا يشجّع الإجرام، ولا يدع الحق مكبّل اليدين إذا أراد الباطل أن يفتك به، إنَّه ذو رحمة واسعة، ولكنّه لا يردّ بأسه عن القوم المجرمين. فهو دين عدل وإحسان معًا، وبذلك فضل الشرائع السابقة التي فرقت بينهما[51]. فالقتال فُرض على المسلمين فرضًا وهو كره لهم، واضطروا لخوضه دفاعًا عن أنفسهم وعقيدتهم.

خاتمة:
وهكذا يثبت بما لا يدع مجالًا للشكّ تحيّز «مايكل بونر» لقناعات وافتراضات مسبقة، كما يثبت زيف ادعاءاته بأنَّه سوف يلتزم جانب الموضوعيّة العلميّة في معالجة هذا الموضوع الحساس الذي خصّص له أكثر من كتاب، فما أكثر الفروض التي فرضها وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة، وما أبعد تشعّب الظنون التي تطرّق إليها ليثير في قلوب القرّاء الشكوك والريب في عقيدة من أَجلّ عقائد الإسلام، متحرّرًا من قيود العيان والبرهان، وخاضعًا لإغراءات الهوى، وهو في محراب العلم، فلم يفق من نشوة نزعاته وعصبيّاته، ولم يتجرّد من سلطان عقائده وعوائده، فطار خلف كل سانحة وبارحة من الرأي ليمسك بأيّها أحبّ إلى قلبه وأكثر تملّقًا لشعور من هم على دربه وشاكلته، ثم يرسلها في الناس باسم العلم وفلسفة التاريخ. وما هي من العلم ولا من التاريخ في شيء. ومن ثم كان هذا البحث الذي بيَّن للناس ضلاله البعيد في كل ما سعى إليه، ليعمل على الحيلولة بين الشعوب الغربيّة -الذي يوجّه إليها كتاباته- والدخول في الإسلام مركّزًا على تشويه محاسنه لإقناع الغربيّين بعدم صلاحيّته لهم. وإثبات تفوّق المُثل الغربيّة من جانب، ثمّ إظهار عقائد الإسلام بمظهر العقائد التي لا تصلح إلا للهمجيّين والبدائيّين من البشر، عن طريق إضافة افتراءات لا أصل لها، وتشويه جمال العقائد والشرائع والعادات. وقد ارتكز على فريتين اثنتين عملنا على تفنيدهما خلال هذا البحث.
فأمَّا فريته الأولى التي ترى أنَّ عقيدة الجهاد كانت نتيجة للتطوّر الدينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ للإسلام في القرنين الأوّلين، فإنّه هنا يبدو تابعًا لما قد سبقه إليه المستشرق جولد تسيهر من حديث حول طفولة الإسلام ونضوجه، كما إنَّ الواقع والتاريخ يُكذّب هذه الفرية؛ فقد انتقل الرسولP إلى الرفيق الأعلى بعد أن اكتمل الدين تمامًا بنصّ القرآن. ومن ثمَّ يكون الحديث عن مرحلة اكتمال عقيدة الجهاد عبر التاريخ بعد وفاة النبيP حديثًا لا أساس له؛ لأنَّ النضوج كان قد تمّ بالفعل قبل وفاتهP. أمَّا إذا كان المراد بالنضوج هو تطوّر الفقه الإسلاميّ ليلبّي مستحدثات الأمور، ويواكب كلّ ما هو جديد، ويحوْل دون تجمّد الدين ويؤدّي إلى تجديد خطابه من عصر لآخر،  فهذا أمر آخر مع الأخذ في الاعتبار أنَّ تطور الفقه الإسلاميّ لم يخرج -في أثناء بحثه عن حلول لما جدَّ في المجتمع الإسلاميّ من مشكلات لم يكن لها نظير من قبل- عن الخطوط العامّة التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الصحيحة.
وكان وراء ذلك الاعتقاد لدى بونر منهجه الذي اتبعه في بحوثه، وهو منهج علماء الاجتماع في الغرب، ذلك المنهج الذي يرى أنَّ الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة يمكن أن تؤثّر في الدين، وقد تم تطبيق هذه الدراسات لا على الديانات الوثنيّة فحسب، بل على اليهوديّة والنصرانيّة، وهو بلا شكّ مذهب مادّيّ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشاهدات والوقائع والحوادث التاريخيّة، يأتي دائمًا باستنتاجات متحيّزة وغير دقيقة، ولا يصحّ تطبيقه على الإسلام؛ لأنّ للإسلام مصدران عظيمان محفوظان، هما القرآن الكريم وصحيح السنّة؛ ولأنَّ استقلاليّته عن غيره بيّنة، وذاتيته واضحة، وعقيدته لا شُبهة فيها ولا مجاملة، فهو لا يدعو الناس إلى عبادة بشر أو حجر أو شجر، بل إلى خالق هذه الأشياء كلّها الذي لا تتوسّط بينه وبين عباده وسائط من أي نوع، فالوسائط مرفوعة وممنوعة، فإذا قال العبد: يا رب، قال الرب لبّيك يا عبدي.
أمَّا عن فريته الثانية والتي توحّد بين الجهاد والقتال، فهو الأمر الذي أسهبنا في بيان تهافته في متن هذا البحث، وأنَّ الغرض من هذه الفرية هو الزعم بأنّ الإسلام انتشر بحد السيف، ونضيف إلى ما فصّلناه أنّه لو كان الإسلام قد انتشر بحدّ السيف -وهو الأمر الذي نهى القرآن عنه فلا إكراه في الدين-  لمَا وُجِد في المجتمعات الإسلاميّة غير المسلمين، ولكان حال الناس فيها بين مسلم أو كافر مقتول، لكن الواقع يدحض ذلك بمعايشة المسلمين لغير المسلمين في المجتمعات الإسلاميّة على مرّ التاريخ؛ إذ لم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات العربيّة نشر الدين الإسلاميّ، وإنّما بسط سلطان الله في أرضه، فكان للنصرانيّ أن يظلّ نصرانيًا، ولليهوديّ أن يظلّ يهوديًا، كما كانوا من قبل ولم يمنعهم أحد أن يؤدّوا شعائر دينهم، وما كان الإسلام يبيح لأحد أن يفعل ذلك، ولم يكن لأحد لينزل أذى أو ضررًا بأحبارهم أو قساوستهم ومراجعهم، وبيَعهم وصوامعهم وكنائسهم.    
وفي الختام نقول إنّه لا يليق بمسلم أن يضطرب قلبه أمام شبهات المستشرقين، فبضاعتهم مزجاة، ومقالاتهم -في معظمها- طافحة بالوساوس والشكوك الجدليّة المحضة، كما أنَّ كثيرًا منهم قد تخلّى عن المنهج العلميّ النزيه وانصاع لأهوائه وشهواته، وأخذته العزّة بالإثم، فراحت أقلامهم تقطر حقدًا وعداوة وطعنًا في الإسلام، فكان من الضروريّ أن نقف معهم وقفة نقديّة كهذه الوقفة مع منظور بونر إلى الجهاد في التاريخ الإسلاميّ. 

----------------------------------
[1]    عن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنّة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سألت عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله تعالى عليه: تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت»، ثم قال: «ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقـة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ
عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾، ثم ّقال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد». ثم قال: «ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟» فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: «كفّ عليك هذا»،  قلت: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟! فقال: «ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم». (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).
[2]     See, Michael Bonner, Jihad in Islamic History (Doctrines and Practice), Princeton University Press, USA, 2006, p.4. 
[3]  Ibid, p.x v i.
[4]  Ibid, p.16.
[5]  سورة المائدة، الآية 3.
[6]  Ibid, p. x v i i i .
[7]  سورة الأنعام، الآية  115.
[8]  Ibid, p.2.
[9] سورة التوبة، الآية 73.
[10] Michael Bonner, Jihad in Islamic History, pp.167-168.
ولا شك أن بونر هنا قد اختلط عليه الأمر، وأنه قد تأثر إلى حد كبير بخطاب البابا أوربان الثاني (1088-1099) في خطابه للشعوب الأوروبية الذي دعا فيه فرسان الاقطاع الأوروبي إلى الحروب الصليبية قائلا: «يا من كنتم لصوصاً كونوا اليوم جنودًا».                                                                 
[11] Ibid, p.171.
[12] Ibid, p.20.
[13] Idem.
[14] Ibid, p.21.
[15] See, Ibid, p.23.
[16] Ibid, p.21.
[17] Ibid, p.24.
[18] Ibid, p.23.
[19]  محمود حمدي زقزوق، الاستشراق والخلفيّة الفكرية للصراع الحضاريّ، القاهرة، مجمع البحوث الإسلاميّة، إصدار خاص لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، الكتاب الحادي عشر، منشورات مجلة الأزهر لشهر جمادى الآخرة 1437هـ / مارس- أبريل 2016، ص 118.
[20]  انظر، بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، الجزء الأول، القاهرة، 1957، ص 213.
[21]  انظر، محمّد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن، الكويت، دار القلم، 1974، ص130.
[22]  سورة الحديد، الآية 11.
[23]  سورة الصف، الآيتان 10-11.
[24] Michael Bonner, Jihad in Islamic History, p.32.
[25]  Ibid, pp.36-37.
[26] Ibid, p.37.
[27]  Ibid, p.39.
[28]  انظر، محمود حمدي زقزوق، الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاريّ، ص 129.
[29]  Michael Bonner, Jihad in Islamic History, p.45.
[30]  انظر، محمود حمدي زقزوق، الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاريّ، ص 132-133.
[31] Michael Bonner, Jihad in Islamic History, p.47.
[32] Ibid, p.48.
[33]  سورة آل عمران، الآية 173.
[34] انظر، محمد الغزالي، مئة سؤال عن الإسلام، الجزء الأوّل، دراسة وتقديم محمد عمارة، القاهرة، مجمع البحوث الإسلاميّة، إصدار خاص لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، منشورات مجلّة الأزهر لشهر المحرم 1439هـ/ أكتوبر 2017، ص 90-91.
[35] سورة البقرة، الآية 191.
[36] انظر، جون باجوت جلوب، الفتوحات العربيّة الكبرى،  تعريب وتقديم خيري حماد، القاهرة، الدار القوميّة للطباعة والنشر، د.ت، ص 218.
[37] Michael Bonner, Jihad in Islamic History, p.56.
[38] Ibid, p.58.
[39]  انظر، جون باجوت جلوب، الفتوحات العربيّة الكبرى، ص 218.
[40] Michael Bonner, Jihad in Islamic History, p.63.
[41]  انظر، جون باجوت جلوب، الفتوحات العربيّة الكبرى، ص379.
[42]  سورة البقرة، الآية 216.
[43] انظر، بهاء الدين حنفي، الفتوحات العربيّة الكبرى في ميزان الإسلام والتاريخ- دراسة نقديّة لآراء الجنرال جلوب، دراسة وتقديم محمد عمارة، القاهرة، مجمع البحوث الإسلاميّة، منشورات مجلّة الأزهر لشهر ربيع الآخر 1435هـ، ص 78.
[44] Michael Bonner, Jihad in Islamic History, p.72.
[45] Ibid, p.75.
[46] Ibid, p.79.
[47] Idem.
[48]  انظر، محمد عمارة، دراسات غربيّة تشهد لتراث الإسلام، القاهرة، مجمع البحوث الإسلاميّة، هدية مجلّة الأزهر لشهر شعبان 1436هـ/ يونيو 2015، ص 167-172.
[49]  انظر، محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن، ص124.
[50] سورة البقرة، الآية 256.
[51] انظر، محمد عبد الله درّاز، نظرات في الإسلام، القاهرة، مجمع البحوث الإسلاميّة، إصدار خاصّ لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، منشورات مجلّة الأزهر لشهر ذي القعدة 1436هـ /  أغسطس - سبتمبر 2015، ص 130.